امروز:
جمعه 31 شهريور 1396
بازدید :
678
تفسيرالميزان : سوره نحل آيات 128- 90


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :329


إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الاحْسنِ وَ إِيتَاى ذِى الْقُرْبى وَ يَنْهَى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنكرِ وَ الْبَغْىِيَعِظكُمْ لَعَلَّكمْ تَذَكَّرُونَ‏(90) وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ وَ لا تَنقُضوا الأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكيدِهَا وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكمْ كَفِيلاًإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ‏(91) وَ لا تَكُونُوا كالَّتى نَقَضت غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَنَكمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍإِنَّمَا يَبْلُوكمُ اللَّهُ بِهِوَ لَيُبَيِّننَّ لَكمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تخْتَلِفُونَ‏(92) وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَ لَكِن يُضِلُّ مَن يَشاءُ وَ يَهْدِى مَن يَشاءُوَ لَتُسئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏(93) وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمَنَكُمْ دَخَلا بَيْنَكمْ فَتزِلَّ قَدَمُ بَعْدَ ثُبُوتهَا وَ تَذُوقُوا السوءَ بِمَا صدَدتُّمْ عَن سبِيلِ اللَّهِوَ لَكمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏(94) وَ لا تَشترُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاًإِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيرٌ لَّكمْ إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ‏(95) مَا عِندَكمْ يَنفَدُوَ مَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍوَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صبرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ‏(96) مَنْ عَمِلَ صلِحاً مِّن ذَكرٍ أَوْ أُنثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوةً طيِّبَةًوَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ‏(97) فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْءَانَ فَاستَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشيْطنِ الرَّجِيمِ‏(98) إِنَّهُ لَيْس لَهُ سلْطنٌ عَلى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكلُونَ‏(99) إِنَّمَا سلْطنُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُم بِهِ مُشرِكُونَ‏(100) وَ إِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مَّكانَ ءَايَةٍوَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنت مُفْترِبَلْ أَكْثرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏(101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّك بِالحَْقّ‏ِ لِيُثَبِّت الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ هُدًى وَ بُشرَى لِلْمُسلِمِينَ‏(102) وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشرٌلِّسانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَ هَذَا لِسانٌ عَرَبىٌّ مُّبِينٌ‏(103) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ لا يهْدِيهِمُ اللَّهُ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(104) إِنَّمَا يَفْترِى الْكَذِب الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِئَايَتِ اللَّهِوَ أُولَئك هُمُ الْكذِبُونَ‏(105)


بيان


تذكر الآيات عدة من الأحكام مما يلائم حال الإسلام قبل الهجرة مما يصلح به حال المجتمع العام كالأمر بالعدل و الإحسان و النهي عن الفحشاء و المنكر و البغي و ما


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :330


يلحق بذلك كالأمر بإيتاء ذي القربى و النهي عن نقض العهد و اليمين ، و تذكر أمورا أخرى تناسب ذلك و تثبتها .


قوله تعالى : « إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى» ابتدأ سبحانه بهذه الأحكام الثلاثة التي هي بالترتيب أهم ما يقوم به صلب المجتمع الإنساني لما أن صلاح المجتمع العام أهم ما يبتغيه الإسلام في تعاليمه المصلحة فإن أهم الأشياء عند الإنسان في نظر الطبيعة و إن كان هو نفسه الفردية ، لكن سعادة الشخص مبنية على صلاح الظرف الاجتماعي الذي يعيش هو فيه ، و ما أصعب أن يفلح فرد في مجتمع فاسد أحاط به الشقاء من كل جانب .


و لذلك اهتم في إصلاح المجتمع اهتماما لا يعادله فيه غيره و بذل الجهد البالغ في جعل الدساتير و التعاليم الدينية حتى العبادات من الصلاة و الحج و الصوم اجتماعية ما أمكن فيها ذلك ، كل ذلك ليستصلح الإنسان في نفسه و من جهة ظرف حياته .


فقوله : « إن الله يأمر بالعدل» أمر بالعدل و يقابله الظلم قال في المفردات ، العدالة و المعادلة لفظ يقتضي معنى المساواة ، و يستعمل باعتبار المضايفة ، و العدل - بفتح - العين و العدل - بكسرها يتقاربان لكن العدل - بفتح العين - يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام ، و على ذلك قوله تعالى : « أو عدل ذلك صياما» و العدل - بكسر العين - و العديل فيما يدرك بالحاسة كالموزونات و المعدودات و المكيلات ، فالعدل هو التقسيط على سواء .


قال : و العدل ضربان : مطلق يقتضي العقل حسنه ، و لا يكون في شي‏ء من الأزمنة منسوخا و لا يوصف بالاعتداء بوجه نحو الإحسان إلى من أحسن إليك و كف الأذى عمن كف أذاه عنك ، و عدل يعرف كونه عدلا بالشرع و يمكن أن يكون منسوخا في بعض الأزمنة كالقصاص و أروش الجنايات و أصل مالالمرتد ، و لذلك قال : « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه» ، و قال : « و جزاء سيئة سيئة مثلها» فسمي اعتداء و سيئة .


و هذا النحو هو المعني بقوله : « إن الله يأمر بالعدل و الإحسان» فإن العدل هو المساواة في المكافاة إن خيرا فخير و إن شرا فشر ، و الإحسان أن يقابل الخير بأكثر


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :331


منه و الشر بأقل منه ، انتهى موضع الحاجة .


و ما ذكره على ما فيه من التفصيل يرجع إلى قولهم إن العدل هو لزوم الوسط و الاجتناب عن جانبي الإفراط و التفريط في الأمور و هو من قبيل التفسير بلازم المعنى فإن حقيقة العدل هي إقامة المساواة و الموازنة بين الأمور بأن يعطى كل من السهم ما ينبغي أن يعطاه فيتساوى في أن كلا منها واقع موضعه الذي يستحقه ، فالعدل في الاعتقاد أن يؤمن بما هو الحق ، و العدل في فعل الإنسان في نفسه أن يفعل ما فيه سعادته و يتحرز مما فيه شقاؤه باتباع هوى النفس ، و العدل في الناس و بينهم أن يوضع كل موضعه الذي يستحقه في العقل أو في الشرع أو في العرف فيثاب المحسن بإحسانه ، و يعاقب المسي‏ء على إساءته ، و ينتصف للمظلوم من الظالم و لا يبعض في إقامة القانون و لا يستثنى .


و من هنا يظهر أن العدل يساوق الحسن و يلازمه إذ لا نعني بالحسن إلا ما من طبعه أن تميل إليه النفس و تنجذب نحوه و إقرار الشي‏ء في موضعه الذي ينبغي أن يقر عليه من حيث هو كذلك مما يميل إليه الإنسان و يعترف بحسنه و يقدم العذر لو خالفه إلى من يقرعه باللوم لا يختلف في ذلك اثنان ، و إن اختلف الناس في مصاديقه كثيرا باختلاف مسالكهم في الحياة .


و يظهر أيضا أن ما عد الراغب في كلامه من الاعتداء و السيئة عدلا لا يخلو عن مسامحة ، فإن الاعتداء و السيئة الذين يجازى بهما المعتدي و المسي‏ء إنما هما اعتداء و سيئة بالنسبة إليهما و أما بالنسبة إلى منيجازيهما بهما فهما من لزوم وسط الاعتدال و خصلة الحسن لكونهما من وضع الشي‏ء موضعه الذي ينبغي أن يوضع فيه .


و كيف كان فالعدل و إن كان منقسما إلى عدل الإنسان في نفسه و إلى عدله بالنسبة إلى غيره ، و هما العدل الفردي و العدل الاجتماعي ، و اللفظ مطلق لكن ظاهر السياق أن المراد به في الآية العدل الاجتماعي و هو أن يعامل كل من أفراد المجتمع بما يستحقه و يوضع في موضعه الذي ينبغي أن يوضع فيه ، و هذا أمر بخصلة اجتماعية متوجه إلى أفراد المكلفين بمعنى أن الله سبحانه يأمر كل واحد من أفراد المجتمع أن يأتي بالعدل ، و لازمه أن يتعلق الأمر بالمجموع أيضا فيكلف المجتمع إقامة هذا الحكم و تتقلده الحكومة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :332


بما أنها تتولى أمر المجتمع و تدبره .


و قوله : « و الإحسان» الكلام فيه من حيث اقتضاء السياق كسابقه فالمراد به الإحسان إلى الغير دون الإحسان بمعنى إتيان الفعل حسنا ، و هو إيصال خير أو نفع إلى غير لا على سبيل المجازاة و المقابلة كأن يقابل الخير بأكثر منه و يقابل الشر بأقل منه - كما تقدم - و يوصل الخير إلى غير متبرعا به ابتداء .


و الإحسان على ما فيه من إصلاح حال من أذلته المسكنة و الفاقة أو اضطرته النوازل ، و ما فيه من نشر الرحمة و إيجاد المحبة يعود محمود أثره إلى نفس المحسن بدوران الثروة في المجتمع و جلب الأمن و السلامة بالتحبيب .


و قوله : « و إيتاء ذي القربى» أي إعطاء المال لذوي القرابة و هو من أفراد الإحسان خص بالذكر ليدل على مزيد العناية بإصلاح هذا المجتمع الصغير الذي هو السبب بالحقيقة لانعقاد المجتمع المدني الكبير كما أن مجتمع الازدواج الذي هو أصغر بالنسبة إلى مجتمع القرابة سبب مقدم مكون له فالمجتمعات المدنية العظيمة إنما ابتدأت من مجتمع بيتي عقده الازدواج ثم بسطه التوالد و التناسل و وسعه حتى صار قبيلة و عشيرة و لم يزل يتزايد و يتكاثر حتى عادت أمة عظيمة فالمراد بذي القربى الجنس دون الفرد و هو عام لكل قرابة كما ذكروه .


و في التفسير المأثور عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) أن المراد بذي القربى الإمام من قرابة رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و المراد بالإيتاء إعطاء الخمس الذي فرضه الله سبحانه في قوله : « و اعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين» الآية ، : الأنفال : 41 و قد تقدم تفسيرها .


و لعل التعبير بالإفراد حيث قيل : « ذي القربى» و لم يقل : ذوي القربى أو أولي القربى كما في قوله : « و إذا حضر القسمة أولوا القربى و اليتامى و المساكين» : النساء : 8 ، و قوله : « و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين» : البقرة : 177 يؤيد ذلك .


و احتمال إرادة الجنس من ذي القربى يبعده ما وقع في سياق آية الخمس من ذكر اليتامى و المساكين معه بصيغة الجمع مع عدم ظهور نكتة يختص بها ذوي القربى أو


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :333


اليتامى و المساكين تقضي بالفرق .


على أن الآية لا قرينة واضحة فيها على كون المراد بالإيتاء هو الإحسان ثم بالإحسان مطلق الإحسان .


و الله أعلم .


قوله تعالى : « و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون» قال في المفردات : الفحش و الفحشاء و الفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال و الأقوال .


انتهى و لعل الأصل في معناه الخروج عن الحد فيما لا ينبغي يقال : غبن فاحش أي خارج عن حد التحمل و الصبر و السكوت .


و المنكر ما لا يعرفه الناس في مجتمعهم من الأعمال التي تكون متروكة عندهم لقبحها أو إثمها كالمواقعة أو كشف العورة في مشهد من الناس في المجتمعات الإسلامية .


و البغي الأصل في معناه الطلب و كثر استعماله في طلب حق الغير بالتعدي عليه فيفيد معنى الاستعلاء و الاستكبار على الغير ظلما و عتوا ، و ربما كان بمعنى الزنا و المراد به في الآية هو التعدي على الغير ظلما .


و هذه الثلاثة أعني الفحشاء و المنكر و البغي و إن كانت متحدة المصاديق غالبا فكل فحشاء منكر ، و غالب البغي فحشاء و منكر لكن النهي إنما تعلق بها بما لها من العناوين لما أن وقوع الأعمال بهذه العناوين في مجتمع من المجتمعات يوجب ظهور الفصل الفاحش بين الأعمال المجتمعة فيه الصادرة من أهله فينقطع بعضها من بعض و يبطل الالتيام بينها و يفسد بذلك النظم و ينحل المجتمع في الحقيقة و إن كان على ساقه صورة و في ذلك هلاك سعادة الأفراد .


فالنهي عن الفحشاء و المنكر و البغي أمر بحسب المعنى باتحاد مجتمع تتعارف أجزاؤه و تتلاءم أعماله لا يستعلي بعضهم على بعض بغيا ، و لا يشاهد بعضهم من بعض إلا الجميل الذي يعرفونه لا فحشاء و لا منكرا و عند ذلك تستقر عليهم الرحمة و المحبة و الألفة و ترتكز فيهم القوة و الشدة ، و تهجرهم السخطة و العداوة و النفرة و كل خصلة سيئة تؤدي إلى التفرق و التهلكة .


ثم ختم سبحانه الآية بقوله : « يعظكم لعلكم تذكرون» أي تتذكرون فتعلمون أن الذي يدعوكم إليهفيه حياتكم و سعادتكم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :334


قوله تعالى : « و أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها» إلخ ، قال في المفردات : العهد حفظ الشي‏ء و مراعاته حالا بعد حال ، و سمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدا .


قال : و عهد فلان إلى فلان يعهد أي ألقى إليه العهد و أوصاه بحفظه ، انتهى .


و ظاهر إضافة العهد إلى الله تعالى في قوله : « و أوفوا بعهد الله» أن المراد به هو العهد الذي يعاهد فيه الله على كذا دون مطلق العهد و يأتي نظير الكلام في نقض اليمين .


و قوله : « ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها» نقض اليمين نكثه و مخالفة مقتضاه و المراد باليمين هو اليمين بالحلف بالله سبحانه كأن ما عدا ذلك ليس بيمين و الدليل عليه قوله بعد : « و قد جعلتم الله عليكم كفيلا» .


و المراد بتوكيدها إحكامها بالقصد و العزم و كونها لأمر راجح بخلاف قولهم : لا و الله و بلى و الله و غيره من لغو الأيمان ، فالتوكيد في هذه الآية يفيد ما يفيده التعقيد في قوله تعالى : « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم و لكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان» المائدة : 89 .


و نقض اليمين بحسب الاعتبار أشنع من نقض العهد و إن كان منهيا عنهما جميعا ، على أن العناية بالحلف في الشرع الإسلامي أكثر كما في باب القضاء .


و توضيح شناعة نقضه : أن حقيقة معنى اليمين إيجاد ربط خاص بين النسبة الكلامية من خبر أو إنشاء و بين أمر ذي بال شريف بحيث يستوجب بطلان النسبة من جهة ظهور كذبه إن كان خبرا و مخالفة مقتضاه إن كان عزما أو أمرا أو نهيا كقولنا : و الله لأفعلن كذا و بالله عليك افعل أو لا تفعل كذا أن يذهب بذلك ما يعتقده المقسم من الكرامة و العزة للمقسم به فيئول الأمر إلى أن المقسم به بما له من الكرامة و العزة هو المسئول عن صحة النسبة الكلامية و المقسم هو المسئول عند المقسم به بما علق صحة النسبة على كرامته و عزته كمن يعقد عقدا أو يتعهد عملا ثم يعطي لمن عاقده أو تعهد له موثقا يثق به من مال أو ولد أو غير ذلك أو يضمن له ذلك شريف بشرافته .


و بهذا يظهر معنى قوله تعالى : « و قد جعلتم الله عليكم كفيلا» فإن الحالف إذا قال : و الله لأفعلن كذا أو لأتركن كذا فقد علق ما حلف عليه نوعا من التعليق


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :335


على الله سبحانه و جعله كفيلا عنه في الوفاء بما عقد عليه اليمين فإن نكث و لم يف كان لكفيله أن يؤديه إلى الجزاء و العقوبة ، ففي نكث اليمين إهانة و إرزاء بساحة العزة و الكرامة مضافا إلى ما في نقض اليمين و العهد معا من الانقطاع و الانفصال عنه سبحانه بعد توكيد الاتصال .


فقوله : « و قد جعلتم الله» إلخ ، حال من ضمير الجمع في قوله : « و لا تنقضوا» و قوله : « إن الله يعلم ما تفعلون» في معنى تأكيد النهي بأن العمل مبغوض و هو به عليم .


قوله تعالى : « و لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا» إلى آخر الآية ، النقض و يقابله الإبرام إفساد ما أحكم من حبل أو غزل بالفتل فنقض الشي‏ء المبرم كحل الشي‏ء المعقود ، و النكث النقض، قال في المجمع ، : و كل شي‏ء نقض بعد الفتل فهو أنكاث حبلا كان أو غزلا ، و الدخل بفتحتين في الأصل كل ما دخل الشي‏ء و ليس منه ، و يكنى به عن الدغل و الخدعة و الخيانة ، كما قيل : و أربى أفعل من الربا و هو الزيادة .


و قوله : « و لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا» في معنى التفسير لقوله في الآية السابقة : « و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها» و هو تمثيل بمرأة تغزل الغزل بقوة ثم تعود فتنقض ما أتعبت نفسها فيه و غزلته من بعد قوة و تجعله أنكاثا لا فتل فيه و لا إبرام .


و نقل عن الكلبي أنها امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن و لا يزال ذلك دأبها و اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة ، و كانت تسمى خرقاء مكة .


و قوله : « تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة» أي تتخذون أيمانكم وسيلة للغدر و الخدعة و الخيانة تطيبون بها نفوس الناس ثم تخونون و تخدعونهم بنقضها ، و إنما يفعلون ذلك لتكون أمة - و هم الحالفون - أربى و أزيد سهما من زخارف الدنيا من أمة - و هم المحلوف لهم - .


فالمراد بالدخل وسيلته من تسمية السبب باسم المسبب و « أن تكون أمة» مفعول له بتقدير اللام ، و الكلام نوع بيان لنقض اليمين أو لكونهم كالتي نقضت غزلها


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :336


من بعد قوة أنكاثا و محصل المعنى أنكم كمثلها إذ تتخذون أيمانكم دخلا بينكم فتؤكدونها و تعقدونها ثم تخونون و تخدعون بنقضها و نكثها و الله ينهاكم عنه .


و ذكر بعضهم أن قوله : « تتخذون أيمانكم» إلخ ، جملة استفهامية محذوفة الأداة و الاستفهام للإنكار .


و قوله : « إنما يبلوكم الله به» إلخ ، أي إن ذلك امتحان إلهي يمتحنكم به و أقسم ليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون فتعلمون عند ذلك ما حقيقة ما أنتم عليه اليوم من التكالب على الدنيا و سلوك سبيل الباطل لإماطة الحق و دحضه و يتبين لكم يومئذ من هو الضال و من هو المهتدي .


قوله تعالى : « و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة و لكن يضل من يشاء و يهدي من يشاء» إلخ ، لما انجر الكلام إلى ذكر اختلافهم عقب ذلك ببيان أن اختلافهم ليس بناقض للغرض الإلهي في خلقهم و لا أنهم معجزون له سبحانه و لو شاء لجعلهم أمة واحدة لا اختلاف بينهم و لكن الله سبحانه جعلهم مختلفين بالهداية و الإضلال فهدى قوما و أضل آخرين .


و ذلك أنه تعالى وضع سعادة الإنسان و شقاءه على أساس الاختيار و عرفهم الطاعة المفضية إلى غاية السعادة و المعصية المؤدية إلى غاية الشقاء فمن سلك مسلك المعصية و اجتاز للضلال جازاه الله ذلك ، و من ركب سبيل الطاعة و اختار الهدى جازاه الله ذلك و سيسألهم جميعا عما عملوا و اختاروا .


و بما تقدم يظهر أن المراد بجعلهم أمة واحدة رفع الاختلاف من بينهم و حملهم على الهدى و السعادة ، و بالإضلال و الهداية ما هو على سبيل المجازاة لا الضلال و الهدى الابتدائيان فإن الجميع على هدى فطري فالذي يشاء الله ضلاله فيضله هو من اختار المعصية على الطاعة من غير رجوع و لا ندم ، والذي شاء الله هداه فهداه هو من بقي على هداه الفطري و جرى على الطاعة أو تاب و رجع عن المعصية صراطا مستقيما و سنة إلهية و لن تجد لسنة الله تبديلا و لن تجد لسنة الله تحويلا .


و أن قوله : « و لتسألن عما كنتم تعملون» لدفع ما يسبق إلى الوهم أن استناد الضلال و الهدى إليه سبحانه يبطل تأثير اختيارهم في ذلك و تبطل بذلك الرسالة و تلغو


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :337


الدعوة فأجيب بأن السؤال باق على حاله لما أن اختياركم لا يبطل بذلك بل الله سبحانه يمد لكم من الضلال و الهدى ما أنتم تختارونه بالركون إلى معصيته أو بالإقبال إلى طاعته .


قوله تعالى : « و لا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها» إلى آخر الآية ، قال في المفردات : الصدود و الصد قد يكون انصرافا عن الشي‏ء و امتناعا نحو « يصدون عنك صدودا» و قد يكون صرفا و منعا نحو « و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل» . انتهى .


و الآية نهي عن اتخاذ الأيمان دخلا بعد النهي عن أصل نقض الأيمان لأن لخصوص اتخاذها دخلا مفسدة مستقلة هي ملاك النهي غير المفسدة التي لأصل نقض الأيمان و قد أشار إلى مفسدة أصل النقض بقوله : « و قد جعلتم الله عليكم كفيلا» إلخ ، و يشير في هذه الآية إلى مفسدة اتخاذها دخلا بقوله : « فتزل قدم بعد ثبوتها و تذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله و لكم عذاب عظيم» .


و الملاكان - كما هو ظاهر - متغايران نعم أحدهما كالمقدمة للآخر كما أن نقض الأيمان كالمقدمة لاتخاذها دخلا فإن الإنسان إذا نقض اليمين لسبب من الأسباب لأول مرة هان عليه أمر النقض و مهد ذلك السبيل إلى النقض ثانيا و ثالثا و جعل الحلف ثم النقض وسيلة خدعة و خيانة فلا يلبث دون أن تكون حليف دغل و خدعة و خيانة و غرور و مكر و كيد و كذب و زور لا يبالي ما قال و ما فعل و يعود جرثومة فساديفسد المجتمع الإنساني أينما توجه ، و يقع في سبيل غير سبيل الله الذي خطته الفطرة السليمة .


و كيف كان فظاهر قوله : « و لا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم» نهي استقلالي عن الخدعة باليمين بعد النهي الضمني عنه في الآية السابقة ، و قوله : « فتزل قدم بعد ثبوتها» تفريع على المنهي عنه دون النهي أي يتفرع على اتخاذها دخلا أن تزل قدم بعد ثبوتها إلخ ، و زلة القدم بعد ثبوتها مثل لنقض اليمين بعد العقد و التوكيد و الزوال عن الموقف الذي ارتكز فيه فإن ثبات الإنسان و استقامته على ما عزم عليه و اهتم به من كرائم الإنسانية و أصولفضائلها و عليه بناء الدين الإلهي ، و حفظ اليمين على توكيده


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :338


قدم من الأقدام التي يتم بها هذا الأصل الوسيع ، و كأنه لذلك جي‏ء بالقدم نكرة في قوله : « فتزل قدم» إلخ .


و قوله : « و تذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله و لكم عذاب عظيم» معطوف على قوله : « تزل قدم» إلخ ، و بيان نتيجته كما أنه بيان نتيجة و عاقبة لقوله : « لا تتخذوا أيمانكم دخلا» و بذلك يظهر أن قوله : « بما صددتم عن سبيل الله» بمنزلة التفسير لقوله : « فتزل قدم بعد ثبوتها» .


و المراد بالصدود عن سبيل الله الإعراض و الامتناع عن السنة الفطرية التي فطر الله الناس عليها و دعت الدعوة النبوية إليها من التزام الصدق و الاستقامة و رعاية العهود و المواثيق و الأيمان و التجنب عن الدغل و الخدعة و الخيانة و الكذب و الزور و الغرور .


و المراد بذوق السوء العذاب ، و قوله : « و لكم عذاب عظيم» حال عن فاعل « تذوقوا» و يمكن أن يكون المراد بذوق السوء ما ينالهم من آثار الضلال السيئة في الدنيا ، و قوله : « و لكم عذاب عظيم» إخبارا عما يحل بهم في الآخرة هذا ما يستفاد من ظاهر الآية الكريمة .


فالمعنى : و لا تتخذوا أيمانكم وسيلة دخل بينكم حتى يؤديكم ذلك إلى الزوال عما ثبتم عليه و نقض ما أبرمتموه ، و فيه إعراض عن سبيل الله الذي هو التزام الفطرة و التحرز عن الغدر و الخدعة و الخيانة و الدغل و بالجملة الإفساد في الأرض بعد إصلاحها ، و يؤديكم ذلك إلى أن تذوقوا السوء و الشقاء في حياتكم الدنيا و لكم عذاب عظيم في الأخرى .


و ذكر بعضهم : أن الآية مختصة بالنهي عن نقض بيعة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على ما استقرت عليه السنة في صدر الإسلام ، و أن الآية نزلت في الذين بايعوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على نصرة الإسلام و أهله فنهاهم الله عن نقض تلك البيعة ، و على هذا فالمراد بالصد عن سبيل الله صرف الناس و منعهم عن اتباع دين الله كما أن المراد بزلة قدم بعد ثبوتها الردة بعد الإسلام و الضلال بعد الرشد .


و فيه أن السياق لا يساعد على ذلك ، و على تقدير التسليم خصوص المورد لا ينافي عموم الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :339


قوله تعالى : « و لا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون» قال في المفردات : ، كل ما يحصل عوضا عن شي‏ء فهو ثمنه ، انتهى .


و الظاهر أن الآية نهي عن نقض العهد بعدما تقدم الأمر بالوفاء به اعتناء بشأنه كما جرى مثل ذلك في نقض الأيمان ، و الآية مطلقة ، و المراد بعهد الله العهد الذي عوهد به الله مطلقا ، و المراد بالاشتراء به ثمنا قليلا بقرينة ذيل الآية أن يبدل العهد من شي‏ء من حطام الدنيا فينقض لنيله فسمى المبدل منه ثمنا لأنه عوض كما تقدم ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « ما عندكم ينفد و ما عند الله باق» في مقام التعليل لقوله في الآية السابقة : « ما عند الله هو خير لكم» و قد وجهه بأن الذي عندكم أي في الحياة الدنيا التي هي حياة مادية قائمة على أساس التبدل و التحول منعوتة بنعت الحركة و التغير زائل نافد ، و ما عند الله سبحانه مما يعد المتقين منكم باق لا يزول و لا يفنى و الباقي خير من النافد بصريح حكم العقل .


و اعلم أن قوله : « ما عندكم ينفد و ما عند الله باق» على ما في لفظه من الإطلاق قاعدة كلية غير منقوضة باستثناء ، تحتها جزئيات كثيرة من المعارف الحقيقية .


قوله تعالى : « و لنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» لما كان الوفاء بالعهد مستلزما للصبر على مر مخالفة هوى النفس في نقضه و الاسترسال فيما تشتهيه ، صرف الكلام عن ذكر أجر خصوص الموفين بالعهد إلى ذكر أجرمطلق الصابرين في جنب الله .


فقوله : « و لنجزين الذين صبروا أجرهم» وعد مؤكد على مطلق الصبر سواء كان صبرا على الطاعة أو عن المعصية أو عند المصيبة غير أنه يجب أن يكون صبرا في جنب الله و لوجه الله فإن السياق لا يساعد على غيره .


و قوله : « بأحسن ما كانوا يعملون» الباء للمقابلة كما في قولنا : بعت هذا بهذا ، و ليس المراد بأحسن ما كانوا يعملون الأحسن من أعمالهم في مقابل الحسن منها بأن يميز الله سبحانه بين أعمالهم الحسنة فيقسمها إلى حسن و أحسن ثم يجزيهم بأحسنها و يلغي الحسن كما ذكره بعضهم فإن المقام لا يؤيده، و آيات الجزاء تنفيه و الرحمة الواسعة الإلهية تأباه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :340


و ليس المراد به الواجبات و المستحبات من أعمالهم قبال المباحات التي أتوا بها فإنها لا تخلو من حسن كما ذكره آخرون .


فإن الكلام ظاهر في أن المراد بيان الأجر على الأعمال المأتي بها في ظرف الصبر مما يرتبط به ارتباطا ، و واضح أن المباحات التي يأتي بها الصابر في الله لا ارتباط لها بصبره فلا وجه لاعتبارها بين الأعمال ثم اختيار الأحسن من بينها .


على أنه لا مطمع لعبد في أن يثيبه الله على ما أتى به من المباحات حتى يبين له أن الثواب في مقابل ما أتى به من الواجبات و المستحبات التي هي أحسن مما أتى به من المباحات فيكون ذكر الحسن مستدركا زائدا .


و من هنا يظهر أن ليس المراد به النوافل بناء على عدم الإلزام فيها فتكون أحسن ما عمل فإن كون الواجب مشتملا من المصلحة الموجبة للحسن على أزيد من النقل معلوم من الخطابات التشريعية بحيث لا يرتاب فيه .


بل المراد بذلك أن العمل الذي يأتون به و له في نوعه ما هو حسن و ما هو أحسن فالله سبحانه يجزيه من الأجر على ما أتى به ما هو أجر الفرد الأحسن من نوعه فالصلاة التي يصليها الصابر في اللهيجزيه الله سبحانه لها أجر الفرد الأحسن من الصلاة و إن كانت ما صلاها غير أحسن و بالحقيقة يستدعي الصبر أن لا يناقش في العمل و لا يحاسب ما هو عليه من الخصوصيات المقتضية لخسته و رداءته كما يفيده قوله تعالى : « إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» .


و يستفاد من الآية أن الصبر في الله يوجب كمال العمل و في قوله : « و لنجزينهم» إلخ ، التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير كما قيل ، و الذي أظنه أنه رجوع إلى السياق السابق في الآيات و كان سياق التكلم مع الغير ، و إنما الالتفات في قوله تعالى قبل بضع آيات : « إن الله يأمر بالعدل و الإحسان» و الوجه فيه أن هذه الآية و ما بعدها من الآيات المسرودة إلى هذه الغاية مشتملة على عدة من الأوامر و النواهي الإلهية ، و الأنسب بالأمر و النهي أن يستندا إلى أعظم مقامات مصدرهما و أقواها ليتأيدا بذلك ، و هذه صناعة معمولة في المحاورات فيقال : إن الملك يأمر بكذا و إن مولاك يقول لك كذا ، و لا يقال : فلان بن فلان يأمر أو يقول .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :341


فكان من الأنسب أن يسند هذه التكاليف إلى مقام الجلالة ، و يقال بالالتفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة : « إن الله يأمربالعدل و الإحسان» إلخ .


و لذلك استمر السياق على هذا النسق في التكاليف التالية أيضا فقيل : « و أوفوا بعهد الله» إلخ ، « إنما يبلوكم الله» إلخ ، « و لو شاء الله» إلخ ، « و لا تشتروا بعهد الله» إلخ ، « و ما عند الله باق» .


ثم رجع إلى السياق السابق و هو التكلم مع الغير فقال : « و لنجزين الذين صبروا» و جرى على ذلك حتى إذا بلغ قوله : « فإذا قرأت القرآن» و هو حكم التفت ثانيا فقال : « فاستعذ بالله» و أحسن ما يجلي المعنى الذي ذكرناه قوله تعالى بعده : « و إذا بدلنا آية مكان آية و الله أعلم بما ينزل» حيث جمع بين الأمرين فأسند تبديل آية مكان آية إلى ضمير التكلم و الأعلمية إلى الله عز اسمه .


قوله تعالى : « من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة» إلى آخر الآية .


وعد جميل للمؤمنين إن عملوا عملا صالحا و بشرى للإناث أن الله لا يفرق بينهن و بين الذكور في قبول إيمانهن و لا أثر عملهن الصالح الذي هو الإحياء بحياة طيبة و الأجر بأحسن العمل على الرغم مما بنى عليه أكثر الوثنية و أهل الكتاب من اليهود و النصارى من حرمان المرأة من كل مزية دينية أو جلها و حط مرتبتها من مرتبة الرجل و وضعها وضعا لا يقبل الرفع البتة .


فقوله : « من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن» حكم كلي من قبيل ضرب القاعدة لمن عمل صالحا أي من كان و قد قيده بكونه مؤمنا و هو في معنى الاشتراط فإن العمل ممن ليس مؤمنا حابط لا يترتب عليه أثر ، كما قال تعالى : « و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله» : المائدة : 5 ، و قال : « و حبط ما صنعوا فيها و باطل ما كانوا يعملون» : هود : 16 .


و قوله : « فلنحيينه حياة طيبة» الإحياء إلقاء الحياة في الشي‏ء و إفاضتها عليه فالجملة بلفظها دالة على أن الله سبحانه يكرم المؤمن الذي يعمل صالحا بحياة جديدة غير ما يشاركه سائر الناس من الحياة العامة ، و ليس المراد به تغيير صفة الحياة فيه و تبديل الخبيثة من الطيبة مع بقاء أصل الحياة على ما كانت عليه ، و لو كان كذلك


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :342


لقيل : فلنطيبن حياته .


فالآية نظيرة قوله : « أ و من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس» : الأنعام : 122 ، و تفيد ما يفيده من تكوين حياة ابتدائية جديدة .


و ليس من التسمية المجازية لأن الآيات المتعرضة لهذا الشأن ترتب عليه آثار الحياة الحقيقية كقوله تعالى : « أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه» : المجادلة : 22 ، و كقوله في آية الأنعام المنقولة آنفا : « و جعلنا له نورا يمشي به في الناس» فإن المراد بهذا النور العلم الذي يهتدي به الإنسان إلى الحق في الاعتقاد و العمل قطعا .


و كما أن له من العلم و الإدراك ما ليس لغيره كذلك له من موهبة القدرة على إحياء الحق و إماطة الباطل ما ليس لغيره ، و قد قال سبحانه : « و كان حقا علينا نصر المؤمنين» : الروم : 47 ، و قال : « من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون» : المائدة : 69 .


و هذا العلم و القدرة الحديثان يمهدان له أن يرى الأشياء على ما هي عليها فيقسمها قسمين حق باق و باطل فان ، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الذي هو الحياة الدنيا بزخارفها الغارة الفتانة و يعتز بعزة الله فلا يستذله الشيطان بوساوسه و لا النفس بأهوائها و هوساتها و لا الدنيا بزهرتها لما يشاهد من بطلان أمتعتها و فناء نعمتها .


و يتعلق قلبه بربه الحق الذي هو يحق كل حق بكلماته فلا يريد إلا وجهه و لا يحب إلا قربه و لا يخاف إلا سخطه و بعده ، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلدة لا يدبر أمرها إلا ربه الغفور الودود ، و لا يواجهها في طول مسيرها إلا الحسن الجميل فقدأحسن كل شي‏ء خلقه ، و لا قبيح إلا ما قبحه الله من معصيته .


فهذا الإنسان يجد في نفسه من البهاء و الكمال و القوة و العزة و اللذة و السرور ما لا يقدر بقدر ، و كيف لا ؟ و هو مستغرق في حياة دائمة لا زوال لها و نعمة باقية لا نفاد لها و لا ألم فيها و لا كدورة تكدرها ، و خير و سعادة لا شقاء معها ، هذا ما يؤيده الاعتبار و ينطق به آيات كثيرة من القرآن لا حاجة إلى إيرادها على كثرتها .


فهذه آثار حيوية لا تترتب إلا على حياة حقيقية غير مجازية ، و قد رتبها الله


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :343


سبحانه علىهذه الحياة التي يذكرها و يخصها بالذين آمنوا و عملوا الصالحات فهي حياة حقيقية جديدة يفيضها الله سبحانه عليهم .


و ليست هذه الحياة الجديدة المختصة بمنفصلة عن الحياة القديمة المشتركة و إن كانت غيرها فإنما الاختلاف بالمراتب لا بالعدد فلا يتعدد بها الإنسان ، كما أن الروح القدسية التي يذكرها الله سبحانه للأنبياء لا توجب لهم إلا ارتفاع الدرجة دون تعدد الشخصية .


هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة و هو حقيقة قرآنية و به يظهر وجه توصيفها بالطيب في قوله : « حياة طيبة» كأنها - كما اتضح - حياة خالصة لا خبث فيها يفسدها في نفسها أو في أثرها .


و للمفسرين في الآية وجوه من التفسير : منها : أن الحياة الطيبة هي الحياة التي تكون في الجنة فلا موت فيها و لا فقر و لا سقم و لا أي شقاء آخر .


و منها : أنها الحياة التي تكون في البرزخ و لعل التخصيص من حمل ذيل الآية على جنة الآخرة .


و منها : أنها الحياة الدنيوية المقارنة للقناعة و الرضا بما قسم الله سبحانه فإنها أطيب الحياة .


و منها : أنها الرزق الحلال إذ لا عقاب عليه .


و منها : أنها رزق يوم بيوم .


و وجوه المناقشة فيها لا تكاد تخفى على الباحث المتدبر فلا نطيل بإيرادها .


و قوله : « و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» تقدم الكلام فيه في الآية السابقة ، و في معنى الآية قوله تعالى : « و من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب» : المؤمن : 40 .


قوله تعالى : « فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم» الاستعاذة طلب المعاذ ، و المعنى : إذا قرأت القرآن فاطلب منه تعالى ما دمت تقرؤه أن يعيذك من الشيطان الرجيم أن يغويك ، فالاستعاذة المأمور بها حال نفس القارى‏ء ما دام يقرأ و قد أمر أن يوجدها لنفسه ما دام يقرأ ، و أما قول القارى‏ء : أعوذ بالله من الشيطان


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :344


الرجيم أو ما يشابهه من اللفظ فهو سبب لإيجاد معنى الاستعاذة في النفس و ليس بنفسها إلا بنوع من المجاز ، و قد قال سبحانه : استعذ بالله ، و لم يقل : قل أعوذ بالله .


و بذلك يظهر أن قول بعضهم : إن المراد بالقراءة إرادتها فهي مجاز مرسل من قبيل إطلاق المسبب و إرادة السبب لا يخلو عن تساهل .


قوله تعالى : « إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا و على ربهم يتوكلون» في مقام التعليل للأمر الوارد في الآية السابقة أي استعذ بالله حين القراءة ليعيذك منهلأنه ليس له سلطان على من آمن بالله و توكل عليه .


و يظهر من الآية أولا : أن الاستعاذة بالله توكل عليه فإنه سبحانه بدل الاستعاذة في التعليل من التوكل و نفى سلطانه عن المتوكلين .


و ثانيا : أن الإيمان و التوكل ملاك صدق العبودية كقوله تعالى لإبليس : « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين» : الحجر : 42 ، فنفى سلطانه عن عباده و قد بدل العباد في هذه الآية من الذين آمنوا و على ربهم يتوكلون ، و الاعتبار يساعد عليه فإن التوكل و هو إلقاء زمام التصرف في أمور نفسه إلى غيره و التسليم لما يؤثره له منهاأخص آثار العبودية .


قوله تعالى : « إنما سلطانه على الذين يتولونه و الذين هم به مشركون» ضمائر الإفراد الثلاثة للشيطان أي ينحصر سلطان الشيطان في الذين يتخذونه وليا لهم يدبر أمورهم كما يريد ، و هم يطيعونه ، و في الذين يشركون به إذ يتخذونه وليا من دون الله و ربا مطاعا غيره فإن الطاعة عبادة كما يشير إليه قوله : « أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين و أن اعبدوني» : يس : 61 .


و بذلك يظهر أولا : أن ذيل الآية يفسر صدرها ، و أن تولي من لم يأذن الله في توليه شرك بالله و عبادة لغيره .


و ثانيا : أن لا واسطة بين التوكل على الله ، و تولي الشيطان و عبادته ، فمن لم يتوكل على الله فهو من أولياء الشيطان .


و ربما قيل : إن ضمير الإفراد في قوله : « و الذين هم به مشركون» راجع إليه


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :345


تعالى ، و تفيد الآية حينئذ أن سلطانه على طائفتين : المشركين و الذين يتولونه من الموحدين هذا : و لزوم اختلاف الضمائر يدفعه .


قوله تعالى : « و إذا بدلنا آية مكان آية و الله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون» إشارة إلى النسخ و حكمته ، و جواب عما اتهموه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) به من الافتراء على الله ، و الظاهر من سياق الآيات أن القائلين هم المشركون و إن كانت اليهود هم المتصلبين في نفي النسخ و من المحتمل أن تكون الكلمة مما تلقفه المشركون من اليهود فكثيرا ما كانوا يراجعونهم في أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و قوله : « و إذا بدلنا آية مكان آية» قال في المفردات : ، الإبدال و التبديل و التبدل و الاستبدال جعل شي‏ء مكان آخر ، و هو أعم من العوض فإن العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأول ، و التبديل قد يقال للتغيير مطلقا و إن لم يأت ببدله قال تعالى : « فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم» - إلى أن قال - و قال - تعالى : « فمن بدله بعد ما سمعه» « و إذا بدلنا آية مكان آية» و « بدلناهم بجنتيهم جنتين» « ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة» انتهى موضع الحاجة .


فالتبديل بمعنى التغيير يخالف التبديل بمعناه المعروف في أن مفعوله الأول هو المأخوذ و المطلوب بخلافه بالمعنى المعروف فمعنى قوله : « و إذا بدلنا آية» مكان آية معناه وضعنا الآية الثانية مكان الأولى بالتغيير فكانت الثانية المبدلة هي الباقية المطلوبة .


و قوله : « و الله أعلم بما ينزل» كناية عن أنالحق لم يتعد مورده و أن الذين أنزله هو الحقيق بأن ينزل فإن الله أعلم به منهم ، و الجملة حالية .


و قوله : « قالوا إنما أنت مفتر» القول للمشركين يخاطبون النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و يتهمونه بأنه يفتري على الله الكذب فإن تبديل قول مكان قول ، و الثبات على رأي ثم العدول عنه مما يتنزه عنه ساحة رب العزة .


و قد بالغوا في قولهم إذ لم يقولوا : افتريت في هذه التبديل و النسخ بل قالوا : « إنما أنت مفتر» فقصروه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في الافتراء ، و أتوا بالجملة الاسمية و سموه مفتريا ، و قد بنوا ذلك على أن ما جاء به النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من سنخ واحد و هو يسند الجميع إلى ربه و يقول : إنما أنا نذير فإذا كان مفتريا في واحد كان مفتريا في الجميع فليس إلا مفتريا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :346


و قوله : « بل أكثرهم لا يعلمون» أي أكثر هؤلاء المشركين الذين يتهمونك بقولهم : « إنما أنت مفتر» لا يعلمون حقيقة هذا التبديل و الحكمة المؤدية إليه على ما سينكشف في الجواب أن الأحكام الإلهية تابعة لمصالح العباد و من المصالح ما يتغير بتغير الأوضاع و الأحوال و الأزمنة فمن الواجب أن يتغير الحكم بتغير مصلحته فينسخ الحكم الذي ارتفعت مصلحته الموجبة له بحكم آخر حدثت مصلحته .


فأكثر هؤلاء غافلون عن هذا الأمر و أما الأقل منهم فهم واقفون على حقيقة الأمر و لو إجمالا غير أنهم مستكبرون على الحق معاندون له و إنما يلقون القول إلقاء من غير رعاية جانب الحق .


قوله تعالى : « قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا و هدى و بشرى للمسلمين» قد تقدمت في أول السورة إشارة إلى معنى الروح ، و القدس الطهارة و النزاهة و الظاهر أن الإضافة للاختصاص أي روح طاهرة عن قذارات المادة نزيهة عن الخطإ و الغلط و الضلال ، وهو المسمى في موضع آخر من كلامه تعالى بالروح الأمين ، و في موضع آخر بجبريل من الملائكة قال تعالى : « نزل به الروح الأمين على قلبك» : الشعراء : 194 ، و قال : « من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك» ، : البقرة : 97 .


فقوله : « قل نزله روح القدس من ربك» أمر بالجواب و الأسبق إلى الذهن أن يكون الضمير راجعا إلى القرآن من جهة كونه ناسخا أي الآية الناسخة ، و يمكن أن يكون راجعا إلى مطلق القرآن ، و في التعبير بالتنزيل دون الإنزال إشارة إلى التدريج .


و كان من طبع الكلام أن يقال : من ربي لكن عدل عنه إلى قوله : «من ربك» للدلالة على كمال العناية و الرحمة في حقه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كأنه لا يرضى بانقطاع خطابه فيغتنم الفرصة لتكليمه أينما أمكن ، و ليدل على أن المراد بالقول المأمور به إخبارهم بذلك لا مجرد التلفظ بهذه الألفاظ فافهم .


و قوله : « ليثبت الذين آمنوا» التثبيت تحكيم الثبات و تأكيده بإلقاء الثبات بعد الثبات عليهم كأنهم بأصل إيمانهم بالله و رسوله و اليوم الآخر ثبتوا على الحق و بتجدد الحكم حسب تجدد المصلحة يؤتون ثباتا على ثبات من غير أن يضعف ثباتهم الأول بالمضي


الميزان في تفسير القرآن ج:12 ص:347


على أعمال لا تطابق مصلحة الوقت فإن من الواضح أن من أمر بسلوك سبيل لمصلحة غاية فأخذ بسلوكه عن إيمان بالأمر الهادي فقطع قطعة منه على حسب ما يأمره به رعاية لمصلحة الغاية بسرعة أو بطء أو في ليل أو نهار ثم تغير نحو المصلحة فلو لم يغير الأمر الهادي نحو السلوك و استمر على أمره السابق لضعف إيمان السالك و انسلب أركانه لكن لو أمر بنحو جديد من السلوك يوافق المصلحة و يضمن السعادة زاد إيمانه ثباتا على ثبات .


ففي تنزيل القرآن بالنسخ و تجديد الحكم حسب تجدد المصلحة تثبيت للذين آمنوا و إعطاء لهم ثباتا على ثبات .


و قوله : « و هدى و بشرى للمسلمين» و هم الذين يسلمون الحكم لله من غير اعتراض فالآية الناسخة بالنسبة إليهم إراءة طريق و بشارة بالسعادة و الجنة .


و تفريق الآثار بتخصيص التثبيت بالمؤمنين و الهدى و البشرى بالمسلمين إنما هو لما بين الإيمان و الإسلام من الفرق فالإيمان للقلب و نصيبه التثبت في العلم و الإذعان و الإسلام في ظاهر العمل و مرحلة الجوارح و نصيبها الاهتداء إلى واجب العمل ، و البشرى بأن الغاية هي الجنة و السعادة .


و قد مر بعض الكلام في النسخ في تفسير قوله تعالى : « ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منهاأو مثلها» : البقرة : 106 في الجزء الأول من الكتاب .


قوله تعالى : « و لقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر» افتراء آخر منهم على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو قولهم : « إنما يعلمه بشر» و هو كما يلوح إليه سياق اعتراضهم و ما ورد في الجواب عنه أنه كان هناك رجل أعجمي غير فصيح في منطقه عنده شي‏ء من معارف الأديان و أحاديث النبوة ربما لاقاه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فاتهموه بأنه يأخذ ما يدعيه وحيا منه و الرجل هو الذي يعلمه و هو الذي حكاه الله تعالى من قولهم : « إنما يعلمه بشر» و في القول إيجاز، و تقديره : إنما يعلمه بشر و ينسب ما تعلمه منه إلى الله افتراء عليه ، و هو ظاهر .


و من المعلوم أن الجواب عنه بمجرد أن لسان الرجل أعجمي و القرآن عربي مبين لا يحسم مادة الشبهة من أصلها لجواز أن يلقي إليه المطالب بلسانه الأعجمي ثم يسبكها


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :348


هو (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ببلاغة منطقه في قالب العربية الفصيحة بل هذا هو الأسبق إلى الذهن من قولهم : « إنما يعلمه بشر» حيث عبروا عن ذلك بالتعليم دون التلقين و الإملاء ، و التعليم أقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ .


و بذلك يظهر أن قوله : « لسان الذي يلحدون إليه - إلى قوله - مبين» ليس وحده جوابا عن شبهتهم بل ما يتلوه من الكلام إلى تمام آيتين من تمام الجواب .


و ملخص الجواب مأخوذ من جميع الآيات الثلاث أن ما اتهمتموه به أن بشرا يعلمه ثم هو ينسبه إلى الله افتراء إن أردتم أنه يعلمه القرآن بلفظه بالتلقين عليه و أن القرآن كلامه لا كلام الله فجوابه أن هذا الرجل لسانه أعجمي و هذا القرآن عربي مبين .


و إن أردتم أن الرجل يعلمه معاني القرآن - و اللفظ لا محالة للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) - و هو ينسبه إلى الله افتراء عليه فالجواب عنه أن الذي يتضمنه القرآن معارف حقة لا يرتاب ذو لب فيها و تضطر العقول إلى قبولها قد هدى الله النبي إليها فهو مؤمن بآيات الله إذ لو لم يكن مؤمنا لم يهده الله و الله لا يهدي من لا يؤمن بآياته و إذ كان مؤمنا بآيات الله فهو لا يفتري على الله الكذب فإنه لا يفتري عليه إلا من لا يؤمن بآياته ، فليس هذا القرآن بمفترى ، و لا مأخوذا من بشر و منسوبا إلى الله سبحانه كذبا .


فقوله : « لسان الذي يلحدون إليه أعجمي و هذا لسان عربي مبين» جواب عن أول شقي الشبهة و هو أن يكون القرآن بلفظه مأخوذا من بشر على نحو التلقين ، و المعنى : أن لسان الرجل الذي يلحدون أي يميلون إليه و ينوونه بقولهم : « إنما يعلمه بشر» أعجمي أي غير فصيح بين و هذا القرآن المتلو عليكم لسان عربي مبين و كيف يتصور صدور بيان عربي بليغ من رجل أعجمي اللسان .


و قوله : « إن الذين لا يؤمنون» إلى آخر الآيتين جواب عن ثاني شقي الشبهة و هو أن يتعلم منه المعاني ثم ينسبها إلى الله افتراء .


و المعنى : إن الذين لا يؤمنون بآيات الله و يكفرون بها لا يهديهم الله إليه و إلى معارفه الحقة الظاهرة و لهم عذاب أليم ، و النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مؤمن بآيات الله لأنه مهدي بهداية الله ، و إنما يفتري الكذب و ينسبه إلى الله الذين لا يؤمنون بآيات الله و أولئك هم الكاذبون المستمرون على الكذب ، و أما مثل النبي المؤمن بآيات الله فإنه لا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :349


يفتري الكذب و لا يكذب فالآيتان كنايتان عن أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مهدي بهداية الله مؤمن بآياته و مثله لا يفتري و لا يكذب .


و المفسرون قطعوا الآيتين عن الآية الأولى و جعلوا الآية الأولى هي الجواب الكامل عن الشبهة و قد عرفت أنها لا تفي بتمام الجواب .


ثم حملوا قوله : « و هذا لسان عربي مبين» على التحدي بإعجاز القرآن في بلاغته ، و أنت تعلم أن لا خبر في لفظ الآية عن أن القرآن معجز في بلاغته و لا أثر عن التحدي ، و نهاية ما فيه أنه عربي مبين لا وجه لأن يفصح عنه و يلفظه أعجمي .


ثم حملوا الآيتين التاليتين على تهديد أولئك الكفرة بآيات الله الرامين لرسوله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالافتراء ، و وعيدهم بالعذاب الأليم ، و قلب الافتراء و الكذب إليهم بأنهم أولى بالافتراء و الكذب بما أنهم لا يؤمنون بآيات الله فإن الله لم يهدهم .


ثم تكلموا بالبناء عليه في مفردات الآيتين بما يزيد في الابتعاد عن حق المعنى .


و قد عرفت أن ذلك يؤدي إلى عدم كفاية الجواب في حسم الإشكال من أصله .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاصي قال : كنت عند رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جالسا إذ شخص بصره فقال : أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة : « إن الله يأمر بالعدل و الإحسان - إلى قوله تذكرون» . أقول : و رواه أيضا عن ابن عباس عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه . و في المجمع ، و جاءت الرواية أن عثمان بن مظعون قال : كنت أسلمت استحياء من رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام و لم يقر الإسلام في قلبي فكنت ذات يوم عنده حال تأمله فشخص بصره نحو السماء كأنه يستفهم شيئا فلما سري عنه سألته عن حاله فقال : نعم بينا أنا أحدثك إذ رأيت جبرائيل في الهواء فأتاني بهذه الآية : « إن الله يأمر بالعدل و الإحسان» فقرأها علي إلى آخرها فقر الإسلام في قلبي . و أتيت عمه أبا طالب فأخبرته فقال : يا آل قريش اتبعوا محمدا ترشدوا فإنه لا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :350


يأمركم إلا بمكارم الأخلاق ، و أتيت الوليد بن المغيرة و قرأت عليه هذه الآية فقال : إن كان محمد قاله فنعم ما قال ، و إن قاله ربه فنعم ما قال . قال : فأنزل الله : « أ فرأيت الذي تولى - و أعطى قليلا و أكدى» الحديث .


و فيه ، عن عكرمة قال : إن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قرأ هذه الآية على الوليد بن المغيرة فقال : يا بن أخي أعد فأعاد فقال : إن له لحلاوة و إن له لطلاوة و إن أعلاه لمثمر و إن أسفله لمعذق و ما هو قول البشر . و في تفسير القمي ، بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق (عليه‏السلام‏) : في الآية : ليس لله في عباده أمر إلا العدل و الإحسان . و في تفسير البرهان ، عن ابن بابويه بإسناده عن عمرو بن عثمان قال : خرج علي (عليه‏السلام‏) على أصحابه و هم يتذاكرون المروءة فقال : أين أنتم من كتاب الله ؟ قالوا يا أمير المؤمنين في أي موضع ؟ فقال : في قوله عز و جل : « إن الله يأمر بالعدل و الإحسان» فالعدل الإنصاف و الإحسان التفضل . أقول : و رواه العياشي عن عمرو بن عثمان العاصي عنه (عليه‏السلام‏) ، و رواه في الدر المنثور ، عن ابن النجار في تاريخه من طريق العكلي عن أبيه عنه (عليه‏السلام‏) و لفظه : مر علي بن أبي طالب بقوم يتحدثون فقال : فيم أنتم ؟ فقالوا : نتذاكر المروءة ، فقال : أ و ما كفاكم الله عز و جل ذاك في كتابه إذ يقول الله : « إن الله يأمر بالعدل و الإحسان» فالعدل الإنصاف و الإحسان التفضل .


أقول : و قد ورد في عدة روايات تفسير العدل بالتوحيد أو بالشهادتين و تفسير الإحسان بالولاية : و في أخرى إرجاع تحريم نقض العهد بوجوب الثبات على الولاية .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « من عمل صالحا من ذكر أو أنثى - و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة» الآية ، قال : قال (عليه‏السلام‏) : القنوع . و في المعاني ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قيل له : إن أبا الخطاب يذكر عنك أنكقلت : إذا عرفت الحق فاعمل بما شئت ، فقال : لعن الله أبا الخطاب و الله ما قلت هكذا و لكني قلت له : إذا عرفت الحق فاعمل ما شئت من خير يقبل منك إن الله عز و جل يقول : « من عمل صالحا من


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :351


ذكر أو أنثى - و هو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب» و يقول : « من عمل صالحا من ذكر أو أنثى - و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة» .


أقول : و هو ما قدمناه في معنى الآية .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قلت له : « فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله - إلى قوله يتوكلون» فقال : يا محمد يسلط و الله من المؤمن على بدنه و لا يسلط على دينه قد سلط على أيوب فشوه خلقه و لم يسلط على دينه ، و قد يسلط من المؤمنين على أبدانهم و لا يسلط على دينهم . قلت له : قوله عز و جل : « إنما سلطانه على الذين يتولونه - و الذين هم به مشركون» قال : الذين هم بالله مشركون يسلط على أبدانهم و على أديانهم . أقول : و رواه العياشي عن أبي بصير عنه (عليه‏السلام‏) و إرجاع ضمير « به» إلى الله أحد المعنيين في الآية .


و في الدر المنثور ، أخرج الحاكم و صححه و البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس : في قوله : « إنما يعلمه بشر» قال : قالوا : إنما يعلم محمدا عبدة بن الحضرمي و هو صاحب الكتب ، فقال الله : « لسان الذي يلحدون إليه أعجمي - و هذا لسان عربي مبين» . و في تفسير العياشي ، عن محمد بن عزامة الصيرفي عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : إن الله عز و جل خلق روح القدس فلم يخلق خلقا أقرب إلى الله منها و ليست بأكرم خلقه عليه ، فإذا أراد أمرا ألقاه إليها فألقاه إلى النجوم فجرت به قوله تعالى 1 و لقد نعلم أنهم يقولون - إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه» و هو لسان أبي فكيهة مولى بني الحضرمي كان « أعجمي» اللسان و كان قد اتبع نبي الله و آمن به ، و كان من أهل الكتاب فقالت قريش : هذا و الله يعلم محمدا علمه بلسانه ، يقول الله : « و هذا لسان عربي مبين» .


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :352


أقول : و الروايات في هذا الرجل مختلفة ففي هذه الرواية أنه أبو فكيهة مولى بني الحضرمي ، و في الرواية السابقة أنه عبدة بن الحضرمي ، و عن قتادة أنه عبدة بن الحضرمي و كان يسمى مقيص ، و عن السدي أنه كان عبدا لبني الحضرمي نصرانيا ، كان قد قرأ التوراة و الإنجيل يقال له أبو بشر ، و عن مجاهد أنه ابن الحضرمي كان أعجميا يتكلم بالرومية ، و عن ابن عباس أيضا في رواية أنه كان قينا بمكة اسمه بلعام و كان عجمي اللسان فكان المشركون يرون رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يدخل عليه و يخرج من عنده فقالوا : إنما يعلمه بلعام .


و المتيقن من مضامينها أنه كان رجلا روميا مولى لبني الحضرمي يسكن مكة نصرانيا له خبرة بكتب أهل الكتاب رموه بأنه يعلم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : كانوا يقولون : إنما يعلمه سلمان الفارسي ، فأنزل الله : « لسان الذي يلحدون إليه أعجمي» .


أقول : و هو لا يلائم كون الآية مكية .


و فيه ، أخرج ابن الخرائطي في مساوي الأخلاق و ابن عساكر في تاريخه عن عبد الله بن جراد : أنه سأل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : هل يزني المؤمن ؟ قال : قد يكون ذلك ، قال : هل يسرق المؤمن ؟ قال : قد يكون ذلك ، قال : هل يكذب المؤمن ؟ قال : لا ، ثم أتبعها نبي الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « إنما يفتري الكذب - الذين لا يؤمنون» . و في تفسير العياشي ، عن العباس بن الهلال عن أبي الحسن الرضا (عليه‏السلام‏) : أنه ذكر رجلا كذابا ثم قال : قال الله : « إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون» .


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :353


مَن كفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلا مَنْ أُكرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطمَئنُّ بِالايمَنِ وَ لَكِن مَّن شرَحَ بِالْكُفْرِ صدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضبٌ مِّنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏(106) ذَلِك بِأَنَّهُمُ استَحَبُّوا الْحَيَوةَ الدُّنْيَا عَلى الاَخِرَةِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكفِرِينَ‏(107) أُولَئك الَّذِينَ طبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ سمْعِهِمْ وَ أَبْصرِهِمْوَ أُولَئك هُمُ الْغَفِلُونَ‏(108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فى الاَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ‏(109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّك لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَهَدُوا وَ صبرُوا إِنَّ رَبَّك مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏(110) × يَوْمَ تَأْتى كلُّ نَفْسٍ تجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَ تُوَفى كلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَت وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ‏(111)


بيان


في الآيات وعيد على الكفر بعد الإيمان و هو الارتداد و وعد جميل للمهاجرين من بعد ما فتنوا المجاهدين الصابرين في الله ، و فيها تعرض لحكم التقية .


قوله تعالى : « من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره» الاطمئنان السكون و الاستقرار ، و الشرح البسط ، قال في المفردات : أصل الشرح بسط اللحم و نحوه ، يقال : شرحت اللحم و شرحته ، و منه شرح الصدر أي بسطه بنور إلهي و سكينة من جهة الله و روح منه ، قال تعالى : « رب اشرح لي صدري» « أ لم نشرح لك صدرك» « أ فمن شرح الله صدره» و شرح المشكل من الكلام بسطه و إظهار ما يخفى من معانيه .


انتهى .


و قوله : « من كفر بالله من بعد إيمانه» شرط جوابه قوله : « فعليهم غضب من الله» و عطف عليه قوله : « و لهم عذاب عظيم» و ضمير الجمع في الجزاء عائد إلى اسم الشرط « من» لكونه بحسب المعنى كليا ذا أفراد .


و قوله : « إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان» استثناء من عموم الشرط و المراد


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :354


بالإكراه الإجبار على كلمة الكفر و التظاهر به فإن القلب لا يقبل الإكراه و المراد أستثني من أكره على الكفر بعد الإيمان فكفر في الظاهر و قلبه مطمئن بالإيمان .


و قوله : « و لكن من شرح بالكفر صدرا» أي بسط صدره للكفر فقبله قبول رضى و وعاه ، و الجملة استدراك من الاستثناء فيعود إلى معنى المستثنى منه فإن المعنى ما أريد بقولي : «من كفر بالله من بعد إيمانه» من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان و لكن أريد به من شرح بالكفر صدرا ، و في مجموع الاستثناء و الاستدراك بيان كامل للشرط ، و هذه هي النكتة لاعتراض الاستثناء بين الشرط و الجزاء و عدم تأخيره إلى أن تتم الشرطية .


و قيل : قوله : « من كفر» بدل من « الذين لا يؤمنون بآيات الله» في الآية السابقة ، و قوله : « و أولئك هم الكاذبون» جملة معترضة ، و قوله : « إلا من أكره» استثناء من ذلك و قوله : « و لكن من شرح» مبتدأ خبره أو القائم مقام خبره قوله : « فعليهم غضب من الله» .


و المعنى - على هذا - إنما يفتري الكذب الذين كفروا من بعد إيمانهم إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان و عند ذلك تم الكلام ثم بدأ فقال : و لكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله .


و الذوق السليم يكفي مئونة هذا الوجه على ما به من السخافة .


قوله تعالى : « ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة و أن الله لا يهدي القوم الكافرين» بيان لسبب حلول غضب الله بهم و ثبوت العذاب العظيم عليهم و هو أنهم اختاروا الحياة الدنيا و هي الحياة المادية التي لا غاية لها إلا التمتع الحيواني و الاشتغال بمشتهيات النفس على الآخرة التي هي حياة دائمة مؤبدة في جوار رب العالمين و هي غاية الحياة الإنسانية .


و بعبارة أخرى هؤلاء لم يريدوا إلا الدنيا و انقطعوا عن الآخرة و كفروا بها و الله لا يهدي القوم الكافرين و إذ لم يهدهم الله ضلوا عن طريق السعادة و الجنة و الرضوان فوقعوا في غضب من الله و عذاب عظيم .


قوله تعالى : « أولئك الذين طبع الله على قلوبهم و سمعهم و أبصارهم و أولئك


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :355


هم الغافلون» إشارة إلى أن اختيار الحياة الدنيا على الآخرة و الحرمان من هداية الله سبحانه هو الوصف الذي يوصف به الذين طبع الله علىقلوبهم و سمعهم و أبصارهم و الذين يسمون غافلين .


فإنهم باختيارهم الحياة الدنيا غاية لأنفسهم و حرمانهم من الاهتداء إلى الأخرى انقطعوا عن الآخرة و تعلقوا بالدنيا و جعلوها غاية لأنفسهم فوقف حسهم و عقلهم فيها دون أن يتعدياها إلى ما وراءها و هو الآخرة فليسوا يبصرون ما يعتبرون به و لا يسمعون عظة يتعظون بها و لا يعقلون حجة يهتدون بها إلى الآخرة .


فهم مطبوع على قلوبهم و سمعهم و أبصارهم فلا تنال قلوبهم و لا سمعهم و أبصارهم ما يدلهم على الآخرة ، و هم غافلون عنها لا يتنبهون لشي‏ء من أمرها .


فظهر أن ما في الآية السابقة من الوصف بمنزلة المعرف لما في هذه الآية من الطبع و من الغفلة فعدم هداية الله إياهم إثر ما تعلقوا بالدنيا هو معنى الطبع و الغفلة ، و الطبع صنع إلهي منسوب إليه تعالى فعله بهم مجازاة و الغفلة صفة منسوبة إليهم أنفسهم .


قوله تعالى : « لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون» لأنهم ضيعوا رأس مالهم في الدنيا فبقوا لا زاد لهم يعيشون به في أخراهم ، و قد وقع في نظير المقام من سورة هود : « لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون» : هود : 22 ، و لعل وجه التشديد هناك أنه تعالى أضاف إلى صفاتهم هناك أنهم صدوا عن سبيل الله فراجع .


قوله تعالى : « ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا و صبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم» الفتنة في الأصل إدخال الذهب النار ليظهر جودته ثم استعمل في مطلق البلاء و التعذيب ، و قد كانت قريش و مشركو مكة يفتنون المؤمنين ليردوهم عن دينهم و يعذبونهم بأنواع العذاب حتى ربما كانوا يموتون تحت العذاب كما فتنوا عمارا و أباه و أمه فقتل أبواه و ارتد عمار ظاهرا فتفصى منهم بالتقية و في ذلك نزلت الآيات السابقة كما سيأتي إن شاء الله في البحث الروائي .


و من هنا يظهر أن للآية اتصالا بما قبلها من قوله : «إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان» و هي في معنى قولنا : و بعد ذلك كله إن الله غفور رحيم للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا و صبروا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :356


فقوله : « ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا وعد جميل للمهاجرين من بعد ما فتنوا بالمغفرة و الرحمة يوم القيامة قبال ما أوعد غيرهم بالخسران التام يومئذ و قد قيد ذلك بالجهاد و الصبر بعد المهاجرة .


و قوله : « إن ربك من بعدها لغفور رحيم» بمنزلة تلخيص صدر الكلام - لطوله - ليلحق به ذيله ، و يفيد فائدة التأكيد كقولنا : زيد في الدار زيد في الدار كذا و كذا ، و يفيد أن لما ذكر من قيود الكلام دخلا في الحكم فالله سبحانه لا يرضى عنهم إلا أن يهاجروا و لا عن هجرتهم إلا أن يجاهدوا بعدها و يصبروا .


قوله تعالى : « يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها و توفى كل نفس ما عملت و هم لا يظلمون» إتيان النفس يوم القيامة كناية عن حضورها عند الملك الديان ، كما قال : « فإنهم لمحضرون» : الصافات : 127 و الضمير في قوله : « عن نفسها» للنفس و لا ضير في إضافة النفس إلى ضمير النفس فإن النفس ربما يراد بها الشخص الإنساني كقوله : « من قتل نفسا بغير نفس» : المائدة : 22 ، و ربما يراد بها التأكيد و يتحد معناها بما تقدمها من المؤكد سواء كان إنسانا أو غيره ، كما يقال : الإنسان نفسه و الفرس نفسه و الحجر نفسه و السواد نفسه ، و يقال : نفس الإنسان و نفس الفرس و نفس الحجر و نفس السواد ، و قوله : « عن نفسها» المراد فيه بالمضاف المعنى الثاني و بالمضاف إليه المعنى الأول ، و قد دفع التعبير بالضمير بشاعة تكرار اللفظ بالإضافة ، و في هذا المقدار كفاية عن الأبحاث الطويلة التي أوردها المفسرون .


و قوله : « يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها» الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة : « لغفور رحيم» و مجادلة النفس عن نفسها دفاعها عن نفسها و قد نسيت كل شي‏ء وراء نفسها على خلاف ما كانت عليه في الدنيا من التعلق بكل شي‏ء دون نفسها بنسيانها و ليس ذلك إلا لظهور حقيقة الأمر عليها و هي أن الإنسان لا سبيل له إلى ما وراء نفسه ، و ليس له في الحقيقة إلا أن يشتغل بنفسه .


فاليوم تأتي النفس و تحضر للحساب و هي تجادل و تصر على الدفاع عن نفسها بما تقدر عليه من الأعذار .


و قوله : « و توفى كل نفس ما عملت و هم لا يظلمون» التوفية إعطاء الحق تاما


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :357


من غير تنقيص ، و قد علق التوفية على نفس العمل إذ قيل : « ما عملت» فأفيد أن الذي أعطيته نفس العمل من غير أن يتصرف فيه بتغيير أو تعويض ، و فيه كمال العدل حيث لم يضف إلى ما استحقته شي‏ء و لا نقص منه و لذلك عقبه بقوله : « و هم لا يظلمون» . ففي الآية إشارة : أولا : إلى أن نفسا لا تدافع يوم القيامة و لا تجادل عن غيرها بل إنما تشتغل بنفسها لا فراغ لها لغيرها كما قال : « يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا» : الدخان : 41 ، و قال : « يوم لا ينفع مال و لا بنون» : الشعراء : 88 ، و قال : « يوم لا بيع فيه و لا خلة و لا شفاعة» : البقرة : 254 .


و ثانيا : إلى أن الجدال لا ينفعها في صرف ما استحقتها من الجزاء شيئا فإن الذي تجزاه هو عين ما عملت و لا سبيل إلى تغيير هذه النسبة و ليس من الظلم في شي‏ء .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أراد رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه : تفرقوا عني فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل و من لم تكن به قوة فليذهب في أول الليل فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض فالحقوا بي . فأصبح بلال المؤذن و خباب و عمار و جارية من قريش كانت أسلمت فأصبحوا بمكة فأخذهم المشركون و أبو جهل فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى فجعلوا يضعون درعا من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه فإذا ألبسوها إياه قال أحد أحد ، و أما خباب فجعلوا يجرونه في الشوك . و أما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية ، و أما الجارية فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قلبها حتى قتلها ثم خلوا عن بلال و خباب و عمار فلحقوا برسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأخبروه بالذي ] كان [ من أمرهم و اشتد على عمار الذي كان تكلم به فقال له رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت ؟ أ كان منشرحا بالذي قلت أم لا ؟ قال : لا قال و أنزل الله : « إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان» .


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :358


أقول : و الجارية المذكورة في الرواية هي سمية أم عمار ، و كان معهم ياسر أبو عمار ، و قيل : و كان أبو عمار أول شهيدين في الإسلام ، و قد استفاضت الروايات على قتلهما بالفتنة و إظهار عمار الكفر تقية و نزول الآية فيه .


و فيه ، أخرج عبد الرزاق و ابن سعد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و الحاكم و صححه و البيهقي في الدلائل منطريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و ذكر آلهتهم بخير ثم تركوه . فلما أتى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : ما وراءك شي‏ء ؟ قال : شر . ما تركت حتى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخير . قال : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئن بالإيمان . قال : إن عادوا فعد ، فنزلت : « إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان» . و في المجمع ، عن ابن عباس و قتادة : أن الآية نزلت في جماعة أكرهوا و هم عمار و ياسر أبوه و أمه سمية و صهيب و بلال و خباب عذبواو قتل أبو عمار و أمه و أعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه ثم أخبر سبحانه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال قوم : كفر عمار فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كلا إن عمارا ملي‏ء إيمانا من قرنه إلى قدمه و اختلط الإيمان بلحمه و دمه . و جاء عمار إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : و هو يبكي فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما وراءك ؟ فقال : شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخير فجعل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يمسح عينيه و يقول : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت فنزلت الآية . و في الدر المنثور ، أخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم قال : كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول ، و كان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول ، و كان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول ، و بلال و عامر و ابن فهيرة و قوم من المسلمين و فيهم نزلت هذه الآية : « ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا .


أقول : و سمي منهم في بعض الروايات عباس بن أبي ربيعة و في بعضها الآخر هو و الوليد بن أبي ربيعة و الوليد بن الوليد بن المغيرة و أبو جندل بن سهيل بن عمرو و أجمع رواية في ذلك ما عن ابن عباس : أن هذه الآية نزلت فيمن كان يفتنمن أصحاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :359


و في الكافي ، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) في حديث قال : فأما ما فرض على القلب من الإيمان الإقرار و المعرفة و العقد و الرضا و التسليم بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتخذ صاحبة و لا ولدا و أن محمدا عبده و رسوله ، و الإقرار بما جاء به من عند الله من نبي أو كتاب : فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار و المعرفة و هو عمله و هوقول الله عز و جل : « إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان - و لكن من شرح بالكفر صدرا .


و فيه ، بإسناده عن مسعدة بن صدقة قال : قيل لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : إن الناس يروون أن عليا (عليه‏السلام‏) قال على منبر الكوفة : يا أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرءوا مني . قال : ما أكثر ما يكذبون الناس على علي (عليه‏السلام‏) ثم قال : إنما قال : إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة و إني لعلى دين محمد و لم يقل : و لا تبرءوا مني . فقال له السائل : أ رأيت إن اختار القتلدون البراءة ؟ قال : و الله ما ذاك عليه و ما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة و قلبه مطمئن بالإيمان فقال له النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عندها : يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك « إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان» و أمرك أن تعود إن عادوا : أقول : و روى هذا المعنى العياشي في تفسيره ، عن معمر بن يحيى بن سالم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) ، و قوله (عليه‏السلام‏) : « و أمرك أن تعود إن عادوا» يستفاد ذلك من الآية حيث لم يرد الاستثناء فيها من الشخص بل وردت على العنوان و هو إكراه من اطمأن قلبه بالإيمان ، و أما كونه أمرا منه تعالى كما أمر به النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فلعل الوجه أن صريح الاستثناء هو الجواز و مع جواز ذلك لا مساغ للإباء الذي هو عرض النفس للقتل و إلقاؤها في التهلكة فيجامع هذا الجواز الوجوب دون الإباحة .


و في تفسير العياشي ، عن عمرو بن مروان قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : رفع عن أمتي أربعة خصال : ما أخطئوا و ما نسوا و ما أكرهوا عليه و ما لم يطيقوا ، و ذلك في كتاب الله : « إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :360


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :361


وَ ضرَب اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَت ءَامِنَةً مُّطمَئنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كلّ‏ِ مَكانٍ فَكفَرَت بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاس الْجُوع وَ الْخَوْفِ بِمَا كانُوا يَصنَعُونَ‏(112) وَ لَقَدْ جَاءَهُمْ رَسولٌ مِّنهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَاب وَ هُمْ ظلِمُونَ‏(113) فَكلُوا مِمَّا رَزَقَكمُ اللَّهُ حَلَلاً طيِّباً وَ اشكرُوا نِعْمَت اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏(114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنزِيرِ وَ مَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِفَمَنِ اضطرَّ غَيرَ بَاغٍ وَ لا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏(115) وَ لا تَقُولُوا لِمَا تَصِف أَلْسِنَتُكمُ الْكَذِب هَذَا حَلَلٌ وَ هَذَا حَرَامٌ لِّتَفْترُوا عَلى اللَّهِ الْكَذِبإِنَّ الَّذِينَ يَفْترُونَ عَلى اللَّهِ الْكَذِب لا يُفْلِحُونَ‏(116) مَتَعٌ قَلِيلٌ وَ لهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(117) وَ عَلى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصصنَا عَلَيْك مِن قَبْلُوَ مَا ظلَمْنَهُمْ وَ لَكِن كانُوا أَنفُسهُمْ يَظلِمُونَ‏(118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّك لِلَّذِينَ عَمِلُوا السوءَ بجَهَلَةٍ ثمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِك وَ أَصلَحُوا إِنَّ رَبَّك مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏(119) إِنَّ إِبْرَهِيمَ كانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَك مِنَ الْمُشرِكِينَ‏(120) شاكراً لأَنْعُمِهِاجْتَبَاهُ وَ هَدَاهُ إِلى صِرَطٍ مُّستَقِيمٍ‏(121) وَ ءَاتَيْنَهُ فى الدُّنْيَا حَسنَةًوَ إِنَّهُ فى الاَخِرَةِ لَمِنَ الصلِحِينَ‏(122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْك أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفاًوَ مَا كانَ مِنَ الْمُشرِكينَ‏(123) إِنَّمَا جُعِلَ السبْت عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِوَ إِنَّ رَبَّك لَيَحْكمُ بَيْنهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كانُوا فِيهِ يخْتَلِفُونَ‏(124) ادْعُ إِلى سبِيلِ رَبِّك بِالحِْكْمَةِ وَ الْمَوْعِظةِ الحَْسنَةِوَ جَدِلْهُم بِالَّتى هِىَ أَحْسنُإِنَّ رَبَّك هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضلَّ عَن سبِيلِهِوَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏(125) وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِوَ لَئن صبرْتمْ لَهُوَ خَيرٌ لِّلصبرِينَ‏(126) وَ اصبرْ وَ مَا صبرُك إِلا بِاللَّهِوَ لا تحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَك فى ضيْقٍ مِّمَّا يَمْكرُونَ‏(127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّ الَّذِينَ هُم محْسِنُونَ‏(128)


بيان


تتمة آيات الأحكام السابقة تذكر فيها محرمات الأكل و محللاته و نهي عن التحليل و التحريم ابتداعا بغير إذن الله و ذكر بعض ما شرع لليهود من الأحكام التي نسخت بعد ، و في ذلك عطف على ما تقدم من حديث النسخ في قوله : « و إذا بدلنا آية مكان آية» و إشارة إلى أن ما أنزل على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إنما هو دين إبراهيم (عليه‏السلام‏) المبني على الاعتدال و التوحيد مرفوعا عنه ما في دين اليهود من التشديد عليهم قبال ظلمهم .


و في آخرها أمر بالعدل في المعاقبة و ندب إلى الصبر و الاحتساب ، و وعد جميل بالنصرة و الكفاية إن اتقوا و أحسنوا .


قوله تعالى : « ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا» إلى آخر الآية ، الرغد من العيش هو الواسع الطيب .


هذا مثل ضربه الله تعالى فوصف فيه قرية آتاها ما تحتاج إليه من نعم الحياة ، و أتم ذلك كله بنبي بعثه إليهم يدعوهم إلى ما فيه صلاح دنياهم و أخراهم فكفروا بأنعمه و كذبوا رسوله فبدل الله نعمته نقمةو عذبهم بما ظلموا بتكذيب رسوله ، و في المثل


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :362


تحذير عن كفران نعمة الله بعد إذ بذلت و الكفر بآياته بعد إذ أنزل .


و فيه توطئة و تمهيد لما سيذكره من محللات الأكل و محرماته و ينهى عن تشريع الحلال و الحرام بغير إذن الله كل ذلك بالاستفادة من سياق الآيات فإن كل سابقة منها تسوق النظر إلى اللاحقة .


و قيل : إن هذه القرية هي مكة عذبهم الله بالجوع سبع سنين لما كفروا بأنعم الله و قد وسعها عليهم و كذبوا رسوله و قد أرسله إليهم فابتلوا بالقحط و كان يغار عليهم قوافلهم بسخط منالله سبحانه لما دعا عليهم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، ذكره في المجمع ، و نسبه إلى ابن عباس و مجاهد و قتادة .


و فيه أن لا إشكال في أنه في نفسه يقبل الانطباق على ما ذكر لكن سياق الآيات إنما يلائم كونه مثلا عاما مذكورا توطئة و تمهيدا لما بيناه .


فقوله : « ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا» وصف القرية بثلاثة أوصاف متعاقبة غير أن الأوسط منها و هي الاطمئنان كالرابط بين الطرفين فإن القرية إذا أمنت المخاطرات كمهاجمة الأشرار و شن الغارات و قتل النفوس و سبي الذراري و نهب الأموال و كذا أمنت الحوادث الطبيعية كالزلازل و غيرها اطمأنت و سكنت فلم يضطر أهلها إلى الجلاء و التفرق .


و من كمال اطمئنانها أن يأتيها رزقها رغدا من كل مكان و لا يلجأ أهلها إلى الاغتراب و قطع الفيافي و ركوب البحار و تحمل المشاق البالغة في طلب الرزق و جلبه إليها .


فاتصاف القرية بصفاتها الثلاث المذكورة : الأمن و الاطمئنان و إتيان رزقها إليها من كل مكان يتم و يكمل لها جميع النعم المادية الصورية ، و سيضيف سبحانه إليها النعم المعنوية في الآية التالية : « و لقد جاءهم رسول منهم» فهي قرية أتم الله نعمه عليها و أكملها .


وقوله : « فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع» و الخوف التعبير بأنعم الله و هو جمع قلة للإشارة بها إلى الأصناف المذكورة و هي ثلاثة : الأمن و الاطمئنان و إتيان الرزق ، و الإذاقة استعارة للإيصال اليسير فإذاقة الجوع و الخوف مشعر بأن الذي يوصلهما قادر على تضعيف ذلك و تكثيره بما لا يقدر بقدر كيف لا ؟ و هو الله الذي له القدرة كلها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :363


ثم إضافة اللباس إلى الجوع و الخوف و فيها دلالة على الشمول و الإحاطة كما يشمل اللباس البدن ، و يحيط به ، تشعر بأن هذا المقدار اليسير من الجوع و الخوف الذي أذاقهم شملهم كما يشمل اللباس بدن الإنسان و هو سبحانه قادر على أن يزيد على ذلك فهو المتناهي في قهره و غلبته و هم المتناهون في ذلتهم و هوانهم .


ثم ختم الآية بقوله : « بما كانوا يصنعون» للدلالة على أن سنة المجازاة في الشكر و الكفر قائمة على ساق .


و المعنى : ضرب الله مثلا مثل قرية كان أهلها آمنين من كل شر و سوء يهددهم في نفوسهم و أعراضهم و أموالهم ساكنين غير مضطرين يأتيهم رزقهم طيبا واسعا من كل مكان من غير أن يضطروا إلى السفر و الاغتراب فكفر أهلها بهذه النعم الإلهية و لم يشكروه سبحانه فأنالهم الله شيئا يسيرا من نقمته - بسلب هذه النعم - و هو الجوع و الخوف اللذان عماهم و شملاهم قبال ما استمروا عليه بكفران الأنعم جزاء لكفرانهم .


قوله تعالى : « و لقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب و هم ظالمون» و هذا هو النعمة المعنوية التي أضافها إلى نعمة المادية المذكورة ، و كان فيها صلاح معاشهم و معادهم و تحذير لهم من الكفران بأنعم الله و شرح ما فيه من الشؤم و الشقاء لكنهم كذبوا رسولهم الذي هو منهم يعرفونه و يدرون أنه إنما يدعوهم لأمر إلهي و يهديهم إلى سبيل الرشاد و سعادة الجد فظلموا ذلك فأخذهم العذاب بظلمهم .


و بهذا التقرير يظهر ما في القيود المأخوذة في الآية من النكات .


قوله تعالى : « فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا إلى آخر الآية تفريع على ما تحصل من المثل نتيجة ، و التقدير إذا كان الحال هذا الحال و كان في كفران هذا الرزق الرغد عذاب و في تكذيب الدعوة عذاب فكلوا مما رزقكم الله حال كونه حلالا طيبا أي لستم بممنوعين منه و أنتم تستطيبونه فكلوا منه و اشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون .


و قد ظهر بذلك : أولا : أن الآية مسوقة لتحليل طيبات الرزق مطلقا فلا سبيل إلى ما ذكره بعضهم أن المراد فكلوا مما رزقكم الله من الغنائم رزقا حلالا طيبا بناء على أن الآية


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :364


نزلت بعد وقعة بدر و المثل السابق مثل مضروب لأهل مكة ، و المراد بالرسول الذي كذبوه هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و بالعذاب الذي أخذهم هو القتل الذريع لصناديدهم يوم بدر .


و هذا كله مما لا دليل عليه من طريق لفظ الآيات .


على أنه قد تأيد سابقا أنها مكية .


و ثانيا : أن المراد بالحل و الطيب كون الرزق بحيث لم يحرم منه الإنسان طبعا و طبعه يستطيبه أي الحل و الطيب بحسب الطبع و ذلك ملاك الحلية الشرعية التي تتبع الحلية بحسب الفطرة فإن الدين فطري لأن الله سبحانه فطر الإنسان مجهزا بجهاز التغذية و جعل أشياء أرضية من الحيوان و النبات ملائمة لقوامه يميل إليها طبعه من غير نفرة فله أن يأكل منها و هو الحل .


و ثالثا : أن قوله : « فكلوا» أمر مقدمي بالنسبة إلى قوله : « و اشكروا» نعمة الله» و ذكر النعمة تلويح إلى سبب الحكم فإن كون الشي‏ء نعمة هو السبب في وجوب الشكر عليه .


و رابعا : أن قوله : « إن كنتم إياه تعبدون» خطاب للمؤمنين فإنهم هم الذين يعبدون الله و لا يعبدون غيره ، و القصر في الجملة الذي يدل عليه تقديم المفعول على الفعل قصر القلب ، و غيرهم و هم المشركون إنما يعبدون الأصنام و الآلهة من دون الله .


و جعل الخطاب للمشركين و دعوى أن المراد بالعبادة في قوله : « إن كنتم إياه تعبدون» الإطاعة أو أن المعنى إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادتكم لآلهتكم عبادته تعالى ، لا يرجع إلى طائل فإن جعل العبادة بمعنى الإطاعة يحتاج إلى قرينة و لا قرينة و المشركون لا يعبدون الله سبحانه و لو بإشراكه في العبادة و لا يقصدون بعبادة آلهتهم عبادته تعالى بل ينزهونه تعالى عن عبادتهم لكونه أجل من أن يناله إدراك أو ينتهي إليه توجه .


و كون الخطاب في الآية للمؤمنين يوجب كون المثل مضروبا لأجلهم و رجوع سائر الخطابات التشريعية فيما قبل الآية و ما بعدها متوجهة إليهم ، و ربما قيل : إن الخطاب لعامة الناس أعم من المؤمن و الكافر و تطبيقه على الآيات لا يخلو من تكلف و إن كان دون تخصيص الخطاب بالمشركين إشكالا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :365


قوله تعالى : « إنما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ و لا عاد فإن الله غفور رحيم» تقدم الكلام في معنى الآية في تفسير سورة البقرة الآية 173 و سورة المائدة الآية 3 و سورة الأنعام الآية 145 .


و الآية بمعناها على اختلاف ما في لفظها واقعة في أربعة مواضع من القرآن : في سورتي الأنعام و النحل و هما مكيتان من أوائل ما نزلت بمكة و أواخرها ، و في سورتي البقرة و المائدة و هما من أوائل ما نزلت بالمدينة و أواخرها ، و هي تدل على حصر محرمات الأكل في الأربع المذكورة : الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به كما نبه عليه بعضهم .


لكن بالرجوع إلى السنة يظهر أن هذه هي المحرمات الأصلية التي عني بها في الكتاب و ما سوى هذه الأربع من المحرمات مما حرمه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بأمر من ربه و قد قال تعالى : « ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا» : الحشر : 7 ، و قد تقدم بعض الروايات الدالة على هذا المعنى .


قوله تعالى : « و لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا على الله الكذب» إلخ ، « ما» في قوله : « لما تصف مصدرية و الكذب مفعول « تصف» أي لا تقولوا هذا حلال و هذا حرام بسبب وصف ألسنتكم لغاية افتراء الكذب على الله .


و كون الخطاب في الآيات للمؤمنين - على ما يؤيده سياقها كما مر - أو لعامة الناس يؤيد أن يكون المراد بقوله : « و لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام» النهي عن الابتداع بإدخال حلال أو حرام في الأحكام الجارية في المجتمع المعمولة بينهم من دون أن ينزل به الوحي فإن ذلك من إدخال ما ليس من الدين في الدين و افتراء على الله و إن لم ينسبه واضعه إليه تعالى .


و ذلك أن الدين في عرف القرآن هو سنة الحياة و قد تكرر منه سبحانه قوله : « يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا» أو ما يقرب منه ، فالدين لله و من زاد فيه شيئا فقد نسبه إليه تعالى افتراء عليه و إن سكت عن الإسناد أو نفى ذلك بلسانه .


و ذكر الجمهور أن المراد بالآيةالنهي عما كان المشركون يحلونه كالميتة و الدم و ما


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :366


أهل لغير الله به أو يحرمونه كالبحيرة و السائبة و غيرهما و السياق - كما مر - لا يؤيده .


ثم قال سبحانه في مقام تعليل النهي : « إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون» ثم بين حرمانهم من الفلاح بقوله : « متاع قليل و لهم عذاب أليم .


قوله تعالى : « و على الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل» إلخ ، المراد بقوله : « ما قصصنا عليك من قبل» - كما قيل - ما قصه تعالى على نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في سورة الأنعام - و قد نزلت قبل سورة النحل بلا إشكال - بقوله : « و على الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر» إلى آخر الآية ، : الأنعام : 146 .


و الآية في مقام دفع الدخل و فيها عطف على مسألة النسخ المذكورة سابقا كأن قائلا يقول : فإذا كانت محرمات الأكل منحصرة في الأربع المذكورة : الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به ، و كان ما وراءها حلالا فما هذه الأشياء المحرمة على بني إسرائيل من قبل ؟ هل هذا إلا ظلم بهم .


فأجاب عنه بأنا حرمنا عليهم ذلك و ما ظلمناهم في تحريمه و لكنهم كانوا يظلمون أنفسهم فنحرم عليهم بعض الأشياء أي إنه كان محللا لهم مأذونا فيه لكنهم ظلموا أنفسهم و عصوا ربهم فجزيناهم بتحريمه عقوبة كما قال سبحانه في موضع آخر : « فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم» الآية ، و لو أنهم بعد ذلك كله رجعوا إلى ربهم و تابوا عن معاصيهم تاب الله عليهم و رفع الحظر عنهم و أذن لهم فيما منعهم عنه إنه لغفور رحيم .


فقد ظهر أن الآية متصلة بما قبلها من حديث التحليل و التحريم ، و أنها كالجواب عن سؤال مقدر ، و أن ما بعدها من قوله : « ثم إن ربك للذين عملوا السوء» الآية ، متصل بها متمم لمضمونها .


قوله تعالى : « ثم إنربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك و أصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم» الجهالة و الجهل واحد و هو في الأصل ما يقابل العلم لكن الجهالة كثيرا ما تستعمل بمعنى عدم الانكشاف التام للواقع و إن لم يخل المحل عن علم ما مصحح للتكليف كحال من يقترف المحرمات و هو يعلم بحرمتها لكن الأهواء النفسانية تغلبه و تحمله على المعصية و لا تدعه يتفكر في حقيقة هذه المخالفة


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :367


و المعصية فله علم بما ارتكب و لذلك يؤاخذ و يعاقب على ما فعل و هو مع ذلك جاهل بحقيقة الأمر و لو تبصر تمام التبصر لم يرتكب .


و المراد بالجهالة في الآية هذا المعنى إذ لو كان المراد هو الأول و كان ما ذكر من عمل السوء مجهولا من حيث حكمه أو من حيث موضوعه لم يكن العمل معصية حتى يحتاج إلى التوبة فالمغفرة و الرحمة .


و الآية - كما تقدمت الإشارة إليه - متصلة بما قبلها متممة لمضمونها ، و معنى الآيتين أنا لم نظلم بني إسرائيل في تحريم الطيبات التي حرمناها ، لهم بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث ارتكبوا المعاصي و أصروا عليها فأدى ذلك إلى تحريم الطيبات عليهم ، و بعد ذلك كله باب المغفرة و الرحمة مفتوح و إن ربك للذين عملوا السوء أي عملوا عملا سوءا و هو السيئة بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك و أصلحوا حتى يتبين التوبة و تستقر إن ربك من بعدها أي من بعد التوبة لغفور رحيم .


و في تقييد التوبة أولا بالإصلاح ثم إرجاع الضمير أخيرا إليها وحدها في قوله : « إن ربك من بعدها لغفور» دلالة على أن شمول المغفرة و الرحمة من تبعات التوبة ، و أما الإصلاح فإنما هو لتبيين التوبة و ظهور كونها توبة حقيقية و رجوعا جديا لا مجرد صورة خالية عن المعنى .


و قوله في ذيل الآية : « إن ربك من بعدها» تلخيص لتفصيل قوله في صدرها : « إن ربك للذين» إلخ ، و فائدته حفظ فهم السامع عن التشوش و الضلال و إبراز العناية ببعدية المغفرة و الرحمة بالنسبة إلى التوبة نظير ما مر من قوله : « ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا و صبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم» .


قوله تعالى : « إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا و لم يك من المشركين» الآية ، و ما يتلوها على اتصالها بما تقدم من حصر محرمات الأكل في الأربع و تحليل ما وراءها ، و هذه الآية إلى تمام أربع آيات بمنزلة التفصيل لما تقدمها كأنه قيل : هذا حال ملة موسى التي حرمنا فيها على بني إسرائيل بعض ما أحل لهم من الطيبات، و أما هذه الملة التي أنزلناها إليك فإنما هي الملة التي تحقق بها إبراهيم فاجتباه الله و هداه إلى صراط مستقيم و أصلح بها دنياه و آخرته ، و هي ملة معتدلة جارية على الفطرة تحلل الطيبات


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :368


و تحرم الخبائث يجلب العمل بها من الخير ما جلبه لإبراهيم (عليه‏السلام‏) منه .


فقوله : « إن إبراهيم كان أمة» قال في المفردات ، و قوله : « إن إبراهيم كان أمة قانتا لله» أي قائما مقام جماعة في عبادة الله نحو قولهم : فلان في نفسه قبيلة ، انتهى .


و هو قريب مما نقل عن ابن عباس ، و قيل : معناه الإمام المقتدى به ، و قيل : إنه كان أمة منحصرة في واحد مدة من الزمان لم يكن على الأرض موحد يوحد الله غيره .


و قوله : « قانتا لله حنيفا و لم يك من المشركين» القنوت : الإطاعة و العبادة أو دوامها ، و الحنف : الميل من الطرفين إلى حاق الوسط و هو الاعتدال .


قوله تعالى : « شاكرا لأنعمه اجتباه و هداه إلى صراط مستقيم» الاجتباء من الجباية و هو الجمع و اجتباء الله الإنسان هو إخلاصه لنفسه و جمعه من التفرق في المذاهب المختلفة .


و في تعقيب قوله : « شاكرا لأنعمه» بقوله : « اجتباه» إلخ ، مفصولا إشعار بالعلية و ذلك يؤيد ما تقدم في سورة الأعراف في تفسير قوله : « و لا تجد أكثرهم شاكرين» : الأعراف : 17 ، أن حقيقة الشكر هو الإخلاص في العبودية .


قوله تعالى : « و آتيناه في الدنيا حسنة و إنه في الآخرة لمن الصالحين» الحسنة هي المعيشة الحسنة فقد كان (عليه‏السلام‏) ذا مال كثير و مروة عظيمة .


و قد بسطنا الكلام في معنى الاجتباء في تفسير سورة يوسف عند الآية 6 ، و في معنى الهداية و الصراط المستقيم في تفسير الفاتحة عند قوله : « اهدنا الصراط المستقيم» : الآية - 6 ، و في معنى قوله : « و إنه في الآخرة لمن الصالحين» : البقرة : 130 ، فراجع .


و في توصيفه تعالى إبراهيم (عليه‏السلام‏) بما وصفه من الصفات إشارة إلى أنها من مواهب هذا الدين الحنيف ، فإن انتحل به الإنسان ساقه إلى ما ساق إليه إبراهيم (عليه‏السلام‏) .


قوله تعالى : « ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا و ما كان من المشركين» تكرار اتصافه بالحنف و نفي الشرك لمزيد العناية به .


قوله تعالى : « إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه» إلى آخر الآية ، قال في المفردات : أصل السبت القطع و منه سبت السير قطعه و سبت شعره حلقه ، و أنفه اصطلمه ، و قيل : سمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتدأ بخلق السماوات و الأرض يوم


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :369


الأحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره فقطع عمله يوم السبت فسمي بذلك .


و سبت فلان صار في السبت ، و قوله : « يوم سبتهم شرعا» قيل : يوم قطعهم للعمل « و يوم لا يسبتون» قيل : معناه لا يقطعون العمل و قيل : يوم لا يكونون في السبت و كلاهما إشارة إلى حالة واحدة ، و قوله : « إنما جعل السبت» أي ترك العمل فيه « و جعلنا نومكم سباتا» أي قطعا للعمل و ذلك إشارة إلى ما قال في صفة الليل : « لتسكنوا فيه» انتهى .


فالمراد بالسبت على ما ذكره نفس اليوم لكن معنى جعله جعل ترك العمل فيه و تشريعه ، و يمكن أن يكون المراد به المعنى المصدري دون اليوم المجعول فيه ذلك كما هو ظاهر قوله : « تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا و يوم لا يسبتون لا تأتيهم :» الأعراف : 163 .


و كيف كان فقد كان من طبع الكلام أن يقال : إنما جعل السبت للذين حتى ، يفيد نوعا من الاختصاص و الملك و أن الله شرع لهم في كل أسبوع أن يقطعوا العمل يوما يفرغون فيه لعبادة ربهم و هو يوم السبت كما جعل للمسلمين في كل أسبوع يوما يجتمعون فيه للعبادة و الصلاة و هو يوم الجمعة .


فقوله : « إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه» بتعدية جعل بعلى دون اللام من قبيل قولهم : لي عليك دين و هذا عليك لا لك فتفيد معنى التكليف و التشديد و الابتلاء أي إنما جعل للتشديد عليهم و ابتلائهم و امتحانهم فقد كان هذا الجعل عليهم لا لهم كما انجر أمرهم فيه إلى لعن طائفة منهم و مسخ آخرين و قد أشير إلى ذلك في سورة البقرة الآية 65 و سورة النساء الآية 47 .


و الأنسب على هذا أن يكون المراد بقوله : « اختلفوا فيه» أي في السبت اختلافهم فيه بعد التشريع فإنهم تفرقوا فيه فرقا ممن قبله و ممن رده و ممن احتال للعمل فيه على ما أشيرإلى قصصهم في سور البقرة و النساء و الأعراف لا اختلافهم فيه قبل التشريع بأن يعرض عليهم أن يسبتوا في كل أسبوع يوما للعبادة ثم يجعل ذلك اليوم هو الجمعة فيختلفوا فيه فيجعل عليهم يوم السبت كما وقع في بعض الروايات .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :370


و المعنى إنما جعل يوم السبت أو قطع العمل للعبادة يوما في كل أسبوع تشديدا و ابتلاء و فتنة و كلفة على اليهود الذين اختلفوا فيه بعد تشريعه بين من قبله و من رده و من احتال فيه للعمل مع التظاهر بقبوله و إن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون .


و بالبناء على هذا يكون وزان الآية وزان قوله السابق : « و على الذين هادوا حرمنا» إلخ ، في أنها في معنى الجواب عن سؤال مقدر عطفا على ما مر من حديث النسخ ، و التقدير و أما جعل السبت لليهود فإنما جعل لا لهم بل عليهم ليبتليهم الله و يفتنهم به و يشدد عليهم كما قد تكرر نظائره فيهم لكونهم عاتين معتدين مستكبرين و بالجملة الآية ناظرة إلى الاعتراض بتشريع بعض الأحكام غير الفطرية على اليهود و نسخه في هذه الشريعة .


و إنما لم يضم إلى قوله سابقا : « و على الذين هادوا حرمنا» إلخ ، لكون مسألة السبت مغايرة لسنخ مسألة تحليل الطيبات و استثناء محرمات الأكل ، و قد عرفت أن الكلام على اتصاله من قوله : « و على الذين هادوا» إلى قوله : « و ما كان من المشركين» سبع آيات تامة ثم اتصلت بها هذه الآية و هي ثامنتها الملحقة بها .


و من هنا يظهر الجواب عما اعترض به أن توسيط جعل السبت بين حكاية أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) باتباع ملة إبراهيم (عليه‏السلام‏) و بين أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالدعوة إليها و بعبارة أخرى وقوع قوله : « إنما جعل السبت» إلخ ، بين قوله : « ثم أوحينا إليك» إلخ ، و قوله : « ادع إلى سبيل ربك» إلخ، كالفصل بين الشجر و لحائه .


و محصل الجواب أن قوله : « ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم» الآية من تمام السياق السابق ، و قوله : « إنما جعل السبت» الآية ، متصل بما تقدمه كما عرفت ، و أما قوله : « ادع إلى سبيل ربك» الآية ، فهو استئناف و أمر بالدعوة إلى سبيل الله بفنون الخطاب لا إلى ملة إبراهيم حتى يتصل بالآية السابقة نوع اتصال و إن كان سبيل الله هو ملة إبراهيم بعينها لكن للفظ حكم و للمعنى بحسب المآل حكم آخر ، فافهم .


و للقوم في تفسير الاختلاف اختلاف عميق فمنهم من قال : إن المراد إنما جعل السبت على الذين اختلفوا على نبيهم فيه حيث أمرهم بتعظيم الجمعة فعدلوا عنه و أخذوا


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :371


السبت فجعله الله عليهم تشديدا فالاختلاف اختلاف سابق على الجعل لا لاحق به و ربما جعل « في» للتعليل فإن الاختلاف على هذا لم يقع في السبت بل من أجل السبت .


و ربما قيل : الاختلاف بمعنى المخالفة فإنهم خالفوا نبيهم في السبت و لم يختلفوا فيه .


و ربما قيل : إنهم أمروا باتخاذ الجمعة من غير تعيين و وكل ذلك إلى اجتهادهم فاختلفت أحبارهم في تعيينه و لم يهدهم الله إليه و وقعوا في السبت .


و ربما قيل : إن المراد أنهم اختلفوا فيما بينهم في شأن السبت فطائفة منهم فضلته على الجمعة و طائفة منهم عكست الأمر و فضلت الجمعة عليه .


إلى غير ذلك مما قيل ، و الأصل في ذلك ما ورد في بعض الروايات من القصة .


و أنت خبير بأن شيئا من الأقوال لا ينطبق على لفظ الآية ذاك الانطباق فالمصير إلى ما قدمناه .


قوله تعالى : « ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن» إلى آخر الآية لا شك في أنه يستفاد من الآية أن هذه الثلاثة الحكمة و الموعظة و المجادلة من طرق التكليم و المفاوضة فقد أمر بالدعوة بأحد هذه الأمور فهي من أنحاء الدعوة و طرقها و إن كان الجدال لا يعد دعوة بمعناها الأخص .


و قد فسرت الحكمة - كما في المفردات - بإصابة الحق بالعلم و العقل ، و الموعظة كما عن الخليل - بأنه التذكير بالخير فيما يرق له القلب ، و الجدال - كما في المفردات - بالمفاوضة على سبيل المنازعة و المغالبة .


و التأمل في هذه المعاني يعطي أن المراد بالحكمة - و الله أعلم - الحجة التي تنتج الحق الذي لا مرية فيه و لا وهن و لا إبهام و الموعظة هو البيان الذي تلين به النفس و يرق له القلب ، لما فيه من صلاح حال السامع من الغبر و العبر و جميل الثناء و محمود الأثر و نحو ذلك .


و الجدال هو الحجة التي تستعمل لفتل الخصم عما يصر عليه و ينازع فيه من غير أن يريد به ظهور الحق بالمؤاخذة عليه من طريق ما يتسلمه هو و الناس أو يتسلمه هو وحده في قوله أو حجته .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :372


فينطبق ما ذكره تعالى من الحكمة و الموعظة و الجدال بالترتيب على ما اصطلحوا عليه في فن الميزان بالبرهان و الخطابة و الجدل .


غير أنه سبحانه قيد الموعظة بالحسنة و الجدال بالتي هي أحسن ، ففيه دلالة على أن من الموعظة ما ليست بحسنة و من الجدال ما هو أحسن و ما ليسبأحسن و لا حسن و الله تعالى يأمر من الموعظة بالموعظة الحسنة و من الجدال بأحسنه .


و لعل ما في ذيل الآية من التعليل بقوله : « إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين» يوضح وجه التقييد ، فمعناه أنه سبحانه أعلم بحال أهل الضلال في دينه الحق ، و هو أعلم بحال المهتدين فيه فهو يعلم أن الذي ينفع في هذا السبيل هو الحكمة و الموعظة الحسنة و الجدال الأحسن لا غير .


و الاعتبار الصحيح يؤيد ذلك فإن سبيله تعالى هو الاعتقاد الحق و العمل الحق و من المعلوم أن الدعوة إليه بالموعظة مثلا ممن لا يتعظ بما يعظ به دعوة عملا إلى خلاف ما يدعو إليه القول ، و الدعوة إليه بالمجادلة مثلا بالمسلمات الكاذبة التي يتسلمها الخصم لإظهار الحق إحياء لحق بإحياء باطل و إن شئت فقل إحياء حق بإماتة حق إلا أن يكون الجدال على سبيل المناقضة .


و من هنا يظهر أن حسن الموعظة إنما هو من حيث حسن أثره في الحق الذي يراد به بأن يكون الواعظ نفسه متعظا بما يعظ و يستعمل فيها من الخلق الحسن ما يزيد في وقوعها من قلب السامع موقع القبول فيرق له القلب و يقشعر به الجلد و يعيه السمع و يخشع له البصر .


و يتحرز المجادل مما يزيد في تهييج الخصم على الرد و العناد و سوقه إلى المكابرة و اللجاج ، و استعمال المقدمات الكاذبة و إن تسلمها الخصم إلا في المناقضة و يحترز سوء التعبير و الإزراء بالخصم و بما يقدسه من الاعتقاد و السب و الشتم و أي جهالة أخرى فإن في ذلك إحياء للحق بإحياء الباطل أي إماتة الحق كما عرفت .


و الجدال أحوج إلى كمال الحسن من الموعظة و لذلك أجاز سبحانه من الموعظة حسنتها و لم يجز من المجادلة إلا التي هي أحسن .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :373


ثم إن في قوله : « بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن» أخذا بالترتيب من حيث الأفراد فالحكمة مأذون فيها بجميع أفرادها ، و الموعظة منقسمة إلى حسنة و غير حسنة و المأذون فيها منهما هي الموعظة الحسنة ، و المجادلة منقسمة إلى حسنة و غير حسنة ثم الحسنة إلى التي هي أحسن و غيرها و المأذون فيها منها التي هي أحسن ، و الآية ساكتة عن توزيع هذه الطرق بحسب المدعوين بالدعوة فالملاك في استعمالها من حيث المورد حسن الأثر و حصول المطلوب و هو ظهور الحق .


فمن الجائز أن يستعمل في مورد جميع الطرق الثلاث و في آخر طريقان أو طريق واحد حسب ما تستدعيه الحال و يناسب المقام .


و منه يظهر أن قول بعضهم إن ظاهر الآية أن يجمع (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في دعوته بين الطرق الثلاث ليس في محله إذ لا دليل على لزوم الجمع بينها بالنسبة إلى كل مدعو و أما بالنسبة إلى جميع المدعوين فهو حاصل .


و كذا ما ذكره بعضهم أن الطرق الثلاث المذكورة في الآية مترتبة حسب ترتب أفهام الناس في استعدادها لقبول الحق فمن الناس الخواص و هم أصحاب النفوس المشرقة القوية الاستعداد لإدراك الحقائق العقلية و شديدة الانجذاب إلى المبادى‏ء العالية و كثيرة الألفة بالعلم و اليقين فهؤلاء يدعون بالحكمة و هي البرهان .


و منهم عوام و هم أصحاب نفوس كدرة و استعداد ضعيف مع شدة ألفتهم بالمحسوسات و قوة تعلقهم بالرسوم و العادات قاصرة عن تلقي البراهين من غير أن يكونوا معاندين للحق و هؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة .


و منهم أصحاب العناد و اللجاج الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق و يكابرون ليطفئوا نور الله بأفواههم رسخت في نفوسهم الآراء الباطلة ، و غلب عليهم تقليد أسلافهم في مذاهبهم الخرافية لا ينفعهم المواعظ و العبر ، و لا يهديهم سائق البراهين و هؤلاء هم الذين أمر بمجادلتهم بالتي هي أحسن .


و فيه أنه لا يخلو من دقة لكن لا ينتج اختصاص كل طريق بما يناسبه من مرتبة الفهم فربما انتفع الخواص بالموعظة و المجادلة و ربما انتفعت العوام و هم ألفاء العادات و الرسوم بالمجادلة بالتي هي أحسن ، و لا دلالة في لفظ الآية على ما ذكر من التخصيص .



الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :374


و كذا ما ذكره بعضهم أن المجادلة بالتي هي أحسن ليست من الدعوة في شي‏ء بل الغرض منها شي‏ء آخر مغاير لها و هو الإلزام و الإفحام .


قال : و لذلك لم يعطف الجدال في الآية على ما تقدمه بل غير السياق و قيل : « و جادلهم بالتي هي أحسن» . و فيه غفلة عن حقيقة القياس الجدلي فالإفحام و إن كان غاية للقياس الجدلي لكنه ليسغاية دائمية فكثيرا ما يتألف قياس من مقدمات مقبولة أو مسلمة و خاصة في الأمور العملية و العلوم غير اليقينية كالفقه و الأصول و الأخلاق و الفنون الأدبية و لا يراد به الإلزام و الإفحام .


على أن في الإلزام و الإفحام دعوة كما أن في الموعظة دعوة و إن اختلفت صورتها باختلاف الطرق نعم تغيير السياق لما في الجدال من معنى المنازعة و المغالبة .


قوله تعالى : « و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين» قال في المفردات ، العقوبة و العقاب و المعاقبة تختص بالعذاب ، انتهى .


و الأصل في معناه العقب و هو مؤخر الرجل و عقيب الشي‏ء و عاقبة الأمر ما يليه من ورائه أو آخره ، و التعقيب الإتيان بشي‏ء عقيب شي‏ء و معاقبتك غيرك أن تأتي بما يسوءه عقيب إتيانه بما يسوءك فينطبق على المجازاة و المكافأة بالعذاب .


فقوله : « و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به» الخطاب فيه للمسلمين - على ما يفيده السياق - و لازمه أن يكون المراد بالمعاقبة مجازاة المشركين و الكفار ، و بقوله : « عوقبتم به» عقاب الكفار إياهم و مجازاتهم لهم بما آمنوا بالله و رفضوا آلهتهم .


و المعنى : و إن أردتم مجازاة الكفار و عذابهم فجازوهم على ما فعلوا بكم بمثل ما عذبوكم به مجازاة لكم على إيمانكم و جهادكم في الله .


و قوله : « و لئن صبرتم لهو خير للصابرين» أي صبرتم على مر ما عوقبتم به و لم تعاقبوا و لم تكافئوا لهو خير لكم بما أنكم صابرون لما فيه من إيثار رضا الله و ثوابه فيما أصابكم من المحنة و المصيبة على رضا أنفسكم بالتشفي بالانتقام فيكون العمل خالصا لوجهه الكريم ، و لما في الصفح و العفو من إعمال الفتوة و لها آثارها الجميلة .


قوله تعالى : « و اصبر و ما صبرك إلا بالله» إلى آخر الآية أمر للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالصبر و بشرى له أن الله قواه على الصبر على مر ما يلقاه في سبيله فإنه تعالى يذكر أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :375


صبره إنما هو بحول و قوة من ربه ثم يأمره بالصبر و لازم الأمر قدرة المأمور على المأمور به ففي قوله : « و ما صبرك إلا بالله» إشارة إلى أن الله قواك على ما أمرك به .


و قوله : « و لا تحزن عليهم» أي على الكافرين ، لكفرهم و قد تقدم تفسير هذا المعنى سابقا في السورة و غيرها .


و قوله : « و لا تك في ضيق مما يمكرون» الظاهر أن المراد النهي عن التحرج من مكرهم في الحال أو على سبيل الاستمرار دون مجرد الاستقبال .


قوله تعالى : « إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون» أي إن التقوى و الإحسان كل منهما سبب مستقل في موهبة النصرة الإلهية و إبطال مكر أعداء الدين و دفع كيدهم فالآية تعليل لقوله : « و لا تك في ضيق مما يمكرون» و وعد بالنصر .


و هذه الآيات الثلاث أشبه مضمونا بالآيات المدنية منها بالمكية و قد وردت روايات من طرق الفريقين أنها نزلت في منصرف النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن أحد و سيأتي في البحث الروائي و إن كان من الممكن توجيه اتصالها بما قبلها بوجه كما تصدى له بعضهم .


و مما يجب أن يتنبه له أن الآية التي قبل الثلاثة أجمع لغرض السورة من هذه الثلاث ، و أن لآيات السورة مع الإغماض عن قوله : « و الذين هاجروا» الآية ، و قوله : « من كفر بالله من بعد إيمانه» إلى تمام بضع آيات ، و قوله : « و إن عاقبتم» إلى آخر السورة ، سياقا واحدا متصلا .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و ضرب الله مثلا» الآية ، قال : قال (عليه‏السلام‏) نزلت في قوم كان لهم نهر يقال له الثرثار و كانت بلادهم خصبة كثيرة الخير ، و كانوا يستنجون بالعجين و يقولون : هو ألين لنا ، فكفروا بأنعم الله و استخفوا فحبس الله عنهم الثرثار فجدبوا حتى أحوجهم الله إلى أكل ما يستنجون به حتى كانوا يتقاسمون عليه : أقول و رواه في الكافي ، عنه بإسناده عن عمرو بن شمر عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) مفصلا ، و العياشي عن حفص و زيد الشحام عنه


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :376


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ما من عبد يشهد له أمة إلا قبل الله شهادتهم ، و الأمة الرجل فما فوقه إن الله يقول : « إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا و لم يك من المشركين» .


أقول : و قد تقدم في تفسير آيات الشهادة ما له تعلق بالحديث .


و في تفسير العياشي ، عن سماعة بن مهران قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : لقد كانت الدنيا و ما كان فيها إلا واحد يعبد الله و لو كان معه غيره لأضافه إليه حيث يقول : « إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا - و لم يك من المشركين» فصبر بذلك ما شاء الله ثم إن الله تبارك و تعالى آنسه بإسماعيل و إسحاق فصاروا ثلاثة : أقول : و رواه في الكافي بإسناده عن سماعة عن عبد صالح . و في الدر المنثور ، أخرج الشافعي في الأم و البخاري و مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا و أوتيناه من بعدهم ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يوم الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا و النصارى بعد غد : أقول : و روي مثله عن أحمد و مسلم عن أبي هريرة و حذيفة عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : و لم ترد الرواية في تفسير الآية .


و فيه ، أخرج ابن مردويه عن أبي ليلى الأشعري أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : تمسكوا بطاعة أئمتكم و لا تخالفوهم فإن طاعتهم طاعة الله و معصيتهم معصية الله فإن الله إنما بعثني أدعو إلى سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة فمن خالفني في ذلك فهو من الهالكين و قد برئت منه ذمة الله و ذمة رسوله و من ولي من أمركم شيئا فعمل بغير ذلك فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين . و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و جادلهم بالتي هي أحسن» قال : قال (عليه‏السلام‏) : بالقرآن . و في الكافي ، عنه بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة - و جادلهم بالتي هي أحسن» ، قال بالقرآن .


الميزان في تفسير القرآن ج : 12ص :377


أقول : ظاهره أنه تفسير « بالتي هي أحسن» و محصله الجدال على سنة القرآن الذي فيه أدب الله .


و في تفسير العياشي ، عن الحسن بن حمزة قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : لما رأى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما صنع بحمزة بن عبد المطلب قال اللهم لك الحمد و إليك المشتكى و أنت المستعان على ما أرى ثم قال : لئن ظفرت لأمثلن و لأمثلن و لأمثلن قال : فأنزل الله : « و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به - و لئن صبرتم لهو خير للصابرين فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أصبر أصبر و في الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يوم قتل حمزة و مثل به : لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين رجلا منهم ، فأنزل الله : « و إن عاقبتم» الآية ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : بل نصبر يا رب فصبر و نهى عن المثلة .


أقول : و روي أيضا ما في معناه عن أبي بن كعب و أبي هريرة و غيرهما عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


تم و الحمد لله.

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :