امروز:
شنبه 1 مهر 1396
بازدید :
659
تفسيرالميزان : سوره ابراهيم آيات 18- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :5


14 سورة إبراهيم مكية و هي اثنتان و خمسون آية 52


سورة إبراهيم‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر كتَبٌ أَنزَلْنَهُ إِلَيْك لِتُخْرِجَ النَّاس مِنَ الظلُمَتِ إِلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِرَطِ الْعَزِيزِ الحَْمِيدِ(1) اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِوَ وَيْلٌ لِّلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شدِيدٍ(2) الَّذِينَ يَستَحِبُّونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا عَلى الاَخِرَةِ وَ يَصدُّونَ عَن سبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونهَا عِوَجاًأُولَئك فى ضلَلِ بَعِيدٍ(3) وَ مَا أَرْسلْنَا مِن رَّسولٍ إِلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَينَ لهَُمْفَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ وَ يَهْدِى مَن يَشاءُوَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏(4) وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا مُوسى بِئَايَتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَك مِنَ الظلُمَتِ إِلى النُّورِ وَ ذَكرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّكلّ‏ِ صبَّارٍ شكُورٍ(5)



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :6


بيان


السورة الكريمة تصف القرآن النازل على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من حيث إنه آية رسالته يخرج به الناس من الظلمات إلى النور و يهديهم إلى صراط الله سبحانه الذي هو عزيز حميد أي غالب غير مغلوب و غني غير محتاج إلى الناس و جميل في فعله منعم عليهم ، و إذا كان المنعم غالبا غنيا حميد الأفعال كان على المنعم عليهم أن يجيبوا دعوته و يلبوا نداءه حتى يسعدوا بما أفاضعليهم من النعم ، و أن يخافوا سخطه و شديد عذابه فإنه قوي غير محتاج إلى أحد ، له أن يستغني عنهم فيذهب بهم و يأتي بآخرين كما فعل بالذين كفروا بنعمته من الأمم الماضين فإن آيات السماوات و الأرض ناطقة بأن النعمة كلها له و هو رب العزة و ولي الحمد لا رب سواه .


و بهذا تختتم السورة إذ يقول عز من قائل : « هذا بلاغ للناس و لينذروا به و ليعلموا أنما هو إله واحد و ليذكر أولوا الألباب» .


و لعل ما ذكرنا هو مراد من قال : إن السورة مفتتحة ببيان الغرض من الرسالة و الكتاب يشير إلى قوله تعالى : « لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم» .


و السورة مكية على ما يدل عليه سياق آياتها ، و نسب إلى ابن عباس و الحسن و قتادة : أنها مكية إلا آيتين منها نزلتا في قتلى بدر من المشركين : « أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا و أحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها و بئس القرار» و سيأتي أن الآيتين غير صريحتين و لا ظاهرتين في ذلك .


قوله تعالى : « الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم» أي هذا كتاب أنزلناه إليك فهو خبر لمبتدإ محذوف على ما يعطيه السياق و قيل غير ذلك .


و قوله : « لتخرج الناس من الظلمات إلى النور» ظاهر السياق عموم الناس لا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :7


خصوص قومه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لا خصوص المؤمنين منهم إذ لا دليل على التقييد من جهة اللفظ ، و كلامه تعالى صريح في عموم الرسالة كقوله : « ليكون للعالمين نذيرا» : الفرقان : 1 و قوله : « لأنذركم به و من بلغ» : الأنعام - 19 ، و قوله : « قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا» : الأعراف : 158 و الآيات الصريحة في دعوة اليهود و عامة أهل الكتاب ، و عمله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في دعوتهم و قبول إيمان من آمن منهم كعبد الله بن سلام و سلمان و بلال و صهيب و غيرهم تؤيد ذلك .


على أن آخر السورة : « هذا بلاغ للناس و لينذروا به» الآية ، و قد قوبل به أولها يؤيد أن المراد بالناس أعم من المؤمنين الذين خرجوا من الظلمات إلى النور بالفعل .


و قد نسب الإخراج من الظلمات إلى النور إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لكونه أحد الأسباب الظاهرية لذلك و إليه ينتهي إيمان المؤمنين بدعوته بلا واسطة أو بواسطة و لا ، ينافيه قوله : « إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء» : القصص : 56 فإن الآية إنما تنفي أصالته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في الهداية و استقلاله فيها من غير أن تنفي عنه مطلق الهداية حتى ما يكون على نحو الوساطة و بإذن من الله ، و الدليل عليه قوله تعالى : « و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم» : الشورى : 52 ، و لذلك قيد سبحانه قوله « لتخرج» بقوله « بإذن ربهم» .


و المراد بالظلمات و النور و الضلال و الهدى و قد تكرر في كلامه تعالى اعتبار الهدى نورا و عد الضلال ظلمة و جمع الظلمات دون النور لأن الهدى من الحق و الحق واحد لا تغاير بين أجزائه و مصاديقه و لا كثرة بخلاف الضلال فإنه من اتباع الهوى و الأهواء مختلفة متغاير بعضها مع بعض لا وحدة بينها و لا اتحاد لأبعاضها و مصاديقها قال تعالى : « و إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله» : الأنعام : 153 .


و اللام في قوله : « لتخرج الناس» إلخ ، لام الغرض بناء على عموم الناس كما هو ظاهر الآية ، و ليس بلام المعاقبة إذ لو كان كذلك لكان الناس كلهم مؤمنين ، و المعلوم خلافه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :8


و أما ما اعترض عليه بعضهم أن التربية الإلهية بإخراج الناس من الظلمات إلى النور و إيصالهم إلى السعادة و الكمال مشروطة بالتهيؤ و الاستعداد مع كون الفيض عاما فالمقدار الممكن من هذه العاقبة على تقدير عمومه هو هذا المقدار .


ففيه أنه اعتراف بأن كون اللام للعاقبة خلاف ظاهر الآية ، فإن الذي ذكره لا يتم إلا بتقييد « الناس» بالمستعدين ، لكن الذي يجب أن يعلم أن هذا الغرض غرض تشريعي معناه أن للحكم غاية مقصودة و هي المصلحة التي يستعقبها ، فإن الله سبحانه يدعو الناس ليغفر لهم و يهديهم إلى الإيمان و العمل الصالح ليسعدهم بذلك و يدخلهم الجنة ، و يرسل الرسل و ينزل عليهم الكتاب ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، و يريد بما يوجهه إليهم من الأمر و النهي أن يطهرهم و يذهب عنهم رجز الشيطان ، و الآيات الدالة على ذلك كثيرة لا موجب لإيرادها و كذا الروايات و لعلها تزهو الألوف .


و قد قال سبحانه : « إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون» : الزخرف : - 3 و قال : « و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء و يهدي من يشاء» : الآية : - 4 من السورة ، فبين أن ما نعقله من كتابه و يظهر لنا من بيان رسوله حجة لا مناص عنه ، و نحن لا نعقل من قوله مثلا : « يدعوكم ليغفر لكم» : إبراهيم : - 10 ، إلا أن المغفرة غرض الدعوة كما لا نعقل من قول السيد لعبده أو أي متبوع لتابعه : ايتني بماء لأشربه أو بغذاء لآكله أو اكس فلانا ليستر به عورته إلا أن الشرب و الأكل و ستر العورة أغراض لأوامرها ، فلله سبحانه فيما ينزله من الأحكام و الشرائع أغراض و غايات مقصودة .


نعم بين سبحانه أن ساحته منزهة عن الفقر و الحاجة مبرأة عن النقص و الشين إذ قال : « إن الله لغني عن العالمين» : العنكبوت : 6 ، و قال : « و ربك الغني ذو الرحمة» : الأنعام : 133 ، و قال : « يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله و الله هو الغني» : فاطر : 15 ، فأفاد أنه في غنى عن كل شي‏ء لا ينتفع بشي‏ء من هذه الأغراض و ليست أفعاله تعالى بالعبث و الجزاف حتى تخلو عن الغرض ، كيف ؟ و قد وصف نفسه بالحكمة و الحكيم لا يعبث و لا يجازف ، و نص على انتفاء العبث من فعله : « أ فحسبتم أنما خلقناكم عبثا»


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :9


: المؤمنون : 115 ، و الأمر و النهي اللذان يتم بهما الكمال في العالم الإنساني يعودان بالآخرة إلى ما يتم به الخلقة .


فلله سبحانه في خلقه و أمره أغراض ، و إن كان لا يستكمل بأغراض أفعاله كما نستكمل نحن بأغراض أفعالنا لكنه سبحانه لا يتأثر عن أغراضه و بعبارة أخرى الحكم و المصالح لا تؤثر فيه تعالى كما أن مصلحة الفعل تؤثر فينا فيبعثنا تعقلها نحو الفعل و نرجح الفعل على الترك ، فإنه سبحانه هو القاهر غير المقهور و الغالب غير المغلوب ، يملك كل شي‏ء و لا يملكه شي‏ء ، و يحكم على كل شي‏ء و لا يحكم عليه شي‏ء ، و لم يكن له شريك في الملك و لا ولي من الذل ، فلا يكون تعالى محكوما بعقل بل هو الذي يهدي العقل إلى ما يعقله ، و لا تضطره مصلحة إلى فعل و لا مفسدة إلى ترك بل هو الهادي لهما إلى ما توجبانه .


فالغرض و المصلحة منتزعة من مقام فعله بمعنى أن فعله يتوقف على المصلحة لكنها لا تحكم في ذاته تعالى و لا تضطره إلى الفعل ، فكما أنه تعالى إذا خلق شيئا و قال له : كن فكان كزيد مثلا انتزع العقل من العين الخارجية نفسها أنها إيجاد من الله تعالى و وجود لزيد و حكم بأن وجوده يتوقف على إيجاده ، كذلك ينتزع العقل من فعله تعالى بالنظر إلى ما أشرنا إليه من صفاته العليا أنه فعله و أنه ذو مصلحة مقصودة ثم يحكم بأن تحقق الفعل يتوقف على كونه ذا مصلحة .


فهذا هو الذي يعطيه التدبر في كلامه تعالى في كون أفعاله تعالى مشتملة على الحكم و المصالح متوقفة على الأغراض و المتحصل من ذلك أن له تعالى في أفعاله أغراضا لكنها راجعة إلى خلقه دونه .


و ملخصه أن غرضه في فعله يفارق أغراضنا في أفعالنا من وجهين : أحدهما أنه تعالى لا يستكمل بأغراض أفعاله و غاياتها بخلافنا معاشر ذوي الشعور و الإرادة من الإنسان و سائر الحيوان ، و ثانيهما أن المصلحة و المفسدة لا تحكمان فيه تعالى بخلاف غيره .


و أما النزاع المعروف بين الأشاعرة و المعتزلة في أن أفعال الله معللة بالأغراض أم


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :10


لا ؟ بمعنى أنه تعالى هل هو محكوم بالمصلحة الواقعية في فعله بحيث إن المصلحة ترجح له الفعل على الترك و لولاها لم يكن له ليفعل ؟ أو أنه لا غاية له في فعله و إنما يفعل بإرادة جزافية من غير غرض ؟ .


فذلك مما لا يهدي إلى شي‏ء من طرفيه النظر المستوفى و الحق خلاف القولين جميعا ، و هو أمر بين الأمرين كما أشرنا إليه و لعلنا نوفق فيما سيأتي من الكتاب لعقد بحث مستقل في المسألة نستوفي فيه النظر العقلي و النقلي فيها إن شاء الله تعالى .


و في قوله : « بإذن ربهم» التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة و النكتة فيه التخلص إلى ذكر صفة الربوبية و تسجيل أنه تعالى هو رب هؤلاء المشركين الذين اتخذوا له أندادا فإن وجه الكلام في الحقيقة إليهم و إن كان المخاطب به هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) دونهم و لتكون هذه التسمية و هي في مفتتح الكلام مبدأ لما سيذكر في السورة من الحجة على توحيد الربوبية .


قوله تعالى : « إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات و ما في الأرض» العزة تقابل الذلة ، قال الراغب : العزة حالة مانعة للإنسان من أن يغلب من قولهم : أرض عزاز أي صلبة ، قال تعالى : « أ يبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا» و تعزز اللحم اشتد و عز كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه ، انتهى موضع الحاجة .


فعزة العزيز هي كونه بحيث يصعب نيله و الوصول إليه و منه عزيز القوم و هو الذي يقهر و لا يقهر لأنه ذو مقام لا يصل إليه من قصده دون أن يمنع قبل الوصول إليه و يقهر ، و منه العزيز لما قل وجوده لصعوبة نيله ، و منه العزيز بمعنى الشاق لأن الذي يشق على الإنسان يصعب حصوله ، قال تعالى : « عزيز عليه ما عنتم» ، : التوبة : 128 ، و منه قوله : « و عزني في الخطاب» ، : (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : 23 ، أي غلبني على ما فسر به .


و الله سبحانه عزيز لأنه الذات الذي لا يقهره شي‏ء من جهة و هو يقهر كل شي‏ء من كل جهة و لذلك انحصرت العزة فيه تعالى فلا توجد عند غيره إلا باكتساب منه


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :11


و بإذنه قال تعالى : « أ يبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا» : النساء : 139 ، و قال « من كان يريد العزة فلله العزة جميعا» : فاطر : 10 .


و الحميد فعيل بمعنى المفعول من الحمد و هو الثناء على الجميل الاختياري ، و إذ كان كل جمال ينتهي إليه سبحانه كان جميع الحمد له كما قال : « الحمد لله رب العالمين» : سورة الحمد : 2 و من غريب القول ما عن الإمام الرازي على ما سننقله : أن الحميد معناه العالم الغني .


و قوله : « إلى صراط العزيز الحميد» بدل من قوله : « إلى النور» يبين به ما يوصل إليهالكتاب الذي أنزله على نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بيانا بعد بيان فنبه أولا بأنه نور يميز الحق من الباطل و الخير من الشر و السعادة من الشقاوة ، و ثانيا بأنه طريق واضح يجمع سالكيه في متنه و ينتهي بهم جميعا إلى الله العزيز الحميد .


و الوجه في ذكر الصفتين الكريمتين : « العزيز الحميد» أنهما مبدءان لما سيورد في السورة من الكلام الموجه إليهم فإن عمدة الكلام في السورة هي تذكيرهم أن الله أنعم عليهم بربوبيته كل نعمة عظيمة ، ثم عزم عليهم من طريق رسله أن يشكروه و لا يكفروه و وعد رسله أنهم إن آمنوا أدخلهم الجنة، و إن كفروا انتقم منهم و أوردهم مورد الشقاء و العذاب ، فليخافوا ربهم و ليحذروا مخالفة أمره و كفران نعمته لأن له كل العزة لا نمنع عن حلول سخطه بهم و نزول عذابه عليهم شي‏ء ، حميد لا يذم في إثابته المؤمنين ، و لا في تعذيب الكافرين ، كما لا يذم فيما بسط عليهم من نعمه التي لا تحصى .


فجل الكلام في هذه السورة فيما يقتضيه الصفات الثلاث : توحده تعالى بالربوبية و عزته و كونه حميدا في أفعاله فليخف من عزته المطلقة ، و ليشكر و ليوثق بما وعد و ليتذكر من آيات ربوبيته .


و في روح المعاني عن أبي حيان : النكتة في ذلك أنه لما ذكر قبل إنزاله تعالى لهذا الكتاب و إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، ناسب ذكر هاتين الصفتين صفة العزة المتضمنة للقدرة و الغلبة لإنزاله مثل هذا الكتاب المعجز الذي لا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :12


يقدر عليه سواه ، و صفة الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور .


قال : و وجه التقديم و التأخير على هذا ظاهر انتهى .


و هو أجنبي عن سياق آيات السورة البتة و لعله مأخوذ من قوله تعالى في وصف القرآن : « و إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيلمن حكيم حميد» : حم السجدة : 42 ، لكن المقام غير المقام .


و عن الإمام في تفسيره : إنما قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد لأن الصحيح أن أول العلم بالله تعالى العلم بكونه قادرا ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما ثم بعد ذلك العلم بكونه غنيا عن الحاجات و العزيز هو القادر ، و الحميد هو العالم الغني فلما كان العلم بكونه قادرا متقدما على العلم بكونه عالما بالكل غنيا عنه لا جرم قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد .


انتهى ، و هو مجازفة عجيبة .


و قريب منه في المجازفة قول بعضهم : قدم العزيز على الحميد اعتناء بأمر الصفات السلبية كما يؤذن به قولهم : التخلية أولى من التحلية فإن العزة - كما تقدم - من الصفات السلبية بخلاف الحمد .


و ربما قيل في وجه تخصيص الوصفين بالذكر أنه للترغيب في سلوك هذا الصراط لأنه صراط العزيز الحميد فيعز سالكه و يحمد سابله ، انتهى .


و هو وجه الأحرى به أن يجعل من الفوائد المتفرعة دون السبب الموجب ، و الوجه ما قدمناه .


و أما قوله « الله الذي له ما في السماوات و ما في الأرض» فبيان للعزيز الحميد ، و المراد بما في السماوات و الأرض كل ما في الكون فيشمل نفس السماوات و الأرض كما يشمل ما فيهما ، فهو تعالى يملك كلشي‏ء من كل جهة بحقيقة معنى الملك .


و فيه إشارة إلى الحجة في كونه تعالى عزيزا حميدا ، فإنه تعالى و إن كان هو الذي يحق الحق بكلماته و هو الذي ينجح كل حجة في دلالتها ، لكنه جارى عباده في كلامه على ما فطرهم عليه ، و ذلك أنه تعالى لما ملك كل خلق و أمر بحقيقة معنى الملك فهو المالك لكل قهر و غلبة فلا قهر إلا منه و لا غلبة إلا له فهو تعالى عزيز و له أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :13


يتصرف في ما يشاء بما يشاء و لا يكون تصرفه إلا محمودا غير مذموم لأن التصرف إنما يكون مذموما إذا كان المتصرف لا يملكه إما عقلا أو شرعا أو عرفا ، و أي تصرف نسبه إليه تعالى عقل أو شرع أو عرف فإنه يملكه ، فهو تعالى حميد محمود الأفعال .


قوله تعالى : « و ويل للكافرين من عذاب شديد» بيان لما تقتضيه صفة العزة من القهر لمن يرد دعوته و يكفر بنعمته .


قوله تعالى « الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة و يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا» إلخ ، قال الراغب في المفردات : و قوله عز و جل : « إن استحبوا الكفر على الإيمان» أي إن آثروه عليه ، و حقيقة الاستحباب أن يتحرى الإنسان في الشي‏ء أن يحبه ، و اقتضى تعديته بعلى معنى الإيثار ، و على هذا قوله تعالى : « و أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى» ، انتهى .


و معنى استحباب الدنيا على الآخرة اختيار الدنيا و ترك الآخرة رأسا ، و يقابله اختيار الآخرة على الدنيا بمعنى أخذ الآخرة غاية للسعي و جعل الدنيا مقدمة لها يتوسل بها إليها ، و أما اختيار الآخرة و ترك الدنيا من أصلها فإنه مضاف إلى عدم إمكانه بحقيقة معنى الكلمة يوجب اختلال أمر الآخرة ، و ينجر إلى تركها بالآخرة ، فالحياة الدنيا حياة منقطعة و الحياة الآخرة حياة دائمة يتوسل إلى سعادتها من طريق الدنيا بالاكتساب ، فمن اختار الآخرة و أثبتهالزمه إثبات الدنيا لمكان مقدميتها ، و من اختار الدنيا و جعلها غاية لزمه نفي الآخرة من أصلها لأنها لو ثبتت ثبتت غاية و إذ لم يجعل غاية انتفت ، فليس بين يدي الإنسان إلا خصلتان : اختيار الآخرة على الدنيا بجعل الآخرة غاية و إثبات الدنيا معها للمقدمية ، و اختيار الدنيا على الآخرة بجعل الدنيا غاية و نفي الآخرة من أصلها .


و إيضاح المقام أن الإنسان لا بغية له إلا سعادة حياته و حبه لها فطري ، و قد أوضحنا ذلك في مواضع متفرقة فيما تقدم ، و الذي يثبته كتاب الله من أمر الحياة أنها دائمة غير منقطعة بالموت فلا محالة تنقسم بالنظر إلى تخلل الموت إلى حياتين : الحياة الدنيا المؤجلة بالموت و الحياة الآخرة بعد الموت ، و هي تتفرع في سعادتها و شقائها على


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :14


الحياة الدنيا و ما يكتسبه الإنسان في الدنيا من ناحية الأعمال الحيوية من حسنة أو سيئة ، و لا مفر للإنسان من هذه الأعمال لما عنده من حب الحياة الفطري .


و هذه الأعمال أعني السنة التي يستن بها الإنسان في حياته الدنيا الكاسبة له التقوى أو الفجور و الحسنة أو السيئة هي التي تسمى في كتاب الله دينا و سبيلا ، فلا مفر للإنسان من سنة حسنة أو سيئة و دين حق أو باطل .


و لما كان من سنة الله سبحانه الجارية أن يهدي كل نوع من الأنواع إلى سعادته و كماله و من كمال الإنسان و سعادته أن يعيش عيشة اجتماعية و يستن بسنة حيوية ، شرع الله سبحانه له دينا مبنيا على فطرته التي فطر عليها و هو سبيل الله الذي يسلكه و دينه الذي يتدين به ، فإن جرى على ما شرعته له الربوبية و هدته إليه الفطرة فقد سلك سبيل الله و ابتغاه مستقيما ، و إن اتبع الهوى و صد نفسه عن سبيل الله و اشتغل بما يزينه له الشيطان فقد ابتغى سبيل الله عوجا منحرفا .


أما أنه يبتغي سبيل الله فإن الله هو الذي فطره على طلب السبيل و ابتغاء الصراط و لا يهدي البتة إلا إلى ما يرتضيه و هو سبيل نفسه ، و أما أنه منحرف ذو عوج فلأنه لا يهدي إلى الحق و ما ذا بعد الحق إلا الضلال ؟ و الآيات القرآنية الدالة على هذا الذي قدمناه متكاثرة لا حاجة إلى إيرادها .


إذا عرفت هذا لاح لك أن قوله في تفسير الكافرين : « الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة» مفاده أنهم يتعلقون تمام التعلق بالحياة الدنيا و يعرضون عن الآخرة بنفيها ، و هو الكفر بالمعاد المستلزم للكفر بالتوحيد و النبوة .


و قوله : « و يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا» مفاده أنهم يكفون أنفسهم عن الاستنان بسنة الله و التدين بدينه أو يصدون و يصرفون الناس عن الإيمان بالله و اليوم الآخر و التشرع بشريعته عنادا منهم للحق ، و يطلبون سنة الله عوجا و منحرفة بالاستنان بغيرها من سنة اجتماعية أيا ما كانت ثم سجل عليهم الضلال بقوله سبحانه :


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :15


و يظهر بما تقدم فساد قول بعضهم إن المراد بقوله : « يبغونها عوجا» يبغون لها عوجا أي يطلبون لها زيغا و اعوجاجا حتى يعيبوها به و يصدوا الناس عنها بسببه .


و قول بعضهم : المعنى يطلبون أن يروا فيها عوجا يكون قادحا فيقدحوا فيها به .


و قول بعضهم : المعنى يطلبون لأهلها أن يعوجوا و ينحرفوا بالرد فهو المراد بطلبهم الدين منحرفا ، و انحرافه فساد ما عند المؤمنين من معارفه و فساد هذه الأقوال ظاهر .


قوله تعالى : « و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» إلى آخر الآية .


اللسان هو اللغة ، قال تعالى : « بلسان عربي مبين» : الشعراء : 195 .


و الضمير في « قومه» عائد إلى « رسول» و في « لهم» إلى « قومه» و المحصل ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قوم ذلك الرسول ليبين لقومه ، و من الخطإ إرجاع ضمير قومه إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليفيد أن الله سبحانه كان يوحي إلى جميع الرسل بالعربية لفساد المعنى بذلك لرجوع ضمير « لهم» إلى « قومه» فيفيد أن الله أنزل التوراة لموسى مثلا بالعربية ليبين للعرب كما في الكشاف .


و المراد بإرسال الرسول بلسان قومه إرساله بلسان القوم الذين كان يعيش فيهم و يخالطهم و يعاشرهم و ليس المراد به الإرسال بلسان القوم الذين هو منهم نسبا لأنه سبحانه يصرح بمهاجرة لوط (عليه‏السلام‏) من كلدة و هم سريانية اللسان إلى المؤتفكات ، و هم عبرانيون و سماهم قومه و أرسله إليهم ثم أنجاه و أهله إلا امرأته و هي منهم و أهلكهم قال تعالى : « فآمن له لوط و قال إني مهاجر إلى ربي» : العنكبوت : 26 و في مواضع من كلامه تعالى « قوم لوط» .


و أما من أرسل إلى أزيد من أمة و هم أولوا العزم من الرسل فمن الدليل على أنهم كانوا يدعون أقواما من غير أهل لسانهم ما حكاه الله من دعوة إبراهيم (عليه‏السلام‏) عرب الحجاز إلى الحج ، و دعوة موسى (عليه‏السلام‏) فرعون و قومه إلى الإيمان و عموم دعوة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :16


النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قد اشتمل القرآن على دعوة اليهود و النصارى و غيرهم و قبول إيمان من آمن منهم بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و كذا ما يستفاد من عموم دعوة نوح (عليه‏السلام‏) .


و على هذا فالمراد بقوله : « و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» و - الله أعلم - أن الله لم يبن إرسال الرسل و الدعوة الدينية على أساس معجز خارق للعادة الجارية و لا فوض إلى رسله من الأمر شيئا بل أرسلهم باللسان العادي الذي كانوا يكالمون قومهم و يحاورونهم به ليبينوا لهم مقاصد الوحي فليس لهم إلا البيان ، و أما ما وراء ذلك من الهداية و الإضلال فإلى الله سبحانه لا يشاركه في ذلك رسول و لا غيره .


فتعود الآية كالبيان و الإيضاح لقوله تعالى قبل : « كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم» و إن معنى إخراجك الناس من الظلمات إلى النور أن تبين لهم ما أنزل الله لا أزيد من ذلك فيكون في معنى قوله : « و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» : النحل : 44 .


و أما قوله : « فيضل الله من يشاء و يهدي من يشاء» فإشارة إلى ما أومأنا إليه أن أمر الهدى و الضلال إلى الله لا يتحقق شي‏ء منهما إلا عن مشية منه تعالى غير أنه سبحانه أخبرنا أن هذه المشية منه ليست جزافية غير منتظمة بل لها نظم ثابت فمن اتبع الحق و لم يعانده هداه الله ، و من جاحده و اتبع هواه أضله الله فهو إضلال مجازاة غير الإضلال الابتدائي المذموم .


و قد قدم سبحانه الإضلال على الهداية إذ قال : « فيضل الله من يشاء و يهدي من يشاء» لأن ذلك أحوج إلى البيان بالنظر إلى أن الكلام مبني على عزته المطلقة فكان من الواجب أن يبين أن ضلال من يضل عن السبيل كهدى من اهتدى إليها إنما هو بمشية منه تعالى و لم يغلب في إرادته و لم يزاحم في ملكه حتى لا يخيل إلى كل مغفل من الناس أن الله يصف نفسه بالعزة المطلقة و أنه غالب غير مغلوب و قاهر غير مقهور ثم يدعو الناس فلايستجيبون دعوته و يأمرهم و ينهاهم فيعصون و لا يطيعون و هل هذا إلا غلبة منهم و قهر و هو مغلوب مقهور ؟ .


فكأنه تعالى أجاب عن ذلك بأن معنى دعوته تعالى أن يرسل رسولا بلسان


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :17


قومه فيبين لهم ما يسعدهم مما يشقيهم و أما ضلال من ضل من الناس كهدى من اهتدى منهم فبمشية من الله و إذنه ، و حاشاه أن يقهر في سلطانه أو يتصرف في ملكه أحد بغير إذنه .


فضلال من ضل منهم دليل عزته فضلا أن يكون ناقضا لها كما أن هدى من اهتدى كذلك ، و لذلك ذيل الكلام بقوله : « و هو العزيز الحكيم» فهو سبحانه عزيز لا يغلبه و لا يضره ضلال من ضل منهم ، و لا ينفعه هدى من اهتدى حكيم لا يشاء ما شاء جزافا و عبثا بل عن نظام متقن دائمي .


قوله تعالى : « و لقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور» إلى آخر الآية ، إذ كان الكلام في السورة مبنيا على الإنذار و التذكير بعزة الله سبحانه ناسب أن يذكر إرسال موسى بالآيات لهداية قومه فإن قصة رسالته من أوضح مصاديق ظهور العزة الإلهية من بين الرسل و قد قال تعالى فيه : « و لقد أرسلنا موسى بآياتنا و سلطان مبين» : المؤمن : 23 ، و قال حاكيا عنه (عليه‏السلام‏) : «و أن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين» : الدخان : 19 .


فوزان الآية أعني قوله : « و لقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور» ، من قوله : « كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم» وزان التنظير بداعي التأييد و تطييب النفس كما في قوله : « إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده» : النساء ، 16 .


و أما ما ذكر بعضهم أن الآية شروع في تفصيل ما أجمل في قوله : « و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» فبعيد كل البعد .


و نظيره في البعد قول بعضهم : إن المراد بالآيات التي أرسل بها موسى آيات التوراة دون المعجزات التي أرسل (عليه‏السلام‏) بها كالثعبان و اليد البيضاء و غيرهما .


على أن الله سبحانه و تعالى لم يعد في كلامه التوراة من آيات رسالة موسى و لا ذكر أنه أرسله بها قط و إنما ذكر أنه أنزلها عليه و آتاه إياها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :18


و لم يقيد قوله : « أن أخرج قومك» - إلخ - بالإذن كما قيد به قوله للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « لتخرج الناس» إلخ لأن قوله هاهنا : « أخرج قومك» أمر يتضمن معنى الإذن بخلاف قوله هناك : « لتخرج الناس» .


و قوله : « و ذكرهم بأيام الله» لا شك أن المراد بها أيام خاصة ، و نسبة أيام خاصة إلى الله سبحانه مع كون جميع الأيام و كل الأشياء له تعالى ليست إلا لظهور أمره تعالى فيها ظهورا لا يبقى معه لغيره ظهور ، فهي الأزمنة و الظروف التي ظهرت أو سيظهر فيها أمره تعالى و آيات وحدانيته و سلطنته كيوم الموت الذي يظهر فيه سلطان الآخرة و تسقط فيه الأسباب الدنيوية عن التأثير ، و يوم القيامة الذي لا يملك فيه نفس لنفس شيئا و الأمر يومئذ لله ، و كالأيام التي أهلك الله فيها قوم نوح و عاد و ثمود فإن هذه و أمثالها أيام ظهر فيها الغلبة و القهر الإلهيان و أن العزة لله جميعا .


و يمكن أن يكون منها أيام ظهرت فيها النعم الإلهية ظهورا ليس فيه لغيره تعالى صنع كيوم خروج نوح (عليه‏السلام‏) و أصحابه من السفينة بسلام من الله و بركات و يوم إنجاء إبراهيم من النار و غيرهما فإنها أيضا كسوابقها لا نسبة لها في الحقيقة إلى غيره تعالى فهي أيام الله منسوبة إليه كما ينسب الأيام إلى الأمم و الأقوام و منه أيام العرب كيوم ذي قار و يوم فجار و يوم بغاث و غير ذلك .


و تخصيص بعضهم الأيام بنعماء الله سبحانه بالنظر إلى ما سيأتي من ذكر نعمه تعالى كتخصيص آخرين لها بنقماته تعالى خال عن الوجه بعد ما كان الكلام جاريا في السورة على ما تقتضيه عزته تعالى ، و من مقتضى صفة عزته الإنعام على العباد و الأخذ الشديد إن كفروا بنعمته .


ثم تمم الكلام بقوله : « إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور» أي كثير الصبر عند الضراء و كثير الشكر على النعماء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :19


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج أحمد عن أبي ذر قال قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لم يبعث الله نبيا إلا بلسان قومه و فيه ، أخرج النسائي و عبد الله بن أحمد في زوائد المسند و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان عن أبي بن كعب عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في قوله : « و ذكرهم بأيام الله» قال : بنعم الله و آلائه .


أقول : و هو بيان بعض المصاديق ، و روى ما في معناه الطبرسي و العياشي عن الصادق (عليه‏السلام‏) .


و في أمالي الشيخ ، بإسناده عن عبد الله بن عباس و جابر بن عبد الله في حديث طويل عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أيام الله نعماؤه و بلاؤه و هو مثلاته سبحانه .


و في تفسير القمي ، قال : قال أيام الله ثلاثة : يوم القائم و يوم الموت و يوم القيامة .


أقول : المراد بيان أيامه تعالى العظيمة لا حصر مطلق أيامه .


و في المعاني ، بإسناده عن مثنى الحناط عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قالا : أيام الله ثلاثة : يوم يقوم القائم و يوم الكرة و يوم القيامة .


أقول : و هي كسابقتها و اختلاف الروايات في تعداد المصاديق يؤيد ما قدمناه في بيان الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :20


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :21


وَ إِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسومُونَكُمْ سوءَ الْعَذَابِ وَ يُذَبحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَ يَستَحْيُونَ نِساءَكمْوَ فى ذَلِكم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكمْ عَظِيمٌ‏(6) وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئن شكرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْوَ لَئن كفَرْتمْ إِنَّ عَذَابى لَشدِيدٌ(7) وَ قَالَ مُوسى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَ مَن فى الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنىٌّ حَمِيدٌ(8) أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن قَبْلِكمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عَادٍ وَ ثَمُودَوَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْلا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُجَاءَتْهُمْ رُسلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فى أَفْوَهِهِمْ وَ قَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَ إِنَّا لَفِى شكٍ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ‏(9) × قَالَت رُسلُهُمْ أَ فى اللَّهِ شكٌّ فَاطِرِ السمَوَتِ وَ الأَرْضِيَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكمْ إِلى أَجَلٍ مُّسمًّىقَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلا بَشرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصدُّونَا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسلْطنٍ مُّبِينٍ‏(10) قَالَت لَهُمْ رُسلُهُمْ إِن نحْنُ إِلا بَشرٌ مِّثْلُكمْ وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِوَ مَا كانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسلْطنٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِوَ عَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنُونَ‏(11) وَ مَا لَنَا أَلا نَتَوَكلَ عَلى اللَّهِ وَ قَدْ هَدَانَا سبُلَنَاوَ لَنَصبرَنَّ عَلى مَا ءَاذَيْتُمُونَاوَ عَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُتَوَكلُونَ‏(12) وَ قَالَ الَّذِينَ كفَرُوا لِرُسلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فى مِلَّتِنَافَأَوْحَى إِلَيهِمْ رَبهُمْ لَنهْلِكَنَّ الظلِمِينَ‏(13) وَ لَنُسكنَنَّكُمُ الأَرْض مِن بَعْدِهِمْذَلِك لِمَنْ خَاف مَقَامِى وَ خَاف وَعِيدِ(14) وَ استَفْتَحُوا وَ خَاب كلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ(15) مِّن وَرَائهِ جَهَنَّمُ وَ يُسقَى مِن مَّاءٍ صدِيدٍ(16) يَتَجَرَّعُهُ وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ الْمَوْت مِن كلّ‏ِ مَكانٍ وَ مَا هُوَ بِمَيِّتٍوَ مِن وَرَائهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ(17) مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْأَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ اشتَدَّت بِهِ الرِّيحُ فى يَوْمٍ عَاصِفٍلا يَقْدِرُونَ مِمَّا كسبُوا عَلى شىْ‏ءٍذَلِك هُوَ الضلَلُ الْبَعِيدُ(18)


بيان


الآيات تشتمل على ذكر نبذة من نعم الله و نقمه في أيامه و ظاهر سياق الآيات أنها من كلام موسى (عليه‏السلام‏) غير قوله تعالى : « و إذ تأذن ربكم» الآية فهي حكاية قول موسى يذكر فيها قومه ببعض أيام الله سبحانه على ما يقتضيه عزته المطلقة من إنزال النعم و النقم ، و وضع كل في موضعه الذي يليق به حسب ما اقتضته حكمته البالغة .


قوله تعالى : « و إذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم» إلى آخر الآية ، السوم على ما ذكره الراغب بمعنى الذهاب في ابتغاء الشي‏ء فهو لفظ لمعنى يتركب من الذهاب و الابتغاء فكأنه في الآية بمعنى إذاقة العذاب ، و الاستحياء استبقاء الحياة .


و المعنى و اذكر أيها الرسول لزيادة التثبت في أن الله عزيز حميد إذ قال موسى لقومه و هم بنو إسرائيل : اذكروا نعمة الله عليكم يوم أنجاكم من آل فرعون و خاصة من القبط و الحال أنهم مستمرون على إذاقتكم سوء العذاب و يكثرون ذبح الذكور من أولادكم و على استبقاء حياة نسائكم للاسترقاق ، و في ذلكم بلاء و محنة من ربكم عظيم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :22


قوله تعالى : « و إذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم و لئن كفرتم إن عذابي لشديد» قال في المجمع التأذن الإعلام يقال : آذن و تأذن و مثله أوعد و توعد انتهى .


و قوله : « و إذ تأذن ربكم» إلخ معطوف على قوله : « و إذ قال موسى لقومه» و موقع الآية التالية : « و قال موسى» إلخ ، من هذه الآية كموقع قوله : « و لقد أرسلنا موسى» إلخ ، من قوله : « كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور» إلخ ، فافهم ذلك فهو الأنسب بسياق كلامه تعالى .


و ذكر بعضهم أنه داخل في مقول موسى و ليس بكلام مبتدإ و عليه فهو معطوف على قوله : « نعمة الله عليكم» و التقدير : اذكروا نعمة الله عليكم و اذكروا إذ تأذن ربكم إلخ ، و فيه أنه لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال : اذكروا إذ أنجاكم فأنعم عليكم و إذ تأذن ربكم إلخ ، لما فيه من رعاية حكم الترتيب .


و قيل : إنه معطوف على قوله : « إذ أنجاكم» و المعنى اذكروا نعمة الله عليكم إذ تأذن ربكم ، فإن هذا التأذن نفسه نعمة لما فيه من الترغيب و الترهيب الباعثين إلى نيل خير الدنيا و الآخرة .


و فيه أن هذا التأذن ليس إلا نعمة للشاكرين منهم خاصة و أما غيرهم فهو نقمة عليهم و خسارة فنظمه في سلك ما تقدمه من غير تقييد أو استثناء ليس على ما ينبغي .


فالظاهر أنه كلام مبتدأ و قد بين تعالى هذه الحقيقة أعني كون الشكر - الذي حقيقته استعمال النعمة بنحو يذكر إنعام المنعم و يظهر إحسانه و يئول في مورده تعالى إلى الإيمان به و التقوى - موجبا لمزيد النعمة و الكفر لشديد العذاب ، في مواضع من كلامه ، و قد حكى عن نوح فيما ناجى ربه و دعا على قومه : « فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا و يمددكم بأموال و بنين» إلخ : نوح : 12 .


و من لطيف كرمه تعالى اللائح من الآية - كما ذكره بعضهم - اشتمالها على التصريح بالوعد و التعريض في الوعيد حيث قال : « لأزيدنكم» و قال إن عذابي لشديد و لم يقل لأعذبنكم و ذلك من دأب الكرام في وعدهم و وعيدهم غالبا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :23


و الآية مطلقة لا دليل على اختصاص ما فيها من الوعد و الوعيد بالدنيا و لا بالآخرة ، و تأثير الإيمان و الكفر و التقوى و الفسق في شئون الحياة الدنيا و الآخرة معا معلوم من القرآن .


و قد استدل بالآية على وجوب شكر المنعم ، و الحق أن الآية لا تدل على أزيد من أن الكافر على خطر من كفره فإن الله سبحانه لم يصرح بفعلية العذاب على كل كفر إذ قال : « و لئن كفرتم إن عذابي لشديد» و لم يقل : لأعذبنكم .


قوله تعالى : « و قال موسى إن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد» لما أمر تعالى بشكر نعمه بذكر ما تأذن به من الزيادة على الشكر و العذاب على الكفر على ما تقتضيه العزة المطلقة ذكر في تأييده من كلام موسى (عليه‏السلام‏) ما يجري مجرى التنظير فقال : « و قال موسى» و الكلام جار على هذا النمط إلى تمام عشر آيات .


و أما أن الله غني و إن كفر من في الأرض جميعا فإنه غني بالذات عن كل شي‏ء فلا ينتفع بشكر و لا يتضرر بكفر ، و إنما يعود النفع و الضرر إلى الإنسان فيما أتى به ، و أما أنه حميد فلأن الحمد هو إظهار الحامد بلسانه ما لفعل المحمود من الجمال و الحسن و فعله تعالى حسن جميل من كل جهة فهو جميل ظاهر الجمال يمتنع خفاؤه و إخفاؤه ، فهو تعالى محمود سواء حمده حامد باللسان أو لم يحمد .


على أن كل شي‏ء يحمده بتمام وجوده حتى الكافر بنعمته كما قال تعالى : « و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده» : الإسراء : 44 ، فهو تعالى محمود سواء حمده الناس بألسنتهم أو لم يحمدوه ، و له كل الحمد سواء قصد به هو أو قصد به غيره .


قوله تعالى : « أ لم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح و عاد و ثمود» إلى آخر الآية .


من كلام موسى (عليه‏السلام‏) يذكر قومه من أيام الله في الأمم الماضين ممن فنيت أشخاصهم و خمدت أنفاسهم و عفت آثارهم و انقطعت أخبارهم فلا يعلمهم بحقيقة حالهم تفصيلا إلا الله كقوم نوح و عاد و ثمود و الذين من بعدهم .


و من هنا يعلم أولا : أن المراد بالنبأ ، في قوله : « أ لم يأتكم نبأ الذين من قبلكم»


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :24


خبر هلاكهم و انقراضهم ، فإن النبأ هو الخبر الذي يعتنى بأمره فلا ينافي ما يتعقبه من قوله : « لا يعلمهم إلا الله» .


و ثانيا : أن قوله : « قوم نوح و عاد و ثمود» ، من قبيل ذكر الأمثلة ، و إن قوله : « لا يعلمهم إلا الله» بيان لقوله : «من قبلكم» و المراد بعدم العلم بهم لغير الله الجهل بحقيقة حالهم و عدم الإحاطة بتفاصيل تاريخ حياتهم .


و من الممكن أن يكون قوله : « لا يعلمهم إلا الله» اعتراضا و إن كان ما ذكرناه أنسب للسياق ، و أما احتمال أن يكون خبرا لقوله : « و الذين من بعدهم» كما ذكره بعضهم فسخافته ظاهرة ، و أسخف منه تجويز بعضهم أن يكون حالا من ضمير من بعدهم و كون قوله : « جاءتهم رسلهم» خبرا لقوله : « و الذين من بعدهم» .


و قوله : « جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم» الظاهر أن المراد به أن رسلهم جاءوهم بحجج بينة تبين الحق و تجليه من غير أي إبهام و ريب فمنعوهم أن يتفوهوا بالحق و سدوا عليهم طريق التكلم .


فالضميران في : « أيديهم» و « أفواههم» للرسل ، و رد أيديهم في أفواههم كناية عن إجبارهم على أن يسكتوا و يكفوا عن التكلم بالحق كأنهم أخذوا بأيدي رسلهم و ردوها في أفواههم إيذانا بأن من الواجب عليكم أن تكفوا عن الكلام ، و يؤيده قوله بعد : « و قالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به و إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب» فإن دعوى الشك و الريب قبال الحجة البينة و الحق الصريح الذي لا يبقي مجالا للشك لا تتحقق إلا من جاحد مكابر متحكم مجازفلا يستطيع أن يسمع كلمة الحق فيجبر قائلها على السكوت و الصمت .


و للقوم في معنى الآية أقوال أخر : منها قول بعضهم المعنى أن الكفار ردوا أيديهم في أفواه الرسل تكذيبا لهم و ردا لما جاءوا به ، فالضمير الأول للكفار و الثاني للرسل ، و فيه أنه مستلزم لاختلاف مرجع الضميرين من غير قرينة ظاهرة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :25


و منها : أن المراد أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه أنفسهم مومين به إلى الرسل أن اسكتوا كما يفعله الواحد من الناس مع غيره إذا أراد إسكاته فالضميران معا للكفار .


و منها : أن المعنى عضوا أصابعهم من شدة الغيظ من استماع دعوة الرسل ، فالضميران للكفار كما في الوجه السابق و فيه أنه كناية بعيدة غير مفهومة من اللفظ .


و منها : أن المراد بالأيدي الحجج و هي إما جمع اليد بمعنى الجارحة لكون الحجة بمنزلة اليد التي بها البطش و الدفع ، و إما جمع اليد بمعنى النعمة لكون حجج الرسل نعما منهم على الناس و المعنى أنهم ردوا حجج الرسل إلى أفواههم التي خرجت منها .


و قريب من هذا الوجه قول بعضهم : إن المراد بالأيدي نعم الرسل و هي أوامرهم و نواهيهم و الضميران أيضا للرسول ، و المعنى أنهم كذبوا الرسل في أوامرهم و نواهيهم .


و قريب منه أيضا قول آخرين : إن المراد بالأيدي النعم ، و ضمير « أيديهم» للرسل ، و « في» في قوله « في أفواههم» بمعنى الباء و الضمير للكفار و المعنى كذب الكفار بأفواههم نعم الرسل و هي حججهم .


و أنت خبير بأن هذه معان بعيدة عن الفهم يجل كلامه تعالى أن يحمل عليها و على أمثالها .


و أما قوله : « و قالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به و إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب» فهو نحو بيان لقوله : « فردوا أيديهم في أفواههم» و الجملة الأولى أعني قولهم : « إنا كفرنا بما أرسلتم به» إنكار للشريعة الإلهيةالتي هي متن الرسالة ، و الجملة الثانية أعني قولهم : « و إنا لفي شك» إلخ ... إنكار لما جاءوا به من الحجج و البينات و إظهار ريب فيما كانوا يدعون إليه و هو توحيد الربوبية .


قوله تعالى : « قالت رسلهم أ في الله شك فاطر السموات و الأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم و يؤخركم إلى أجل مسمى» أصل الفطر على ما ذكره الراغب الشق طولا يقال : فطرت الشي‏ء فطرا أي شققته طولا ، و أفطر الشي‏ء فطورا و انفطر


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :26


انفطارا أي قبل الفطر ، و استعمل في القرآن فيما انتسب إليه تعالى بمعنى الإيجاد بنوع من العناية كأنه تعالى شق العدم شقا فأظهر من بطنه الأشياء فهي ظاهرة ما أمسك هو تعالى على شقي العدم موجودة ما كان ممسكا لها و لو ترك الإمساك لانعدمت و زالت كما قال تعالى : « إن الله يمسك السماوات و الأرض أن تزولا و لئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده : فاطر : 41 .


و على هذا فتفسير الفطر بالخلق الذي هو جمع الأجزاء و الأبعاض كما وقع في بعض العبارات ليس على ما ينبغي ، و يؤيد ذلك أن الفطر لو كان بمعنى الخلق لكان البرهان الذي أشير إليه بقوله : « فاطر السماوات و الأرض» مسوقا لإثبات وجود الخالق فكان أجنبيا عن المقام لأن الوثنية لا تنكر وجود خالق للعالم و أنه هو الله عز اسمه لا غير ، و إنما ينكرون توحيد الربوبية و العبادة و هو أن يكون الله سبحانه هو الرب المعبود لا غير ، و البرهان على كونه تعالى خالقا للسماوات و الأرض لا ينفع فيه شيئا .


و كيف كان فقوله : « قالت رسلهم أ في الله شك» إلخ ، كلام قوبل به قولهم : « و قالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به و إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب» و قد عرفت أن قولهم هذا يتضمن إنكارين : إنكارهم للرسالة و تشككهم في توحيد الربوبية فكلام الرسل المورد جوابا منهم عن قولهم بالمقابلةمتضمن لجزءين .


فقولهم : « أ في الله شك فاطر السماوات و الأرض» برهان على توحيد الربوبية إذ لو سيق لمجرد الإنكار على الكفار من غير إشارة إلى برهان لم يكن حاجة إلى ذكر الوصف « فاطر السماوات و الأرض» ، ففي ذكره دلالة على أنه مزيل كل شك و ريب عنه تعالى .


و ذلك أنا نرى في أول ما نعقل أن لهذا العالم المشهود الذي هو مؤلف من أشياء كثيرة كل واحد منها محدود في نفسه متميز من غيره وجودا ، و ليس وجوده و لا وجود شي‏ء من أجزائه من نفسه و قائما بذاته و إلا لم يتغير و لم ينعدم فوجوده و وجود أجزائه و كذا كل ما يرجع إلىالوجود من الصفات و الآثار من غيرها و لغيرها و هذا الغير هو الذي نسميه « الله» عز اسمه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :27


فهو تعالى الذي يوجد العالم و كل جزء من أجزائه و يحده و يميزه من غيره فهو في نفسه موجود غير محدود و إلا لاحتاج إلى آخر يحدده فهو تعالى واحد لا يقبل الكثرة لأن ما لا يحد بحد لا يقبل الكثرة .


و هو بوحدته يدبر كل أمر كما أنه يوجده لأنه هو المالك لوجودها و الكل أمر يرجع إلى وجودها ، و لا يشاركه غيره في شي‏ء لأن شيئا من الموجودات غيره لا يملك لنفسه و لا لغيره فهو تعالى رب كل شي‏ء لا رب غيره ، كما أنه موجد كل شي‏ء لا موجد غيره .


و هذا برهان تام سهل التناول حتى للأفهام البسيطة يناله الإنسان الذي يذعن بفطرته أن للعالم المشهود حقيقة و واقعية من غير أن يكون وهما مجردا كما يبديه السفسطة و الشك ، و يثبت به توحد الألوهية و الربوبية و لذلك تمسك به في هذا المقام الذي هو مقام خصام الوثنية .


و من هنا يظهر فساد زعم من زعم أن قوله : « أ في الله شك فاطر السماوات و الأرض» حجة مسوقة لإثبات خالق للعالم ، و كذا قول من قال : إنه دليل اتصال التدبير لتوحيد الربوبية بل هو برهان عليه تعالى من جهة قيام وجود كل شي‏ء و آثار وجوده به من كل جهة فينتج توحده في الربوبية و يزول به ما أيدوه من الشك بقولهم : « و إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب» .


ثم قولهم : « يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم و يؤخركم إلى أجل مسمى» إشارة إلى برهان النبوة التي أنكروها بقولهم : « إنا كفرنا بما أرسلتم به» يريدون به دين الرسل و الشريعة السماوية بالوحي .


و بيانه أن من سنته تعالى الجارية هداية كل شي‏ء إلى كماله و سعادته النوعية ، و الإنسان أحد هذه الأنواع المشمولة للهداية الإلهية فمن الواجب في العناية الإلهية


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :28


أن يهتدي إلى سعادة حياته .


و لكن له حياة خالدة غير محدودة بالدنيا و لا منقطعة بالموت ، و سعادته في الحياة أن يعيش في الدنيا عيشة مطمئنة على أساس تعديل قواه في التمتع من أمتعة الحياة من مأكول و مشروب و لباس و نكاح و غير ذلك و هي الأعمال الصالحة ، و في الآخرة أن يعيش على ما اكتسبه من الاعتقاد الحق و العمل الصالح .


و هو و إن كان مجهزا بفطرة تذكره حق الاعتقاد و صالح العمل لكنه مجبول من جهة أخرى على العيشة الاجتماعية التي تدعوه إلى اتباع الأهواء و الظلم و الفسق ، فمجرد ذكرى الفطرة لا يكفي في حمله على سنة حقة عادلة تحصل له الاستقامة في الاعتقاد و العمل ، و إلا لم يفسد المجتمع الإنساني و لا واحد من أجزائه قط و هم مجهزون بالفطرة .


فمن الواجب في العناية أن يمد النوع الإنساني مع ما له من الفطرة الداعية إلى الصلاح و السعادة بأمر آخر تتلقى به الهداية الإلهية و هو النبوة التي هي موقف إنساني طاهر ينكشف له عنده الاعتقاد الحق و العمل الصالح بوحي إلهي و تكليم غيبي يضمن اتباعه سعادة الفرد و المجتمع في الدنيا و الآخرة .


أما سعادة الدنيا فلما تقدم كرارا أن بين المعاصي و المظالم و بين النكال و العقوبة الإلهية التي تنتهي إلى الهلاك ملازمة فلو لم يفسد المجتمع و داموا على الصلاح الفطري لم يختر منهم الهلاك و لم يفاجئهم النكال و عاشوا ما قدر لهم من الآجال الطبيعية .


و العيشة المغبوطة .


و أما سعادة الآخرة فلأن اتباع الدعوة الإلهية و بعبارة أخرى الإيمان و التقوى يحليان النفس بالهيأة الصالحة و يذهبان بدرن النفس الذي هو الذنوب بمقدار الاتباع .


فربوبيته تعالى لكل شي‏ء المستوجبة لتدبيرها أحسن تدبير و هدايته كل نوع إلى غايته السعيدة تستدعي أن تعني بالناس بإرسال رسل منهم إليهم و دعوته الناس بلسان رسله إلى الإيمان و العمل الصالح ليتم بذلك سعادتهم في الدنيا و الآخرة ، أما في


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :29


الدنيا فبالتخلص عن النكال و العقوبة القاضية عليهم ، و أما في الآخرة فبالمغفرة الإلهية بمقدار ما تلبسوا به من الإيمان و العمل الصالح .


إذا عرفت ما ذكرناه بان لك أن قوله تعالى حاكيا عن الرسل : « يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم و يؤخركم إلى أجل مسمى» إشارة منهم (عليهم‏السلام‏) إلى حجة النبوة العامة و أن قوله : « ليغفر لكم» إلخ ، إشارة إلى غاية الدعوة الأخروية و قوله : « و يؤخركم» إلخ إشارة إلى غايتها الدنيوية ، و قدم ما للآخرة على ما للدنيا لأن الآخرة هي المقصودة بالذات و هي دار القرار .


و قد نسبوا الدعوة في كلامهم إلى الله سبحانه للتنبيه لما هو الحق تجاه قول الكفار « تدعوننا إليه» حيث نسبوها إلى الرسل ، و قوله : « من ذنوبكم» ظاهر في التبعيض ، و لعله للدلالة على أن المغفرة على قدر الطاعة ، و المجتمع الإنساني لا يخلو عن المعصية المستوجبة للمؤاخذة البتة ، فالمغفور على أي حال بعض ذنوب المجتمع لا جميعها فافهم ذلك .


و ربما ذكر بعضهم أن المراد به أنه يغفر حقوق الله لا حقوق الناس ، و رد بأنه صح عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن الإسلام يجب ما قبله .


و ربما قيل : إن « من» زائدة و أيد بقوله تعالى في موضع آخر : « يغفر لكم ذنوبكم» بدون من .


و فيه أن من إنما يزاد في النفي دون الإثبات كقولهم : ما جاءني من رجل و تدخل على النكرة دون المعرفة كما قيل .


على أن مورد الآيتين مختلف فإن قوله : « يغفر لكم ذنوبكم» الظاهر في مغفرة الجميع إنما هو في مورد الإيمان و الجهاد و هو قوله : « تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم - إلى أن قال - يغفر لكم ذنوبكم» : الصف : 12 و الذي حكاه الله عن نوح (عليه‏السلام‏) في مثل المقام و هو أول هؤلاء الرسل المذكورين في الآية قوله : « أن اعبدوا الله و اتقوه و أطيعون يغفر لكم من ذنوبكم و يؤخركم إلى أجل مسمى» : نوح : 4 ، و هو يوافق الآية التي نحن فيها فالتبعيض لا مفر منه ظاهرا .


و مما قيل في توجيه الآية أن المراد بالبعض الكل توسعا ، و من ذلك أن المراد


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :30


مغفرة ما قبل الإيمان من الذنوب و أما ما بعد ذلك فمسكوت عنه ، و من ذلك أن المراد مغفرة الكبائر و هي بعض الذنوب إلى غير ذلك ، و هذه وجوه ضعيفة لا يعبأ بها .


و قال الزمخشري في الكشاف : فإن قلت : ما معنى التبعيض في قوله : « من ذنوبكم» ؟ قلت : ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين بقوله : « و اتقوه و أطيعون يغفر لكم من ذنوبكم» « يا قومنا أجيبوا داعي الله و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم» ، و قال في خطاب المؤمنين : « هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم - إلى أن قال - يغفر لكم ذنوبكم» و غير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء ، و كان ذلك للتفرقة بين الخطابين ، و لئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد .


انتهى .


و كأن مراده أن المغفور من الذنوب في الفريقين واحد و هو جميع الذنوب ، إلا أن تشريف مقام الإيمان أوجب أن يصرح في المؤمنين بمغفرة الجميع ، و يقتصر في وعد الكفار على مغفرة البعض و السكوت عن الباقي ، و مغفرة بعضها لا تنافي مغفرة البعض الآخر ، فليكن هذا مراده و إلا فمجرد التفرقة بين الخطابين لا ينتج ارتكاب مخالفة الواقع بتاتا .


و قوله : « و يؤخركم إلى أجل مسمى» أي لا يعاجلكم بالعقوبة و الهلاك و يؤخركم إلى الأجل الذي لا يؤخر و قد سماه لكم و لا يبدل القول لديه ، و قد تقدم في تفسير أول سورة الأنعام أن الأجل أجلان : أجل موقوف معلق ، و أجل مسمى لا يؤخر .


و من الدليل على هذا الذي ذكرناه قول نوح لقومه في هذا المقام على ما حكاه الله سبحانه : « و يؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر» : نوح : 4 .


قوله تعالى : « قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قد تقدم في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب أن الآية المعجزة حجة عامة على نبوة النبي لا حجة عامية و خاصة الوحي و النبوة التي هي نوع اتصال بالغيب أمر خارق للعادة الجارية بين أفراد الإنسان لا يجدونها من أنفسهم فعلى من يدعيها الإثبات و لا طريق إلى إثباتها إلا بالإتيان بخارق عادة آخر


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :31


يدل على صحة هذا الاتصال الغيبي لأن حكم الأمثال واحد ، و إذا جاز أن تخترق العادة بشي‏ء جاز أن تخترق بما يماثله .


و الرسل (عليهم‏السلام‏) لما احتجوا على كفار أممهم في النبوة العامة بقولهم : « يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم و يؤخركم إلى أجل مسمى» عادت الكفار إليهم بطلب الدليل منهم على ما يدعونه من النبوة لأنفسهم معتذرين في ذلك بقولهم : « إن أنتم إلا بشر مثلنا» ، ثم صرحوا بما يطلبونه من الدليل و هو الآية المعجزة بقولهم : « فأتونا بسلطان مبين» .


فالمعنى سلمنا أن من مقتضى العناية الإلهية أن يدعونا إلى المغفرة و الرحمة ، لكنا لا نسلم لكم أن هذه الدعوة قائمة بكم كما تدعون فإنكم بشر مثلنا لا تزيدون علينا بشي‏ء ، و لو كان مجرد البشرية يوجب ذلك لكنا وجدناه من أنفسنا و نحن بشر ، فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه فأتونا بسلطان مبين أي ببرهان قاطع يتسلط على عقولنا و يضطرنا إلى الإذعان بنبوتكم و هو آية معجزة غيبية تخرق العادة كما أن ما تدعونه خارق مثلها .


و بهذا البيان يظهر أولا أن كلامهم هذا من قبيل منع الدعوى ، و قولهم : « إن أنتم إلا بشر مثلنا» سند المنع ، و قولهم : «فأتونا بسلطان مبين» تصريح بطلب الدليل .


و ثانيا أن قولهم : « تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا» من قبيل الاعتراض الواقع بين المنع و سنده و معناه أنكم لما كنتم بشرا مثلنا لا فضل لكم علينا بشي‏ء فلا وجه لأن نقبل منكم ما لا نجده من أنفسنا و لا نعهده من أمثالنا ، و الذي نعهده من أمثال هذه الأمور أنها إنما تظهر عن أغراض و مطامع دنيوية مادية فليس إلا أنكم تريدون أن تصرفونا عن سنتنا القومية و طريقتنا المثلى .


قوله تعالى : « قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم و لكن الله يمن على من يشاء» إلى آخر الآية جواب الرسل عما أوردوه على رسالتهم بأنكم بشر مثلنا فلستم ذوي هوية ملكوتية حتى تتصلوا بالغيب فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه القدرة الغيبية فأتونا بسلطان مبين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :32


و محصل الجواب أن كوننا بشرا مثلكم مسلم لكنه يوجب خلاف ما استوجبتموه أما قولكم إن كونكم بشرا مثلنا يوجب أن لا تختصوا بخصيصة لا نجدها من أنفسنا و هي الوحي و الرسالة فجوابه : أن المماثلة في البشرية لا توجب المماثلة في جميع الكمالات الصورية و المعنوية الإنسانية كما أن اعتدال الخلقة و جمال الهيئة و كذا رزانة العقلو إصابة الرأي و الفهم و الذكاء كمالات صورية و معنوية توجد في بعض أفراد الإنسان دون بعض ، فمن الجائز أن ينعم الله بالوحي و الرسالة على بعض عباده دون بعض فإن الله يمن على من يشاء منهم .


و أما قولكم : « فأتونا بسلطان مبين» فإنه مبني على كون النبي ذا شخصية ملكوتية و قدرة غيبية فعالة لما تشاء ، و ليس كذلك فما النبي إلا بشر مثلكم يوحى إليه بالرسالة و ليس له من الأمر شي‏ء ، و ما كان له أن يأتي بآية من عنده إلا أن يشاء الله ذلك و يأذن فيه .


فقوله : « إن نحن إلا بشر مثلكم» تسليم من الرسل لقولهم : « إن أنتم إلا بشر مثلنا» لاستنتاج خلاف ما استنتجوه منه ، و قوله : « و لكن الله يمن على من يشاء» إشارة إلى مقدمة بانضمامها يستنتج المطلوب ، و قوله : « و ما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله» جواب منهم استنتجوه من كونهم بشرا مثلهم .


و تذييل هذا الكلام بقولهم : « و على الله فليتوكل المؤمنون» للإشارة إلى ما يجري مجرى حجة ثانية على إرجاع الأمر كله - و منه أمر الآية المعجزة - إلى الله و هي حجة خاصة بالمؤمنين ، و ملخصها أن الإيمان بالله سبحانه يقتضي منهم أن يذعنوا بأن الإتيان بالآية إنما هو إلى الله لأن الحول و القوة له خاصة لا يملك غيره من ذلك شيئا إلا بإذنه .


و ذلك لأنه هو الله عز شأنه ، فهو الذي يبدأ منه و ينتهي إليه و يقوم به كل شي‏ء فهو رب كل شي‏ء المالك لتدبير أمره لا يملك شي‏ء أمرا إلا بإذنه فهو وكيل كل شي‏ء القائم بما يرجع إليه من الأمر ، فعلى المؤمن أن يتخذ ربه وكيلا في جميع ما يرجع إليه حتى في أعماله التي تنسب إليه لما أن القوة كلها له سبحانه و على الرسول أن يذعن بأن ليس له الإتيان بآية معجزة إلا بإذن الله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :33


و الآية ظاهرة في أن الرسل (عليهم‏السلام‏) لم يدعوا امتناع إتيانهم بالآية المعجزة المسماة سلطانا مبينا ، و إنما ادعوا امتناع أن يستقلوا بذلك من غير حاجة فيه إلى إذن الله سبحانه و احتجوا على ذلك أولا ، و ثانيا .


قوله تعالى : « و ما لنا ألا نتوكل على الله و قد هدانا سبلنا و لنصبرن على ما آذيتمونا و على الله فليتوكل المتوكلون» ما استفهامية و الاستفهام للإنكار ، و قوله : « و قد هدانا سبلنا» حال من الضمير في « لنا» و سبل الأنبياء و الرسل الشرائع التي كانوا يدعون إليها ، قال تعالى : « قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة» : يوسف : 108 و المعنى ما الذي نملكهمن العذر في أن لا نتوكل على الله و الحال أنه تعالى هدانا سبلنا و لم يكن لنا صنع في هذه النعمة و السعادة التي من بها علينا فإذا كان سبحانه فعل بنا هذا الفعل الذي هو كل الخير فمن الواجب أن نتوكل عليه في سائر الأمور .


و هذا في الحقيقة حجة ثانية على وجوب التوكل عليه و إلقاء الزمام إليه سلك فيها من طريق الآثار الدالة على وجوب التوكل عليه كما أن الحجة السابقة سلك فيها من النظر في نفس المؤثر ، و تقرير الحجة أن هدايته تعالى إيانا إلى سبلنا دليل على وجوب التوكل عليه لأنه لا يخون عباده و لا يريد بهم إلا الخير و معوجود الدليل على التوكل لا معنى لوجود دليل على عدم التوكل يكون عذرا لنا فيه فلا سبيل لنا إلى عدم التوكل عليه تعالى .


فقوله تعالى : « و على الله فليتوكل المؤمنون» يجري مجرى اللم ، و قوله : « و ما لنا ألا نتوكل على الله و قد هدانا سبلنا» مجرى الإن فتدبر في هذا البيان العذب و الاحتجاج السهل الممتنع الذي قدمه القرآن الكريم إلى متدبريه في أوجز لفظ .


و قوله : « و لنصبرن على ما آذيتمونا» من تفريع الصبر على ما بين من وجوب التوكل عليه أي إذا كان من الواجب أن نتوكل عليه و نحن مؤمنون به و قد هدانا سبلنا فلنصبرنعلى إيذائكم لنا في سبيل الدعوة إليه متوكلين عليه حتى يحكم بما يريد و يفعل ما يشاء من غير أن نأوي في ذلك إلى ما عندنا من ظاهر الحول و القوة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :34


و قوله : « و على الله فليتوكل المتوكلون» كلام مبني على الترقي أي كل من تلبس بالتوكل فعليه أن يتوكل على الله سواء كان مؤمنا أو غير مؤمن إذ لا دليل غيره غير أن المتوكل بحقيقة التوكل لا يكون إلا مؤمنا فإنه مذعن أن الأمر كله لله فلا يسعه إلا أن يطيعه فيما يأمر و ينتهي عما ينهى و يرضى بما رضي به و يسخط عما سخط عنه و هذا هو الإيمان .


قوله تعالى : « و قال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا» هذا تهديد منهم بعد ما عجزوا في مناظرتهم و خسروا في محاجتهم ، و الخطاب في قولهم : « لنخرجنكم» إلخ للرسل و الذين آمنوا معهم فما كانوا ليرضوا أن يعود الرسل في ملتهم و يبقى أتباعهم على دين التوحيد .


على أن الله سبحانه صرح بذلك في قصص بعضهم كقوله في شعيب : « قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب و الذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا» : الأعراف : 88 .


و قوله : « أو لتعودن في ملتنا» عاد من الأفعال الناقصة بمعنى الصيرورة و هي الحيلولة من حال إلى حال سواء كان عليها سابقا أو لا و من الدليل عليه - كما قيل - قوله : « في ملتنا» و لو كان بمعنى الرجوع إلى ما كان لتعين أن يقال : إلى ملتنا .


و من هنا يظهر فساد ما قيل : إن ظاهر الآية أن الرسل كانوا قبل الرسالة في ملتهم فكلفهم الكفار أن يعودوا إلى ما كانوا عليه .


على أن خطابهم لم يكن للرسل خاصة بل لهم و لمن آمن بهم ممن كان على ملة الكفار من قبل فالخطاب لهم و لرسلهم بالعود إلى ملتهم على تقدير كون العود بمعنى الرجوع ، إنما هو من باب التغليب .


و من لطيف الصناعة في الآية دخول لام القسم و نون التأكيد على طرفي الترديد : « لنخرجنكم أو لتعودن» مع أن أو للاستدراك و تفيد معنى الاستثناء و لا معنى لأن يقال : إلا أن تعودوا و الله في ملتنا ، إلا أن عودهم لما كان بإجبار من الكفار كان في معنى الإعادة و عاد قوله : « لتعودن» طرف الترديد و صح دخول اللام و النون و آل المعنى إلى قولنا : و الله لنخرجنكم من أرضنا أو نعيدنكم في ملتنا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :35


قوله تعالى : « فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين و لنسكننكم الأرض من بعدهم» إلى آخر الآية ، ضمير الجميع الأول و الثاني للرسل و الثالث للذين كفروا بدلالة السياق ، و التعبير عنهم بالظالمين للإشارة إلى سببية ظلمهم للإهلاك فإن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية كما أن قوله : « ذلك لمن خاف مقامي و خاف وعيد» مشعر بعليه الخوف للإسكان .


و قوله : « مقامي» مصدر ميمي أريد به قيامه تعالى على الأمر كله أو اسم مكان أريد به مرتبة قيمومته تعالى للأمر كله ، و المراد من وعيده تعالى ما أوعد به المخالفين عن أمره من العذاب .


فالمراد بالخوف من مقامه تعالى تقواه بما أنه الله القائم بأمر عباده و المراد بالخوف من وعيده تقواه بما أنه الله الذي حذر عباده من مخالفة أمره بلسان أنبيائه و رسله فيعود على أي حال إلى التقوى و ينطبق على قول موسى لقومه : « استعينوا بالله و اصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين» : الأعراف : 128 كما أشار إليه في الكشاف .


و المعنى فأوحى رب الرسل إليهم - و قد أخذت صفة الربوبية الخاصة بهم لمكان توكلهم الجالب للرحمة و العناية - و أقسم لنهلكن هؤلاء المهددين لكم بظلمهم و لنسكننكم هذه الأرض التي هددوكم بالإخراج منها و نورثكم إياها لصفة مخافتكم مني و من وعيدي و كذلك نفعل فنورث الأرض عبادناالمتقين .


قوله تعالى : « و استفتحوا و خاب كل جبار عنيد» الاستفتاح طلب الفتح و النصر .


و الخيبة انقطاع الرجاء و الخسران و الهلاك ، و العنيد هو اللجوج و منه المعاند .


و الضمير في « و استفتحوا» للرسل أي طلبوا النصر من الله لما انقطعت بهم الأسباب من كل جانب و بلغ بهم ظلم الظالمين و تكذيب المعاندين كقول نوح فيما حكاه الله : « أني مغلوب فانتصر» : القمر : 10 ، و يمكن رجوع الضمير إلى الرسل و الكفار جميعا فإن الكفار أيضا كانوا يصرون على أن يأتيهم الرسل بما يقضي بينهم كقولهم : « متى هذا الفتح» : الم السجدة : 28 «متى هذا الوعد : يس : 48 ، و على هذا التقدير يكون المعنى : و استفتح الرسل و الكفار جميعا ، و كانت الخيبة للجبارين و هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :36


عذاب الاستئصال .


قوله تعالى : « من ورائه جهنم و يسقى من ماء صديد» إلى آخر الآيتين .


الصديد القيح السائل من الجرح ، و هو بيان للماء الذي يسقونه في جهنم .


و التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار ، و الإساغة إجراء الشراب في الحلق يقال : ساغ الشراب و أسغته أنا كذا في المجمع و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف» إلى آخر الآية ، يوم عاصف شديد الريح تمثيل لأعمال الكفار من حيث تترتب نتائجها عليها و بيان أنها حبط باطلة لا أثر لها من جهة السعادة فهو كقوله تعالى : « و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا» : الفرقان : 23 فأعمالهم كذرات من الرماد اشتدت به الريح في يوم شديد الريح فنثرته و لم يبق منه شيئا هذا مثلهم من جهة أعمالهم .


و من هنا يظهر أن لا حاجة إلى تقدير شي‏ء في الكلام و إرجاعه إلى مثل قولنا : مثل أعمال الذين كفروا « إلخ» ، و الظاهر أن الآية ليست من تمام كلامموسى بل هي كالنتيجة المحصلة من كلامه المنقول .


بحث روائي


في الكافي ، بإسناده عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : من أعطي الشكر أعطي الزيادة يقول الله عز و جل : « لئن شكرتم لأزيدنكم» .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي الدنيا و البيهقي في شعب الإيمان عن أبي زهير يحيى بن عطارد بن مصعب عن أبيه قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ما أعطي أحد أربعة فمنع أربعة : ما أعطي أحد الشكر فمنع الزيادة لأن الله يقول : « لئن شكرتم لأزيدنكم» ، و ما أعطي أحد الدعاء فمنع الإجابة لأن الله يقول : « ادعوني أستجب لكم» و ما أعطي أحد الاستغفار فمنع المغفرة لأن الله يقول : « استغفروا ربكم إنه


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :37


كان غفارا» و ما أعطي أحد التوبة فمنع التقبل لأن الله يقول : « و هو الذي يقبل التوبة عن عباده» : الشورى : 25 .


و فيه ، أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مالك بن أنس عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال : لما قال له سفيان الثوري : لا أقوم حتى تحدثني قال جعفر : أما إني أحدثك و ما كثرة الحديث لك بخير يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها و دوامها فأكثر من الحمد و الشكر عليها فإن الله تعالى قال في كتابه : « لئن شكرتم لأزيدنكم» و إذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فإن الله تعالى قال في كتابه : « استغفروا ربكم إنه كان غفارا - يرسل السماء عليكم مدرارا و يمددكم بأموال و بنين يعني في الدنيا و الآخرة و يجعل لكم جنات و يجعل لكم أنهارا» . يا سفيان إذا حزنك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من لا حول و لا قوة إلا بالله فإنها مفتاح الفرج و كنز من كنوز الجنة .


أقول : و في هذا المعنى روايات كثيرة من طرق الفريقين .


و في الكافي ، بإسناده عن عمر بن يزيد قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : شكر كل نعمة و إن عظمت أن تحمد الله و فيه ، بإسناده عن حماد بن عثمان قال : خرج أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) من المسجد و قد ضاعت دابته فقال : لئن ردها الله علي لأشكرن الله حق شكره فما لبث أن أتي بها فقال : الحمد لله . فقال قائل له : جعلت فداك أ لست قلت : لأشكرن الله حق شكره ؟ فقال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : أ لم تسمعني قلت : الحمد لله ؟ و فيه ، بإسناده عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : هل للشكر حد إذا فعله العبد كان شاكرا ؟ قال : نعم ، قلت : و ما هو ؟ قال : الحمد لله ، على كل نعمة عليه في أهل و مال ، و إن كان فيما أنعم الله عليه في ماله حق أداه ، و منه قوله عز و جل : « سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين» و منه قوله : « أنزلني


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :38


منزلا مباركا و أنت خير المنزلين» ، و قوله : « رب أدخلني مدخل صدق و أخرجني مخرج صدق - و اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا» .


و في تفسير العياشي ، عن أبي ولاد قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : أ رأيت هذه النعمة الظاهرة علينا من الله أ ليس إن شكرناه عليها و حمدناه زادنا كما قال الله في كتابه : « لئن شكرتم لأزيدنكم» فقال : نعم من حمد الله على نعمه و شكره و علم أن ذلك منه لا من غيره زاد الله نعمه .


أقول : و الروايتان الأخيرتان تفسران الشكر أحسن تفسير ، و ينطبق عليهما ما قدمناه في البيان أن الشكر إظهار النعمة اعتقادا و قولا و فعلا ، و يؤيده إطلاق قوله تعالى : « و أما بنعمة ربك فحدث» : الضحى : 11 .


و في تفسير القمي ، قال : حدثني أبي رفعه عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : قال : من آذى جاره طمعا في مسكنه ورثه الله داره . و هو قوله : « و قال الذين كفروا لرسلهم - إلى قوله - فأوحى إليهمربهم لنهلكن الظالمين و لنسكننكم الأرض من بعدهم» .


و في التفسيرين المجمع ، و روح المعاني ، عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : من آذى جاره أورثه الله داره .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن الضريس عن أبي مجلز قال : قال رجل لعلي بن أبي طالب : أنا أنسب الناس . قال : إنك لا تنسب الناس . قال : بلى . فقال له علي : أ رأيت قوله تعالى : « و عادا و ثمود و أصحاب الرس و قرونا بين ذلك كثيرا» ؟ قال أنا أنسب ذلك الكثير . قال : أ رأيت قوله : « أ لم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح - و عاد و ثمود و الذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله» فسكت .


و في المجمع ، عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : الصديد هو الدم و القيح من فروج الزواني في النار .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و الترمذي و النسائي و ابن أبي الدنيا في صفة النار و أبو يعلى و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و أبو نعيم في الحلية و صححه و ابن مردويه و البيهقي في البعث و النشور عن أبي أمامة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في قوله :


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :39


«و يسقى من ماء صديد يتجرعه» قال : يقرب إليه فيتكرهه فإذا دنا منه شوى وجهه و وقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره يقول الله تعالى : « فسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم» و قال : « و إن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه» .


و في تفسير القمي ، في الآية قال : قال : يقرب إليه فيتكرهه فإذا دنا منه شوى وجهه و وقعت فروة رأسه فإذا شرب تقطعت أمعاؤه و مزقت تحت قدميه و إنه ليخرج من أحدهم مثل الوادي صديد و قيح .


الحديث .


و فيه ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : العنيد المعرض عن الحق .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :