امروز:
شنبه 1 مهر 1396
بازدید :
962
تفسير شبر : سوره بقره آيات 144 – 1


تفسير شبر ص :40


سورة البقرة


( 2 ) ( سورة البقرة ) مائتان و ست و ثمانون آية ( 286 ) مدنية


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم‏(1) ذَلِك الْكتَب لا رَيْبفِيهِهُدًى لِّلْمُتَّقِينَ‏(2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصلَوةَ وَ ممَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ‏(3) وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بمَا أُنزِلَ إِلَيْك وَ مَا أُنزِلَ مِن قَبْلِك وَ بِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏(4)


« بسم الله الرحمن الرحيم» « ألم» قيل هي أسماء للسور و قيل مختصرة من كلمات ف « الم» معناه أنا الله أعلم قيل : إشارة إلى مدة و آجال بحساب الجمل و قيل مقسم بها و قيل أسماء للقرآن و قيل أسماء الله تعالى و قيل سر الله و قيل من المتشابه « ذلك الكتاب» أي القرآن الذي افتتح بالم هو الكتاب الذي أخبرت به موسى و من بعده من الأنبياء و هم أخبروا بني إسرائيل « لا ريب» لا شك « فيه» لظهوره عندهم « هدى» بيان من الضلالة « للمتقين» الذين يتقون الموبقات و تسليط السفه على أنفسهم و هدى خبر محذوف أو خبر ثان لذلك و التوصيف به للمبالغة و التنكير للتعظيم و اختصاصه بالمتقين لأنهم المهتدون به أو المراد زيادته و ثباته لهم ك اهدنا الصراط المستقيم « الذين يؤمنون بالغيب» بما غاب عن حواسهم من معرفة الصانع و صفاته و النبوة و قيام القائم و الرجعة و البعث و الحساب و الجنة و النار « و يقيمون الصلاة» بإتمام ركوعها و سجودها و حفظ مواقيتها و حدودها و صيانتها عما يفسدها أو ينقصها « و مما رزقناهم» من الأموال و القوى و الأبدان و الجاه و العلم « ينفقون و الذين يؤمنون بما أنزل إليك» من القرآن و الشريعة « و ما أنزل من قبلك» من التوراة و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم و سائر كتب الله المنزلة « و بالآخرة هم يوقنون» و في تقديم الظرف و بناء يوقنون على هم تعريض بغيرهم من أهل الكتاب « أولئك على هدى من ربهم» من بيان و صواب و علم بما أمرهم به « و أولئك هم المفلحون» الناجون مما منه يوجلون الفائزون بما يؤملون و تكرير أولئك يفيد اختصاصهم و تميزهم عن غيرهم بكل واحدة من المزيتين و أدخل العاطف لاختلاف الجملتين مفهوما قيل نبه تعالى على اختصاص المتقين بذكر اسم الإشارة المفيد للعلية مع الإيجاز و تكريره و تعريف المفلحين و ضم الفصل إعلاما بفضلهم و حثا على لزوم نهجهم و إرادة الكامل من الهدى و الفلاح توهن تمسك الوعيدية به في دوام عذاب الفاسق « إن الذين كفروا» بالله و بما آمن به هؤلاء المؤمنون « سواء عليهم ء أنذرتهم» أ أخوفتهم « أم لم تنذرهم لا يؤمنون» أخبر تعالى عن علمه فيهم « ختم الله على قلوبهم و على سمعهم و على أبصارهم» وسمها بسمة يعرفها من يشاء من ملائكته و أوليائه إذا نظروا إليها بأنهم لا يؤمنون و عن الرضا (عليه‏السلام‏) الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم كما قال تعالى بل طبع الله عليها بكفرهم و على أبصارهم « غشاوة» غطاء أقول : و يمكن أن يكون تهكما حكاية لقولهم : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه و في ءاذاننا وقر ، و من بيننا و بينك حجاب


تفسير شبر ص :41


أُولَئك عَلى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْوَ أُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏(5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏(6) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سمْعِهِمْوَ عَلى أَبْصرِهِمْ غِشوَةٌوَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏(7) وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَ مَا هُم بِمُؤْمِنِينَ‏(8) يخَدِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ مَا يخْدَعُونَ إِلا أَنفُسهُمْ وَ مَا يَشعُرُونَ‏(9) فى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاًوَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ بِمَا كانُوا يَكْذِبُونَ‏(10) وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فى الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نحْنُ مُصلِحُونَ‏(11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لَكِن لا يَشعُرُونَ‏(12) وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا كَمَا ءَامَنَ النَّاس قَالُوا أَ نُؤْمِنُ كَمَا ءَامَنَ السفَهَاءُأَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفَهَاءُ وَ لَكِن لا يَعْلَمُونَ‏(13) وَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَوْا إِلى شيَطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نحْنُ مُستهْزِءُونَ‏(14) اللَّهُ يَستهْزِئُ بهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فى طغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ‏(15) أُولَئك الَّذِينَ اشترَوُا الضلَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبحَت تجَرَتُهُمْ وَ مَا كانُوا مُهْتَدِينَ‏(16)


أو في الآخرة و التعبير بالماضي لتحققه و يشهد له قوله و نحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا و بكما و صما و كرر الجار ليكون أدل على شدة الختم و أفرد السمع لأمن اللبس أو لمح أصله المصدر أو بتقدير حواس سمعهم أو لمناسبة لوحدة المدرك كالجمع لتكثره « و لهم عذاب عظيم» أي في الآخرة العذاب المعد للكافرين « و من الناس من يقول ءامنا بالله و باليوم الآخر» نزلت في الذين زادوا على كفرهم النفاق و تكرير الباء لادعاء الإيمان بكل على الأصالة « و ما هم بمؤمنين» نفي و تكذيب لما ادعوه و عدل عما آمنوا المطابق لقولهم « ءامنا» للمبالغة لأن إخراجهم عن جملة المؤمنين أبلغ من نفي إيمانهم في الماضي و لذا أكد النفي بالباء « يخادعون الله و الذين ءامنوا» يعاملونهم معاملة المخادع « و ما يخدعون» ما يضرون بتلك الخديعة « إلا أنفسهم» رجوع وبال ذلك عليهم دنيا و آخرة « و ما يشعرون» أن الأمر كذلك و أن الله يطلع نبيه على نفاقهم و كفرهم « في قلوبهم مرض» نفاق أو شك أو كفر و غل أو جبن « فزادهم الله ، مرضا» بإعلاء شأن نبيه « و لهم عذاب أليم» مؤلم « بما كانوا يكذبون» بالتخفيف أي بسبب كذبهم بقولهم آمنا بالله و بالتشديد أي لتكذيبهم الرسول و لفظ كان للاستمرار « و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض» بإظهار النفاق لعباد الله المستضعفين فتشوشوا عليهم دينهم « قالوا إنما نحن مصلحون» لأنا لا نعتقد دينا فنرضى محمدا في الظاهر فنعتق أنفسنا من رقة في الباطن « ألا إنهم هم المفسدون» بما يفعلون في أمور أنفسهم لأن الله يعرف نبيه نفاقهم فهو يلعنهم و يأمر المسلمين بلعنهم « و لكن لا يشعرون» بذلك مع ظهوره « و إذا قيل لهم ءامنوا كما ءامن الناس» كسلمان و المقداد و أبي ذر و عمار « قالوا أ نؤمن كما ءامن السفهاء» المذلون أنفسهم لمحمد حتى إذا اضمحل أمرهم أهلكهم أعداؤه « ألا إنهم هم السفهاء» الأخفاء العقول و الأراذل إذ عرفوا بالنفاق عند الفريقين « و لكن لا يعلمون» أن الأمر كذلك و أن الله يطلع نبيه على أسرارهم « و إذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا» صدر القصة بيان لمذهبهم و هذه بيان لصنعهم مع المؤمنين و الكفار فلا تكرير « و إذا خلوا إلى شياطينهم» أخدانهم من المنافقين المشاركين لهم في تكذيب الرسول « قالوا إنا معكم» أي في الدين و الاعتقاد كما كنا و خاطبوهم بالاسمية تحقيقا لثباتهم على دينهم و أكد ب إن اعتناء بشأنه و رواجه منهم و المؤمنين بالفعلية إخبارا بإحداث الإيمان و لم يعتنوا به و لم يتوقعوا رواجه « إنما نحن مستهزءون» بالمؤمنين « الله يستهزى‏ء بهم» يجازيهم جزاء من يستهزى‏ء به أما في الدنيا فبإجراء أحكام الإسلام عليهم و أما في الآخرة فبأن يفتح لهم و هم في النار بابا إلى الجنة فيسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سد عليهم « و يمدهم» يمهلهم « في طغيانهم»


تفسير شبر ص :42


أُولَئك الَّذِينَ اشترَوُا الضلَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبحَت تجَرَتُهُمْ وَ مَا كانُوا مُهْتَدِينَ‏(16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى استَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضاءَت مَا حَوْلَهُ ذَهَب اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فى ظلُمَتٍ لا يُبْصِرُونَ‏(17) صمُّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ‏(18) أَوْ كَصيِّبٍ مِّنَ السمَاءِ فِيهِ ظلُمَتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يجْعَلُونَ أَصبِعَهُمْ فى ءَاذَانهِم مِّنَ الصوَعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِوَ اللَّهُ محِيط بِالْكَفِرِينَ‏(19) يَكادُ الْبرْقُ يخْطف أَبْصرَهُمْكلَّمَا أَضاءَ لَهُم مَّشوْا فِيهِ وَ إِذَا أَظلَمَ عَلَيهِمْ قَامُواوَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَب بِسمْعِهِمْ وَ أَبْصرِهِمْإِنَّ اللَّهَ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ قَدِيرٌ(20) يَأَيهَا النَّاس اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏(21) الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْض فِرَشاً وَ السمَاءَ بِنَاءً وَ أَنزَلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقاً لَّكُمْفَلا تجْعَلُوا للَّهِ أَندَاداً وَ أَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏(22) وَ إِن كنتُمْ فى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَ ادْعُوا شهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ‏(23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَ لَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتى وَقُودُهَا النَّاس وَ الحِْجَارَةُأُعِدَّت لِلْكَفِرِينَ‏(24)


في التعدي عن حدهم « يعمهون» يتحيرون و العمه عمى القلب « أولئك الذين اشتروا الضلالة» التي اختاروها « بالهدى» الذي فطروا عليه « فما ربحت تجارتهم» ما ربحوا في تجارتهم « و ما كانوا مهتدين» إلى الحق و الصواب إذ أضاعوا رأس مالهم باستبدالهم الضلالة و لا ربح لمن ضيع رأس المال « مثلهم» حالهم العجيبة « كمثل الذي استوقد نارا» ليبصر بها ما حوله « فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم» بإرسال ريح أو مطر أطفأها و ذلك لأنهم أبصروا بظاهر الإيمان الحق و أعطوا أحكام المسلمين فلما أضاء إيمانهم الظاهر ما حولهم أماتهم الله و صاروا في ظلمات عذاب الآخرة « و تركهم في ظلمات لا يبصرون» بأن منعهم المعاونة و اللطف و خلى بينهم و بين اختيارهم و إسناد الإذهاب إليه تعالى لأنه المسبب للإطفاء و عدي بالباء لإفادتها الاستصحاب و عدل عن الضوء الموافق لأضاءت إلى النور للمبالغة إذ لو قيل ذهب بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة و بقاء ما يسمى نورا « صم بكم عمي» يعني في الآخرة و في الدنيا عما يتعلق بالآخرة « فهم لا يرجعون» عن الضلالة إلى الهدى « أو كصيب» أو مثل ما خوطبوا به من الحق و الهدى كمثل مطر إذ به حياة القلوب كما أن بالمطر حياة الأرض « من السماء» من العلاء « فيه ظلمات» مثل الشبهات و المصيبات المتعلقة به « و رعد» مثل للتخويف و الوعيد « و برق» مثل الآيات الباهرة « يجعلون أصابعهم في ءاذانهم من الصواعق حذر الموت» لئلا يخلع الرعد أفئدتهم أو ينزل البرق بالصاعقة فيموتوا و المنافقون كانوا يخافون أن يعثر النبي على كفرهم و نفاقهم فيستأصلهم فإذا سمعوا منه لعنا أو وعيدا لمن نكث البيعة جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا فتتغير ألوانهم فيعرف المؤمنون أنهم المعنيون بذلك « و الله محيط بالكافرين» مقتدر عليهم لا يفوتونه « يكاد البرق يخطف أبصارهم» يذهب بها هذا مثل قوم ابتلوا ببرق فنظروا إلى نفس البرق لم يغضوا عنه أبصارهم لتسلم من تلألؤه و لم ينظروا إلى الطريق الذي يريدون أن يتخلصوا فيه بضوء البرق فهؤلاء المنافقون يكاد ما في القرآن من الآيات المحكمة التي يشاهدونها ثم ينكرونها يبطل عليهم كلما يعرفونه « كلما أضاء لهم مشوا فيه» في مطرح ضوئه « و إذا أظلم عليهم قاموا» وقفوا و تحيروا فهؤلاء المنافقون إذا رأوا ما يحبون في دنياهم فرحوا بإظهار طاعتهم و إذا رأوا ما يكرهون فيها وقفوا « و لو شاء الله لذهب بسمعهم و أبصارهم» حتى لا يتهيأ لهم الاحتراز من أن يقف على كفرهم « إن الله على كل شي‏ء قدير» لا يعجزه شي‏ء و قيل التمثيل إما مركب تشبيه لحال المنافقين من الشدة و الدهشة بحال من أخذه المطر في ليل مظلم مع رعد عاصف و برق خاطف و خوف من الصواعق أو مفرق تشبيه لذواتهم بذوي الصيب و إيمانهم المشوب بالكفر بصيب فيه ظلمات و رعد و برق فإنه و إن كان رحمة في نفسه لكنه عاد نقمة في هذه الصورة و نفاقهم حذرا مما يطرق به غيرهم


تفسير شبر ص :43


من الكفرة بجعل الأصابع في الآذان من الصواعق حذر الموت و تحيرهم بشدة الأمر بأنهم كلما أضاء لهم انتهزوا الفرصة فمشوا قليلا و إذا أظلم عليهم وقفوا متحيرين و المثل الأول يجري فيه الوجهان « يا أيها الناس» لما ذكر تعالى فرق المكلفين و أحوالهم التفت إليهم بالخطاب تنشيطا للسامع و روي أن لذة النداء أزالت مشقة التكليف « اعبدوا ربكم الذي خلقكم و الذين من قبلكم لعلكم تتقون» أي خلقكم لتتقوه أي تعبدوه أو لعلكم تتقون النار و لعل من الله واجب « الذي جعل لكم الأرض فراشا» جعلها ملائمة لطبائعكم موافقة لأجسادكم مطاوعة لحرثكم و أبنيتكم و دفن موتاكم و لا ينافي كرويتها لعظم حجمها « و السماء بناء» سقفا محفوظا و قبة مضروبة عليكم يدير الكواكب لمنافعكم « و أنزل من السماء» من السحاب أو مما فوقه إليه و منه إلى الأرض « ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم» أي بسببه بأن جعله سببا في خروجها أو مادة لها « فلا تجعلوا لله أندادا» أشباها و أمثالا نهي معطوف على اعبدوا أو نفي منصوب بإضمار أن جوابا له « و أنتم تعلمون» أن الأنداد لا تقدر على شي‏ء من ذلك و الجملة حال من فاعل تجعلوا « و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله» صفة سورة أي كائنة من مثله و الضمير لما و من للتبعيض و للتبيين أو زائدة أي مماثلة للقرآن في الطبقة أو لعبدنا و من للابتداء أي بسورة كائنة ممن هو على حاله لم يقرأ الكتب و لم يأخذ من العلماء « و ادعوا» إلى المعارضة « شهداءكم» كل من حضركم « من دون الله» أي غير الله لأنه حاضر قادر على ذلك أو ادعوا من دون الله من يشهدون بصدقكم أي تشهدوا بالله كما يفعله العاجز عن البينة أو المعنى ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله و زعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة ليعينوكم في المعارضة « إن كنتم صادقين» أن محمدا يقوله من تلقاء نفسه « فإن لم تفعلوا» لم تأتوا « و لن تفعلوا» و لا يكون هذا منكم أبدا « فاتقوا النار التي وقودها» حطبها « الناس و الحجارة» حجارة الكبريت لأنها أشد الأشياء حرا أو الأصنام التي نحتوها لقوله إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم و جي‏ء بإن التي للشك مكان إذ التي للوجوب تهكما بهم و عبر عن الإتيان بالفعل الأعم منه إيجازا و فيه إخبار بالغيب أنهم لن يفعلوا كما دل عليها ثبوت إعجاز المتحدي و تعريف النار للعهد .



تفسير شبر ص :44



فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَ لَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتى وَقُودُهَا النَّاس وَ الحِْجَارَةُأُعِدَّت لِلْكَفِرِينَ‏(24) وَ بَشرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ أَنَّ لهَُمْ جَنَّتٍ تجْرِى مِن تحْتِهَا الأَنْهَرُكلَّمَا رُزِقُوا مِنهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاًقَالُوا هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُوَ أُتُوا بِهِ مُتَشبِهاًوَ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُّطهَّرَةٌوَ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ‏(25) × إِنَّ اللَّهَ لا يَستَحْىِ أَن يَضرِب مَثَلاً مَّا بَعُوضةً فَمَا فَوْقَهَافَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْوَ أَمَّا الَّذِينَ كفَرُوا فَيَقُولُونَ مَا ذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاًيُضِلُّ بِهِ كثِيراً وَ يَهْدِى بِهِ كَثِيراًوَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَسِقِينَ‏(26) الَّذِينَ يَنقُضونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَقِهِ وَ يَقْطعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصلَ وَ يُفْسِدُونَ فى الأَرْضِأُولَئك هُمُ الْخَسِرُونَ‏(27) كَيْف تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كنتُمْ أَمْوَتاً فَأَحْيَكُمْثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏(28) هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فى الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ استَوَى إِلى السمَاءِ فَسوَّاهُنَّ سبْعَ سمَوَتٍوَ هُوَ بِكلّ‏ِ شىْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏(29) وَ إِذْ قَالَ رَبُّك لِلْمَلَئكَةِ إِنى جَاعِلٌ فى الأَرْضِ خَلِيفَةًقَالُوا أَ تجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسفِك الدِّمَاءَ وَ نحْنُ نُسبِّحُ بحَمْدِك وَ نُقَدِّس لَكقَالَ إِنى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ‏(30)


« أعدت» هيئت « للكافرين» المكذبين بكلامه و نبيه « و بشر الذين ءامنوا و عملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها» تحت أشجارها أو مساكنها « الأنهار كلما رزقوا منها» من تلك الجنات « من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل» في الدنيا فأسماؤه كأسمائه و لكنه في غاية اللطافة و الطيب و اللذة غير مستحيل إلى ما يستحيل إليه ثمار الدنيا « و أتوا به متشابها» يشبه بعضه بعضا بأنها كلها خيار و بأنها متفقات الألوان مختلفات الطعوم « و لهم فيها أزواج مطهرة» من أنواع الأقذار و المكاره « و هم فيها خالدون» و به يتم النعمة لأن خوف الانقطاع ينغص العيش « إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا» للحق يوضحه به لعباده المؤمنين « ما» أي مثل كان إبهامية تزيد النكرة إبهاما أو زائدة للتأكيد نحو فبما رحمة « بعوضة» عطف بيان لمثلا أو مفعول يضرب و مثلا حال منه مقدمة لتنكيره أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل « فما فوقها» و البعوض صغار البق و هو رد على الطاعنين في ضربه الأمثال في كتابه بالذباب و العنكبوت و غيرهما « فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه» المثل المضروب « الحق من ربهم» أراد به الحق و إبانته « و أما الذين كفروا فيقولون ما ذا» أي شي‏ء « أراد الله بهذا مثلا» من جهة المثل « يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا» قيل هو جواب ما ذا أي إضلال كثير بسبب إنكاره و هداية كثير من جهة قبوله فهو يجري مجرى البيان للجملتين أي إن كلا من الفريقين موصوف بالكثرة و بسببية لهما نسبا إليه و روي أنه قول الكفار أي لا معنى للمثل لأنه و إن نفع به من يهد به فهو يضربه من يضل به فرد الله عليهم قولهم فقال « و ما يضل به إلا الفاسقين» الخارجين عن دين الله « الذين ينقضون عهد الله» ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد و صدق الرسل و ما أخذ في عالم الذر من الإقرار لله بالربوبية و لمحمد بالنبوة و لأهل بيته بالولاية « من بعد ميثاقه» أي أحكامه « و يقطعون ما أمر الله به أن يوصل» من الأرحام و القرابات سيما صلة النبي و مودة ذي القربى « و يفسدون في الأرض» بسبب قطع ما في وصله نظام العالم و صلاحه « أولئك هم الخاسرون» لما صاروا إلى النيران و حرموا الجنان « كيف تكفرون بالله» الخطاب لكفار قريش « و كنتم أمواتا» عناصر و أغذية و أخلاطا و نطفا و ما يتعقبها إلى ولوج الأرواح في أصلاب آبائكم و أرحام أمهاتكم « فأحياكم» بنفخ الأرواح فيكم و عطف بالفاء لتعقيب الموت بلا تراخ و البواقي بثم للتراخي « ثم يميتكم» في هذه الدنيا و يقبركم « ثم يحييكم» في القبور و ينعم فيها المؤمنين و يعذب فيها الكافرين أو في القيامة « ثم إليه ترجعون» بعد النشور للجزاء أو تبعثون من قبوركم إليه للحساب فواو « و كنتم» للحال و الحال هي العلم بجملة القصة لا كل جملة منها لمضي بعضها و استقبال بعضها « هو الذي خلق لكم» لانتفاعكم « ما في الأرض جميعا» لتعتبروا به و تتوصلوا به إلى رضوانه و تتوقوا من عذاب نيرانه و الأرض داخلة فيما في الأرض إن


تفسير شبر ص :45


وَ إِذْ قَالَ رَبُّك لِلْمَلَئكَةِ إِنى جَاعِلٌ فى الأَرْضِ خَلِيفَةًقَالُوا أَ تجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسفِك الدِّمَاءَ وَ نحْنُ نُسبِّحُ بحَمْدِك وَ نُقَدِّس لَكقَالَ إِنى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ‏(30) وَ عَلَّمَ ءَادَمَ الأَسمَاءَ كلَّهَا ثُمَّ عَرَضهُمْ عَلى الْمَلَئكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونى بِأَسمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ‏(31) قَالُوا سبْحَنَك لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَاإِنَّك أَنت الْعَلِيمُ الحَْكِيمُ‏(32) قَالَ يَئَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسمَائهِمْفَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسمَائهِمْ قَالَ أَ لَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنى أَعْلَمُ غَيْب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ‏(33) وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئكَةِ اسجُدُوا لاَدَمَ فَسجَدُوا إِلا إِبْلِيس أَبى وَ استَكْبرَ وَ كانَ مِنَ الْكَفِرِينَ‏(34) وَ قُلْنَا يَئَادَمُ اسكُنْ أَنت وَ زَوْجُك الجَْنَّةَ وَ ُكلا مِنْهَا رَغَداً حَيْث شِئْتُمَا وَ لا تَقْرَبَا هَذِهِ الشجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظلِمِينَ‏(35) فَأَزَلَّهُمَا الشيْطنُ عَنهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كانَا فِيهِوَ قُلْنَا اهْبِطوا بَعْضكمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّوَ لَكمْ فى الأَرْضِ مُستَقَرٌّ وَ مَتَعٌ إِلى حِينٍ‏(36) فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كلِمَتٍ فَتَاب عَلَيْهِإِنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيمُ‏(37) قُلْنَا اهْبِطوا مِنهَا جَمِيعاًفَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاى فَلا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَ لا هُمْ يحْزَنُونَ‏(38) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِئَايَتِنَا أُولَئك أَصحَب النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ‏(39)


أريد بها جهة السفل كالسماء جهة العلو و إلا فلا و جميعا حال من ما « ثم استوى إلى السماء» أخذ في خلقها و إتقانها « فسويهن» عدلهن عن العوج و الفطور و الضمير للسماء إن فسرت بالجنس أو الجمع و إلا فمبهم يفسره ما بعده كربه رجلا « سبع سموات» بدل أو مفسر « و هو بكل شي‏ء عليم» علم المصالح فخلق ما فيه صلاحكم « و إذ قال ربك» أي اذكر الحادث فحذف الحادث و أقيم الظرف مقامه أو ظرف لقالوا « للملائكة» الذين كانوا في الأرض مع إبليس و قد طردوا عنها الجن لإفسادهم فيها « إني جاعل في الأرض خليفة» يكون حجة لي في أرضي على خلقي « قالوا أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء» كما فعلته الجن و النسناس « و نحن نسبح» ننزهك عما لا يليق بك متلبسين « بحمدك و نقدس لك» نطهر أرضك ممن يعصيك فاجعل ذلك الخليفة منا « قال إني أعلم ما لا تعلمون» من الصلاح الكائن فيه و من الكفر الباطن فيمن هو فيكم و هو إبليس « و علم آدم الأسماء كلها» أسماء المخلوقات قيل اضطره إلى العلم بها أو ألقاه في قلبه أي علمه أسماء الأجناس التي خلقها و خواصها و ما يتبعها من المنافع الدينية و الدنيوية و قيل أريد أسماؤه الحسنى التي بها خلقت المخلوقات و بتعليمها كلها إياه خلقه من أجزاء متباينة و قوى مختلفة ليستعد لإدراك أنواع المدركات ليتأتى له بمعرفتها مظهريته لأسماء الله الحسنى كلها و جامعيته جميع الوجوه اللائقة به « ثم عرضهم على الملائكة» الضمير للمسميات المدلول عليها بالأسماء و التذكير لتغليب ما فيها من العقلاء « فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء» المعروضات تبكيت لهم و بيان لأحقية آدم بالخلافة « إن كنتم صادقين» أنكم أحق بالخلافة « قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا» إقرار بالقصور و إيذان بأن سؤالهم كان استعلاما لا اعتراضا « إنك أنت العليم» بكل شي‏ء « الحكيم» المصيب في كل فعل « قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم» أخبرهم بالحقائق المكنونة منهم ليعرفوا جامعيتك لها و قدرة الله على الجمع بين الصفات المتباينة في مخلوق واحد « فلما أنبأهم بأسمائهم» فعرفوها « قال أ لم أقل لكم إني أعلم غيب السموات و الأرض» سرهما « و أعلم ما تبدون» من ردكم علي « و ما كنتم تكتمون» من أنه لا يأتي أفضل منكم و في الآيات دلالة على شرف الإنسان و العلم و فضله على العبادة و توقف الخلافة عليه و إن آدم أفضل من الملائكة لأنه أعلم منهم « و إذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم» لما في صلبه من نور محمد و أهل بيته و هذا السجود كان لهم تعظيما و إكراما و لله سبحانه عبودية و لآدم طاعة « فسجدوا إلا إبليس» إنما دخل في الأمر لكونه منهم بالولاء و لم يكن من جنسهم « أبى و استكبر» ترفع « و كان من الكافرين» أي صار منهم باستكباره « و قلنا يا آدم أسكن أنت و زوجك» حواء و لم يخاطبهما أولا إشعارا بأنه المقصود و هي تبع له « الجنة» من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس و تغرب و قيل دار الثواب إذ لا معهود غيرها « و كلا منها رغدا» واسعا بلا تعب « حيث شئتما» أي مكان منها « و لا تقربا هذه الشجرة» هي الحنطة أو الكرمة أو التينة أو شجرة تحمل أنواع المطاعم و الفواكه و هي شجرة علم محمد و آل محمد


تفسير شبر ص :46


وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِئَايَتِنَا أُولَئك أَصحَب النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ‏(39) يَبَنى إِسرءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتىَ الَّتى أَنْعَمْت عَلَيْكمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّىَ فَارْهَبُونِ‏(40) وَ ءَامِنُوا بِمَا أَنزَلْت مُصدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرِ بِهِوَ لا تَشترُوا بِئَايَتى ثَمَناً قَلِيلاً وَ إِيَّىَ فَاتَّقُونِ‏(41) وَ لا تَلْبِسوا الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏(42) وَ أَقِيمُوا الصلَوةَ وَ ءَاتُوا الزَّكَوةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّكِعِينَ‏(43) × أَ تَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبرِّ وَ تَنسوْنَ أَنفُسكُمْ وَ أَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَبأَ فَلا تَعْقِلُونَ‏(44) وَ استَعِينُوا بِالصبرِ وَ الصلَوةِوَ إِنهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلى الخَْشِعِينَ‏(45) الَّذِينَ يَظنُّونَ أَنهُم مُّلَقُوا رَبهِمْ وَ أَنهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ‏(46) يَبَنى إِسرءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتىَ الَّتى أَنْعَمْت عَلَيْكمْ وَ أَنى فَضلْتُكُمْ عَلى الْعَلَمِينَ‏(47) وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنهَا شفَعَةٌ وَ لا يُؤْخَذُ مِنهَا عَدْلٌ وَ لا هُمْ يُنصرُونَ‏(48) وَ إِذْ نجَّيْنَكم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسومُونَكُمْ سوءَ الْعَذَابِ يُذَبحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَ يَستَحْيُونَ نِساءَكُمْوَ فى ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ‏(49) وَ إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَكمْ وَ أَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَ أَنتُمْ تَنظرُونَ‏(50)


« فتكونا من الظالمين» بالإقدام على ما فيه عدم صلاحكما « فأزلهما الشيطان عنها» حملهما على الزلة بسبب الشجرة أو أزالهما عن الجنة أي أذهبهما بوسوسته و غروره بأن دخل بين لحيي الحية فأراهما أن الحية تخاطبهما « فأخرجهما مما كانا فيه» من النعيم « و قلنا اهبطوا» خطاب لهما بدليل اهبطا منها كأنهما الإنس كلهم فجمع الضمير أو مع إبليس مع الحية أو بدونها « بعضكم لبعض عدو» آدم و حواء و ولدهما عدو للحية و لإبليس و إبليس و الحية و أولادهما عدو آدم « و لكم في الأرض مستقر» منزل و مقر للمعاش « و متاع» تمتع و منفعة « إلى حين» الموت أو القيامة « فتلقى آدم من ربه كلمات» و قرى‏ء بنصب آدم و رفع كلمات على معنى تداركته و هي التوسل في دعائه بمحمد و آله الطيبين و قيل ربنا ظلمنا أنفسنا الآية « فتاب عليه» قبل توبته و اكتفى به لأن حواء تبع « إنه هو التواب» القابل للتوبات « الرحيم» بالتائبين « قلنا اهبطوا منها جميعا» أمر أولا بالهبوط و ثانيا بأن لا يتقدم أحدهم الآخر و قيل الأول هبوط قرن بالتعادي و الثاني للتكليف و قيل الأول من الجنة إلى سماء الدنيا و الثاني منها إلى الأرض و قيل تأكيد « فإما يأتينكم مني هدى» ما زائدة تؤكد إن الشرطية و الجواب « فمن تبع هداي فلا خوف عليهم» حين يخاف الكافرون « و لا هم يحزنون» حين الموت « و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يا بني إسرائيل» يا ولد يعقوب معناه صفوة الله و قيل عبد الله « اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم» بأن بعثت محمدا في مدينتكم و أوضحت دلائل صدقه أو المراد ما أنعم على آبائهم من إنجائهم من فرعون و الغرق « و أوفوا بعهدي» الذي أخذته عليكم بلسان أنبيائكم و أسلافكم لتؤمنن بمحمد « أوف بعهدكم» بالفوز بنعيم الأبد « و إياي فارهبون» في نقض العهد و إياي نصب بمضمر يفسره المذكور و هو آكد في إفادة التخصيص من إياي ارهبوا « و ءامنوا بما أنزلت» على محمد « مصدقا لما معكم» فإنه مماثل ما في كتابكم أو مطابقا لها في الدعاء إلى التوحيد و الإقرار بمحمد و الأمر بالعبادة و غير ذلك « و لا تكونوا أول كافر به» و الواجب أن تكونوا أول مؤمن به لعلمكم بشأنه « و لا تشتروا بآياتي» بتحريف آيات من التوراة فيها صفة محمد « ثمنا قليلا» عوضا يسيرا من الدنيا « و إياي فاتقون» في كتمان أمر محمد « و لا تلبسوا الحق بالباطل» لا تخلطوه به قالوا نعلم أن محمدا نبي و لكن لست أنت ذلك « و تكتموا الحق» في صفة محمد « و أنتم تعلمون» أنكم تكتمونه « و أقيموا الصلوة و ءاتوا الزكوة و اركعوا مع الراكعين» صلوا في جماعتهم عبر عن الصلاة بالركوع لخلو صلاة اليهود عنه أو أريد به الخضوع و الانقياد للحق « أ تأمرون الناس بالبر» توبيخ و تعجيب من حالهم و البر يعم كل خير « و تنسون أنفسكم» تتركونها « و أنتم تتلون الكتاب» التوراة و فيها الوعيد على ترك البر و مخالفة القول للعمل « أ فلا تعقلون»


تفسير شبر ص :47


وَ إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَكمْ وَ أَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَ أَنتُمْ تَنظرُونَ‏(50) وَ إِذْ وَعَدْنَا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتخَذْتمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَ أَنتُمْ ظلِمُونَ‏(51) ثمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِك لَعَلَّكُمْ تَشكُرُونَ‏(52) وَ إِذْ ءَاتَيْنَا مُوسى الْكِتَب وَ الْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تهْتَدُونَ‏(53) وَ إِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظلَمْتُمْ أَنفُسكم بِاتخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بَارِئكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئكُمْ فَتَاب عَلَيْكُمْإِنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيمُ‏(54) وَ إِذْ قُلْتُمْ يَمُوسى لَن نُّؤْمِنَ لَك حَتى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصعِقَةُ وَ أَنتُمْ تَنظرُونَ‏(55) ثمَّ بَعَثْنَكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكمْ تَشكُرُونَ‏(56) وَ ظلَّلْنَا عَلَيْكمُ الْغَمَامَ وَ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السلْوَىكلُوا مِن طيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْوَ مَا ظلَمُونَا وَ لَكِن كانُوا أَنفُسهُمْ يَظلِمُونَ‏(57) وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكلُوا مِنْهَا حَيْث شِئْتُمْ رَغَداً وَ ادْخُلُوا الْبَاب سجَّداً وَ قُولُوا حِطةٌ نَّغْفِرْ لَكمْ خَطيَكُمْوَ سنزِيدُ الْمُحْسِنِينَ‏(58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظلَمُوا قَوْلاً غَيرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلى الَّذِينَ ظلَمُوا رِجْزاً مِّنَ السمَاءِ بِمَا كانُوا يَفْسقُونَ‏(59)


قبح ذلك فيمنعكم منه نزلت في علماء اليهود و رؤسائهم و يعم كل من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره « و استعينوا» على مشقة التكليف و البر « بالصبر» على الطاعات و عن المعاصي أو بالصيام « و الصلوة و إنها» أي الصلاة « لكبيرة» عظيمة ثقيلة « إلا على الخاشعين» الخائفين عقاب الله في مخالفته لتوطين أنفسهم عليها و يقينهم بجزائها « الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم» يوقنون أنهم يبعثون « و أنهم إليه» إلى كراماته « راجعون يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم» كرر تأكيدا « و أني فضلتكم» فضلت أسلافكم « على العالمين» عالمي زمانهم الذين خالفوا طريقتهم بالإيمان و العلم و جعل الأنبياء فيهم و أنزل الكتاب عليهم « و اتقوا يوما» وقت النزع « لا تجزي نفس عن نفس شيئا» لا تدفع عنها عذابا قد استحقته « و لا يقبل منها شفاعة» بتأخير الموت « و لا يؤخذ منها عدل» فداء بأن يمات و يترك هي « و لا هم ينصرون» في دفع الموت و العذاب و الضمير للنفوس الكثيرة الدال عليها النفس النكرة في سياق النفي « و إذ نجيناكم» و اذكروا إذ أنجينا أسلافكم « من آل فرعون يسومونكم» يعذبونكم « سوء العذاب» العذاب الشديد « يذبحون أبناءكم» لما قيل لفرعون إنه يولد في بني إسرائيل مولود يكون على يده هلاكك « و يستحيون نساءكم» يبقونهن و يتخذونهن إماء « و في ذلكم» الإنجاء أو منعهم أو كليهما « بلاء» اختبار بنعمة أو محنة أو بهما « من ربكم عظيم» كبير « و إذ فرقنا بكم البحر» فصلنا بين بعضه و بعض حتى صارت فيه مسالك بسلوككم فيه « فأنجيناكم» هناك « و أغرقنا آل فرعون» أي هو و قومه و اقتصر عليهم للعلم بأولويته به « و أنتم تنظرون» إليهم و هم يغرقون « و إذ واعدنا موسى أربعين ليلة» وعده بعد هلاك فرعون أن يعطيه التوراة بعد ثلاثين ليلة فلما استاك فذهب طيب فمه فأخر عشرا « ثم اتخذتم العجل» إلها « من بعده» بعد انطلاقه إلى الجبل « و أنتم ظالمون» بإشراككم « ثم عفونا عنكم» عن أوائلكم حين تابوا « من بعد ذلك» الاتخاذ للعجل « لعلكم تشكرون» تلك النعمة على أسلافكم و عليكم بعدهم « و إذ ءاتينا موسى الكتاب و الفرقان» أي التوراة الجامع بين كونه كتابا و فارقا بين الحق و الباطل أو أريد بالفرقان معجزاته الفارقة بين الحق و الباطل « لعلكم تهتدون» لكي تهتدوا بما فيه « و إذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم» يقتل من لم يعبد العجل منكم من عبده « ذلكم» القتل « خير لكم عند بارئكم» من أن تعيشوا لأنه كفارتكم « فتاب عليكم» قبل توبتكم قبل استيفاء القتل لجماعتكم « إنه هو التواب الرحيم» الكثير القبول للتوبة البليغ في الرحمة « و إذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة» عيانا « فأخذتكم الصاعقة و أنتم تنظرون» إلى الصاعقة تنزل أو إلى


تفسير شبر ص :48


وَ إِذِ استَسقَى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضرِب بِّعَصاك الْحَجَرَفَانفَجَرَت مِنْهُ اثْنَتَا عَشرَةَ عَيْناًقَدْ عَلِمَ كلُّ أُنَاسٍ مَّشرَبَهُمْكلُوا وَ اشرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَ لا تَعْثَوْا فى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏(60) وَ إِذْ قُلْتُمْ يَمُوسى لَن نَّصبرَ عَلى طعَامٍ وَحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّك يخْرِجْ لَنَا ممَّا تُنبِت الأَرْض مِن بَقْلِهَا وَ قِثَّائهَا وَ فُومِهَا وَ عَدَسِهَا وَ بَصلِهَاقَالَ أَ تَستَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنى بِالَّذِى هُوَ خَيرٌاهْبِطوا مِصراً فَإِنَّ لَكم مَّا سأَلْتُمْوَ ضرِبَت عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسكنَةُ وَ بَاءُو بِغَضبٍ مِّنَ اللَّهِذَلِك بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقّ‏ِذَلِك بمَا عَصوا وَّ كانُوا يَعْتَدُونَ‏(61) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ الَّذِينَ هَادُوا وَ النَّصرَى وَ الصبِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ عَمِلَ صلِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَ لا هُمْ يحْزَنُونَ‏(62) وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطورَ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏(63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكفَلَوْ لا فَضلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الخَْسِرِينَ‏(64) وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فى السبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَسِئِينَ‏(65)


أسباب الموت « ثم بعثناكم من بعد موتكم» بسبب الصاعقة « لعلكم تشكرون» نعمة البعث و فيه حجة على صحة البعث و الرجعة « و ظللنا عليكم الغمام» لما كنتم في التيه ليقيكم حر الشمس « و أنزلنا عليكم المن» الترنجبين ينزل عليكم بالليل فتأكلونه « و السلوى» السماني تجي‏ء بالعشاء مشويا فيقع على موائدهم فإذا أكلوا و شبعوا طار عنهم « كلوا من طيبات ما رزقناكم» قول الله تعالى « و ما ظلمونا» لما غيروا و بدلوا ما أمروا به « و لكن كانوا أنفسهم يظلمون» إياها يضرون بالكفران « و إذ قلنا» حين خرجوا من التيه « ادخلوا هذه القرية» هي أريحا من بلاد الشام « فكلوا منها حيث شئتم رغدا» واسعا « و ادخلوا الباب» باب القرية أو بيت المقدس أو القبة التي كانوا يصلون إليها « سجدا» لله شكرا أو منحنين « و قولوا حطة» سجودنا لله حطة لذنوبنا أو ثقلنا أو أمرك حطة « نغفر لكم خطاياكم» السالفة « و سنزيد المحسنين» من يقارف الذنوب منكم ثوابا بالامتثال كما جعلناه توبة للمسي‏ء « فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم» دخلوا بأستاههم و قالوا ما معناه حنطة حمراء نتقوتها أحب إلينا من هذا الفعل و القول « فأنزلنا على الذين ظلموا» كرر تأكيدا في تقبيح أمرهم و إيذانا بأن عذابهم بظلمهم « رجزا» عذابا « من السماء» بأن مات منهم في بعض يوم مائة و عشرون ألفا « بما كانوا يفسقون» يخرجون عن طاعة الله « و إذ استسقى موسى لقومه» لما عطشوا في التيه « فقلنا اضرب بعصاك» التي دفعها إليه شعيب من آس الجنة أهبط مع آدم طولها عشرة أذرع على طول موسى و لها شعبتان تتقدان في الظلمة « الحجر» المعهود روي أنه حجر طوري مربع ينبع من كل وجهه ثلاثة أعين لكل سبط عين يسيل في جدول و كانوا ستمائة ألف سعتهم اثنا عشر ميلا فضربه بها « فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس» كل قبيلة « مشربهم» و لا يزاحم الآخرين في مشربهم « كلوا و اشربوا من رزق الله» من المن و السلوى و الماء « و لا تعثوا» تعتدوا « في الأرض مفسدين» و قيد به لأنه منه ما ليس بفساد كمقابلة المعتدي من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه « و إذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد» هو المن و السلوى أريد بالواحد أنه لا يتبدل و إن تعددا و ضرب واحد لأنهما طعام المتلذذين و هم فلاحة نزعوا إلى ما ألفوه « فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها» أطائب الخضر التي تؤكل « و قثائها و فومها» الحنطة أو الخبز أو الثوم « و عدسها و بصلها قال» الله أو موسى « أ تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير» تستدعون الأدون ليكون لكم بدلا من الأفضل « اهبطوا مصرا» من الأمصار « فإن لكم ما سألتم و ضربت عليهم الذلة و المسكنة» الجزية و الفقر فاليهود أذلاء مساكين إما على الحقيقة أو التكلف خوف تضاعف الجزية « و باءوا بغضب من الله» رجعوا و عليهم الغضب و اللعنة « ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله» حججه من إفلاق البحر و إظلال الغمام و إنزال المن و السلوى


تفسير شبر ص :49


و انفجار الحجر و بالإنجيل و القرآن أو ما في التوراة من صفة محمد « و يقتلون النبيين بغير الحق» بلا جرم منهم إليهم و لا إلى غيرهم كما قتلوا شعيبا و زكريا و يحيى « ذلك» كرر تأكيدا « بما عصوا و كانوا يعتدون» بسبب عصيانهم و اعتدائهم حدود الله مع كفرهم بالآيات و قتلهم الأنبياء و قيل الإشارة إلى الكفر و القتل أي جرهم العصيان و الاعتداء إلى الكفر و القتل « إن الذين ءامنوا» بأفواههم و هم المنافقون « و الذين هادوا» يقال هاد و تهود إذا دخل في اليهودية « و النصارى» جمع نصران كسكران و يا نصراني للمبالغة كياء أحمري سموا بذلك لنصرهم المسيح أو لكونهم معه في قرية تسمى ناصرة « و الصابئين» الذين زعموا أنهم صبوا إلى دين الله و هم كاذبون و قيل هم كاذبون و قيل هم قوم بين اليهود و المجوس لا دين لهم و قيل دينهم يشبه دين النصارى يزعمون أنه دين نوح و قيل هم عبدة النجوم أو الملائكة « من ءامن» منهم و نزع عن كفره « بالله و اليوم الآخر» أي بالمبدإ و المعاد « و عمل صالحا فلهم أجرهم» الذي يستوجبونه على الإيمان و العمل « عند ربهم و لا خوف عليهم» من العقاب « و لا هم يحزنون» على فوت الثواب « و إذ أخذنا ميثاقكم» عهودكم أن تعملوا بما في التوراة فأبيتم ذلك « و رفعنا فوقكم الطور» الجبل رفع جبرائيل بأمرنا قطعة منه على قدر معسكر أسلافكم فوق رءوسهم حتى قبلوا « خذوا» بتقدير القول « ما ءاتيناكم بقوة» من قلوبكم و أبدانكم قيل لهم إما أن تأخذوا بما أمرتم به فيه و إما أن ألقي عليكم هذا الجبل فالتجئوا إلى قبوله كارهين أو خذوا ما آتيناكم من التوراة بجد و عزم « و اذكروا ما فيه» من جزيل ثوابنا على قيامكم به و شديد عقابنا على إبائكم له أو احفظوه أو اعملوا به « لعلكم تتقون» لتتقوا المخالفة أو و جاء منكم أن تكونوا متقين « ثم توليتم من بعد ذلك» عن القيام به « فلو لا فضل الله عليكم و رحمته» بإمهالكم للتوبة و بمحمد يهديكم للحق « لكنتم من الخاسرين» بإهلاككم أنفسكم بالمعاصي « و لقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت» لما اصطادوا السموك فيه و كانوا قد نهوا عنه و كانت قريتهم على البحر و لم يبق فيه حوت إلا أخرج خرطومه يوم السبت فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضا و شرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد


تفسير شبر ص :50


وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فى السبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَسِئِينَ‏(65) فجَعَلْنَهَا نَكَلاً لِّمَا بَينَ يَدَيهَا وَ مَا خَلْفَهَا وَ مَوْعِظةً لِّلْمُتَّقِينَ‏(66) وَ إِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبحُوا بَقَرَةًقَالُوا أَ تَتَّخِذُنَا هُزُواًقَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَْهِلِينَ‏(67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّك يُبَين لَّنَا مَا هِىَقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَ لا بِكْرٌ عَوَانُ بَينَ ذَلِكفَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ‏(68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّك يُبَين لَّنَا مَا لَوْنُهَاقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنهَا بَقَرَةٌ صفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسرُّ النَّظِرِينَ‏(69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّك يُبَين لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشبَهَ عَلَيْنَا وَ إِنَّا إِن شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ‏(70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْض وَ لا تَسقِى الحَْرْث مُسلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَاقَالُوا الْئََنَ جِئْت بِالْحَقّ‏ِفَذَبحُوهَا وَ مَا كادُوا يَفْعَلُونَ‏(71) وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّرَأْتُمْ فِيهَاوَ اللَّهُ مخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ‏(72) فَقُلْنَا اضرِبُوهُ بِبَعْضِهَاكَذَلِك يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏(73) ثُمَّ قَست قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِك فَهِىَ كالحِْجَارَةِ أَوْ أَشدُّ قَسوَةًوَ إِنَّ مِنَ الحِْجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَرُوَ إِنَّ مِنهَا لَمَا يَشقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُوَ إِنَّ مِنهَا لَمَا يهْبِط مِنْ خَشيَةِ اللَّهِوَ مَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏(74)


« فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين» مبعدين من كل خير « فجعلناها» أي المسخة « نكالا» عقوبة « لما بين يديها» ما قبلها « و ما خلفها» ما بعدها من الأمم أو لمعاصريهم و من بعدهم أو لأجل ذنوبهم المتقدمة و المتاخرة « و موعظة للمتقين» من قومهم أو كل متق سمعها « و إذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة» قيل كان فيهم شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه و طرحوه على باب المدينة و طالبوا بدمه فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة و يضربوه ببعضها فيحيا و يخبرهم بقاتله و قيل قتلوا الشيخ و عن الصادق (عليه‏السلام‏) قتله ابن عمه ليتزوج ابنته و قد خطبها فرده و زوجها غيره « قالوا أ تتخذنا هزوا» سخرية نأتيك بقتيل فتقول اذبحوا بقرة « قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين» أنسب إلى الله ما لم يقل لي « قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي» ما صفتها « قال إنه» إن الله « يقول» بعد ما سأل ربه « إنها بقرة لا فارض و لا بكر» لا كبيرة و لا صغيرة « عوان بين ذلك» وسط بين الفارض و البكر « فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول : إنها بقرة صفراء فاقع لونها» حسن الصفرة ليس بناقص و لا مشبع « تسر الناظرين» لحسنها « قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي» ما صفتها يزيد في صفتها « إن البقر تشابه علينا و إنا إن شاء الله لمهتدون» إلى المراد من ذبحها أو القائل روي أنهم لو لم يستثنوا لما تبينت لهم أبدا « قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض» لم تذلل لإثارة الأرض « و لا تسقي الحرث» و لا هي مما تجر الدلاء و تدير النواعير « مسلمة» من العيوب كلها « لا شية فيها» لا لون فيها من غيرها « قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها» بعد ما اشتروها بمل‏ء جلدها ذهبا « و ما كادوا يفعلون» من عظم ثمنها و كانت ليتيم و كانت البقرة حينئذ بثلاثة دنانير قيل كاد كباقي سائر الأفعال في الأصح فلا ينافي الذبح عدم مقاربته لاختلاف وقتيهما إذ المعنى ما قاربوا الفعل حتى انتهت سؤالاتهم ففعلوا « و إذ قتلتم نفسا» خوطب الجميع لوجود القتيل فيهم « فادارأتم فيها» فاختلفتم و تدافعتم في القتل « و الله مخرج ما كنتم تكتمون» من خبر القاتل و إرادة تكذيب موسى « فقلنا اضربوه ببعضها» اضربوا المقتول بذنب البقرة ليحيا و يخبر بقاتله « كذلك يحيي الله الموتى» في الدنيا و الآخرة كما أحيا الميت بملاقاة ميت آخر « و يريكم آياته لعلكم تعقلون» أن القادر على إحياء نفس قادر على


تفسير شبر ص :51


× أَ فَتَطمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسمَعُونَ كلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏(75) وَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَ إِذَا خَلا بَعْضهُمْ إِلى بَعْضٍ قَالُوا أَ تحَدِّثُونهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْأَ فَلا تَعْقِلُونَ‏(76) أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَ مَا يُعْلِنُونَ‏(77) وَ مِنهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَب إِلا أَمَانىَّ وَ إِنْ هُمْ إِلا يَظنُّونَ‏(78) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشترُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًفَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَت أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ‏(79) وَ قَالُوا لَن تَمَسنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَّعْدُودَةًقُلْ أَ تخَذْتمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً فَلَن يخْلِف اللَّهُ عَهْدَهُأَمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ‏(80) بَلى مَن كَسب سيِّئَةً وَ أَحَطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئك أَصحَب النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ‏(81) وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ أُولَئك أَصحَب الْجَنَّةِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ‏(82) وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنى إِسرءِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْساناً وَ ذِى الْقُرْبى وَ الْيَتَمَى وَ الْمَسكينِ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسناً وَ أَقِيمُوا الصلَوةَ وَ ءَاتُوا الزَّكوةَ ثمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلاً مِّنكمْ وَ أَنتُم مُّعْرِضونَ‏(83)


إحياء الكل « ثم قست» غلظت و جفت و يئست من الخير و الرحمة « قلوبكم» معاشر اليهود « من بعد ذلك» بعد ما بينت الآيات الباهرات « فهي كالحجارة أو أشد قسوة» أي زائدة عليها في القسوة و لم يقل أقسى لأن أشد أبلغ أي من عرفها شبهها بالحجارة أو ما هو أقسى منها « و إن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار» بيان التفضيل في الأشدية « و إن منها لما يشقق فيخرج» ينبع « منه الماء» و هو ما يقطر منه الماء حول الأنهار « و إن منها لما يهبط من خشية الله» إذا أقسم عليها باسم الله أو أسماء أوليائه « و ما الله بغافل عما تعملون» بالياء و التاء و هو وعيدهم « أ فتطمعون» الخطاب للنبي و المؤمنين « أن يؤمنوا لكم» اليهود بقلوبهم « و قد كان فريق منهم» طائفة من أسلافهم « يسمعون كلام الله» في أصل جبل طور سيناء « ثم يحرفونه» إذا أدوه إلى من وراءهم « من بعد ما عقلوه» فهموه بعقولهم « و هم يعلمون» أنهم في نقولهم كاذبون فما طمعكم في سفلتهم و جهالهم « و إذا لقوا الذين ءامنوا قالوا» أي منافقوهم « ءامنا» بأنكم على الحق و أن محمدا هو المبشر به في التوراة « و إذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا» أي الذين لم ينافقوا عاتبين على المنافقين « أ تحدثونهم بما فتح الله عليكم» من دلائل نبوة محمد « ليحاجوكم به عند ربكم» بأنكم قد علمتم هذا فلم تؤمنوا به « أ فلا تعقلون» أن الذي تخبرونه به حجة عليكم عند ربكم « أ و لا يعلمون» أي القائلون لإخوانهم أ تحدثونهم « أن الله يعلم ما يسرون و ما يعلنون» جميعه و منه إسرارهم الكفر و إعلامهم الإيمان « و منهم أميون» لا يقرءون و لا يكتبون « لا يعلمون الكتاب إلا أماني» إلا أن يقرأ عليهم و يقال لهم هذا كتاب الله لا يعرفون أن ما قرى‏ء من الكتاب خلاف ما فيه « و إن هم إلا يظنون» لا علم لهم و يدل على منع التقليد « فويل» تلهف شدة من العذاب في أسوء بقاع جهنم « للذين يكتبون الكتاب بأيديهم» يحرفون من أحكام التوراة « ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا» ليأخذوا به عرضا من الدنيا فإنه قليل و إن جل « فويل لهم مما كتبت أيديهم» من المحرف « و ويل لهم» ثانية مضافة إلى الأولى « مما يكسبون» من المعاصي و الرشاء « و قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة» قلائل أربعين يوما أيام عبادة العجل و قيل زعموا أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة و إنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما « قل أتخذتم عند الله عهدا» أن عذابكم على كفركم منقطع « فلن يخلف الله عهده» أي إن اتخذتم فمن يخلف إلخ « أم تقولون على الله ما لا تعلمون» بل أنتم في أيهما ادعيتم كاذبون فأم منقطعة بمعنى بل أو عديلة أي أي الأمرين كائن « بلى» رد عليهم « من كسب سيئة» أي الشرك « و أحاطت به خطيئته» بأن تحيط بأعماله


تفسير شبر ص :52


وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنى إِسرءِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْساناً وَ ذِى الْقُرْبى وَ الْيَتَمَى وَ الْمَسكينِ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسناً وَ أَقِيمُوا الصلَوةَ وَ ءَاتُوا الزَّكوةَ ثمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلاً مِّنكمْ وَ أَنتُم مُّعْرِضونَ‏(83) وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لا تَسفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَ لا تخْرِجُونَ أَنفُسكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثمَّ أَقْرَرْتمْ وَ أَنتُمْ تَشهَدُونَ‏(84) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسكُمْ وَ تخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظهَرُونَ عَلَيْهِم بِالاثْمِ وَ الْعُدْوَنِ وَ إِن يَأْتُوكُمْ أُسرَى تُفَدُوهُمْ وَ هُوَ محَرَّمٌ عَلَيْكمْ إِخْرَاجُهُمْأَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍفَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِك مِنكمْ إِلا خِزْىٌ فى الْحَيَوةِ الدُّنْيَاوَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشدِّ الْعَذَابِوَ مَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏(85) أُولَئك الَّذِينَ اشترَوُا الْحَيَوةَ الدُّنْيَا بِالاَخِرَةِفَلا يخَفَّف عَنهُمُ الْعَذَاب وَ لا هُمْ يُنصرُونَ‏(86) وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسى الْكِتَب وَ قَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسلِوَ ءَاتَيْنَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ وَ أَيَّدْنَهُ بِرُوح الْقُدُسِأَ فَكلَّمَا جَاءَكُمْ رَسولُ بِمَا لا تهْوَى أَنفُسكُمُ استَكْبرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ‏(87) وَ قَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفبَل لَّعَنهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ‏(88) وَ لَمَّا جَاءَهُمْ كِتَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَ كانُوا مِن قَبْلُ يَستَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كفَرُوا بِهِفَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الْكَفِرِينَ‏(89)


فتبطلها أو تخرجه عن جملة دين الله « فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» دائمون « و الذين ءامنوا و عملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون» شفع قسم الوعد بالوعيد ليرجى ثوابه و يخشى عقابه و أخرج العطف العمل عن الإيمان « و إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل» عهدهم المؤكد عليهم « لا تعبدون» أي لا تعبدوا « إلا الله و بالوالدين إحسانا» و أن تحسنوا بهما إحسانا و أفضل والديكم و أحقهما بشكركم محمد و علي « و ذي القربى» و أن تحسنوا بقراباتكم منهما « و اليتامى و المساكين» من سكن الضر و الفقر حركته « و قولوا للناس» مؤمنهم و مخالفهم « حسنا» عاملوهم بخلق جميل « و أقيموا الصلوة و ءاتوا الزكوة ثم توليتم» عن الوفاء بالعهد « إلا قليلا منكم و أنتم معرضون» عن العهد تاركين « و إذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم» لا يريق بعضكم دماء بعض « و لا تخرجون أنفسكم من دياركم» لا يخرج بعضكم بعضا « ثم أقررتم» بذلك الميثاق كما أقر به أسلافكم « و أنتم تشهدون» بذلك « ثم أنتم هؤلاء» المنافقون « تقتلون أنفسكم» بقتل بعضكم بعضا « و تخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم» حال من فاعل تخرجون يعاون بعضكم بعضا على الإخراج و القتل « بالإثم و العدوان» الإفراط في الظلم « و إن يأتوكم» الذين ترومون إخراجهم و قتلهم « أسارى» قد أسرهم الأعداء « تفادوهم» بأموالكم « و هو محرم عليكم» الضمير للشأن أو مبهم يفسره « إخراجهم» أو لمصدر يخرجون و إخراجهم تأكيد « أ فتؤمنون ببعض الكتاب» الذي أوجب المفاداة « و تكفرون ببعض» الذي حرم القتل و الإخراج « فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي» ذل بضرب الجزية « في الحياة الدنيا» و قيل هو قتل قريظة و أسرهم و إجلاء النضير « و يوم القيامة يردون» بالياء و التاء « إلى أشد العذاب و ما الله بغافل عما تعملون» بالتاء و الياء تأكيد للوعد « أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة» ابتاعوا حظوظ الدنيا الفانية بنعيم الآخرة الباقية « فلا يخفف عنهم العذاب» بنقص الجزية في الدنيا و عقوبة الآخرة « و لا هم ينصرون» بالدفع عنهم « و لقد ءاتينا موسى الكتاب» و التوراة « و قفينا من بعده بالرسل» جعلنا رسولا في إثر رسول « و ءاتينا عيسى بن مريم البينات» أعطيناه الآيات الواضحات « و أيدناه بروح القدس» هو جبرائيل و قيل روح عيسى إذ لم تضمها الأصلاب و الأرحام الطوامث أو الإنجيل أو الاسم الأعظم « أ فكلما جاءكم رسول» يا أيها اليهود « بما لا تهوى أنفسكم» بما لا تحبون « استكبرتم» عن الإيمان و الاتباع « ففريقا كذبتم» كموسى و عيسى « و فريقا تقتلون» قتل أسلافكم كيحيى و زكريا من قبل و أنتم رمتم قتل محمد في العقبة و قتل علي بالمدينة و عبر بالمضارع حكاية للحال الماضية لتستحضر في النفوس للفضاعة و المفاصلة و أسند إليهم لأنه فعل أسلافهم و رضوا


تفسير شبر ص :53


بِئْسمَا اشترَوْا بِهِ أَنفُسهُمْ أَن يَكفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنزِّلَ اللَّهُ مِن فَضلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِفَبَاءُو بِغَضبٍ عَلى غَضبٍوَ لِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏(90) وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَ يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْقُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏(91) × وَ لَقَدْ جَاءَكم مُّوسى بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ اتخَذْتمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَ أَنتُمْ ظلِمُونَ‏(92) وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَ رَفَعْنَا فَوْقَكمُ الطورَ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَكم بِقُوَّةٍ وَ اسمَعُواقَالُوا سمِعْنَا وَ عَصيْنَا وَ أُشرِبُوا فى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكفْرِهِمْقُلْ بِئْسمَا يَأْمُرُكم بِهِ إِيمَنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏(93) قُلْ إِن كانَت لَكمُ الدَّارُ الاَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْت إِن كنتُمْ صدِقِينَ‏(94) وَ لَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَا بِمَا قَدَّمَت أَيْدِيهِمْوَ اللَّهُ عَلِيمُ بِالظلِمِينَ‏(95) وَ لَتَجِدَنهُمْ أَحْرَص النَّاسِ عَلى حَيَوةٍ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشرَكُوايَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْف سنَةٍ وَ مَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَوَ اللَّهُ بَصِيرُ بِمَا يَعْمَلُونَ‏(96) قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِّجِبرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِك بِإِذْنِ اللَّهِ مُصدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَيْهِ وَ هُدًى وَ بُشرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏(97)


به « و قالوا قلوبنا غلف» بضم اللام أوعية للخير و العلوم و مع ذلك لا نعرف لك فضلا و بسكونها أي في غطاء فلا نفهم حديثك « بل لعنهم الله» أبعدهم من الخير « بكفرهم» فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر « فقليلا» فإيمانا قليلا « ما يؤمنون» ببعض و يكفرون ببعض « و لما جاءهم» أي اليهود « كتاب من عند الله» القرآن « مصدق لما معهم» هو التوراة « و كانوا من قبل» أن ظهر محمد بالرسالة « يستفتحون» يسألون الله الفتح و الظفر « على الذين كفروا» من أعدائهم « فلما جاءهم ما عرفوا» من الحق « كفروا به» حسدا و طلبا للرئاسة « فلعنة الله على الكافرين» أي عليهم أقيم الظاهر مقامه ليفيد أنهم لعنوا بكفرهم « بئسما» ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس المستكن أي بئس شيئا « اشتروا به أنفسهم» باعوها به صفة ما « أن يكفروا» هو المخصوص بالذم « بما أنزل الله» على موسى من تصديق محمد « بغيا» لبغيهم و حسدهم « أن ينزل» لأن أو على أن ينزل « الله من فضله» أي بالوحي « على من يشاء من عباده» كما أنزل القرآن على محمد « فباءوا بغضب» حين كذبوا بعيسى فجعلوا قردة « على غضب» حين كذبوا بمحمد فسلط عليهم السيف « و للكافرين» أي لهم أظهر لما مر « عذاب مهين» مذل « و إذا قيل لهم ءامنوا بما أنزل الله» على محمد من القرآن أو كل كتاب أنزله « قالوا نؤمن بما أنزل علينا» و هو التوراة « و يكفرون بما وراءه» حال من فاعل قالوا « و هو الحق» الضمير لما و هو القرآن لأنه ناسخ لما تقدمه « مصدقا لما معهم» حال مؤكدة رد لمقالهم إذ كفرهم بما يوافق التوراة كفر بها « قل فلم كنتم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين» بالتوراة فإن فيه تحريم قتلهم فما آمنتم به بعد « و لقد جاءكم موسى بالبينات» الآيات التسع « ثم اتخذتم العجل» معبودا « من بعده و أنتم ظالمون» حال أي اتخذتموه ظالمين بعبادته أو اعتراض أي و أنتم قوم عادتكم الظلم « و إذ أخذنا ميثاقكم و رفعنا فوقكم الطور خذوا ما ءاتيناكم بقوة» بجد و عزم « و اسمعوا» ما يقال لكم « قالوا سمعنا» بآذاننا « و عصينا» بقلوبنا أو سمعنا قولك و عصينا أمرك « و أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم» قيل لأنهم مجسمة استحسنوا جسمه فرسخ في قلوبهم حبه « قل بئسما يأمركم به إيمانكم» بموسى و التوراة أن تكفروا بي « إن كنتم مؤمنين» كما تزعمون « قل إن كانت لكم الدار الآخرة» الجنة و نعيمها « عند الله خالصة» خاصة بكم كما زعمتم « من دون الناس» للجنس أو العهد و هم المسلمون « فتمنوا الموت إن كنتم صادقين» لأن من أيقن الجنة اشتاقها و تمنى التخلص من دار الفناء و الهوان و في التوراة مكتوب إن أولياء الله يتمنون الموت « و لن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم»


تفسير شبر ص :54


مَن كانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَ مَلَئكتِهِ وَ رُسلِهِ وَ جِبرِيلَ وَ مِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَفِرِينَ‏(98) وَ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْك ءَايَتِ بَيِّنَتٍوَ مَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَسِقُونَ‏(99) أَ وَ كلَّمَا عَهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمبَلْ أَكْثرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏(100) وَ لَمَّا جَاءَهُمْ رَسولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب كتَب اللَّهِ وَرَاءَ ظهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏(101) وَ اتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشيَطِينُ عَلى مُلْكِ سلَيْمَنَ وَ مَا كفَرَ سلَيْمَنُ وَ لَكِنَّ الشيَطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السحْرَ وَ مَا أُنزِلَ عَلى الْمَلَكينِ بِبَابِلَ هَرُوت وَ مَرُوتوَ مَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتى يَقُولا إِنَّمَا نحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْفَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِوَ مَا هُم بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِوَ يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضرُّهُمْ وَ لا يَنفَعُهُمْوَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشترَاهُ مَا لَهُ فى الاَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍوَ لَبِئْس مَا شرَوْا بِهِ أَنفُسهُمْلَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏(102) وَ لَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيرٌلَّوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏(103) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَقُولُوا رَعِنَا وَ قُولُوا انظرْنَا وَ اسمَعُواوَ لِلْكفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(104) مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَ لا المُْشرِكِينَ أَن يُنزَّلَ عَلَيْكم مِّنْ خَيرٍ مِّن رَّبِّكمْوَ اللَّهُ يخْتَص بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُوَ اللَّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ‏(105)


موجبات النار كالكفر بمحمد و القرآن و تحريف التوراة و عبر عن النفس باليد لأنها آلة للإنسان بها عامة صنائعه و الجملة إخبار بالغيب و كان كما أخبر (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و عنه (عليه‏السلام‏) لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه و ما بقي على وجه الأرض يهودي « و الله عليم بالظالمين» تهديد لهم « و لتجدنهم أحرص الناس على حياة» ليأسهم عن نعم الآخرة « و من الذين أشركوا» محمول على المعنى أي أحرص من الناس و من الذين أشركوا أفردوا بالذكر لشدة حرصهم إذ لم يعرفوا إلا الحياة الدنيا « يود» يتمنى « أحدهم لو يعمر ألف سنة» حكاية لما ودوا و لو بمعنى ليت « و ما هو» التعمير ألف سنة « بمزحزحه من العذاب» بمباعده منه « أن يعمر» بدل التعمير عن الضمير لئلا يتوهم عوده إلى التمني أو الضمير لا إلى أحدهم و أن يعمر فاعل مزحزحه أي ما واحدهم منجيه عن النار تعميره « و الله بصير بما يعملون» عليم بأعمالهم « قل من كان عدوا لجبريل» و قرى‏ء جبرئيل كسلسبيل و بفتح الجيم و كسر الراء و بلا همزة كقنديل نزلت لما قال اليهود لو كان الذي يأتيك ميكائيل آمنا بك فإنه ملك الرحمة و جبرائيل ملك العذاب و هو عدونا « فإنه» أي جبرائيل « نزله» أي القرآن « على قلبك» أي على فهمك و حفظك و كان حقه على قلبي فجاء على حكاية كلام الله كأنه قيل قل ما تكلمت به « بإذن الله» بأمره « مصدقا لما بين يديه» من كتب الله « و هدى و بشرى للمؤمنين» أحوال من مفعوله و جزاء الشرط فإنه نزله أي من عاد منهم جبرئيل فغير منصف لأنه ينزل كتابا يصدق الكتب السالفة فحذف الجزاء و أقيم علته مقامه أو من عاداه فبسبب أنه نزل عليك « من كان عدوا لله» مخالفا له « و ملائكته و رسله و جبريل و ميكائيل» أفردا بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر و لأن النزاع كان فيهما « فإن الله عدو للكافرين» يفعل بهم ما يفعل العدو بالعدو و أقيم الظاهر مقام المضمر ليفيد أنه تعالى عاداهم لكفرهم و أن عداوة المذكورين كفر « و لقد أنزلنا إليك آيات بينات» القرآن و دلائله الواضحات نزلت حين قال اليهود ما جئتنا بشي‏ء نعرفه و ما أنزل عليك من آية فنتبعك « و ما يكفر بها إلا الفاسقون أ و كلما» الهمزة للإنكار و الواو عاطفة على مقدر أي أكفروا بالآيات و كلما « عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم» نقضه و طرحه و قيل منهم لأن بعضهم لم ينقض « بل أكثرهم لا يؤمنون» بالتوراة فلا يبالون بنقض العهد « و لما جاءهم رسول من عند الله» محمد أو عيسى أو القرآن « مصدق لما معهم» من التوراة أو موسى « نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله» التوراة و سائر كتب الله لأن كفرهم بالمصدق لها كفر بها « وراء ظهورهم» مثل تركهم إياه كمن ترك المرمى وراء الظهر استغناء عنه « كأنهم لا يعلمون» أنه كتاب الله أي علموا و عاندوا « و اتبعوا» عطف على نبذوا « ما تتلوا الشياطين» أي نبذوا كتاب الله و اتبعوا كتب السحرة التي تقرؤها أو تتبعها الشياطين من الجن أو الإنس أو منهما « على ملك سليمان» على عهده زعما منهم أنه بالسحر نال ما نال « و ما كفر سليمان» و لا استعمل السحر كما


تفسير شبر ص :55


! زعم هؤلاء « و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر» كفروا بتعليمهم الناس السحر « و ما أنزل» و بتعليمهم إياهم ما نزل « على الملكين» النازلين « ببابل» يسميان « هاروت و ماروت» أظهرهما الله للناس بصورة بشرين ليقفوا به على حد السحر و أن يبطلوه و نهاهم أن يسحروا « و ما يعلمان من أحد» السحر و إبطاله « حتى يقولا» للمتعلم « إنما نحن فتنة» امتحان للعباد « فلا تكفر» بها باستعمال السحر « فيتعلمون منهما» مما تتلوا الشياطين و مما أنزل على الملكين « ما يفرقون به بين المرء و زوجه و ما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله» بتخليته فربما أحدث فعلا و ربما لم يحدث « و يتعلمون ما يضرهم» في دينهم « و لا ينفعهم» فيه « و لقد علموا» أي هؤلاء المتعلمون أو اليهود « لمن اشتراه» استبدل السحر بدينه الذي ينسلخ عنه بتعلمه أو بكتاب الله و اللام للابتداء علقت علموا « ما له في الآخرة من خلاق» نصيب لاعتقادهم أن لا آخرة « و لبئس ما شروا» باعوا « به أنفسهم» و رهنوها بالعذاب « لو كانوا يعلمون» يعلمون بعلمهم إذ علم من لا يعمل به كلا علم فلا ينافي إثبات العلم لهم « و لو أنهم ءامنوا» بمحمد و القرآن « و اتقوا» المعاصي كنبذ كتاب لله و اتباع السحر « لمثوبة من عند الله» خير جواب لو ، أي لا يثبوا مثوبة فحذف الفعل و عدل إلى الإسمية ليفيد ثبات المثوبة و نكرت لأن المعنى لشي‏ء من الثواب « خير» لهم « لو كانوا يعلمون» أن ثواب الله خير مما هم فيه « يا أيها الذين ءامنوا لا تقولوا راعنا» أي راع أحوالنا و تأن بنا حتى نفهم ما تلقنا و ذلك لأن اليهود توصلوا بهذا اللفظ إلى شتم رسول الله و كانت في لغتهم سبا بمعنى اسمع لا سمعت و قيل نسبته إلى الرعونة « و قولوا انظرنا» انظر إلينا « و اسمعوا» إذ قال لكم أمرا و أطيعوا « و للكافرين» للشاتمين « عذاب أليم» و أتى بالظاهر إشعارا بالعلة و بأن ذلك يجر إلى الكفر « ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب» الود المحبة و من للتبيين « و لا المشركين» لا لتأكيد النفي


تفسير شبر ص :56


مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَ لا المُْشرِكِينَ أَن يُنزَّلَ عَلَيْكم مِّنْ خَيرٍ مِّن رَّبِّكمْوَ اللَّهُ يخْتَص بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُوَ اللَّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ‏(105) × مَا نَنسخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بخَيرٍ مِّنهَا أَوْ مِثْلِهَاأَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ قَدِيرٌ(106) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِوَ مَا لَكم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلىّ‏ٍ وَ لا نَصِيرٍ(107) أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسئَلُوا رَسولَكُمْ كَمَا سئلَ مُوسى مِن قَبْلُوَ مَن يَتَبَدَّلِ الْكفْرَ بِالايمَنِ فَقَدْ ضلَّ سوَاءَ السبِيلِ‏(108) وَدَّ كثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّاراً حَسداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَينَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَ اصفَحُوا حَتى يَأْتىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِإِنَّ اللَّهَ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ قَدِيرٌ(109) وَ أَقِيمُوا الصلَوةَ وَ ءَاتُوا الزَّكَوةَوَ مَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكم مِّنْ خَيرٍ تجِدُوهُ عِندَ اللَّهِإِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(110) وَ قَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَن كانَ هُوداً أَوْ نَصرَىتِلْك أَمَانِيُّهُمْقُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكمْ إِن كنتُمْ صدِقِينَ‏(111) بَلى مَنْ أَسلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَ هُوَ محْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يحْزَنُونَ‏(112) وَ قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْستِ النَّصرَى عَلى شىْ‏ءٍ وَ قَالَتِ النَّصرَى لَيْستِ الْيَهُودُ عَلى شىْ‏ءٍ وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتَبكَذَلِك قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْفَاللَّهُ يحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كانُوا فِيهِ يخْتَلِفُونَ‏(113)


« أن ينزل عليكم» مفعول يود « من خير» هو الوحي و من مزيدة للاستغراق « من ربكم و الله يختص برحمته» بالنبوة « من يشاء» و لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة « و الله ذو الفضل العظيم» يشعر بأن النبوة من الفضل « ما ننسخ من آية» بأن نرفع حكمها « أو ننسها» بأن نمحو من القلوب رسمها « نأت بخير منها» بما هو أعظم لثوابكم و أجل لصلاحكم « أو مثلها» من الصلاح أي لا ننسخ و لا نبدل إلا و غرضنا في ذلك مصالحكم « أ لم تعلم أن الله على كل شي‏ء قدير» أ لم تعلم خطاب للنبي و أمته لقوله تعالى « و ما لكم» و أفرد لأنه أعلمهم أو لمنكر النسخ « أن الله له ملك السموات و الأرض» فهو يملك أموركم و يجريها على ما يصلحكم من النسخ و غيره « و ما لكم من دون الله من ولي» يقوم بأمركم « و لا نصير» ينصركم « أم تريدون» أيها الكفار و اليهود « أن تسئلوا رسولكم» ما تقترحوا من الآيات « كما سئل موسى من قبل» و اقترح عليه نزلت في أهل الكتاب حين سألوه أن ينزل عليهم كتابا من السماء أو في المشركين حين قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا إلى قولهم أو تأتي بالله و الملائكة قبيلا « و من يتبدل الكفر بالإيمان» ترك الثقة بالآيات المنزلة و شك فيها و اقترح غيرها « فقد ضل سواء السبيل» أي وسطه فلا يصل إلى المقصود « ود كثير من أهل الكتاب» كحي بن أخطب و نظرائه « لو يردونكم» يرجعونكم « من بعد إيمانكم كفارا» مفعول ثان ليردون أو حال من مفعوله « حسدا» علة ود « من عند أنفسهم» متعلق بود أي تمنوا ذلك من قبل أنفسهم لا من قبل التدين أو حسدا منبعثا من أنفسهم « من بعد ما تبين لهم الحق» صدق محمد « فاعفوا و اصفحوا» اتركوا العقوبة و التثريب « حتى يأتي الله بأمره» فيهم بالقتل يوم فتح مكة أو ضرب الجزية أو قتل قريظة و إجلاء النضير « إن الله على كل شي‏ء قدير» فيقدر على الانتقام منهم « و أقيموا الصلاة و ءاتوا الزكاة» كأنهم أمروا بهما للاستعانة على مشقة العفو « و ما تقدموا لأنفسكم من خير» كصلاة و إنفاق « تجدوه» تجدوا ثوابه « عند الله إن الله بما تعملون بصير» لا يضيع لديه عمل « و قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى» جمع بين قوليهما لا من اللبس بعلم السامع بالتعادي بينهما و هود جمع هائد و إفراد الاسم و جمع الخبر باعتبار اللفظ و المعنى « تلك» الأماني « أمانيهم» التي يتمنونها بلا حجة « قل هاتوا برهانكم» على اختصاصكم بالجنة « إن كنتم صادقين» في قولكم إذ ما لا دليل عليه باطل « بلى» رد لمقالتهم « من أسلم وجهه» أخلص نفسه « لله» لما سمع الحق « و هو محسن» في عمله لله « فله أجره عند ربه» ثابتا لديه و من شرطية أو موصولة و الجملة جوابها أو خبرها و الفاء لتضمنها معنى الشرط فالرد بلى وحده أو من فاعل فعل مقدر أي بلى يدخلها من أسلم « و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون» في الآخرة « و قالت اليهود ليست النصارى على شي‏ء» من الدين « و قالت النصارى ليست اليهود على شي‏ء» و قيل نزلت


تفسير شبر ص :57


وَ قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْستِ النَّصرَى عَلى شىْ‏ءٍ وَ قَالَتِ النَّصرَى لَيْستِ الْيَهُودُ عَلى شىْ‏ءٍ وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتَبكَذَلِك قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْفَاللَّهُ يحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كانُوا فِيهِ يخْتَلِفُونَ‏(113) وَ مَنْ أَظلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمُهُ وَ سعَى فى خَرَابِهَاأُولَئك مَا كانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلا خَائفِينَلَهُمْ فى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَ لَهُمْ فى الاَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏(114) وَ للَّهِ المَْشرِقُ وَ المَْغْرِبفَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِإِنَّ اللَّهَ وَسِعٌ عَلِيمٌ‏(115) وَ قَالُوا اتخَذَ اللَّهُ وَلَداًسبْحَنَهُبَل لَّهُ مَا فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِكلٌّ لَّهُ قَنِتُونَ‏(116) بَدِيعُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِوَ إِذَا قَضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏(117) وَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا ءَايَةٌكَذَلِك قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْتَشبَهَت قُلُوبُهُمْقَدْ بَيَّنَّا الاَيَتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏(118) إِنَّا أَرْسلْنَك بِالْحَقّ‏ِ بَشِيراً وَ نَذِيراًوَ لا تُسئَلُ عَنْ أَصحَبِ الجَْحِيمِ‏(119) وَ لَن تَرْضى عَنك الْيهُودُ وَ لا النَّصرَى حَتى تَتَّبِعَ مِلَّتهُمْقُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُْدَىوَ لَئنِ اتَّبَعْت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَك مِنَ الْعِلْمِمَا لَك مِنَ اللَّهِ مِن وَلىّ‏ٍ وَ لا نَصِيرٍ(120) الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئك يُؤْمِنُونَ بِهِوَ مَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئك هُمُ الخَْسِرُونَ‏(121) يَبَنى إِسرءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتىَ الَّتى أَنْعَمْت عَلَيْكمْ وَ أَنى فَضلْتُكمْ عَلى الْعَلَمِينَ‏(122)


حين قدم وفد نجران على الرسول و أتاهم أحبار اليهود و تقاولوا بذلك « و هم يتلون الكتاب» الواو للحال و الكتاب للجنس أي قالوا ذلك و هم من أهل التلاوة للكتب « كذلك» أي مثل ذلك « قال الذين لا يعلمون» كعبدة الأصنام و الدهرية « مثل قولهم» يكفر بعضهم بعضا وبخهم على تشبههم بالجهلة « فالله يحكم بينهم» بين الحزبين « يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» بأن يكذبهم و يدخلهم النار أو بما يقسم لكل منهم من العقاب « و من أظلم ممن منع مساجد الله» قيل نزلت في الروم لما غزوا بيت المقدس و خربوه و قتلوا أهله و أحرقوا التوراة و المشركين حين منعوا رسول الله دخول المسجد الحرام عام الحديبية و الحكم عام في كل مانع و ساع في خراب كل مسجد و إن خص السبب « أن يذكر فيها اسمه» مفعول ثان لمنع أو مفعول له أي كراهة أن يذكر « و سعى في خرابها» لئلا تعمر بطاعة الله « أولئك» المانعون « ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين» من عذابه أو من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يمنعوهم منها أو ما كان لهم في علم الله فهو وعد للمؤمنين بالنصر و قيل معناه النهي عن تمكينهم من دخول المسجد « لهم في الدنيا خزي» القتل أو السبي أو الجزية أو فتح مدائنهم إذا قام المهدي أو طردهم عن الحرم « و لهم في الآخرة عذاب عظيم» بظلمهم « و لله المشرق و المغرب» يملكهما يعني بهما ناحيتي الأرض أي له الأرض كلها فإن منعتم الصلاة في المساجد فصلوا حيث كنتم « فأينما تولوا» إلى أي جهة صرفتم وجوهكم « فثم وجه الله» جهته التي جعلها قبلة لكم أو ذاته أي عالم بما فعلتم فيه « إن الله واسع» الرحمة فيوسع على عباده « عليم» بمصالحهم قيل منسوخة بآية فول و قيل مخصوصة بحال الضرورة و المروي عن أئمتنا (عليهم‏السلام‏) أنها نزلت في قبلة المتحير و في التطوع في السفر على الراحلة « و قالوا اتخذ الله ولدا» قالت اليهود عزير ابن الله و النصارى المسيح ابن الله و مشركو العرب الملائكة بنات الله « سبحانه» تنزيها له عن ذلك « بل له ما في السموات و الأرض» ملكا من جملة ذلك الملائكة و عزير و المسيح « كل له قانتون» منقادون لمشيئته و تكوينه « بديع السموات و الأرض» منشئهما لا من شي‏ء و لا على مثال سبق « و إذا قضى أمرا» أراد خلقه و فعله « فإنما يقول له كن فيكون» و المراد تمثيل حصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور بلا توقف لا حقيقة أمر و امتثال « و قال الذين لا يعلمون» جملة المشركين و أهل الكتاب « لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية» كما تأتيك بزعمك « كذلك قال الذين من قبلهم» من الأمم « مثل قولهم» كأرنا الله جهرة هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة « تشابهت قلوبهم» في العمى و العناد « قد بينا الآيات لقوم يوقنون إنا أرسلناك بالحق» متلبسا به « بشيرا و نذيرا» لا جابرا على الإيمان تسلية له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذ كان يغتم لإصرارهم على الكفر « و لا تسئل» على النهي كما عن نافع و الباقون على النفي « عن أصحاب الجحيم» ما لهم لا يؤمنوا بعد تبليغك « و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم»


تفسير شبر ص :58


يَبَنى إِسرءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتىَ الَّتى أَنْعَمْت عَلَيْكمْ وَ أَنى فَضلْتُكمْ عَلى الْعَلَمِينَ‏(122) وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنهَا عَدْلٌ وَ لا تَنفَعُهَا شفَعَةٌ وَ لا هُمْ يُنصرُونَ‏(123) × وَ إِذِ ابْتَلى إِبْرَهِيمَ رَبُّهُ بِكلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنَّقَالَ إِنى جَاعِلُك لِلنَّاسِ إِمَاماًقَالَ وَ مِن ذُرِّيَّتىقَالَ لا يَنَالُ عَهْدِى الظلِمِينَ‏(124) وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَهِيمَ مُصلًّىوَ عَهِدْنَا إِلى إِبْرَهِيمَ وَ إِسمَعِيلَ أَن طهِّرَا بَيْتىَ لِلطائفِينَ وَ الْعَكِفِينَ وَ الرُّكع السجُودِ(125) وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَب اجْعَلْ هَذَا بَلَداً ءَامِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنهُم بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِقَالَ وَ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضطرُّهُ إِلى عَذَابِ النَّارِوَ بِئْس الْمَصِيرُ(126) وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسمَعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّاإِنَّك أَنت السمِيعُ الْعَلِيمُ‏(127) رَبَّنَا وَ اجْعَلْنَا مُسلِمَينِ لَك وَ مِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسلِمَةً لَّك وَ أَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَ تُب عَلَيْنَاإِنَّك أَنت التَّوَّاب الرَّحِيمُ‏(128) رَبَّنَا وَ ابْعَث فِيهِمْ رَسولاً مِّنهُمْ يَتْلُوا عَلَيهِمْ ءَايَتِك وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَب وَ الحِْكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْإِنَّك أَنت الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ‏(129) وَ مَن يَرْغَب عَن مِّلَّةِ إِبْرَهِيمَ إِلا مَن سفِهَ نَفْسهُوَ لَقَدِ اصطفَيْنَهُ فى الدُّنْيَاوَ إِنَّهُ فى الاَخِرَةِ لَمِنَ الصلِحِينَ‏(130)


إقناط له تعالى عن إسلامهم و كأنهم قالوا ذلك فحكاه تعالى و لذا قال « قل» مجيبا لهم « إن هدى الله» أي الإسلام « هو الهدى» بالحق لا ما تدعون إليه « و لئن اتبعت أهواءهم» بدعهم « بعد الذي جاءك من العلم» أي الدين الصحيح أو البيان « ما لك من الله من ولي و لا نصير» يدفع عنك من قبيل إياك أعني « الذين ءاتيناهم الكتاب» و هم مؤمنوا أهل الكتاب « يتلونه حق تلاوته» بالتدبر له و العمل بمقتضاه أو بالوقف عند ذكر الجنة و النار و السؤال في الأولى و الاستعاذة في الأخرى « أولئك يؤمنون به» بكتابهم دون المحرفين « و من يكفر به» من المحرفين « فأولئك هم الخاسرون» حيث اشتروا الضلالة بالهدى « يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم و أني فضلتكم على العالمين و اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا و لا يقبل منها عدل» فريضة أو فداء « و لا تنفعها شفاعة و لا هم ينصرون» مر مثل الآيتين و التكرير لبعد ما بين الكلامين تأكيدا للتذكير و مبالغة في النصح و إقامة الحجة « و إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات» عامله معاملة المختبر و فسرت بذبح ولده و النار و بمناسك الحج و بالكوكب و القمر و الشمس و بالعشر الحنيفية و بالكلمات التي تلقاها آدم من ربه و هي أسماء محمد و أهل بيته (عليهم‏السلام‏) « فأتمهن» أداهن بغير تفريط « قال إني جاعلك للناس إماما قال و من ذريتي» نسلي الواو للاستيناف أو العطف على محذوف و من للابتداء أو التبعيض أو زائدة أي اجعلني إماما و اجعل من ذريتي أو بعضها أو ذريتي على جهة السؤال « قال لا ينال عهدي» الإمامة « الظالمين» لا يكون السفيه إمام التقي دلت على وجوب عصمة النبي و الإمام لصدق الظالم على العاصي سواء فسر بانتقاص الحق أو بوضع الشي‏ء في غير موضعه « و إذ جعلنا البيت» الكعبة « مثابة للناس» مرجعا و محل عود أو موضع ثواب « و أمنا» من دخله كان آمنا « و اتخذوا» بتقدير القول « من مقام إبراهيم» الحجر الذي قام عليه و دعا الناس إلى الحج أو بنى البيت « مصلى» موضع صلاة أو قبلة « و عهدنا إلى إبراهيم و إسمعيل» أمرناهما « أن» بأن أو أي « طهرا بيتي» نحيا عنه المشركين أو من الأصنام و الأنجاس « للطائفين» الدائرين حوله « و العاكفين» المقيمين عنده أو المعتكفين فيه « و الركع السجود» المصلين « و إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا» البلد أو المكان « بلدا ءامنا» ذا أمن كعيشة راضية أو آمنا أهله كليل نائم « و ارزق أهله من الثمرات من ءامن منهم بالله و اليوم الآخر» و من آمن بدل البعض من أهله « قال» الله تعالى « و من كفر» عطف على محذوف أي ارزق من آمن و من كفر « فأمتعه» أزمانا أو متاعا « قليلا» في الدنيا قل متاع الدنيا قليل « ثم أضطره» ألزمه « إلى عذاب النار و بئس المصير» و المخصوص محذوف أي العذاب « و إذ يرفع إبراهيم»


تفسير شبر ص :59


وَ مَن يَرْغَب عَن مِّلَّةِ إِبْرَهِيمَ إِلا مَن سفِهَ نَفْسهُوَ لَقَدِ اصطفَيْنَهُ فى الدُّنْيَاوَ إِنَّهُ فى الاَخِرَةِ لَمِنَ الصلِحِينَ‏(130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسلِمْقَالَ أَسلَمْت لِرَب الْعَلَمِينَ‏(131) وَ وَصى بهَا إِبْرَهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوب يَبَنىَّ إِنَّ اللَّهَ اصطفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَ أَنتُم مُّسلِمُونَ‏(132) أَمْ كُنتُمْ شهَدَاءَ إِذْ حَضرَ يَعْقُوب الْمَوْت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَك وَ إِلَهَ ءَابَائك إِبْرَهِيمَ وَ إِسمَعِيلَ وَ إِسحَقَ إِلَهاً وَحِداً وَ نحْنُ لَهُ مُسلِمُونَ‏(133) تِلْك أُمَّةٌ قَدْ خَلَتلَهَا مَا كَسبَت وَ لَكُم مَّا كَسبْتُمْوَ لا تُسئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ‏(134) وَ قَالُوا كونُوا هُوداً أَوْ نَصرَى تهْتَدُواقُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفاًوَ مَا كانَ مِنَ الْمُشرِكِينَ‏(135) قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ مَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَ مَا أُنزِلَ إِلى إِبْرَهِيمَ وَ إِسمَعِيلَ وَ إِسحَقَ وَ يَعْقُوب وَ الأَسبَاطِ وَ مَا أُوتىَ مُوسى وَ عِيسى وَ مَا أُوتىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَ نحْنُ لَهُ مُسلِمُونَ‏(136) فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواوَ إِن تَوَلَّوْا فَإِنمَا هُمْ فى شِقَاقٍفَسيَكْفِيكهُمُ اللَّهُوَ هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ‏(137) صِبْغَةَ اللَّهِوَ مَنْ أَحْسنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةًوَ نحْنُ لَهُ عَبِدُونَ‏(138) قُلْ أَ تُحَاجُّونَنَا فى اللَّهِ وَ هُوَ رَبُّنَا وَ رَبُّكمْ وَ لَنَا أَعْمَلُنَا وَ لَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَ نحْنُ لَهُ مخْلِصونَ‏(139)


حكاية حال ماضية « القواعد» جمع قاعدة أي الأساس و رفعها البناء عليها أو السافات إذ كل ساف قاعدة « من البيت و إسمعيل» و لعل الفصل لأنه كان يناوله الحجارة قائلين « ربنا تقبل منا إنك أنت السميع» لدعائنا « العليم» بنياتنا « ربنا و اجعلنا مسلمين» مخلصين أو منقادين « لك» و المراد طلب الزيادة في الإخلاص أو الانقياد أو الثبات عليه « و من ذريتنا» و اجعل بعضها و خصا البعض لما علما أن فيهم ظلمة « أمة» من أمه إذا قصده قيل للجماعة لأنها تام « مسلمة لك» أمة محمد لقوله و ابعث فيهم و عن الصادق (عليه‏السلام‏) هم بنو هاشم خاصة « و أرنا مناسكنا» عرفنا متعبداتنا أو مذابحنا أو عبادتنا « و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم» بعباده « ربنا و ابعث فيهم» في تلك الأمة « رسولا منهم» من تلك الأمة و لم يبعث منهم غير محمد قال أنا دعوة إبراهيم و بشرى عيسى « يتلو عليهم آياتك» دلائل التوحيد و النبوة الموحاة إليهم « و يعلمهم الكتاب» القرآن « و الحكمة » المعارف و الأحكام « و يزكيهم» يطهرهم من خبائث العقائد و الأخلاق و الأعمال « إنك أنت العزيز» لا تغلب على ما تريد « الحكيم» المحكم له « و من يرغب عن ملة إبراهيم» إنكار و استبعاد و هي دين الإسلام و الحنيفية العشر التي جاء بها « إلا من سفه نفسه» أذلها و استخف بها قيل سفه بالكسر متعد و بالضم لازم و في السجادي ما أحد على ملة إبراهيم إلا نحن و شيعتنا « و لقد اصطفيناه» الرسالة « في الدنيا و إنه في الآخرة لمن الصالحين» المستقيمين على الخير و من كان كذلك كان حقيقا بالإتباع لا يرغب عنه إلا سفيه « إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين» ظرف لاصطفيناه أو لأذكر مقدرا « و وصى بها» بالملة أو كلمة أسلمت « إبراهيم بنيه» الأربعة إسمعيل و إسحق و مدين و مدان « و يعقوب» أي وصى بها يعقوب بنيه الاثني عشر قائلا « يا بني إن الله اصطفى لكم الدين» الإسلام « فلا تموتن إلا و أنتم مسلمون أم كنتم شهداء» إنكاري أي ما كنتم حاضرين « إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي» المراد به أخذ ميثاقهم على الثبات على الإسلام و التوحيد « قالوا نعبد إلهك و إله آبائك إبراهيم و إسمعيل و إسحق» عطف بيان لآبائك و عد إسمعيل منهم لأن العم يسمى أبا « إلها واحدا» بدل من إله آبائك للتصريح بالتوحيد و رفع توهم ينشأ من تكرير المضاف أو نصب على الاختصاص « و نحن له مسلمون» حال من فاعل نعبد أو مفعوله أو منهما أو اعتراض « تلك» أي إبراهيم و يعقوب و بنوهما « أمة قد خلت» مضت « لها ما كسبت و لكم ما كسبتم» لكل أجر عمله « و لا تسئلون عما كانوا يعملون» لا تؤاخذون بمعاصيهم كما لا تثابون بطاعاتهم


تفسير شبر ص :60


« و قالوا» أي أهل الكتاب « كونوا هودا أو نصارى» أي دعا كل من الفريقين إلى دينه « تهتدوا» جواب كونوا « قل بل» نتبع « ملة إبراهيم حنيفا» حال أي مائلا من الباطل إلى الحق « و ما كان من المشركين» تعريض بأهل الكتاب و غيرهم إذ دعوا أتباعه و هم مشركون « قولوا» أيها المؤمنون « ءامنا بالله و ما أنزل إلينا» أي القرآن « و ما أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحق و يعقوب و الأسباط» صحف إبراهيم فإنها منزلة إليهم لأنهم متعبدون بما فيها كما أن القرآن منزل إلينا و الأسباط حفدة يعقوب ذراري بنيه الاثني عشر « و ما أوتي موسى و عيسى» التوراة و الإنجيل و خصا بالذكر لأنه احتجاج على أهل الكتابين « و ما أوتي النبيون» المذكورون و غيرهم « من ربهم» منزلا منه « لا نفرق بين أحد منهم» بأن نؤمن ببعض و نكفر ببعض كاليهود و النصارى و أضيفت بين إلى أحد لعمومه في سياق النفي « و نحن له» لله تعالى « مسلمون» منقادون مخلصون « فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به» دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها « فقد اهتدوا و إن تولوا» أعرضوا عن الإيمان « فإنما هم في شقاق» مخالفة للحق فهم في شق غير شقه « فسيكفيكهم الله» وعد له تعالى النصر عليهم « و هو السميع» لدعائك « العليم» بنيتك و هو مستجيب لك فهو من تمام الوعد أو وعيد للمعرضين أي يسمع أقوالهم و يعلم أعمالهم فيجازيهم عليها « صبغة الله» مصدر مؤكد لآمنا أي صبغنا الله صبغة و هي الفطرة التي فطر الناس عليها أو هدانا دينه أو طهرنا بالإيمان تطهيرا سماه صبغة للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية يجعلون ذلك تطهيرا لهم و محققا لنصرانيتهم « و من أحسن من الله صبغة» لا صبغة أحسن من صبغته « و نحن له عابدون» عطف على آمنا « قل أ تحاجوننا» تجادلوننا « في الله» في أمره و اصطفائه النبي من العرب دونكم قيل قال أهل الكتاب كل الأنبياء منا فلو كنت نبيا لكنت منا فنزلت « و هو ربنا و ربكم» الكل عباده يصيب برحمته من يشاء


تفسير شبر ص :61


قُلْ أَ تُحَاجُّونَنَا فى اللَّهِ وَ هُوَ رَبُّنَا وَ رَبُّكمْ وَ لَنَا أَعْمَلُنَا وَ لَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَ نحْنُ لَهُ مخْلِصونَ‏(139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَهِيمَ وَ إِسمَعِيلَ وَ إِسحَقَ وَ يَعْقُوب وَ الأَسبَاط كانُوا هُوداً أَوْ نَصرَىقُلْ ءَ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُوَ مَنْ أَظلَمُ مِمَّن كَتَمَ شهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِوَ مَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏(140) تِلْك أُمَّةٌ قَدْ خَلَتلَهَا مَا كَسبَت وَ لَكُم مَّا كَسبْتُمْوَ لا تُسئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ‏(141) × سيَقُولُ السفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتهِمُ الَّتى كانُوا عَلَيْهَاقُل لِّلَّهِ الْمَشرِقُ وَ الْمَغْرِبيهْدِى مَن يَشاءُ إِلى صِرَطٍ مُّستَقِيمٍ‏(142) وَ كَذَلِك جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسطاً لِّتَكونُوا شهَدَاءَ عَلى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شهِيداًوَ مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتى كُنت عَلَيهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسولَ مِمَّن يَنقَلِب عَلى عَقِبَيْهِوَ إِن كانَت لَكَبِيرَةً إِلا عَلى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُوَ مَا كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْإِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ‏(143) قَدْ نَرَى تَقَلُّب وَجْهِك فى السمَاءِفَلَنُوَلِّيَنَّك قِبْلَةً تَرْضاهَافَوَلّ‏ِ وَجْهَك شطرَ الْمَسجِدِ الْحَرَامِوَ حَيْث مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شطرَهُوَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْوَ مَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ‏(144)


« و لنا أعمالنا و لكم أعمالكم و نحن له مخلصون» دونكم « أم تقولون إن إبراهيم و إسمعيل و إسحق و يعقوب و الأسباط كانوا هودا أو نصارى» أم منفصلة و الهمزة للإنكار و قرى‏ء بتاء الخطاب فيجوز كونها عديلة همزة أ تحاجوننا « قل أ أنتم أعلم أم الله» و قد قال ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا و قال ما أنزلت التوراة و الإنجيل إلا من بعده و المعطوفون عليه أتباعه « و من أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله» تعريض لأهل الكتاب بكتمهم ما نزل في محمد « و ما الله بغافل عما تعملون» وعيد لهم « تلك أمة قد خلت لها ما كسبت و لكم ما كسبتم و لا تسئلون عما كانوا يعملون» كرر تأكيدا للزجر عن الاتكال على فضل الآباء و أريد بالأمة هناك الأنبياء و هنا أسلاف أهل الكتاب « سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم» ما صرفهم « عن قبلتهم التي كانوا عليها» أي بيت المقدس « قل لله المشرق و المغرب» أي الأرض كلها « يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» و هو ما توجبه الحكمة من المصلحة « و كذلك» أي كما جعلناكم مهتدين « جعلناكم أمة وسطا» عدولا أو خيارا و عنهم (عليهم‏السلام‏) نحن الأمة الوسط و إيانا عنى و في قراءتهم أئمة « لتكونوا شهداء على الناس» بأعمالهم المخالفة للحق في الدنيا و الآخرة أو حجة عليهم تبينون لهم أو تشهدون للأنبياء على أممهم المنكرين لتبليغهم « و يكون الرسول عليكم شهيدا» بما عملتم أو حجة تبين لكم أو يشهد بعدالتكم و عديت شهادته بعلى لأنه كالرقيب عليهم « و ما جعلنا القبلة التي كنت عليها» بيت المقدس « إلا لنعلم» نمتحن الناس فنميز « من يتبع الرسول» في الصلاة إليه « ممن ينقلب على عقبيه» فيرتد لألفة بقبلة آبائه أو ليتعلق عليها به وجودا أو ليعلم أولياءه الرسول و المؤمنون و في الولاية إشعار بأن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة و ما جعلنا قبلتك بيت المقدس إلا لنعلم و قيل المراد الكعبة أي ما رددناك إلى ما كنت عليها إلا لنعلم الثابت من المرتد لأنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يصلي بمكة إليها ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس ثم رد إليها بعد الهجرة « و إن كانت» التحويلة أو القبلة و إن مخففة « لكبيرة» ثقيلة و اللام فارقة « إلا على الذين هدى الله» إلى الحكمة الثابتين على اتباع الرسول « و ما كان الله ليضيع إيمانكم» صلاتكم نزلت حين قال المسلمون كيف حال من صلى إلى بيت المقدس « إن الله بالناس لرءوف رحيم» لا يضيع أعمالهم « قد نرى تقلب وجهك» تردده « في السماء» في جهتها ترقبا للوحي نزلت حين عيرته اليهود بأنه تابع لقبلتهم و اغتم لذلك و كان (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يترقب أن يحوله ربه للكعبة لأنه قبلة أبيه إبراهيم و أدعى للعرب إلى اتباعه و لمخالفة اليهود « فلنولينك قبلة ترضاها» لمقاصد دينية وافقت حكمة الله تعالى « فول وجهك شطر المسجد الحرام» نحوه « و حيث ما كنتم» أيها الناس « فولوا وجوهكم شطره» خصه أولا ثم عمم تصريحا لعموم الحكم .


 

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :