امروز:
پنج شنبه 27 مهر 1396
بازدید :
800
تفسير قمي : سوره مائده


5 سورة المائدة مدنية و هي مائة و عشرون آية 120


بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام فإنه حدثني أبي عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قوله أوفوا بالعقود قال بالعهود ، و أخبرنا الحسين بن محمد بن عامر عن المعلى بن محمد البصري عن ابن أبي عمير عن أبي جعفر الثاني (عليه‏السلام‏) في قوله : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود قال إن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عقد عليهم لعلي بالخلافة في عشرة مواطن ، ثم أنزل الله « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود التي عقدت عليكم لأمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) » و قال علي بن إبراهيم في قوله أحلت لكم بهيمة الأنعام قال الجنين في بطن أمه إذا أوبر و أشعر فذكاته ذكاة أمه فذلك الذي عناه الله ، و قوله أحلت لكم بهيمة الأنعام دليل على أن غير الأنعام محرم ، و قوله يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله و لا الشهر الحرام و لا الهدي و لا القلائد و لا آمين البيت الحرام فالشعائر الإحرام ، و الطواف و الصلاة في مقام إبراهيم ، و السعي بين الصفا و المروة ، و مناسك الحج كلها من شعائر الله ، و من الشعائر إذا ساق الرجل بدنة في الحج ثم أشعرها أي قطع سنامها أو جللها أو قلدها ليعلم الناس أنها هدي فلا تتعرض لها أحد ، و إنما سميت الشعائر لتشعر الناس بها فيعرفونها ، و قوله « و لا الشهر الحرام » و هو ذو الحجة و هو من الأشهر الحرم ، و قوله « و لا الهدي » و هو الذي يسوقه إذا أحرم


تفسير القمي ج : 1ص :161


« و لا القلائد » قال يقلدها النعل الذي قد صلى فيه و قوله « و لا آمين البيت الحرام » قال الذين يحجون البيت الحرام و قوله و إذا حللتم فاصطادوا فأحل لهم الصيد بعد تحريمه إذا أحلوا ، و قوله و لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا أي لا يحملنكم عداوة قريش إن صدوك عن المسجد الحرام في غزوة حديبية أن تعتدوا عليهم و تظلموهم ثم نسخت هذه الآية بقوله « فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم » .


و أما قوله حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به و المنخنقة و الموقوذة و المتردية و النطيحة و ما أكل السبع إلا ما ذكيتم و ما ذبح على النصب و أن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق فالميتة و الدم و لحم الخنزير معروف ، و ما أهل لغير الله به يعني به ما ذبح للأصنام ، و المنخنقة : فإن المجوس كانوا لا يأكلون الذبائح و يأكلون الميتة ، و كانوا يخنقون البقر و الغنم فإذا ماتت أكلوها ، و الموقوذة كانوا يشدون عينيها و أرجلها و يضربونها حتى تموت ، فإذا ماتت أكلوها ، و المتردية : كانوا يشدون عينها و يلقونها من السطح ، فإذا ماتت أكلوها ، و النطيحة : كانوا يتناطحون بالكباش فإذا مات أحدهما أكلوه و ما أكل السبع إلا ما ذكيتم : فإنهم كانوا يأكلون ما يأكله الذئب و الأسد و الدب فحرم الله ذلك ، و ما ذبح على النصب : كانوا يذبحون لبيوت النيران ، و قريش كانوا يعبدون الشجر و الصخر فيذبحون لها ، و أن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق : قال كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزونه عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام و يدفعونها إلى رجل ، و السهام عشرة سبعة لها أنصباء و ثلاثة لا أنصباء لها ، فالتي لها أنصباء ، الفذ ، و التوأم ، و المسبل ، و النافس ، و الحلس [ الحليس ] ، و الرقيب ، و المعلى ، فالفذ له سهم و التوأم له سهمان و المسبل له ثلاثة أسهم و النافس له أربعة أسهم و الحلس له خمسة أسهم و الرقيب له ستة أسهم و المعلى


تفسير القمي ج : 1ص :162


له سبعة أسهم ، و التي لا أنصباء لها السفح و المنيح و الوغد ، و ثمن الجزور على من لم يخرج له الأنصباء شيئا ، و هو القمار فحرمه الله عز و جل .


و قوله اليوم يئس الذين كفروا من دينكم قال ذلك لما نزلت ولاية أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) و أما قوله اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا فإنه حدثني أبي عن صفوان بن يحيى عن العلا عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال آخر فريضة أنزلها الله الولاية ثم لم ينزل بعدها فريضة ثم أنزل « اليوم أكملت لكم دينكم » بكراع الغنم فأقامها رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالجحفة فلم ينزل بعدها فريضة و أما قوله فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فهو رخصة للمضطر أن يأكل الميتة و الدم و لحم الخنزير ، و المخمصة الجوع و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قوله غير متجانف لإثم ، قال يقول غير متعمد لإثم ، و قال علي بن إبراهيم في قوله غير متجانف لإثم أي غير مائل في الإثم فلا يأكل الميتة إذا اضطر إليها إذا كان في سفر غير حق ، و كذلك إن كان في قطع الطريق أو ظلم أو جور قوله يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات و ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله و هو صيد الكلاب المعلمة خاصة أحله الله إذا أدركته و قتلته لقوله « فكلوا مما أمسكن عليكم » و أخبرني أبي عن فضالة بن أيوب عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال سألته عن صيد البزاة و الصقور و الفهود و الكلاب ، قال لا تأكلوا إلا ما ذكيتم إلا الكلاب ، قلت فإن قتله قال كل فإن الله يقول و ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم ، ثم قال (عليه‏السلام‏) كل شي‏ء من السباع تمسك الصيد على نفسها


تفسير القمي ج : 1ص :163


إلا الكلاب المعلمة فإنها تمسك على صاحبها قال إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكروا اسم الله عليه ، فهو ذكاته و قوله أحل لكم الطيبات و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم قال عنى بطعامهم الحبوب و الفاكهة غير الذبائح التي يذبحونها فإنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم ، ثم قال و الله ما استحلوا ذبائحكم فكيف تستحلون ذبائحهم .


و قوله و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم فقد أحل الله نكاح أهل الكتاب بعد تحريمه في قوله في سورة البقرة و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن و إنما يحل نكاح أهل الكتاب الذين يؤدون الجزية على ما يجب فأما إذا كانوا في دار الشرك و لم يؤدوا الجزية لم يحل مناكحتهم و قوله و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله قال من آمن ثم أطاع أهل الشرك فقد حبط عمله و كفر بالإيمان و هو في الآخرة من الخاسرين و قوله يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق يعني من المرفق و هو محكم و قوله و اذكروا نعمة الله عليكم و ميثاقه الذي واثقكم به قال لما أخذ رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الميثاق عليهم بالولاية قالوا سمعنا و أطعنا ، ثم نقضوا ميثاقهم و قوله اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم يعني أهل مكة من قبل أن فتحها فكف أيديهم بالصلح يوم الحديبية و قوله فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم يعني نقض عهد أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) و جعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه قال من نحى أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) عن موضعه ،


تفسير القمي ج : 1ص :164


و الدليل على ذلك أن الكلمة أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) قوله « و جعلها كلمة باقية في عقبه » يعني به الإمامة و قوله و لا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم و اصفح قال منسوخة بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، و قوله و من الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم قال علي (عليه‏السلام‏) إن عيسى بن مريم عبد مخلوق فجعلوه ربا فنسو حظا مما ذكروا به .


و قوله يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب و يعفوا عن كثير قال يبين النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما أخفيتموه مما في التوراة من أخباره و يدع كثيرا لا يبينه قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين يعني بالنور أمير المؤمنين و الأئمة (عليهم‏السلام‏) و قوله قد جاءكم رسولنا يبين لكم مخاطبة لأهل الكتاب على فترة من الرسل قال على انقطاع من الرسل احتج عليهم فقال إن تقولوا أي لئلا تقولوا ما جاءنا من بشير و لا نذير فقد جاءكم بشير و نذير و الله على كل شي‏ء قدير و قوله اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء و جعلكم ملوكا يعني في بني إسرائيل لم يجمع الله لهم النبوة و الملك في بيت واحد ، ثم جمع ذلك لنبيه و قوله يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم فإن ذلك نزل لما قالوا لن نصبر على طعام واحد ، فقال لهم موسى اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ، فقالوا إن فيها قوما جبارين و إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون فنصف الآية هاهنا و نصفها في سورة البقرة ، فلما قالوا لموسى إن فيها قوما جبارين ، و إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ، قال لهم موسى لا بد أن تدخلوها ، فقالوا له فاذهب أنت و ربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون فأخذ موسى بيد هارون و قال كما حكى الله إني لا أملك إلا نفسي و أخي يعني هارون فافرق بيننا و بين القوم الفاسقين فقال الله فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يعني مصر لن يدخلوها أربعين سنة يتيهون في


تفسير القمي ج : 1ص :165


الأرض فلما أراد موسى أن يفارقهم فزعوا و قالوا إن خرج موسى من بيننا نزل علينا العذاب ففزعوا إليه و سألوه أن يقيم معهم و يسأل الله أن يتوب عليهم ، فأوحى الله إليه قد تبت عليهم على أن يدخلوا مصر و حرمتها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض عقوبة لقولهم اذهب أنت و ربك فقاتلا فدخلا كلهم في التيه البرقادون [ الأقارون ] فكانوا يقومون في أول الليل و يأخذون في قراءة التوراة فإذا أصبحوا على باب مصر دارت بهم الأرض فردتهم إلى مكانهم و كان بينهم و بين مصر أربع فراسخ ، فبقوا في ذلك أربعين سنة ، فمات هارون و موسى في التيه و دخلها أبناؤهم و أبناء أبنائهم .


و روي أن الذي حفر قبر موسى ملك الموت في صورة آدمي ، و لذلك لا تعرف بنو إسرائيل قبر موسى ، و سئل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن قبره فقال عند الطريق الأعظم عند الكثيب الأحمر ، قال و كان بين موسى و داود خمس مائة سنة و بين داود و عيسى ألف و مائة سنة و أما قوله و اتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما و لم يتقبل من الآخر فإنه حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي عن ثوير بن أبي فاختة قال سمعت علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) يحدث رجلا من قريش قال لما قرب ابنا آدم القربان ، قرب أحدهما أسمن كبش كان في ظانيته و قرب الآخر ضغثا من سنبل ، فقبل من صاحب الكبش و هو هابيل و لم يتقبل من الآخر فغضب قابيل فقال لهابيل و الله لأقتلنك ، فقال هابيل إنما يتقبل الله من المتقين لإن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي و إثمك فتكون من أصحاب النار و ذلك جزاؤ الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فلم يدر كيف يقتله حتى جاء إبليس فعلمه ، فقال ضع رأسه بين حجرين ثم اشدخه ، فلما قتله لم يدر


تفسير القمي ج : 1ص :166


ما يصنع به فجاء غرابان فأقبلا يتضاربان حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر الذي بقي الأرض بمخالبه و دفن فيها صاحبه ، قال قابيل يا ويلتا أ عجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين فحفر له حفيرة و دفنه فيها فصارت سنة يدفنون الموتى فرجع قابيل إلى أبيه فلم ير معه هابيل ، فقال له آدم أين تركت ابني ؟ قال له قابيل أرسلتني عليه راعيا ؟ فقال آدم انطلق معي إلى مكان القربان و أوجس قلب آدم بالذي فعل قابيل ، فلما بلغ المكان استبان قتله ، فلعن آدم الأرض التي قبلت دم هابيل و أمر آدم أن يلعن قابيل و نودي قابيل من السماء لعنت كما قتلت أخاك و لذلك لا تشرب الأرض الدم ، فانصرف آدم فبكى على هابيل أربعين يوما و ليلة فلما جزع عليه شكى ذلك إلى الله فأوحى الله إليه أني واهب لك ذكرا يكون خلفا من هابيل ، فولدت حواء غلاما زكيا مباركا ، فلما كان اليوم السابع أوحى الله إليه يا آدم إن هذا الغلام هبة مني لك فسمه هبة الله ، فسماه آدم هبة الله قال و حدثني أبي عن عثمان بن عيسى عن [ أبي ] أيوب عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال كنت جالسا معه في المسجد الحرام فإذا طاووس في جانب الحرم يحدث أصحابه حتى قال أ تدري أي يوم قتل نصف الناس ، فأجابه أبو جعفر (عليه‏السلام‏) فقال أو ربع الناس يا طاووس ، فقال أو ربع الناس ، فقال أ تدري ما صنع بالقاتل فقلت إن هذه لمسألة ، فلما كان من الغد غدوت على أبي جعفر (عليه‏السلام‏) فوجدته قد لبس ثيابه و هو قاعد على الباب ينتظر الغلام أن يسرج له فاستقبلني بالحديث قبل أن أسأله فقال ، إن بالهند أو من وراء الهند رجلا معقولا برجله أي واحدة ، لبس المسح موكل به عشرة نفر كلما مات رجل منهم أخرج أهل القرية بدله فالناس يموتون و العشرة لا ينقصون يستقبلونه بوجه الشمس حين تطلع و يديرونه معها حين تغيب ثم يصبون عليه في البرد الماء البارد


تفسير القمي ج : 1ص :167


و في الحر الماء الحار ، قال فمر به رجل من الناس فقال له من أنت يا عبد الله ؟ فرفع رأسه و نظر إليه ثم قال له إما أن تكون أحمق الناس و إما أن تكون أعقل الناس ، إني لقائم هاهنا منذ قامت الدنيا ما سألني أحد غيرك من أنت ، ثم قال يزعمون أنه ابن آدم .


قال الله عز و جل من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا فلفظ الآية خاص في بني إسرائيل و معناه جار في الناس كلهم ، و قوله و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا قال من أنقذها من حرق أو غرق أو هدم أو سبع أو كلفة حتى يستغني أو أخرجه من فقر إلى غنى ، و أفضل من ذلك أن أخرجه من ضلال إلى هدى ، و قوله فكأنما أحيا الناس جميعا ، قال يكون مكانه كمن أحيا الناس جميعا و أما قوله إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض فإنه حدثني أبي عن علي بن حسان عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال من حارب الله و أخذ المال و قتل كان عليه أن يقتل و يصلب و من حارب و قتل و لم يأخذ المال


تفسير القمي ج : 1ص :168


كان عليه أن يقتل و لا يصلب ، و من حارب فأخذ المال و لم يقتل كان عليه أن تقطع يده و رجله من خلاف ، و من حارب و لم يأخذ المال و لم يقتل كان عليه أن ينفى ، ثم استثنى عز و جل فقال « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم » يعني يتوب من قبل أن يأخذهم الإمام ، و قوله اتقوا الله و ابتغوا إليه الوسيلة فقال تقربوا إليه بالإمام ، و قوله إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا و مثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيمة ما تقبل منهم إلى قوله و الله على كل شي‏ء قدير فإنه محكم .


و أما قوله يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم فإنه كان سبب نزولها أنه كان في المدينة بطنان من اليهود من بني هارون و هم النضير و قريظة و كانت قريظة سبع مائة و النضير ألفا و كانت النضير أكثر مالا و أحسن حالا من قريظة و كانوا حلفاء لعبد الله بن أبي ، فكان إذا وقع بين قريظة و النضير قتل و كان القاتل من بني النضير قالوا لبني قريظة لا نرضى أن يكون قتيل منا بقتيل منكم فجرى بينهم في ذلك مخاطبات كثيرة حتى كادوا أن يقتتلوا حتى رضيت قريظة و كتبوا بينهم كتابا على أنه أي رجل من اليهود من النضير قتل رجلا من بني قريظة أن يجنيه و يحمم ، و التجنية أن يقعد على جمل و يولي وجهه إلى ذنب الجمل و يلطخ بالحماة و يدفع نصف الدية ، و أيما رجل من بني قريظة قتل رجلا من بني النضير أن يدفع إليه دية كاملة و يقتل به ، فلما هاجر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى المدينة و دخلت الأوس و الخزرج في الإسلام ضعف أمر اليهود فقتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير فبعثوا إليهم بنو النضير ابعثوا إلينا بدية المقتول و بالقاتل حتى نقتله ، فقالت قريظة ليس هذا حكم التوراة و إنما هو شي‏ء غلبتمونا عليه فإما الدية و إما القتل و إلا فهذا محمد بيننا و بينكم فهلموا لنتحاكم إليه ، فمشت بنو


تفسير القمي ج : 1ص :169


النضير إلى عبد الله بن أبي و قالوا سل محمدا أن لا ينقض شرطنا في هذا الحكم الذي بيننا و بين بني قريظة في القتل ، فقال عبد الله بن أبي ابعثوا معي رجلا يسمع كلامي و كلامه فإن حكم لكم بما تريدون و إلا فلا ترضوا به ، فبعثوا معه رجلا فجاء إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال له يا رسول الله إن هؤلاء القوم قريظة و النضير قد كتبوا بينهم كتابا و عهدا وثيقا تراضوا به و الآن في قدومك يريدون نقضه و قد رضوا بحكمك فيهم فلا تنقض عليهم كتابهم و شرطهم ، فإن بني النضير لهم القوة و السلاح و الكراع ، و نحن نخاف الغوائل و الدوائر ، فاغتم لذلك رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فلم يجبه بشي‏ء ، فنزل عليه جبرئيل بهذه الآيات « يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم و من الذين هادوا » يعني اليهود « سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه » يعني عبد الله بن أبي و بني النضير « يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه و إن لم تؤتوه فاحذروا » يعني عبد الله بن أبي حيث قال لبني النضير إن لم يحكم لكم بما تريدون فلا تقبلوا « و من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي و لهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، و إن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا و إن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين إلى قوله و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون » و قوله و كتبنا عليهم فيها يعني في التوراة أن النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف و الأذن بالأذن و السن بالسن و الجروح قصاص فهي منسوخة بقوله كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر و العبد بالعبد و الأنثى بالأنثى و قوله و الجروح قصاص لم تنسخ ثم قال فمن تصدق به أي عفا فهو كفارة له و قوله لكل جعلنا منكم شرعة


تفسير القمي ج : 1ص :170


و منهاجا قال لكل نبي شريعة و طريق و لكن ليبلوكم فيما آتاكم أي يختبركم ثم قال لنبيه فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة و هو قول عبد الله بن أبي لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لا تنقض حكم بني النضير فإنا نخاف الدوائر ، فقال الله تعالى فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين و أما قوله يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله قال هو مخاطبة لأصحاب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الذين غصبوا آل محمد حقهم و ارتدوا عن دين الله « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه » نزلت في القائم (عليه‏السلام‏) و أصحابه يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم و أما قوله إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون فإنه حدثني أبي عن صفوان عن أبان بن عثمان عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال بينما رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جالس و عنده قوم من اليهود فيهم عبد الله بن سلام ، إذ نزلت عليه هذه الآية فخرج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى المسجد فاستقبله سائل ، فقال هل أعطاك أحد شيئا قال نعم ، ذاك المصلي فجاء رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فإذا هو علي أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) و قوله و إذا جاءوكم قالوا آمنا قال نزلت في عبد الله بن أبي لما أظهر الإسلام و قد دخلوا في الكفر قال و خرجوا به من الإيمان و قوله و أكلهم السحت قال السحت هو بين الحلال و الحرام و هو أن يؤاجر الرجل نفسه على حمل المسكر و لحم الخنزير و اتخاذ الملاهي فإجارته نفسه حلال و من جهة ما يحمل و يعلم هو سحت .


و حدثني أبي عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال قال أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) من السحت ثمن الميتة ، و ثمن الكلب ، و مهر البغي ، و الرشوة في الحكم ، و أجر الكاهن ، و قوله قالت اليهود يد الله مغلولة غلت


تفسير القمي ج : 1ص :171


أيديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان قال قالوا قد فرغ الله من الأمر لا يحدث الله غير ما قد قدره في التقدير الأول ، فرد الله عليهم فقال بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء أي يقدم و يؤخر و يزيد و ينقص و له البداء و المشية ، و قوله كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله قال كلما أراد جبار من الجبابرة هلاك آل محمد قصمه الله ، و قوله و لو أنهم أقاموا التورية و الإنجيل و ما أنزل إليهم من ربهم يعني اليهود و النصارى لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم قال من فوقهم المطر و من تحت أرجلهم النبات و قوله منهم أمة مقتصدة قال قوم من اليهود دخلوا في الإسلام فسماهم الله مقتصدة .


و قوله يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك قال نزلت هذه الآية في علي و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس قال نزلت هذه الآية في منصرف رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من حجة الوداع و حج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حجة الوداع لتمام عشر حجج من مقدمه المدينة فكان من قوله بمنى أن حمد الله و أثنى عليه ثم قال : « أيها الناس اسمعوا قولي و اعقلوه عني فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، ثم قال هل تعلمون أي يوم أعظم حرمة ؟ قال الناس هذا اليوم ، قال فأي شهر ؟ قال الناس هذا ، قال و أي بلد أعظم حرمة ؟ قالوا بلدنا هذا ، قال فإن دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، ألا هل بلغت أيها الناس ؟ قالوا نعم ، قال اللهم اشهد ، ثم قال ألا و كل مأثرة أو بدعة كانت في الجاهلية أو دم أو مال فهو تحت قدمي هاتين ، ليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوى ، ألا هل بلغت ؟ قالوا نعم ، قال اللهم اشهد ، ثم قال ألا و كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع ، و أول موضوع منه ربا العباس بن عبد المطلب ،


تفسير القمي ج : 1ص :172


ألا و كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع ، و أول موضوع دم ربيعة ، ألا هل بلغت ؟ قالوا نعم ، قال اللهم اشهد ، ثم قال ألا و إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه و لكنه راض بما تحتقرون من أعمالكم ، ألا و إنه إذا أطيع فقد عبد ، ألا أيها الناس إن المسلم أخو المسلم حقا ، لا يحل لامرء مسلم دم امرى‏ء مسلم و ماله إلا ما أعطاه بطيبة نفس منه ، و إني أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على الله ، ألا هل بلغت أيها الناس ؟ قالوا نعم ، قال اللهم اشهد ، ثم قال أيها الناس احفظوا قولي تنتفعوا به بعدي و افهموه تنعشوا ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا ، فإن فعلتم ذلك و لتفعلن لتجدوني في كتيبة بين جبرئيل و ميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف ، ثم التفت عن يمينه فسكت ساعة ثم قال إن شاء الله أو علي بن أبي طالب ، ثم قال ألا و إني قد تركت فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا كتاب الله و عترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، ألا فمن اعتصم بهما فقد نجا و من خالفهما فقد هلك ألا هل بلغت ؟ قالوا نعم ، قال اللهم اشهد ، ثم قال ألا و إنه سيرد علي الحوض منكم رجال فيدفعون عني ، فأقول رب أصحابي ، فقال يا محمد إنهم أحدثوا بعدك و غيروا سنتك فأقول سحقا سحقا .



تفسير القمي ج : 1ص :173


فلما كان آخر يوم من أيام التشريق أنزل : الله إذا جاء نصر الله و الفتح ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نعيت إلي نفسي ثم نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف فاجتمع الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال نصر الله امرءا ، سمع مقالتي فوعاها و بلغها من لم يسمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرى‏ء مسلم أخلص العمل لله ، و النصيحة لأئمة المسلمين و لزم جماعتهم فإن دعوتهم محيطة من ورائهم ، المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم ، يسعى بذمتهم أدناهم و هم يد على من سواهم . أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين ، قالوا يا رسول الله و ما الثقلان ؟ قال كتاب الله و عترتي أهل بيتي ، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كإصبعي هاتين ، و جمع بين سبابتيه و لا أقول كهاتين و جمع سبابته و الوسطى ، فتفضل هذه على هذه ، فاجتمع قوم من أصحابه و قالوا يريد محمد أن يجعل الإمامة في أهل بيته فخرج أربعة نفر منهم إلى مكة و دخلوا الكعبة و تعاهدوا و تعاقدوا و كتبوا فيما بينهم كتابا إن مات محمد أو قتل أن لا يردوا هذا الأمر في أهل بيته أبدا فأنزل الله على نبيه في ذلك « أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم و نجويهم بلى و رسلنا لديهم يكتبون » فخرج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من مكة يريد المدينة حتى نزل منزلا يقال له غدير خم ، و قد


تفسير القمي ج : 1ص :174


علم الناس مناسكهم و أوعز إليهم وصيته إذ نزلت عليه هذه الآية « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس » فقام رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال بعد أن حمد الله و أثنى عليه ثم قال أيها الناس هل تعلمون من وليكم ؟ فقالوا نعم الله و رسوله ، ثم قال أ لستم تعلمون أني أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا بلى ، قال اللهم اشهد فأعاد ذلك عليهم ثلاثا كل ذلك يقول مثل قوله الأول و يقول الناس كذلك و يقول اللهم اشهد ، ثم أخذ بيد أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) فرفعها حتى بدا للناس بياض إبطيهما ثم قال « ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله و أحب من أحبه ثم رفع رأسه إلى السماء فقال اللهم اشهد عليهم و أنا من الشاهدين » فاستفهمه عمر فقام من بين أصحابه فقال يا رسول الله هذا من الله و من رسوله ؟ فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نعم من الله و رسوله إنه أمير المؤمنين و إمام المتقين و قائد الغر المحجلين ، يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة و أعداءه النار ، فقال أصحابه الذين ارتدوا بعده قد قال محمد في مسجد الخيف ما قال و قال هاهنا ما قال و إن رجع إلى المدينة يأخذنا بالبيعة له فاجتمعوا أربعة عشر نفرا و تآمروا على قتل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قعدوا في العقبة ، و هي عقبة هرشى [ أرشى ] بين الجحفة و الأبواء ، فقعدوا سبعة عن يمين العقبة و سبعة عن يسارها لينفروا ناقة رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فلما جن الليل تقدم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في تلك الليلة العسكر فأقبل ينعس على ناقته ، فلما دنا من العقبة ناداه جبرئيل يا محمد إن فلانا و فلانا [ و فلانا ] قد قعدوا لك ، فنظر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال من هذا خلفي فقال حذيفة اليماني أنا يا رسول الله حذيفة بن اليمان ، قال سمعت ما سمعت قال بلى قال فاكتم ، ثم دنا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) منهم فناداهم بأسمائهم ، فلما سمعوا نداء رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فروا و دخلوا في غمار الناس و قد كانوا عقلوا


تفسير القمي ج : 1ص :175


رواحلهم فتركوها و لحق الناس برسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و طلبوهم و انتهى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى رواحلهم فعرفهم ، فلما نزل قال ما بال أقوام تحالفوا في الكعبة إن مات محمد أو قتل ألا يردوا هذا الأمر في أهل بيته أبدا ، فجاؤا إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فحلفوا أنهم لم يقولوا من ذلك شيئا و لم يريدوه و لم يكتموا شيئا من رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، فأنزل الله « يحلفون بالله ما قالوا » أن لا يردوا هذا الأمر في أهل بيت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « و لقد قالوا كلمة الكفر و كفروا بعد إسلامهم و هموا بما لم ينالوا » من قتل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « و ما نقموا إلا أن أغناهم الله و رسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم و إن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا و الآخرة و ما لهم في الأرض من ولي و لا نصير » فرجع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى المدينة و بقي بها محرم و النصف من صفر لا يشتكي شيئا ثم ابتدأ به الوجع الذي توفي فيه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فحدثني أبي عن مسلم بن خالد عن محمد بن جابر عن ابن مسعود قال قال لي رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لما رجع من حجة الوداع يا ابن مسعود قد قرب الأجل و نعيت إلي نفسي فمن لذلك بعدي ؟ فأقبلت أعد عليه رجلا رجلا ، فبكى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ثم قال ثكلتك الثواكل فأين أنت عن علي بن أبي طالب لم لا تقدمه على الخلق أجمعين ، يا ابن مسعود إنه إذا كان يوم القيامة رفعت لهذه الأمة أعلام ، فأول الأعلام لوائي الأعظم مع علي بن أبي طالب و الناس أجمعين تحت لوائه ينادي مناد هذا الفضل يا ابن أبي طالب ثم نزل كتاب الله يخبر عن أصحاب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال و حسبوا ألا تكون فتنة أي لا يكون اختبار و لا يمتحنهم الله بأمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) فعموا و صموا قال حيث كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بين أظهرهم ثم عموا و صموا حين قبض رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أقام أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) عليهم


تفسير القمي ج : 1ص :176


فعموا و صموا فيه حتى الساعة ثم احتج عز و جل على النصارى في عيسى فقال : ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل و أمه صديقة كانا يأكلان الطعام يعني كانا يحدثان فكنى الله عن الحدث و كل من أكل الطعام يحدث .


ثم قال يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق أي لا تقولوا إن عيسى هو الله و ابن الله ، و حدثني أبي قال حدثني هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال سأل رجل أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قوم من الشيعة يدخلون في أعمال السلطان و يعملون لهم و يحبونهم و يوالونهم ، قال ليس هم من الشيعة و لكنهم من أولئك ثم قرأ أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) هذه الآية لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود و عيسى بن مريم إلى قوله و لكن كثيرا منهم فاسقون قال الخنازير على لسان داود و القردة على لسان عيسى و قوله « كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون » قال كانوا يأكلون لحم الخنزير و يشربون الخمر و يأتون النساء أيام حيضهن ، ثم احتج الله على المؤمنين الموالين للكفار « و ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم إلى قوله و لكن كثيرا منهم فاسقون » فنهى الله عز و جل أن يوالي المؤمن الكافر إلا عند التقية و أما قوله لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا و لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى فإنه كان سبب نزولها أنه لما اشتدت قريش في أذى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أصحابه الذين آمنوا به بمكة قبل الهجرة أمرهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يخرجوا إلى الحبشة ، و أمر جعفر بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) أن يخرج معهم ، فخرج جعفر و معه سبعون رجلا من المسلمين حتى ركبوا البحر ، فلما بلغ قريش خروجهم بعثوا عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردوهم إليهم ، و كان عمرو و عمارة متعاديين ، فقالت قريش كيف نبعث رجلين متعاديين فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة و برئت بنو سهم من جناية


تفسير القمي ج : 1ص :177


عمرو بن العاص ، فخرج عمارة و كان حسن الوجه شابا مترفا فأخرج عمرو بن العاص أهله معه فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر فقال عمارة لعمرو بن العاص ، قل لأهلك تقبلني ، فقال عمرو أ يجوز هذا سبحان الله فسكت عمارة فلما انتشا عمرو و كان على صدر السفينة ، دفعه عمارة و ألقاه في البحر فتشبث عمرو بصدر السفينة و أدركوه فأخرجوه ، فوردوا على النجاشي و قد كانوا حملوا إليه هدايا فقبلها منهم ، فقال عمرو بن العاص أيها الملك إن قوما منا خالفونا في ديننا و سبوا آلهتنا و صاروا إليك فردهم إلينا ، فبعث النجاشي إلى جعفر فجاءوا به فقال يا جعفر ما يقول هؤلاء ؟ فقال جعفر أيها الملك و ما يقولون ؟ قال يسألون أن أردكم إليهم ، قال أيها الملك سلهم أ عبيد نحن لهم ؟ فقال عمرو لا بل أحرار كرام ، قال فسلهم أ لهم علينا ديون يطالبوننا بها ؟ قال لا ما لنا عليكم ديون ، قال فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها ؟ قال عمرو لا ، قال فما تريدون منا آذيتمونا فخرجنا من بلادكم ، فقال عمرو بن العاص أيها الملك خالفونا في ديننا و سبوا آلهتنا و أفسدوا شبابنا و فرقوا جماعتنا فردهم إلينا لنجمع أمرنا ، فقال جعفر نعم أيها الملك خالفناهم بأنه بعث الله فينا نبيا أمر بخلع الأنداد ، و ترك الاستقسام بالأزلام ، و أمرنا بالصلاة و الزكاة ، و حرم الظلم و الجور ، و سفك الدماء بغير حقها و الزنا و الربا و الميتة و الدم ، و أمرنا بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي ، فقال النجاشي بهذا بعث الله عيسى بن مريم (عليهماالسلام‏) ، ثم قال النجاشي يا جعفر هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا ؟ قال نعم فقرأ عليه سورة مريم فلما بلغ إلى قوله « و هزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي و اشربي و قري عينا » فلما سمع النجاشي بهذا بكى بكاء شديدا ، و قال هذا


تفسير القمي ج : 1ص :178


و الله هو الحق ، فقال عمرو بن العاص أيها الملك إن هذا مخالفنا فرده إلينا ، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو ثم قال اسكت ، و الله يا هذا لإن ذكرته بسوء لأفقدنك نفسك ، فقام عمرو بن العاص من عنده و الدماء تسيل على وجهه و هو يقول إن كان هذا كما تقول أيها الملك فإنا لا نتعرض له ، و كانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه ، فنظرت إلى عمارة بن الوليد و كان فتى جميلا فأحبته فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله ، قال لعمارة لو راسلت جارية الملك ، فراسلها فأجابته ، فقال عمرو قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا ، فقال لها فبعثت إليه فأخذ عمرو من ذلك الطيب ، و كان الذي فعل به عمارة في قلبه حين ألقاه في البحر فأدخل الطيب على النجاشي ، فقال أيها الملك إن حرمة الملك عندنا و طاعته علينا و ما يكرمنا إذا دخلنا بلاده و نأمن فيه أن لا نغشه و لا نريبه و إن صاحبي هذا الذي معي قد أرسل إلى حرمتك و خدعها و بعثت إليه من طيبك ثم وضع الطيب بين يديه ، فغضب النجاشي و هم بقتل عمارة ثم قال لا يجوز قتله فإنهم دخلوا بلادي فأمان لهم ، فدعا النجاشي السحرة فقال لهم اعملوا به شيئا أشد عليه من القتل ، فأخذوه و نفخوا في إحليله الزئبق فصار مع الوحش يغدو و يروح ، و كان لا يأنس بالناس فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش فأخذوه فما زال يضطرب في أيديهم و يصيح حتى مات .


و رجع عمرو إلى قريش فأخبرهم أن جعفر في أرض الحبشة في أكرم كرامة فلم يزل بها حتى هادن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قريشا و صالحهم و فتح خيبر فوافى بجميع من معه و ولد لجعفر بالحبشة من أسماء بنت عميس عبد الله بن جعفر ، و ولد للنجاشي ابن فسماه محمدا ، و كانت أم حبيب بنت أبي سفيان تحت عبد الله


تفسير القمي ج : 1ص :179


فكتب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى النجاشي يخطب أم حبيب ، فبعث إليها النجاشي فخطبها لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأجابته ، فزوجها منه و أصدقها أربعمائة دينار و ساقها عن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و بعث إليها بثياب و طيب كثير و جهزها و بعثها إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و بعث إليه بمارية القبطية أم إبراهيم ، و بعث إليه بثياب و طيب و فرس ، و بعث ثلاثين رجلا من القسيسين ، فقال لهم انظروا إلى كلامه و إلى مقعده و مشربه و مصلاه فلما وافوا المدينة دعاهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى الإسلام و قرأ عليهم القرآن « و إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك و على والدتك إلى قوله فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين » فلما سمعوا ذلك من رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بكوا و آمنوا و رجعوا إلى النجاشي فأخبروه خبر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قرءوا عليه ما قرأ عليهم ، فبكى النجاشي و بكى القسيسون و أسلم النجاشي و لم يظهر للحبشة إسلامه و خافهم على نفسه و خرج من بلاد الحبشة إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فلما عبر البحر توفي فأنزل الله على رسوله لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود إلى قوله و ذلك جزاء المحسنين » و أما قوله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) و بلال و عثمان بن مظعون ، فأما أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) فحلف أن لا ينام بالليل أبدا و أما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا ، و أما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا فدخلت امرأة عثمان على عائشة و كانت امرأة جميلة ، فقالت عائشة ما لي أراك معطلة فقالت و لمن أتزين فو الله ما قاربني زوجي منذ كذا و كذا ، فإنه قد ترهب و لبس المسوح و زهد في الدنيا ، فلما دخل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أخبرته عائشة


تفسير القمي ج : 1ص :180


بذلك ، فخرج فنادى الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات ألا إني أنام بالليل و أنكح و أفطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس مني ، فقاموا هؤلاء فقالوا يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك فأنزل الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم و لكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم الآية و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قوله يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام أما الخمر فكل مسكر من الشراب خمر إذا أخمر فهو حرام ؟ و أما المسكر كثيره و قليله حرام و ذلك أن الأول شرب قبل أن يحرم الخمر فسكر فجعل يقول الشعر و يبكي على قتلى المشركين من أهل بدر ، فسمع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال اللهم أمسك على لسانه ، فأمسك على لسانه فلم يتكلم حتى ذهب عنه السكر فأنزل الله تحريمها بعد ذلك ، و إنما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر و التمر فلما نزل تحريمها خرج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقعد في المسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فأكفأ كلها ثم قال هذه كلها خمر و قد حرمها الله فكان أكثر شي‏ء أكفى‏ء من ذلك يومئذ من الأشربة الفضيخ ، و لا أعلم أكفى‏ء يومئذ من خمر العنب شي‏ء إلا إناء واحد كان فيه زبيب و تمر جميعا ، و أما عصير العنب فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شي‏ء ، حرم الله الخمر قليلها و كثيرها و بيعها و شراءها و الانتفاع بها ، و قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من شرب الخمر فاجلدوه و من عاد فاجلدوه و من عاد فاجلدوه و من عاد في الرابعة فاقتلوه ، و قال حق على الله أن يسقي من شرب الخمر مما يخرج من فروج المومسات ، و المومسات الزواني يخرج من فروجهن صديد و الصديد قيح و دم غليظ مختلط يؤذي أهل النار حره و نتنه ، قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن عاد فأربعين


تفسير القمي ج : 1ص :181


ليلة من يوم شربها فإن مات في تلك الأربعين ليلة من غير توبة سقاه الله يوم القيامة من طينة خبال و سمي المسجد الذي قعد فيه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يوم أكفئت المشربة مسجد الفضيخ من يومئذ ، لأنه كان أكثر شي‏ء أكفى‏ء من الأشربة الفضيخ . و أما الميسر فالنرد و الشطرنج و كل قمار ميسر ، و أما الأنصاب فالأوثان التي كانوا يعبدونها المشركون ، و أما الأزلام فالأقداح التي كانت تستقسم بها مشركوا العرب في الجاهلية ، كل هذا بيعه و شراه و الانتفاع بشي‏ء من هذا حرام من الله محرم ، و هو رجس من عمل الشيطان ، فقرن الله الخمر و الميسر مع الأوثان ، و أما قوله أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و احذروا يقول لا تعصوا و لا تركنوا إلى الشهوات من الخمر و الميسر فإن توليتم يقول عصيتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين إذ قد بلغ و بين فانتهوا ، و قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إنه سيكون قوم يبيتون و هم على شرب الخمر و اللهو و الغناء فبينما هم كذلك إذ مسخوا من ليلتهم و أصبحوا قردة و خنازير و هو قوله « و احذروا » أن تعتدوا كما اعتدى أصحاب السبت ، فقد كان أملى لهم حتى آثروا و قالوا إن السبت لنا حلال و إنما كان حرم على أولينا و كانوا يعاقبون على استحلالهم السبت ، فأما نحن فليس علينا حرام و ما زلنا بخير منذ استحللناه و قد كثرت أموالنا و صحت أجسامنا ، ثم أخذهم الله ليلا و هم غافلون فهو قوله « و احذروا » أن يحل بكم مثل ما حل بمن تعدى و عصى فلما نزل تحريم الخمر و الميسر و التشديد في أمرهما قال الناس من المهاجرين و الأنصار يا رسول الله قتل أصحابنا و هم يشربون الخمر و قد سماه الله رجسا و جعله من عمل الشيطان و قد قلت ما قلت أ فيضر أصحابنا ذلك


تفسير القمي ج : 1ص :182


شيئا بعد ما ماتوا ؟ فأنزل الله ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية فهذا لمن مات أو قتل قبل تحريم الخمر ، و الجناح هو الإثم على من شربها بعد التحريم ، قال علي بن إبراهيم في قوله يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشي‏ء من الصيد تناله أيديكم و رماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب قال نزلت في غزاة الحديبية قد جمع الله عليهم الصيد فدخل بين رحائلهم ليبلونهم الله أي يختبرهم و قوله ليعلم الله من يخافه بالغيب قبل ذلك و لكنه عز و جل لا يعذب أحدا إلا بحجة بعد إظهار الفعل و قوله يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم و من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم فواجب لفظ الآية أن الفداء يجب على من قتل الصيد متعمدا و في المعنى و التفسير يجب الجزاء على من قتل الصيد متعمدا أو خطأ .


حدثني محمد بن الحسين [ الحسن ] عن محمد بن عون النصيبي قال لما أراد المأمون أن يزوج أبا جعفر محمد بن علي بن موسى (عليهماالسلام‏) ابنته أم الفضل اجتمع إليه أهل بيته الأدنين منه فقالوا له يا أمير المؤمنين ننشدك الله أن لا تخرج عنا أمرا قد ملكناه و تنزع عنا عزا قد ألبسنا الله فقد عرفت الأمر الذي بيننا و بين آل علي قديما و حديثا ، قال المأمون اسكتوا فو الله لا قبلت من أحدكم في أمره ، فقالوا يا أمير المؤمنين أ فتزوج قرة عينك صبيا لم يتفقه في دين الله و لا يعرف فريضة و لا سنة و لا يميز بين الحق و الباطل ، و لأبي جعفر (عليه‏السلام‏) يومئذ عشرة سنين أو أحد عشرة سنة ، فلو صبرت عليه حتى يتأدب و يقرأ القرآن و يعرف فرضا من سنته فقال لهم المأمون و الله إنه لأفقه منكم و أعلم بالله و برسوله و فرائضه و سننه و أحكامه و أقرأ بكتاب الله و أعلم بمحكمه و متشابهه و خاصه و عامه و ناسخه و منسوخه و تنزيله و تأويله منكم فاسألوه فإن كان الأمر كما قلتم قبلت منكم في أمره و إن كان كما قلت علمتم أن الرجل خير منكم ، فخرجوا من عنده و بعثوا إلى


تفسير القمي ج : 1ص :183


يحيى بن أكثم و أطمعوه في هدايا أن يحتال على أبي جعفر (عليه‏السلام‏) بمسألة لا يدري كيف الجواب فيها عند المأمون إذا اجتمعوا للتزويج ، فلما حضروا و حضر أبو جعفر (عليه‏السلام‏) قالوا يا أمير المؤمنين هذا يحيى بن أكثم إن أذنت له أن يسأل أبا جعفر (عليه‏السلام‏) عن مسألة ، فقال المأمون يا يحيى سل أبا جعفر (عليه‏السلام‏) عن مسألة في الفقه لننظر كيف فقهه ، فقال يحيى يا أبا جعفر أصلحك الله ما تقول في محرم قتل صيدا ؟ فقال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) قتله في حل أو حرم ، عالما أو جاهلا ، عمدا أو خطأ ، عبدا أو حرا ، صغيرا أو كبيرا ، مبديا أو معيدا ، من ذوات الطير أو من غيرها ، من صغار الصيد أو من كبارها ، مصرا عليها أو نادما ، بالليل في وكرها أو بالنهار عيانا ، محرما لعمرة أو للحج ؟ قال فانقطع يحيى بن أكثم انقطاعا لم يخف على أهل المجلس و أكثر الناس تعجبا من جوابه ، و نشط المأمون فقال نخطب يا أبا جعفر ، فقال نعم يا أمير المؤمنين فقال المأمون الحمد الله إقرارا بنعمته و لا إله إلا الله إخلاصا لعظمته و صلى الله على محمد عند ذكره و قد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام فقال و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم و إمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله و الله واسع عليم ثم إن محمد بن علي ذكر أم الفضل بنت عبد الله و بذل لها من الصداق خمسمائة درهم و قد زوجتك فهل قبلت يا أبا جعفر ، قال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) نعم يا أمير المؤمنين قد قبلت هذا التزويج بهذا الصداق ثم أولم عليه المأمون و جاء الناس على مراتبهم الخاص و العام ، قال فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كلاما كأنه من كلام الملاحين في مجاوباتهم فإذا نحن بالخدم يجرون سفينة من فضة و فيها نسائج إبريسم مكان القلوس مملوة غالية فخضبوا أهل الخاص بها ثم مروا بها إلى دار العامة فطيبوهم ، فلما تفرق الناس قال المأمون يا أبا جعفر إن رأيت أن تبين لنا ما الذي يجب على كل صنف من هذه الأصناف التي ذكرت في قتل الصيد ؟ فقال أبو جعفر (عليه‏السلام‏)


تفسير القمي ج : 1ص :184


نعم يا أمير المؤمنين إن المحرم إذا قتل صيدا في الحل و الصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة ، و إذا أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا ، و إذا قتل فرخا في الحل فعليه جمل قد فطم و ليس عليه قيمته لأنه ليس في الحرم ، و إذا قتله في الحرم فعليه الجمل و قيمته لأنه في الحرم ، و إذا كان من الوحش فعليه في حمار الوحش بدنة و كذلك في النعامة ، فإن لم يقدر فعليه إطعام ستين مسكينا ، فإن لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما ، و إن كانت بقرة فعليه بقرة فإن لم يقدر فعليه إطعام ثلاثين مسكينا فمن لم يقدر فليصم تسعة أيام ، و إن كان ظبيا فعليه شاة ، فإن لم يقدر فإطعام عشرة مساكين ، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام ، و إن كان في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة حقا واجبا عليه أن ينحره ، و إن كان في حج بمنى حيث ينحر الناس فإن كان في عمرة ينحره بمكة و يتصدق بمثل ثمنه حتى يكون مضاعفا ، و كذلك إذا أصاب أرنبا فعليه شاة و إذا قتل الحمامة تصدق بدرهم أو يشتري به طعاما لحمامة الحرم ، و في الفرخ نصف درهم ، و في البيضة ربع درهم و كلما أتى به المحرم بجهالة فلا شي‏ء عليه فيه إلا الصيد فإن عليه الفداء بجهالة كان أو بعلم بخطإ كان أو بعمد ، و كلما أتى به العبد فكفارته على صاحبه بمثل ما يلزم صاحبه ، و كلما أتى به الصغير الذي ليس ببالغ فلا شي‏ء عليه فيه ، و إن كان ممن عاد فهو ممن ينتقم الله منه ليس عليه كفارة و النقمة في الآخرة ، و إن دل على الصيد و هو محرم فقتل فعليه الفداء ، و المصر عليه يلزمه بعد الفداء عقوبة في الآخرة ، و النادم عليه لا شي‏ء عليه بعد الفداء و إذا أصاب ليلا في وكرها خطأ فلا شي‏ء عليه إلا أن يتعمده فإن تعمد بليل أو نهار فعليه الفداء ، و المحرم بالحج ينحر الفداء بمنى حيث ينحر الناس و المحرم للعمرة ينحر بمكة » فأمر المأمون أن يكتب ذلك كله عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) ثم دعا أهل بيته الذين أنكروا تزويجه عليه فقال لهم هل فيكم أحد يجيب بمثل هذا الجواب ؟ قالوا لا و الله و لا القاضي ، ثم قال ويحكم إن أهل هذا البيت خلو منكم و من هذا الخلق أ و ما علمتم أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بايع للحسن و الحسين و هما صبيان غير بالغين و لم يبايع طفلا غيرهما


تفسير القمي ج : 1ص :185


أ و ما علمتم أن أباه عليا آمن بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو ابن اثني عشر سنة و قبل الله و رسوله منه إيمانه و لم يقبل من طفل غيره ، و لا دعا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) طفلا غيره إلى الإيمان أ و ما علمتم أنها ذرية بعضها من بعض يجري لآخرهم مثل ما يجري لأولهم ، فقالوا صدقت يا أمير المؤمنين كنت أنت أعلم به منا قال ثم أمر المأمون أن ينثر على أبي جعفر (عليه‏السلام‏) ثلاثة أطباق رقاع زعفران و مسك معجون بماء الورد و جوفها رقاع على طبق رقاع عمالات ، و الثاني ضياع طعمة لمن أخذها ، و الثالث فيه بدر فأمر أن يفرق الطبق الذي عليه عمالات على بني هاشم خاصة ، و الذي عليه ضياع طعمة على الوزراء ، و الذي عليه البدر على القواد ، و لم يزل مكرما لأبي جعفر (عليه‏السلام‏) أيام حياته حتى كان يؤثره على ولده و أما قوله أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما فإنه حدثني أبي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن سفين بن عيينة عن الزهري عن علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) قال قال يوما يا زهري من أين جئت ؟ قلت من المسجد قال فيم كنتم ، قلت تذاكرنا أمر الصوم فاجتمع رأيي و رأي أصحابي أنه ليس من الصوم شي‏ء واجب إلا صوم شهر رمضان ، فقال يا زهري ليس كما قلتم الصوم على أربعين وجها ، فعشرة أوجه منها واجبة كوجوب شهر رمضان و أربعة عشر


تفسير القمي ج : 1ص :186


وجها صاحبها فيها بالخيار إن شاء صام و إن شاء أفطر ، و عشرة أوجه منها حرام ، و صوم الإذن على ثلاثة أوجه ، و صوم التأديب و صوم الإباحة و صوم السفر و المرض ، فقلت فسرهن لي جعلت فداك ، فقال أما الواجب فصوم شهر رمضان ، و صيام شهرين متتابعين فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا ، و صيام شهرين متتابعين في قتل الخطإ لمن لم يجد العتق واجب ، قال الله « و من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة و دية مسلمة إلى أهله » و قوله « فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين » و صيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار لمن لم يجد العتق واجب قال الله تعالى « فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا » و صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين واجب لمن لم يجد الإطعام قال الله تعالى « فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم » كل ذلك متتابع و ليس بمتفرق ، و صيام أذى حلق الرأس واجب قال الله « أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » فصاحبها فيها بالخيار فإن شاء صام ثلاثة أيام ، و صوم دم المتعة واجب لمن لم يجد الهدي قال الله : « فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة » و صوم جزاء الصيد واجب قال الله تعالى « و من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما » أ و تدري كيف يكون عدل ذلك صياما يا زهري ؟ قلت لا قال يقوم الصيد قيمته ثم تنقض تلك القيمة على البر ، ثم يكال ذلك البر أصواعا فيصوم لكل نصف صاع يوما ، و صوم النذر واجب و صوم الاعتكاف واجب ، و أما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر و يوم الأضحى و ثلاثة أيام التشريق و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه أن يتفرد للرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس ، قلت فإن لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع ؟ قال ينوي ليلة الشك


تفسير القمي ج : 1ص :187


أنه صائم من شعبان ، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه و إن كان من شعبان لم يضره ، فقلت و كيف يجزى‏ء صوم تطوع من فريضة ؟ فقال لو أن رجلا صام شهر رمضان تطوعا و هو لا يعلم أنه شهر رمضان ثم علم بعد ذلك أجزأه عنه لأن الفرض إنما وقع على الشهر بعينه ، و صوم الوصال حرام ، و صوم الصمت حرام و صوم نذر المعصية حرام ، و صوم الدهر حرام ، و أما الصوم الذي صاحبه فيه بالخيار : فصوم يوم الجمعة و الخميس و الإثنين ، و صوم أيام البيض ، و صوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان ، و صوم يوم عرفة ، و صوم يوم عاشوراء كل ذلك صاحبه فيه بالخيار إن شاء صام و إن شاء ترك ، و أما صوم الإذن فإن المرأة لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها ، و العبد لا يصوم تطوعا إلا بإذن سيده و الضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه ، قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من نزل على قوم فلا يصوم إلا بإذنهم و أما صوم التأديب فالصبي يؤمر بالصوم إذا راهق تأديبا و ليس بفرض ، و كذلك من أفطر أول النهار ثم عوفي بقية يومه أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا و ليس بفرض ، و كذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثم دخل مصره أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا و ليس بفرض ، فأما صوم الإباحة فمن أكل أو شرب ناسيا أو تقيا أو قاء من غير تعمد فقد أباح الله له ذلك و أجزأ عنه صومه و أما صوم السفر و المرض فإن العامة اختلفت في ذلك ، فقال قوم يصوم و قال قوم إن شاء صام و إن شاء أفطر و قال قوم لا يصوم و أما نحن فنقول يفطر في الحالتين جميعا فإن صام في السفر أو في حال المرض فهو عاص و عليه القضاء و ذلك لأن الله يقول : « فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر » و قوله أحل لكم صيد البحر و طعامه متاعا لكم و للسيارة و حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما و قوله و جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس قال ما دامت الكعبة قائمة و يحج الناس إليها لم يهلكوا فإذا هدمت و تركوا الحج


تفسير القمي ج : 1ص :188


هلكوا و أما قوله يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم فإنه حدثني أبي عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) أن صفية بنت عبد المطلب مات ابن لها فأقبلت فقال لها الثاني غطي قرطك فإن قرابتك من رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لا تنفعك شيئا ، فقالت له هل رأيت لي قرطا يا بن اللخناء ، ثم دخلت على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأخبرته بذلك و بكت ، فخرج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فنادى الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فقال ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع لو قد قربت المقام المحمود لشفعت في أحوجكم ، لا يسألني اليوم أحد من أبواه إلا أخبرته ، فقام إليه رجل فقال من أبي فقال أبوك غير الذي تدعى له أبوك فلان بن فلان ، فقام آخر فقال من أبي يا رسول الله ؟ فقال أبوك الذي تدعى له ثم قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما بال الذي يزعم أن قرابتي لا تنفع لا يسألني عن أبيه فقام إليه الثاني فقال له أعوذ بالله من غضب الله و غضب رسوله اعف عني عفا الله عنك فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم إلى قوله ثم أصبحوا بها كافرين و أما قوله ما جعل الله من بحيرة و لا سائبة و لا وصيلة و لا حام فإن البحيرة كانت إذا وضعت الشاة خمسة أبطن ففي السادسة قالت العرب قد بحرت فجعلوها للصنم و لا تمنع ماء و لا مرعى ، و الوصيلة إذا وضعت الشاة خمسة أبطن ثم وضعت في السادسة جديا و عناقا في بطن واحد جعلوا الأنثى للصنم ، و قالوا وصلت أخاها و حرموا لحمها على النساء ، و الحام كان إذا كان الفحل من الإبل جدا لجد قالوا قد حمى ظهره فسموه حاما فلا يركب و لا يمنع ماء و لا مرعى و لا يحمل عليه شي‏ء ، فرد الله عليهم فقال « ما جعل الله من بحيرة و لا سائبة و لا وصيلة و لا حام إلى قوله و أكثرهم لا يعقلون » و قوله يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال أصلحوا


تفسير القمي ج : 1ص :189


أنفسكم و لا تتبعوا عورات الناس و لا تذكروهم فإنه لا يضركم ضلالتهم إذا كنتم أنتم صالحين .


و قوله يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت فإنها نزلت في ابن بندي و ابن أبي مارية النصرانيين ، و كان رجل يقال له تميم الدارمي مسلم خرج معهما في سفر ، و كان مع تميم خرج و متاع و آنية منقوشة بالذهب و قلادة أخرجها إلى بعض أسواق العرب ليبيعها ، فلما مروا بالمدينة اعتل تميم فلما حضره الموت دفع ما كان معه إلى ابن بندي و ابن أبي مارية و أمرهما أن يوصلاه إلى ورثته فقدما المدينة و أوصلا ما كان دفعه إليهما تميم و حبسا الآنية المنقوشة و القلادة ، فقال ورثة الميت هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيه نفقة كثيرة ؟ فقالا ما مرض إلا أياما قليلة ، قالوا فهل سرق منه شي‏ء في سفره ؟ قالا لا ، قالوا فهل اتجر تجارة خسر فيها ؟ فقالا لا ، قالوا فقد افتقدنا أنبل شي‏ء كان معه آنية منقوشة بالذهب مكللة و قلادة قالا ما دفعه إلينا قد أديناه إليكم ، فقدموهما إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأوجب عليهما اليمين فحلفا و أطلقهما ، ثم ظهرت القلادة و الآنية عليهما فأخبروا ورثة الميت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بذلك ، فانتظر الحكم من الله ، فأنزل الله « يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم » يعني من أهل الكتاب « إن أنتم ضربتم في الأرض » فأطلق الله شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر و لم يجد المسلم ثم قال فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة يعني صلاة العصر فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا و لو كان ذا قربى و لا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين فهذه الشهادة الأولى التي أحلفها رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ثم قال عز و جل فإن عثرا على أنهما استحقا إثما أي حلفا على كذب فآخران


تفسير القمي ج : 1ص :190


يقومان مقامهما يعني من أولياء المدعي من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله أي يحلفان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما و ما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين و إنهما قد كذبا فيما حلفا بالله ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم فأمر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أولياء تميم الدارمي أن يحلفوا بالله على ما أمرهم به فأخذ الآنية و القلادة من ابن بندي و ابن أبي مارية و ردهما على أولياء تميم .


و أما قوله يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم فإنه حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن العلا بن العلا عن محمد عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال ما ذا أجبتم في أوصيائكم يسأل الله تعالى يوم القيامة فيقولون لا علم لنا بما فعلوا بعدنا بهم .


و قوله و إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك و على والدتك إلى قوله و اشهد بأننا مسلمون فإنه محكم ، و أما قوله و إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال عيسى : اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا كما حكى الله نريد أن نأكل منها و تطمئن قلوبنا و نعلم أن قد صدقتنا و نكون عليها من الشاهدين فقال عيسى اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا و آخرنا و آية منك و ارزقنا و أنت خير الرازقين فقال الله احتجاجا عليهم إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فكانت تنزل المائدة عليهم فيجتمعون عليها و يأكلون حتى يشبعون ثم ترفع ، فقال كبراؤهم و مترفوهم لا ندع سفلتنا يأكلون منها فرفع الله المائدة و مسخوا قردة و خنازير ، قوله : و إذ قال الله يا عيسى بن مريم ء أنت قلت للناس اتخذوني و أمي إلهين من دون الله فلفظ الآية ماض و معناه مستقبل و لم يقله بعد و سيقوله ، و ذلك أن النصارى


تفسير القمي ج : 1ص :191


زعموا أن عيسى قال لهم اتخذوني و أمي إلهين من دون الله ، فإذا كان يوم القيامة يجمع الله بين النصارى و بين عيسى بن مريم فيقول له ء أنت قلت لهم ما يدعون عليك اتخذوني و أمي إلهين ، فيقول عيسى سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب إلى قوله و أنت على كل شي‏ء شهيد و الدليل على أن عيسى لم يقل لهم ذلك قوله : هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم .


و حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان عن ضريس عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قوله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم قال إذا كان يوم القيامة و حشر الناس للحساب فيمرون بأهوال يوم القيامة فلا ينتهون إلى العرصة حتى يجهدوا جهدا شديدا ، قال فيقفون بفناء العرصة و يشرف الجبار عليهم و هو على عرشه فأول من يدعى بنداء يسمع الخلائق أجمعون أن يهتف باسم محمد بن عبد الله النبي القرشي العربي ، قال فيتقدم حتى يقف على يمين العرش ، قال ثم يدعى بصاحبكم علي (عليه‏السلام‏) ، فيتقدم حتى يقف على يسار رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، ثم يدعى بأمة محمد فيقفون على يسار علي (عليه‏السلام‏) ثم يدعى بنبي نبي و أمته معه من أول النبيين إلى آخرهم و أمتهم معهم ، فيقفون عن يسار العرش ، قال ثم أول من يدعى للمساءلة القلم قال فيتقدم ، فيقف بين يدي الله في صورة الآدميين ، فيقول الله هل سطرت في اللوح ما ألهمتك و أمرتك به من الوحي ؟ فيقول القلم نعم يا رب قد علمت أني قد سطرت في اللوح ما أمرتني و ألهمتني به من وحيك فيقول الله فمن يشهد لك بذلك ، فيقول يا رب و هل اطلع على مكنون سرك خلق غيرك ، قال فيقول له الله أفلحت حجتك ، قال ثم يدعى باللوح فيتقدم في صورة الآدميين حتى يقف مع القلم ، فيقول له هل سطر فيك القلم ما ألهمته و أمرته به من وحيي ، فيقول اللوح نعم يا رب و بلغته إسرافيل ، فيتقدم مع


تفسير القمي ج : 1ص :192


القلم و اللوح في صورة الآدميين ، فيقول الله هل بلغك اللوح ما سطر فيه القلم من وحيي ؟ فيقول نعم يا رب و بلغته جبرئيل فيدعى بجبرائيل فيتقدم حتى يقف مع إسرافيل فيقول الله هل بلغك إسرافيل ما بلغ فيقول نعم يا رب و بلغته جميع أنبيائك و أنفذت إليهم جميع ما انتهى إلي من أمرك و أديت رسالتك إلى نبي نبي و رسول رسول و بلغتهم كل وحيك و حكمتك و كتبك و إن آخر من بلغته رسالاتك و وحيك و حكمتك و علمك و كتابك و كلامك محمد بن عبد الله العربي القرشي الحرمي حبيبك ، قال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) فإن أول من يدعى من ولد آدم للمساءلة محمد بن عبد الله (عليه‏السلام‏) فيدنيه الله حتى لا يكون خلق أقرب إلى الله يومئذ منه ، فيقول الله يا محمد هل بلغك جبرئيل ما أوحيت إليك و أرسلته به إليك من كتابي و حكمتي و علمي و هل أوحى ذلك إليك ؟ فيقول رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نعم يا رب قد بلغني جبرائيل جميع ما أوحيته إليه و أرسلته من كتابك و حكمتك و علمك و أوحاه إلي ، فيقول الله لمحمد هل بلغت أمتك ما بلغك جبرئيل من كتابي و حكمتي و علمي ؟ فيقول رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نعم يا رب قد بلغت أمتي ما أوحى إلي من كتابك و حكمتك و علمك و جاهدت في سبيلك ، فيقول الله لمحمد فمن يشهد لك بذلك ؟ فيقول محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يا رب أنت الشاهد لي بتبليغ الرسالة و ملائكتك و الأبرار من أمتي و كفى بك شهيدا ، فيدعى بالملائكة فيشهدون لمحمد بتبليغ الرسالة ثم يدعى بأمة محمد فيسألون هل بلغكم محمد رسالتي و كتابي و حكمتي و علمي و علمكم ذلك ؟ فيشهدون لمحمد بتبليغ الرسالة و الحكمة و العلم ، فيقول الله لمحمد فهل استخلفت في أمتك من بعدك من يقوم فيهم بحكمتي و علمي و يفسر لهم كتابي و يبين لهم


تفسير القمي ج : 1ص :193


ما يختلفون فيه من بعدك حجة لي و خليفة في الأرض ؟ فيقول محمد نعم يا رب قد خلفت فيهم علي بن أبي طالب أخي و وزيري و خير أمتي و نصبته لهم علما في حياتي و دعوتهم إلى طاعته و جعلته خليفتي في أمتي و إماما يقتدي به الأئمة من بعدي إلى يوم القيامة ، فيدعى بعلي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) فيقال له هل أوصى إليك محمد و استخلفك في أمته و نصبك علما لأمته في حياته و هل قمت فيهم من بعده مقامه ؟ فيقول له علي نعم يا رب قد أوصى إلي محمد و خلفني في أمته و نصبني لهم علما في حياته فلما قبضت محمدا إليك جحدتني أمته و مكروا بي و استضعفوني و كادوا يقتلونني و قدموا قدامي من أخرت ، و أخروا من قدمت و لم يسمعوا مني و لم يطيعوا أمري فقاتلتهم في سبيلك حتى قتلوني ، فيقال لعلي فهل خلفت من بعدك في أمة محمد حجة و خليفة في الأرض يدعو عبادي إلى ديني و إلى سبيلي ؟ فيقول علي نعم يا رب قد خلفت فيهم الحسن ابني و ابن بنت نبيك ، فيدعى بالحسن بن علي (عليهماالسلام‏) فيسأل عما سئل عنه علي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) ، قال ثم يدعى بإمام إمام و بأهل عالمه فيحتجون بحجتهم فيقبل الله عذرهم و يجيز حجتهم قال ثم يقول الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم قال ثم انقطع حديث أبي جعفر عليه و على آبائه السلام .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :