امروز:
دوشنبه 3 مهر 1396
بازدید :
625
تفسيرالميزان : سوره نحل آيات 89- 65


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :287


وَ اللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَاإِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لِّقَوْمٍ يَسمَعُونَ‏(65) وَ إِنَّ لَكمْ فى الأَنْعَمِ لَعِبرَةًنُّسقِيكم مِّمَّا فى بُطونِهِ مِن بَينِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سائغاً لِّلشرِبِينَ‏(66) وَ مِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَ الأَعْنَبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكراً وَ رِزْقاً حَسناًإِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏(67) وَ أَوْحَى رَبُّك إِلى النَّحْلِ أَنِ اتخِذِى مِنَ الجِْبَالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشونَ‏(68) ثمَّ كلِى مِن كلّ‏ِ الثَّمَرَتِ فَاسلُكِى سبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاًيخْرُجُ مِن بُطونِهَا شرَابٌ مخْتَلِفٌ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏(69) وَ اللَّهُ خَلَقَكمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَ مِنكم مَّن يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَىْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شيْئاًإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(70) وَ اللَّهُ فَضلَ بَعْضكمْ عَلى بَعْضٍ فى الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضلُوا بِرَادِّى رِزْقِهِمْ عَلى مَا مَلَكت أَيْمَنهُمْ فَهُمْ فِيهِ سوَاءٌأَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يجْحَدُونَ‏(71) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكمْ أَزْوَجاً وَ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَجِكم بَنِينَ وَ حَفَدَةً وَ رَزَقَكُم مِّنَ الطيِّبَتِ أَ فَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ‏(72) وَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِك لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ شيْئاً وَ لا يَستَطِيعُونَ‏(73) فَلا تَضرِبُوا للَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏(74) × ضرَب اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شىْ‏ءٍ وَ مَن رَّزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقاً حَسناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراًهَلْ يَستَوُنَ الحَْمْدُ للَّهِ بَلْ أَكثرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏(75) وَ ضرَب اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَينِ أَحَدُهُمَا أَبْكمُ لا يَقْدِرُ عَلى شىْ‏ءٍ وَ هُوَ كلٌّ عَلى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لا يَأْتِ بخَيْرٍهَلْ يَستَوِى هُوَ وَ مَن يَأْمُرُ بِالْعَدْل ِوَ هُوَ عَلى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ‏(76) وَ للَّهِ غَيْب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا أَمْرُ الساعَةِ إِلا كلَمْح الْبَصرِ أَوْ هُوَ أَقْرَب إِنَّ اللَّهَ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ قَدِيرٌ(77)



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :288


بيان


رجوع بعد رجوع إلى عد النعم و الآلاء الإلهية و استنتاج التوحيد و البعث منها و الإشارة إلى مسألة التشريع و هي النبوة .


قوله تعالى : « و الله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها» إلخ ، يريد إنبات الأرض بعد ما انقطعت عنه بحلول الشتاء بماء السماء الذي هو المطر فتأخذ أصول النباتات و بذورها في النمو بعد سكونها ، و هي حياة من سنخ الحياة الحيوانية و إن كانت أضعف منها ، و قد اتضح بالأبحاث الحديثة أن للنبات من جراثيم الحياة ما للحيوان و إن اختلفتا صورة و أثرا .


و قوله : « إن في ذلك لآية لقوم يسمعون» المراد بالسمع قبول ما من شأنه أن يقبل من القول فإن العاقل الطالب للحق إذا سمع ما يتوقع فيه الحق أصغى و استمع إليه ليعيه و يحفظه ، قال تعالى : « الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله و أولئك هم أولوا الألباب» : الزمر : 18 .


فإذا ذكر من فيه قريحة قبول الحق حديث إنزال الله المطر و إحيائه الأرض بعد موتها كان له في ذلك آية للبعث و أن الذي أحياها لمحيي الموتى .


قوله تعالى : « و إن لكم في الأنعام لعبرة» إلخ» الفرث هو الثفل الذي ينزل إلى الكرش و الأمعاء فإذا دفع فهو سرجين و ليس فرثا ، و السائغ اسم فاعل من السوغ يقال : ساغ الطعام و الشراب إذا جرى في الحلق بسهولة .


و قوله : « و إن لكم في الأنعام لعبرة» أي لكم في الإبل و البقر و الغنم لأمرا أمكنكم أن تعتبروا به و تتعظوا ثم بين ذلك الأمر بقوله : « نسقيكم مما في بطونه» إلخ ، أي بطون ما ذكر من الأنعام أخذ الكثير شيئا واحدا .


و قوله : « من بين فرث و دم» الفرث في الكرش و ألبان الأنعام مكانها مؤخر البطن بين الرجلين ، و الدم مجراه الشرايين و الأوردة و هي محيطة بهما جميعا فأخذ اللبن شيئا هو بين الفرث و الدم كأنه باعتبار مجاورته لكل منهما و اجتماع الجميع في داخل الحيوان و هذا كما يقال ، اخترت زيدا من بين القوم و دعوته و أخرجته من بينهم إذا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :289


اجتمع معهم في مكان واحد و جاورهم فيه و إن كان جالسا في حاشية القوم لا وسطهم ، و المراد بذلك أني ميزته من بينهم و قد كان غير متميز .


و المعنى : نسقيكم مما في بطونه لبنا خارجا من بين فرث و دم خالصا غير مختلط و لا مشوب بهما و لا مستصحب لشي‏ء من طعمهما و رائحتهما سائغا للشاربين فذلك عبرة لمن اعتبر و ذريعة إلى العلم بكمال القدرة و نفوذ الإرادة ، و أن الذي خلص اللبن من بين فرث و دم لقادر على أن يبعث الإنسان و يحييه بعد ما صار عظاما رميما و ضلت في الأرض أجزاؤه .


قوله تعالى : « و من ثمرات النخيل و الأعناب تتخذون منه سكرا و رزقا حسنا» إلى آخر الآية ، قال في المفردات : السكر - بضم السين - حالة تعرض بين المرء و عقله - إلى أن قال - و السكر - بفتحتين - ما يكون منه السكر ، قال تعالى : « تتخذون منه سكرا و رزقا حسنا» انتهى .


و قال في المجمع السكر في اللغة على أربعة أوجه : الأول ما أسكر من الشراب ، و الثاني ما طعم من الطعام ، قال الشاعر : « جعلت عيب الأكرمين سكرا» أي جعلت ذمهم طعما لك ، و الثالث السكون و منه ليلة ساكرة أي ساكنة ، قال الشاعر : « و ليست بطلق و لا ساكرة» و يقال : سكرت الريح سكنت ، قال : « و جعلت عين الحرور تسكر» ، و الرابع المصدر من قولك : سكر سكرا و منه التسكير التحيير في قوله : « سكرت أبصارنا» انتهى .


و الظاهر أن الأصل في معناه هو زوال العقل باستعمال ما يوجب ذلك ، و سائر ما ذكره من المعاني مأخوذة منه بنوع من الاستعارة و التوسع .


و قوله : « و من ثمرات النخيل و الأعناب» إما جملة اسمية معطوفة على قوله : « و الله أنزل من السماء ماء» كقوله في الآية السابقة : « و إن لكم في الأنعام لعبرة» ، و التقدير : و من ثمرات النخيل و الأعناب ما - أو شي‏ء - تتخذون منه إلخ ، قالوا :


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :290


و العرب ربما يضمر ما الموصولة كثيرا ، و منه قوله تعالى : « و إذا رأيت ثم رأيت نعيما و ملكا كبيرا» : الدهر : 20 ، و التقدير رأيت ما ثم ، أو التقدير و من ثمرات النخيل و الأعناب شي‏ء تتخذون منه ، بناء على عدم جواز حذف الموصول و إبقاء الصلة على ما ذهب إليه البصريون من النحاة .


و إما جملة فعلية معطوفة على قوله : « أنزل من السماء» ، كما في الآية التالية : « و أوحى ربك» و التقدير خلق لكم أو آتاكم من ثمرات النخيل و الأعناب ، و قوله : « تتخذون منه» إلخ ، بدل منه أو استئناف كأن قائلا يقول : ما ذا نستفيد منه فقيل : تتخذون منه سكرا و رزقا حسنا ، و إفراد ضمير « منه» بتأويل المذكور كقوله : « مما في بطونه» في الآية السابقة .


و قوله : « تتخذون منه سكرا و رزقا حسنا» أي تتخذون مما ذكر من ثمرات النخيل و الأعناب ما هو مسكر كالخمر بأنواعها و رزقا حسنا كالتمر و الزبيب و الدبس و غير ذلك مما يقتات به .


و لا دلالة في الآية على إباحة استعمال السكر و لا على تحسين استعماله إن لم تدل على نوع من تقبيحه من جهة مقابلته بالرزق الحسن و إنما الآية تعد ما ينتفعون به من ثمرات النخيل و الأعناب و هي مكية تخاطب المشركين و تدعوهم إلى التوحيد .


و على هذا فالآية لا تتضمن حكما تكليفيا حتى تكون منسوخة أو غير منسوخة و به يظهر فساد القول بكونها منسوخة بآية المائدة كما نسب إلى قتادة .


و قد أغرب صاحب روح المعاني إذ قال : و تفسير السكر بالخمر هو المروي عن ابن مسعود و ابن عمر ، و أبي رزين و الحسن و مجاهد و الشعبي و النخعي و ابن أبي ليلى و أبي ثور و الكلبي و ابن جبير مع خلق آخرين ، و الآية نزلت في مكة و الخمر إذ ذاك كانت حلالا يشربها البر و الفاجر ، و تحريمها إنما كان بالمدينة اتفاقا ، و اختلفوا في أنه قبل أحد أو بعدها و الآية المحرمة لها : « يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه» ، على ما ذهب إليه جمع فما هنا منسوخ بها و روى ذلك غير واحد ممن تقدم كالنخعي و أبي ثور و ابن جبير .


و قيل : نزلت قبل و لا نسخ بناء على ما روي عن ابن عباس أن السكر هو الخل


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :291


بلغة الحبشة أو على ما نقل عن أبي عبيدة أن السكر المطعوم المتفكه به كالنقل و أنشد : « جعلت أعراض الكرام سكرا» - إلى أن قال - و إلى عدم النسخ ذهب الحنفيون و قالوا : المراد بالسكر ما لا يسكر من الأنبذة و استدلوا عليه بأن الله تعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ، و لا يقع الامتنان إلا بمحلل فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ فإذا انتهى إلى السكر لم يجز انتهى موضع الحاجة .


أما ما ذكره في الخمر فقد فصلنا القول في ذلك في ذيل آيات التحريم من سورة المائدة ، و أقمنا الشواهد هناك على أن الخمر كانت محرمة قبل الهجرة و كان الإسلام معروفا بتحريمها و تحريم الزنا عند المشركين عامتهم ، و أن تحريمها نزل في سورة الأعراف و قد نزلت قبل سورة النحل قطعا ، و في سورتي البقرة و النساء و قد نزلتا قبل سورة المائدة .


و أن التي نزلت في المائدة إنما نزلت لتشديد الحرمة و زجر بعض المسلمين حيث كانوا يتخلفون عن حكم التحريم كما وقع في الروايات و هو الذي يشير إليه بقوله : يشربها البر و الفاجر و في لفظ الآيات دلالة على ذلك إذ يقول : « فهل أنتم منتهون» .


و أما ما نقله عن ابن عباس أن السكر في لغة الحبشة بمعنى الخل فلا معول عليه ، و استعمال اللفظ غير العربي و إن كان غير عزيز في القرآن كما قيل في إستبرق و جهنم و زقوم و غيرها لكنه إنما يجوز فيما لم يكن هناك مانع من لبس أو إبهام ، و أما في مثل السكر و هو في اللغة العربية الخمر و في الحبشية الخل فلا و كيف يجوز أن ينسب إلى أبلغ الكلام أنه ترك الخل و هو عربي جيد و استعمل مكانه لفظة حبشية تفيد في العربية ضد معناها ؟ و أما ما نسبه إلى أبي عبيدة فقد تقدم ما عليه في أول الكلام فراجع .


و أما ما نسبه إلى الحنفية من أن المراد بالسكر النبيذ و أن الآية تدل على جواز شرب القليل منه ما لم يصل إلى حد الإسكار لمكان الامتنان ففيه أن الآية لا تدل على أكثر من أنهم يتخذون منه سكرا ، و أما الامتنان عليهم بذلك فبمعزل من دلالة الآية و إنما عد من النعم ثمرات النخيل و الأعناب لا كل ما عملوا منها من حلال و حرام و لو كان في ذلك امتنان لم يقابله بالرزق الحسن الدال بمقابلته على نوع من العتاب على اتخاذهم منه سكرا كما اعترف به البيضاوي و غيره .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :292


على أن ما في الآية من لفظ السكر غير مقيد بكونه نبيذا أو خمرا و لا قليلا لا يبلغ حد الإسكار و لا غيره فلو كان اتخاذ السكر متعلقا للامتنان الدال على الجواز لكانت الآية صريحة في حلية الجميع ثم لم يقبل النسخ أصلا فإن لسان الامتنان لا يقبل أمدا يرتفع بعده ، كيف يجوز أن يعد الله شيئا من نعمه و يمتن على الناس به ثم يعده بعد برهة رجسا و من عمل الشيطان كما في آية المائدة إلا بالبداء بمعناه المستحيل عليه تعالى .


ثم ختم سبحانه الآية بقوله : « إن في ذلك لآية لقوم يعقلون» حثا على التعقل و الإمعان في أمر النبات و ثمراته .


قوله تعالى : « و أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا» إلى آخر الآيتين ، الوحي - كما قال الراغب - الإشارة السريعة و ذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز أو بصوت مجرد عن التركيب أو بإشارة و نحوها ، و المحصل من موارد استعماله أنه إلقاء المعنى بنحو يخفى على غير من قصد إفهامه فالإلهام بإلقاء المعنى في فهم الحيوان من طريق الغريزة من الوحي و كذا ورود المعنى في النفس من طريق الرؤيا أو من طريق الوسوسة أو بالإشارة كل ذلك من الوحي ، و قد استعمل في كلامه تعالى في كل من هذه المعاني كقوله : « و أوحى ربك إلى النحل» الآية ، و قوله : « و أوحينا إلى أم موسى» : القصص : 7 ، و قوله : « إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم» : الأنعام : 121 ، و قوله : « فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة و عشيا» : مريم : 11 ، و من الوحي التكليم الإلهي لأنبيائه و رسله ، قال تعالى : « و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا» : الشورى : 51 ، و قد قرر الأدب الديني في الإسلام أن لا يطلق الوحي على غير ما عند الأنبياء و الرسل من التكليم الإلهي .


قال في المجمع : و الذلل جمع الذلول ، يقال : دابة ذلول بين الذل و رجل ذلول بين الذل و الذلة .


انتهى .


و قوله : « و أوحى ربك إلى النحل» أي ألهمه من طريق غريزته التي أودعها في بنيته ، و أمر النحل و هو زنبور العسل في حياته الاجتماعية و سيرته و صنعته لعجيب ، و لعل بداعة أمره هو الموجب لصرف الخطاب عنهم إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذ قال : « و أوحى ربك» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :293


و قوله : « أن اتخذي من الجبال بيوتا و من الشجر و مما يعرشون» هذا من مضمون الوحي الذي أوحي إليه ، و الظاهر أن المراد بما يعرشون هو ما يبنون لبيوت العسل .


و قوله : « ثم كلي من كل الثمرات» الأمر بأن تأكل من كل الثمرات مع أنها تنزل غالبا على الأزهار إنما هو لأنها إنما تأكل من مواد الثمرات أول ما تتكون في بطون الأزهار و لما تكبر و تنضج .


و قوله : « فاسلكي سبل ربك ذللا» تفريعه على الأمر بالأكل يؤيد أن المراد به رجوعها إلى بيوتها لتودع فيها ما هيأته من العسل المأخوذ من الثمرات و إضافة السبل إلى الرب للدلالة على أن الجميع بإلهام إلهي .


و قوله : « يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه» إلخ ، استئناف بعد ذكر جملة ما أمرت به يبين فيه ما يترتب على مجاهدتها في امتثال أمر الله سبحانه ذللا و هو أنه يخرج من بطونها أي بطون النحل « شراب» و هو العسل « مختلف ألوانه» بالبياض و الصفرة و الحمرة الناصعة و ما يميل إلى السواد « فيه شفاء للناس» من غالب الأمراض .


و تفصيل القول في حياة النحلة هذه الحشرة الفطنة التي بنت حياتها على مدنية عجيبة فاضلة لا تكاد تحصى غرائبها و لا يحاط بدقائقها ثم الذي تهيئه ببالغ مجاهدتها و ما يشتمل عليه من الخواص خارج عن وسع هذا الكتاب فليراجع في ذلك مظان تحقيقه .


ثم ختم الآية بقوله : « إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون» و قد اختلف التعبير بذلك في هذه الآيات فخص الآية في إحياء الأرض بعد موتها بقوم يسمعون ، و في ثمرات النخيل و الأعناب بقوم يعقلون ، و في أمر النحل بقوم يتفكرون .


و لعل الوجه في ذلك أن النظر في أمر الموت و الحياة بحسب طبعه من العبرة و الموعظة ، و هي بالسمع أنسب ، و النظر في الثمرات من حيث ما ينفع الإنسان في وجوده من السير البرهاني من مسلك اتصال التدبير و ارتباط الأنظمة الجزئية و رجوعها إلى نظام عام واحد لا يقوم إلا بمدبر واحد و هو للعقل أنسب ، و أمر النحل في حياتها يتضمن دقائق عجيبة لا تنكشف للإنسان إلا بالإمعان في التفكر فهو آية للمتفكرين .


و قد أشرنا سابقا إلى ما في آيات السورة من مختلف الالتفاتات ، و عمدتها في هذه الآيات ترجع إلى خطاب المشركين رحمة لهم و إشفاقا بحالهم و هم لا يعلمون ، و الإعراض


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :294


عن مخاطبتهم لكفرهم و جحودهم إلى خطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هذا ظاهر مشهود في آيات السورة فلا يزال الخطاب فيها يتقلب بين النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و بين المشركين فيتحول منه إليهم و منهم إليه .


قوله تعالى : « و الله خلقكم ثم يتوفاكم و منكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا» إلخ ، الأرذل اسم تفضيل من الرذالة و هي الرداءة و الرذل الدون و الردي‏ء ، و المراد بأرذل العمر بقرينة قوله : « لكي لا يعلم» إلخ ، سن الشيخوخة و الهرم التي فيها انحطاط قوى الشعور و الإدراك ، و هي تختلف باختلاف الأمزجة و تبتدى‏ء على الأغلب من الخمس و السبعين .


و المعنى : و الله خلقكم معشر الناس ثم يتوفاكم في عمر متوسط و منكم من يرد إلى سن الهرم فينتهي إلى أن لا يعلم بعد علم شيئا لضعف القوى ، و هذا آية أن حياتكم و موتكم و كذا شعوركم و علمكم ليست بأيديكم و إلا اخترتم البقاء على الوفاة و العلم على عدمه بل ذلك على ما له من عجيب النظام منته إلى علمه و قدرته تعالى ، و لهذا علله بقوله : « إن الله عليم قدير» .


قوله تعالى : « و الله فضل بعضكم على بعضفي الرزق» إلى آخر الآية ، فضل بعض الناس على بعض في الرزق و هو ما تبقى به الحياة ربما كان من جهة الكمية كالغني المفضل بالمال الكثير على الفقير ، و ربما كان من جهة الكيفية كأن يستقل بالتصرف فيه بعضهم و يتولى أمر الآخرين مثل ما يستقل المولى الحر بملك ما في يده و التصرف فيه بخلاف عبده الذي ليس له أن يتصرف في شي‏ء إلا بإذنه و كذا الأولاد الصغار بالنسبة إلى وليهم و الأنعام و المواشي بالنسبة إلى مالكها .


و قوله : « فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم» قرينة على أن المراد هو القسم الثاني من التفضيلو هو أن بعضهم فضل بالحرية و الاستقلال بملك ما رزق و ليس يختار أن يرد ما رزق باستقلاله و حريته إلى من يملكه و يملك رزقه ، و لا أن يبذل له ما أوتيه من نعمة حتى يتساويا و يتشاركا فيبطل ملكه و يذهب سودده .


فهذه نعمة ليسوا بمغمضين عنها و لا برادين لها على غيرهم ، و ليست إلا من الله سبحانه فإن أمر المولوية و الرقية و إن كان من الشئون الاجتماعية التي ظهرت عن آراء


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :295


الناس و السنن الاجتماعية الجارية في مجتمعاتهم لكن له أصول طبيعية تكوينية هي التي بعثت آراءهم على اعتبارهكسائر الأمور الاجتماعية العامة .


و من الشاهد على ذلك أن الأمم الراقية منذ عهد طويل أعلنوا بإلغاء سنة الاسترقاق ثم اتبعتهم سائر الأمم من الشرقيين و غيرهم و هم لا يزالون يحترمون معناها إلى هذه الغاية و إن ألغوا صورتها ، و يجرون مسماها و إن هجروا اسمها و لن يزالوا كذلك فليس في وسع الإنسان أن يسد باب المغالبة ، و قد قدمنا كلاما في هذا المعنى في آخر الجزء السادس من هذا الكتاب فليراجعه من شاء .


و كون هذا المعنى نعمة من الله إنما هو لأن من صلاح المجتمع الإنساني أن يتسلط بعضهم على بعض فيصلح القوي الضعيف بصالح التدبير و يكمله .


و على هذا فقوله : « فهم فيه سواء» متفرع على المنفي في قوله : « فما الذين فضلوا برادي رزقهم» دون النفي ، و المعنى : ليسوا برادي رزقهم على عبيدهم فيكونوا متساوين فيه متشاركين و في ذلك ذهاب مولويتهم ، و يحتمل أن يكون جملة استفهامية حذفت منها أداة الاستفهام و فيها إنكار أن يكون المفضلون و المفضل عليهم في ذلك متساويين ، و لو كانوا سواء لم يمتنع المفضل من أن يرد رزقه على من فضل عليه فإن في ذلك دلالة على أنها نعمة خصه الله بها .


و لذلك عقبه ثانيا بقوله : « أ فبنعمة الله يجحدون» و هو استفهام توبيخي كالمتفرع لما تقدمه من الاستفهام الإنكاري ، و المراد بنعمة الله هذا التفضيل المذكور بعينه .


و المعنى - و الله أعلم - و الله فرق بينكم بأن فضل بعضكم على بعض في الرزق فبعضكم حر مستقل في التصرف فيه ، و بعضكم عبد تبع له لا يتصرف إلا عن إذن فليس الذين فضلوا برادي رزقهم الذي رزقوه على سبيل الحرية و الاستقلال على ما ملكت أيمانهم حتى يكون هؤلاء المفضلون و المفضل عليهم في الرزق سواء فليسوا سواء بل هي نعمة تختص بالمفضلين أ فبنعمة الله يجحدون ؟ .


هذا ما يفيده ظاهر الآية بما احتفت به من القرائن ، و السياق سياق تعداد النعم ،


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :296


و ربما قرر معنى الآية على وجه آخر فقيل : المعنى أنهم لا يشركون عبيدهم في أموالهم و أزواجهم حتى يكونوا في ذلك سواء و يرون ذلك نقصا لأنفسهم فكيف يشركون عبيدي في ملكي و سلطاني و يعبدونهم و يتقربون إليهم كما يعبدونني و يتقربون إلي ، كما فعلوا في عيسى بن مريم (عليهماالسلام‏) ؟ .


قالوا : و الآية على شاكلة قوله تعالى : « ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء» : الروم : 28 قالوا : و الآية نزلت في نصارى نجران .


و فيه أن سياق الآية هو سياق تعداد النعم لاستنتاج التوحيد لا المناقضة و التوبيخ فلا أثر فيها منه .


على أن الآية مما نزلت بمكة و أين ذاك من وفود نصارى نجران على المدينة سنة ست من الهجرة أو بعدها ؟ و قياس هذه الآية من آية سورة الروم مع الفارق لاختلاف السياقين ، فسياق هذه الآية سياق الاحتجاج بذكر النعمة و سياق آية الروم هو سياق التوبيخ على الشرك .


و قيل : إن المعنى فهؤلاء الذين فضلهم الله في الرزق من الأحرار لا يرزقون مماليكهم و عبيدهم بل الله تعالى هو رازق الملاك و المماليك فإن الذي ينفقه المولى على مملوكه إنما ينفقه مما رزقهم الله فالله رازقهم جميعا فهم فيه سواء .


و محصله أن قوله : « فهم فيه سواء» حال محل إضراب مقدر و التقدير أن الموالي ليسوا برادي رزق أنفسهم على عبيدهم فيما ينفقون عليهم بل الله يرزق العبيد بأيدي مواليهم و هم سواء في الرزق من الله .


و فيه أن ما قرر من المعنى مقتضاه أن يبطل التسوية أخيرا حكم التفضيل أولا ، و لا يستقيم عليه مدلول قوله : « أ فبنعمة الله يجحدون» .


و قيل : المراد أن الموالي ليسوا برادي ما بأيديهم من الرزق على مواليهم حتى يستووا في التمتع منه .


و فيه أنه يعود حينئذ إلى أن الإنسان يمنع غيره من أن يتسلط على ما ملكه من


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :297


الرزق ، و حينئذ يكون تخصيص ذلك بالعبيد مستدركا زائدا ، و لو وجه بأنه إنما لا يرده عليه لمكان تسلطه على عبيده رجع إلى ما قدمناه من المعنى ، و لكانت النعمة المعدودة هي الفضل من جهة مالكية المولى لعبده و لما عنده من الرزق .


قوله تعالى : « و الله جعل لكم من أنفسكم أزواجا و جعل لكم من أزواجكم بنين و حفدة» إلى آخر الآية .


قال في المفردات : « قال الله تعالى و جعل لكم من أزواجكم بنين و حفدة» جمع حافد و هو المتحرك المسرع بالخدمة أقارب كانوا أو أجانب .


قال المفسرون : هم الأسباط و نحوهم و ذلك أن خدمتهم أصدق - إلى أن قال - قال الأصمعي : أصل الحفد مداركة الخطو .


انتهى .


و في المجمع : و أصل الحفد الإسراع في العمل - إلى أن قال - و منه قيل للأعوان حفدة لإسراعهم في الطاعة .


انتهى .


و المراد بالحفدة في الآية الأعوان الخدم من البنين لمكان قوله : « و جعل لكم من أزواجكم» و لذا فسر بعضهم قوله : « بنين و حفدة بصغار الأولاد و كبارهم ، و بعضهم بالبنين و الأسباط و هم بنو البنين .


و المعنى : و الله جعل لكم من أنفسكمأزواجا تألفونها و تأنسون بها ، و جعل لكم من أزواجكم بالإيلاد بنين و حفدة و أعوانا تستعينون بخدمتهم على حوائجكم و تدفعون بهم عن أنفسكم المكاره و رزقكم من الطيبات و هي ما تستطيبونه من أمتعة الحياة و تنالونه بلا علاج و عمل كالماء و الثمرات أو بعلاج و عمل كالأطعمة و الملابس و نحوها ، و « من» في « من الطيبات» للتبعيض و هو ظاهر .


ثم وبخهم بقوله : « أ فبالباطل» و هي الأصنام و الأوثان و من ذلك القول بالبنات لله ، و الأحكام التي يشرعها لهم أئمتهم أئمة الضلال « يؤمنون و بنعمة الله هم يكفرون» و النعمة هي جعل الأزواج من أنفسهم و جعل البنين و الحفدة من أزواجهم فإن ذلك من أعظم النعم و أجلاها لكونه أساسا تكوينيا يبتني عليه المجتمع البشري ، و يظهر به فيهم حكم التعاون و التعاضد بين الأفراد ، و ينتظم به لهم أمر تشريك الأعمال و المساعي فيتيسر لهم الظفر بسعادتهم في الدنيا و الآخرة .


و لو أن الإنسان قطع هذا الرابط التكويني الذي أنعم الله به عليه و هجر هذا السبب الجميل ، و إن توسل بأي وسيلة غيره لتلاشى جمعه و تشتت شمله و في ذلك


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :298


هلاك الإنسانية .


قوله تعالى : « و يعبدون من دونالله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات و الأرض شيئا و لا يستطيعون» عطف على موضع الجملة السابقة و المعنى يكفرون بنعمة الله و يعبدون من دون الله ما لا يملك إلخ .


و قد ذكروا أن « رزقا» مصدر و « شيئا» مفعوله و المعنى لا يملك لهم أن يرزق شيئا و قيل : الرزق بمعنى المرزوق و « شيئا» بدل منه ، و قيل : إن « شيئا» مفعول مطلق و التقدير : لا يملك شيئا من الملك .


و خير الوجوه أوسطها .


و يمكن أن يقال : « من السماوات و الأرض شيئا» بدل من « رزقا» و هو من بدل الكل من البعض يفيد معنى الإضراب و الترقي ، و المعنى و يعبدون ما لا يملك لهم رزقا بل لا يملك لهم في السماوات و الأرض شيئا .


و قوله : « و لا يستطيعون» أي و لا يستطيعون أن يملكوا رزقا و شيئا و يمكن أن يكون منسي المتعلق جاريا مجرى اللازم أي و لا استطاعة لهم أصلا .


و قد اجتمع في الآية رعاية الاعتبارين في الأصنام فإنها من جهة أنها معمولة من حجر أو خشب أو ذهب أو فضة غير عاقلة و بهذا الاعتبار قيل : « ما لا يملك» إلخ ، و من جهة أنهم يعدونها آلهة دون الله و يعبدونها و العبادة لا تكون إلا لعاقل منسلكة - على زعمهم - في سلك العقلاء ، و بهذا الاعتبار قيل : « و لا يستطيعون» .


و في الآية رجوع إلى التخلص لبيان الغرض من تعداد النعم و هو التوحيد و إثبات النبوة بمعنى التشريع و المعاد يجري ذلك إلى تمام أربع آيات ينهى في أولاها عن ضربهم الأمثال لله سبحانه ، و يضرب في الثانية مثلا تبين به وحدانيته تعالى في ربوبيته ، و في الثالثة مثلا يتبين به أمر النبوة و التشريع ، و يتعرض في الرابعة لأمر المعاد .


قوله تعالى : « فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم و أنتم لا تعلمون» الظاهر السابق إلى الذهن أن المراد بضرب الأمثال التوصيف المصطلح عليه بالاستعارة التمثيلية و هي إجراء الأوصاف عليه تعالى بضرب من التشبيه كقولهم : إن له بنات كالإنسان ، و إن الملائكة بناته ، و إن بينه و بين الجنة نسبا و صهرا ، و إنه كيف يحيي العظام و هي


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :299


رميم إلى غير ذلك ، و هذا هو المعنى المعهود من هذه الكلمة في كلامه تعالى ، و قد تقدم في خلال الآيات السابقة قوله : « للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء و لله المثل الأعلى» .


فالمعنى : إذا كان الأمر على ما ذكر فلا تصفوه سبحانه بما تشبهونه بغيره و تقيسونه إلى خلقه لأن الله يعلم و أنتم لا تعلمون حقائق الأمور و كنهه تعالى .


و قيل : المراد بالضرب الجعل ، و بالأمثال ما هو جمع المثل بمعنى الند ، فقوله : فلا تضربوا لله الأمثال في معنى قوله في موضع آخر : « فلا تجعلوا لله أندادا» : البقرة : 22 ، و هو معنى بعيد .


قوله تعالى : « ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شي‏ء» إلى آخر الآية ، ما في الآية من المثل المضروب يفرض عبدا مملوكا لا يقدر على شي‏ء ، و آخر رزق من الله رزقا حسنا ينفق منه سرا و جهرا ثم يسأل هل يستويان و اعتبار التقابل بين المفروضين يعطي أن كلا من الطرفين مقيد بخلاف ما في الآخر من الوصف مع تبيين الأوصاف بعضها لبعض .


فالعبد المفروض مملوك غير مالك لا لنفسه و لا لشي‏ء من متاع الحياة و هو غير قادر على التصرف في شي‏ء من المال ، و الذي فرض قباله حر يملك نفسه و قد رزقه الله رزقا حسنا و هو ينفق منه سرا و جهرا على قدرة منه على التصرف بجميع أقسامه .


و قوله : « هل يستوون» سؤال عن تساويهما ، و من البديهي أن الجواب هو نفي التساوي و يثبت به أن الله سبحانه و هو المالك لكل شي‏ء المنعم بجميع النعم لا يساوي شيئا من خلقه و هم لا يملكون لا أنفسهم و لا غيرهم و لا يقدرون على شي‏ء من التصرف فمن الباطل قولهم : إن مع الله آلهة غيره و هممن خلقه .


و التعبير بقوله : « يستوون» دون أن يقال : يستويان للدلالة على أن المراد من ذلك الجنس من غير أن يختص بمولى و عبد معينين كما قيل .


و قوله : « الحمد لله» أي له عز اسمه جنس الحمد و حقيقته و هو الثناء على الجميل الاختياري لأن جميل النعمة من عنده و لا يحمد إلا الجميل فله تعالى كل الحمد كما أن له جنسه فافهم ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :300


و الجملة من تمام الحجة و محصلها أنه لا يستوي المملوك الذي لا يقدر أن يتصرف في شي‏ء و ينعم بشي‏ء ، و المالك الذي يملك الرزق و يقدر على التصرف فيه فيتصرف و ينعم كيف شاء ، و الله سبحانه هو المحمود بكل حمد إذ ما من نعمة إلا و هي من خلقه فله كل صفة يحمد عليها كالخلق و الرزق و الرحمة و المغفرة و الإحسان و الإنعام و غيرها ، فله كل ثناء جميل ، و ما يعبدون من دونه مملوك لا يقدر على شي‏ء فهو سبحانه الرب وحده دون غيره .


و قد قيل : إن الحمد في الآية شكر على نعمه تعالى ، و قيل : حمد على تمام الحجة و قوتها ، و قيل : تلقين للعباد و معناه قالوا : الحمد لله الذي دلنا على توحيده و هدانا إلى شكر نعمه ، و هي وجوه لا يعبأ بها .


و قوله : « بل أكثرهم لا يعلمون أي أكثر المشركين لا يعلمون أن النعمة كلها لله لا يملك غيره شيئا و لا يقدر على شي‏ء بل يثبتون لأوليائهم شيئا من الملك و القدرة على سبيل التفويض فيعبدونهم طمعا و خوفا ، هذا حال أكثرهم و أما أقلهم من الخواص فإنهم على علم من الحق لكنهم يحيدون عنه بغيا و عنادا .


و قد تبين مما تقدم أن الآية مثل مضروب في الله سبحانه و فيمن يزعمونه شريكا له في الربوبية ، و قيل : إنها مثل تمثل به حال الكافر المخذول و المؤمن الموفق فإن الكافر لإحباط عمله و عدم الاعتداد بأعماله كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شي‏ء فلا يعد له إحسان و إن أنفق و بالغ بخلاف المؤمن الذي يوفقه الله لمرضاته و يشكر مساعيه فهو ينفق مما عنده من الخير سرا و جهرا .


و فيه أنه لا يلائم سياق الاحتجاج الذي للآيات ، و قد تقدم أن الآية إحدى الآيات الثلاث المتوالية التي تتعرض لغرض تعداد النعم الإلهية ، و هي تذكر بالتوحيد بمثل يقيس حال من ينعم بجميع النعم من حال من لا يملك شيئا و لا يقدر على شي‏ء فيستنتج أن الرب هو المنعم لا غير .


قوله تعالى : « و ضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم» إلى آخر الآية .


قال في المجمع : ، الأبكم الذي يولد أخرس لا يفهم و لا يفهم ، و قيل : الأبكم الذي لا يقدر أن يتكلم و الكل الثقل يقال : كل عن الأمر يكل كلا إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :301


و كلت السكين كلولا إذا غلظت شفرتها ، و كل لسانه إذا لم ينبعث في القول لغلظه و ذهاب حده فالأصل فيه الغلظ المانع من النفوذ ، و التوجيه : الإرسال في وجه من الطريق ، يقال : وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه .


انتهى .


فقوله : « و ضرب الله مثلا رجلين» مقايسة أخرى بين رجلين مفروضين متقابلين في أوصافهما المذكورة .


و قوله : « أحدهما أبكم لا يقدر على شي‏ء» أي محروم من أن يفهم الكلام و يفهم غيره بالكلام لكونه أبكم لا يسمع و لا ينطق فهو فاقد لجميع الفعليات و المزايا التي يكتسبها الإنسان من طريق السمع الذي هو أوسع الحواس نطاقا ، به يتمكن الإنسان من العلم بأخبار من مضى و ما غاب عن البصر من الحوادث و ما في ضمائر الناس و يعلم العلوم و الصناعات ، و به يتمكن من إلقاء ما يدركه من المعاني الجليلة و الدقيقة إلى غيره ، و لا يقوى الأبكم على درك شي‏ء منها إلا النزر اليسير مما يساعد عليه البصر بإعانة من الإشارة .


فقوله : « لا يقدر على شي‏ء» مخصص عمومه بالأبكم أي لا يقدر على شي‏ء مما يقدر عليه غير الأبكم و هو جملة ما يحرمه الأبكم من تلقي المعلومات و إلقائها .


و قوله : « و هو كل على مولاه» أي ثقل و عيال على من يلي و يدبر أمره فهو لا يستطيع أن يدبر أمر نفسه ، و قوله : « أينما يوجهه لا يأت بخير» أي إلى أي جهة أرسله مولاه لحاجة من حوائج نفسه أو حوائج مولاه لم يقدر على رفعها فهو لا يستطيع أن ينفع غيره كما لا ينفع نفسه ، فهذا أعني قوله : « أحدهما أبكم لا يقدر على شي‏ء» إلخ ، مثل أحد الرجلين ، و لم يذكر سبحانه مثل الآخر لحصول العلم به من قوله : « هل يستوي هو و من يأمر بالعدل» إلخ ، و فيه إيجاز لطيف .


و قوله : « هل يستوي هو و من يأمر بالعدل و هو على صراط مستقيم» فيه إشارة إلى وصف الرجل المفروض و سؤال عن استوائهما إذا قويس بينهما و عدمه .


أما الوصف فقد ذكر له منه آخر ما يمكن أن يتلبس به غير الأبكم من الخير و الكمال الذي يحلي نفسه و يعدو إلى غيره و هو العدل الذي هو التزام الحد الوسط في الأعمال و اجتناب الإفراط و التفريط فإن الأمر بالعدل إذا جرى على حقيقته كان لازمه


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :302


أن يتمكن الصلاح من نفس الإنسان ثم ينبسط على أعماله فيلتزم الاعتدال في الأمور ثم يحب انبساطه على أعمال غيره من الناس فيأمرهم بالعدل و هو - كما عرفت - مطلق التجنب عن الإفراط و التفريط أي العمل الصالح أعم من العدل في الرعية .


ثم وصفه بقوله : « و هو على صراط مستقيم» و هو السبيل الواضح الذي يهدي سالكيه إلى غايتهم من غير عوج ، و الإنسان الذي هو في مسير حياته على صراط مستقيم يجري في أعماله على الفطرة الإنسانية من غير أن يناقض بعض أعماله بعضا أو يتخلف عن شي‏ء مما يراه حقا و بالجملة لا تخلف و لا اختلاف في أعماله .


و توصيف هذا الرجل المفروض الذي يأمر بالعدل بكونه على صراط مستقيم يفيد أولا أن أمره بالعدل ليس من أمر الناس بالبر و نسيان نفسه بل هو مستقيم في أحواله و أعماله يأتي بالعدل كما يأمر به .


و ثانيا : أن أمره بالعدل ليس ببدع منه من غير أصل فيه يبتني عليه بل هو في نفسه على مستقيم الصراط و لازمه أن يحب لغيره ذلك فيأمرهم أن يلتزموا وسط الطريق و يجتنبوا حاشيتي الإفراط و التفريط .


و أما السؤال أعني ما في قوله : « هل يستوي هو و من يأمر بالعدل» إلخ ، فهو سؤال لا جواب له إلا النفي لا شك فيه و به يثبت أن ما يعبدونه من دون الله من الأصنام و الأوثان و هو مسلوب القدرة لا يستطيع أن يهتدي من نفسه و لا أن يهدي غيره لا يساوي الله تعالى و هو على صراط مستقيم في نفسه هاد لغيره بإرسال الرسل و تشريع الشرائع .


و منه يظهر أن هذا المثل المضروب في الآية في معنى قوله تعالى : « أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون» : يونس : 35 فالله سبحانه على صراط مستقيم في صفاته و أفعاله ، و من استقامة صراطه أن يجعل لما خلقه من الأشياء غايات تتوجه إليها فلا يكون الخلق باطلا ، كما قال : « و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا» و أن يهدي كلا إلى غايته التي تخصه كما خلقها و جعل لها غاية كما قال : « الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى» : طه : 50 فيهدي الإنسان إلى سبيل قاصد كما قال : « و على الله قصد السبيل» : النحل : 9 ، و قال


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :303


«إنا هديناه السبيل» : الدهر : 3 .


و هذا أصل الحجة على النبوة و التشريع ، و قد مر تمامه في أبحاث النبوة في الجزء الثاني و في قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب .


فقد تحصل أن الغرض من المثل المضروب في الآية إقامة حجة على التوحيد مع إشارة إلى النبوة و التشريع .


و قيل : إنه مثل مضروب فيمن يؤمل منه الخير و من لا يؤمل منه ، و أصل الخير كله من الله تعالى فكيف يستوي بينه و بين شي‏ء سواه في العبادة ؟ .


و فيه أن المورد أخص من ذلك فهو مثل مضروب فيمن هو على خير في نفسه و هو يأمر بالعدل و هو شأنه تعالى دون غيره على أنهم لا يساوون بينه و بين غيره في العبادة بل يتركونه و يعبدون غيره .


و قيل : إنه مثل مضروب في المؤمن و الكافر فالأبكم هو الكافر ، و الذي يأمر بالعدل هو المؤمن ، و فيه أن صحة انطباق الآية على المؤمن و الكافر بل على كل من يأمر بالعدل و من يسكت عنه و جريها فيهما أمر ، و مدلولها من جهة وقوعها في سياق تعداد النعم و الاحتجاج على التوحيد و ما يلحق به من الأصول أمر آخر ، و الذي تفيده بالنظر إلى هذه الجهة أن مورد المثل هو الله سبحانه و ما يعبدون من دونه لا غير .


قوله تعالى : « و لله غيب السماوات و الأرض و ما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شي‏ء قدير» الغيب يقابل الشهادة في إطلاقات القرآن الكريم و قد تكرر فيه : « عالم الغيب و الشهادة» و قد تقدم مرارا أنهما أمران إضافيان فالأمر الواحد غيب و غائب بالنسبة إلى شي‏ء و شهادة و مشهود بالنسبة إلى آخر .


و إذ كان من الأشياء ما هو ذو وجوه يظهر ببعض منها لغيره و يخفى ببعض أعني أنه متضمن غيبا و شهادة كانت إضافة الغيب و الشهادة إلى الشي‏ء تارة بمعنى اللام فيكون مثلا غيب السماوات و الأرض ما هو غائب عنهما خارج من حدودهما ، و يلحق بهذا الباب الإضافة لنوع من الاختصاص ، كما في قوله : « فلا يظهر على غيبه أحدا» : الجن : 26 .


و تارة بمعنى « من» أو ما يقرب منه فيكون المراد بغيب السماوات و الأرض


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :304


الغيب الذي يشتملان عليه نوعا من الاشتمال قبال ما يشتملان عليه من الشهادة و بعبارة أخرى ما يغيب عن الأفهام من أمرهما قبال ما يظهر منهما .


و الساعة هي من غيب السماوات و الأرض بهذا المعنى الثاني : أما أولا : فلأنه سبحانه يعدها في كلامه من الغيب ، و ليست بخارج من أمر السماوات و الأرض فهو من الغيب بهذا المعنى .


و أما ثانيا : فلأن ما يصفها به من الأوصاف إنما يلائم هذا المعنى الثاني ككونها يوما ينبئهم الله بما كانوا فيه يختلفون و يوم تبلى السرائر و يوما يخاطب فيه الإنسان بمثل قوله : « لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد» ، و يوما يخاطبون ربهم بقولهم : « ربنا أبصرنا و سمعنا فارجعنا» و بالجملة هي يوم يظهر فيه ما استتر من الحقائق في هذه النشأة ظهور عيان ، و من المعلوم أن هذه الحقائق غير خارجة من السماوات و الأرض بل هي معهما ثابتة .


كيف ؟ و هو تعالى يقول : « و لله غيب السماوات و الأرض» فيثبته ملكا لنفسه و ليس ملكه من الملك الاعتباري يتعلق بكل أمر موهوم أو جزافي بل ملك حقيقي يتعلق بأمر ثابت فلها نوع من الثبوت و إن فرض جهلنا بحقيقة ثبوتها .


و الشواهد القرآنية على هذا الذي ذكرناه كثيرة .


و قد عد سبحانه حياة هذه النشأة متاع الغرور و لعبا و لهوا ، و كرر أن أكثر الناس لا يعلمون ما هو يوم القيامة ، و ذكر أن الدار الآخرة هي الحيوان ، و أنهم سيعلمون أن الله هو الحق المبين و سيبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ، إلى غير ذلك مما يشتمل عليه الآيات على اختلاف ألسنتها .


و بالجملة الساعة من غيب السماوات و الأرض ، و الآية أعني قوله : « و لله غيب السماوات و الأرض» تقرر ملكه تعالى لنفس هذا الغيب لا لعلمه فلم يقل : و لله علم غيب السماوات و الأرض ، و سياق الآية يعطي أن الجملة أعني قوله : « و لله غيب» إلخ ، توطئة و تمهيد لقوله : « ما أمر الساعة إلا كلمح البصر» إلخ ، فالجملة مسوقة للاحتجاج .


و على هذا يعود معنى الآية إلى أن الله سبحانه يملك غيب السماوات و الأرض ملكا له أن يتصرف فيه كيف يشاء كما يملك شهادتهما و كيف لا ؟ و غيب الشي‏ء لا يفارق


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :305


شهادته و هو موجود ثابت معه و له الخلق و الأمر ، و الساعة الموعودة ليست بأمر محال حتى لا يتعلق بها قدرة بل هي من غيب السماوات و الأرض و حقيقتها المستورة عن الأفهام اليوم فهي مما استقر عليه ملكه تعالى ، و له أن يتصرف فيه بالإخفاء يوما و بالإظهار آخر .


و ليست بصعبة عليه تعالى فإنما أمرها كلمح البصر أو أقرب من ذلك لأن الله على كل شي‏ء قدير .


و من هنا يظهر أن قوله : « و ما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شي‏ء قدير» مسوق لا لإثبات أصل الساعة أو إمكانها بل لنفي صعوبتها و المشقة في إقامتها و هوان أمرها عنده سبحانه .


فقوله : « و ما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب» أي بالنسبة إليه و إلا فقد استعظم سبحانه أمرها بما يهون عنده كل أمر خطير و وصفها بأوصاف لا يعادلها فيها غيرها ، قال تعالى : « ثقلت في السماوات و الأرض» : الأعراف : 187 .


و تشبيه أمرها بلمح البصر إنما هو من جهة أن اللمحة و هي مد البصر و إرساله للرؤية أخف الأعمال عندالإنسان و أقصرها زمانا فهو تشبيه بحسب فهم السامع و لذلك عقبه بقوله : « أو هو أقرب» فإن مثل هذا السياق يفهم منه الإضراب فكأنه تعالى يقول : « إن أمرها في خفة المؤنة و الهوان و السهولة بالنسبة إلينا يشبه لمح أحدكم ببصره ، و إنما أشبهه به رعاية لحالكم و تقريبا إلى فهمكم و إلا فالأمر أقرب من ذلك ، كما قال فيها : « و يقول كن فيكون» : الأنعام : 73 ، فأمر الساعة بالنسبة إلى قدرته و مشيته تعالى كأمر أيسر الخلق و أهونه .


و علل تعالى ذلك بقوله : « إن الله على كل شي‏ء قدير» فقدرته على كل شي‏ء توجب أن تكون الأشياءبالنسبة إليه سواء .


و إياك أن تتوهم أن عموم القدرة لا يستوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء من حيث النسبة ، فقلة الأسباب المتوسطة بين الفاعل و فعله و الشرائط و الموانع و كثرتها لهما تأثير في ذلك لا محالة ، فالإنسان مثلا قادر على التنفس و حمل ما يطيقه من الأثقال


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :306


و ليسا سواء بالنسبة إليه و على هذا القياس .


فإن في ذلك غفلة عن معنى عموم القدرة ، و توضيحه أن القدرة التي فينا قدرة مقيدة ، فإن قدرة الإنسان مثلا على أكل الغذاء و هي أن له نسبة الفاعلية إليه و هي في تأثيرها مشروطة بتحقق غذاء في الخارج و كونه بين يديه و ممكن التناول و عدم ما يمنع من ذلك من إنسان أو غيره ، و كون أدوات الفعل كاليد و الفم و غيرهما غير مصابة بآفة إلى غير ذلك ، و الذي يملكه الإنسان هو الإرادة و الزائد على ذلك وسائط و شرائط و موانع خارجة عن قدرته بالحقيقة و قيد يقيدها ، و إذا أراد الإنسان أن يعمل قدرته فيأكل كان عليه أن يهيى‏ء تلك الأمور التي تتقيد بها قدرته في التأثير كتحصيل الغذاء و وضعه قريبا منه و رفع الموانع و إعمال الأدوات البدنية مثلا .


و من المعلوم أن قلة هذه الأمور و كثرتها و قربهاو بعدها و ما أشبه ذلك من صفاتها توجب اختلاف الفعل في السهولة و عدمها و ضعف القدرة و قوتها فتقيد القدرة هو الموجب للاختلاف .


و أما قدرته تعالى فإنها عين ذاته التي يجب وجودها و يمتنع عدمها ، و إذا كان كذلك فلو تقيدت بقيد من وجود سبب أو شرط أو عدم مانع لانعدمت بانعدام قيدها و هو محال فقدرته تعالى مطلقة غير محدودة بحد و لا مقيدة بقيد ، عامة تتعلق بكل شي‏ء على حد سواء من غير أن يكون شي‏ء بالنسبة إليه أصعب من شي‏ء أو أسهل ، و أقرب إليه من شي‏ء أو أبعد ، و إنما الاختلاف بين الأشياء أنفسها بقياس بعضها إلى بعض .


و بتقريب آخر ما من شي‏ء إلا و هو يفتقر إليه سبحانه في وجوده ، فإذا فرضنا كل أمر موجود بحيث لا يشذ عنها شاذ في جانب و نسبناها إليه تعالى كان الجميع متعلقا لقدرته ، و ليس هناك أمر ثالث يكون قيدا لقدرته من سبب أو شرط أو عدم مانع و إلا لكان شريكا في التأثير تعالى عن ذلك .


و أما الذي بين الأشياء أنفسها من الأسباب المتوسطة و الشرائط و الموانع فإنها توجب تقيد بعضها ببعض لا تقيد القدرة العامة الإلهية التي تتعلق بها ثم تتعلق القدرة بالمقيد منها دون المطلق بمعنى أن متعلق القدرة هو زيد الذي أبوه فلان و أمه فلانة وهو في زمان كذا و مكان كذا و هكذا فوجود زيد بجميع روابطه وجود جميع العالم


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :307


و القدرة المتعلقة به متعلقة بالجميع بعينه ، و ليست هناك إلا قدرة واحدة متعلقة بالجميع يوجد بها كل شي‏ء في موطنه الخاص به ، و هي مطلقة غير مقيدة لا اختلاف للأشياء بالنسبة إليها و إنما الاختلاف بينها أنفسها .


فقد تبين مما تقدم أن عموم القدرة يوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء بالنسبة إليها بالسهولة و الصعوبة و غير ذلك و الآية الكريمة من غرر الآيات القرآنية يتبين بها : أولا : أن حقيقة المعاد ظهور حقيقة الأشياء بعد خفائها .


و ثانيا : أن القدرة الإلهية تتعلق بجميع الأشياء على نعت سواء من غير اختلاف بالسهولة و الصعوبة و القرب و البعد و غير ذلك .


و ثالثا : أن الأشياء بحسب الحقيقة مرتبطة وجودا بحيث إن إيجاد الواحد منها إيجاد الجميع و الجميع متعلق قدرة واحدة لا مؤثر فيها غيرها .


نعم هناك نظر آخر أبسط من ذلك و هو النظر فيها من جهة نظام الأسباب و المسببات ، و قد صدقه الله في كلامه كما تقدم بيانه في البحث عن الإعجاز في الجزء الأول من الكتاب ، و بهذه النظرة ينفصل الأشياء بعضها عن بعض و يتوقف وجود بعضها على وجود بعض أو عدمه فتتقدم و تتأخر و تسهل و تصعب ، و تكون الأسباب وسائط بينها و بينه تعالى و يكون تعالى فاعلا بوساطة الأسباب ، و هو نظر بسيط .


و قد ذكر كثير من المفسرين في قوله : « و لله غيب السماوات و الأرض» أنه بحذف مضاف و التقدير و لله علم غيب إلخ ، و فيه أنه يستلزم ارتفاع الاتصال بين هذه الجملة و بين ما يليها إذ لا رابطة بين علم الغيب و بين هوان أمر الساعة ، فتعود الجملة مستدركة مستغنى عنها في الكلام .


و قول بعضهم في رفع الاستدراك إن صدر الآية و ذيلها يثبتان العلم و القدرة و بهما معا يتم خلق الساعة غير مفيد فإنهم إنما استشكلوا في الساعة من جهة القدرة لعدهم إياها ممتنعة فلا حاجة إلى التشبث لإثباتها بمسألة العلم ، و يشهد لذلك ما في سائر الآيات المثبتة لإمكان المعاد بعموم القدرة .


و ذكر بعضهم : أن المراد به علم غيبهما لا بتقدير العلم في الكلام حتى يقال : إن الأصل عدمه بل لأن إضافة الغيب و هو ما يغيب عن الحس و العقل إلى السماوات


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :308


و الأرض تفيد أن المراد الأمور المجهولة التي فيهما مما يقع فيهما حالا أو بعد حين و ملكه تعالى له ملكه للعلم به .


و فيه أن المقدمة الأخيرة ممنوعة و قد تقدم بيانه على أن إشكال ارتفاع الاتصال بين الجملتين في محله بعد .


و أيضا ذكر بعضهم في توجيه التعليل المستفاد من قوله : « إن الله على كل شي‏ء قدير» أن من جملة الأشياء إقامة الساعة في أسرع ما يكون فهو قادر على ذلك .


و فيه أنه لا يفي بتعليل ما يستفاد من الحصر بالنفي و الإثبات و إنما يفي بتعليل ما لو قيل : إن الله سيجعل أمر الساعة كلمح البصر مع إمكان كونه لا كذلك فافهم ذلك .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « في بطونه من بين فرث و دم» قال : قال (عليه‏السلام‏) : الفرث ما في الكرش و في الكافي ، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني قال : قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : ليس أحد يغص بشرب اللبن لأن الله عز و جل يقول : « لبنا خالصا سائغا للشاربين» . و في تفسير القمي ، بإسناده عن رجل عن حريز عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قوله : « و أوحى ربك إلى النحل» قال : نحن النحل الذي أوحى الله إليه أن اتخذي من الجبال بيوتا أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة « و من الشجر» يقول : من العجم « و مما يعرشون» من الموالي ، و الذي خرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ، العلم الذي يخرج منا إليكم .


أقول : و في هذا المعنى روايات أخر ، و هي من باب الجري و يشهد به ما في بعض هذه الروايات من تطبيق النحل على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الجبال على قريش ، و الشجر على العرب ، و مما يعرشون على الموالي ، و ما يخرج من بطونها على العلم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :309


و في تفسير القمي ، بإسناده عن علي بن المغيرة عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : إذا بلغ العبد مائة سنة فذلك أرذل العمر . و في المجمع ، روي عن علي (عليه‏السلام‏) : أن أرذل العمر خمس و سبعون سنة ، و روي عن النبي مثل ذلك . أقول : روى ذلك في الدر المنثور ، عن الطبري عن علي (عليه‏السلام‏) ، و روى عن ابن مردويه عن أنس عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : حديثا مفصلا يدل على أن أرذل العمر مائة سنة . و في تفسير العياشي ، عن عبد الرحمن الأشل عن الصادق (عليه‏السلام‏) : في قول الله : « و جعل لكم من أزواجكم بنين و حفدة» قال : الحفدة بنو البنت ، و نحن حفدة رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) . و فيه ، عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في الحفدة قال : و هم العون منهم يعني البنين . و في المجمع ، : في معنى الحفدة : هي أختان الرجل على بناته قال : و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) .


أقول : و لا تنافي بين الروايات كما تقدم في البيان .


و في التهذيب ، بإسناده عن شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في طلاق العبد و نكاحه قال : ليس له طلاق و لا نكاح أ ما تسمع الله تعالى يقول : « عبدا مملوكا لا يقدر على شي‏ء» قال : لا يقدر على طلاق و لا على نكاح إلا بإذن مولاه .


أقول : و في هذا المعنى عدة روايات من طرق الشيعة .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « هل يستوي هو و من يأمر بالعدل» : قال : قال (عليه‏السلام‏) : كيف يستوي هذا ؟ و من يأمر بالعدل أمير المؤمنين و الأئمة (عليهم‏السلام‏) و في تفسير البرهان ، عن ابن شهر آشوب عن حمزة بن عطاء عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « هل يستوي هو و من يأمر بالعدل» الآية قال : هو علي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) و هو على صراط مستقيم .


أقول : و الروايتان من الجري و ليستا من أسباب النزول في شي‏ء لما تقدم في البيان السابق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :310


و كذا ما روي من طرق أهل السنة : أن قوله : « ضرب الله مثلا عبدا مملوكا» ، الآية نزل في هشام بن عمرو و هو الذي ينفق ماله سرا و جهرا في عبده أبي الجوزاء الذي كان ينهاه ، و كذا ما روي أن الآية نزلت في عثمان بن عفان و عبد له .


و كذا ما روي : في قوله : « و ضرب الله مثلا رجلين» الآية ، أن الأبكم أبي بن خلف و من يأمر بالعدل حمزة و عثمان بن مظعون ، و كذا ما روي : أن الأبكم هاشم بن عمر بن الحارث القرشي و كان قليل الخير يعادي رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و ما روي : أن الأبكم أبو جهل و الآمر بالعدل عمار ، و ما روي : أن الآمر بالعدل عثمان بن عفان ، و الأبكم مولى له كافر و هو أسيد بن أبي العيص ، إلى غير ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :311


وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطونِ أُمَّهَتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السمْعَ وَ الأَبْصرَ وَ الأَفْئِدَةَلَعَلَّكُمْ تَشكُرُونَ‏(78) أَ لَمْ يَرَوْا إِلى الطيْرِ مُسخَّرَتٍ فى جَوِّ السمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ إِنَّ فى ذَلِك لاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏(79) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكمْ سكَناً وَ جَعَلَ لَكم مِّن جُلُودِ الأَنْعَمِ بُيُوتاً تَستَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظعْنِكُمْ وَ يَوْمَ إِقَامَتِكمْ وَ مِنْ أَصوَافِهَا وَ أَوْبَارِهَا وَ أَشعَارِهَا أَثَثاً وَ مَتَعاً إِلى حِينٍ‏(80) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَلاً وَ جَعَلَ لَكم مِّنَ الْجِبَالِ أَكنَناً وَ جَعَلَ لَكُمْ سرَبِيلَ تَقِيكمُ الْحَرَّ وَ سرَبِيلَ تَقِيكم بَأْسكمْ كَذَلِك يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكمْ لَعَلَّكُمْ تُسلِمُونَ‏(81) فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَغُ الْمُبِينُ‏(82) يَعْرِفُونَ نِعْمَت اللَّهِ ثُمَّ يُنكرُونهَا وَ أَكثرُهُمُ الْكَفِرُونَ‏(83) وَ يَوْمَ نَبْعَث مِن كلّ‏ِ أُمَّةٍ شهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كفَرُوا وَ لا هُمْ يُستَعْتَبُونَ‏(84) وَ إِذَا رَءَا الَّذِينَ ظلَمُوا الْعَذَاب فَلا يخَفَّف عَنهُمْ وَ لا هُمْ يُنظرُونَ‏(85) وَ إِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشرَكُوا شرَكاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِن دُونِك فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكذِبُونَ‏(86) وَ أَلْقَوْا إِلى اللَّهِ يَوْمَئذٍ السلَمَوَ ضلَّ عَنْهُم مَّا كانُوا يَفْترُونَ‏(87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صدُّوا عَن سبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كانُوا يُفْسِدُونَ‏(88) وَ يَوْمَ نَبْعَث فى كلّ‏ِ أُمَّةٍ شهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَ جِئْنَا بِك شهِيداً عَلى هَؤُلاءِوَ نَزَّلْنَا عَلَيْك الْكِتَب تِبْيَناً لِّكلّ‏ِ شىْ‏ءٍ وَ هُدًى وَ رَحْمَةً وَ بُشرَى لِلْمُسلِمِينَ‏(89)


بيان


الآيات تذكر عدة أخرى من النعم الإلهية ثم تعطف الكلام إلى ما تكشف عنه من حق القول في وحدانيته تعالى في الربوبية و في البعث و في النبوة و التشريع نظيره القبيل السابق الذي أوردناه من الآيات .


قوله تعالى : « و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا» إلى آخر الآية .


الأمهات جمع أم و الهاء زائدة نظير أهراق و أصله أراق و قد تأتي أمات ، و قيل : الأمهات في الإنسان و الأمات في غيره من الحيوان ، و الأفئدة جمع قلة للفؤاد و هو القلب و اللب ، و لم يبن له جمع كثرة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :312


و قوله : « و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم» إشارة إلى التولد و « لا تعلمون شيئا» حال من ضمير الخطاب أي أخرجكم من أرحامهن بالتولد و الحال أن نفوسكم خالية من هذه المعلومات التي أحرزتموها من طريق الحس و الخيال و العقل بعد ذلك .


و الآية تؤيد ما ذهب إليه علماء النفس أن لوح النفس خالية عن المعلومات أول تكونها ثم تنتقش فيها شيئا فشيئا - كما قيل - و هذا في غير علم النفس بذاتها فلا يطلق عليه عرفا « يعلم شيئا» و الدليل عليه قوله تعالى في خلال الآيات السابقة فيمن يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا» فإن من الضروري أنه في تلك الحال عالم بنفسه .


و احتج بعضهم بعموم الآية على أن العلم الحضوري يعني به علم الإنسان بنفسه كسائر العلوم الحصولية مفقود في بادى‏ء الحال حادث بعد ذلك ثم ناقش في أدلة كون علم النفس بذاتها حضوريا مناقشات عجيبة .


و فيه أن العموم منصرف إلى العلم الحصولي و يشهد بذلك الآية المتقدمة .


و قوله : « و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلكم تشكرون» إشارة إلى مبادى‏ء العلم الذي أنعم بها على الإنسان فمبدأ التصور هو الحس ، و العمدة فيه السمع و البصر و إن كان هناك غيرهما من اللمس و الذوق و الشم ، و مبدأ الفكر هو الفؤاد .


قوله تعالى : « أ لم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله» إلخ ، قال في المجمع : الجو الهواء البعيد من الأرض .


انتهى .


يقول : أ لم ينظروا إلى الطير حال كونها مسخرات لله سبحانه في جو السماء و الهواء البعيد من الأرض ، ثم استأنف فقال مشيرا إلى ما هو نتيجة هذا النظر : « ما يمسكهن إلا الله» .


و إثبات الإمساك لله سبحانه و نفيه عن غيره مع وجود أسباب طبيعية هناك مؤثرة في ذلك و كلامه تعالى يصدق ناموس العلية و المعلولية إنما هو من جهة أن توقف الطير في الجو من دون أن تسقط كيفما كان و إلى أي سبب استند هو و سببه و الرابطة التي بينهما جميعا مستندة إلى صنعه تعالى فهو الذي يفيض الوجود عليه و على سببه و على الرابطة التي بينهما فهو السبب المفيض لوجوده حقيقة و إن كان سببه الطبيعي القريب معه يتوقف هو عليه .


و معنى توقفه في وجوده على سببه ليس أن سببه يفيد وجوده بعد ما استفاد


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :313


وجود نفسه منه تعالى بل أن هذا المسبب يتوقف في أخذه الوجود منه تعالى إلى أخذ سببه الوجود منه تعالى قبل ذلك ، و قد تقدم بعض الكلام في توضيح ذلك من قريب .


و هذا معنى توحيد القرآن ، و الدليل عليه من جهة لفظه أمثال قوله : « ألا له الخلق و الأمر» : الأعراف : 54 ، و قوله : « أن القوة لله جميعا» : البقرة : 165 ، و قوله : « الله خالق كل شي‏ء» : الزمر : 62 ، و قوله : « إن الله على كل شي‏ء قدير» : النحل : 77 . و الدليل على ما قدمناه في معنى النفي و الإثبات في الآية قوله تعالى : « مسخرات» فإن التسخير إنما يتحقق بقهر أحد السببين الآخر في فعله على ما يريده السبب القاهر ففي لفظه دلالة على أن للمقهور نوعا من السببية .


و ليس طيران الطائر في جو السماء بالحقيقة بأعجب من سكون الإنسان في الأرض فالجميع ينتهي إلى صنعه تعالى على حد سواء لكن ألفة الإنسان لبعض الأمور و كثرة عهده به توجب خمود قريحة البحث عنه فإذا صادف ما يخالف ما ألفه و كثر عهده به كالمستثنى من الكلية انتبه لذلك و انتزعت القريحة للبحث عنه و الإنسان يرى الأجسام الأرضية الثقيلة معتمدة على الأرض مجذوبة إليها فإذا وجد الطير مثلا تنقض كلية هذا الحكم بطيرانها تعجب منه و انبسط للبحث عنه و الحصول على علته ، و للحق نصيب من هذا البحث و هذا هو أحد الأسباب في أخذ هذا النوع من الأمور في القرآن مواد للاحتجاج .


و قوله : « إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون» أي في كونها مسخرات في جو السماء فإن للطير و هو في الجو دفيفا و صفيفا و بسطا لأجنحتها و قبضا و سكونا و انتقالا و صعودا و نزولا و هي جميعا آيات لقوم يؤمنون كما ذكره الله .


قوله تعالى : « و الله جعل لكم من بيوتكم سكنا » إلى آخرالآية ، في المفردات : البيت مأوى الإنسان بالليل لأنه يقال : بات أقام بالليل كما يقال : ظل بالنهار .


ثم قد يقال : للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه ، و جمعه أبيات و بيوت لكن البيوت بالمسكن أخص و الأبيات بالشعر ، قال : و يقع ذلك على المتخذ من حجر و مدر و صوف و وبر .


انتهى موضع الحاجة .


و السكن ما يسكن إليه ، و الظعن الارتحال و هو خلاف الإقامة ، و الصوف


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :314


للضأن و الوبر للإبل كالشعر للإنسان و يسمى ما للمعز شعرا كالإنسان ، و الأثاث متاع البيت الكثير و لا يقال للواحد منه أثاث ، قال في المجمع : و لا واحد للأثاث كما أنه لا واحد للمتاع .


انتهى .


و المتاع أعم من الأثاث فإنه مطلق ما يتمتع به و لا يختص بما في البيت .


و قوله : « و الله جعل لكم من بيوتكم سكنا» أي جعل لكم بعض بيوتكم سكنا تسكنون إليه ، و من البيوت ما لا يسكن إليه كالمتخذ لادخار الأموال و اختزان الأمتعة و غير ذلك و قوله : « و جعل لكم من جلود الأنعام بيوتا»إلخ ، أي من جلودها بعد الدبغ و هي الأنطاع و الأدم « بيوتا» و هي القباب و الخيام « تستخفونها» أي تعدونها خفيفة من جهة الحمل « يوم ظعنكم» و ارتحالكم « و يوم إقامتكم» من غير سفر و ظعن .


و قوله : « و من أصوافها و أوبارها و أشعارها» إلخ ، معطوف على موضع « من جلود» أي و جعل لكم « من أصوافها» و هي للضأن و « أوبارها» و هي للإبل « و أشعارها» و هي للمعز « أثاثا» تستعملونه في بيوتكم « و متاعا» تتمتعون به « إلى حين» محدود ، قيل : و فيه إشارة إلى أنها فانية داثرة فلا ينبغي للعاقل أن يختارها على نعيم الآخرة .


قوله : « تعالى و الله جعل لكم مما خلق ظلالا» إلى آخر الآية ، الظرفان أعني قوله : « لكم» و « مما خلق» متعلقان بجعل و تعليق الظلال بما خلق لكونها أمرا عدميا محققا بتبع غيره و هي مع ذلك من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على الإنسان و سائر الحيوان و النبات فما الانتفاع بالظل للإنسان و غيره بأقل من الانتفاع بالنور و لو لا الظل و هو ظل الليل و ظل الأبنية و الأشجار و الكهوف و غيرها لما عاش على وجه الأرض عائش .


و قوله : « و جعل لكم من الجبال أكنانا» الكن ما يستتر به الشي‏ء حتى أن القميص كن للابسه ، و أكنان الجبال هي الكهوف و الثقب الموجودة فيها .


و قوله : « و جعل لكم سرابيل تقيكم الحر» أي قميصا يحفظكم من الحر ، قال في المجمع : ، و لم يقل : و تقيكم البرد لأن ما وقى الحر وقى البرد ، و إنما خص الحر


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :315


بذلك مع أن وقايتها للبرد أكثر لأن الذين خوطبوا بذلك أهل حر في بلادهم فحاجتهم إلى ما يقي الحر أكثر ، عن عطاء .


قال : على أن العرب يكتفي بذكر أحد الشيئين عن الآخر للعلم به قال الشاعر : و ما أدري إذا يممت أرضا .


أريد الخير أيهما يليني .


فكنى عن الشر و لم يذكره لأنه مدلول عليه ، ذكره الفراء انتهى .


و لعل بعض الوجه في ذكره الحر و الاكتفاء به أن البشر الأولى كانوا يسكنون المناطق الحارة من الأرض فكان شدة الحر أمس بهم من شدة البرد و تنبههم لاتخاذ السراويل إنما هو للاتقاء مما كان الابتلاء به أقرب إليهم و هو الحر و الله أعلم .


و قوله : « و سرابيل تقيكم بأسكم» الظاهر أن المراد به درع الحديد و نحوه .


و قوله : « كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون» امتنان عليهم بإتمام النعم التي ذكرها ، و كانت الغاية المرجوة من ذلك إسلامهم لله عن معرفتها فإن المترقب المتوقع ممن يعرف النعم و إتمامها عليه أن يسلم لإرادة منعمه و لا يقابله بالاستكبار لأن منعما هذا شأنه لا يريد به سوء .


قوله تعالى : « فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين» قال في المجمع : ، البلاغ الاسم و التبليغ المصدر مثل الكلام و التكليم ، انتهى .


لما فرغ عن ذكر ما أريد ذكره من النعم و الاحتجاج بها ختمها بما مدلولها العتاب و اللوم و الوعيد على الكفر و يتضمن ذكر وحدانيته تعالى في الربوبية و المعاد و النبوة و بدأ ذلك ببيان وظيفة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في رسالته و هو البلاغ فقال : « فإن تولوا» أي يتفرع على هذا البيان الذي ليس فيه إلا دعوتهم إلى ما فيه صلاح معاشهم و معادهم من غير أن يتبعه إجبار أو إكراه أنهم إن تولوا و أعرضوا عن الإصغاء إليه و الاهتداء به « فإنما عليك البلاغ المبين» و التبليغ الواضح الذي لا إبهام فيه و لا ستر عليه لأنك رسول و ما على الرسول إلا ذلك .


و في الآية تسلية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و بيان وظيفة له .


قوله تعالى : « يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و أكثرهم الكافرون» المعرفة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :316


و الإنكار متقابلان كالعلم و الجهل و هذا هو الدليل على أن المراد بالإنكار و هو عدم المعرفة لازم معناه و هو الإنكار في مقام العمل و هو عدم الإيمان بالله و رسوله و اليوم الآخر أو الجحود لسانا مع معرفتها قلبا ، لكن قوله : « و أكثرهم الكافرون» يخص الجحود بأكثرهم كما سيجي‏ء فيبقى للإنكار المعنى الأول .


و قوله : « و أكثرهم الكافرون» دخول اللام على « الكافرون» يدل على الكمال أي إنهم كافرون بالنعم الإلهية أو بما تدل عليه من التوحيد و غيره جميعا لكن أكثرهم كاملون في كفرهم و ذلك بالجحود عنادا و الإصرار عليه و الصد عن سبيل الله .


و المعنى : يعرفون نعمة الله بعنوان أنها نعمة منه و مقتضاه أن يؤمنوا به و برسوله و اليوم الآخر و يسلموا في العمل ثم إذا وردوا مورد العمل عملوا بما هو من آثار الإنكار دون المعرفة ، و أكثرهم لا يكتفون بمجرد الإنكار العملي بل يزيدون عليه بكمال الكفر و العناد مع الحق و الجحود و الإصرار عليه .


و فيما قدمناه كفاية لك عما أطال فيه المفسرون في معنى قوله : « و أكثرهم الكافرون» مع أنهم جميعا كافرون بإنكارهم من قول بعضهم ، إنما قال : « أكثرهم» لأن منهم من لم تقم عليه الحجة كمن لم يبلغ حد التكليف أو كان مئوفا في عقله أو لم تصل إليه الدعوة فلا يقع عليه اسم الكفر .


و فيه أن هؤلاء خارجون عن إطلاق الآية رأسا فإنها تذكر توبيخا و إيعادا أنهم ينكرون نعمة الله بعد ما عرفوها ، و هؤلاء إن كانوا ينكرونها كانوا بذلك كافرين و إن لم ينكروها لم يدخلوا في إطلاق الآية قطعا ، و كيف يصح أن يقال : إنهم لم تقم عليهم الحجة و ليست الحجة إلا النعمة التي يعدها الله سبحانه و هم يعرفونها ؟ .


و قول بعضهم : إنما قال : « و أكثرهم الكافرون» لأنه كان يعلم أن فيهم من سيؤمن ، و فيه أنه قول لا دليل عليه .


و قول بعضهم : إن المراد بالأكثر الجميع و إنما عدل عن البعض احتقارا له أن يذكره، و نسب إلى الحسن البصري ، و هو قول عجيب .


قيل : و في الآية دليل على فساد قول المجبرة إنه ليس لله على الكافر نعمة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :317


و إن جميع ما فعله بهم إنما هو خذلان و نقمة لأنه سبحانه نص في هذه الآية على خلاف قولهم ، انتهى .


و الحق أن للنعمة اعتبارين : أحدهما كونها نعمة أي ناعمة ملائمة لحال المنعم عليه من حيث كونه في صراط التكوين أي من حيث سعادته الجسمية ، و الآخر من حيث وقوع المنعم عليه في صراط التشريع أي من حيث سعادته الروحية الإنسانية بأن تكون النعمة بحيث توجب معرفتها إيمانه بالله و رسوله و اليوم الآخر و استعمالها في طريق مرضاة الله ، و المؤمن منعم بالنعمتين كلتيهما و الكافر منعم في الدنيا بالطائفة الأولى محروم من الثانية ، و في كلامه سبحانه شواهد كثيرة تشهد على ذلك .


قوله تعالى : « و يوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا و لا هم يستعتبون» قال في المجمع : ، قال الزجاج : و العتب الموجدة يقال : عتب عليه يعتب إذا وجد عليه فإذا فاوضه ما عتب عليه قالوا : عاتبه ، و إذا رجع إلى مسرته قيل : أعتب ، و الاسم العتبي و هو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب ، و استعتبه طلب منه أن يعتب .


انتهى .


و قوله : « و يوم نبعث من كل أمة شهيدا» يفيد السياق أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة ، و بهؤلاء الشهداء الذين يبعث كل واحد منهم من أمة ، شهداء الأعمال الذين تحملوا حقائق أعمال أمتهم في الدنيا و هم يستشهد بهم و يشهدون عليهم يوم القيامة و قد تقدم بعض الكلام في معنى هذه الشهادة في تفسير قوله : « لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا» : البقرة : 143 في الجزء الأول من الكتاب .


و لا دلالة في لفظ الآية على أن المراد بشهيد الأمة نبيها ، و لا أن المراد بالأمة أمة الرسول فمن الجائز أن يكون غير النبي من أمته كالإمام شهيدا كما يدل عليه آية البقرة السابقة و قوله تعالى : « و جي‏ء بالنبيين و الشهداء» : الزمر : 69 ، و على هذا فالمراد بكل أمة أمة الشهيد المبعوث و أهل زمانه .


و قوله : « ثم لا يؤذن للذين كفروا و لا هم يستعتبون» ذكر بعث شهداء الأمم دليل على أنهم يشهدون على أممهم بما عملوا في الدنيا ، و قرينة على أن المراد من نفي الإذن للكافرين أنهم لا يؤذن لهم في الكلام و هو الاعتذار لا محالة و نفي الإذن في الكلام


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :318


إنما هو تمهيد لأداء الشهود شهادتهم كما تلوح إليه آيات أخر كقوله : « اليوم نختم على أفواههم و تكلمنا أيديهم و تشهد أرجلهم» : يس : 65 ، و قوله : « هذا يوم لا ينطقون و لا يؤذن لهم فيعتذرون» : المرسلات : 36 .


على أن سياق قوله : « ثم لا يؤذن» إلخ ، يفيد أن المراد بهذا الذي ذكر نفي ما يتقى به الشر يومئذ من الحيل و بيان أنه لا سبيل إلى تدارك ما فات منهم و إصلاح ما فسد من أعمالهم في الدنيا يومئذ و هو أحد أمرين : الاعتذار أو استئناف العمل ، أما الثاني فيتكفله قوله : « و لا هم يستعتبون» و لا يبقى للأول و هو الاعتذار بالكلام إلا قوله : « ثم لا يؤذن للذين كفروا» .


و من هنا يظهر أن قوله : « و لا هم يستعتبون» أي لا يطلب منهم أن يعتبوا الله و يرضوه بيان لعدم إمكان تدارك ما فات منهم بتجديد العمل و الرجوع إلى السمع و الطاعة فإن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل و لا سبيل إلى رجوعهم القهقرى إلى الدنيا حتى يعملوا صالحا فيجزوا به .


و قد بين سبحانه ذلك في مواضع أخرى من كلامه بلسان آخر كقوله تعالى : « يوم يكشف عن ساق و يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة و قد كانوا يدعون إلى السجود و هم سالمون» : القلم : 43 ، و قوله : « و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا و سمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون» : الم السجدة : 12 . قوله تعالى : « و إذا رءا الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم و لا هم ينظرون» كانت الآية السابقة بالحقيقة مسوقة لبيان الفرق بين يوم الجزاء الذي هو يوم القيامة و بين سائر ظروف الجزاء في الدنيا بأن جزاء يوم القيامة لا يرتفع و لا يتغير باعتذار و لا باستعتاب ، و هذه الآية بيان فرق عذاب اليوم مع العذابات الدنيوية التي تتعلق بالظالمين في الدنيا فإنها تقبل بوجه التخفيف أو الإنظار بتأخير ما و عذاب يوم القيامة لا يقبل تخفيفا و لا إنظارا .


فقوله : « و إذا رءا الذين ظلموا العذاب» ذكر الظلم في الصلة دون الكفر و نحوه للدلالة على سبب الحكم و ملاكه ، و المراد برؤية العذاب إشرافه عليهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :319


و إشرافهم عليه بعد فصل القضاء كما يفيده السياق ، و المراد بالعذاب عذاب يوم القيامة و هو عذاب النار .


و المعنى - و الله أعلم - و إذا قضي الأمر بعذابهم و أشرفوا على العذاب بمشاهدة النار فلا مخلص لهم عنه بتخفيف أو بإنظار و إمهال .


قوله تعالى : « و إذا رءا الذين أشركوا شركاءهم» إلى آخر الآية ، مضي في حديث يوم البعث ، و قوله : « و إذا رءا الذين أشركوا» و هم في عرف القرآن عبدة الأصنام و الأوثان قرينة على أن المراد بقوله : « شركاءهم» الذين أشركوهم بالله زعما منهم أنهم شركاء لله و افتراء و يدل أيضا عليه ذيل الآية و الآية التالية .


فتسميتهم شركاءهم و هم يسمونهم شركاء الله للدلالة بها على أن ليس لهم من الشركة إلا الشركة بجعلهم بحسب وهمهم فليس لإشراكهم شركاءهم من الحقيقة إلا أنها لا حقيقة لها .


و بذلك يظهر أن تفسير شركائهم بالأصنام أو بالمعبودات الباطلة و أنهم إنما عدوا شركائهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم و أنعامهم ، أو الشياطين لأنهم شاركوهم في الأموال و الأولاد أو شركاؤهم في الكفر و هم الذين كفروا مثل كفرهم أو شاركوهم في وبال كفرهم ، كل ذلك في غير محله و لا نطيل بالمناقشة في كل واحد منها .


و قوله : « قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك» معناه ظاهر و هو تعريف منهم إياهم لربهم ، و لا حاجة إلى البحث عن غرض المشركين في تعريفهم فإن اليوم يوم أحاط بهم الشقاء و العذاب من كل جانب ، و الإنسان في مثل ذلك يلوي إلى كل ما يخطر بباله من طرق السعي في خلاص نفسه و تنفيس كربه .


و قوله : «فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون» قال في المجمع : ، تقول : ألقيت الشي‏ء إذا طرحته ، و اللقى الشي‏ء الملقى ، و ألقيت إليه مقالة إذا قلتها له ، و تلقاها إذا قبلها ، انتهى .


و المعنى : أن شركائهم ردوا إليهم و كذبوهم ، و قد عبر سبحانه في موضع آخر عن هذا التكذيب بالكفر كقوله : « و يوم القيامة يكفرون بشرككم» : فاطر : 14 و قوله حكاية عن مخاطبة الشيطان لهم يوم القيامة « إني كفرت بما أشركتمون من


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :320


قبل» : إبراهيم : 22 .


قوله تعالى : « و ألقوا إلى الله يومئذ السلم و ضل عنهم ما كانوا يفترون» السلم الإسلام و الاستسلام ، و كان في التعبير بإلقاء السلم إشارة إلى انضمام شي‏ء من الخضوع و المقهورية بالقهر الإلهي إلى سلمهم .


و ضمير « ألقوا» عائد إلى الذين أشركوا بقرينة قوله بعد « و ضل عنهم ما كانوا يفترون» فالمراد أن المشركين يسلمون يوم القيامة لله و قد كانوا يدعون إلى الإسلام في الدنيا و هم يستكبرون .


و ليس المراد بإلقاء السلم هذا يوم القيامة هو انكشاف الحقيقة و ظهور الوحدانية و هو مدلول قوله في صفة يوم القيامة : « و يعلمون أن الله هو الحق المبين» : النور : 25 ، لأن العلم بثبوت شي‏ء أمر ، و التسليم و الإيمان بثبوته أمر آخر كما يظهر من قوله تعالى : « و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم» : النمل : 14 .


و مجرد العلم بأن الله هو الحق لا يكفي في سعادة الإنسان بل تحتاج في تمامها إلى تسليمه و الإيمان به بترتيب آثاره عليه ثم من التسليم و الإيمان ما كان عن طوع و اختيار و منه ما كان عن كره و اضطرار ، و الذي ينفع في السعادة هو التسليم و الإيمان عن اختيار و موطن الاختيار الدنيا التي هي دار العمل دون الآخرة التي هي دار الجزاء .


و هم لم يسلموا للحق ما داموا في الدنيا و إن أيقنوا به حتى إذا وردوا الدار الآخرة و أوقفوا موقف الحساب عاينوا أن الله هو الحق المبين ، و أن عذاب الشقاء أحاط بهم من كل جانب أسلموا للحق و هم مضطرون و ليس ينفعهم ، و إلى هذا العلم و التسليم الاضطراري يشير قوله تعالى : « يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق و يعلمون أن الله هو الحق المبين» : النور : 25 ، فصدر الآية يخبر عن إسلامهم لأنه الدين الحق ، قال تعالى : « إن الدين عند الله الإسلام» : آل عمران : 19 ، و ذيل الآية عن انكشاف الحق لهم و ظهور الحقيقة عليهم .


و الآية المبحوث عنها أعني قوله : « و ألقوا إلى الله يومئذ السلمو ضل عنهم ما كانوا يفترون» صدرها يشير إلى إسلامهم و ذيلها إلى كون ذاك الإسلام اضطراريا لا ينفعهم لأنهم كانوا يرون لله ألوهية و لشركائهم ألوهية فاختاروا تسليم شركائهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :321


و عبادتهم على التسليم لله ثم لما ظهر لهم الحق يوم القيامة و كذبهم شركائهم بطل ما زعموه و ضل عنهم ما افتروه فلم يبق للتسليم إلا الله سبحانه فسلموا له مضطرين و انقادوا له كارهين .


قوله تعالى : « الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون» استئناف متعرض لحال أئمة الكفر بالخصوص بعد ما أشار إلى حال عامة الظالمين و المشركين في الآيات السابقة .


و السامع إذا سمع ما شرحه الله من حالهم يوم القيامة في هذه الآيات و أنهم معذبون جميعا من غير أن يخفف عنهم أو ينظروا فيه ، و قد سمع منه أن منهم طائفة هم أشد كفرا و أشقى من غيرهم إذ يقول : « و أكثرهم الكافرون» خطر بباله طبعا أنهم هل يساوون غيرهم في العذاب الموعود و هم يزيدون عليهم في السبب و هو الكفر .


فاستؤنف الكلام جوابا عن ذلك فقيل : « الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله» بالعناد و اللجاج فاكتملوا في الكفر و اقتدى بهم غيرهم « زدناهم عذابا» و هو الذي للصد و هم يختصون به « فوق العذاب» و هو الذي بإزاء مطلق الظلم و الكفر و يشاركون فيه عامة إخوانهم ، و كان اللام في العذاب للعهد الذكري يشار بها إلى ما ذكر في قوله : « و إذا رءا الذين ظلموا العذاب» إلخ ، « بما كانوا يفسدون» تعليل لزيادة العذاب .


و من هنا يظهر أن المراد بالإفساد الواقع في التعليل هو الصد لأنه الوصف الذي يزيدون به على غيرهم و هو إفساد الغير بصرفه عن سبيل الله ، و بتقرير آخر : إفساد في الأرض بالمنع عن انعقاد مجتمع صالح كان من المترقب حصوله بإقبال أولئك المصروفين على دين الله و سلوك سبيله .


قوله تعالى : « و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم و جئنا بك شهيدا على هؤلاء» إلخ ، صدر الآية تكرار ما تقدم قبل بضع آيات من قوله : « و يوم نبعث من كل أمة شهيدا» غير أنه كان هناك توطئة و تمهيدا لحديث عدم الإذن لهم في الكلام يومئذ ، و هو هاهنا توطئة و تمهيد لذكر شهادته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لهؤلاء يومئذ و هو في الموضعين


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :322


مقصود لغيره لا لنفسه .


و كيف كان فقوله : « و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم» يدل على بعث واحد في كل أمة للشهادة على أعمال غيره و هو غير البعث بمعنى الإحياء للحساب بل بعث بعد البعث ، و إنما جعل من أنفسهم ليكون أتم للحجة و أقطع للمعذرة كما يفيده السياق و ذكره المفسرون حتى أنهم ذكروا شهادة لوط على قومه و لم يكن منهم نسبا و وجهوه بأنه كان تأهل فيهم و سكن معهم فهو معدود منهم .


و قوله : « و جئنا بك شهيدا على هؤلاء» يفيد أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) شهيد على هؤلاء ، و استظهروا أن المراد بهؤلاء هم أمته ، و أيضا أنهم قاطبة من بعث إليه من لدن عصره إلى يوم القيامة ممن حضره و من غاب و من عاصره و من جاء بعده من الناس .


و آيات الشهادة من معضلات آيات القيامة على ما في جميع آيات القيامة من الإعضال و صعوبة المنال ، و قد تقدم في ذيل قوله : « لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا» : البقرة : 143 في الجزء الأول من الكتاب نبذة من الكلام في معنى هذه الشهادة .


و من الواجب قبل الورود في بحث الشهادة و سائر الأمور التي تصفها الآيات ليوم القيامة كالجمع و الوقوف و السؤال و الميزان و الحساب أن يعلم أنه تعالى يعد في كلامه هذه الأمور في عداد الحجج التي تقام يوم القيامة على الإنسان لتثبيت ما عمله من خير أو شر و القضاء عليه بما ثبت بالحجة القاطعة للعذر و المنيرة للحق ثم المجازاة بما يستوجبه القضاء من سعادة أو شقاء و جنة أو نار ، و هذا من أوضح ما يستفاد من آيات القيامة الشارحة لشئون هذا اليوم و ما يواجه الناس منها .


و هذا أصل مقتضاه أن يكون بين هذه الحجج و أجزائها و نتائجها روابط حقيقية بينة يضطر العقل إلى الإذعان بها ، و لا يسع للإنسان بما عنده من الشعور الفطري ردها و لا الشك و الارتياب فيها .


و على هذا فمن الواجب أن تكون الشهادة القائمة هناك بإقامة منه تعالى مشتملة من الحقيقة على ما لا سبيل للمناقشة فيها ، و الله سبحانه لو أمر أشقى الناس على أن يشهد على الأولين و الآخرين بما عملوه باختيار من الشاهد أو يخلق الشهادة في لسانه بلا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :323


إرادة منه ، أو أن يشهد بما عملوه من غير أن يكون قد تحملها في الدنيا و شهدها شهود عيان بل معتمدا على إعلام من الله أو ملائكته أو على حجة ثم أمضى تعالى ذلك و أنفذه و جازى به محتجا في جميع ذلك بشهادته ثانيا عليها لم يكن ذلك مما لا تطيقه سعة قدرته و لا يسعه نفوذ إرادته و لا استطاع أحد أن ينازعه في ملكه أو يعقب حكمه أو يغلبه على أمره .


لكنها حجة تحكمية غير تامة لا تقطع بالحقيقة عذرا و لا تدفع ريبا نظير التحكمات التي نجدها من جبابرة الإنسان و الطواغيت العابثين بالحق و الحقيقة و كيف يتصور لمثل هذه الحجج المختلقة عين أو أثر يوم لا عين فيه إلا للحق و لا أثر فيه إلا للحقيقة ؟ .


و على هذا فمن الواجب أن يكون هذا الشهيد ذا عصمة إلهية يمتنع عليه الكذب و الجزاف ، و أن يكون عالما بحقائق الأعمال التي يشهد عليها لا بظاهر صورها و هيئاتها المحسوسة بل بحقيقة ما انعقدت عليه في القلوب ، و أن يستوي عنده الحاضر و الغائب من الناس كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير آية سورة البقرة .


و من الواجب أن تكون شهادته شهادة عن معاينة كما هو ظاهر لفظ الشهيد و ظاهر تقييده بقوله : « من أنفسهم» في قوله : « شهيدا عليهم من أنفسهم » غير مستندة إلى حجة عقلية أو دليل سمعي .


و يشهد به قوله تعالى حكاية عن المسيح (عليه‏السلام‏) : و كنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم و أنت على كل شي‏ء شهيد» : المائدة : 117 .


و بهذا تتلاءم الآيتان مضمونا أعني قوله : « و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم و جئنا بك شهيدا على هؤلاء» و قوله .


و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونواشهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا» : البقرة : 143 .


فإن ظاهر آية البقرة أن بين النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و بين الناس الذين هم عامة من بعث إليهم من زمانه إلى يوم القيامة شهداء يشهدون على أعمالهم ، و أن الرسول إنما هو شهيد على هؤلاء الشهداء دون سائر الناس إلا بواسطتهم ، و لا ينبغي أن يتوهم أن الأمة هم المؤمنون و غيرهم الناس و هم خارجون من الأمة فإن ظاهر الآية السابقة في السورة : « و يوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا» الآية أن الكفار من الأمة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :324


المشهود عليهم .


و لازم ذلك أن يكون المراد بالأمة في الآية المبحوث عنها : « و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم» جماعة الناس من أهل عصر واحد يشهد أعمالهم شهيد واحد ، و يكون حينئذ الأمة التي بعث إليها النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) منقسمة إلى أمم كثيرة .


و يكون المراد بالشهيد الإنسان المبعوث بالعصمة و المشاهدة كما تقدم و يؤيده قوله : « من أنفسهم» إذ لو لا المشاهدة لم يكن لكونه من أنفسهم وقع ، و لا لتعدد الشهداء بتعدد الأمم وجه فلكل قوم شهيد من أنفسهم سواء كان نبيا لهم أو غير نبيهمفلا ملازمة كما يؤيده قوله : « و جي‏ء بالنبيين و الشهداء» : الزمر : 69 .


و يكون المراد بهؤلاء في قوله : « و جئنا بك شهيدا على هؤلاء» الشهداء دون عامة الناس فالشهداء شهداء على الناس و النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) شهيد على الشهداء و ظاهر الشهادة على الشاهد تعديله دون الشهادة على عمله فهو (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) شهيد على مقامهم لا على أعمالهم و لذلك لم يكن من الواجب أن يعاصرهم و يتحد بهم زمانا فافهم ذلك .


و الإنصاف أنه لو لا هذا التقريب لم يرتفع ما يتراءى ما في آيات الشهادة من الاختلاف كدلالة آية البقرة ، و قوله : « ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء على الناس» : الحج : 78 ، على كون الأمة هم المؤمنين ، و دلالة غيرهما على الأعم ، و دلالتهما على أن النبي إنما هو شهيد على الشهداء ، و أن بينه و بين الناس شهداء و دلالة غيرهما على خلافه و أن على الناس شهيدا واحدا هو نبيهم لأن المفروض حينئذ أن شهيد كل أمة هو نبيهم ، و كون أخذ الشهيد من أنفسهم لغوا لا أثر له مع عدم لزوم الحضور و المعاصرة و أن الشهادة إنما تكون من حي كما في الكلام المحكي عن المسيح (عليه‏السلام‏) و إشكالات أخرى تتوجه على نجاح الحجة و مضيها ، تقدمت الإشارة إليها و الله الهادي .


و قوله : « و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي‏ء و هدى و رحمة و بشرى للمسلمين» ذكروا أنه استئناف يصف القرآن بكرائم صفاته فصفته العامة أنه تبيان لكل شي‏ء و التبيان و البيان واحد - كما قيل - و إذ كان كتاب هداية لعامة الناس و ذلك شأنه كان الظاهر أن المراد بكل شي‏ء كل ما يرجع إلى أمر الهداية مما يحتاج إليه الناس في


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :325


اهتدائهم من المعارف الحقيقية المتعلقة بالمبدإ و المعاد و الأخلاق الفاضلة و الشرائع الإلهية و القصص و المواعظفهو تبيان لذلك كله .


و من صفته الخاصة أي المتعلقة بالمسلمين الذين يسلمون للحق أنه هدى يهتدون به إلى مستقيم الصراط و رحمة لهم من الله سبحانه يحوزون بالعمل بما فيه خير الدنيا و الآخرة و ينالون به ثواب الله و رضوانه ، و بشرى لهم يبشرهم بمغفرة من الله و رضوان و جنات لهم فيها نعيم مقيم .


هذا ما ذكروه و هو مبني على ما هو ظاهر التبيان من البيان المعهود من الكلام و هو إظهار المقاصد من طريق الدلالة اللفظية فإنا لا نهتدي من دلالة لفظ القرآن الكريم إلا على كليات ما تقدم ، لكن في الروايات ما يدل على أن القرآن فيه علم ما كان و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة ، و لو صحت الروايات لكان من اللازم أن يكون المراد بالتبيان الأعم مما يكون من طريق الدلالة اللفظية فلعل هناك إشارات من غير طريق الدلالة اللفظية تكشف عن أسرار و خبايا لا سبيل للفهم المتعارف إليها .


و الظاهر على ما يستفاد من سياق هذه الآيات المسوقة للاحتجاج على الأصول الثلاثة : التوحيد و النبوة و المعاد ، و الكلام فيها ينعطف مرة بعد أخرى عليها أن قوله : « و نزلنا عليك الكتاب» إلخ ، ليس باستئناف بل حال عن ضمير الخطاب في « جئنا بك» بتقدير « قد» أو بدون تقديرها - على الخلاف بين النحاة في الجملة الحالية المصدرة بالفعل الماضي .


و المعنى : و جئنا بك شهيدا على هؤلاء و الحال أنا نزلنا عليك من قبل في الدنيا الكتاب و هو بيان لكل شي‏ء من أمر الهداية يعلم به الحق من الباطل فيتحمل شهادة أعمالهم فيشهد يوم القيامة على الظالمين بما ظلموا و على المسلمين بما أسلموا لأن الكتاب كان هدى و رحمة و بشرى لهم و كنت أنت بذلك هاديا و رحمة و مبشرا لهم .


و على هذا فصدر الآية كالتوطئة لذيلها كأنه قيل : سيبعث شهداء يشهدون على الناس بأعمالهم و أنت منهم و لذلك نزلنا عليك كتابا يبين الحق و الباطل و يميز بينهما حتى تشهد به يوم القيامة على الظالمين بظلمهم و قد تبين الكتاب و على المسلمين بإسلامهم و قد كان الكتاب هدى و رحمة و بشرى لهم و كنت هاديا و رحمة و مبشرا به .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :326


و من لطيف ما يؤيد هذا المعنى مقارنة الكتاب بالشهادة في بعض آيات الشهادة كقوله : « و أشرقت الأرض بنور ربها و وضع الكتاب و جي‏ء بالنبيين و الشهداء :» الزمر : 69 ، و سيجي‏ء إن شاء الله أن المراد به اللوح المحفوظ ، و قد تكرر في كلامه تعالى أن القرآن من اللوح المحفوظ كقوله : « إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون» : الواقعة : 78 ، و قوله : « بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ» : البروج : 22 .


و شهادة اللوح المحفوظ و إن كانت غير شهادة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لكنهما جميعا متوقفتان على قضاء الكتاب النازل .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد : أن أعرابيا أتى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فسأله فقرأ عليه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « و الله جعل لكم من بيوتكم سكنا» قال الأعرابي : نعم . قال : « و جعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها» قال الأعرابي : . نعم ثم قرأ عليه كل ذلك يقول : نعم حتى بلغ « كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون» فولى الأعرابي فأنزل الله : « يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها - و أكثرهم الكافرون» في تفسير البرهان ، عن ابن شهرآشوب عن الباقر (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « يعرفون نعمة الله» الآية ، قال : عرفهم ولاية علي و أمرهم بولايته ثم أنكروا بعد وفاته .


أقول : و الرواية من الجري .


و في تفسير العياشي ، عن جعفر بن أحمد عن التركي النيشابوري عن علي بن جعفر بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر (عليه‏السلام‏) : أنه سئل عن هذه الآية : « يعرفون نعمةالله» الآية ، قال : عرفوه ثم أنكروه . و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم» : قال الصادق (عليه‏السلام‏) : لكل زمان و أمة شهيد تبعث كل أمة مع إمامها أقول : و ذيل كلامه (عليه‏السلام‏) : مضمون قوله تعالى : « يوم ندعوا كل أناس بإمامهم» و في الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد ، و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :327


قتادة : قال الله : « و جئنا بك شهيدا على هؤلاء» قال : ذكر لنا أن نبي الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه .


أقول : « و الروايات في باب الشهادة يوم القيامة كثيرة جدا و قد أوردنا بعضها في ذيل قوله : « و كذلك جعلناكم أمة وسطا» : البقرة : 143 و بعضها في ذيل قوله : « و جئنا بك على هؤلاء شهيدا» : النساء : 41 ، و قوله : « و يوم القيامة يكون عليهم شهيدا» : النساء : 159 .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه و الخطيب في تالي التلخيص عن البراء : أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) سئل عن قول الله : « زدناهم عذابا فوق العذاب» قال : عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم .


و في الكافي ، بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : قد ولدني رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أنا أعلم كتاب الله و فيه بدء الخلق و ما هو كائن إلى يوم القيامة ، و فيه خبر السماء و خبر الأرض و خبر الجنة و خبر النار و خبر ما كان و خبر ما هو كائن أعلم ذلك كما أنظر إلى كفي إن الله عز و جل يقول : فيه تبيان كل شي‏ء .


أقول : و الآية منقولة في الرواية بالمعنى .


و في تفسير العياشي ، عن منصور عن حماد اللحام قال قال : أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : نحن نعلم ما في السماوات و نعلم ما في الأرض ، و ما في الجنة و ما في النار و ما بين ذلك . قال : فبهت أنظر إليه فقال : يا حماد إن ذلك في كتاب الله تعالى ثم تلا هذه الآية : « و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم - و جئنا بك شهيدا على هؤلاء - و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي‏ء - و هدى و رحمة و بشرى للمسلمين» إنه من كتاب فيه تبيان كل شي‏ء و في الكافي ، عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن سنان عن يونس بن يعقوب عن الحارث بن المغيرة و عدة من أصحابنا منهم عبد الأعلى و أبو عبيدة و عبد الله بن بشير الخثعمي سمعوا أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : إني لأعلم ما في السماوات و ما في الأرض و أعلم ما في الجنة و أعلم ما في النار و أعلم ما كان و ما يكون ثم مكث هنيئة فرأى


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :328


أن ذلك كبر على من سمعه منه فقال : علمت ذلك من كتاب الله عز و جل إن الله يقول : فيه تبيان كل شي‏ء . و في تفسير العياشي ، عن عبد الله بن الوليد قال قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : قال الله لموسى : « و كتبنا له في الألواح من كل شي‏ء» فعلمنا أنه لم يكتب لموسى الشي‏ء كله ، و قال الله لعيسى : « لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه» و قال الله لمحمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « و جئنا بك شهيدا على هؤلاء - و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي‏ء . أقول : و رواه العياشي بالإسناد عنه (عليه‏السلام‏) .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :