امروز:
دوشنبه 3 مهر 1396
بازدید :
697
تفسيرالميزان : سوره حجر آيات 99- 26


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :150


وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الانسنَ مِن صلْصلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسنُونٍ‏(26) وَ الجَْانَّ خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السمُومِ‏(27) وَ إِذْ قَالَ رَبُّك لِلْمَلَئكَةِ إِنى خَلِقُ بَشراً مِّن صلْصلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسنُونٍ‏(28) فَإِذَا سوَّيْتُهُ وَ نَفَخْت فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا لَهُ سجِدِينَ‏(29) فَسجَدَ الْمَلَئكَةُ كلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏(30) إِلا إِبْلِيس أَبى أَن يَكُونَ مَعَ السجِدِينَ‏(31) قَالَ يَإِبْلِيس مَا لَك أَلا تَكُونَ مَعَ السجِدِينَ‏(32) قَالَ لَمْ أَكُن لأَسجُدَ لِبَشرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صلْصلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسنُونٍ‏(33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنهَا فَإِنَّك رَجِيمٌ‏(34) وَ إِنَّ عَلَيْك اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ‏(35) قَالَ رَب فَأَنظِرْنى إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏(36) قَالَ فَإِنَّك مِنَ الْمُنظرِينَ‏(37) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏(38) قَالَ رَب بمَا أَغْوَيْتَنى لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فى الأَرْضِ وَ لأُغْوِيَنهُمْ أَجْمَعِينَ‏(39) إِلا عِبَادَك مِنهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏(40) قَالَ هَذَا صِرَطٌ عَلىَّ مُستَقِيمٌ‏(41) إِنَّ عِبَادِى لَيْس لَك عَلَيهِمْ سلْطنٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَك مِنَ الْغَاوِينَ‏(42) وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ‏(43) لهََا سبْعَةُ أَبْوَبٍ لِّكلّ‏ِ بَابٍ مِّنهُمْ جُزْءٌ مَّقْسومٌ‏(44) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فى جَنَّتٍ وَ عُيُونٍ‏(45) ادْخُلُوهَا بِسلَمٍ ءَامِنِينَ‏(46) وَ نَزَعْنَا مَا فى صدُورِهِم مِّنْ غِلٍ إِخْوَناً عَلى سرُرٍ مُّتَقَبِلِينَ‏(47) لا يَمَسهُمْ فِيهَا نَصبٌ وَ مَا هُم مِّنهَا بِمُخْرَجِينَ‏(48)



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :151


بيان


هذه هي الطائفة الثالثة من الآيات الموردة إثر ما ذكر في مفتتح السورة من استهزاء الكفار بالكتاب و بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و اقتراحهم عليه آية أخرى غير القرآن ، و قد ذكر الله سبحانه في هذه الطائفة بدء خلقة الإنسان و الجان و أمره الملائكة و إبليس أن يسجدوا له و سجودهم و إباء إبليس و هو من الجن و رجمه و إغواءه بني آدم ، و ما قضى الله سبحانه عند ذلك من سعادة المتقين و شقاء الغاوين .


قوله تعالى : « و لقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون» قال الراغب في المفردات : أصل الصلصال تردد الصوت من الشي‏ء اليابس و منه قيل : صل المسمار و سمي الطين الجاف صلصالا ، قال تعالى : « من صلصال كالفخار» « من صلصال من حمإ مسنون» و الصلصلة بقية ماء سميت بذلك لحكاية صوت تحركه في المزادة و قيل : الصلصال المنتن من الطين من قولهم : صل اللحم .


و قال : و الحمأة و الحمأ طين أسود منتن ، و قال : و قوله : من حمإ مسنون قيل : متغير و قوله : لم يتسنه معناه لم يتغير و الهاء للاستراحة .


انتهى .


و قوله : « و لقد خلقنا الإنسان» إلخ المراد به بدء خلقة الإنسان بدليل قوله : « و بدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين» : الم السجدة : 8 ، فهو إخبار عن خلقة النوع و ظهوره في الأرض فإن خلق أول من خلق منهم و منه خلق الباقي خلق الجميع .


قال في مجمع البيان : و أصل آدم كان من تراب و ذلك قوله : « خلقه من تراب» ثم جعل التراب طينا و ذلك قوله : « و خلقته من طين» ثم ترك ذلك الطين حتى تغير و استرخى و ذلك قوله : « من حمإ مسنون» ثم ترك حتى جف و ذلك قوله : « من صلصال» فهذه الأقوال لا تناقض فيها إذ هي إخبار عن حالاته المختلفة .


انتهى .


قوله تعالى : « و الجان خلقناه من قبل من نار السموم» قال الراغب : السموم الريح الحارة تؤثر تأثير السم .


انتهى .


و أصل الجن الستر و هو معنى سار في جميع ما اشتق منه كالجن و المجنة و الجنة و الجنين و الجنان بالفتح و جن عليه الليل و غير ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :152


و الجن طائفة من الموجودات مستورة بالطبع عن حواسنا ذات شعور و إرادة تكرر في القرآن الكريم ذكرهم و نسب إليهم أعمال عجيبة و حركات سريعة كما في قصص سليمان (عليه‏السلام‏) و هم مكلفون و يعيشون و يموتون و يحشرون تدل على ذلك كله آيات كثيرة متفرقة في كلامه تعالى .


و أما الجان فهل هو الجنبعينه أو هو أبو الجن كما أن آدم (عليه‏السلام‏) أبو البشر كما عن ابن عباس أو هو إبليس نفسه كما عن الحسن أو الجان نسل إبليس من الجن أو هو نوع من الجن كما ذكره الراغب ؟ أقوال مختلفة لا دليل على أكثرها .


و الذي يهدي إليه التدبر في كلامه تعالى أنه قابل في هاتين الآيتين الإنسان بالجان فجعلهما نوعين اثنين لا يخلوان عن نوع من الارتباط في خلقتهما ، و نظير ذلك قوله : « خلق الإنسان من صلصال كالفخار و خلق الجان من مارج من نار» : الرحمن : 15 .


و لا يخلو سياق ما نحن فيه من الآيات من دلالة على أن إبليس كان جانا و إلا لغا قوله : « و الجان خلقناه من قبل» إلخ ، و قد قال تعالى في موضع آخر من كلامه في إبليس : « كان من الجن ففسق عن أمر ربه» : الكهف : 50 ، فأفاد أن هذا الجان المذكور هو الجن نفسه أو هو نوع من أنواع الجن ثم ترك سبحانه في سائر كلامه ذكر الجان من أصله و لم يذكر إلا الجن حتى في موارد يعم الكلام فيها إبليس و قبيله كقوله تعالى : « شياطين الإنس و الجن» : الأنعام : 112 ، و قوله : « و حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن و الإنس» : حم السجدة : 25 ، و قوله : « سنفرغ لكم أيها الثقلان - إلى أن قال - يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات و الأرض فانفذوا» : الرحمن : 33 .


و ظاهر هذه الآيات من جهة المقابلة الواقعة فيها بين الإنسان و الجان تارة و بين الإنس و الجن أخرى أن الجن و الجان واحد و إن اختلف التعبير .


و ظاهر المقابلة بين قوله : « و لقد خلقنا الإنسان» إلخ ، و قوله : « و الجان خلقناه من قبل» إلخ أن خلق الجان من نار السموم المراد به الخلق الابتدائي و بدء ظهور النوع كخلق الإنسان من صلصال ، و هل كان استمرار الخلقة في أفراد الجان المستتبع لبقاء النوع على سنة الخلق الأول من نار السموم بخلاف الإنسان حيث بدى‏ء


الميزان في تفسير القرآن ج : 12 ص :153


خلقه من تراب ثم استمر بالنطفة كلامه سبحانه خال عن بيانه ظاهرا غير ما في بعض كلامه من نسبة الذرية إلى إبليس كما قال : « أ فتتخذونه و ذريته أولياء من دوني» : الكهف : 50 ، و نسبة الموت إليهم كما في قوله : « قد خلت من قبلهم من الجن و الإنس» : حم السجدة : 25 ، و المألوف من نوع فيه ذرية و موت هو التناسل و الكلام بعد في هذا التناسل هل هو بسفاد كسفاد نوع من الحيوان أو بغير ذلك ؟ .


و قوله : « خلقناه من قبل» مقطوع الإضافة أي من قبل خلق الإنسانو القرينة هي المقابلة بين الخلقين .


و عد مبدإ خلق الجان في الآية هو نار السموم لا ينافي ما في سورة الرحمن من عده مارجا من نار أي لهيبا مختلطا بدخان فإن الآيتين تلخصان أن مبدأ خلقه ريح سموم اشتعلت فكانت مارج نار .


فمعنى الآيتين : أقسم لقد بدأنا خلق النوع الإنسان من طين قد جف بعد أن كان سائلا متغيرا منتنا و نوع الجان بدأنا خلقه من ريح حارة حادة اشتعلت فصارت نارا .


قوله تعالى : « و إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا» إلى آخر الآية ، قال في المفردات : البشرة ظاهر الجلد و الأدمة باطنه كذا قال عامة الأدباء - إلى أن قال - و عبر عن الإنسان بالبشر اعتبارا بظهور جلده من الشعر بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف أو الشعر أو الوبر ، و استوى في لفظ البشر الواحد و الجمع و ثنى فقال تعالى : « أ نؤمن لبشرين» و خص في القرآن في كل موضع اعتبر من الإنسان جثته و ظاهره بلفظ البشر نحو : « و هو الذي خلق من الماء بشرا» انتهى موضع الحاجة .


و قوله : « و إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا» بإضمار فعل و التقدير : و اذكر إذ قال ربك ، و في الكلام التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة و كان العناية فيه مثل العناية التي مرت في قوله : «و إن ربك هو يحشرهم» فإن هذه الآيات أيضا تكشف عن نبإ ينتهي إلى الحشر و السعادة و الشقاوة الخالدتين .


على أن التكلم مع الغير في السابق « و لقد خلقنا» « خلقناه» من قبيل تكلم العظماء عنهم و عن خدمهم و أعوانهم تعظيما أي بأخذه تعالى ملائكته الكرام معه في


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :154


الأمر و هذه العناية مما لا يستقيم في مثل المقام الذي يخاطب فيه الملائكة في إخبارهم بإرادته خلق آدم (عليه‏السلام‏) و أمرهم بالسجود له إذا سواه و نفخ فيه من روحه فافهم ذلك و معنى الآية ظاهر .


قوله تعالى : « فإذاسويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين» التسوية جعل الشي‏ء مستويا قيما على أمره بحيث يكون كل جزء منه على ما ينبغي أن يكون عليه فتسوية الإنسان أن يكون كل عضو من أعضائه في موضع الذي ينبغي أن يكون فيه و على الحال التي ينبغي أن يكون عليها .


و لا يبعد أن يستفاد من قوله : « إني خالق» « فإذا سويته» أن خلق بدن الإنسان الأول كان على سبيل التدريج الزماني فكان أولا الخلق و هو جمع الأجزاء ثم التسوية و هو تنظيم الأجزاء و وضع كل جزء في موضعه الذي يليق به و على الحال التي تليق به ثم النفخ و لا ينافيه ما في قوله تعالى : « خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون» : آل عمران : 59 ، فإن قوله : « ثم قال له» إلخ ناظر إلى كينونة الروح و هو النفس الإنسانية دون البدن كما عبر عنه في موضع آخر بعد بيان خلق البدن بالتدريج بقوله : « ثم أنشأناه خلقا آخر» : المؤمنون : 14 .


و قوله : « و نفخت فيه من روحي» النفخ إدخال الهواء في داخل الأجسام بفم أو غيره و يكنى به عن إلقاء أثر أو أمر غير محسوس في شي‏ء ، و يعني به في الآية إيجاده تعالى الروح الإنساني بما له من الرابطة و التعلق بالبدن ، و ليس بداخل فيه دخول الهواء في الجسم المنفوخ فيه كما يشير إليه قوله سبحانه : « ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر» : المؤمنون : 14 ، و قوله تعالى : « قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم» : الم السجدة : 11 .


فالآية الأولى - كما ترى - تبين أن الروح الإنساني هو البدن منشأ خلقا آخر و البدن على حاله من غير أن يزاد فيه شي‏ء ، و الآية الثانية تبين أن الروح عند الموت مأخوذ من البدن و البدن على حاله من غير أن ينقص منه شي‏ء .


فالروح أمر موجود في نفسه له نوع اتحاد بالبدن بتعلقه به و له استقلال عن البدن إذا انقطع تعلقه به و فارقه و قد تقدم بعض ما يتعلق من الكلام بهذا المقام في


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :155


تفسير قوله تعالى : « و لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات» : البقرة : 154 في الجزء الأول من الكتاب .


و نرجو أن نستوفي هذا البحث في ذيل قوله : « قل الروح من أمر ربي» : الآية 85 من سورة إسراء إن شاء الله .


و إضافة الروح إليه تعالى في قوله : « من روحي» للتكرمة و التشريف من الإضافة اللامية المفيدة للملك ، و قوله : « فقعوا له ساجدين» أي اسجدوا ، و لا يبعد أن يفهم منه أن خروا على الأرض ساجدين له فيفيد التأكيد في الخضوع من الملائكة لهذا المخلوق الجديد كما قيل .


و معنى الآية فإذا عدلت تركيبه و أتممت صنع بدنه و أوجدت الروح الكريم المنسوب إلي الذي أربط بينه و بين بدنه فقعوا و خروا على الأرض ساجدين له .


قوله تعالى : « فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين» لفظة أجمعون تأكيد بعد تأكيد لتشديده ، و المراد أن الملائكة سجدوا له بحيث لم يبق منهم أحد و قد استثنى من ذلك إبليس و لم يكن منهم لقوله تعالى : « كان من الجن ففسق عن أمر ربه» : الكهف : 50 ، و أما قول من قال : إن طائفة من الملائكة كانوا يسمون الجن و كان إبليس منهم أو إن الجن بمعنى الستر فيعم الملائكة و غيرهم فمما لا يصغى إليه ، و قد تقدم في تفسير سورة الأعراف كلام في معنى شمول الأمر بالسجود لإبليس مع عدم كونه من الملائكة و معنى الآيتين ظاهر .


قوله تعالى : « قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين» « ما لك» مبتدأ و خبر أي ما الذي هو كائن لك ؟ و قوله : « ألا تكون» من قبيل نزع الخافض و التقدير في أن لا تكون مع الساجدين و هم الملائكة ، و محصل المعنى : ما بالك لم تسجد ؟ .


قوله تعالى : « قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون» في التعبير بقوله : « لم أكن لأسجد» دون أن يقول : لا أسجد أو لست أسجد دلالة على أن الإباء عن السجدة مقتضى ذاته و كان هو المترقب منه لو اطلع على جوهره فتفيد الآية بالكناية ما يفيده قوله في موضع آخر : « أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :156


من طين» : ص : 76 بالتصريح .


و قد تقدم كلام في معنى السجود لآدم و أمر الملائكة و إبليس بذلك و ائتمارهم و تمرده عنه ، نافع في هذا الباب في تفسير سورتي البقرة و الأعراف من هذا الكتاب .


قوله تعالى : « فاخرج منها فإنك رجيم و إن عليك اللعنة إلى يوم الدين» الرجيم فعيل بمعنى المفعول من الرجم و هو الطرد و شاع استعماله في الطرد بالحجارة و الحصاة ، و اللعن هو الطرد و الإبعاد من الرحمة .


و من هنا يظهر أن قوله : « و إن عليك اللعنة» إلخ بمنزلة البيان لقوله : « فإنك رجيم» فإن الرجم كان سببا لخروجه من بين الملائكة من السماء أو من المنزلة الإلهية و بالجملة من مقام القرب و هو مستوى الرحمة الخاصة الإلهية فينطبق على الإبعاد من الرحمة و هو اللعن .


و قد نسب سبحانه هذه اللعنة المجعولة على إبليسفي موضع آخر إلى نفسه فقال : « و إن عليك لعنتي إلى يوم الدين» : ص : 58 ، و قيدها في الآيتين جميعا بقوله : « إلى يوم الدين» .


أما جعل مطلق اللعنة عليه في قوله : « عليك اللعنة» فلأن اللعن يلحق المعصية و ما من معصية إلا و لإبليس فيه صنع بالإغواء و الوسوسة فهو الأصل الذي يرجع إليه كل معصية و ما يلحقها من لعن حتى في عين ما يعود إلى أشخاص العصاة من اللعن و الوبال ، و تذكر في ذلك ما تقدم في ذيل قوله تعالى : « ليميز الله الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه فيجعله في جهنم» : الأنفال : 37 في الجزءالتاسع من الكتاب .


على أنه لعنه الله أول فاتح فتح باب معصية الله و عصاه في أمره فإليه يعود وبال هذا الطريق بسالكيه ما سلكوا فيه .


و أما جعل لعنته خاصة عليه في قوله : « عليك لعنتي» فلأن الإبعاد من الرحمة بالحقيقة إنما يؤثر أثره إذا كان منه تعالى إذ لا يملك أحد من رحمته إعطاء و منعا إلا بإذنه فإليه يعود حقيقة الإعطاء و المنع .


على أن اللعن من غيره تعالى بالحقيقة دعاء عليه بالإبعاد من الرحمة و أما نفس


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :157


الإبعاد الذي هو نتيجة الدعاء فهو من صنعه القائم به تعالىو حقيقته المبالغة في منع الرحمة .


و قال في المجمع : و قال بعض المحققين : إنما قال سبحانه هنا : « و إن عليك اللعنة» بالألف و اللام ، و قال في سورة ص : « لعنتي» بالإضافة لأن هناك يقول : « لما خلقت بيدي» مضافا ، فقال : « و إن عليك لعنتي» على المطابقة ، و قال هنا : « ما لك ألا تكون مع الساجدين» و ساق الآية على اللام في قوله : « و لقد خلقنا الإنسان» و قوله : « و الجان» فأتى باللام أيضا في قوله : « و إن عليك اللعنة» انتهى و قال أيضا في الآية بيان أنه لا يؤمن قط .


و أما تقييد اللعنة بقوله : « إلى يوم الدين» فلأن اللعنة هي عنوان الإثم و الوبال العائد إلى النفس من المعصية و المعصية محدودة بيوم القيامة فاليوم عمل و لا جزاء و غدا جزاء و لا عمل ، و إن شئت فقل : هذه الدار دار كتابة الأعمال و حفظها و يوم القيامة دار الحساب و الجزاء .


و أما قول القائل : إن تحديد اللعن بيوم الدين دليل على كونه مغيا به مرفوعا فيه و فيما بعده فمما يدفعه ظاهر الآيات المبينة للعذاب يوم القيامة .


و يؤيد ذلك التعبير في الآية عن يوم القيامة بيوم الدين المشعر بأنه ملعون قبل يوم القيامة و مجزي به فيه ، و لو انقطع العذاب بقيام الساعةلكان اليوم يوم انقطاع الدين لا يوم الدين .


و ربما قيل في دفع إشكال الغاية إن ذلك أبعد غاية يضربها الخلائق فهو كقوله : « خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض» الآية ، و هو كما ترى و قد عرفت معنى الآية المقيس عليها في تفسير سورة هود .


و ربما قيل : إن المراد باللعنة في الآية لعن الخلائق و ذلك منقطع بمجي‏ء يوم الدين دون لعنه تعالى و إبعاده له من رحمته فإنه متصل إلى الأبد .


و كأن هذا القائل ذهب عليه قوله تعالى في سورة ص : « و إن عليك لعنتي إلى يوم الدين» : الآية : 78 .


قوله تعالى : « قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون» الإنظار هو الإمهال و قد صدر كلامه بقوله : « رب» و هو يخاصمه و قد عصاه و استكبر عليه تعالى لأنه في مقام


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :158


الدعاء لا مفر له من دعوته تعالى بما يثير به الرحمة الإلهية المطلقة و هو الالتجاء إليه بربوبيته له ليستجيب له و هو مغضوب عليه .


و قد صدر مسألته بفاء التفريع في قوله : « فأنظرني» و ذكر فيه بعثة عامة البشر من غير أن يخص بالذكر آدم أباهم الذي ابتلي بالرجم و اللعن من أجل الإباء عن السجود له و ذلك كله مبني على ما تقدم في تفسير آيات القصة في سورة الأعراف أن المأمور به كان هو السجود لعامة البشر و كان آدم (عليه‏السلام‏) كالقنبلة المنصوبة للسجود يمثل به النوع الإنساني .


و توضيحه أنه قد تقدم في قوله تعالى : « و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس» : الأعراف : 11 أنهم إنما أمروا بالسجدة لنوع الإنسان لا لشخص آدم (عليه‏السلام‏) و لم يكن هذه السجدة تشريفا اجتماعيا من غير غاية حقيقية بل كانت خضوعا بحسب الخلقة فهم بحسب ما أريد من خلقتهم خاضعون للإنسان بحسب ما أريد من كمال خلقته ، أي إنهم مسخرون لأجله عاملون في سبيل سعادة حياته أي إن للإنسان منزلة من القرب و مرحلة من كمال السعادة تفوق ما للملائكة من ذلك .


فسجودهم جميعا له دليل أنهم جميعا مسخرون في سبيل كماله من السعادة عاملون لأجل فوزه و فلاحه كملائكة الحياة و ملائكة الموت و ملائكة الأرزاق و ملائكة الوحي و المعقبات و الحفظة و الكتبة و غيرهم ممن تذكرهم متفرقات الآيات القرآنية فالملائكة أسباب إلهية و أعوان للإنسان في سبيل سعادته و كماله .


و من هنا يظهر للمتدبر الفطن أن إباء إبليس عن السجدة استنكاف منه عن الخضوع لنوع الإنسان و العمل في سبيل سعادته و إعانته على كمال المطلوب على خلاف ما ظهر من الملائكة فهو بإبائه عن السجدة خرج من جمع الملائكة كما يفيده قوله تعالى : « ما لك ألا تكون مع الساجدين» و أظهر الخصومة لنوع الإنسان و البراءة منهم ما حيوا و عاشوا أو خالدا مؤبدا .


و يؤيده جعله تعالى اللعنة المطلقة عليه من يوم أبى إلى يوم الدين و هو مدة مكث النوع الإنساني في هذه الدنيا فجعلها عليه كذلك و لما يدع إبليس أنه سيغويهم و لم يقل


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :159


بعد : « لأغوينهم أجمعين» مشعر بأن إباءه عن السجدة نوع خصومة و عداوة منه لهذا النوع آخذا من آدم إلى آخر من سيولد و يعيش من ذريته .


فكأنه عليه اللعنة فهم من قوله تعالى : « و إن عليك اللعنة إلى يوم الدين» أن له شأنا مع النوع الإنساني إلى يوم القيامة و أن لشقائهم و فساد أعمالهم ارتباطا به من حيث امتنع عن السجود و لذلك سأل النظرة إلى يوم يبعثون مفرعا ذلك على اللعنة المجعولة عليه فقال : « رب فأنظرني إلى يوم يبعثون» و لم يقل : رب أنظرني إلى يوم يبعثون و لم يقل : أنظرني إلى يوم يموت آدم أو أنظرني ما دام حيا يعيش بل ذكر آدم و بنيه جميعا و طلب النظرة إلى يوم يبعثون مفرعا ذلك على اللعنة إلى يوم الدين فلما أجيب إلى ما سأل أبدى ما في كمون ذاته و قال : لأغوينهم أجمعين .


قوله تعالى : « قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم» جواب منه سبحانه لإبليس و فيه إجابة و رد أما الإجابة فبالنسبة إلى أصل الإنظار الذي سأله و أما الرد فبالنسبة إلى القيد و هو أن يكون الإنظار إلى يوم يبعثون فإن من الواضح اللائح بالنظر إلى سياق الآيتين أن يوم وقت المعلوم غير يوم يبعثون فلم يسمح له بإنظاره إلى يوم يبعثون بل إلى يوم هو غيره و لا محالة هو قبل يوم البعث .


و بذلك يظهر فساد قول من قال إنه لعنه الله أجيب إلى ما سأل و اليومان في الآيتين واحدو من الدليل عليه قوله في سورة الأعراف في القصة : « قال إنك من المنظرين» : الآية : 15 من غير أن يقيد بشي‏ء .


أما فساد دعواه اتحاد اليومين في الآيتين فقد ظهر مما تقدم و أما فساد الاستدلال بإطلاق آية الأعراف فلأنها تتقيد بما في هذه السورة و سورة ص من التقييد بقوله : « إلى يوم الوقت المعلوم» و هذا كثير شائع في كلامه تعالى و القرآن يشهد بعضه على بعض و ينطق بعضه ببعض .


و ظاهر يوم الوقت المعلوم أنه وقت تعين في العلم الإلهي نظير قوله : « و ما ننزله إلا بقدر معلوم» : الحجر : 21 ، و قوله : « أولئك لهم رزق معلوم» : الصافات : 41 فهو معلوم عند الله قطعا و أما أنه معلوم لإبليس أو مجهول عنده فغير معلوم من اللفظ ، و قول بعضهم : إنه سبحانه أبهم اليوم و لم يبين فهو معلوم لله غير معلوم لإبليس لأن في


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :160


بيانه إغراء بالمعصية كلام خال عن الدليل فإبهام اللفظ بالنسبة إلينا غير إبهام ما ألقي إلى إبليس من القول بالنسبة إليه على أن إغراء إبليس بالمعصية و هو الأصل لكل معصية مفروضة لا يخلو عن إشكال فافهمه .


على أن قول إبليس ثانيا : « لأغوينهم أجمعين» شاهد على أنه سيبقى إلى آخر ما يعيش الإنسان في الدنيا ممن يمكنه إغواؤه فقد كان فهم من قوله تعالى : « إلى يوم الوقت المعلوم» أنه آخر عمر البشر العائشين في الأرض الجائز له إغواؤهم .


و نسب إلى ابن عباس و مال إليه الجمهور : أن اليوم هو آخر أيام التكليف و هو النفخة الأولى يوم يموت الخلائق و كأنه مبني على أن إبليس باق ما بقي التكليف و أمكنت المخالفة و المعصية ، و هو مدة عمر الإنسان في الدنيا ، و ينتهي ذلك إلى النفخة الأولى التي بها يموت الخلائق فهو يوم الوقت المعلوم الذي أنظره الله إليه ، و بينه و بين النفخة الثانية التي فيها يبعثون أربعمائة سنة أو أربعون سنة على اختلاف الروايات ، و هي ما به التفاوت بين ما سأله إبليس و بين ما أجاب إليه الله سبحانه .


و هذا وجه حسن لو لا ما فيه من قولهم : إن إبليس باق ما بقي التكليف و أمكنت المخالفة و المعصية فإنها مقدمة لا بينة و لا مبينة و ذلك أن تعويل القوم في ذلك على أن المستفاد من الآيات و الأخبار كون كل كفر و فسوق موجود في النوع الإنساني مستندا إلى إغواء إبليس و وسوسته كما يدل عليه أمثال قوله تعالى : « أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين» : يس : 60 و قوله : « و قال الشيطان لماقضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق و وعدتكم فأخلفتكم» إلخ إلى غير ذلك من الآيات .


و مقتضاها أن يدوم وجود إبليس ما دام التكليف باقيا ، و التكليف باق ما بقي الإنسان و هو المطلوب .


و فيه أن كون المعصية الإنسانية مستندة بالجملة إلى إغواء إبليس مستفادة من الآيات و الروايات لا غبار عليه لكنه إنما يقتضي بقاء إبليس ما دامت المعصية و الغواية باقية لا بقاءه ما دام التكليف باقيا ، و لا دليل على الملازمة بين المعصية و التكليف وجودا .


بل الحجة قائمة من العقل و النقل على أن غاية الإنسان النوعية و هي السعادة ستعم النوع و يتخلص المجتمع الإنساني إلى الخير و الصلاح و لا يعبد على الأرض يومئذ إلا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :161


الله سبحانه ، و ينطوي وقتئذ بساط الكفر و الفسوق ، و يصفو العيش و يرتفع أمراض القلوب و وساوس الصدور ، و قد تقدم تفصيل ذلك في مباحث النبوة في الجزء الثاني و في قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب .


قال تعالى : « ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون» : الروم : 41 ، و قال : « و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون» : الأنبياء : 105 .


و من ذلك يظهر أن الذي استندوا إليه من الحجة إنما يدل على كون يوم الوقت المعلوم الذي جعله الله غاية إنظار إبليس هو يوم يصلح الله سبحانه المجتمع الإنساني فينقطع دابر الفساد و لا يعبد يومئذ إلا الله لا يوم يموت الخلائق بالنفخة الأولى .


قوله تعالى : « قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض و لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين» الباء في قوله : « بما أغويتني» للسببية و « ما» مصدرية أي أتسبب بإغوائك إياي إلى التزيين لهم و ألقي إليهم ما استقر في من الغواية كما قالوا يوم القيامة على ما حكى الله : « أغويناهم كما غوينا» : القصص : 63 .


و قول بعضهم : إن الباء للقسم أي أقسم بإغوائك لأزينن من أردإ القول فلم يعهد في كتاب و لا سنة أن يقسم بمثل الإغواء و الإضلال و ليس فيه شي‏ء مفهوم من التعظيم اللازم في القسم .


و قد نسب لعنه الله في قوله : « بما أغويتني» إلى الله سبحانه أنه أغواه و لم يرده الله سبحانه إليه و لا أجاب عنه و ليس مراده به غوايته إذ عصى أمر السجدة و لم يسجد لآدم (عليه‏السلام‏) و الدليل على ذلك أن لا رابطة بين معصيته في نفسه و بين معصية الإنسان لربه حتى يكون معصيته سبب معصيتهم و يتسبب هو بها إلى إغوائهم .


و إنما يريد به ما يفيده قوله تعالى : « و إن عليك اللعنة إلى يوم الدين» من استقرار اللعنة المطلقة فيه و هي الإبعاد من الرحمة و الإضلال عن طريق السعادة و هي إغواء له أثر الغواية التي أبداها من نفسه و أتى بها من عنده فيكون من إضلاله تعالى مجازاة لا إضلالا ابتدائيا و هو جائز غير ممتنع عليه تعالى ، و لذلك لم يرده كما قال تعالى : « يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا و ما يضل به إلا الفاسقين» : البقرة : 26 ، و قد بينا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :162


ذلك في ذيل الآية و مواضع أخرى من هذا الكتاب .


و عند هذا يستقيم معنى السببية أعني إغواءه الناس بسبب الإغواء الذي مسه و استقر فيه فإن البعد من الرحمة و البون من السعادة لما كان لازما لنفسه بلزوم اللعنة الإلهية له كان كلما اقترب من قلب إنسان بالوسوسة و التسويل أو استولى على نفس من النفوس و هو بعيد من الرحمة و السعادة أوجب ذلك بعد من اقترب منه أو تسلط عليه ، و هو إغواؤه بإلقاء أثر الغواية التي عنده إليه و هو ظاهر .


هذا ما يعطيه التدبر في الآية و محصله أن المراد بالإغواء ليس هو الإضلال الابتدائي بل الإضلال على سبيل المجازاة الذي يدل عليه قوله : « و إن عليك لعنتي» الآية .


و أما القوم فكالمسلم عندهم أن قوله : « بما أغويتني» لو كان بمعناه الظاهر و هو الإضلال لكان هو الإضلال الابتدائي و كان ناظرا إلى إبائه و امتناعه عن السجدة و لذا استشكلوا الآية و اختلفوا في تفسير الإغواء على اختلاف مذاهبهم في استناد الشر إليه تعالى و صدوره منه جوازا و امتناعا .


فقال بعضهم و هم أهل الجبر : إن إسناد الإغواء إليه تعالى بلا إنكار منه لذلك يدل على أن الشر كالخير من الله تعالى ، و المعنى رب بما أضللتني بالامتناع عن السجدة - فهو منك - أقسم لأضلنهم أجمعين .


و قال آخرون و هم غيرهم : أنه لا يجوز استناد الشر و المعصية و كل قبيح إليه تعالى و وجهوا الآية بوجوه .


أحدها : أن الإغواء في الآية بمعنى التخييب و المعنى رب بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعوة إلى معصيتك .


الثاني : أن المراد بالإغواء الإضلال عن طريق الجنة و المعنى بما أضللتني عن طريق جنتك لما صدر مني من معصيتك لأضلنهم بالدعوة .


الثالث : أن المراد بقوله : « بما أغويتني» بما كلفتني أمرا ضللت عنده بالمعصية و هو السجود فسمى ذلك إضلالا منه له توسعا و أنت بالتأمل فيما قدمناه تعرف أن الآية في غنى عن هذا البحث و ما أبدى‏ء فيه من الوجوه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :163


و نظير هذا البحث بحثهم عن الإنظار الواقع في قوله : « إنك من المنظرين» من جهة أنه مفض إلى الإغواء القبيح و ترجيح للمرجوح على الراجح .


فقال المجوزون : إن الآية تدل على أن الحسن و القبح اللذين يعلل بهما العقل أفعالنا لا تأثير لهما في أفعاله تعالى فله أن يثيب من يشاء و يعذب من يشاء من غير جهة مرجحة حتى مع رجحان الخلاف ، قالوا : و من زعم أن حكيما يحصر قوما في دار و يرسل فيها النار العظيمة و الأفاعي القاتلة الكثيرة و لم يرد أذى أحد من أولئك القوم بالإحراق و اللسع فقد خرج عن الفطرة الإنسانية فإذن من حكم الفطرة أن الله تعالى أراد بإنظار إبليس إضلال بعض الناس .


و المانعون يوجهون الإنظار بأنه تعالى كان يعلم من إبليس و أتباعه أنهم يموتون على الكفر و الفسوق و يصيرون إلى النار أنظر إبليس أو لم ينظر على أنه تعالى تدارك تأييده ذلك بمزيد ثواب المؤمنين المتقين .


على أنه يقول : « و لأغوينهم» و لو كان الإغواء من الله لأنكره عليه إلى غير ذلك مما أوردوه من الوجوه .


و ليت شعري ما الذي أغفلهم عن آيات الامتحان و الابتلاء على كثرتها كقوله تعالى : « ليميز الله الخبيث من الطيب» : الأنفال : 37 ، و قوله : « و ليبتلي الله ما في صدوركم و ليمحص ما في قلوبكم» : آل عمران : 154 ، و غيرهما من الآيات الدالة على أن نظام السعادة و الشقاء و الثواب و العقاب مبني على أساس الامتحان و الابتلاء ، و الإنسان واقع بين الخير و الشر و السعادة و الشقاء له ما يختاره من العمل بنتائجه .


فلو لا أن يكون هناك داع إلى الخير و هم الملائكة الكرام و إن شئت فقل : هو الله ، و داع إلى الشر و هم إبليس و قبيله لم يكن للامتحان معنى قال تعالى : « الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاءو الله يعدكم مغفرة منه و فضلا» : البقرة : 268 .


و لئن أيد الله إبليس على الإنسان بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم فقد أيده عليه بالملائكة الباقين ببقاء الدنيا و لم يقل سبحانه له : إنك منظر بل قال : « إنك من المنظرين» فأثبت منظرين غيره و جعله بعضهم .


و لئن أيده بالتمكين بتزيين الباطل من الكفر و الفسوق للإنسان أيد الإنسان بأن هداه إلى الحق و زين الإيمان في قلبه و فطرة على التوحيد ، و عرفه الفجور


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :164


و التقوى ، و جعل له نورا يمشي به في الناس إن آمن بربه إلى غير ذلك من الأيادي ، قال : « قل الله يهدي للحق» : يونس : 35 ، و قال : « و لكن الله حبب إليكم الإيمان و زينه في قلوبكم» : الحجرات : 7 ، و قال : « فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها» : الروم : 30 ، و قال : « و نفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها» : الشمس : 8 ، و قال : « أ و من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس» : الأنعام : 122 ، « و قال إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد» : المؤمن : 51 ، و التكلم بالغير مشعر بوساطة الملائكة .


فالإنسان خلق هو في نفسه أعزل ليس معه شي‏ء من السعادة و الشقاء بحسب بدء خلقته واقف في ملتقى سبيلين : سبيل الخير و الطاعة و هو سبيل الملائكة ليس لهم إلا الطاعة ، و سبيل الشر و المعصية و هو سبيل إبليس و جنوده و ليس معهم إلا المخالفة و المعصية ، فإلى أي السبيلين مال في مسير حياته وقع فيه و رافقه أصحابه و زينوا له ما عندهم و هدوه إلى ما ينتهي إليه سبيلهم و هو الجنة أو النار و السعادة أو الشقاء .


فقد بان مما تقدم أن إنظار إبليس إلى يوم الوقت المعلوم ليس من تقديم المرجوح على الراجح و لا إبطالا لقانون العلية بل ليتيسر به و بما يقابله من بقاء الملائكة ما هو الواجب من أمر الامتحان و الابتلاء فلا محل للاستشكال .


و قوله : « لأزينن لهم في الأرض» أي لأزينن لهم الباطل أو لأزينن لهم المعاصي على ما قيل و المعنى الأول أجمع و المفعول محذوف على أي حال ، و الظاهر أن المفعول معرض عنه و الفعل مستعمل استعمال اللازم ، و الغرض بيان أصل التزيين كناية عن الغرور يقال : زين له كذا و كذا أي حمله عليه غرورا ، و ضمير « هم» لآدم و ذريته على ما يدل عليه السياق ، و المراد بالتزيين لهم في الأرض غرورهم في هذه الحياة الأرضية و هي الحياة الدنيا و هو السببالقريب للإغواء فيكون عطف قوله : « و لأغوينهم أجمعين» عليه من عطف المسبب على السبب المترتب عليه .


و الآية تشعر بل تدل على ما قدمناه في تفسير آيات جنة آدم في الجزء الأول من الكتاب أن معصية آدم بالأكل من الشجرة المنهية عن وسوسة إبليس لم تكن معصية لأمر مولوي بل مخالفة لأمر إرشادي لا يوجب نقضا في عصمته فإنه يعرف الأرض في


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :165


الآية ظرفا لتزيينه و إغوائه فما كان غروره لآدم و زوجته في الجنة إلا ليخرجهما منها و ينزلهما إلى الأرض فيتناسلا فيها فيغويهما و بنيهما عن الحق و يضلهم عن الصراط قال تعالى : « يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما» : الأعراف : 27 .


و قوله : « إلا عبادك منهم المخلصين» استثنى من عموم الإغواء طائفة خاصة من البشر و هم المخلصون - بفتح اللام على القراءة المشهورة - و السياق يشهد أنهم الذين أخلصوا لله و ما أخلصهم إلا الله سبحانه ، و قد قدمنا في الكلام على الإخلاص في تفسير سورة يوسف أن المخلصين هم الذين أخلصهم الله لنفسه بعد ما أخلصوا أنفسهم لله فليس لغيره سبحانه فيهم شركة و لا في قلوبهم محل فلا يشتغلون بغيره تعالى فما ألقاه إليهم الشيطان من حبائله و تزييناته عاد ذكرا لله مقربا إليه .


و من هنا يترجح أن الاستثناء إنما هو من الإغواء فقط لا منه و من التزيين بمعنى أنه لعنه الله يزين للكل لكن لا يغوي إلا غير المخلصين .


و يستفاد من استثناء العباد أولا ثم تفسيره بالمخلصين أن حق العبودية إنما هو بأن يخلص الله العبد لنفسه أي أن لا يملكه إلا هو و يرجع إلى أن لا يرى الإنسان لنفسه ملكا و أنه لا يملك نفسه و لا شيئا من صفات نفسه و آثارها و أعمالها و أن الملك - بكسر الميم و ضمها - لله وحده .


و قوله تعالى : « قال هذا صراط علي مستقيم» ظاهر الكلام على ما يعطيه السياق أنه كناية على أن الأمر إليه تعالى لا غنى فيه عنه بوجه كما أن كون طريق السفينة على البحر يقضي على راكبيها بأن لا مفر لهم مما يستدعيه العبور على الماء من العدة و الوسيلة و كذا كون طريق القافلة على الجبل يحوجهم إلى ما يتهيأ به لعبور قلله الشاهقة و مسالكه الصعبة فكونه صراطا عليه تعالى بالاستقامة هو أنه أمر متوقف من كل جهة إلى حكمه و قضائه تعالى فإنه الله الذي منه يبدأ كل شي‏ء و إليه ينتهي فلا يتحقق أمر إلا و هو ربه القيوم عليه .


و ظاهر السياق أيضا أن الإشارةبقوله : « هذا صراط إلخ إلى قول إبليس : « لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين» لما أظهر بقوله هذا أنه سينتقم منهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :166


و يبسط سلطته بالتزيين و الإغواء عليهم جميعا فلا يخلص منهم إلا القليل كأنه يشير إلى أنه سيستقل بما عزم عليه و يعلو بإرادته على الله سبحانه فيما أراد من خلقهم و استخلافهم و استعبادهم كما حكاه الله تعالى من قوله في موضع آخر من قوله : « و لا تجد أكثرهم شاكرين» : الأعراف : 17 .


فمعنى الآية أن ما ذكرت من أنك ستغويهم أجمعين و استثنيت منهم من استثنيتو أظهرت نسبته إلى قوتك و مشيئتك زاعما فيه أنك مستقل به ، أمر لا يملكه إلا أنا و لا يحكم فيه غيري و لا يصدر إلا عن قضائي فإن أغويت فبإذني أغويت و إن منعت فبمشيئتي منعت فليس إليك من الأمر شي‏ء و لا من الملك إلا ما ملكتك و لا من القدرة إلا ما أقدرتك ، و الذي أقضيه لك من السلطان أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك إلخ .


قوله تعالى : « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين» هذا هو القضاء الذي أشار سبحانه إليه في الآية السابقة في أمر الإغواء و ذكر أنه له وحده ليس لغيره فيه صنع و لا نصيب .


و محصله أن آدم و بنيه كلهم عباده لا كما قاله إبليس حيث قصر عباده على المخلصين منهم إذ قال : « إلا عبادك منهم المخلصين» و لم يجعل سبحانه له عليهم - أي على العباد - سلطانا حتى يستقل بأمرهم فيغويهم و إنما جعل له السلطان على طائفة منهم و هم الذين اتبعوه من الغاوين و ولوه أمرهم و ألقوا إليه زمام تدبيرهم فهؤلاء هم الذين له عليهم سلطان .


فإذا أمعنت في الآية وجدتها ترد على إبليس قوله : « لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين» من ثلاث جهات أصلية : إحداها : أنه حصر عباده في المخلصين منهم و نفى عنهم سلطان نفسه و عمم سلطانه على الباقين و الله سبحانه عمم عباده على الجميع و قصر سلطان إبليس على طائفة منهم و هم الذين اتبعوه من الغاوين و نفى سلطانه على الباقين .


و الثانية : أنه لعنه الله ادعى لنفسه الاستقلال في إغوائهم كما يظهر من قوله : « لأغوينهم» في سياق المخاصمة و التقريع بالانتقام و الله سبحانه يرد عليه بأنه منه مزعمة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :167


باطلة و إنما هو عن قضاء من الله و سلطان بتسليطه و إنما ملكه إغواء من اتبعه و كان غاويا في نفسه و بسوء اختياره .


فلم يأت إبليس بشي‏ء من نفسه و لم يفسد أمرا على ربه لا في إغوائه أهل الغواية فإنه بقضاء من الله سبحانه أن يستقر لأهل الغواية غيهم بسببه - و قد اعترف لعنه الله بذلك بعض الاعتراف بقوله : « رب بما أغويتني» - و لا في استثنائه المخلصين فإنه أيضا بقضاء من الله نافذ فلا حكم إلا لله .


و هذا الذي تفيده الآية الكريمة أعني تسليط إبليس على إغواء الغاوين الذين هم في أنفسهم غاوون و تخليص المخلصين و هم مخلصون في أنفسهم من كيده كل ذلك بقضاء من الله ، مبني على أصل عظيم يفيده التوحيد القرآني المفاد بأمثال قوله تعالى : « إن الحكم إلا لله» : يوسف : 67 ، و قوله : « و هو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى و الآخرة و له الحكم » : القصص : 70 ، و قوله : « الحق من ربك» : آل عمران : 60 ، و قوله : « و يحق الله الحق بكلماته» : يونس : 82 ، و غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل حكم إيجابي أو سلبي فهو مملوك لله نافذ بقضائه .


و من هنا يظهر ما في تفسيرهم قوله : « إلا من اتبعك من الغاوين» من المسامحة فإنهم قالوا : إنه إذا قبل من إبليس و اتبعه صار له سلطان عليه بعدوله عن الهدى إلى ما يدعوه إليه من الغي و ظاهره أنه سلطان قهري يحصل لإبليس عن سوء اختيارهم ليس من عند نفسه ولا بجعل من الله سبحانه .


وجه الفساد : أن فيه أخذ الاستقلال و الحول الذاتي من إبليس و إعطاؤه ذوات الأشياء و لو كان إبليس لا يملك شيئا من عند نفسه و بغير إذن ربه فالأشياء و الأمور أيضا لا تملك لنفسها شيئا و لا حكما حتى الضروريات و لوازم الذوات إلا بإذن من الله و تمليك فافهمه .


و الثالثة : أن سلطانه على إغواء من يغويه و إن كان بجعل و تسليط من الله سبحانه إلا أنه ليس بتسليط على الإغواء و الإضلال الابتدائي غير الجائز إسناده إلى ساحته سبحانه بل تسليط على الإغواء بنحو المجازاة المسبوق بغوايتهم من عندهم و في أنفسهم .


و الدليل على ذلك قوله تعالى : « إلا من اتبعك من الغاوين» فإبليس إنما يغوي


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :168


من اتبعه بغوايته أي إن الإنسان يتبعه بغوايته أولا فيغويه هو ثانيا فهناك غواية بعدها إغواء و الغواية إجرام من الإنسان و الإغواء بسبب إبليس مجازاة من الله سبحانه .


و لو كان هذا الإغواء إغواء ابتدائيا من إبليس لمن لا يستحق ذلك لكان هو الأليق باللوم دون الإنسان كما يذكره يوم القيامة على ما يحكيه سبحانه بقوله : « و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني و لوموا أنفسكم» : إبراهيم : 22 .


فاللوم على الإنسان المجرم و هو مسئول عن معصيته دون إبليس .


نعم إبليس ملوم على ما يتلبس به من الفعل بسوء اختياره و هو الإغواء الذي سلطه الله عليه مجازاة لما امتنع من السجود لآدم لما أمر به فالإغواء هو الذي استقرت ولايته عليه كما يشير سبحانه إليه في موضع آخر من كلامه إذ يقول : إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون» : الأعراف : 27 ، و قال تعالى و هو أوضح ما يؤيد جميع ما قدمناه : « كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله و يهديه إلى عذاب السعير» : الحج : 4 .


و قد تحصل مما تقدم أن المراد بقوله : « عبادي» عامة الإنسان ، و أن الاستثناء في قوله : « من اتبعك» متصل لا منقطع ، و أن « من» في قوله : « من الغاوين» بيانية ، و أن الكلام مبني على رد قول إبليس ، و أن الآية مشتملة على قضاءين من الله سبحانه في عقدي المستثنى و المستثنى منه و غير ذلك .


و من ذلك يظهر عدم استقامة قول بعضهم : إن المراد بعبادي هم الذين استثناهم إبليس و عبر عنهم بقوله : « عبادك منهم» فيكون الاستثناء منقطعا و الكلام مسوقا لتقرير قول إبليس إن له سلطانا على من يغويه و إن المخلصين لا سبيل له إليهم و المعنى أن المخلصين لا سلطان لك عليهم لكنك مسلط على من اتبعك من الغاوين .


و أنت تعلم بالتأمل فيما تقدم أن هذا هدم لأساس السياق و ما يعطيه مقام المخاصمة و تحق نسبته إلى ساحة العزة و الكبرياء و تنزيل خطابه تعالى منزلة لا يفيد معها أكثر من تغيير صورة كلام إبليس مع حفظ معناه تقريرا أو اعترافا فهو يقول : سأغويهم إلا المخلصين ، و الله سبحانه يقول : لا تغوي المخلصين لكن تغوي غيرهم ! .


و ربما فسر بعضهم قوله : « عبادي» بجميع البشر و أخذ مع ذلك الاستثناء


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :169


منقطعا و لعل ذلك بالبناء على عدم جواز استثناء أكثر الأفراد فلا يقال : له على مائة إلا تسعة و تسعون مثلا و من المعلوم أن الغاوين من الناس أكثر من المخلصين بما لا يقاس .


و فيه أن ذلك إنما هو فيما كان النظر في الاستثناء إلى صريح العدد و أما إذا كان المنظور إليه هو النوع أو الصنف بعنوانه فلا بأس بزيادة عدد الأفراد ، و للإنسان عدة أصناف : المخلصون و من دونهم من المؤمنين و المستضعفون و الذين اتبعوا إبليس من الغاوين ، و قد استثنى الصنف الأخير في الآية بعنوانه و بقي الباقون و هم أصناف .


و منهم من جعل الاستثناء منقطعا حذرا من ثبوت سلطان إبليس حتى على الغاوين زعما منه أنه ينافي إطلاق السلطنة الإلهية أو عدله تعالى و معنى الآية على هذا ، أن عبادي ليس لك عليهم سلطان لكن من اتبعك من الغاوين ألقى إليك زمام نفسه و جعل لك على نفسه سلطانا و ليس ذلك من نفسك حتى تعجز الله في خلقه و لا من الله حتى ينافي عدله تعالى .


و فيه : أن له سلطانا على الغاوين لا من نفسه بل بجعل من الله و لا ينافي ذلك عدله في خلقه فإنه تسليط مجازاة لا تسليط ابتدائي ، و لا منافاة بين كون السلطان بقضاء منه تعالى و كونه باتباع الغاوين له باختيارهم فكل ذلك مما قد تبين فيما قدمناه .


على أن قوله تعالى فيه : « كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله» : الحج : 4 ، و قوله : « إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون» : الأعراف : 27 ، يدلان صريحا على ثبوت سلطانه و أنه بجعل من الله سبحانه و قضاء .


قوله تعالى : « و إن جهنم لموعدهم أجمعين» الظاهر أن « موعد» اسم مكان و المراد بكون جهنم موعدهم كونه محل إنجاز ما وعدهم الله من العذاب .


و هذا منه سبحانه تأكيد لثبوت قدرته و رجوع الأمر كله إليه كأنه تعالى يقول له : ما ذكرته من السلطان على الغاوين ليس لك من نفسك و لم تعجزنا بل نحن سلطناك عليهم لاتباعهم لك على أنا سنجازيهم بعذاب جهنم .


و لكون الكلام مسوقا لبيان حالهم اقتصر على ذكر جزائهم و لم يذكر معهم إبليس و لا جزاءه بخلاف قوله : « لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين» : ص : 85 ، و قوله : « فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا» : إسراء : 63 ، لأن المقام غير المقام .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :170


قوله تعالى : « لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم» لم يبين سبحانه في شي‏ء من صريح كلامه ما هو المراد بهذه الأبواب أ هي كأبواب الحيطان مداخل تهدي الجميع إلى عرصة واحدة أم هي طبقات و دركات تختلف في نوع العذاب و شدته ؟ و كثيرا ما يسمى في الأمور المختلفة الأنواع كل نوع بابا كما يقال : أبواب الخير و أبواب الشر و أبواب الرحمة ، قال تعالى : « فتحنا عليهم أبواب كل شي‏ء» : الأنعام : 44 ، و ربما سمي أسباب الشي‏ء و طرق الوصول إليه أبوابا كأبواب الرزق لأنواع المكاسب و المعاملات .


و ليس من البعيد أن يستفاد المعنى الثاني من متفرقات آيات النار كقوله تعالى : « و سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها - إلى أن قال : قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها» : الزمر : 72 ، « و قوله إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار» : النساء : 145 ، إلى غير ذلك من الآيات .


و يؤيده قوله : « لكل باب منهم جزء مقسوم» فإن ظاهره أن نفس الجزء مقسوم موزع على الباب ، و هذا إنما يلائم الباب بمعنى الطبقة دون الباب بمعنى المدخل و أما تفسير بعضهم الجزء المقسوم بالفريق المعين المفروز من غيره فوهنه ظاهر .


و على هذا فكون جهنم لها سبعة أبواب هو كون العذاب المعد فيها متنوعا إلى سبعة أنواع ثم انقسام كل نوع أقساما حسب انقسام الجزء الداخل الماكث فيه ، و ذلك يستدعي انقسام المعاصي الموجبة للدخول فيها سبعة أقسام ، و كذا انقسام الطرق المؤدية و الأسباب الداعية إلى تلك المعاصي ذاك الانقسام ، و بذلك يتأيد ما ورد من الروايات في هذه المعاني كما سيوافيك إن شاء الله .


قوله تعالى : « إن المتقين في جنات و عيون ادخلوها بسلام آمنين» أي إنهم مستقرون في جنات و عيون يقال لهم : ادخلوها بسلام لا يوصف و لا يكتنه نعته في حال كونكم آمنين من كل شر و ضر .


لما ذكر سبحانه قضاءه فيمن اتبع إبليس من الغاوين ذكر ما قضى به في حق المتقين من الجنة ، و قد ورد تفسير التقوى في كلامه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالورع عن محارم الله ، و قد تكرر في كلامه تعالى بشراهم بالجنة فيكون المتقون أعم من المخلصين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :171


و ما قيل : إنه لا شبهة في أن السياق يدل على أن المتقين هم المخلصون السابق ذكرهم ، و أن المطلق يحمل على الفرد الكامل .


فيه أن ذلك مبني على كون المراد بالعباد في قوله : « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان» هم المخلصين حتى يختص السياق بالكلام فيهم ، و قد تقدم أن المراد بالعباد عامة أفراد الإنسان خرج منه الغاوون بالاستثناء و بقي الباقون ، و قد ذكر سبحانه قضاءه في الغاوين بالنار و هو ذا يذكر قضاءه في غيرهم ممن أوجب له الجنة و الأمر في المستضعفين مرجأ و في العصاة من أهل الكبائر الذين يموتون بغير توبة منوط بالشفاعة فيبقى أهل التقوى من المؤمنين و هم أعم من المخلصين فقضي فيهم بالجنة .


و أما حديث حمل المطلق على الفرد الكامل فهو خطأ و إنما يحمل على الفرد المتعارف و تفصيل المسألة في فن الأصول .


و ذكر الإمام الرازي في تفسيره أن المراد بالمتقين في الآية الذين اتقوا الشرك و نقله عن جمهور الصحابة و التابعين و أسنده إلى الخبر .


قال : و هذا هو الحق الصحيح و الذي يدل عليه أن المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة فليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا كونه آتيا بجميع أنواع التقوى ، و الذي يقرر ذلك أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى فإن الفرد مشتمل على الماهية بالضرورة و كل آت بالتقوى يجب أن يكون متقيا فالآتي بفرد يجب كونه متقيا ، و لهذا قالوا : ظاهر الأمر لا يفيد التكرار .


فظاهر الآية يقتضي حصول الجنات و العيون لكل من اتقى عن ذنب واحد ، إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم .


و أيضا هذه الآية وردت عقيب قول إبليس : « إلا عبادك منهم المخلصين» عقيب قوله تعالى : « إنعبادي ليس لك عليهم سلطان» فلذا اعتبر الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزاد فيه قيد آخر لأن تخصيص العام لما كان خلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق بمقتضى الأصل و الظاهر .


فثبت أن الحكم المذكور يتناول جميع القائلين : لا إله إلا الله محمد رسول الله و لو


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :172


كانوا من أهل المعصية ، و هذا تقرير بين و كلام ظاهر ، انتهى .


و مقتضى كلامه شمول الآية لمن اتقى الشرك و لو اقترف جميع الكبائر الموبقة التي نص الكتاب العزيز باستحقاق النار بإتيانها و ترك جميع الواجبات التي نص على تركها بمثله ، و المستأنس بكلامه تعالى المتدبر في آياته لا يرتاب في أن القرآن لا يسمي مثل هذا متقيا و لا يعده من المتقين ، و قد أكثر القرآن ذكر المتقين و بشرهم بالجنة بشارة صريحة فيما يقرب من عشرين موضعا وصفهم في كثير منها باجتناب المحارم و بذلك فسر التقوى في الحديث كما تقدم .


ثم إن مجرد صحة إطلاق الوصف أمر و التسمية أمر آخر فلا يسمى بالمؤمنين و المحسنين و القانتين و المخلصين و الصابرين و خاصة في الأوصاف التي تحتمل البقاء و الاستمرار إلا من استقر فيه الوصف ، و لو صح ما ذكره في المتقين لجرى مثل ذلكفي الظالمين و الفاسقين و المفسدين و المجرمين و الغاوين و الضالين و قد أوعدهم الله النار ، و أدى ذلك إلى تدافع عجيب و اختلال في كلامه تعالى ، و لو قيل : إن هناك ما يصرف هذه الآيات أن تشمل المرة و المرتين كآيات التوبة و الشفاعة و نظائرها فهناك ما يصرف هذه الآية أن تشمل المتقي بالمرة و المرتين و هي نفس آيات الوعيد على الكبائر الموبقة كآيات الزنا و القتل ظلما و الربا و أكل مال اليتيم و أشباهها .


ثم الذي ذكره في تقريب الدلالة وجوه واهية كقوله : إن هذه الآية وقعت عقيب قول إبليس إلخ ، فإنك قد عرفت فيما تقدم أن ذلك لا ينفعه شيئا ، و كقوله : إن زيادة قيد آخر بعد الإيمان خلاف الأصل إلخ ، فإن الأصل إنما يركن إليه عند عدم الدليل اللفظي و قد عرفت أن هناك آيات جمة صالحة للتقييد .


و كقوله : إن ذلك خلاف الظاهر .


و كأنه يريد به ظهور المطلق في الإطلاق ، و قد ذهب عليه أن ظهور المطلق إنما هو حجة فيما إذا لم يكن هناك ما يصلح للتقييد .


فالحق أن الآية إنما تشمل الذين استرقت فيهم ملكة التقوى و هو الورع عن محارم الله فأولئك هم المقضي عليهم بالسعادة و الجنة قضاء لازما ، نعم المستفاد من الكتاب و السنة أن أهل التوحيد و هم من حضر الموقف بشهادة أن لا إله إلا الله لا يخلدون في النار و يدخلون الجنة لا محالة ، و هذا غير دلالة آية المتقين على ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :173


قوله تعالى : « و نزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين» إلى آخر الآيتين .


الغل الحقد ، و قيل هو ما في الصدر من حقد و حسد مما يبعث الإنسان إلى إضرار الغير ، و السرر جمع سرير و النصب هو التعب و العي الوارد من خارج .


يصف تعالى في الآيتين حال المتقين في سعادتهم بدخول الجنة ، اختص بالذكر هذه الأمور من بين نعم الجنة على كثرتها فإن العناية باقتضاء من المقام متعلقة ببيان أنهم في سلام و أمن مما ابتلي به الغاوون من بطلان السعادة و ذهاب السيادة و الكرامة فذكر أنهم في أمن من قبل أنفسهم لأن الله نزع ما في صدورهم من غل فلا يهم الواحد منهم بصاحبه سوء بل هم إخوان على سرر متقابلين و لتقابلهم معنى سيأتي في البحث الروائي إن شاء الله تعالى و أنهم في أمن من ناحية الأسباب و العوامل الخارجة فلا يمسهم نصب أصلا و أنهم في أمن و سلام من ناحية ربهم فما هم من الجنة بمخرجين أبدا فلهم السعادة و الكرامة من كل جهة ، و لا يغشاهم و لا يمسهم شقاء و وهن من جهة أصلا لا من ناحية أنفسهم و لا من ناحية سائر ما خلق الله و لا من ناحية ربهم .


كلام


الأقضية التي صدرت عن مصدر العزة في بدء خلقة الإنسان على ما وقع في كلامه سبحانه عشرة : الأول و الثاني قوله لإبليس : « فاخرج منها فإنك رجيم و إن عليك اللعنة إلى يوم الدين» : الحجر : 35 ، و يمكن إرجاعهما إلى واحد .


الثالث قوله سبحانه له : « فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم» : الحجر : 38 .


الرابع و الخامس و السادس قوله له : « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين و إن جهنم لموعدهم أجمعين» : الحجر : 43 .


السابع و الثامن قوله سبحانه لآدم و من معه : « اهبطوا بعضكم لبعض عدو و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين» : البقرة : 36 .


التاسع و العاشر قوله لهم : « اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :174


هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» : البقرة : 39 .


و هناك أقضية فرعية مترتبة على هذه الأقضية الأصلية يعثر عليها المتدبر الباحث .


بحث روائي


في تفسير العياشي ، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن قول الله : « و نفخت فيه من روحي» الآية قال : روح خلقها الله فنفخ في آدم منها .


و فيه ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قوله : « فإذا سويته و نفخت فيه من روحي» قال : خلق خلقا و خلق روحا ثم أمر الملك فنفخ فيه و ليست بالتي نقصت من الله شيئا هي من قدرته تبارك و تعالى .


و فيه ، و في رواية سماعة عنه (عليه‏السلام‏) : خلق آدم و نفخ فيه . و سألته عن الروح قال : هي قدرته من الملكوت .


أقول : أي هي قدرته الفعلية منبعثة عن قدرته الذاتية صادرة منها كما يدل عليه الخبر السابق .


و في المعاني ، بإسناده عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « و نفخت فيه من روحي» قال : روح اختاره و اصطفاه و خلقه و أضافه إلى نفسه و فضله على جميع الأرواح فأمر فنفخ منه في آدم .


و في الكافي ، بإسناده عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر (عليه‏السلام‏) عما يروون أن الله خلق آدم على صورته فقال : هي على صورة مخلوقة محدثة اصطفاها الله و اختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه فقال : « بيتي» « و نفخت فيه من روحي» .


أقول : و هذه الروايات من غرر الروايات في معنى الروح تتضمن معارف جمة و سنوضح معناها عند الكلام في حقيقة الروح إن شاء الله .


و في تفسير البرهان ، عن ابن بابويه بإسناده عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « إنك لمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم» يوم ينفخ في الصور نفخة واحدة فيموت


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :175


إبليس ما بين النفخة الأولى و الثانية .


و في تفسير العياشي ، عن وهب بن جميع و في تفسير البرهان ، عن شرف الدين النجفي بحذف الإسناد عن وهب و اللفظ للثاني عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن إبليس و قوله : « رب فأنظرني إلى يوم يبعثون - قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم» أي يوم هو ؟ قال : يا وهب أ تحسب أنه يوم يبعث الله فيه الناس و لكن الله عز و جل أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا فيأخذ بناصيته و يضرب عنقه فذلك اليوم هو الوقت المعلوم .


و في تفسير القمي ، بإسناده عن محمد بن يونس عن رجل عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله تبارك و تعالى : « فأنظرني - إلى قوله إلى يوم الوقت المعلوم قال : يوم الوقت المعلوم يذبحه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على الصخرة التي في بيت المقدس .


أقول : و هو من أخبار الرجعة و في معناه و معنى الرواية السابقة عليه أخبار أخرى من طرق أهل البيت (عليهم‏السلام‏) .


و من الممكن أن تكون الرواية الأولى من هذه الثلاث الأخيرة صادرة على وجه التقية ، و يمكن أن توجه الروايات الثلاث من غير تناف بينها بما تقدم في الكلام على الرجعة في الجزء الأول من الكتاب و غيره أن الروايات الواردة من طرق أهل البيت (عليهم‏السلام‏) في تفسير غالب آيات القيامة تفسرها بظهور المهدي (عليه‏السلام‏) تارة و بالرجعة تارة و بالقيامة أخرى لكون هذه الأيام الثلاثة مشتركة في ظهور الحقائق و إن كانت مختلفة من حيث الشدة و الضعف فحكم أحدها جار في الآخرين فافهم ذلك .


و في تفسير العياشي ، عن جابر عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : قلت : أ رأيت قول الله : « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان» ؟ ما تفسير هذا ؟ قال : قال الله : إنك لا تملك أن تدخلهم جنة و لا نارا .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « لها سبعة أبواب» الآية ، قال : قال : يدخل في كل باب أهل مذهب ، و للجنة ثمانية أبواب .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد في الزهد عن خطاب بن عبد الله قال : قال علي : أ تدرون كيف أبواب جهنم قلنا كنحو هذه الأبواب . قال : لا ، و لكنها هكذا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :176


و وضع يده فوق يده و بسط يده على يده .


و فيه ، أخرج ابن المبارك و هناد و ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و أحمد في الزهد و ابن أبي الدنيا في صفة النار و ابن جرير و ابن أبي حاتم و البيهقي في البعث من طرق عن علي قال : أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض فيملأ الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى يملأ كلها .


و فيه ، أخرج ابن مردويه و الخطيب في تاريخه عن أنس قال قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله تعالى : « لكل باب منهم جزء مقسوم» قال : جزء أشركوا بالله ، و جزء شكوا في الله ، و جزء غفلوا عن الله .


أقول : هو تعداد أجزاء الأبواب دون نفسها ، و الظاهر أن الكلام غير مسوق للحصر .


و فيه ، أخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لجهنم باب لا يدخل منه إلا من أخفرني في أهل بيتي و أراق دماءهم من بعدي .


أقول : يقال : خفره أي غدر به و نقض عهده .


و فيه ، أخرج أحمد و ابن حبان و الطبري و ابن مردويه و البيهقي في البعث عن عتبة بن عبد الله عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : للجنة ثمانية أبواب و للنار سبعة أبواب و بعضها أفضل من بعض .


أقول : و الروايات - كما ترى - تؤيد من قدمناه .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و نزعنا ما في صدورهم من غل» الآية ، قال : قال العداوة .


و في تفسير البرهان ، عن الحافظ أبي نعيم عن رجاله عن أبي هريرة قال : قال علي بن أبي طالب : يا رسول الله أيما أنا أحب إليك أم فاطمة قال : فاطمة أحب إلي منك و أنت أعز علي منها ، و كأني بك و أنت على حوضي تذود عنه الناس ، و إن عليه أباريق عدد نجوم السماء ، و أنت و الحسن و الحسين و حمزة و جعفر في الجنة إخوانا على سرر متقابلين و أنت معيو شيعتك . ثم قرأ رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « إخوانا على سرر متقابلين» لا ينظر أحدكم في قفاء صاحبه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :177


و فيه ، عن ابن المغازلي في المناقب يرفعه إلى زيد بن أرقم قال : دخلت على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : إني مواخ بينكم كما آخى الله بين الملائكة ، ثم قال لعلي : أنت أخي ثم تلا هذه الآية : « إخوانا على سرر متقابلين» الأخلاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض : أقول : و رواه أيضا عن أحمد في مسنده مرفوعا إلى زيد بن أوفى عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الرواية مبسوطة .


و في الروايتين تفسير قوله تعالى : « على سرر متقابلين» بقوله : لا ينظر أحدهم في قفاء صاحبه ، و قوله : الأخلاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض و فيه إشارة إلى أن التقابل في الآية كناية عن عدم تتبع أحدهم عورات إخوانه و زلاتهم كما يفعل ذلك من في صدره غل و هو معنى لطيف .


و ما قرأه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من الآية إنما هو من باب الجري و الانطباق لا أن الآية نازلة في أهل البيت (عليهم‏السلام‏) فسياق الآيات لا يلائمه البتة .


و نظيرها ما روي عن علي (عليه‏السلام‏) : أن الآية نزلت فينا أهل بدر ، و في رواية أخرى عنه (عليه‏السلام‏) : أنها نزلت في أبي بكر و عمر ، و في رواية أخرى عن علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) : أنها نزلت في أبي بكر و عمر و علي ، و في رواية أخرى : أنها نزلت في علي و الزبير و طلحة ، و في رواية أخرى : أنها نزلت في علي و عثمان و طلحة و الزبير ، و في رواية أخرى عن ابن عباس : أنها نزلت في عشرة : أبي بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير و سعد و سعيد و عبد الرحمن بن عوف و عبد الله بن مسعود .


و الروايات - على ما بها من الاختلاف - تطبيقات من الرواة ، و الآية تأبى بسياقها عن أن تكون نازلة في بعض المذكورين كيف ؟ و هي في جملة آيات تقص ما قضاه الله و حكم به يوم خلق آدم و أمر الملائكة و إبليس بالسجود له فأبى إبليس فرجمه ثم قضى ما قضى ، و لا تعلق لذلك بأشخاص بخصوصيتهم هذا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :178


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :179


نَبئْ عِبَادِى أَنى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏(49) وَ أَنَّ عَذَابى هُوَ الْعَذَاب الأَلِيمُ‏(50) وَ نَبِّئْهُمْ عَن ضيْفِ إِبْرَهِيمَ‏(51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سلَماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ‏(52) قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشرُك بِغُلَمٍ عَلِيمٍ‏(53) قَالَ أَ بَشرْتُمُونى عَلى أَن مَّسنىَ الْكبرُ فَبِمَ تُبَشرُونَ‏(54) قَالُوا بَشرْنَك بِالْحَقّ‏ِ فَلا تَكُن مِّنَ الْقَنِطِينَ‏(55) قَالَ وَ مَن يَقْنَط مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضالُّونَ‏(56) قَالَ فَمَا خَطبُكُمْ أَيهَا الْمُرْسلُونَ‏(57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلى قَوْمٍ مجْرِمِينَ‏(58) إِلا ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ‏(59) إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاإِنهَا لَمِنَ الْغَبرِينَ‏(60) فَلَمَّا جَاءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسلُونَ‏(61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكرُونَ‏(62) قَالُوا بَلْ جِئْنَك بِمَا كانُوا فِيهِ يَمْترُونَ‏(63) وَ أَتَيْنَك بِالْحَقّ‏ِ وَ إِنَّا لَصدِقُونَ‏(64) فَأَسرِ بِأَهْلِك بِقِطعٍ مِّنَ الَّيْلِ وَ اتَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَ لا يَلْتَفِت مِنكمْ أَحَدٌ وَ امْضوا حَيْث تُؤْمَرُونَ‏(65) وَ قَضيْنَا إِلَيْهِ ذَلِك الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطوعٌ مُّصبِحِينَ‏(66) وَ جَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَستَبْشِرُونَ‏(67) قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضيْفِى فَلا تَفْضحُونِ‏(68) وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تخْزُونِ‏(69) قَالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَك عَنِ الْعَلَمِينَ‏(70) قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتى إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ‏(71) لَعَمْرُك إِنهُمْ لَفِى سكْرَتهِمْ يَعْمَهُونَ‏(72) فَأَخَذَتهُمُ الصيْحَةُ مُشرِقِينَ‏(73) فَجَعَلْنَا عَلِيهَا سافِلَهَا وَ أَمْطرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ‏(74) إِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّلْمُتَوَسمِينَ‏(75) وَ إِنهَا لَبِسبِيلٍ مُّقِيمٍ‏(76) إِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ‏(77) وَ إِن كانَ أَصحَب الأَيْكَةِ لَظلِمِينَ‏(78) فَانتَقَمْنَا مِنهُمْ وَ إِنهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ‏(79) وَ لَقَدْ كَذَّب أَصحَب الحِْجْرِ الْمُرْسلِينَ‏(80) وَ ءَاتَيْنَهُمْ ءَايَتِنَا فَكانُوا عَنهَا مُعْرِضِينَ‏(81) وَ كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِْبَالِ بُيُوتاً ءَامِنِينَ‏(82) فَأَخَذَتهُمُ الصيْحَةُ مُصبِحِينَ‏(83) فَمَا أَغْنى عَنهُم مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ‏(84)


بيان


بعد ما تكلم سبحانه حول استهزائهم بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و ما أنزل إليه من الكتاب و اقتراحهم عليه أن يأتيهم بالملائكة و هم ليسوا بمؤمنين و إن سمح لهم بأوضح الآيات أتى سبحانه في هذه الآيات ببيان جامع في التبشير و الإنذار و هو ما في قوله : « نبى‏ء عبادي» إلى آخر الآيتين ثم أوضحه و أيده بقصة جامعة للجهتين متضمنة للأمرين معا و هي قصة ضيف إبراهيم و فيها بشرى إبراهيم بما لا مطمع فيه عادة و عذاب قوم لوط بأشد أنواع العذاب .


ثم أيده تعالى بإشارة إجمالية إلى تعذيب أصحاب الأيكة و هم قوم شعيب و أصحاب الحجر و هم ثمود قوم صالح (عليه‏السلام‏) .


قوله تعالى : « نبى‏ء عبادي أني أنا الغفور الرحيم و أن عذابي هو العذاب الأليم» المراد بقوله : « عبادي» على ما يفيده سياق الآيات مطلق العباد و لا يعبأ بما ذكره بعضهم : أن المراد بهم المتقون السابق ذكرهم أو المخلصون .


و تأكيد الجملتين بالاسمية و إن و ضمير الفصل و اللام في الخبر يدل على أن الصفات المذكورة فيها أعني المغفرة و الرحمة و ألم العذاب بالغة في معناها النهاية بحيث لا تقدر بقدر و لا يقاس بها غيرها ، فما من مغفرة أو رحمة إلا و يمكن أن يفرض لها مانع يمنع


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :180


من إرسالها أو مقدر يقدرها و يحدها ، لكنه سبحانه يحكم لا معقب لحكمه و لا مانع يقاومه فلا يمنع عن إنجاز مغفرته و رحمته شي‏ء و لا يحدهما أمر إلا أن يشاء ذلك هو جل و عز ، فليس لأحد أن ييأس من مغفرته أو يقنط من روحه و رحمته استنادا إلى مانع يمنع أو رادع يردع إلا أن يخافه تعالى نفسه كما قال : « لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم و أنيبوا إلى ربكم» : الزمر : 54 .


و ليس لأحد أن يحقر عذابه أو يؤمل عجزه أو يأمن مكره و الله غالب على أمره و لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون .


قوله تعالى : « و نبئهم عن ضيف إبراهيم» الضيف معروف و يطلق على المفرد و الجمع و ربما يجمع على أضياف و ضيوف و ضيفان لكن الأفصح - كما قيل - أن لا يثنى و لا يجمع لكونه مصدرا في الأصل .


و المراد بالضيف الملائكة المكرمون الذين أرسلوا لبشارة إبراهيم بالولد و لهلاك قوم لوط سماهم ضيفا لأنهم دخلوا عليه في صورة الضيف .


قوله تعالى : « إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم» ضمير الجمع في « دخلوا» و « قالوا» في الموضعين للملائكة فقولهم : « سلاما» تحية و تقديره نسلم عليك سلاما و قول إبراهيم (عليه‏السلام‏) : « إنا منكم وجلون» أي خائفون و الوجل : الخوف .


و إنما قال لهم إبراهيم ذلك بعد ما استقر بهم المجلس و قدم إليهم عجلا حنيذا فلم يأكلوا منه فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم و أوجس منهم خيفة كما في سورة هود فالقصة مذكورة على نحو التلخيص .


و قولهم : « لا توجل» تسكين لوجله و تأمين له و تطييب لنفسه بأنهم رسل ربه و قد دخلوا عليه ليبشروه بغلام عليم أي بولد يكون غلاما و عليما ، و لعل المراد كونه عليما بتعليم الله و وحيه فيقرب من قوله في موضع آخر : « فبشرناه بإسحاق نبيا» : الصافات : 112 .


قوله تعالى : « قال أ بشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون» تلقى إبراهيم (عليه‏السلام‏) البشرى و هو شيخ كبير هرم لا عقب له من زوجه و قد أيئسته العادة الجارية


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :181


عن الولد و إن كان يجل أن يقنط من رحمة الله و نفوذ قدرته ، و لذا تعجب من قولهم و استفهمهم كيف يبشرونه بالولد و حاله هذه الحال ؟ و زوجه عجوز عقيم كما وقع في موضع آخر من كلامه تعالى .


فقوله : « أ بشرتموني على أن مسني الكبر» الكبر كناية عن الشيخوخة و مسه هو نيله منه ما نال بإفناء شبابه و إذهاب قواه ، و المعنى إني لأتعجب من بشارتكم إياي و الحال أني شيخ هرم فني شبابي و فقدت قوى بدني ، و العادة تستدعي أن لا يولد لمن هذا شأنه ولد .


و قوله : « فبم تبشرون» تفريع على قوله : « مسني الكبر» و هو استفهام عما بشروه به كأنه يشك في كون بشارتهم بشرى بالولد مع تصريحهم بذلك لا استبعاد ذلك فيسأل ما هو الذي تبشرون به ؟ فإن الذي يدل عليه ظاهر كلامكم أمر عجيب ، و هذا شائع في الكلام يقول الرجل إذا أخبر بما يستبعده أو لا يصدقه : ما تقول ؟ و ما تريد ؟ و ما ذا تصنع ؟ .


قوله تعالى : « قالوا بشرناك بالحق - إلى قوله - إلا الضالون» الباء في « بالحق» للمصاحبة أي إن بشارتنا ملازمة للحق غير منفكة منه فلا تدفعها بالاستبعاد فتكون من القانطين من رحمة الله و هذا ، جواب للملائكة و قد قابلهم إبراهيم (عليه‏السلام‏) على نحو التكنية فقال : « و من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون» و الاستفهام إنكاري أي إن القنوط من رحمة الله مما يختص بالضالين و لست أنا بضال فليس سؤالي سؤال قانط مستبعد .


قوله تعالى : « قال فما خطبكم أيها المرسلون» الخطب الأمر الجليل و الشأن العظيم ، و في خطابهم بالمرسلين دلالة على أنهم ذكروا له ذلك قبلا ، و معنى الآية ظاهر .


قوله تعالى : « قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين - إلى قوله - لمن الغابرين» قال في المفردات : الغابر الماكث بعد مضي من هو معه قال تعالى : « إلا عجوزا في الغابرين» يعني فيمن طال أعمارهم ، و قيل : فيمن بقي و لم يسر مع لوط ، و قيل : فيمن بقي بعد في العذاب ، و في آخر : « إلا امرأتك كانت من الغابرين» و في آخر : « قدرنا إنها لمن الغابرين» - إلى أن قال - و الغبار ما يبقى من التراب المثار و جعل على بناء


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :182


الدخان و العثار و نحوهما من البقايا .


انتهى و لعله من هنا ما ربما يسمى الماضي و المستقبل معا غابرا أما الماضي فبعناية أنه بقي فيما مضى و لم يتعد إلى الزمان الحاضر و أما المستقبل فبعناية أنه باق لم يفن بعد كالماضي .


و الآيات جواب الملائكة لسؤال إبراهيم « قالوا إنا أرسلنا» من عند الله سبحانه « إلى قوم مجرمين» نكروهم و لم يسموهم صونا للسان عن التصريح باسمهم تنفرا منه و مستقبل الكلام يعينهم ثم استثنوا و قالوا : « إلا آل لوط» و هم لوط و خاصته و ظهر به أن القوم قومه « إنا لمنجوهم» أي مخلصوهم من العذاب « أجمعين» و ظاهر السياق كون الاستثناء منقطعا .


ثم استثنوا امرأة لوط من آله للدلالة على أن النجاة لا تشملها و أن العذاب سيأخذها و يهلكها فقالوا « إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين» أي الباقين من القوم بعد خروج آل لوط من قريتهم .


و قد تقدم تفصيل قول فيضيف إبراهيم (عليه‏السلام‏) في سورة هود في الجزء العاشر من الكتاب و عقدنا هناك بحثا مستقلا فيه .


قوله تعالى : « فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون» إنما قال لهم لوط (عليه‏السلام‏) ذلك لكونهم ظاهرين بصور غلمان مرد حسان و كان يشقه ما يراه منهم و شأن قومه شأنهم من الفحشاء كما تقدم في سورة هود و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون و أتيناك بالحق و إنا لصادقون» الامتراء من المرية و هو الشك ، و المراد بما كانوا فيه يمترون العذاب الذي كان ينذرهم به لوط و هم يشكون فيه ، و المراد بإتيانهم بالحق إتيانهم بقضاء حق في أمر القوم لا معدل عنه كما وقع في موضع آخر من قولهم : « و إنهم آتيهم عذاب غير مردود» : هود : 76 ، و قيل : المراد « و أتيناك بالعذاب الذي لا شك فيه» و ما ذكرناه هو الوجه .


و في آيات القصة تقديم و تأخير لا بمعنى اختلال ترتيبها بحسب النزول عند التأليف بوضع ما هو مؤخر في موضع المقدم و بالعكس بل بمعنى ذكره تعالى بعض أجزاء القصة في غير محله الذي يقتضيه الترتيب الطبعي و تعينه له سنة الاقتصاص لنكتة توجب ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :183


و ترتيب القصة بحسب أجزائها على ما ذكرها الله سبحانه في سورة هود و غيرها و الاعتبار يساعد ذلك مقتضاه أن يكون قوله : « فلما جاء آل لوط» إلى تمام آيتين قبل سائر الآيات .


ثم قوله : « و جاء أهل المدينة» إلى تمام ست آيات .


ثم قوله : « قالوا بل جئناك» إلى تمام أربع آيات .


ثم قوله : « فأخذتهم الصيحة مشرقين» إلى آخر الآيات .


و حقيقة هذا التقديم و التأخير أن للقصة فصولا أربعة و قد أخذ الفصل الثالث منها فوضع بين الأول و الثاني أعني أن قوله : « و جاء أهل المدينة» إلى آخره أخر في الذكر ليتصل آخره و هو قوله : « لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون» بأول الفصل الأخير : « فأخذتهم الصيحة مشرقين» و ذلك ليتمثل به الغرض في الاستشهاد بالقصة و ينجلي أوضح الانجلاء و هو نزول عذاب هائل كعذابهم في حال سكرة منهم و أمن منه لا يخطر ببالهم شي‏ء من ذلك و ذلك أبلغ في الدهشة و أوقع في الحسرة يزيد في العذاب ألما على ألم .


و نظير هذا في التلويح بهذه النكتة ما في آخر قصة أصحاب الحجر الآتية من اتصال قوله : « و كانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين» بقوله : « فأخذتهم الصيحة مصبحين» كل ذلك ليجلي معنى قوله تعالى في صدر المقال : « و أن عذابي هو العذاب الأليم» فافهم ذلك .


قوله تعالى : « فأسر بأهلك بقطع من الليل» إلى آخر الآية ، الإسراء هو السير بالليل ، فقوله : « بقطع من الليل» يؤكده و قطع الليل شطر مقطوع منه ، و المراد باتباعه أدبارهم هو أن يسير وراءهم فلا يترك أحدا يتخلف عن السير و يحملهم على السير الحثيث كما يشعر به قوله : « و لا يلتفت منكم أحد» .


و المعنى : و إذ جئناك بعذاب غير مردود و أمر من الله ماض يجب عليك أن تسير بأهلك ليلا و تأخذ أنت وراءهم لئلا يتخلفوا عن السير و لا يساهلوا فيه و لا يلتفت أحد منكم إلى ورائه و امضوا حيث تؤمرون ، و فيه دلالة على أنه كانت أمامهم هداية إلهية تهديهم و قائد يقودهم .


قوله تعالى : « و قضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» القضاء


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :184


مضمن معنى الوحي و لذا عدي بإلى - كما قيل - و المراد بالأمر أمر العذاب كما يفسره قوله : « أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» و الإشارة إليه بلفظة « ذلك» للدلالة على عظم خطره و هول أمره .


و المعنى : و قضينا أمرنا العظيم في عذابهم موحيا ذلك إلى لوط و هو أن دابر هؤلاء و أثرهم الذي من شأنه أن يبقى بعدهم من نسل و بناء و عمل مقطوع حال كونهممصبحين أو التقدير أوحينا إليه قاضيا ، إلخ .


قوله تعالى : « و جاء أهل المدينة يستبشرون - إلى قوله - إن كنتم فاعلين» يدل نسبة المجي‏ء إلى أهل المدينة على كونهم جماعة عظيمة يصح عدهم أهل المدينة لكثرتهم .


فالمعنى « و جاء» إلى لوط « أهل المدينة» جمع كثير منهم يريدون أضيافه و هم « يستبشرون» لولعهم بالفحشاء و خاصة بالداخلين في بلادهم من خارج فاستقبلهم لوط مدافعا عن أضيافه « قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون» بالعمل الشنيع بهم « و اتقوا الله و لا تخزون قالوا» المهاجمون من أهل المدينة : أ لم نقطع عذرك في إيوائهم « أ و لم ننهك عن العالمين» أن تؤويهم و تشفع فيهم و تدافع عنهم فلما يئس لوط (عليه‏السلام‏) منهم عرض عليهم بناته أن ينصرفوا عن أضيافه بنكاحهن - كما تقدم بيانه في سورة هود - « قال إن هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين» .


قوله تعالى : « لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون - إلى قوله - من سجيل» قال في المفردات : العمارة ضد الخراب .


قال : و العمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة فهو دون البقاء فإذا قيل : طال عمره فمعناه عمارة بدنه بروحه ، و إذا قيل : بقاؤه فليس يقتضي ذلك فإن البقاء ضد الفناء ، و لفضل البقاء على العمر وصف الله به و قلما وصف بالعمر قال : و العمر - بالضم - و العمر - بالفتح - واحد لكن خص القسم بالعمر - بالفتح - دون العمر - بالضم - نحو « لعمرك إنهم لفي سكرتهم» ، انتهى .


و الخطاب في « لعمرك» للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فهو قسم ببقائه و قول بعضهم : إنه خطاب من الملائكة للوط (عليه‏السلام‏) و قسم بعمره لا دليل عليه من سياق الآيات .


و العمه هو التردد على حيرة و السجيل حجارة العذاب و قد تقدم تفصيل القول في معناه في تفسير سورة هود .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :185


و المعنى أقسم بحياتك و بقائك يا محمد إنهم لفي سكرتهم و هي غفلتهم بانغمارهم في الفحشاء و المنكر يترددون متحيرين « فأخذتهم الصيحة» و هي الصوت الهائل « مشرقين» أي حال كونهم داخلين في إشراق الصبح فجعلنا عالي بلادهم سافلها و فوقها تحتها و أمطرنا و أنزلنا من السماء عليهم حجارة من سجيل .


قوله تعالى : « إن في ذلك لآيات للمتوسمين - إلى قوله - للمؤمنين» الآية العلامة و المراد بالآيات أولا العلامات الدالة على وقوع الحادثة من بقايا الآثار و بالآية ثانيا العلامة الدالة للمؤمنين على حقية الإنذار و الدعوة الإلهية و التوسم التفرس و الانتقال من سيماء الأشياء على حقيقة حالها .


و المعنى : أن في ذلك أي فيما جرى من الأمر على قوم لوط و في بلادهم لعلامات من بقايا الآثار للمتفرسين و إن تلك العلامات لبسبيل للعابرين مقيم لم تعف و لم تنمح بالكلية بعد ، إن في ذلك لآية للمؤمنين تدل على حقية الإنذار و الدعوة و قد تبين بذلك وجه إيراد الآيات جمعا و مفردا في الموضعين .


قوله تعالى : « و إن كان أصحاب الأيكة لظالمين - إلى - فانتقمنا منهم و إنهما لبإمام مبين» الأيكة واحدة الأيك و هو الشجر الملتف بعضه ببعض فقد كانوا - كما قيل - في غيضة أي بقعة كثيفة الأشجار .


وهؤلاء - كما ذكروا - هم قوم شعيب (عليه‏السلام‏) أو طائفة من قومه كانوا يسكنون الغيضة ، و يؤيده قوله تعالى ذيلا : « و إنهما لبإمام مبين» أي مكانا قوم لوط و أصحاب الأيكة لفي طريق واضح فإن الذي على طريق المدينة إلى الشام هي بلاد قوم لوط و قوم شعيب الخربة أهلكهم الله بكفرهم و تكذيبهم لدعوة شعيب (عليه‏السلام‏) و قد تقدمت قصتهم في سورة هود و قوله : « فانتقمنا منهم» الضمير لأصحاب الأيكة و قيل : لهم و لقوم لوط .


و معنى الآيتين ظاهر .


قوله تعالى : « و لقد كذب أصحاب الحجر المرسلين - إلى قوله - ما كانوا يكسبون»أصحاب الحجر هم ثمود قوم صالح و الحجر اسم بلدة كانوا يسكنونها و عدهم مكذبين لجميع المرسلين و هم إنما كذبوا صالحا المرسل إليهم إنما هو لكون دعوة الرسل دعوة واحدة و المكذب لواحد منهم مكذب للجميع .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :186


و قوله : « و آتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين» إن كان المراد بالآيات المعجزات و الخوارق - كما هو الظاهر - فالمراد بها الناقة و شربها و ما ظهر لهم بعد عقرها إلى أن أهلكوا ، و قد تقدمت القصة في سورة هود ، و إن كان المراد بها المعارف الإلهية التي بلغها صالح (عليه‏السلام‏) و نشرها فيهم أو المجموع من المعارف الحقة و الآية المعجزة فالأمر واضح .


و قوله : « و كانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين» أي كانوا يسكنون الغيران و الكهوف المنحوتة من الحجارة آمنين من الحوادث الأرضية و السماوية بزعمهم .


و قوله : « فأخذتهم الصيحة مصبحين» أي صيحة العذاب التي كان فيها هلاكهم ، و قد تقدمت الإشارة إلى مناسبة اجتماع الأمن مع الصيحة في الآيتين لقوله في صدر الآيات : « و أن عذابي هو العذاب الأليم» .


و قوله : « فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون» أي من الأعمال لتأمين سعادتهم في الحياة .


بحثروائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن مصعب بن ثابت قال : مر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على ناس من أصحابه يضحكون قال : اذكروا الجنة و اذكروا النار فنزلت : « نبى‏ء عبادي أني أنا الغفور الرحيم» .


أقول : و في معناه روايات أخر لكن في انطباق معنى الآية على ما ذكر فيها من السبب خفاء .


و فيه أخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد في قوله : « إن في ذلك لآيات للمتوسمين» قال : هم المتفرسون .


و فيه ، أخرج البخاري في تاريخه و الترمذي و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن السني و أبو نعيممعا في الطب و ابن مردويه و الخطيب عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ : « إن في ذلك لآيات للمتوسمين» قال المتفرسين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :187


و في اختصاص المفيد ، بإسناده عن أبي بكر بن محمد الحضرمي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : قال : ما من مخلوق إلا و بين عينيه مكتوب مؤمن أو كافر و ذلك محجوب عنكم و ليس بمحجوب عن الأئمة من آل محمد ثم ليس يدخل عليهم أحد إلا عرفوه مؤمنا أو كافرا ثم تلا هذه الآية : « إن فيذلك لآيات للمتوسمين» فهم المتوسمون .


أقول : و الروايات في هذا المعنى متظافرة متكاثرة ، و ليس معناها نزول الآية فيهم (عليهم‏السلام‏) .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه و ابن عساكر عن ابن عمر قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إن مدين و أصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا .


أقول : و قد أوردنا ما يجب إيراده من الروايات في قصة بشرى إبراهيم و قصص لوط و شعيب و صالح (عليهماالسلام‏) في تفسير سورة هود في الجزء العاشر من الكتاب و اكتفينا بذلك عن إيرادها هاهنا فليرجع إلى هناك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :188


وَ مَا خَلَقْنَا السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ مَا بَيْنهُمَا إِلا بِالْحَقّ‏ِوَ إِنَّ الساعَةَ لاَتِيَةٌفَاصفَح الصفْحَ الجَْمِيلَ‏(85) إِنَّ رَبَّك هُوَ الخَْلَّقُ الْعَلِيمُ‏(86) وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَك سبْعاً مِّنَ الْمَثَانى وَ الْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ‏(87) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجاً مِّنْهُمْ وَ لا تحْزَنْ عَلَيهِمْ وَ اخْفِض جَنَاحَك لِلْمُؤْمِنِينَ‏(88) وَ قُلْ إِنى أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ‏(89) كَمَا أَنزَلْنَا عَلى الْمُقْتَسِمِينَ‏(90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْءَانَ عِضِينَ‏(91) فَوَ رَبِّك لَنَسئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏(92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ‏(93) فَاصدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِض عَنِ الْمُشرِكِينَ‏(94) إِنَّا كَفَيْنَك الْمُستهْزِءِينَ‏(95) الَّذِينَ يجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَفَسوْف يَعْلَمُونَ‏(96) وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّك يَضِيقُ صدْرُك بِمَا يَقُولُونَ‏(97) فَسبِّحْ بحَمْدِ رَبِّك وَ كُن مِّنَ السجِدِينَ‏(98) وَ اعْبُدْ رَبَّك حَتى يَأْتِيَك الْيَقِينُ‏(99)



في الآيات تخلص إلى غرض البيان السابقو هو أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يصدع بما يؤمر و يأخذ بالصفح و الإعراض عن المشركين و لا يحزن عليهم و لا يضيق صدره بما يقولون فإن من القضاء الحق أن يجازي الناس بأعمالهم في الدنيا و الآخرة و خاصة يوم القيامة الذي لا ريب فيه و هو اليوم الذي لا يغادر أحدا و لا يدع مثقال ذرة من الخير و الشر إلا ألحقه بعامله فلا ينبغي أن يؤسف لكفر كافر فإن الله عليم به سيجازيه ، و لا يحزن عليه فإن الاشتغال بالله سبحانه أهم و أوجب .


و لقد كرر سبحانه أمره بالصفح و الإعراض عن أولئك المستهزءين به - و هم الذين مر ذكرهمفي مفتتح السورة - و الاشتغال بتسبيحه و تحميده و عبادته ، و أخبره أنه كفاه شرهم فليشتغل بما أمره الله به ، و بذلك تختتم السورة .


قوله تعالى : « و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما إلا بالحق ، و إن الساعة لآتية» الباء في قوله : « بالحق» للمصاحبة أي إن خلقها جميعا لا ينفك عن الحق و يلازمه فللخلق غاية سيرجع إليها قال تعالى : « إن إلى ربك الرجعى» : العلق : 8 ، و لو لا ذلك لكان لعبا باطلا قال تعالى : « و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق» : الدخان : 39 ، و قال : « و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما باطلا» : ص : 27 ، و من الدليل على كون المراد بالحق ما يقابل اللعب الباطل تذييل الكلام بقوله : « و إن الساعة لآتية» و هو ظاهر .


و بذلك يظهر فساد ما ذكره بعضهم أن المراد بالحق العدل و الإنصاف و الباء للسببية و المعنى ما خلقنا ذلك إلا بسبب العدل و الإنصاف يوم الجزاء بالأعمال .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :189


و ذلك أن كون الحق في الآية بمعنى العدل و الإنصاف لا شاهد عليه من اللفظ على أن الذي ذكره من المعنى إنما يلائم كون الباء بمعنى لام الغرض أو للمصاحبة دون السببية .


و كذا ما ذكره بعضهم أن الحق بمعنى الحكمة و أن الجملة الأولى « و ما خلقنا» إلخ ، ناظرة إلى العذاب الدنيوي و الثانية « و إن الساعة لآتية» إلى العذاب الأخروي و المعنى و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما إلا متلبسا بالحق و الحكمة بحيث لا يلائم استمرار الفساد و استقرار الشرور ، و قد اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء دفعا لفسادهم و إرشادا لمن بقي إلى الصلاح ، و إن الساعة لآتية فينتقم أيضا فيها من أمثال هؤلاء .


و في الآية مشاجرة بين أصحاب الجبر و التفويض كل من الفريقين يجر نارها إلى قرصته فاستدل بها أصحاب الجبر على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أعمالهم من جملة ما بينهما فهي مخلوقة له .


و استدل بها أصحاب التفويض على أن أفعال العباد ليست مخلوقة له بل لأنفسهم فإن المعاصي و قبائح الأعمال من الباطل فلو كانت مخلوقة له لكانت مخلوقة بالحق و الباطل لا يكون مخلوقا بالحق .


و الحق أن الحجتين جميعا من الباطل فإن جهات القبح و المعصية في الأفعال حيثيات عدمية إذ الطاعة و المعصية كالنكاح و الزنا و أكل المال من حله و بالباطل و أمثال ذلك مشتركة في أصل الفعل و إنما تختلف طاعة و معصية بموافقة الأمر و مخالفته و المخالفة جهة عدمية ، و إذا كان كذلك فاستناد الفعل إلى الخلقة من جهة الوجود لا يستلزم استناد القبيح أو المعصية إليها فإن ذلك من جهاته العدمية فليس الفعل بجهته العدمية مما بين السماوات و الأرض حتى تشمله الآية ، و لا بجهته الوجودية من الباطل حتى يكون خلقه خلقا للباطل بالحق .


على أن الضرورة قائمة على حكومة نظام العلل و المعلولات في الوجود و أن قيام وجود شي‏ء بشي‏ء بحيث لا يستقل دونه هو ملاك الاتصاف فالمتصف بالطاعة و المعصية و حسن الفعل و قبيحه هو الإنسان دون الذي خلقه و يسر له أن يفعل كذا و كذا كما


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :190


أن المتصف بالسواد و البياض الجسم الذي يقوم به هذان اللونان دون الذي أوجده .


و قد استوفينا الكلام في هذا البحث في تفسير قوله : « و ما يضل به إلا الفاسقين» : البقرة : 26 ، الجزء الأول من الكتاب .


قوله تعالى : « فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم» قال في المفردات : صفح الشي‏ء عرضه و جانبه كصفحة الوجه و صفحة السيف و صفحة الحجر و الصفح ترك التثريب و هو أبلغ من العفو و لذلك قال : « فاعفوا و اصفحوا حتى يأتي الله بأمره» و قد يعفوا الإنسان و لا يصفح قال تعالى : « فاصفح عنهم و قل سلام» « فاصفح الصفح الجميل» « أ فنضرب عنكم الذكر صفحا» .


و صفحت عنه أوليته صفحة جميلة معرضا عن ذنبه أو لقيت صفحته متجافيا عنه أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها من قولك تصفحت الكتاب ، و قوله : « إن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل» فأمر له (عليه‏السلام‏) أن يخفف كفر من كفر كما قال : « و لا تحزن عليهم و لا تك في ضيق مما يمكرون» و المصافحة الإفضاء بصفحة اليد .


انتهى .


و سيأتي ما في الرواية من تفسير علي (عليه‏السلام‏) الصفح بالعفو من غير عتاب .


و قوله : « فاصفح الصفح الجميل» تفريع على سابقه أي إذا كانت الخلقة بالحق و هناك يوم فيه يحاسبون و يجازون لا ريب فيه فلا تشغل نفسك بما ترى منهم من التكذيب و الاستهزاء و اعف عنهم من غير أن تقع فيهم بعتاب أو مناقشة و جدال فإن ربك الذي خلقك و خلقهم هو عليم بحالك و حالهم و وراءهم يوم لا يفوتونه .


و من هنا يظهر أن قوله : « إن ربك هو الخلاق العليم» تعليل لقوله : « فاصفح الصفح الجميل» .


و هذه الآيات الحافة لقوله : « فاصدع بما تؤمر» تسلية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تطييب لنفسه ليأخذ قوله : « فاصدع بما تؤمر» موقعه فقد عرفتفي أول السورة أن الغرض الأصيل منها هو الأمر بإعلان الدعوة و عرفت أيضا بالتدبر في الآيات السابقة أنها مسرودة ليتخلص بها إلى تسليته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عما لقي من قومه من الإيذاء و الإهانة و الاستهزاء و يتخلص من ذلك إلى الأمر المطلوب .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :191


قوله تعالى : « و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم» السبع المثاني هي سورة الحمد على ما فسر في عدة من الروايات المأثورة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) فلا يصغى إلى ما ذكره بعضهم : أنها السبع الطوال ، و ما ذكره بعض آخر أنها الحواميم السبع ، و ما قيل : إنها سبع صحف من الصحف النازلة على الأنبياء ، فلا دليل على شي‏ء منها من لفظ الكتاب و لا من جهة السنة .


و قد كثر اختلافهم في قوله : « من المثاني» من جهة كون « من» للتبعيض أو للتبيين و في كيفية اشتقاق لفظة المثاني و وجه تسميتها بالمثاني .


و الذي ينبغي أن يقال - و الله أعلم - أن « من» للتبعيض فإنه سبحانه سمى جميع آيات كتابه مثاني إذ قال : « كتابا متشابها مثاني تقشعر منه قلوب الذين يخشون ربهم» : الزمر : 23 و آيات سورة الحمد من جملتها فهي بعض المثاني لا كلها .


و الظاهر أن المثاني جمع مثنية اسم مفعول من الثني بمعنى اللوي و العطف و الإعادة قال تعالى « يثنون صدورهم» : هود : 5 ، و سميت الآيات القرآنية مثاني لأن بعضها يوضح حال البعض و يلوي و ينعطف عليه كما يشعر به قوله : « كتابا متشابها مثاني» حيث جمع بين كون الكتاب متشابها يشبه بعض آياته بعضا و بين كون آياته مثاني ، و في كلام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في صفة القرآن : « يصدق بعضه بعضا» و عن علي (عليه‏السلام‏) : فيه : « ينطق بعضه ببعض و يشهد بعضه على بعض» أو هي جمع مثنى بمعنى التكرير و الإعادة كناية عن بيان بعض الآيات ببعض .


و لعل في ذلك كفاية و غنى عما ذكروه من مختلف المعاني كما في الكشاف و حواشيه و المجمع و روح المعاني و غيرها كقولهم : إنها من التثنية أو الثني بمعنى التكرير و الإعادة سميت آيات القرآن مثاني لتكرر المعاني فيها ، و كقولهم : سميت الفاتحة مثاني لوجوب قراءتها في كل صلاة مرتين أو لأنها تثنى في كل ركعة بما يقرأ بعدها من القرآن ، أو لأن كثيرا من كلماتها مكررة كالرحمان و الرحيم و إياك و الصراط و عليهم ، أو لأنها نزلت مرتين مرة بمكة و مرة بالمدينة أو لما فيها من الثناء على الله ، أو لأن الله استثناها و ادخرها لهذه الأمة و لم ينزلها على الأمم الماضين كما في الرواية ، إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة في التفاسير .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :192


و في قوله : « سبعا من المثاني و القرآن العظيم» من تعظيم أمر الفاتحة و القرآن ما لا يخفى أما القرآن فلتوصيفه من ساحة العظمة و الكبرياء بالعظيم ، و أما الفاتحة فلمكان التعبير عنه بالنكرة غير الموصوفة « سبعا» و فيه من الدلالة على عظمة قدرها و جلالة شأنها ما لا يخفى و قد قوبل بها القرآن العظيم و هي بعضه .


و الآية - كما تبين - في مقام الامتنان و هي مع ذلك لوقوعها في سياق الدعوة إلى الصفح و الإعراض تفيد أن في هذه الموهبة العظمى المتضمنة لحقائق المعارف الإلهية الهادية إلى كل كمال و سعادة بإذن الله عدة أن تحملك على الصفح الجميل و الاشتغال بربك و التوغل في طاعته .


قوله تعالى : « لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم - إلى قوله - المبين» الآيتان في مقام بيان الصفح الجميل الذي تقدم الأمر به ، و لذلك جي‏ء بالكلام في صورة الاستئناف .


و المذكور فيهما أربعة دساتير : منفيان و مثبتان فقوله : « لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم» مد العينين إلى ما متعوا به من زهرة الحياة الدنيا كناية عن التعدي عن قصر النظر على ما آتاه الله من نعمة ، و المراد بالأزواج الأزواج من الرجال و النساء أو الأصناف من الناس كالوثنيين و اليهود و النصارى و المجوس ، و المعنى لا تتجاوز عن النظر عما أنعمناك به من النعم الظاهرة و الباطنة إلى ما متعنا به أزواجا قليلة أو أصنافا من الكفار .


و ربما أخذ بعضهم قوله : « لا تمدن عينيك» كناية عن إطالة النظر و إدامته ، و أنت تعلم أن الغرض على أي حال النهي عن الرغبة و الميل و التعلق القلبي بما في أيديهم من أمتعة الحياة كالمال و الشوكة و الصيت و الذي يكنى به عن ذلك هو النهي عن أصل النظر إليه لا عن إطالته و إدامته و يشهد به ما سننقله من آية الكهف .


و قوله : « و لا تحزن عليهم» أي من جهة تماديهم في التكذيب و الاستهزاء و إصرارهم على أن لا يؤمنوا بك .


و قوله : « و اخفض جناحك للمؤمنين» قالوا : هو كناية عن التواضع و لين الجانب ، و الأصل فيه أن الطائر إذا أراد أن يضم إليه أفراخه بسط جناحه عليها ثم


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :193


خفضه لها هذا .


و الذي ذكروه و إن أمكن أن يتأيد بآيات أخر كقوله : «فبما رحمة من الله لنت لهم» : آل عمران : 159 ، و قوله في صفة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « بالمؤمنين رءوف رحيم» : التوبة : 128 ، لكن الذي وقع في نظير الآية مما يمكن أن يفسر به خفض الجناح هو صبر النفس مع المؤمنين و هو يناسب أن يكون كناية عن ضم المؤمنين إليه و قصر الهم على معاشرتهم و تربيتهم و تأديبهم بأدب الله أو كناية عن ملازمتهم و الاحتباس فيهم من غير مفارقة ، كما أن الطائر إذا خفض الجناح لم يطر و لم يفارق ، قال تعالى : « و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه و لا تعد عيناكعنهم تريد زينة الحياة الدنيا» الآية : الكهف : 28 .


و قوله : « و قل إني أنا النذير المبين» أي لا دعوى لي إلا أني نذير أنذركم بعذاب الله سبحانه مبين أبين لكم ما تحتاجون إلى بيانه ، و ليس لي وراء ذلك من الأمر شي‏ء .


فهذه الأمور الأربعة أعني ترك الرغبة بما في أيديهم من متاع الحياة الدنيا و ترك الحزن عليهم إذا كفروا و استهزءوا ، و خفض الجناح للمؤمنين و إظهار أنه نذير مبين هو الصفح الجميل الذي يليق بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و لو أسقط منها واحد لاختل الأمر .


و من ذلك يظهر أن قول بعضهم : إن قوله : «فاصفح الصفح الجميل» منسوخ بآية السيف غير وجيه فإن هذا الصفح الذي تأمر به الآية و يفسره قوله : « لا تمدن عينيك» باق على إحكامه و اعتباره حتى بعد نزول آية السيف فلا وجه لنسبة النسخ إليه .


قوله تعالى : « كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين» قال في المجمع : عضين جمع عضة و أصله عضوة فنقصت الواو و لذلك جمعت عضين بالنون كما قيل : عزوة و عزون و الأصل عزوة ، و التعضية : التفريق مأخوذة من الأعضاء يقال : عضيت الشي‏ء أي فرقته و بعضته قال رؤبة : و ليس دين الله بالمعضي ، انتهى موضع الحاجة .


و قوله : « كما أنزلنا على المقتسمين» لا يخلو السياق من دلالة على أنه متعلق بمقدر يلوح إليه قوله : « و قل إني أنا النذير المبين» أي بعذاب منزل ينزل عليكم كما أنزلنا على المقتسمين ، و المراد بالمقتسمين هم الذين يصفهم قوله بعد : « الذين


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :194


جعلوا القرآن عضين» و هم على ما وردت به الرواية قوم من كفار قريش جزءوا القرآن أجزاء فقالوا : سحر ، و قالوا : أساطير الأولين ، و قالوا : مفترى ، و تفرقوا في مداخل طرق مكة أيام الموسم يصدون الناس الواردين عن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كما سيأتي في البحث الروائي إن شاء الله .


و قيل قوله : « كما أنزلنا» متعلق بما تقدم من قوله : « و لقد آتيناك سبعا من المثاني» أي أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين ، و المراد بالمقتسمين اليهود و النصارى الذين فرقوا القرآن أجزاء و أبعاضا و قالوا نؤمن ببعض و نكفر ببعض .


و فيه أن السورة مكية نازلة في أوائل البعثة و لم يبتل الإسلام يومئذ باليهود و النصارى ذاك الابتلاء و قولهم : « آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار و اكفروا آخره» : آل عمران : 72 ، مما قالته اليهود بعد الهجرة و كذاما أشبه ذلك و الدليل على ما ذكرنا سياق الآيات .


و ربما قيل : سموا مقتسمين لأنهم اقتسموا أنبياء الله و كتبه المنزلة إليهم فآمنوا ببعض و كفروا ببعض ، و يدفعه أن الآية التالية تفسر المقتسمين بالذين جعلوا القرآن عضين لا بالذين فرقوا بين أنبياء الله أو بين كتبه .


فالظاهر أن الآيتين تذكران قوما نهضوا في أوائل البعثة على إطفاء نور القرآن و بعضوه أبعاضا ليصدوا عن سبيل الله فأنزل الله عليهم العذاب و أهلكهم ، و هم الذين ذكروا في الآيتين ثم يذكر الله مآل أمرهم بقوله : « فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون» .


قوله تعالى : « فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين» قال في المجمع : الصدع و الفرق و الفصل نظائر ، و صدع بالحق إذا تكلم به جهارا ، انتهى .


و الآية تفريع على ما تقدم ، و من حقها أن تتفرع لأنها الغرض في الحقيقة من السورة أي إذا كان الأمر على ما ذكر و أمرت بالصفح الجميل و كنت نذيرا بعذابنا كما أنزلنا على المقتسمين فأظهر كلمة الحق و أعلن الدعوة .


و بذلك يظهر أن قوله : « إنا كفيناك المستهزءين» في مقام التعليل لقوله : « فاصدع» إلخ كما يشعر الكلام أو يدل على أن هؤلاء المستهزءين هم المقتسمون


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :195


المذكورون قبل ، و معنى الآية إذا كان الأمر كما ذكرناه و كنت نذيرا بعذابنا كما أنزلناه على المقتسمين « فاصدع بما تؤمر» و أعلن الدعوة و أظهر الحق « و أعرض عن المشركين إنا» أي لأننا « كفيناك المستهزءين» بإنزال العذاب عليهم و هم « الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون» .


قوله تعالى : « و لقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون» رجع ثانيا إلى حزنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و ضيق صدره من استهزائهم لمزيد العناية بتسليته و تطييب نفسه و تقوية روحه ، و قد أكثر سبحانه في كلامه و خاصة في السور المكية من ذلك لشدة الأمر عليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


قوله تعالى : « فسبح بحمد ربك و كن من الساجدين و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين» وصاه سبحانه بالتسبيح و التحميد و السجدة و العبادة أو إدامة العبودية مفرعا ذلك على ضيق صدره بما يقولون ففي ذلك استعانة على الغم و المصيبة ، و قد أمره في الآيات السابقة بالصفح و الصبر ، و يستفاد الأمر بالصبر أيضا من قوله : « و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين» فإن ظاهره الأمر بالصبر على العبودية حتى حين ، و بذلك يصير الكلام قريب المضمون من قوله تعالى لدفع الشدائد و المقاومة على مر الحوادث : « استعينوا بالصبر و الصلاة» : البقرة : 153 .


و بذلك يتأيد أن المراد بالساجدين المصلون و أنه أمر بالصلاة و قد سميت سجودا تسمية لها باسم أفضل أجزائها و يكون المراد بالتسبيح و التحميد اللفظي منهما كقول سبحان الله و الحمد لله أو ما في معناهما نعم لو كان المراد بالصلاة في آية البقرة التوجه إلى الله سبحانه أمكن أن يكون المراد بالتسبيح و التحميد - أو بهما و بالسجود - المعنى اللغوي و هو تنزيهه تعالى عما يقولون و الثناء عليه بما أنعم به عليه من النعم و التذلل له تذلل العبودية .


و أما قوله : «و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين» فإن كان المراد به الأمر بالعبادة كان كالمفسر للآية السابقة و إن كان المراد الأخذ بالعبودية - كما هو ظاهر السياق ، و خاصة سياق الآيات السابقة الآمرة بالصفح و الإعراض و لازمهما الصبر كان بقرينة تقييده بقوله : « حتى يأتيك اليقين» أمرا بانتهاج منهج التسليم و الطاعة و القيام بلوازم العبودية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :196


و على هذا فالمراد بإتيان اليقين حلول الأجل و نزول الموت الذي يتبدل به الغيب من الشهادة و يعود به الخبر عيانا ، و يؤيد ذلك تفريع ما تقدم من قوله : « فاصفح الصفح الجميل» على قوله : « و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما إلا بالحق و إن الساعة لآتية» فإنه بالحقيقة أمر بالعفو و الصبر على ما يقولون لأن لهم يوما ينتقم الله منهم و يجازيهم بأعمالهم فيكون معنى الآية دم على العبودية و اصبر على الطاعة و عن المعصية و على مر ما يقولون حتى يدركك الموت و ينزل عليك عالم اليقين فتشاهد ما يفعل الله بهم ربك .


و في التعبير بمثل قوله : « حتى يأتيك اليقين» إشعار أيضا بذلك فإن العناية فيه بأن اليقين طالب له و سيدركه فليعبد ربه حتى يدركه و يصل إليه و هذا هو عالم الآخرة الذي هو عالم اليقين العام بما وراء الحجاب دون الاعتقاد اليقيني الذي ربما يحصل بالنظر أو بالعبادة .


و بذلك يظهر فساد ما ربما قيل : إن الآية تدل على ارتفاع التكليف بحصول اليقين ، و ذلك لأن المخاطب به النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قد دلت آيات كثيرة من كتاب الله أنه من الموقنين و أنه على بصيرة و أنه على بينة من ربه و أنه معصوم و أنه مهدي بهداية الله سبحانه إلى غير ذلك .


مضافا إلى ما قدمناه من دلالة الآية على كون المراد باليقين هو الموت .


و سنفرد لدوام التكليف بحثا عقليا بعد الفراغ عن البحثالروائي إن شاء الله تعالى .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه و ابن النجار عن علي بن أبي طالب : في قوله . « فاصفح الصفح الجميل» قال : الرضا بغير عتاب .


و في المجمع ، حكي عن علي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) : أن الصفح الجميل هو العفو من غير عتاب .


و في العيون ، بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن الرضا (عليه‏السلام‏) : في


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :197


الآية قال : العفو من غير عتاب .


و في التهذيب ، بإسناده عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن السبع المثاني و القرآن العظيم هي فاتحة الكتاب ؟ قال : نعم . قلت : بسم الله الرحمن الرحيم من السبع ؟ قال : نعم هي أفضلهن .


أقول : و هو مروي من طرق الشيعة عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) و غير واحد من أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) ، و من طرق أهل السنة عن علي و عدة من الصحابة كعمر بن الخطاب و عبد الله بن مسعود و ابن عباس و أبي بن كعب و أبي هريرة و غيرهم .


و في الدر المنثور ، أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال : سأل رجل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، قال : أ رأيت قول الله : « كما أنزلنا على المقتسمين» ؟ قال : اليهود و النصارى . قال : « الذين جعلوا القرآن عضين» قال : آمنوا ببعض و كفروا ببعض .


أقول : و قد عرفت فيما مر أن مضمون الرواية لا يلائم كون السورة مكية .


و في تفسير العياشي ، عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : عن قوله : « الذين جعلوا القرآن عضين» قالا : هم قريش .


و في المعاني ، بإسناده عن عبد الله بن علي الحلبي قال سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : مكث رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بمكة بعد ما جاء الوحي عن الله تبارك و تعالى ثلاثعشرة سنة مستخفيا منها ثلاث سنين خائفا لا يظهر حتى أمر الله عز و جل أن يصدع بما أمر فأظهر حينئذ الدعوة .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير عن أبي عبيدة أن عبد الله بن مسعود قال : ما زال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مستخفيا حتى نزل : « فاصدع بما تؤمر» فخرج هو و أصحابه .


و في تفسير العياشي ، عن محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : اكتتم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بمكة سنين ليس يظهر و علي معه و خديجة ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر فظهر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏)فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب فإذا أتاهم قالوا : كذاب امض عنا .


و في تفسير العياشي ، عن أبان بن عثمان الأحمر رفعه قال : كان المستهزءون خمسة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :198


من قريش : الوليد بن المغيرة المخزومي و العاص بن وائل السهمي و الحارث بن حنظلة و الأسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري و الأسود بن المطلب بن أسد فلما قال الله : « إنا كفيناك المستهزءين» علم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنه قد أخزاهم فأماتهم الله بشر ميتات : أقول : و رواه الصدوق في المعاني ، بإسناده عن أبان و روى فيه، أيضا و الطبرسي في الإحتجاج ، عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي (عليه‏السلام‏) : ما في هذا المعنى و هو حديث طويل فيه تفصيل هلاك كل من هؤلاء الخمسة لعنهم الله . و روي كون المستهزءين خمسة من قريش عن علي و عن ابن عباس مع سبب هلاكهم .


و الروايات مع ذلك مختلفة من طرق أهل السنة من جهة عددهم و أسمائهم و أسباب هلاكهم ، و الذي اتفق فيه حديث الفريقين هو ما قدمناه .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه و الديلمي عن أبي الدرداء سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : ما أوحي إلي أن أكون تاجرا و لا أجمع المال متكاثرا و لكن أوحي إلي : أن سبح بحمد ربك و كن من الساجدين - و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين .


أقول : و روي ما في معناه أيضا عن ابن مردويه عن ابن مسعود عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و فيه ، أخرج البخاري و ابن جرير عن أم العلاء : أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) دخل على عثمان بن مظعون و قد مات فقلت : رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال : و ما يدريك أن الله أكرمه ؟ أما هو فقد جاءه اليقين إني لأرجو له الخير .


و في الكافي ، بإسناده عن حفص بن غياث قال : قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : إن من صبر صبر قليلا و من جزع جزع قليلا . ثم قال : عليك بالصبر في جميع أمورك فإن الله عز و جل بعث محمدا و أمره بالصبر و الرفق فقال : « و اصبر على ما يقولون و اهجرهم هجرا جميلا - و ذرني و المكذبين أولي النعمة» و قال تبارك و تعالى : « ادفع بالتي هي أحسن السيئة - فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم - و ما يلقاها إلا الذين صبروا - و ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم» .


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :199


فصبر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حتى نالوه بالعظائم و رموه بها و ضاق صدره و قال الله : « و لقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون - فسبح بحمد ربك و كن من الساجدين» .


بحث فلسفي في كيفية وجود التكليف و دوامه


قد تقدم في خلال أبحاث النبوة و كيفية انتشاء الشرائع السماوية في هذا الكتاب أن كل نوع من أنواع الموجودات له غاية كمالية هو متوجه إليها ساع نحوها طالب لها بحركة وجودية تناسب وجوده لا يسكن عنها دون أن ينالها إلا أن يمنعه عن ذلك مانع مزاحم فيبطل دون الوصول إلى غايته كالشجرة تقف عن الرشد و النمو قبل أن تبلغ غايتها لآفات تعرضها ، و تقدم أيضا أن الحرمان من بلوغ الغايات إنما هو في أفراد خاصة من الأنواع و أما النوع بنوعيته فلا يتصور فيه ذلك .


و أن الإنسان و هو نوع وجودي له غاية وجودية لا ينالها إلا بالاجتماع المدني كما يشهد به تجهيز وجوده بما لا يستغني به عن سائر أمثاله كالذكورة و الأنوثة و العواطف و الإحساسات و كثرة الحوائج و تراكمها .


و أن تحقق هذا الاجتماع و انعقاد المجتمع الإنساني يحوج أفراد المجتمع إلى أحكام و قوانين ينتظم باحترامها و العمل بها شتات أمورهم و يرتفع بها اختلافاتهم الضرورية و يقف بها كل منهم في موقفه الذي ينبغي له و يحوز بها سعادته و كماله الوجودي ، و هذه الأحكام و القوانين العملية في الحقيقة منبعثة عن الحوائج التي تهتف بها خصوصية وجود الإنسان و خلقته الخاصة بما لها من التجهيزات البدنية و الروحية كما أن خصوصية وجوده و خلقته مرتبطة بخصوصيات العلل و الأسباب التي تكون وجود الإنسان من الكون العام .


و هذا معنى كون الدين فطريا أي أنه مجموع أحكام و قوانين يرشد إليها وجود الإنسان بحسب التكوين و إن شئت فقل : سنن يستدعيها الكون العام فلو أقيمت أصلحت المجتمع و بلغت بالأفراد غايتها في الوجود و كمالها المطلوب و لو تركت و أبطلت أفسدت العالم الإنساني و زاحمت الكون العام في نظامه .


و أن هذه الأحكام و القوانين سواء كانت معاملية اجتماعية تصلح بها حال المجتمع


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :200


و يجمع بها شمله أو عبادية تبلغ بالإنسان غاية كماله من المعرفة و الصلاح في مجتمع صالح فإنها جميعا يجب أن يتلقاها الإنسان من طريق نبوة إلهية و وحي سماوي لا غير .


و بهذه الأصول الماضية يتبين أن التكليف الإلهي يلازم الإنسان ما عاش في هذه النشأة الدنيوية سواء كان في نفسه ناقصا لم يكمل وجودا بعد أو كاملا علما و عملا : أما لو كان ناقصا فظاهر ، و أما لو كان كاملا فلأن معنى كماله أن يحصل له فيجانبي العلم و العمل ملكات فاضلة يصدر عنها من الأعمال المعاملية ما يلائم المجتمع و يصلحه و يتمكن من كمال المعرفة و صدور الأعمال العبادية الملائمة للمعرفة كما تقتضيه العناية الإلهية الهادية للإنسان إلى سعادته .


و من المعلوم أن تجويز ارتفاع التكليف عن الإنسان الكامل ملازم لتجويز تخلفه عن الأحكام و القوانين و هو فيما يرجع إلى المعاملات يوجب فساد المجتمع و العناية الإلهية تأباه .


و فيما يرجع إلى العبادات يوجب تخلف الملكات عن آثارها فإن الأفعال مقدمات معدة لحصول الملكات ما لم تحصل ، و إذا حصلت عادت تلك الأفعال آثارا لها تصدر عنها صدورا لا تخلف فيه .


و من هنا يظهر فساد ما ربما يتوهم أن الغرض من التكليف تكميل الإنسان و إيصاله غاية وجوده فإذا كمل لم يكن لبقاء التكليف معنى .


وجه الفساد : أن تخلف الإنسان عن التكليف الإلهي و إن كان كاملا ، في المعاملات يفسد المجتمع و فيه إبطال العناية الإلهية بالنوع ، و في العبادات يستلزم تخلف الملكات عن آثارها ، و هو غير جائز ، و لو جاز لكان فيه إبطال الملكة و فيه أيضا إبطال العناية .


نعم بين الإنسان الكامل و غيره فرق في صدور الأفعال و هو أن الكامل مصون عن المخالفة لمكان الملكة الراسخة بخلاف غير الكامل و الله المستعان .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :