امروز:
دوشنبه 3 مهر 1396
بازدید :
862
تفسيرالميزان : سوره ابراهيم آيات 52- 19


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :40


أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض بِالحَْقّ‏ِإِن يَشأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بخَلْقٍ جَدِيدٍ(19) وَ مَا ذَلِك عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ(20) وَ بَرَزُوا للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضعَفَؤُا لِلَّذِينَ استَكْبرُوا إِنَّا كنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شىْ‏ءٍقَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لهََدَيْنَكمْسوَاءٌ عَلَيْنَا أَ جَزِعْنَا أَمْ صبرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ‏(21) وَ قَالَ الشيْطنُ لَمَّا قُضىَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكمْ وَعْدَ الحَْقّ‏ِ وَ وَعَدتُّكمْ فَأَخْلَفْتُكمْوَ مَا كانَ لىَ عَلَيْكُم مِّن سلْطنٍ إِلا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاستَجَبْتُمْ لىفَلا تَلُومُونى وَ لُومُوا أَنفُسكممَّا أَنَا بِمُصرِخِكمْ وَ مَا أَنتُم بِمُصرِخِىَّإِنى كفَرْت بِمَا أَشرَكتُمُونِ مِن قَبْلُإِنَّ الظلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(22) وَ أُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ جَنَّتٍ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْتحِيَّتهُمْ فِيهَا سلَمٌ‏(23) أَ لَمْ تَرَ كَيْف ضرَب اللَّهُ مَثَلاً كلِمَةً طيِّبَةً كَشجَرَةٍ طيِّبَةٍ أَصلُهَا ثَابِتٌ وَ فَرْعُهَا فى السمَاءِ(24) تُؤْتى أُكلَهَا كلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبِّهَاوَ يَضرِب اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكرُونَ‏(25) وَ مَثَلُ كلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّت مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ(26) يُثَبِّت اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فى الحَْيَوةِ الدُّنْيَا وَ فى الاَخِرَةِوَ يُضِلُّ اللَّهُ الظلِمِينَوَ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ(27) × أَ لَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَت اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ(28) جَهَنَّمَ يَصلَوْنَهَاوَ بِئْس الْقَرَارُ(29) وَ جَعَلُوا للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّوا عَن سبِيلِهِقُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكمْ إِلى النَّارِ(30) قُل لِّعِبَادِى الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقِيمُوا الصلَوةَ وَ يُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتىَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلَلٌ‏(31) اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ أَنزَلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقاً لَّكُمْوَ سخَّرَ لَكُمُ الْفُلْك لِتَجْرِى فى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِوَ سخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَرَ(32) وَ سخَّرَ لَكُمُ الشمْس وَ الْقَمَرَ دَائبَينِوَ سخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَ النهَارَ(33) وَ ءَاتَاكُم مِّن كلّ‏ِ مَا سأَلْتُمُوهُوَ إِن تَعُدُّوا نِعْمَت اللَّهِ لا تحْصوهَاإِنَّ الانسنَ لَظلُومٌ كفَّارٌ(34)



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :41


بيان


تشتمل الآيات على تذكرة الناس في صورة خطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مرة بعد مرة بقوله : « أ لم تر أن الله خلق السماوات و الأرض بالحق» « أ لم تر كيف ضرب الله مثلا» «أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا» .


يذكر تعالى بها أن الخلقة مبنية على الحق فهم سيبرزون جميعا فالذين ساروا بالحق و آمنوا بالحق و عملوا الحق ينالون السعادة و الجنة ، و الذين اتبعوا الباطل و عبدوا الشيطان و أطاعوا الطغاة المستكبرين منهم غرورا بظاهر عزتهم و قدرتهم لزمهم شقاء لازم و تبرأ منهم متبوعوهم من الجن و الإنس و لله العزة و الحمد .


ثم يذكر أن هذا التقسم إلى فريقين إنما هو لانقسام سلوكهم إلى قسمين : سلوك هدى و سلوك ضلال ، و الذي يلزمه الهدى هو المؤمن و الذي يلزمه الضلال هو الظالم و القاضي بذلكهو الله سبحانه يفعل ما يشاء و له العزة و الحمد .


ثم يذكر بالأمم الماضية الهالكة و ما وقعوا فيه من البوار بسبب كفرانهم بنعمة الله العزيز الحميد و يعاتب الإنسان بظلمه و كفره بالنعم الإلهية التي ملأت الوجود و إن تعدوها لا تحصوها .


قوله تعالى : « أ لم تر أن الله خلق السماوات و الأرض بالحق» المراد بالرؤية هو العلم القاطع ، فإنه الصالح لأن يتعلق بكيفية خلق السماوات و الأرض دون الرؤية البصرية .


ثم الفعل الحق و يقابله الباطل هو الذي يكون لفاعله فيه غاية مطلوبة يسلك إليه بذاته فمن المشهود أن كل واحد من الأنواع من أول تكونه متوجه إلى غاية مؤجلة لا بغية له دون أن يصل إليها ثم البعض منها غاية للبعض ينتفع به في طريق كينونته و يصلح به في حدوثه و بقائه كالعناصر الأرضية التي ينتفع بها النبات ، و النبات الذي ينتفع به الحيوان و هكذا قال تعالى : « و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق و لكن أكثرهم لا يعلمون» : الدخان : 39 .


و قال : « و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا» : ص : 27 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :42


فلا تزال الخلقة تقع مرحلة بعد مرحلة و تنال غاية بعد غاية حتى تتوقف في غاية لا غاية بعدها ، و ذلك رجوعها إلى الله سبحانه ، قال تعالى : « و أن إلى ربك المنتهى» : النجم : 42 .


و بالجملة الفعل إنما يكون فعلا حقا إذا كان له أمر يقصده الفاعل بفعله و غاية يسلك بالفعل إليها ، و أما إذا كان فعلا لا يقصد به إلا نفسه من غير أن يكون هناك غرض مطلوب فهو الفعل الباطل ، و إذا كان الفعل الباطل ذا نظام و ترتيب فهو الذي يسمى لعبا كما يلعب الصبيان بإتيان حركات منظمة مرتبة لا غاية لهم وراءها و لا أن لهم هما إلا إيجاد ما تخيلوه من صورة الفعل لشوق نفساني منهم إلى ذلك .


و فعله تعالى ملازم للحق مصاحب له فخلق السماوات و الأرض يخلف عالما باقيا بعد زواله ، و لو لم يكن كذلك كان باطلا لا أثر له و لا خلف يخلفه ، و كان العالم المشهود بما فيه من النظام البديع لعبا منه سبحانه اتخذه لحاجة منه إليه كالتنفس من كرب و سأمة و التفرج من هم أو التخلص من وحشة وحدة و نحو ذلك و هو سبحانه العزيز الحميد لا تمسه حاجة و لا يذله فقر و فاقة .


و بما مر يظهر أن الباء في قوله : « بالحق» للمصاحبة و أن قول بعضهم : إن الباء للسببية أو الآلة و إن المعنى كيف خلقها بقوله الحق أو للغرض الحق ليس على ما ينبغي .


قوله تعالى : « إن يشأ يذهبكم و يأت بخلق جديد و ما ذلك على الله بعزيز» أي بشاق صعب و الخطاب لعامة البشر بجعل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مثالا لهم يمثلون به لأن الخطاب متوجه إليه في قوله قبل و بعد : « أ لم تر» « و ما ذلك» .


قد تقدم أن كون الخلقة بالحق هو مقتضى كونه تعالى عزيزا غنيا بالذات إذ لو لم يقتض غناه ذلك و أمكن صدور اللعب منه تعالى و كان هذا الخلق المشهود بما له من النظام البديع لعبا لا يقصد به إلا حدوث و فناء كان ذلك لشوق خيالي منه إليه و حاجة داخلية كتنفيس كرب و تفريج هم أو أنس عن وحشة و سأمة و نحو ذلك و غناه تعالى بالذات يدفع ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :43


و لعل هذه النكتة هي التي أوجبت تعقيب قوله : « إن الله خلق السماوات و الأرض» بقوله : « إن يشأ يذهبكم» إلخ فقوله : « إن يشأ يذهبكم» إلخ ، في موضع البيان لما تقدمه و المعنى أ لم تعلم أن الله خلق هذا الخلق المشهود عن عزة منه و غنى و أنه إن يشأ يذهبكم و يأت بخلق جديد و ما ذلك عليه تعالى بعزيز و هو الله عز اسمه له الأسماء الحسنى و كل العزة و الكبرياء .


و بهذا يظهر أن وضع الظاهر في موضع المضمر في قوله : « على الله» للدلالة على الحجة و أن عدم عزة ذلك عليه تعالى من جهة كونه هو الله عز اسمه .


فإن قلت : لو كان الإتيان بقوله : « إن يشأ» إلخ ، للدلالة على غناه المطلق و عدم كونه لاعبا بالخلق لكان الأنسب الاقتصار على قوله : « إن يشأ يذهبكم» و ترك قوله : « و يأت بخلق جديد» فإن إذهاب القديم و الإتيان بجديد لا ينفي اللعب لجواز أن يكون نفس إذهاب بعض و إتيان بعض لعبا .


قلت : هذا كذلك لو قيل : إن يشأ يذهب جميع الخلق و يأت بخلق جديد و لكن لما قيل : « إن يشأ يذهبكم» إلخ و الخطاب لعامة البشر أو لأمة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقط أو للموجودين في عصره كان من اللازم أن يعقبه بقوله : « و يأت بخلق جديد» فإن هذا الخلق المشهود بما بين أجزائه من الارتباط و التعلق لا يتم الغرض منه إلا بهذه الصفة الموجودة و التركب و التآلف الخاص ، و لو أذهب الناس على بقاء من السماوات و الأرض بحالها الحاضرة كان ذلك باطلا و لعبا من جهة أخرى .


و بعبارة أخرى إذهاب الإنسان فقط من غير إتيان بخلق جديد على إبقاء لسائر الخلق المشهود لعب باطل كما أن إذهاب الخلق من أصله من غير غاية مترتبة لعب باطل ، و إنما الحق الذي يكشف عن غناه تعالى أن يذهب قوما و يأتي بآخرين و هو الذي تذكره الآية الكريمة فافهم ذلك .


قوله تعالى : « و برزوا لله جميعا» إلى آخر الآية ، البروز هو الخروج إلى البراز بفتح الباء و هو الفضاء يقال : برز إليه إذا خرج إليه بحيث لا يحجبه عنه حاجب ، و منه المبارزة و البراز كخروج المقاتل من الصف إلى كفئه من العدو .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :44


و التبع بفتحتين جمع تابع كخدم و خادم ، و قيل : اسم جمع ، و قيل : مصدر جي‏ء به للمبالغة ، و الإغناء الإفادة و ضمن معنى الدفع و لذا عدي بعن كما قيل ، و الجزع و الصبر متقابلان، و المحيص اسم مكان من حاص يحيص حيصا و حيوصا إذا زال عن المكروه كما في المجمع فالمحيص هو المكان الذي يزول إليه الإنسان عن المكروه و الشدة .


و قوله : « و برزوا لله جميعا» أي ظهروا له تعالى ظهورا لا يحجبهم عنه حاجب و هذا بالنسبة إلى أنفسهم حيث كانوا يتوهمون في الدنيا أن ربهم في غيبة عنهم و هم غائبون عنه ، فإذا كان يوم القيامة زال كل ستر متوهم و شاهدوا أن لا حاجب هناك يحجبهم عنه ، و أما هو تعالى فلا ساتر يستر عنه في دنيا و لا آخرة ، قال تعالى : « إن الله لا يخفى عليه شي‏ء في الأرض و لا في السماء» : آل عمران : 5 .


و يمكن أن تكون الجملة كناية عن خلوصهم لحساب الأعمال و تعلق المشيئة الإلهية بانقطاع الأعمال و إنجاز الجزاء الموعود كما قال : « سنفرغ لكم أيها الثقلان» : الرحمن : 31 .


و قوله : « فقال الضعفاء للذين استكبروا - إلى قوله - من شي‏ء» تخاصم بين الكفار يوم القيامة - على ما يعطيه السياق - فالضعفاء هم المقلدون المطيعون لأوليائهم من الكفار ، و المستكبرون هم أولياؤهم المتبوعون أولوا الطول و القوة المستنكفون عن الإيمان بالله و آياته .


و المعنى فقال الضعفاء المقلدون للذين استكبروا منهم إنا كنا في الدنيا لكم تابعين مطيعين من غير أن نسألكم حجة على ما تأمروننا به فهل أنتم مفيدون لنا اليوم تدفعون عنا شيئا من عذاب الله الذي قضي علينا .


و على هذا فلفظة « من» في قوله « من عذاب الله» للبيان ، و في قوله « من شي‏ء» زائدة للتأكيد كما في قولنا : ما جاءني من أحد ، و النفي و الاستفهام متقاربان حكما و لا دليل على امتناع تقدم البيان على المبين و خاصة مع اتصالهما و عدم الفصل بينهما .


و قوله : « قالوا لو هدانا الله لهديناكم» ظاهر السياق أن المراد بالهداية هنا الهداية إلى طريق التخلص من العذاب و يمكن أن يكون المراد بهاالهداية إلى الدين الحق في الدنيا ، و المآل واحد لما بين الدنيا و الآخرة من التطابق ، و لا يبرز في الأخرى إلا ما كان كامنا في الأولى ، قال تعالى حكاية عن أهل الجنة : « و قالوا الحمد لله الذي هدانا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :45


لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق» : الأعراف : 43 مزجوا الهدايتين بعضا ببعض كما هو ظاهر .


و قوله : « سواء علينا أ جزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص» سواء و الاستواء و التساوي واحد ، و سواء خبر لمبتدإ محذوف و الجملة الاستفهامية بيان لذلك ، وقوله : « ما لنا من محيص» بيان آخر للتساوي ، و المعنى الأمران متساويان علينا و بالنسبة إلينا و هما الجزع و الصبر لا مهرب لنا عن العذاب اللازم .


قوله تعالى : « و قال الشيطان لما قضي الأمر» إلى آخر الآية في المجمع الإصراخ الإغاثة بإجابة الصارخ و يقال : استصرخني فلان فأصرخته أي استغاث بي فأغثته .


انتهى .


و هذا كلام جامع يلقيه الشيطان يوم القيامة إلى الظالمين يبين فيه موقعه منهم و ينبى‏ء أهل الجمع منهم بوجه الحق في الرابطة التي كانت بينه و بينهم في الدنيا و قد وعد الله سبحانه أنه سينبؤهم يوم القيامة بماكانوا فيه يختلفون ، و أن الحق سيظهر يوم القيامة عن قبل كل من كان له من قبله خفاء أو التباس ، فالملائكة يتبرءون من شركهم و الجن و القرناء من الشياطين يطردونهم و الأصنام و الآلهة التي اتخذوها أربابا من دون الله يكفرون بشركهم ، و كبراؤهم و أئمة الضلال لا يستجيبون لهم ، و المجرمون أنفسهم يعترفون بضلالهم و جرمهم ، كل ذلك واقعة في آيات كثيرة غير خفية على المتتبع المتدبر فيها .


و الشيطان و إن كان بمعنى الشرير و ربما أطلق في كلامه تعالى على كل شرير من الجن و الإنس كقوله : « و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنسو الجن» : الأنعام : 112 ، لكن المراد به في الآية الشيطان الذي هو مصدر كل غواية و ضلال في بني آدم و هو إبليس فإن ظاهر السياق أنه يخاطب بكلامه هذا عامة الظالمين من أهل الجمع و يعترف أنه كان يدعوهم إلى الشرك ، و قد نص القرآن على أن الذي له هذا الشأن هو إبليس و قد ادعى هو ذلك و لم يرد الله ذلك عليه كما في قوله : « قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين - إلى أن قال - لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين» : ص : 85 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :46


و أما ذريته و قبيله الذين يذكرهم القرآن بقوله : « إنه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون» : الأعراف : 27 ، و قوله : « أ فتتخذونه و ذريته أولياء» : الكهف : 50 فولاية الواحد منهم إما لبعض الناس دون بعض أو في بعض الأعمال دون بعض و أما ولاية على نحو العونية فهو العون ، و الأصل الذي ينتهي إليه أمر الإضلال و الإغواء هو إبليس .


فهذا القائل : « إن الله وعدكم وعد الحق» إلخ هو إبليس يريد بكلامه رد اللوم على فعل المعاصي إليهم و التبري من شركهم فقوله : « إن الله وعدكم وعد الحق و وعدتكم فأخلفتكم» أي وعدكم الله وعدا حققه الوقوع و صدقته المشاهدة من البعث و الجمع و الحساب و فصل القضاء و الجنة و النار ، و وعدتكم أنا أن لا بعث و لا حساب و لا جنة و لا نار و لم أف بما وعدت حيث ظهر خلاف ما وعدت .


كذا ذكره المفسرون .


و على هذا فالموعود جميع ما يرجع إلى المعاد إثباتا و نفيا أثبته الله سبحانه و نفاه إبليس ، و إخلاف الوعد كناية عن ظهور الكذب و عدم الوقوع من إطلاق الملزوم و إرادة اللازم .


و من الممكن - بل هو الوجه - أن يشمل الوعد ما يترتب على الإيمان و الشرك في الدنيا و الآخرة جميعا لأنهما متطابقتان فقد وعد الله أهل الإيمان حياة طيبة و عيشة سعيدة ، و أهل الشرك المعرضين عن ذكره معيشة ضنكا و تحرجا في صدورهم و عذابا في قلوبهم في الدنيا ، و وعد الجميع بعثا و حسابا و جنة و نارا في الآخرة .


و وعد إبليس أولياءه بالأهواء اللذيذة و الآمال الطويلة و أنساهم الموت و صرفهم عن البعث و الحساب و خوفهم الفقر و الذلة و ملامة الناس ، و كان مفتاحه في جميع ذلك إغفالهم عن مقام ربهم و تزيين ما بين أيديهم من الأسباب مستقلة بالتأثير خالقة لآثارها و تصوير نفوسهم لهم في صورة الاستقلال مهيمنة على سائر الأسباب تدبرها كيف شاءت فتغريهم على الاعتماد بأنفسهم دون الله و تسخير الأسباب في سبيل الآمال و الأماني .


و بالجملة وعدهم الله فيما يرجع إلى الدنيا و الآخرة بما وفى لهم فيه ، و دعاهم إبليس من طريق الإغفال و التزيين إلى الأوهام و الأماني و هي بين ما لا يناله الإنسان قطعا و ما إذا ناله وجده غير ما كان يظنه ، فيتركه إلى ما يظنه كما يريد هذا في الدنيا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :47


و أما الآخرة فينسيه شئونها كما تقدم .


و قوله : « و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي» السلطان - كما ذكره الراغب - هو السلاطة و هو التمكن من القهر ، و تسمى الحجة أيضا سلطانا لما فيها من التمكن من قهر العقول على ما لها من النتائج ، و كثيرا ما يطلق و يراد به ذو السلطان كالملك و غيره .


و الظاهر أن المراد ما هو أعم من السلطة الصورية و المعنوية فالمعنى و ما كان في الدنيا لي عليكم من تسلط لا من جهة أشخاصكم و أعيانكم فأجبركم على معصية الله بسلب اختياركم و تحميل إرادتي عليكم ، و لا من جهة عقولكم فأقيم لكم الحجة على الشرك كيفما شئت فتضطر عقولكم لقبوله و تطيعها نفوسكم فيما تأمرها به .


و الظاهر أيضا أن يكون الاستثناء في قوله : « إلا أن دعوتكم» منقطعا و المعنى لكن دعوتكم من غير أي سلطان فاستجبتم لي ، و دعوته الناس إلى الشرك و المعصية و إن كانت بإذن الله لكنها لم تكن تسليطا فإن الدعوة إلى فعل ليست تسلطا من الداعي على فعل المدعو و إن كان نوع تسلط على نفس الدعوة ، و من الدليل عليه قوله تعالى فيما يأذن له « و استفزز من استطعت منهم بصوتك - إلى أن قال - و عدهم و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان و كفى بربك وكيلا» : إسراء : 65 .


و من هنا يظهر سقوط ما وجه به الرازي في تفسيره كون الاستثناء متصلا إذ قال : إن القدرة على حمل الإنسان على الشي‏ء تارة تكون بالقهر من الحامل و تارة تكون بتقوية الداعية في قلبه ، و ذلك بإلقاء الوسواس إليه ، و هذا نوع من أنواع التسلط فكأنه قال : ما كان لي تسلط عليكم إلا بالوسوسة لا بالضرب و نحوه .


وجه السقوط : أن عدم كون مجرد الدعوة سلطانا و تمكنا من القهر على المدعو بديهي لا يقبل التشكيك فعده من أنواع التسلط مما لا يصغى إليه .


نعم : ربما انبعثت من المدعو ميل نفساني إلى المدعو إليه فانقاد للدعوة و سلط الداعي بدعوته على نفسه ، لكنه تسليط من المدعو لا تسلط من الداعي و بعبارة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص48:


أخرى هي سلطة يملكها المدعو من نفسه فيملكها الداعي و ليس الداعي يملكها عليه من نفسه ، و إبليس إنما ينفي التسلط الذي يملكه من نفسه لا ما يسلطونه على أنفسهم بالانقياد بقرينة قوله : « فلا تلوموني و لوموا أنفسكم» .


و هذا هو التسلط الذي يثبته الله سبحانه له في قوله : « إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا و على ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه و الذين هم به مشركون» : النحل : 100 ، أو قوله : « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين» : الحجر : 42 ، و الآيات - كما ترى - ظاهرة في أن سلطانه متفرع على الاتباع و التولي و الإشراك لا بالعكس .


و لانتفاء سلطانه عليهم بالمرة استنتج قوله بعد : « فلا تلوموني و لوموا أنفسكم» و الفاء للتفريع أي إذا لم يكن لي عليكم سلطان بوجه من الوجوه - كما يدل عليه وقوع النكرة في سياق النفي و التأكيد بمن في قوله : « و ما كان لي عليكم من سلطان» - فلا يعود إلى شي‏ء من اللوم العائد إليكم من جهة الشرك و المعصية فلا يحق لكم أن تلوموني بل الواجب عليكم أن تلوموا أنفسكم لأن لكم السلطان على عملكم .


و قوله : « ما أنا بمصرخكم و ما أنتم بمصرخي» أي ما أنا بمغيثكم و منجيكم و ما أنتم بمغيثي و منجي فلا أنا شافع لكم و لا أنتم شافعون لي اليوم .


و قوله : « إني كفرت بما أشركتمون من قبل» أي إني تبرأت من إشراككم إياي في الدنيا ، و المراد بالإشراك الإشراك في الطاعة دون الإشراك في العبادة كما يظهر من قوله تعالى خطابا لأهل الجمع : « أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين و أن اعبدوني» : يس : 61 .


و هذا الكلام منه تبر من شركهم كما حكى سبحانه تبري كل متبوع باطل من تابعه يوم القيامة و هو إظهار أن إشراكهم إياه بالله في الدنيا لم يكن إلا وهما سرابيا قال تعالى : «و يوم القيامة يكفرون بشرككم» : فاطر : 14 و قال : « و قال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا : البقرة : 167 و قال : « قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون و قيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم» : القصص : 64 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :49


و قوله : « إن الظالمين لهم عذاب أليم» من تمام كلام إبليس على ما يعطيه السياق يسجل عليهم العذاب الأليم لأنهم ظالمون ظلما لا يرجع إلا إلى أنفسهم .


و ظاهر السياقأن قوله : « ما أنا بمصرخكم و ما أنتم بمصرخي» كناية عن انتفاء الرابطة بينه و بين تابعيه كما يشير تعالى إليه في مواضع أخرى بمثل قوله : « لقد تقطع بينكم و ضل عنكم ما كنتم تزعمون» : الأنعام : 94 و قوله : « فزيلنا بينهم و قال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون» : يونس : 28 .


و ذلك لظهور أنه لو لم يكن كناية لكان قوله : « و ما أنتم بمصرخي» مستدركا مستغنى عنه لعدم تعلق غرض به فلا هم يتوهمون أنهم قادرون على إغاثة إبليس و الشفاعة له و لا هو يتوهم ذلك و لا المقام يوهم ذلك فهو يقول : « لا تلوموني و لوموا أنفسكم» لأن الرابطة مقطوعة بيني و بينكم لا ينفعكم أني كنت متبوعكم و لا ينفعني أنكم كنتم أتباعي إني تبرأت من شرككم فلست بشريك له تعالى ، و إنما تبرأت لأنكم ظالمون في أنفسكم و الظالمون لهم عذاب أليم لا مسوغ يومئذ للحماية عنهم و التقرب منهم .


و هذا السياق - كما ترى - يشهد أن تابعي إبليس يلومونه يوم القيامة على ما أصابهم من المصيبة على اتباعه متوقعين منه أن يشاركهم في مصابهم بنحو ، و هو يرد عليهم ذلك بأنه لا رابط بينه و بينهم فلا يلحق لومهم إلا بأنفسهم و لا يسعه أن يماسهم و يقترب منهم لأنه يخاف العذاب الأليم الذي هيى‏ء للظالمين و هم ظالمون ، فهو قريب المعنى من قوله تعالى : « كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بري‏ء منك إني أخاف الله رب العالمين» : الحشر : 16 .


و لعله من هنا قال بعضهم إن المراد بقوله : « إني كفرت» إلخ ... كفره في الدنيا على أن يكون « من قبل» متعلقا بقوله : « كفرت» فقط ، أو به و بقوله : « أشركتمون» على سبيل التنازع .


و بالجملة المطلوب العمدة في الآية أن الإنسان هو المسئول عن عمله لأن السلطان له لا لغيره فلا يلومن إلا نفسه ، و أما رابطة التابعية و المتبوعية فهي وهمية لا حقيقة لها و سيظهر هذه الحقيقة يوم القيامة عند ما يتبرأ منه الشيطان و يعيد لائمته إلى نفسه كما


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :50


بين في الآية السابقة أن الرابطة بين الضعفاء و المستكبرين وهمية لا تغني عنهم شيئا عند ما تقع إليها الحاجة يوم القيامة حين انكشاف الحقائق .


و للمفسرين في فقرات الآية أقوال شتى مختلفة أغمضنا عن إيرادها ، و من أراد الاطلاع عليها فليراجع مطولات التفاسير .


و في الآية دلالة واضحة على أن للإنسان سلطانا على عمله هو الذي يوجب ارتباط الجزاء به و يسلبه عن غيره ، و هو الذي يعيد اللائمة إليه لا إلى غيره ، و أما كونه مستقلا بهذا السلطان فلا دلالة فيها على ذلك البتة ، و قد تكلمنا في ذلك في الجزء الأول من الكتاب في ذيل قوله : « و ما يضل به إلا الفاسقين» : البقرة : 26 .


قوله تعالى : « و أدخل الذين آمنوا و عملوا الصالحات جنات» إلخ بيان ما ينتهي إليه حال السعداء من المؤمنين ، و في قوله : « تحيتهم فيها سلام» مقابلة حالهم من انعكاس السلام و التحية المباركة من بعضهم إلى بعض مع حال غيرهم المذكورين في الآيتين السابقتين من الخصام و تجبيه بعضهم بعضا بالكفر و التبري و الإيئاس .


قوله تعالى : « أ لم تر كيفضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» ذكروا أن « كلمة» بدل اشتمال من « مثلا» و « كشجرة» صفة بعد صفة لقوله « كلمة» أو خبر مبتدإ محذوف و التقدير هي كشجرة ، و قيل : إن « كلمة» مفعول أول متأخر لضرب و « مثلا» مفعوله الثاني قدم لدفع محذور الفصل بين « كلمة» و صفتها و هي « كشجرة» و التقدير ضرب الله كلمة طيبة كشجرة طيبة إلخ ... مثلا .


و قيل : « ضرب» متعد لواحد و « كلمة» منصوب بفعل مقدر كجعل و اتخذ و التقدير ضرب الله مثلا جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة إلخ ، و أظن أن هذا أحسن الوجوه لو وجه بكون « كلمة طيبة» إلخ عطف بيان لقوله : « ضرب الله مثلا» من بيان الجملة للجملة ، و يتعين حينئذ نصب « كلمة» بمقدر هو جعل أو اتخذ لأن المدلول أنه مثل الكلمة بالشجرة و شبهها بها و هو معنى قولنا : اتخذ كلمة طيبة كشجرة إلخ .


و قوله : « أصلها ثابت» أي مرتكز في الأرض ضارب بعروقه فيها ، و قوله : « و فرعها في السماء» أي ما يتفرع على ذلك الأصل من أغصانها في جهة العلو فكل ما


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :51


علا و أظل سماء ، و قوله : « تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» أي تثمر ثمرها المأكول كل زمان بإذن الله ، و هذا نهاية ما تفيده شجرة من البركات .


و اختلفوا في الآية أولا في المراد من الكلمة الطيبة فقيل : هي شهادة أن لا إله إلا الله ، و قيل : الإيمان ، و قيل : القرآن ، و قيل : مطلق التسبيح و التنزيه ، و قيل : الثناء على الله مطلقا ، و قيل : كل كلمة حسنة ، و قيل : جميع الطاعات ، و قيل : المؤمن .


و ثانيا في المراد من الشجرة الطيبة فقيل : النخلة و هو قول الأكثرين ، و قيل : شجرة جوز الهند ، و قيل : كل شجرة تثمر ثمرة طيبة كالتين و العنب و الرمان ، و قيل : شجرة صفتها ما وصفه الله و إن لم تكن موجودة بالفعل .


ثم اختلفوا في المراد بالحين فقيل : شهران ، و قيل : ستة أشهر ، و قيل : سنة كاملة ، و قيل : كل غداة و عشي ، و قيل : جميع الأوقات .


و الاشتغال بأمثال هذه المشاجرات مما يصرف الإنسان عما يهمه من البحث عن معارف كتاب الله و الحصول على مقاصد الآيات الكريمة و أغراضها .


و الذي يعطيه التدبر في الآيات أن المراد بالكلمة الطيبة التي شبهت بشجرة طيبة من صفتها كذا و كذا هو الاعتقاد الحق الثابت فإنه تعالى يقول بعد و هو كالنتيجة المأخوذة من التمثيل : « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة» الآية و القول هي الكلمة و لا كل كلمة بما هي لفظ بل بما هي معتمدة على اعتقاد و عزم يستقيم عليه الإنسان و لا يزيغ عنه عملا .


و قد تعرض تعالى لما يقرب من هذا المعنى في مواضع من كلامه كقوله : « إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون» : الأحقاف : 13 ، و قوله : « إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا و لا تحزنوا» : حم السجدة : 30 ، و قوله : « إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه : فاطر : 10 .


و هذا القول و الكلمة الطيبة هو الذي يرتب تعالى عليه تثبيته في الدنيا و الآخرة أهله و هم الذين آمنوا ثم يقابله بإضلال الظالمين و يقابله بوجه آخر بشأن المشركين ، و بهذا يظهر أن المراد بالممثل هو كلمة التوحيد و شهادة أن لا إله إلا الله حق شهادته .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :52


فالقول بالوحدانية و الاستقامة عليه هو حق القول الذي له أصل ثابت محفوظ عن كل تغير و زوال و بطلان و هو الله عز اسمه أو أرض الحقائق ، و له فروع نشأت و نمت من غير عائق يعوقه عن ذلك من عقائد حقة فرعية و أخلاق زاكية و أعمال صالحة يحيي بها المؤمن حياته الطيبة و يعمر بها العالم الإنساني حق عمارته و هي التي تلائم سير النظام الكوني الذي أدى إلى ظهور الإنسان بوجوده المفطور على الاعتقاد الحق و العمل الصالح .


و الكمل من المؤمنين و هم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فتحققوا بهذا القول الثابت و الكلمة الطيبة مثلهم كمثل قولهم الذي ثبتوا لا يزال الناس منتفعين بخيرات وجودهم و منعمين ببركاتهم .


و كذلك كل كلمة حقة و كل عمل صالح مثله هذا المثل ، له أصل ثابت و فروع رشيدة و ثمرات طيبة مفيدة نافعة .


فالمثل المذكور في الآية يجري في الجميع كما يؤيده التعبير بكلمة طيبة بلفظ النكرة غير أن المراد في الآية على ما يعطيه السياق هو أصل التوحيد الذي يتفرع عليه سائر الاعتقادات الحقة ، و ينمو عليه الأخلاق الزاكية و تنشأ منه الأعمال الصالحة .


ثم ختم الله سبحانه الآية بقوله : « و يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون» ليتذكر به المتذكر أن لا محيص لمريد السعادة عن التحقق بكلمة التوحيد و الاستقامة عليها .


قوله تعالى : « و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار » الاجتثاث الاقتلاع ، يقال : جثته و اجتثته أي قلعته و اقتلعته ، و الجث بالضم ما ارتفع منالأرض كالأكمة ، و جثة الشي‏ء شخصه الناتى‏ء .


كذا في المفردات .


و الكلمة الخبيثة ما يقابل الكلمة الطيبة و لذا اختلفوا فيها فقال كل قوم فيها ما يقابل ما قاله في الكلمة الطيبة و كذا اختلفوا في المراد بالشجرة الخبيثة فقيل : هي الحنظلة ، و قيل : الكشوث و هو نبت يلتف على الشوك و الشجر لا أصل له في الأرض و لا ورق عليه ، و قيل : شجرة الثوم ، و قيل : شجرة الشوك ، و قيل : الطحلب ، و قيل : الكمأة ، و قيل : كل شجرة لا تطيب لها ثمرة .


و قد عرفت حال هذه الاختلافات في الآية السابقة ، و عرفت أيضا ما يعطيه التدبر في معنى الكلمة الطيبة و ما مثلت به و يجري ما يقابله في الكلمة الخبيثة و ما


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :53


مثلت به حرفا بحرف فإنما هي كلمة الشرك مثلت بشجرة خبيثة مفروضة اقتلعت من فوق الأرض ليس لها أصل ثابت و ما لها من قرار ، و إذ كانت خبيثة فلا أثر لها إلا الضر و الشر .


قوله تعالى : « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت» إلى آخر الآية الظاهر أن « بالقول» متعلق بقوله : « يثبت» لا بقوله : « آمنوا» ، و الباء للآلة أو السببية لا للتعدية ، و أن قوله : « في الحياة الدنيا و في الآخرة» متعلق أيضا بقوله : « يثبت» لا بقوله : « الثابت» .


فيعود المعنى إلى أن الذين آمنوا إذا ثبتوا على إيمانهم و استقاموا ثبتهم الله عليه في الدنيا و الآخرة ، و لو لا تثبيته تعالى لهم لم ينفعهم الثبات من أنفسهم شيئا و لم يستفيدوا شيئا من فوائده فإليه تعالى يرجع الأمر كله ، فقوله تعالى : « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت» ، في باب الهداية يوازن قوله : « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم» : الصف - 5 ، في باب الإضلال .


غير أن بين البابين فرقا و هو أن الهدى يبتدى‏ء من الله سبحانه و يترتب عليه اهتداء العبد و الضلال يبتدى‏ء من العبد بسوء اختياره فيجازيه الله بالضلال على الضلال ، كما قال : « و ما يضل به إلا الفاسقين» : البقرة : 26 و قد تكاثرت الآيات القرآنية أن الهداية من الله سبحانه ليس لغيره فيها صنع .


و توضيح المقام أن الله سبحانه خلق الإنسان على فطرة سليمة ركز فيها معرفة ربوبيته و ألهمها فجورها و تقواها ، و هذه هداية فطرية أولية ثم أيدها بالدعوة الدينية التي قام بها أنبياؤه و رسله .


ثم إن الإنسان لو جرى على سلامة فطرته و اشتاق إلى المعرفة و العمل الصالح هداه الله فاهتدى العبد للإيمان عن هدايته تعالى ، و أما جريه على سلامة الفطرة فلو سمي اهتداء فإنما هو اهتداء متفرع على السلامة الفطرية لو سميت هداية .


و لو انحرف الإنسان عن صراط الفطرة بسوء اختياره و جهل مقام ربه و أخلد إلى الأرض و اتبع الهوى و عاند الحق فهو ضلال منه غير مسبوق بإضلال من الله و حاشاه سبحانه لكنه يستعقب إضلاله عن الطريق مجازاة و تثبيته على ما هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :54


عليه بقطع الرحمة منه و سلب التوفيق عنه و هذا إضلال مسبوق بضلالة من نفسه بسوء اختياره و إزاغة له عن زيغ منه .


و من هنا وجه اختلاف السياق في الآيتين أما قوله : « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم» فقد فرض فيه زيغ منهم ثم أزاغه منه تعالى و أما قوله : « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت» فقد فرض فيه إيمان ثابت على التثبيت و هو في نفسه يستلزم هداية منه و اهتداء منهم ثم أضيف إلى ذلك القول الثابت و هو ثباتهم و استقامتهم بحسن اختيارهم على ما آمنوا به و هو فعلهم فيعقبه الله بتثبيتهم بسبب ذاك القول الثابت و حفظهم من الزيغ و الزلل يدفع عنهم بذلك مخاطر الحياة في الدنيا و الآخرة و هذا هداية منه تعالى غير مسبوقة باهتداء من عند أنفسهم يرتبط بها فافهم ذلك .


و كيف كان فهذا التثبيت بالنظر إلى التمثيل بمنزلة إحكام الشجرة الطيبة من جهة ثبوت أصلها في الأرض ، و إذا ثبت أصل الشجرة نمت و تفرعت بالفروع و أتت بالأثمار في كل حين و الدنيا و الآخرة تحاذيان : « كل حين» فإن الدنيا و الآخرة تشملان جميع الأحيان فهذا ما يعطيه السياق من معنى الآية .


و قيل : إن المعنى يثبت الله الذين آمنوا و يقرهم في كرامته و ثوابه بالقول الثابت الذي وجد منهم و هو كلمة الإيمان لأنه ثابت بالحجج و الأدلة فالمراد بتثبيتهم تقريبهم منه و إسكانهم الجنة و بثبوت قولهم تأيده بالحجة و البرهان ، و فيه أنه تقييد من غير مقيد .


و قيل : المعنى أنه يثبتهم بالتمكين في الأرض و النصرة و الفتح و الغلبة في الدنيا و إسكان الجنة في الآخرة .


و هو بعيد من السياق .


و قوله : « و يضل الله الظالمين» ظاهر المقابلة بين الظالمين و الذين آمنوا في الجملة السابقة أن المراد بهم أهل الكفر بالله و بآياته على أنه تعالى فسر الظالمين بقول مطلق في بعض كلامه بما يقرب منه إذ قال : « إن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا و هم بالآخرة كافرون» : الأعراف : 45 .


و الجملة كالنتيجة المستخرجة من المثل الثاني المذكور : « و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار» و المعنى أن الله يضل أهل


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :55


الكفر بحرمانهم من صراط الهداية فلا يهتدون إلى عيشة سعيدة في الدنيا و لا إلى نعمة باقية و رضوان من الله في الآخرة فلا يوجد عندهم إن كشف عن قلوبهم إلا الشك و التردد و القلق و الاضطراب و الأسى و الأسف و الحسرة .


و قوله : « و يفعل الله ما يشاء» أي يجري تثبيت هؤلاء و إضلال أولئك على ما تقتضيه مشيته لا مانع له و لا دافع فلا حائل بين مشيته و فعله .


و يظهر من ذلك أن الله تعالى قد شاء تثبيت هؤلاءو إضلال أولئك و هو فاعلهما لا محالة فمن القضاء المحتوم سعادة المؤمن و شقاء الكافر و قد وردت به الرواية .


و وقوع لفظ الجلالة في قوله : « و يضل الله» و قوله : « و يفعل الله» من وقوع الظاهر موقع المضمر و يدل على فخامة الأمر و مهابة الموقف كما قيل .


قوله تعالى : « أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا و أحلوا قومهم دار البوار» قال في المجمع : الإحلال وضع الشي‏ء في محل إما بمجاورة إن كان من قبيل الأجسام أو بمداخلة إن كان من قبيل الأعراض ، و البوار الهلاك يقال : بار الشي‏ء يبور بورا إذا هلك و رجل بور أي هالك و قوم بور أيضا .


انتهى .


و قال الراغب : البوار فرط الكساد و لما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل : كسد حتى فسد ، عبر بالبوار عن الهلاك يقال : بار الشي‏ء يبور بورا و بؤرا قال عز و جل : « تجارة لن تبور» انتهى .


و الآية تذكر حال أئمة الكفر و رؤساء الضلال في ظلمهم و كفرانهم نعمة الله سبحانه التي أحاطت بهم من كل جهة بدل أن يشكروها و يؤمنوا بربهم ، و قد ذكر قبل كيفية خلقه تعالى السماوات و الأرض على غنى منه و هي نعمة ، ثم ذكر كلمة الحق التي يدعو إليها و ما لها من الآثار الثابتة الطيبة و هي نعمة .


و الآية مطلقة لا دليل على تقييدها بكفار مكة أو كفار قريش و إن كان الخطاب فيها للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و كان في ذيلها مثل قوله : « قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار » لظهور أن ذلك لا يوجب تقييدا في الآية مع إطلاق مضمونها و شمولها للطواغيت من الأمم و ما صنعوا بأقوامهم .


فقوله : « أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا» يذكر حال أئمة الكفر و رؤساء


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :56


الضلال من الأمم السابقة و من هذه الأمة و الدليل على اختصاصه بهم قوله : « و أحلوا قومهم دار البوار» المشعر بكونهم نافذي الكلمة مطاعين في قومهم فهم الأئمة و الرؤساء .


و المراد بتبديلهم نعمة الله كفرا تبديلهم شكر نعمته الواجب عليهم كفرا ففي الجملة مضاف محذوف و التقدير : بدلوا شكر نعمة الله كفرا ، و يمكن أن يراد تبديل نفس النعمة كفرا بنوع من التجوز ، و نظير الآية في هذه العناية قوله تعالى : « و تجعلون رزقكم أنكم تكذبون» : الواقعة : 82 .


و ذكر إحلالهم قومهم دار البوار يستلزم إحلال أنفسهم فيها لأنهم أئمة الضلال ضلوا ثم أضلوا و التبعة تبعة الضلال ، و نظير الآية في هذا المعنى قوله في فرعون : « يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار» : هود : 98 .


و المعنى أ لم تنظر إلى الأئمة و الرؤساء من الأمم السابقة و من أمتك الذين بدلوا شكر نعمة الله كفرا و اتبعتهم قومهم فحلوا و أحلوا قومهم دار الهلاك و هو الشقاء و النار .


قوله تعالى : « جهنم يصلونها و بئس القرار» بيان لدار البوار ، و احتمال بعضهم أن يكون : « جهنم» منصوبا بالاشتغال و التقدير يصلون جهنم يصلونها و الجملة مستأنفة خال عن الوجه لأن النصب مرجوح و لا نكتة تستوجب الاستئناف .


و من هنا يظهر فساد قول من قال إن الآيات مدنية و المراد بالذين كفروا هم عظماء مكة و صناديدقريش الذين جمعوا الجموع على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و حاربوه ببدر فقتلوا و أحلوا قومهم دار البوار .


و ذلك أنك عرفت من معنى الآية أنها مطلقة و لا موجب لتخصيصها بقتلى بدر من الكفار أصلا ، بل الآية تشمل كل إمام ضلال أحل قومه دار البوار ممن تقدم و تأخر ، و المراد بإحلال دار البوار إقرارهم في شقاء النار و إن لم يقتلوا و لا ماتوا و لا دخلوا النار بعد .


على أن ظاهر الآية التالية « و جعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار» أن ضمير الجمع راجع إلى الذين كفروا المذكورين في هذه الآية و لازمه كون خطاب قل تمتعوا خطابا للباقين منهم و هم الذين أسلموا يوم الفتح و هو إيعاد بشقاء قطعي منجز من غير استثناء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :57


قوله تعالى : « و جعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار» الأنداد جمع ند و هو المثل و هم الآلهة الذين اتخذوهم آلهة من دون الله من الملائكة و الجن و الإنس .


و إنما جعلوها أندادا مع اعترافهم بأنهم مخلوقون لله سبحانه من جهة أنهم سموهم آلهة و أربابا و نسبوا إليهم تدبير أمر العالم ثم عبدوهم خوفا و طمعا مع أن الأمر و الخلق كله لله و قد اعترفت بذلك فطرتهم و أيد الله ذلك بما ألهمه أنبياءه و رسله من الآيات و الحجج الدالة على وحدانيته .


فهم كانوا على بصيرة من أمر التوحيد لم يتخذوا الأنداد عن غفلة أو خطإ بل عمدوا إلى ذلك ابتغاء عرض الحياة الدنيا و ليستعبدوا الناس و يستدروهم بإضلالهم عن سبيل الله ، و لذلك علل اتخاذهم الأنداد بقوله : « ليضلوا عن سبيله» ثم أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يوعدهم بالنار التي إليها مرجعهم لا مرجع لهم سواها فقال : « قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار» .


و كان من طبع الكلام أن يقال لهم : اتخذوا الأنداد أو أضلوا عن سبيل الله فإن مصيركم إلى النار ، لكن بدل من قوله : « تمتعوا» ليصرح بغرضهم الفاسد الذي كانوا يخفونه ليكون أبلغ في فضاحتهم .


قوله تعالى : « قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة و ينفقوا مما رزقناهم سرا و علانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه و لا خلال» لما توعدهم على لسان رسوله بعذاب يوم القيامة لإضلالهم الناس عن سبيل الله ، أمره أن يأمر عباده الذين آمنوا بالتزام سبيله من قبل أن يأتي يوم القيامة فلا يسعهم تدارك ما فات منهم من السعادة بشي‏ء من الأسباب الدائرة بينهم لذلك و هي ترجع إلى أحد شيئين : إما المعارضة بإعطاء شي‏ء و أخذ ما يعادله و هو البيع بالمعنى الأعم ، و إما الخلة و المحبة ، و لا أثر من هذه الأسباب في يوم محض للحساب و الجزاء فإن ذلك شأن يوم القيامة لا شأن له دون ذلك .


و من هنا يظهر أن قوله : « يقيموا الصلاة و ينفقوا» بيان لسبيل الله و قد اكتفى بهذين الركنين اللذين بهما يلحق سائر الوظائف الشرعية مما يصلح حياة الإنسان الدنيوية فيما بينه و بين ربه و ما بينه و بين سائر أفراد نوعه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :58


و قوله : « يقيموا الصلاة و ينفقوا» إلخ مجزومان لوقوعهما في جواب الأمر و مقول القول محذوف لدلالة الفعلين عليه ، و التقدير : قل : أقيموا الصلاة و أنفقوا « إلخ» يقيموا الصلاة و ينفقوا « إلخ» .


و الإشكال فيه بأن المجزوم في جواب الأمر يجب أن يكون مترتبا عليه و لا يلزم من الأمر بالصلاة و الإنفاق أن يطيعوا ذلك .


ساقط فإن اللازم فيه أن يكون الجواب مما يقتضيه الأمر بوجه ، و أمر عباده المؤمنين و هم عباد مؤمنون مما يقتضي الطاعة بلا إشكال .


و الإنفاق المذكور في الآية مطلق الإنفاق في سبيل الله فإن السورة مكية و لم تنزل آية الزكاة بعد ، و المراد بالإنفاق سرا و علانية أن يجري الإنفاق على ما يقتضيه الأدب الديني الحق فيسر به فيما يحسن الإسرار و يعلن فيما يحسن الإعلان ، و المطلوب بذلك على أي حال الإتيان بما يصلح ما في مظنة الفساد و يقيم أود المجتمع من أمور المسلمين .


و لا ينافي ما في هذه الآية من نفي المخالة قوله تعالى : « الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين» : الزخرف : 67 فإن النسبة بين الآيتين نسبة العموم و الخصوص المطلق فتخصص هذه الآية بتلك الآية و يتحصل المراد من الآيتين أن كل خلة من غير جهة التقوى ترتفع يوم القيامة ، و أما الخلة التي من جهتها و هي الخلة في ذات الله فإنها تثبت و تنفع فنفي الخلال مطلقا ثم إثبات بعضه في الآيتين نظير نفي الشفاعة مطلقا في قوله : « و لا خلة و لا شفاعة» : البقرة : 254 ثم إثباتها فيما كان بإذن الله كما في قوله : « إلا من شهد بالحق و هم يعلمون» : الزخرف : 86 .


و ما قيل في نفي التنافي : إن المراد بالخلال في الآية النافية المخالة التي هي من الأسباب الدنيوية لتدارك ما فات بخلاف ما في الآية المثبتة ، و كذا ما قيل إن المراد بالمخالة المنفية هي التي تكون بحسب ميل الطبع و رغبة النفس بخلاف المخالة المثبتة فإنها التي تكون في ذات الله، مرجعهما بالحقيقة إلى ما ذكرناه .


قوله تعالى : « الله الذي خلق السماوات و الأرض» إلخ ، لما ذكر سبحانه جعلهم لله أندادا لإضلال الناس عن سبيل الله و أوعد عليه أورد في هذه الآية إلى تمام


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :59


ثلاث آيات الحجة على اختصاص الربوبية بنفسه تعالى و تقدس من طريق اختصاص التدبير العام به من نظم الخلقة و إنزال الماء و إخراج الرزق و تسخير البحار - الفلك - و الأنهار و الشمس و القمر و الليل و النهار .


و أشار في آخر الآيات إلى أنها و ما لا تحصى من غيرها نعمة منه تعالى للإنسان لأنالبيان في هذه السورة - كما تقدمت الإشارة إليه - يجري في ضوء الاسمين : العزيز الحميد .


فقوله : « الله الذي خلق» إلخ ، في معنى قولنا : فهو الرب وحده دون الذين جعلتموهم أندادا له .


و قوله : « و أنزل من السماء ماء فأخرج به» إلخ ، المراد بالسماء جهة العلو و هو معناها اللغوي ، و الماء النازل منها هو المطر النازل منها فإليه ينتهي الماء في الأرض الذي تعيش به ذوات الحياة من النبات و الحيوان .


قوله تعالى : « و سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره و سخر لكم الأنهار» تسخير الفلك للناس هو جعلها بحيث تنفعهم في مقاصدهم و هي العبور بأنفسهم و أحمالهم و غير ذلك من غير أن ترسب في الماء أو تمتنع عن الحركة .


و أما قول بعضهم : تسخيرها لهم هو إقدارهم على صنعتها و استعمالها بإلهامهم طريق ذلك بعيد ، فإن الظاهر من تسخير شي‏ء للإنسان هو التصرف فيه بجعله موافقا لما يقصده من منافع نفسه دون التصرف في الإنسان نفسه بإلهام و نحوه .


و كان من طبع الكلام أن يقال : و سخر لكم البحر لتجري فيه الفلك بأمره و سخر لكم الأنهار غير أنه عكس ، و قيل : و سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره لكون الفلك من أوضح النعم البحرية و إن لم تنحصر فيها نعمهو لعل ذلك هو السبب في العكس ، لأن المقام مقام عد النعمة و النعمة في الفلك أوضح و إن كانت في البحر أعظم .


و إسناد جريها في البحر إلى أمره تعالى مع كونه مستندا إلى الأسباب الطبيعية العاملة كالريح و البخار و سائر الأسباب ، لكونه تعالى هو السبب المحيط الذي إليه ينتهي كل سبب .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :60


و قوله : « و سخر لكم الأنهار و هي المياه الجارية في مختلف أقطار الأرض و تسخيرها هو تدليلها بحيث ينتفع بها الإنسان بالشرب و الغسل و إزالة الأوساخ و غير ذلك و يعيش بها الحيوان و النبات المسخران له .


قوله تعالى : « و سخر لكم الشمس و القمر دائبين و سخر لكم الليل و النهار» قال الراغب : الدأب إدامة السير دأب في السير دأبا ، قال تعالى : « و سخر لكم الشمس و القمر دائبين» و الدأب العادة المستمرة دائما على حالة ، قال تعالى : « كدأب آل فرعون» أي كعادتهم التي يستمرون عليها .


انتهى ، و معنى الآية واضح .


قوله تعالى : « و آتاكم من كل ما سألتموه و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار» السؤال هو الطلب و يفارقه أن السؤال إنما يكون ممن يعقل و الطلب أعم و إنما تنبه الإنسان للسؤال من جهة الحاجة الداعية إليه فأظهر له أن يرفع ما حلت به من حاجة و كانت الوسيلة العادية إليه هي اللفظ فتوسل به إليه و ربما توسل إليه بإشارة أو كتابة و سمي سؤالا حقيقة من غير تجوز .


و إذ كان الله سبحانه هو الذي يرفع حاجة كل محتاج ممن سواه لا يتعلق شي‏ء بذاته فيما يحتاج إليه في وجوده و بقائه إلا بذيل جوده و كرمه سواء أقر به أو أنكره و هو تعالى أعلم بهم و بحاجاتهم ظاهرة و باطنة من أنفسهم كان كل من سواه عاكفا على باب جوده سائلا يسأله رفع ما حلت به من حاجة سواء أعطاه أو منعه و سواء أجابه في جميع ما سأل أو بعضه .


هذا هوحق السؤال و حقيقته يختص به تعالى لا يتعداه إلى غيره ، و من السؤال ما هو لفظي - كما تقدم - ربما يسأل به الله سبحانه و ربما يسأل به غيره فهو تعالى مسئول يسأله كل شي‏ء بحقيقة السؤال و يسأله بعض الناس من المؤمنين به بالسؤال اللفظي .


هذا بالنسبة إلى السؤال و أما بالنسبة إلى الإيتاء و هو الإعطاء فقد أطلق من غير أن يقيد باستثناء و نحوه فيدل على أنه ما من سؤال إلا و عنده إعطاء و هذه قرينة أن الخطاب للنوع كما يؤيده أيضا قوله ذيلا إن الإنسان لظلوم كفار» .


و المعنى أن النوع الإنساني لم يحتج بنوعيته إلى نعمة من النعم إلا رفع الله حاجته


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :61


إما كلا أو بعضا و إن كان الفرد منه ربما احتاج و سأل و لم يقض حاجته .


و هذا المعنى هو الذي يؤيده قوله تعالى : « أجيب دعوة الداع إذا دعان» : البقرة : 186 فقد مر في تفسير الآية أنه تعالى لا يرد دعاء من دعاه إلا أن لا يكون دعاء حقيقة أو يكون دعاء إلا أنه ليس دعاءه بل دعاء غيره و الفرد من الإنسان ربما لم يواطى‏ء لسانه قلبه أو لغا في دعائه لكن النوع بنوعيته لا يعرف هذرا و لا نفاقا و لا يعرف ربا غيره سبحانه فكلما مسته حاجة فإنه يسأله حقيقة و لا يسأله إلا من ربه فجميع أدعيته مستجابة و سؤالاته مؤتاة و حاجاته مقضية .


و قد ظهر مما تقدم أن « من» في قوله : « من كل ما سألتموه» ابتدائية تفيد أن الذي يؤتيه الله مأخوذ مما سألوه سواء كان جميع ما سألوه كما في بعض الموارد أو بعضه كما في بعضها الآخر ، و لو كانت من تبعيضية لأفادت أنه تعالى يؤتي في كل سؤال بعض المسئول و الواقع خلافه كما أنه لو قيل : و آتاكم كل ما سألتموه أفاد إيتاء الجميع و ليس كذلك و لو قيل : مما سألتموه أفاد أن من الجائز أن لا يستجاب بعض الأدعية و يرد بعض الأسئلة من أصله و الآية - و هي فيمقام الامتنان - تأبى ذلك .


فبالجملة معنى الآية أن الله تعالى أعطى النوع الإنساني ما سأله فما من حاجة من حوائجه إلا رفع كلها أو بعضها حسب ما تقتضيه حكمته البالغة .


و ربما قيل : إن تقدير الكلام : و آتاكم من كل ما سألتموه و ما لم تسألوه و هو مبني على كون المراد بالسؤال هو السؤال اللفظي و قد تقدم خلافه ، و سياق الآية لا يساعد عليه .


و قوله : « و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» قال الراغب : الإحصاء : التحصيل بالعدد يقال : أحصيت كذا و ذلك من لفظ الحصى و استعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدونه بالعد كاعتمادنا فيه على الأصابع .


انتهى .


و في الجملة إشارة إلى خروج النعم عن طوق الإحصاء و لازمه كون حوائج الإنسان التي رفعها الله بنعمه غير مقدور للإنسان إحصاؤها .


و كيف يمكن إحصاء نعمه تعالى و عالم الوجود بجميع أجزائه و ما يلحق بها من الأوصاف و الأحوال مرتبطة منتظمة نافع بعضها في بعض متوقف بعضها على بعض،


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :62


فالجميع نعمه بالنسبة إلى الجميع و هذا أمر لا يحيط به إحصاء .


و لعل ذلك هو السر في إفراد النعمة في قوله : « نعمة الله» فإن الحق أن ليس هناك إلا النعمة فلا حاجة إلى تفخيمها بالجمع ليدل على الكثرة ، و المراد بالنعمة جنس المنعم فيفيد ما يفيده الجمع .


و قوله : « إن الإنسان لظلوم كفار» أي كثير الكفران يظلم نفسه فلا يشكر نعمة الله و يكفر بها فيؤديه ذلك إلى البوار و الخسران ، أو كثير الظلم لنعم الله لا يشكرها و يكفر بها ، و الجملة استئناف بياني يؤكد بها ما يستفاد من البيان السابق ، فإن الواقف على ما مر بيانه من حال نعمه تعالى و ما آتى الإنسان من كل ما سأله منها لا يرتاب في أن الإنسان و هو غافل عنها طبعا ظالم لنفسه كافر بنعمة ربه .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج الترمذي و النسائي و البزار و أبو يعلى و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن حيان و الحاكم و صححه و ابن مردويه عن أنس قال : أتي رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بقناع من بسر فقال : « مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة حتى بلغ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها . قال : هي النخلة . و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة - حتى بلغ ما لها من قرار . قال : هي الحنظلة .


أقول : و كون الشجرة الطيبة هي النخلة مروي في عدة روايات عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و هي لا تدل على أزيد من انطباق المثل عليها ، و ذيل الرواية ينافي الرواية التالية .


و فيه ، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قعد ناس من أصحاب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فذكروا هذه الآية : اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار فقالوا : يا رسول الله نراه الكمأة ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : الكمأة من المن و ماؤها شفاء للعين ، و العجوة من الجنة و هي شفاء من السم .


أقول : و الكلام يجري في الحنظلة فإن لها خواص طبية هامة .


و فيه ، أخرج البيهقي في سننه عن علي قال : الحين ستة أشهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :63


أقول : و الكلام فيه كالكلام في سابقه .


و في الكافي ، بإسناده عن عمرو بن حريث قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله : « كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء» قال : فقال : رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أصلها و أمير المؤمنين فرعها و الأئمة من ذريتهما أغصانها و علم الأئمة ثمرتها و شيعتهم المؤمنون ورقها هل في هذا فضل ؟ قال : قلت : لا و الله . قال : و الله إن المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها ، و إن المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها .


أقول : و الرواية مبنية على كون المراد بالكلمة الطيبة هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و قد أطلقت الكلمة في كلامه على الإنسان كقوله : « بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم» : آل عمران - 45 ، و مع ذلك فالرواية من باب التطبيق و من الدليل عليه اختلاف الروايات في كيفية التطبيق ففي بعضها أن الأصل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الفرع علي (عليه‏السلام‏) و الأغصان الأئمة (عليهم‏السلام‏) و الثمرة علمهم و الورق الشيعة كما في هذه الرواية ، و في بعضها أن الشجرة رسول الله و فرعها علي و الغصن فاطمة و ثمرها أولادها و ورقها شيعتنا كما فيما رواه الصدوق عن جابر عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) ، و في بعضها أن النبي و الأئمة هم الأصل الثابت و الفرع الولاية لمن دخل فيها كما في الكافي ، بإسناده عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) .


و في المجمع ، روى أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : أن هذا يعني قوله : كشجرة خبيثة إلخ مثل بني أمية .


و في تفسير العياشي ، عن عبد الرحمن بن سالم الأشل عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : « ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة» الآيتين قال : هذا مثل ضربه الله لأهل بيت نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و لمن عاداهم هو مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرضما لها من قرار أقول : قال الآلوسي في تفسير روح المعاني ، ما لفظه : و روى الإمامية و أنت تعرف حالهم عن أبي جعفر رضي الله عنه تفسيرها يعني الشجرة الخبيثة ببني أمية و تفسير الشجرة الطيبة برسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و علي كرم الله وجهه و فاطمة رضي الله عنها و ما تولد منهما ، و في بعض روايات أهل السنة ما يعكر على تفسير الشجرة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :64


الخبيثة ببني أمية ، فقد أخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إن الله تعالى قلب العباد ظهرا و بطنا فكان خير عباده العرب و قلب العرب ظهرا و بطنا فكان خير العرب قريشا و هي الشجرة المباركة التي قال الله تعالى في كتابه « مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة» لأن بني أمية من قريش .


انتهى موضع الحاجة .


و هو عجيب فإن كون أمة أو طائفة مباركة بحسب طبعهم لا يوجب كون جميع الشعب المنشعبة منها كذلك فالرواية على تقدير تسليمها لا تدل إلا على أن قريشا شجرة مباركة و أما أن جميع الشعب المنشعبة منها مباركة طيبة كبني عبد الدار مثلا أو كون كل فرد منهم كذلك كأبي جهل و أبي لهب فلا قطعا فأي ملازمة بين كون شجرة بحسب أصلها مباركة طيبة و بين كون بعض فروعها التي انفصلت منها و نمت نماء فاسدا ، مباركا طيبا ؟ .


و قد روى ابن مردويه هذا عن عائشة : أنها قالت لمروان بن الحكم سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول لأبيك و جدك : إنكم الشجرة الملعونة في القرآن .


و روى أصحاب التفاسير كالطبري و غيره عن سهل بن ساعد و عبد الله بن عمر و يعلى بن مرة و الحسين بن علي و سعيد بن المسيب : أنهم الذين نزل فيهم قوله تعالى : « و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس - و الشجرة الملعونة في القرآن» الآية ، و لفظ سعد : رأى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات ، و أنزل الله : « و ما جعلنا الرؤيا» الآية .


و ستأتي الرواية عن عمر و عن علي : في تفسير قوله : « الذين بدلوا نعمة الله كفرا» أنهم الأفجران من قريش بنو المغيرة و بنو أمية .


و في تفسير العياشي ، عن صفوان بن مهران عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا فيأتيه عند موته و يأتيه عن يمينه و عن يساره ليصده عما هو عليه فيأبى الله ذلك و كذلك قال الله : « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة» .


و فيه ، عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قالا : إذا وضع الرجل في قبره أتاه ملكان ملك عن يمينه و ملك عن شماله و أقيم الشيطان بين


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :65


يديه عيناه من نحاس فيقال له : ما تقول في هذا الرجل الذي خرج من بين ظهرانيكم يزعم أنه رسول الله ؟ فيفزع لذلك فزعة فيقول إن كان مؤمنا : محمد رسول الله فيقال عند ذلك : نم نومة لا حلم فيها و يفسح له في قبره تسعة أذرع و يرى مقعده من الجنة و هو قول الله : « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا» و إن كان كافرا قالوا : من هذا الرجل الذي كان بين ظهرانيكم يقول : إنه رسول الله ؟ فيقول : ما أدري فيخلى بينه و بين الشيطان .


و في الدر المنثور ، أخرج الطيالسي و البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن البراء بن عازب أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فذلك قوله سبحانه : « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت - في الحياة الدنيا و في الآخرة» .


و فيه ، أخرج الطبراني في الأوسط و ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول في هذه الآية : « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت - في الحياة الدنيا و في الآخرة» قال : في الآخرة القبر .


أقول : و هناك روايات كثيرة من طرق الشيعة و أهل السنة وردت في تفصيل سؤال القبر و إتيان الملكين منكر و نكير و ثبات المؤمن و ضلال الكافر عند ذلك و قد وقع في كثير منها التمسك بالآية .


و ظاهرها أن المراد بالآخرة هو القبر و عالم الموت ، و لعل ذلك مبني على ظاهر معنى التثبيت فإن الظاهر من إعطاء الثبات أن يكون في مقام يجوز فيه الزلل و الخبط ، و هذا إنما يتصور في غير يوم القيامة الذي ليس فيه إلا المجازاة بالأعمال و أما بالنظر إلى أن كل ثابت في الوجود فإنما ثباته بالله سبحانه سواء كان مما يجوز عليه الزوال أم لا فلا فرق بين البرزخ و القيامة في أن المؤمن ثابت بتثبيت الله سبحانه و الأولى أخذ الروايات من قبيل التطبيق .


و في تفسير العياشي ، عن الأصبغ بن نباتة قال : قال أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) في


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :66


قوله : « أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا» قال : نحن نعمة الله التي أنعم الله بها على العباد .


أقول : و هو من الجري و التطبيق .


و فيه ، عن معصم المسرف عن علي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) في قوله : « و أحلوا قومهم دار البوار» قال : هما الأفجران من قريش بنو أمية و بنو المغيرة : أقول : و رواه أيضا في البرهان ، عن ابن شهر آشوب عن أبي الطفيل عنه (عليه‏السلام‏) .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني في الأوسط و ابن مردويه و الحاكم و صححه من طرق عن علي بن أبي طالب في قوله : « أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا» قال : هما الأفجران من قريش بنو أمية و بنو المغيرة فأما بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر و أما بنو أمية فمتعوا إلى حين .


أقول : و هو مروي عن عمر كما يأتي .


و فيه ، أخرج البخاري في تاريخه و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه عن عمر بن الخطاب في قوله : « أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا» قال : هما الأفجران من قريش بنو المغيرة و بنو أمية ، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، و أما بنو أمية فمتعوا إلى حين .


و فيه ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس : أنه قال لعمر : يا أمير المؤمنين هذه الآية : « الذين بدلوا نعمة الله كفرا» قال : هم الأفجران من قريش أخوالي و أعمامك فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر و أما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين .


و في تفسير العياشي ، عن ذريح عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سمعته يقول : جاء ابن الكواء إلى أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) فسأله عن قول الله : « أ لم تر إلى الذين بدلوا» الآية قال : تلك قريش بدلوا نعمة الله كفرا و كذبوا نبيه يوم بدر .


أقول : و اختلاف التطبيق في كلامه (عليه‏السلام‏) من الشاهد على أنه من باب بيان انطباق الآية لا من قبيل سببالنزول .


و في الكافي ، عن علي بن محمد عن بعض أصحابه رفعه قال : كان علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) إذا قرأ هذه الآية : « و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» يقول : سبحان الذي لم


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :67


يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد ] من [ معرفة إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه فشكر جل و عز معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره فجعل معرفتهم بالتقصير شكرا كما علم علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله علما .


الحديث .


وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَب اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِناً وَ اجْنُبْنى وَ بَنىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصنَامَ‏(35) رَب إِنهُنَّ أَضلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِفَمَن تَبِعَنى فَإِنَّهُ مِنىوَ مَنْ عَصانى فَإِنَّك غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏(36) رَّبَّنَا إِنى أَسكَنت مِن ذُرِّيَّتى بِوَادٍ غَيرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِك الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصلَوةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تهْوِى إِلَيهِمْ وَ ارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشكُرُونَ‏(37) رَبَّنَا إِنَّك تَعْلَمُ مَا نخْفِى وَ مَا نُعْلِنُوَ مَا يخْفَى عَلى اللَّهِ مِن شىْ‏ءٍ فى الأَرْضِ وَ لا فى السمَاءِ(38) الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى وَهَب لى عَلى الْكِبرِ إِسمَعِيلَ وَ إِسحَقَإِنَّ رَبى لَسمِيعُ الدُّعَاءِ(39) رَب اجْعَلْنى مُقِيمَ الصلَوةِ وَ مِن ذُرِّيَّتىرَبَّنَا وَ تَقَبَّلْ دُعَاءِ(40) رَبَّنَا اغْفِرْ لى وَ لِوَلِدَى وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِساب‏(41)


بيان


تتضمن الآيات تذكرة ثانية بجملة من نعمه عقيب التذكرة الأولى التي يتضمنها قوله : « و إذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون » الآية


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :68


فذكر سبحانه أولا نعمته على جمع من عباده المؤمنين و هم بنو إسرائيل من ولد إبراهيم ثم ذكر ثانيا نعمته على جمع آخر منهم و هم بنو إسماعيل من ولد إبراهيم و هي التي يتضمنها دعاء إبراهيم (عليه‏السلام‏) : « رب اجعل هذا البلد آمنا» إلى آخر دعائه و فيها نعمة توفيقه تعالى لهم أن يجتنبوا عبادة الأصنام و نعمة الأمن بمكة و ميل الأفئدة إلى أهله و رزقهم من الثمرات و غير ذلك كل ذلك لأن الله سبحانه هو العزيز الحميد .


قوله تعالى : « و إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا» أي و اذكر إذ قال إبراهيم و الإشارة إلى مكة شرفها الله تعالى .


و قد حكى الله سبحانه نظير هذا الدعاء على اختصار فيه عن إبراهيم (عليه‏السلام‏) في موضع آخر بقوله : « و إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا و ارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله و اليوم الآخر قال و من كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار و بئس المصير : البقرة : 126 .


و من الممكن أن يستفاد من اختلاف المحكيين في التعبير أعني قوله : « اجعل هذا بلدا آمنا» و قوله : « اجعل هذا البلد آمنا» أنهما دعاءان دعا (عليه‏السلام‏) بهما في زمانين مختلفين ، و أنه بعد ما أسكنإسماعيل و أمه أرض مكة و رجع إلى أرض فلسطين ثم عاد إليهما وجد من إقبال جرهم إلى مجاورتهما مكانا ما سر بذلك فدعا عند ذلك مشيرا إلى مكانهم « رب اجعل هذا بلدا آمنا» فسأل ربه أن يجعل المكان بلدا و لم يكن به و أن يرزق أهله المؤمنين من الثمرات ، ثم لما عاد إليهم بعد ذلك بزمان وجد المكان بلدا فسأل ربه أن يجعل البلد آمنا .


و مما يؤيد كونهما دعاءين ما فيهما من الاختلاف من غير هذه الجهة ففي آية البقرة الدعاء لأهل البلد بالرزق من الثمرات و في الآيات المبحوث عنها الدعاء بذلك لذريته خاصة مع أمور أخرى دعا بها لهم .


و على هذا يكون هذا الدعاء المحكي عن إبراهيم (عليه‏السلام‏) في هذه الآيات آخر ما أورده الله تعالى في كتابه من كلام إبراهيم (عليه‏السلام‏) و دعائه ، و قد دعا به بعد ما أسكن إسماعيل و أمه بها و جاورتهما قبيلة جرهم و بنى البيت الحرام و بنيت بلدة مكة بأيدي القاطنين هناك كما تدل عليه فقرات الآيات .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :69


و على تقدير أن يكون المحكيان دعاء واحدا يكون قوله : « رب اجعل» إلخ تقديره : رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا و قد حذف في إحدى الآيتين المشار إليه و في الأخرى الموصوف اختصارا .


و المراد بالأمن الذي سأله (عليه‏السلام‏) الأمن التشريعي دون التكويني - كما تقدم في تفسير آية البقرة - فهو يسأل ربه أن يشرع لأرض مكة حكم الحرمة و الأمن ، و هو - على خلاف ما ربما يتوهم - من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده فإنا لو تأملنا هذا الحكم الإلهي الذي شرعه إبراهيم (عليه‏السلام‏) بإذن ربه أعني حكم الحرمة و الأمن و أمعنا فيما يعتقده الناس من تقديس هذا البيت العتيق و ما أحاط به من حرم الله الآمن و قد ركز ذلك في نفوسهم منذ أربعة آلاف سنة حتى اليوم وجدنا ما لا يحصى من الخيرات و البركات الدينية و الدنيوية عائدة إلى أهلها و إلى سائر أهل الحق ممن يحن إليهم و يتعلق قلبه بهم ، و قد ضبط التاريخ من ذلك شيئا كثيرا و ما لم يضبط أكثر فجعله تعالى مكة بلدا آمنا من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على عباده .


قوله تعالى : « و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس - إلى قوله - غفور رحيم» يقال : جنبه و أجنبه أي أبعده ، و سؤاله (عليه‏السلام‏) أن يجنبه الله و يبعده و بنيه من عبادة الأصنام لواذ و التجاء إليه تعالى من الإضلال الذي نسبه إليهن في قوله : « رب إنهن أضللن» إلخ .


و من المعلوم أن هذا الإبعاد و الإجناب منه تعالى كيفما كان و أيا ما كان تصرف ما و تأثير منه تعالى في عبده بنحو ، غير أنه ليس بنحو يؤدي إلى الإلجاء و الاضطرار و لا ينجر إلى القهر و الإجبار بسلب صفة الاختيار منه إذ لا مزية لمثل هذا الابتعاد حتى يسأل ذلك مثل إبراهيم خليل الله .


فرجع بالحقيقة إلى ما تقدم في قوله تعالى : « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت» الآية ، أن كل خير من فعل أو ترك فإنه منسوب إليه تعالى أولا ، ثم إلى العبد ثانيا بخلاف الشر من فعل أو ترك فإنه منسوب إلى العبد ابتداء و لو نسب إليه تعالى فإنما ينسب إذا كان على سبيل المجازاة ، و قد أوضحنا ذلك .


فالاجتناب من عبادة الأصنام إنما يتحقق عن إجناب من الله رحمة منه لعبده و عناية ، و ليس في الحقيقة إلا أمرا تلبس و اتصف به العبد غير أنه إنما يملكه بتمليك


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :70


الله سبحانه فهو المالك له بذاته و العبد يملكه بأمر منه و إذن كما أن العبد إنما يهتدي عن هداية من الله ، و ليس هناك إلا هدى واحد لكنه مملوك لله سبحانه لذاته و العبد إنما يملكه بتمليك منه سبحانه ، و أبسط كلمة في هذا المعنى ما وقع في أخبار آل العصمة أن الله يوفق عبده لفعل الخير و ترك الشر هذا .


فتلخص أن المراد بقوله (عليه‏السلام‏) « و اجنبني» سؤال ما لله سبحانه من الصنع في ترك العبد عبادة الأصنام و بعبارة أخرى هو يسأل ربه أن يحفظه و بنيه من عبادة الأصنام و يهديهم إلى الحق إن هم عرضوا أنفسهم لذلك و أن يفيض عليهم إن استفاضوا لا أن يحفظهم منها سواء عرضوا لذلك أنفسهم أو لم يعرضوا و أن يفيض عليهم سواء استفاضوا أو امتنعوا فهذا معنى دعائه (عليه‏السلام‏) .


و منه يعلم أن نتيجة الدعاء لبعض المدعوين لهم و إن كان بلفظ يستوعب الجميع ، و هذا البعض هم المستعدون لذلك دون المعاندين و المستكبرين منهم و سنزيده بيانا .


ثم هو (عليه‏السلام‏) يدعو بهذا الدعاء لنفسه و بنيه : « و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام» و بنوه جميع من جاء من نسله بعده و هم بنو إسماعيل و بنو إسحاق فإن الابن كما يطلق على الولد من غير واسطة كذلك يطلق على غيره ، و يصدق ذلك القرآن الكريم قال تعالى : « ملة أبيكم إبراهيم» : الحج : 78 و قد تكرر إطلاق بني إسرائيل على اليهود في نيف و أربعين موضعا من كلامه تعالى .


فهو (عليه‏السلام‏) يسأل البعد عن عبادة الأصنام لنفسه و لجميع من بعده من بنيه بالمعنى الذي تقدم ، اللهم إلا أن يقال : إن قرائن الحال و المقال تدل على اختصاص الدعاة بآل إسماعيل القاطنين بالحجاز فلا يعم بني إسحاق .


ثم عقب (عليه‏السلام‏) دعاءه : « و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام» بقوله : « رب إنهن أضللن كثيرا من الناس» و هو في مقام التعليل لدعائه و قد أعاد النداء « رب» إثارة للرحمة الإلهية ، أي إني إنما أسألك أن تبعدني و بني عن عبادتهن لأنهن أضللن كثيرا من الناس و نسبة الإضلال إلى الأصنام لمكان الربط الذي بين الضلال و بينهن و إن لم يكن ارتباطا شعوريا و ليس من اللازم في نسبة أي فعل أو أثر إلى شي‏ء أن يقوم به قياما شعوريا و هو ظاهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :71


ثم قوله (عليه‏السلام‏) : « فمن تبعني فإنه مني و من عصاني فإنك غفور رحيم» تفريع على ما تقدم من كلامه أي إذا كان كثير من الناس أضلتهم الأصنام بعبادتهن و استعذت بك و عرضت نفسي و بني عليك أن تجنبنا من عبادتهن افترقنا نحن و الناس طائفتين : الضالون عن طريق توحيدك و العارضون لأنفسهم على حفظك و إجنابك فمن تبعني « إلخ» .


و قد عبر (عليه‏السلام‏) في تفريعه بقوله : « فمن تبعني» و الاتباع إنما يكون في طريق - و قد لوح إلى الطريق أيضا بقوله : « أضللن» لأن الضلال إنما يكون عن الطريق - فمراده باتباعه التدين بدينه و السير بسيرته لا مجرد الاعتقاد بوحدانيته تعالى بل سلوك طريقته المبنية على توحيد الله سبحانه ليكون في ذلك عرض النفس على رحمته تعالى و إجنابه من عبادة الأصنام .


و من الدليل على كون المراد بالاتباع هو سلوك سبيله قوله في ما يعادله من كلامه : « و من عصاني» فإنه نسب العصيان إلى نفسه و لم يقل : و من كفر بك أو عصاك أو فسق عن الحق و نحو ذلك كما لم يقل فمن آمن بك أو أطاعك أو اتقاك و ما أشبهه .


فمراده باتباعه سلوك طريقه و التدين بجميع ما أتى به من الاعتقاد و العمل و بعصيانه ترك سيرته و ما أتى به من الشريعة اعتقادا و عملا كأنه (عليه‏السلام‏) يقول : من تبعني و عمل بشريعتي و سار بسيرتي فإنه ملحق بي و من أبنائي تنزيلا أسألك أن تجنبني و إياه أن نعبد الأصنام ، و من عصاني بترك طريقتي كلها أو بعضها سواء كان من بني أو غيرهم فلا ألحقه بنفسي و لا أسألك إجنابه و إبعاده بل أخلي بينه و بين مغفرتك و رحمتك .


و من هنا يظهر أولا أن قوله (عليه‏السلام‏) : « فمن تبعني فإنه مني و من عصاني فإنك غفور رحيم» تفسير لقوله : « و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام» بالتصرف في البنين تعميما و تخصيصا فهو كتعميم البنين لكل من تبعه من جهة و تخصيصه بالعاصين له منهم من جهة أخرى فليسوا منه و لا ملحقين به ، و بالجملة هو (عليه‏السلام‏) يلحق الذين اتبعوه من بعده بنفسه و أما غير متبعيه فيخلي بينهم و بين ربهم الغفور الرحيم كما قال تعالى : « إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا» : آل عمران : 68 .


و هذه التوسعة و التضييق منه (عليه‏السلام‏) نظير مجموع ما وقع منه و من ربه في الفقرة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :72


الأخرى من دعائه على ما يحكيه آية البقرة : « و ارزق أهله منالثمرات من آمن منهم بالله و اليوم الآخر قال و من كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار و بئس المصير» حيث سأل الرزق أولا لأهل البلد ثم خصه لمن آمن منهم فعممه الله سبحانه بقوله : « و من كفر» ثانيا .


و ثانيا : أن من الممكن أن يستفاد من قوله (عليه‏السلام‏) فيمن تبعه : إنه مني و سكوته فيمن عصاه بعد ما كان دعاؤه في نفسه و بنيه أن ذلك تبن منه لكل من تبعه و إلحاق له بنفسه ، و نفي لكل من عصاه عن نفسه و إن كان من بنيه بالولادة ، أو إلحاق لتابعيه بنفسه مع السكوت عن غيرهم بناء على عدم صراحة السكوت في النفي .


و لا إشكال في ذلك بعد ظهور الدليل فإن الولادة الطبيعية لا يجب أن تكون هي الملاك في النسب إثباتا و نفيا ، و لا تجد واحدة من الأمم يقتصرون في النسب إثباتا و نفيا على مجرد الولادة الطبيعية بل لا يزالون يتصرفون بالتوسعة و التضييق و للإسلام أيضا تصرفات في ذلك كنفي الدعي و المولود من الزنا و الكافر و المرتد و إلحاق الرضيع و المولود على الفراش إلى غير ذلك ، و في كلامه تعالى في ابن نوح : « إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح» : هود : 46 .


و ثالثا : أنه (عليه‏السلام‏) و إن لم يسأل المغفرة و الرحمة صريحا لمن عصاه و إنما عرضهم للمغفرة و الرحمة بقوله : « و من عصاني فإنك غفور رحيم» لكنه لا يخلو عن إيماء ما إلى الطلب لمن ترك طريقته و سيرته التي تعد الإنسان للرحمة الإلهية بحفظه من عبادة الأصنام ، و هذا المقدار من المعصية لا يمنع عن شمول الرحمة و إن لم يكن مقتضيا أيضا لذلك ، و ليس المراد به نفس الشرك بالله حتى ينافي سؤال المغفرة كما قال تعالى : « إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء» : النساء : 116 .


هذا محصل ما يعطيه التدبر في الآيتين الكريمتين و هو في معزل عما استشكله المفسرون في أطراف الآيتين ثم ذهبوافي التخلص عنه مذاهب شتى بعيدة عن الذوق السليم .


فقد استشكلوا أولا قوله (عليه‏السلام‏) : « و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام» من حيث إن ظاهره سؤال الحفظ عن عبادة الأصنام لنفسه و لبنيه جميعا فيكون دعاء غير مستجاب فإن قريشا من بنيه و قد كانوا وثنيين يعبدون الأصنام ، و كيف يمكن أن يدعو


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :73


مثل الخليل (عليه‏السلام‏) ثم لا يستجاب له ؟ أم كيف يمكن أن يذكر تعالى دعاءه و هو لغو غير معني به ثم لا يذكر رده على خلاف مسلك القرآن في جميع المواضع المشابهة ؟ ثم كيف يمكن أن يسأل لنفسه المصونية و العصمة عن عبادة الأصنام و هو نبي و الأنبياء معصومون ؟ و قد قيل في الجواب عن إشكال عدم استجابة دعائه في بنيه إن المراد ببنيه أبناؤه بلا واسطة كإسماعيل و إسحاق و غيرهما و قد استجيب دعاؤه فيهم ، و قيل : المراد الموجودون من بنيه وقت الدعاء و هم موحدون ، و قيل : إن الله قد استجاب دعاءه في بعض بنيه دون بعض و لا نقص فيه .


و قيل : إن المشركين من بنيه لم يكونوا يعبدون الأصنام و إنما كانوا يتخذونها شفعاء ، و قيل : إنهم كانوا يعبدون الأوثان دون الأصنام و بينهما فرق فإن الأصنام هي التماثيل المصورة و الأوثان هي التماثيل غير المصورة ، و قيل : إنهم ما كانوا يعبدون الأصنام بل كان الواحد منهم ينصب حجرا و يقول : هذا حجر و البيت حجر ، فكان يدور حوله و يسمونه الدوار .


و سقوط هذه الوجوه ظاهرة : أما الأول و الثاني فلكونهما خلاف ظاهر اللفظ و أما الثالث فلأن الإشكال ليس في ورود نقص على النبي بعدم استجابة دعائه أو بعضه لحكمة بل من جهة منافاته لمسلك القرآن في حكاية لغو الكلام من غير رده ، و أما باقي الوجوه فلأن ملاك الضلال في عبادة الأصنام هو شرك العبادة و هو موجود في جميع ما افترضوه من الوجوه .


و قيل في الجواب عن إشكال سؤال النبي الإبعاد و الإجناب عن الشرك و هو نبي معصوم : إن المراد الثبات و الدوام على ذلك ، و قيل إنه (عليه‏السلام‏) ذكر ذلك هضما لنفسه و إظهارا للحاجة إلى فضله تعالى ، و قيل : المراد سؤال الحفظ عن الشرك الخفي و إلا فالأنبياء مصونون عن الشرك الجلي هذا .


و هذه وجوه ردية ، أما الأول فلأنه لا ينحسم به مادة الإشكال إذ العصمة و المصونية كما أنها لازمة للنبوة حدوثا لازمة لها بقاء فلو لم يصح للنبي أن يسأل حدوثها لمكان اللزوم لم يصح له أن يسأل بقاءها لذلك بعينه ، و الأصل في جوابهم هذا أنهم يزعمون انفصال الفيض عن المفيض و استقلال المستفيض فيما استفاضه بمعنى أن الله سبحانه


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :74


إذا أفاض بشي‏ء على شي‏ء خرج ما أفاضه من ملكه و وقع في ملك المستفيض و لا معنى للسؤال ممن لا يملك و إذا قضى سبحانه بشي‏ء حدوثا أو بقاء قضاء حتم لا يتغير عما هو عليه فإنه لا يتعلق على خلافه قدرة و لا مشية و هو خطأ فإن الحاجة من جانب المستفيض باقية على حالها قبل الإفاضة لا تختلف أصلا و ملكه تعالى باق بعد الإفاضة على ما كان عليه قبلها و لا يزال سبحانه قادرا له أن يشاء ما يشاء و إن كان لا يشاء فيما قضى بخلافه قضاء حتم ، و السؤال و الطلب من آثار الحاجة لا من آثار الفقدان فافهم ذلك و قد أشبعنا القول في هذا المعنى في المباحث المتقدمة مرارا .


و أما الثاني فلأن هضم النفس إنما يستقيم في غير الضروريات و أما الأمور الضرورية فلا ، فلا معنى لقول القائل : لست إنسانا و هو يريد نفي الماهية هضما لنفسه اللهم إلا أن يريد نفي الكمال و كذا القول في إظهار الحاجة و هم لا يرون في الأمور الضرورية المحتومة كالعصمة في الأنبياء حاجة .


و أما الثالث فلأن الشرك الخفي هو الركون و التوجه إلى غير الله على مراتبه ، و إبراهيم (عليه‏السلام‏) يعلل قوله : « و اجنبني» إلخ بقوله « إنهن أضللن» إلخ فهو إنما يسأل الإبعاد من عبادة هذه الأصنام و هي الشرك الجلي دون الحفظ عن الركون و التوجه إلى غير الله تعالى اللهم إلا أن يدعى أن المراد بالصنم كل ما يتوجه إليه غير الله سبحانه ، و كذا المراد بالعبادة مطلق التوجه و الالتفات و هو دعوى لا دليل عليها .


ثم استشكلوا في قوله (عليه‏السلام‏) « و من عصاني فإنك غفور رحيم» من حيث اشتماله على طلب المغفرة للمشركين ، و لا تتعلق المغفرة بالشرك بنص قوله تعالى : « إن الله لا يغفر أن يشرك به» الآية .


و قد قيل في الجواب عن الإشكال : أن الشرك كان جائز المغفرة في الشرائع السابقة و إنما رفع ذلك في هذه الشريعة بقوله : « إن الله لا يغفر أن يشرك به» الآية فإبراهيم (عليه‏السلام‏) جرى في دعائه على ما كان عليه الأمر في شريعته .


و قيل : إن المراد : و من عصاني فإنك غفور رحيم له بعد توبته ففي الكلام قيد محذوف ، و قيل : المراد و من عصاني و أقام على الشرك فإنك غفور رحيم بأن تنقله من الشرك إلى التوحيد فتغفر له و ترحمه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :75


و قيل : المراد بالمغفرة و الرحمة الستر على الشرك في الدنيا والرحمة بعدم معاجلة العقاب فالمعنى و من عصاني بالإقامة على الشرك فاستر عليه ذلك و ارحمه بتأخير العقاب عنه ، و قيل : إن الكلام على ظاهره و كان ذلك منه (عليه‏السلام‏) قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك ، و لا نقص بجهل ذلك لأن مغفرة الشرك جائزة عقلا و إنما منع منها الدليل السمعي و ليس من الواجب أن يعلم بجميع الأدلة السمعية في يوم واحد ، و قيل : المراد بالمعصية ما دون الشرك .


و هذه أجوبة فاسدة أما الأول فلأن دعوى كون الشرك جائز المغفرة في الشرائع السابقة دعوى لا دليل عليها بل الدليل على خلافها فقد خاطب الله آدم (عليه‏السلام‏) بمثل قوله : - و هو أول الشرائع السابقة - « و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» : البقرة : 39 ، و حكى عن المسيح (عليه‏السلام‏) و شريعته آخر الشرائع السابقة قوله : « إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة و مأواه النار و ما للظالمين من أنصار» : المائدة : 72 ، و التدبر في آيات القيامة و الجنة و النار و في آيات الشفاعة و في دعوات الأنبياء المحكية في القرآن لا يدع شكا في أن الشرك لا نجاة لصاحبه بشفاعة أو غيره إلا بالتوبة قبل الموت .


و أما الثاني فلأن تقييد المغفرة و الرحمة بالتوبة تقييد من غير مقيد على أن تقييد المعصية بالتوبة يفسد المعادلة في قوله : « فمن تبعني فإنه مني و من عصاني» إلخ ، فإن العاصي التائب يعود ممن تبعه و يلحق به (عليه‏السلام‏) فلا يبقى للمعادلة أزيد من طرف واحد .


و أما الثالث و الرابع فلما فيهما من ارتكاب خلاف الظاهر فإن ظاهر طلب المغفرة للعاصي أن يغفر الله له حينما هو عاص لا أن يغفر الله له بعد خروجه بالتوبة عن المعصية إلى الطاعة و كذا ظاهر مغفرة العصيان رفع تبعات معصيته مطلقا أو في الآخرة ، و أما رفع التبعة الدنيوية فقط فأمر بعيد عن الفهم .


و أما الخامس فهو أبعد الوجوه ، و كيف يجوز الاجتراء على مثل الخليل (عليه‏السلام‏) و هو في أواخر عمره - كما تقدم - أن يجهل ما هو من واضحات المعارف الدينية ثم يجري على جهله فيشفع عند ربه للمشركين و يسأل لهم المغفرة من غير أن يستأذن الله في ذلك و لو استأذنه لأنبأه أن ذلك مما لا يكون ثم يورد الله سبحانه في كلامه ما ارتكبه


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :76


من لغو الكلام جهلا و لا يرده ببيان ما هو الحق في ذلك ، و قد اعتذر سبحانه عن استغفاره لأبيه المشرك و رفع عن ساحته كل غميضة فيما قال : « و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه» : التوبة : 114 .


و أما السادس فتقييد المعصية بما دون الشرك تقييد من غير مقيد ، اللهم إلا أن يقرر بما يرجع إلى ما قدمناه .


فهذه جملة ما ذكره المفسرون في ذيل الآيتين أوردناها ملخصه و قد وقعوا فيما وقعوا لإهمالهم تحقيق القول في معنى حفظه تعالى عن الشرك ، و معنى تفرع قوله : « فمن تبعني فإنه مني» إلخ على ما تقدمه .


قوله تعالى : « ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم» إلى آخر الآية « من ذريتي» في تأويل مفعول « أسكنت» أو ساد مسده و « من» فيه للتبعيض» و مراده (عليه‏السلام‏) ببعض ذريته ابنه إسماعيل و من سيولد له من الأولاد دون إسماعيل وحده بدليل قوله : بعد « ربنا ليقيموا الصلاة» .


و المراد بغير ذي زرع غير المزروع و هو آكد و أبلغ لأنه يدل - كما قيل - على عدم صلاحيته لأن يزرع لكونه أرضا حجرية رملية خالية عن المواد الصالحة للزرع و هذا كقوله : « قرآنا غير ذي عوج» .


و نسبة البيت إلى الله سبحانه لأنه مبني لغرض لا يصلح إلا له تعالى و هو عبادته ، و كونه محرما هو ما جعل الله له من الحرمة تشريعا و الظرف أعني قوله « عند بيتك المحرم» متعلق بقوله « أسكنت» .


و هذه الجملة من دعائه (عليه‏السلام‏) أعني قوله : « ربنا إني أسكنت - إلى قوله - المحرم» من الشاهد على ما قدمناه من أنه (عليه‏السلام‏) إنما دعا بهذا الدعاء في أواخر عمره بعد ما بنى الكعبة و بنى الناس بلدة مكة و عمروها كما أن من الشاهد عليه أيضا قوله : « الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل و إسحاق» .


و بذلك يندفع ما ربما يستشكل فيقال : كيف سماه بيتا و قال أسكنت من ذريتي عنده و لم يبنه بعد ؟ كأن السائل يقدر أنه إنما دعا به يوم أتى بإسماعيل و أمه إلى أرض مكة و كانت أرضا قفراء لا أنيس بها و لا نبت .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :77


و لا حاجة إلى دفعه بأنه كان يعلم بما علمه الله أنه سيبني هناك بيتا لله أو بأن البيت كان قبل ذلك و إنما خربه بعض الطوائف أو رفعه الله إلى السماء في الطوفان و ليت شعري إذا اندفع بهما هذا الإشكال فكيف يندفع بهما ما يتوجه من الإشكال على هذا التقدير إلى ظاهر قوله رب اجعل هذا البلد آمنا و ظاهر قوله : « وهب لي على الكبر إسماعيل و إسحاق» .


و قوله : « ربنا ليقيموا الصلاة» بيان لغرضه من إسكانهم هناك ، و هو بانضمام ما تقدم منقوله : « بواد غير ذي زرع» و ما يعقبه من قوله : « فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم و ارزقهم من الثمرات» يفيد أنه (عليه‏السلام‏) إنما اختار واديا غير ذي زرع أعزل من أمتعة الحياة من ماء عذب و نبات ذي خضرة و شجر ذي بهجة و هواء معتدل خاليا من السكنة ليتمحضوا في عبادة الله من غير أن يشغلهم شواغل الدنيا .


و قوله : « فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم» إلخ من الهوي بمعنى السقوط أي تحن و تميل إليهم بالمساكنة معهم أو بالحج إلى البيت فيأنسوا بهم ، و ارزقهم من الثمرات ، بالنقل إليهم تجارة لعلهم يشكرون .


قوله تعالى : «ربنا إنك تعلم ما نخفي و ما نعلن» إلى آخر الآية معناه ظاهر ، و قوله : « و ما يخفى على الله شي‏ء في الأرض و لا في السماء» من تمام كلام إبراهيم (عليه‏السلام‏) أو من كلامه تعالى ، و على الأول ففي قوله : « على الله» التفات وجهه الإشارة إلى علة الحكم كأنه قيل : إنك تعلم ما نخفي و ما نعلن لأنك الله الذي ما يخفى عليه شي‏ء في الأرض و لا في السماء ، و لا يبعد أن يستفاد من هذا التعليل أن المراد بالسماء ما هو خفي علينا غائب عن حسنا و الأرض بخلافه فافهم ذلك .


قوله تعالى : « الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل و إسحاق إن ربي لسميع الدعاء» كالجملة المعترضة بين فقرات دعائه دعاه إلى إيراده تذكره في ضمن ما أورده من الأدعية عظيم نعمة الله عليه إذ وهب له ولدين صالحين مثلهما بعد ما انقطع عنه الأسباب العادية المؤدية إلى ظهور النسل ، و أنه إنما وهبهما له باستجابة دعائه للولد فحمد الله على ما وهبهما و أثنى عليه على استجابة دعائه في ذلك .


قوله تعالى : « رب اجعلني مقيم الصلاة و من ذريتي ربنا و تقبل دعاء الكلام»


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :78


في استناد إقامته الصلاة إلى الله سبحانه نظير الكلام في استناد إجنابه أن يعبد الأصنام فإن لإقامة الصلاة نسبة إليه تعالى بالإذن و المشية كما أن لها نسبة إلى العبد بالتصدي و العمل و قد مر الكلام فيه .


و هذه الفقرة ثاني دعاء يشترك فيه هو (عليه‏السلام‏) و ذريته و يعقب في الحقيقة قوله أولا : « و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام» كما يلحق به دعاؤه الثالث المشترك فيه : « ربنا اغفر لي و لوالدي و للمؤمنين» .


و قد أفرد نفسه في جميع الفقرات الثلاث عن غيره إذ قال : « و اجنبني» « و اجعلني مقيم الصلاة» « اغفر لي» لأن مطلوبه لحوق ذريته به كما قال في موضع آخر : « و اجعل لي لسان صدق في الآخرين» : الشعراء : 84 و في موضع آخر كما حكاه الله بقوله : « و إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال و من ذريتي» : البقرة : 124 .


و أما قوله في الفقرة الأولى « و اجنبني و بني» و هاهنا « اجعلني مقيم الصلاة و من ذريتي» فقد تقدم أن المراد ببنيه بعضهم لا جميعهم فتتطابق الفقرتان .


و من تطابق الفقرتين أنه أكد دعاءه في هذه الفقرة بقوله : « ربنا و تقبل دعاء» فإن سؤال تقبل الدعاء إلحاح و إصرار و تأكيد كما أن التعليل في الفقرة الأولى ، بقوله : « رب إنهن أضللن كثيرا من الناس»تأكيد في الحقيقة لما فيها من الدعاء ، بقوله : « و اجنبني» إلخ .


قوله تعالى : « ربنا اغفر لي و لوالدي و للمؤمنين يوم يقوم الحساب» ختم (عليه‏السلام‏) دعاءه - و هو آخر ما ذكر من دعائه في القرآن الكريم كما تقدم - بطلب المغفرة للمؤمنين يوم القيامة و يشبه آخر ما دعا به نوح (عليه‏السلام‏) مما ذكر في القرآن : « رب اغفر لي و لوالدي و لمن دخل بيتي مؤمنا و للمؤمنين و المؤمنات» : نوح : 28 .


و في الآية دليل على أنه (عليه‏السلام‏) لم يكن ولد آزر المشرك لصلبه فإنه (عليه‏السلام‏) - كما ترى - يستغفر لوالديه و هو علىالكبر و في آخر عهده « و قد تبرأ من آزر في أوائل عهده بعد ما استغفر له عن موعدة وعده إياه قال تعالى : « قال سلام عليك سأستغفر لك ربي» : مريم : 47 ، و قال : « و اغفر لأبي إنه كان من الضالين» : الشعراء : 86،


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :79


و قال : « و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه» : التوبة : 114 و قد تقدم تفصيل القول في قصصه (عليه‏السلام‏) في سورة الأنعام في الجزء السابع من الكتاب .


و من لطيف ما في دعائه (عليه‏السلام‏) اختلاف النداء المكرر الذي فيه بلفظ « رب» و « ربنا» و العناية فيما أضيف إلى نفسه بما يختص بنفسه من السبقة و الإمامة ، و فيما أضيف إلى نفسه و غيره إلى المشتركات .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج أبو نعيم في الدلائل عن عقيل بن أبي طالب : أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لما أتاه الستة النفر من الأنصار جلس إليهم عند جمرة العقبة فدعاهم إلى الله و إلى عبادته و المؤازرة على دينه فسألوه أن يعرض عليهم ما أوحي إليه فقرأ من سورة إبراهيم : « و إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا - و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام» إلى آخر السورة فرق القوم و أخبتوا حين سمعوا منه ما سمعوا و أجابوه .


و في تفسير العياشي ، عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : من أحبنا فهو منا أهل البيت فقلت : جعلت فداك منكم ؟ قال : منا و الله أ ما سمعت قول الله و هو قول إبراهيم (عليه‏السلام‏) : « فمن تبعني فإنه مني» .


و فيه ، عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : من اتقى الله منكم و أصلح فهو منا أهل البيت قال : منكم أهل البيت ؟ قال : منا أهل البيت قال فيها إبراهيم : « فمن تبعني فإنه مني» قال عمر بن يزيد : قلت له : من آل محمد ؟ قال إي و الله من آل محمد إي و الله من أنفسهم أ ما تسمع قول الله تعالى : « إن أولى الناس بإبراهيم - للذين اتبعوه» و قول إبراهيم : « فمن تبعني فإنه مني» ؟ .


أقول : و قد ورد في بعض الروايات أن بني إسماعيل لم يعبدوا صنما قط إثر دعاء إبراهيم : و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام ، و أنهم إنما قالوا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله و الظاهر أن الرواية موضوعة ، و قد تقدمت الإشارة إليه في البيان السابق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :80


و كذا ما ورد في بعض الروايات من طرق العامة و الخاصة أن أرض الطائف كانت في الأردن من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم (عليه‏السلام‏) لبنيه بقوله : « و ارزقهم من الثمرات» أمر الله بها فسارت بترابها إلى مكة فطافت على البيت سبعة أشواط ثم استقرت حيث الطائف الآن .


و هذا و إن كان ممكن الوقوع في نفسه من طريق الإعجاز لكن لا يكفي لثبوته أمثال هذه الروايات الضعيفة و المرسلة على أن هذه الآيات في مقام الامتنان و لو قارن هذا الدعاء و استجابته تعالى له مثل هذه الآية العظيمة العجيبة و المعجزة الباهرة لأشير إليها مزيدا للامتنان .


و الله أعلم .


و في مرسلة العياشي ، عن حريز عمن ذكره عن أحدهما (عليهماالسلام‏) : أنه كان يقرأ « رب اغفر لي و لولدي» يعني : إسماعيل و إسحاق ، و في مرسلته الأخرى عن جابر عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : مثله و ظاهر هذه الرواية أن القراءة مبنية على كفر والد إبراهيم و الروايتان ضعيفتان لا يعبأ بهما .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :81


وَ لا تَحْسبنَّ اللَّهَ غَفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظلِمُونَإِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشخَص فِيهِ الأَبْصرُ(42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيهِمْ طرْفُهُمْوَ أَفْئِدَتهُمْ هَوَاءٌ(43) وَ أَنذِرِ النَّاس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَاب فَيَقُولُ الَّذِينَ ظلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نجِب دَعْوَتَك وَ نَتَّبِع الرُّسلَأَ وَ لَمْ تَكونُوا أَقْسمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكم مِّن زَوَالٍ‏(44) وَ سكَنتُمْ فى مَسكنِ الَّذِينَ ظلَمُوا أَنفُسهُمْ وَ تَبَينَ لَكمْ كَيْف فَعَلْنَا بِهِمْ وَ ضرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ‏(45) وَ قَدْ مَكَرُوا مَكرَهُمْ وَ عِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَ إِن كانَ مَكرُهُمْ لِتزُولَ مِنْهُ الجِْبَالُ‏(46) فَلا تحْسبنَّ اللَّهَ مخْلِف وَعْدِهِ رُسلَهُإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ‏(47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْض غَيرَ الأَرْضِ وَ السمَوَتوَ بَرَزُوا للَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ(48) وَ تَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئذٍ مُّقَرَّنِينَ فى الأَصفَادِ(49) سرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ(50) لِيَجْزِى اللَّهُ كلَّ نَفْسٍ مَّا كَسبَتإِنَّ اللَّهَ سرِيعُ الْحِسابِ‏(51) هَذَا بَلَغٌ لِّلنَّاسِ وَ لِيُنذَرُوا بِهِ وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبَبِ‏(52)


بيان


لما أنذر و بشر سبحانه في الآيات السابقة و دعا إلى صراطه بما أنه العزيز الحميد ختم بيانه بدفع ما ربما يسبق إلى أوهام ضعفاء العقول من الناس من أن الأمر لو كان على ما ذكر و كانت هذه الدعوة دعوة نبوية من لدن رب عزيز حميد فما بال هؤلاء الظالمين يتمتعون بما شاءوا ؟ و ما باله لا يأخذ الظالمين بظلمهم و لا يلجم المتخلفين عن دعوته المخالفين عن أمره ؟ أ هو في غفلة عما يعملونه أم هو مخلف وعده رسله يعدهم بالنصر ثم لا يفي بوعده ؟ .


فأجاب تعالى أنه ليس بغافل عما يعمل الظالمون و لا مخلف وعده رسله كيف ؟ و هو تعالى عليم بما يمكرون و عزيز ذو انتقام بل إنما يؤخرهم ليوم شديد و هو يوم الجزاء .


على أنه تعالى ربما أخذهم بذنوبهم في الدنيا كما أخذ الأمم الماضين .


ثم ختم السورة بقوله : « هذا بلاغ للناس و لينذروا به و ليعلموا أنما هو إله واحد و ليذكر أولوا الألباب» و هي آية جامعة لغرض السورة كما سيجي‏ء بيانه إن شاء الله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :82


قوله تعالى : « و لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون» إلى آخر الآيتين يقال : شخص بصره أي سكن بحيث لا يطرف جفنه ، و يقال : بعير مهطع إذا صوب عنقه أي رفعه و هطع و أهطع بمعنى ، و يقال : أقنع رأسه إذا رفعه ، و قوله : لايرتد إليهم طرفهم أي لا يقدرون على أن يطرفوا من هول ما يشاهدونه ، و قوله : و أفئدتهم هواء أي قلوبهم خالية عن التعقل و التدبير لشدة الموقف أو أنها زائلة .


و المعنى : و لا تحسبن الله و لا تظننه غافلا عما يعمل هؤلاء الظالمون بما تشاهد من تمتعهم و إترافهم في العيش و إفسادهم في الأرض إنما يمهلهم الله و يؤخر عقابهم إلى يوم يسكن فيه أبصارهم فلا تطرف و الحال أنهم مادون لأعناقهم رافعون لرءوسهم لا يقدرون على رد طرفهم و قلوبهم مدهوشة خالية عن كل تحيل و تدبير من شدة هول يوم القيامة و في الآية إنذار للظالمين و تعزية لغيرهم .


قوله تعالى : « و أنذر الناس يوم يأتيهم العذاب» إلى آخر الآية .


في الآية إنذار بعد إنذار و بين الإنذارين فرق من جهتين : إحداهما : أن الإنذار في الآيتين السابقتين إنذار بما أعد الله من أهوال يوم القيامة و أليم العذاب فيه ، و أما الذي في هذه الآية و ما يتلوها فهو إنذار بعذاب الاستئصال في الدنيا و من الدليل عليه قوله : « فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب» إلخ .


و بذلك يظهر أن لا وجه لما ذكره بعضهم أن المراد بهذا اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب هو يوم القيامة ، و كذا ما ذكره آخرون أن المراد به يوم الموت .


و الثانية : أن الإنذار الأول إنذار بعذاب قطعي لا صارف له عن أمة ظالمة و لا فرد ظالم من أمة و أما الإنذار الثاني فهو إنذار بعذاب غير مصروف عن أمة ظالمة و أما الفرد فربما صرف عنه ، و لذلك ترى أنه تعالى يقول أولا : « و أنذر الناس» ثم يقول : « فيقول الذين ظلموا» إلخ و لم يقل : فيقولون أي الناس لأن عذاب الاستئصال لا يصيب المؤمنين قال تعالى : « ثم ننجي رسلنا و الذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين» : يونس : 103 و إنما يصيب الأمة الظالمة بحلول أجلهم و هم طائفة من ظالمي الأمة لا جميع أفرادها .


و بالجملة فقوله : « و أنذر الناس يوم يأتيهم العذاب» إنذار للناس بعذاب الاستئصال الذي يقطع دابر الظالمين منهم ، و قد تقدم في تفسير سورة يونس و غيره أن ذلك


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :83


مكتوب على الأمم قضاء بينهم و بين رسولهم حتى هذه الأمة المحمدية و قد تكرر هذا الوعيد منه تعالى في عدة مواضع من كلامه .


و هذا هو اليوم الذي يطهر الله الأرض فيه من قذارة الشرك و الظلم و لا يعبد عليها يومئذ إلا الله سبحانه فإن الدعوة عامة و الأمة هم أهل الأرض فإذا محا الله عنهم الشرك لم يبق منهم إلا المؤمنون ويكون الدين كله لله ، قال تعالى : « و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون» .


و مما تقدم يظهر الجواب عما أورد على كون المراد بالعذاب في الآية عذاب الاستئصال أن القصر في الآية السابقة ينافيه فإن قوله : « إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار» يقصر أخذهم و عقابهم في يوم القيامة .


و ذلك لما عرفت أن العذاب المنذر به في الآيتين السابقتين هو العذاب الذي لا يصرفه عنهم صارف و لا يتخلف عنه أحد من الظالمين و هو مقصور في عذاب يوم القيامة ، و لا ينافي انحصاره في يوم القيامة وجود نوع آخر من العذاب في الدنيا .


على أن القصر لو تم على ما يريده المعترض لدفع ما يدل عليه الآيات الكثيرة الدالة على نزول العذاب بهذه الأمة كما أشرنا إليه .


على أن حمل العذاب في الآية على عذاب يوم القيامة يوجب صرف الآيات عن ظهورها و رفع اليد عما يعطيه السياق فيها و لا مساغ له .


و قوله : « فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك و نتبع الرسل» المراد به الظالمون من الناس و هم الذين يأخذهم العذاب المستأصل و لا يتخطاهم ، و مرادهم بقولهم : « أخرنا إلى أجل قريب» الاستمهال بمدة قصيرة تضاف إلى عمرهم في الدنيا حتى يتداركوا فيه ما فوتوه بظلمهم و الدليل عليه قولهم : « نجب دعوتك و نتبع الرسل» .


و التعبير بالرسل بلفظ الجمع في قولهم : « و نتبع الرسل مع أن الآية تصف حال ظالمي هذه الأمة ظاهرا و كان مقتضى ذلك أن يقال : و نتبع الرسول إنما هو للدلالة على أن الملاك في نزول هذا العذاب القضاء بين الرسالة و بين منكريها من غير اختصاص ذلك برسول دون رسول كما يفيده قوله : « و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :84


قضي بينهم بالقسط و هم لا يظلمون» : يونس : 47 .


و قوله : « أ و لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال» الإقسام تعليق الحكم في الكلام بأمر شريف من جهة شرافته ليدل به على صدقه إذ لو كذب المتكلم و قد أقسم في كلامه لأذهب بذلك شرف المقسم به كقولنا : و الله إن كذا لكذا و لعمري إن الأمر على كذا ، و يعد القسم أقوى أسباب التأكيد .


و لا يبعد أن يكون الإقسام في الآية كناية عن إيراد الكلام في صورة جازمة غير قابلة للترديد .


و الكلام على تقدير القول و المعنى يقال لهم توبيخا و تبكيتا : أ لم تكونوا أقسمتم من قبل نزول العذاب ما لكم من زوال و أنكم بما عندكم من القوة و السطوة و وسائل الدفاع أمة خالدة مسيطرة على الحوادث فما لكم تستمهلون إلى أجل قريب .


قوله تعالى : « و سكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم» إلى آخر الآية معطوف على محل قوله : « أقسمتم» في الآية السابقة ، و المعنى : أ و لم تكونوا سكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم من الأمم السابقة ، و ظهر لكم أن هذه الدعوة حقة و يتعقبها لو ردت عذاب مستأصل ، من جهتين : جهة المشاهدة حيث تبين لكم كيف فعلنا بأولئك الظالمين الذين سكنتم في مساكنهم ؟ و جهة البيان حيث ضربنا لكم الأمثال و أنذرناكم عذابا مستأصلا يتعقبه إنكار الحق و رد الدعوة النبوية و يقطع دابر الظالمين .


قوله تعالى : « و قد مكروا مكرهم و عند الله مكرهم و إن كان مكرهم لتزول منه الجبال» حال من الضمير في « فعلنا» في الآية السابقة أو من الضمير في « بهم» فيها أو من الضميرين جميعا على ما قيل ، و ضمائر الجمع راجعة إلى « الذين ظلموا» .


و المراد بكون مكرهم عند الله إحاطته تعالى به بعلمه و قدرته ، و من المعلوم أن المكر إنما يكون مكرا إذا لم يحط به الممكور به و جهله ، و أما إذا كان الممكور به عالما بما هيأه الماكر من المكر و قادرا على دفعه لغا المكر أو عاد مكرا على نفس الماكر كما قال تعالى : « و ما يمكرون إلا بأنفسهم و ما يشعرون» : الأنعام : 123 .


و قوله : « و إن كان مكرهم لتزول منه الجبال» إن وصلية - على ما قيل - و اللام في « لتزول» متعلق بمقدر يدل عليه لفظ المكر كقولنا يقتضي أو يوجب و ما أشبه ذلك ، و التقدير : الله محيط بمكرهم عالم به قادر على دفعه إن كان مكرهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :85


دون هذه الشدة و إن كان على هذه الشدة .


و المعنى تبين لكم كيف فعلنا بهم و الحال أنهم مكروا ما في وسعهم من المكر و الله محيط بمكرهم و إن كان مكرهم عظيما موجبا لزوال الجبال .


و ربما قيل : إن « إن»نافية و اللام هي الداخلة على المنفي و المراد بالجبال الآيات و المعجزات كناية و المعنى و ما كان مكرهم لتبطل به آيات الله و معجزاته التي هي كالجبال الراسيات التي لا تزول عن مكانها ، و أيد هذا المعنى بقراءة ابن مسعود « و ما كان مكرهم» و هو معنى بعيد .


و قرى‏ء أيضا : « لتزول» بفتح اللام الأولى و ضم اللام الثانية ، و على هذا تكون « إن» مخففة من المشددة و المعنى و التحقيق أن مكرهم كان من العظمة بحيث تزول منه الجبال .


قوله تعالى : « فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام» تفريع على ما تقدمأن ترك مؤاخذة الظالمين بعملهم إنما هو لتأخيرهم إلى يوم القيامة أي إذا كان الأمر كذلك فلا تحسبن الله مخلفا لما وعد رسله من نصرهم و مؤاخذة المتخلفين عن دعوتهم ، و كيف يخلف وعده و هو عزيز ذو انتقام شديد و لازم عزته المطلقة أن لا يخلف وعده فإن إخلاف الوعد إما لكون الواعد غير قادر على إنجاز ما وعده أو لتغير من الرأي بعروض حال ثانية تقهره على خلاف ما بعثته إليه الحال الأولى التي أوجبت عليه الوعد و الله سبحانه عزيز على الإطلاق لا يتصف بعجز و لا تقهره حال و لا شي‏ء آخر و هو الواحد القهار .


و لازم اتصافه بالانتقام أن ينتقم للحق ممن استكبر عنه و استعلى عليه و ينتصف للمظلوم من الظالم .


و ذو انتقام من أسمائه تعالى الحسنى التي سمى الله تعالى بها نفسه في مواضع من كلامه و قارنه في جميعها باسمه العزيز ، قال تعالى : « و الله عزيز ذو انتقام» : آل عمران : 4 ، المائدة : 95 ، و قال : « أ ليس الله بعزيز ذو انتقام» : الزمر : 37 ، و قال في الآية المبحوث عنها : « إن الله عزيز ذو انتقام» و من ذلك يظهر أن « ذا انتقام» من فروع اسم « العزيز .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :86


كلام في معنى الانتقام و نسبته إليه تعالى


الانتقام هو العقوبة لكن لا كل عقوبة بل عقوبة خاصة و هي أن تذيق غيرك من الشر ما يعادل ما أذاقك منه أو تزيد عليه قال تعالى : « و من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم و اتقوا الله» .


و هو أصل حيوي معمول به عند الإنسان و ربما يشاهد من بعض الحيوان أيضا أعمال يشبه أن تكون منه ، و أيا ما كان يختلف الغرض الذي يبعث الإنسان إليه فالداعي إليه في الانتقام الفردي هو التشفي غالبا فإذا سلب الواحد من الإنسان غيره شيئا من الخير أو أذاقه شيئا من الشر وجد الذي فعل به ذلك في نفسه من الأسى و الأسف ما لا تسكن فورته و لا تخمد ناره إلا بأن يذيقه من الشر ما يعادل ما ذاق منه أو يزيد عليه فالعامل الذي يدعو إليه هو الإحساس الباطني و أما العقل فربما أجازه و أنفذه و ربما استنكف .


و الانتقام الاجتماعي و نعني به القصاصات و أنواع المؤاخذات التي نعثر عليها في السنن و القوانين الدائرة في المجتمعات أعم من الراقية و الهمجية الغالب فيه أن يكون الغرض الداعي إليه غاية فكرية و مطلوبا عقليا و هو حفظ النظام عن الاختلال و سد طريق الهرج و المرج فلو لا أصل الانتقام و مؤاخذة المجرم الجاني بما أجرم و جنى اختل الأمن العام و ارتحل السلام من بين الناس .


و لذا كان هذا النوع من الانتقام حقا من حقوق المجتمع و إن كان ربما استصحب حقا فرديا كمن ظلم غيره بما فيه مؤاخذة قانونية فربما يؤاخذ الظالم استيفاء لحق المجتمع و إن أبطل المظلوم حقه بالعفو .


فقد تبين أن من الانتقام ما يبتني على الإحساس و هو الانتقام الفردي الذي غايته التشفي ، و منه ما يبتني على العقل و هو الانتقام الاجتماعي الذي غايته حفظ النظام و هو من حقوق المجتمع و إن شئت قلت من حقوق السنة أو القانون الجاري في المجتمع فإن استقامة الأحكام المعدلة لحياة الناس و سلامتها في نفسها تقتضي مؤاخذةالمجرم المتخلف عنها و إذاقته جزاء سيئته المر ، فهو من حقوق السنة و القانون كما أنه من حقوق المجتمع .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :87


إذا عرفت هذا علمت أن ما ينسب إليه تعالى في الكتاب و السنة من الانتقام هو ما كان حقا من حقوق الدين الإلهي و الشريعة السماوية و إن شئت فقل من حقوق المجتمع الإسلامي و إن كان ربما استصحب الحق الفردي فيما إذا انتصف سبحانه للمظلوم من ظالمه فهو الولي الحميد .


و أما الانتقام الفردي المبني على الإحساس لغاية التشفي فساحته المقدسة أعز من أن يتضرر بإجرام المجرمين و معصيةالمسيئين أو ينتفع بطاعة المحسنين .


و من هنا يظهر سقوط ما ربما استشكله بعضهم أن الانتقام إنما يكون لتشفي القلب و إذ كان تعالى لا ينتفع و لا يتضرر بشي‏ء من أعمال عباده خيرا أو شرا طاعة أو معصية فلا وجه لنسبة الانتقام إليه كما أن رحمته غير المتناهية تأبى أن يعذبهم بعذاب خالد غير متناه كيف لا ؟ و الواحد من أرباب الرحمة يرحم المجرم المقدم على أي معصية إذا كان عن جهالة منه و هو تعالى يصف الإنسان - و هو مخلوقه المعلوم له حاله - بذلك إذ يقول : « إنه كان ظلوما جهولا» : الأحزاب : 72 .


وجه السقوط أن فيه خلطا بينالانتقام الفردي و الاجتماعي ، و الذي يثبت فيه تعالى هو الاجتماعي منه دون الفردي كما توهم كما أن فيه خلطا بين الرحمة النفسانية التي هي تأثر و انفعال قلبي من الإنسان و بين الرحمة العقلية التي هي تتميم نقص الناقص المستعد لذلك ، و التي تثبت فيه تعالى هي الرحمة العقلية دون الرحمة النفسانية و لم يثبت الخلود في العذاب إلا فيما إذا بطل استعداد الرحمة و إمكان الإفاضة قال تعالى : « بلى من كسب سيئة و أحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» : البقرة : 81 .


و هاهنا نكتة يجب أن تتنبه لها و هي أن الذي تقدم من معنى الانتقام المنسوب إليه تعالى إنما يتأتى على مسلك المجازاة و الثواب و العقاب ، و أما على مسلك نتائج الأعمال فترجع حقيقته إلى لحوق الصور السيئة المؤلمة بالنفس الإنسانية عن الملكات الرديئة التي اكتسبتها في الحياة الدنيا ، بعد الموت ، و قد تقدم البحث في الجزء الأول من الكتاب في ذيل قوله تعالى : « إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما» الآية : البقرة : 26 في جزاء الأعمال .


قوله تعالى : « يوم تبدل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :88


القهار» الظرف متعلق بقوله : « ذو انتقام» و تخصيص انتقامه تعالى بيوم القيامة مع عمومه لجميع الأوقات و الظروف إنما هو لكون اليوم أعلى مظاهر الانتقام الإلهي كما أن تخصيص بروزهم لله بذلك اليوم كذلك ، و على هذا النسق جل الأوصاف المذكورة في كلامه تعالى ليوم القيامة كقوله : « الأمر يومئذ لله» : الانفطار : 19 ، و قوله : « ما لكم من الله من عاصم» : المؤمن : 33 ، إلى غير ذلك و قد تقدمت الإشارة إليه كرارا .


و الظاهر أن اللام في الأرض للعهد في الموضعين معا و كذا في السماوات و السماوات معطوفة على الأرض الأولى و المعنى تبدل هذه الأرض غير هذه الأرض و تبدل هذه السماوات غير هذه السماوات .


و للمفسرين في معنى تبدل الأرض و السماوات أقوال مختلفة : فقيل : تبدل الأرض فضة و السماوات ذهبا و ربما قيل إن الأرض تبدل من أرض نقية كالفضة و السماوات كذلك .


و قيل : تبدل الأرض نارا و السماوات جنانا .


و قيل : تبدل الأرض خبزة نقية يأكل الناس منها طول يوم القيامة .


و قيل : تبدل الأرض لكل فريق مما يقتضيه حاله فتبدل لبعض المؤمنين خبزة يأكل منها ما دام في العرصات و لبعض آخر فضة و تبدل للكافر نارا .


و قيل : التبديل هو أنه يزاد في الأرض و ينقص منها و تذهب آكامها و جبالها و أوديتها و شجرها و تمد مد الأديم و تصير مستوية لا ترى فيها عوجا و لا أمتا ، و تتغير السماوات بذهاب الشمس و القمر و النجوم و بالجملة يتغير كل من الأرض و السماوات عما هو عليه في الدنيا من الصفات و الأشكال .


و منشأ اختلافهم في تفسير التبديل اختلاف الروايات الواردة في تفسير الآية مع أن الروايات لو صحت و اتصلت كان اختلافها أقوى شاهد على أن ظاهرها غير مراد و أن بياناتها واقعة موقع التمثيل للتقريب .


و التدبر الكافي في الآيات التي تحوم حول تبديل الأرض و السماء يفيد أن أمر التبديل أعظم مما تتصوره من بسط الجبل على السهل أو تبديل التراب فضة أو خبزا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :89


نقيا مثلا كقوله تعالى : « و أشرقت الأرض بنور ربها» : الزمر - 69 و قوله : « و سيرت الجبال فكانت سرابا» : النبأ : 20 ، و قوله : « و ترى الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب» : النمل : 88 إن كانت الآية ناظرة إلى يوم القيامة إلى غير ذلك من الآيات .


فالآيات تنبى‏ء عن نظام غير هذا النظام الذي نعهده و شئون دون ما نتصوره فإشراق الأرض يومئذ بنور ربها غير إشراق بسيطها بنور الشمس أو الكواكب أو غيرها ، و سير الجبال ينتهي عادة إلى زوالها عن مكانها و تلاشيها مثلا لا إلى كونها سرابا ، و هكذا نرجو أن يوفقنا الله سبحانه لبسط الكلام في هذا المعنى فيما سيأتي إن شاء الله تعالى .


و قوله : « و برزوا لله الواحد القهار» معنى بروزهم و ظهورهم لله يومئذ - مع كون الأشياء بارزة غير خفية عليه دائما - سقوط جميع العلل و الأسباب التي كانت تحجبهم عنه تعالى ما داموا في الدنيا فلا يبقى يومئذ - على ما يشاهدون - شي‏ء من الأسباب يملكهم و يتولى أمرهم و يستقل بالتأثير فيهم إلا الله سبحانه كما يدل عليه آيات كثيرة فهم لا يلتفتون إلى جانب و لا يتوجهون إلى جهة في ظاهرهم و باطنهم و حاضرهم و الماضي الغائب من أحوالهم و أعمالهم إلا وجدوه سبحانه شاهدا مهيمنا عليه محيطا به .


و الدليل على هذا الذي ذكرناه توصيفه تعالى بالواحد القهار المشعر بنوع من الغلبة فبروزهم لله يومئذ إنما هو ناشى‏ء عن كونه تعالى هو الواحد الذي يقوم به وجود كل شي‏ء و يقهر كل من دونه من مؤثر فلا يحول بينهم و بينه حائل فهم بارزون له بروزا مطلقا .


قوله تعالى : « و ترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران و تغشى وجوههم النار» المقرنين من التقرين و هو جمع الشي‏ء إلى نظيره و الأصفاد جمع الصفد و هو الغل الذي يجمع اليد إلى العنق أو هو مطلق السلسلة يقرن بين المقيدين ، و السرابيل جمع السربال و هو القميص و القطران شي‏ء أسود منتن يطلى به الإبل فإنهم يطلون به فيصير كالقميص عليهم و الغشاوة بالفتح الستر و التغطية يقال : غشي يغشى غشاوة أي ستره و غطاه ، و معنى الآيتين واضح .


قوله تعالى : « ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب» معنى


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :90


الآية واضح ، و هي بظاهرها تدل على أن الذي تجزى به كل نفس هو عين ما كسبته من حسنة أو سيئة و إن تبدلت صورته ، فهي من الآيات الدالة على أن الذي يلحق بهم يوم القيامة هو نتيجة أعمالهم .


فالآية تفسر أولا معنى الجزاء في يوم الجزاء ، و ثانيا معنى انتقامه تعالى يومئذ و أنه ليس من قبيل عقوبة المجرم العاصي تشفيا منه بل إلحاق ما يستدعيه عمل المجرم به و إن شئت فقل إيصال ما اكتسبه المجرم بعينه إليه .


و في تعليل هذا الجزاء و هو في يوم القيامة بقوله : « إن الله سريع الحساب» إيماء إلى أن الجزاء واقع من غير فصل و مهل إلا أن ظرف ظهوره هو ذلك اليوم لا غير ، أو أن الحكم بالجزاء و كتابته واقع عند العمل و تحققه يوم القيامةو مآل الوجهين واحد في الحقيقة .


قوله تعالى : « هذا بلاغ للناس و لينذروا به و ليعلموا أنما هو إله واحد و ليذكر أولوا الألباب» البلاغ بمعنى التبليغ على ما ذكره الراغب أو بمعنى الكفاية على ما ذكره غيره .


و الآية خاتمة السورة فالأنسب أن تكون الإشارة بهذا إلى ما أورد في السورة من البيان لا إلى مجموع القرآن كما ذكره بعضهم و لا إلى ما ذكر من قوله تعالى : « و لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون» إلى آخر السورة كما ذكره آخرون .


و قوله : « و لينذروا به» إلخ ، اللام فيه للغاية و هو معطوف على محذوف إنما حذفلفخامة أمره و عظم شأنه لا يحيط به أفهام الناس لاشتماله من الأسرار الإلهية على ما لا يطيقونه ، و إنما تسع عقولهم ما ذكر من غاياته و هو الإنذار و العلم بوحدانيته تعالى و التذكر ، فهم ينذرون بما ذكر فيها من مؤاخذته تعالى الظالمين عاجلا و آجلا ، و تتم عليهم الحجة بما ذكر فيها من آيات التوحيد ، و يتذكر المؤمنون منهم خاصة بما فيها من المعارف الإلهية .


و بهذا يتطابق مختتم السورة و مفتتحها أعني قوله في أول السورة : « كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد» فقد تقدم أن مدلول الآية أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالدعوة و التبليغ إلى صراط الله بما أنه


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :91


تعالى ربهم العزيز الحميد ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذنه فإنهم إن استجابوا الدعوة و آمنوا خرجوا بذلك من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بالفعل و إن لم يستجيبوا أنذروا و وقفوا على التوحيد الحق و خرجوا من الجهل إلى العلم و هو نوع خروج من الظلمة إلى النور و إن كان وبالا عليهم و خسارا ففي الدعوة - على أي حال - إنذار للناس و إعلامهم أنما هو إله واحد و تذكر لأولي الألباب منهمخاصة و هم المؤمنون .


بحث روائي


في المعاني ، بإسناده عن ثوبان : أن يهوديا جاء إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : يا محمد فرفعه ثوبان برجله و قال : قل : يا رسول الله فقال : لا أدعوه إلا بأسماء أهله قال : أ رأيت قول الله : « يوم تبدل الأرض غير الأرض و السماوات» أين الناس يومئذ قال : في الظلمة دون المحشر . قال : فما أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوها ؟ قال كبد الحوت قال : فما شرابهم على إثر ذلك ، قال : السلسبيل . قال صدقت يا محمد .


أقول : و روي الحديث في الدر المنثور ، عن مسلم و ابن جرير و الحاكم و البيهقي في الدلائل عن ثوبان : مثله إلى قوله : في الظلمة و روي أيضا عن عدة عن عائشة : أنها سألت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن ذلك فقال : على الصراط .


و في تفسير العياشي ، عن ثوير بن أبي فاختة عن الحسين بن علي (عليهماالسلام‏) قال : « تبدل الأرض غير الأرض» يعني بأرض لم يكتسب عليها الذنوب بارزة ليست عليها جبال و لا نبات كما دحاها أول مرة .


أقول : و رواه القمي أيضا في تفسيره ، و فيه دلالة على حدوث الجبال و كذا النبات بعد تمام خلقة الأرض .


و في الدر المنثور ، أخرج البزار و ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه و البيهقي في البعث عن ابن مسعود قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في قول الله : يوم تبدل الأرض غير الأرض» . قال : أرض بيضاء كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام و لم تعمل فيها خطيئة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :92


أقول : و رواه أيضا عن ابن مردويه عن علي عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : مثله .


و فيه ، أخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في الآية قال : تبدل الأرض من فضة و السماء من ذهب .


أقول : و حمل بعضهم الكلام على التشبيه كما وقع في حديث ابن مسعود السابق .


و في الكافي ، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : سأله أبرش الكلبي عن قول الله عز و جل : « يوم تبدل الأرض غير الأرض» قال : تبدل خبزة نقية يأكل الناس منها حتى يفرغ من الحساب . فقال الأبرش : فقلت : إن الناس يومئذ لفي شغل من الأكل فقال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) فهم في النار لا يشتغلون عن أكل الضريع و شرب الحميم و هم في عذاب فكيف يشتغلون عنه في الحساب ؟ .


أقول : و قوله : « تبدل خبزة نقية» يحتمل التشبيه كما ربما يستفاد من الخبر الآتي .


و في إرشاد المفيد ، و احتجاج الطبرسي ، عن عبد الرحمن بن عبد الله الزهري قال : حج هشام بن عبد الملك فدخل المسجد الحرام متكئا على ولد سالم مولاه و محمد بن علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) جالس في المسجد فقال له سالم مولاه يا أمير المؤمنين هذا محمد بن علي قال هشام : المفتونون به أهل العراق ؟ قال : نعم . فقال : اذهب إليه فقل له : يقول لك أمير المؤمنين : ما الذي يأكل الناس و يشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة قال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) : يحشر الناس على مثل قرص نقي فيها أنهار متفجرة يأكلون و يشربون حتى يفرغ من الحساب . قال : فرأى هشام أنه قد ظفر به فقال : الله أكبر اذهب إليه فقل : ما أشغلهم عن الأكل و الشرب يومئذ . فقال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) : هم في النار أشغل و لم يشتغلوا عن ذلك قالوا أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله . فسكت هشام لا يرجع كلاما و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن أفلح مولى أبي أيوب : أن رجلا من يهود سأل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « يوم تبدل الأرض غير الأرض» ما الذي تبدل به ؟ فقال : خبزة ،


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :93


فقال اليهودي : درمكة بأبي أنت ، قال : فضحك ثم قال : قاتل الله اليهود هل تدرون ما الدرمكة ؟ لباب الخبز .


و فيه ، أخرج أحمد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و أبو نعيم في الدلائل عن أبي أيوب الأنصاري قال : أتى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حبر من اليهود و قال : أ رأيت إذ يقول الله : « يوم تبدل الأرض غير الأرض» فأين الخلق عند ذلك ؟ قال : أضياف الله لن يعجزهم ما لديه .


أقول : و اختلاف الروايات في تفسير التبديل لا يخلو عن دلالة على أنها أمثال مضروبة للتقريب و المسلم من معنى التبدل أن حقيقة الأرض و السماء و ما فيهما يومئذ هي هي غير أن النظام الجاري فيهما يومئذ هو غير النظام الجاري فيهما في الدنيا .


و في المعاني ، بإسناده عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر (عليه‏السلام‏) يقول : لقد خلق الله عز و جل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس فيهم من ولد آدم ، خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحدا بعد واحد مع عالمه . ثم خلق الله عز و جل آدم أبا البشر و خلق ذريته منه لا و الله ما خلت الجنة من أرواح المؤمنين منذ خلقها ، و لا خلت النار من أرواح الكفار و العصاة منذ خلقها عز و جل لعلكم ترون إذا كان يوم القيامة و صير أبدان أهل الجنة مع أرواحهم في الجنة و صير أبدان أهل النار مع أرواحهم في النار إن الله تعالى لا يعبد في بلاده و لا يخلق خلقا يعبدونه و يوحدونه ؟ بلى و الله ليخلقن الله خلقا من غير فحولة و لا إناث يعبدونه و يوحدونه و يعظمونه و يخلق لهم أرضا تحملهم و سماء تظلهم أ ليس الله عز و جل يقول : « يوم تبدل الأرض غير الأرض و السماوات» ؟ و قد قال عز و جل : « أ فعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد» .


أقول : و رواه العياشي ، في تفسيره عن محمد بن مسلم عنه (عليه‏السلام‏) : مثله ، و هو غير المعاني التي أوردناها سابقا .


و في تفسير القمي ، قوله : « يوم تبدل الأرض غير الأرض»قال تبدل خبزة بيضاء في الموقف يأكل منها المؤمنون « و ترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد» قال : قال : مقرنين بعضهم إلى بعض « سرابيلهم من قطران» قال : قال : السرابيل القميص .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :94


قال : و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله : « سرابيلهم من قطران» هو الصفر الحار المذاب انتهى حره يقول الله عز و جل : « و تغشى وجوههم النار» سربلوا ذلك الصفر و تغشى وجوههم النار .


أقول : يعني أن المراد بالجملتين : « سرابيلهم من قطران و تغشى وجوههم النار» جميعا بيان أنهم مستورون مغشيون أما أبدانهم فبالقطران و أما وجوههم فبالنار .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :