امروز:
شنبه 1 مهر 1396
بازدید :
696
تفسيرالميزان : سوره اسراء آيات 55- 23


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :78


وَ قَضى رَبُّك أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسناًإِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَك الْكبرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل لهَُّمَا أُفٍ وَ لا تَنهَرْهُمَا وَ قُل لَّهُمَا قَوْلاً كرِيماً(23) وَ اخْفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ‏ِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُل رَّب ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانى صغِيراً(24) رَّبُّكمْ أَعْلَمُ بِمَا فى نُفُوسِكمْإِن تَكُونُوا صلِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلأَوَّبِينَ غَفُوراً(25) وَ ءَاتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسكِينَ وَ ابْنَ السبِيلِ وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً(26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوَنَ الشيَطِينِوَ كانَ الشيْطنُ لِرَبِّهِ كَفُوراً(27) وَ إِمَّا تُعْرِضنَّ عَنهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّك تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسوراً(28) وَ لا تجْعَلْ يَدَك مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِك وَ لا تَبْسطهَا كلَّ الْبَسطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً محْسوراً(29) إِنَّ رَبَّك يَبْسط الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ وَ يَقْدِرُإِنَّهُ كانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيراً(30) وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشيَةَ إِمْلَقٍنحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكمْإِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطئاً كَبِيراً(31) وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنىإِنَّهُ كانَ فَحِشةً وَ ساءَ سبِيلاً(32) وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتى حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقّ‏ِوَ مَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سلْطناً فَلا يُسرِف فى الْقَتْلِإِنَّهُ كانَ مَنصوراً(33) وَ لا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتى هِىَ أَحْسنُ حَتى يَبْلُغَ أَشدَّهُوَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِإِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسئُولاً(34) وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كلْتُمْ وَ زِنُوا بِالْقِسطاسِ الْمُستَقِيمِذَلِك خَيرٌ وَ أَحْسنُ تَأْوِيلاً(35) وَ لا تَقْف مَا لَيْس لَك بِهِ عِلْمٌإِنَّ السمْعَ وَ الْبَصرَ وَ الْفُؤَادَ كلُّ أُولَئك كانَ عَنْهُ مَسئُولاً(36) وَ لا تَمْشِ فى الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّك لَن تخْرِقَ الأَرْض وَ لَن تَبْلُغَ الجِْبَالَ طولاً(37) كلُّ ذَلِك كانَ سيِّئُهُ عِندَ رَبِّك مَكْرُوهاً(38) ذَلِك مِمَّا أَوْحَى إِلَيْك رَبُّك مِنَ الحِْكْمَةِوَ لا تجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ فَتُلْقَى فى جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً(39)


بيان


عدة من كليات الدين يذكرها الله سبحانه وهي تتبع قوله قبل آيات« إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم » الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :79


قوله تعالى :« و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه »« لا تعبدوا » إلخ ، نفي و استثناء و« أن » مصدرية و جوز أن يكون نهيا و استثناء و أن مصدرية أو مفسرة ، و على أي حال ينحل مجموع المستثنى و المستثنى منه إلى جملتين كقولنا : تعبدونه و لا تعبدون غيره و ترجع الجملتان بوجه آخر إلى حكم واحد و هو الحكم بعبادته عن إخلاص .


و القول سواء كان منحلا إلى جملتين أو عائدا إلى جملة واحدة متعلق القضاء و هو القضاء التشريعي المتعلق بالأحكام و القضايا التشريعية ، و يفيد معنى الفصل و الحكم القاطع المولوي ، و هو كما يتعلق بالأمر يتعلق بالنهي و كما يبرم الأحكام المثبتة يبرم الأحكام المنفية ، و لو كان بلفظ الأمر فقيل : و أمر ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ، لم يصح إلا بنوع من التأويل و التجوز .


و الأمر بإخلاص العبادة لله سبحانه أعظم الأوامر الدينية و الإخلاص بالعبادة أوجب الواجبات كما أن معصيته و هو الشرك بالله سبحانه أكبر الكبائر الموبقة ، قال تعالى :« إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء » : النساء : 48 .


وإليه يعود جميع المعاصي بحسب التحليل إذ لو لا طاعة غير الله من شياطين الجن و الإنس و هوى النفس و الجهل لم يقدم الإنسان على معصية ربه فيما أمره به أو نهاه عنه و الطاعة عبادة قال تعالى :« أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان » : يس : 60 ، و قال :« أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه » : الجاثية : 23 ، حتى أن الكافر المنكر للصانع مشرك بإلقائه زمام تدبير العالم إلى المادة أو الطبيعة أو الدهر أو غير ذلك و هو مقر بسذاجة فطرته بالصانع تعالى .


و لعظم أمر هذا الحكم قدمه على سائر ما عد من الأحكام الخطيرة شأنا كعقوق الوالدين و منع الحقوق المالية و التبذير و قتل الأولاد و الزنا و قتل النفس المحترمة و أكل مال اليتيم و نقض العهد و التطفيف في الوزن و اتباع غير العلم و الكبير ثم ختمها بالنهي ثانيا عن الشرك .


قوله تعالى :« و بالوالدين إحسانا » عطف على سابقه أي و قضى ربك بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا أو أن أحسنوا بالوالدين إحسانا و الإحسان في الفعل يقابل الإساءة .


و هذا بعد التوحيد لله من أوجب الواجبات كما أن عقوقهما أكبر الكبائر بعد الشرك


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :80


بالله ، و لذلك ذكره بعد حكم التوحيدو قدمه على سائر الأحكام المذكورة المعدودة و كذلك فعل في عدة مواضع من كلامه .


و قد تقدم في نظير الآية من سورة الأنعام - الآية 151 من السورة - أن الرابطة العاطفية المتوسطة بين الأب و الأم من جانب و الولد من جانب آخر من أعظم ما يقوم به المجتمع الإنساني على ساقه ، و هي الوسيلة الطبيعية التي تمسك الزوجين على حال الاجتماع فمن الواجب بالنظر إلى السنة الاجتماعية الفطرية أن يحترم الإنسان والديه بإكرامهما و الإحسان إليهما ، و لو لم يجر هذا الحكم و هجر المجتمع الإنساني بطلت العاطفة و الرابطة للأولاد بالأبوين و انحلبه عقد الاجتماع .


قوله تعالى :« إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما و قل لهما قولا كريما »« إما » مركب من« إن » الشرطية و« ما » الزائدة و هي المصححة لدخول نون التأكيد على فعل الشرط ، و الكبر هو الكبر في السن و أف كلمة تفيد الضجر و الانزجار ، و النهر هو الزجر بالصياح و رفع الصوت و الإغلاظ في القول .


و تخصيص حالة الكبر بالذكر لكونها أشق الحالات التي تمر على الوالدين فيحسان فيها الحاجة إلى إعانة الأولاد لهما و قيامهم بواجبات حياتيهما التي يعجزان عن القيام بها ، و ذلك من آمال الوالدين التي يأملانها من الأولاد حين يقومان بحضانتهم و تربيتهم في حال الصغر و في وقت لا قدرة لهم على شي‏ء من لوازم الحياة و واجباتها .


فالآية تدل على وجوب إكرامهما و رعاية الأدب التام في معاشرتهما و محاورتهما في جميع الأوقات و خاصة في وقت يشتد حاجتهما إلى ذلك و هو وقت بلوغ الكبر من أحدهما أو كليهما عند الولد و معنى الآية ظاهر .


قوله تعالى :« و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة و قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا » خفض الجناح كناية عن المبالغة في التواضع و الخضوع قولا و فعلا مأخوذ من خفض فرخ الطائر جناحهليستعطف أمه لتغذيته ، و لذا قيده بالذل فهو دأب أفراخ الطيور إذا أرادت الغذاء من أمهاتها ، فالمعنى واجههما في معاشرتك و محاورتك مواجهة يلوج منها تواضعك و خضوعك لهما و تذللك قبالهما رحمة بهما .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص : 81


هذا إن كان الذل بمعنى المسكنة و إن كان بمعنى المطاوعة فهو مأخوذ من خفض الطائر جناحه ليجمع تحته أفراخه رحمة بها و حفظا لها .


و قوله :« و قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا » أي اذكر تربيتهما لك صغيرا فادع الله سبحانه أن يرحمهما كما رحماك و ربياك صغيرا .


قال في المجمع ، : و في هذا دلالة على أن دعاء الولد لوالده الميت مسموع و إلا لم يكن للأمر به معنى .


انتهى .


و الذي يدل عليه كون هذا الدعاء في مظنة الإجابة و هو أدب ديني ينتفع به الولد و إن فرض عدم انتفاع والديه به على أن وجه تخصيص استجابة الدعاء بالوالد الميت غير ظاهر و الآية مطلقة .


قوله تعالى :« ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا » السياق يعطي أن تكون الآية متعلقة بما تقدمها من إيجاب إحسان الوالدين و تحريم عقوقهما ، و على هذا فهي متعرضة لما إذا بدرت من الولد بادرة في حق الوالدين من قول أو فعل يتأذيان به ، و إنما لم يصرح به للإشارة إلى أن ذلك مما لا ينبغي أن يذكر كما لا ينبغي أن يقع .


فقوله :« ربكم أعلم بما في نفوسكم » أي أعلم منكم به ، و هو تمهيد لما يتلوه من قوله :« إن تكونوا صالحين » فيفيد تحقيق معنى الصلاح أي إن تكونوا صالحين و علم الله من نفوسكم ذلك فإنه كان إلخ ، و قوله :« فإنه كان للأوابين غفورا » أي للراجعين إليه عند كل معصية و هو من وضع البيان العام موضع الخاص .


و المعنى : إن تكونوا صالحين و علم الله من نفوسكم و رجعتم و تبتم إليه في بادرة ظهرت منكم على والديكم غفر الله لكم ذلك إنه كان للأوابين غفورا .


قوله تعالى :« و آت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل » تقدم الكلام فيه في نظائره ، و بالآية يظهر أن إيتاء ذي القربى و المسكين و ابن السبيل مما شرع قبل الهجرة لأنها آية مكية من سورة مكية .


قوله تعالى :« و لا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين و كان الشيطان


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :82


لربه كفورا » قال في المجمع ، : التبذير التفريق بالإسراف ، و أصله أن يفرق كما يفرق البذر إلا أنه يختص بما يكون على سبيل الإفساد ، و ما كان على وجه الإصلاح لا يسمى تبذيرا و إن كثر .


انتهى .


و قوله :« إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين » تعليل للنهي عن التبذير ، و المعنى لا تبذر إنك إن تبذر كنت من المبذرين و المبذرون إخوان الشياطين ، و كأن وجه المواخاة بينهم أن الواحد منهم يصير ملازما لشيطانه و بالعكس كالأخوين الذين هما شقيقان متلازمان في أصلهما الواحد كما يشير إليه قوله تعالى :« و قيضنا لهم قرناء » : حم السجدة : 25 ، و قوله :« احشروا الذين ظلموا و أزواجهم » : الصافات : 22 أي قرناءهم : و قوله :« و إخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون » : الأعراف : 202 .


و من هنا يظهر أن تفسير من فسر الآية بأنهم قرناء الشياطين أحسن من قول من قال : المعنى أنهم اتباع الشياطين سالكون سبيلهم .


و أما قوله :« و كان الشيطان لربه كفورا » فالمراد بالشيطان فيه هو إبليس الذي هو أبو الشياطين و هم ذريته و قبيله و اللام حينئذ للعهد الذهني و يمكن أن يكون اللام للجنس و المراد به جنس الشيطان و على أي حال كونه كفورا لربه من جهة كفرانه بنعم الله حيث إنه يصرف ما آتاه من قوة و قدرة و استطاعة في سبيل إغواء الناس و حملهم على المعصية و دعوتهم إلى الخطيئة و كفران النعمة .


و قد ظهرت مما تقدم النكتة في جمع الشيطان أولا و إفراده ثانيا فإن الاعتبار أولا بأن كل مبذر أخو شيطانه الخاص فالجميع إخوان للشياطين و الاعتبار ثانيا بإبليس الذي هو أبو الشياطين أو بجنس الشيطان .


قوله تعالى :« و إما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا » أصله إن تعرض عنهم و« ما » زائدة للتأكيد و النون للتأكيد .


و السياق يشهد بأن الكلام في إنفاق الأموال فالمراد بقوله :« و إما تعرضن عنهم » الإعراض عمن سأله شيئا من المال ينفقه له و يسد به خلته و ليس المراد به كل إعراض كيف اتفق بل الإعراض عند ما ليس عنده شي‏ء من المال يبذله له و ليس بآيس من


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :83


وجدانه بدليل قوله :« ابتغاء رحمة من ربك ترجوها » أي كنت تعرض عنهم لا لكونك مليئا بالمال شحيحا به ، و لا لأنك فاقد له آيس من حصوله بل لأنك فاقد له مبتغ و طالب لرحمة من ربك ترجوها يعني الرزق .


و قوله :« فقل لهم قولا ميسورا » أي سهلا لينا أي لا تغلظ في القول و لا تجف في الرد كما قال تعالى :« و أما السائل فلا تنهر » : الضحى : 10 بل رده بقول سهل لين .


قال في الكشاف ، : و قوله :« ابتغاء رحمة من ربك » إما أن يتعلق بجواب الشرط مقدما عليه أي فقل لهم قولا سهلا لينا و عدهم وعدا جميلا رحمة لهم و تطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك أي ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم ، و إما أن يتعلق بالشرط أي و إن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك - فسمى الرزق رحمة - فردهم ردا جميلا فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء و الابتغاء مسببا عنه فوضع المسبب موضع السبب .


انتهى .


قوله تعالى :« و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا » جعل اليد مغلولة إلى العنق كناية عن الإمساك كمن لا يعطي و لا يهب شيئا لبخله و شح نفسه ، و بسط اليد كل البسط كناية عن إنفاق الإنسان كل ما في وجده بحيث لا يبقى شيئا كمن يبسط يده كل البسط بحيث لا يستقر عليها شي‏ء ففي الكلام نهي بالغ عن التفريط و الإفراط في الإنفاق .


و قوله :« فتقعد ملوما محسورا » متفرع على قوله :« و لا تبسطها » إلخ و الحسر هو الانقطاع أو العرى أي و لا تبسط يدك كل البسط حتى يتعقب ذلك أن تقعد ملوما لنفسك و غيرك منقطعا عن واجبات المعاش أو عريانا لا تقدر على أن تظهر للناس و تعاشرهم و تراودهم .


و قيل : إن قوله :« فتقعد ملوما محسورا » متفرع علىالجملتين لا على الجملة الأخيرة فحسب و المعنى إن أمسكت قعدت ملوما مذموما و إن أسرفت بقيت متحسرا مغموما .


و فيه أن كون قوله :« و لا تبسطها كل البسط » ظاهرا في النهي عن التبذير و الإسراف غير معلوم و كذا كون إنفاق جميع المال في سبيل الله إسرافا و تبذيرا غير ظاهر و إن كان منهيا عنه بهذه الآية كيف و من المأخوذ في مفهوم التبذير أن يكون على


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :84


وجه الإفساد ، و وضع المال و لو كان كثيرا أو جميعه في سبيل الله و إنفاقه على من يستحقه ليس بإفساد له ، و لا وجه للتحسر و الغم علىما لم يفسد و لا أفسد .


قوله تعالى :« إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر أنه كان بعباده خبيرا بصيرا » ظاهر السياق أن الآية في مقام التعليل لما تقدم في الآية السابقة من النهي عن الإفراط و التفريط في إنفاق المال و بذله .


و المعنى : أن هذا دأب ربك و سنته الجارية يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر لمن يشاء فلا يبسطه كل البسط و لا يمسك عنه كل الإمساك رعاية لمصلحة العباد إنه كان بعباده خبيرا بصيرا و ينبغي لك أن تتخلق بخلق الله و تتخذ طريق الاعتدال و تتجنب الإفراط و التفريط .


و قيل : إنها تعليل على معنى أن ربك يبسط و يقبض ، و ذلك من الشئون الإلهية المختصة به تعالى ، و ليس لك أن تتصف به و الذي عليك أن تقتصد من غير أن تعدل عنه إلى إفراط أو تفريط ، و قيل في معنى التعليل غير ذلك ، و هي وجوه بعيدة .


قوله تعالى :« و لا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم و إياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا » الإملاق الفاقة و الفقر ، و قال في المفردات ، : الخطأ العدول عن الجهة و ذلك أضرب : أحدها أن تريد غير ما تحسن إرادته و فعله ، و هذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان يقال : خطى‏ء يخطأ و خطأة ، قال تعالى :« إن قتلهم كان خطأ كبيرا » و قالو إن كنا لخاطئين » و الثاني أن يريد ما يحسن فعله و لكن يقع منه خلاف ما يريد فيقال : أخطأ إخطاء فهو مخطى‏ء و هذا قد أصاب في الإرادة و أخطأ في الفعل ، و هذا المعنى بقوله :« و من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة » ، و الثالث أن يريد ما لا يحسن فعله و يتفق منه خلافه فهذا مخطى‏ء في الإرادة مصيب في الفعل فهو مذموم بقصده غير محمود على فعله .


و جملة الأمر أن من أراد شيئا فاتفق منه غيره يقال : أخطأ ، و إن وقع منه كما أراده يقال : أصاب ، و قد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن أو أراد إرادة لا يجمل : أنه أخطأ ، و لذا يقال : أصاب الخطأ و أخطأ الصواب و أصاب الصواب و أخطأ الخطأ


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :85


و هذه اللفظة مشتركة كما ترى مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها .


انتهى بتلخيص .


و في الآية نهي شديد عن قتل الأولاد خوفا من الفقر و الحاجة و قوله« نحن نرزقهم و إياكم » تعليل للنهي و تمهيد لقوله بعده :« إن قتلهم كان خطأ كبيرا » .


و المعنى و لا تقتلوا أولادكم خوفا من أن تبتلوا بالفقر و الحاجة فيؤديهم ذلك إلى ذل السؤال أو ازدواج بناتكم من غير الأكفاء أو غير ذلك مما يذهب بكرامتكم فإنكم لستم ترزقونهم حتى تفقدوا الرزق عند فقركم و إعساركم بل نحن نرزقهم و إياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا .


و قد تكرر في كلامه تعالى النهي عن قتل الأولاد خوفا من الفقر و خشية من الإملاق ، و هو مع كونه من قتل النفس المحترمة التي يبالغ كلامه تعالى في النهي عنه إنما أفرد بالذكر و اختص بنهي خاص لكونه من أقبح الشقوة و أشد القسوة ، و لأنهم - كما قيل - كانوا يعيشون في أراضي يكثر فيها السنة و يسرع إليها الجدب فكانوا إذا لاحت لوائح الفاقة و الإعسار بجدب و غيره بادروا إلى قتل الأولاد خوفا من ذهاب الكرامة و العزة .


و في الكشاف ، : قتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم كانوا يأدونهن خشية الفاقة و هي الإملاق فنهاهم الله و ضمن لهم أرزاقهم انتهى ، و الظاهر خلاف ما ذكره و أن الآيات المتعرضة لوأد البنات آيات خاصة تصرح به و بحرمته كقوله تعالى :« و إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت » : التكوير : 9 ، و قوله :« و إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا فهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أ يمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون » : النحل : 59 .


و أما الآية التي نحن فيها و أترابها فإنها تنهى عن قتل الأولاد خشية إملاق ، و لا موجب لحمل الأولادعلى البنات مع كونه أعم ، و لا حمل الهون على خوف الفقر مع كونهما متغايرين فالحق أن الآية تكشف عن سنة سيئة أخرى غير وأد البنات دفعا للهون و هي قتل الأولاد من ذكر و أنثى خوفا من الفقر و الفاقة و الآيات تنهى عنه .


قوله تعالى :« و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة و ساء سبيلا » نهي عن الزنا و قد


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :86


بالغ في تحريمه حيث نهاهم عن أن يقربوه ، و علله بقوله :« إنه كان فاحشة » فأفاد أن الفحش صفة لازمة له لا يفارقه ، و قوله :« و ساء سبيلا » فأفاد أنه سبيل سي‏ء يؤدي إلى فساد المجتمع في جميع شئونه حتى ينحل عقده و يختل نظامه و فيه هلاك الإنسانية و قد بالغ سبحانه في وعيد من أتى به حيث قال في صفات المؤمنين :« و لا يزنون و من يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا إلا من تاب و آمن و عمل عملا صالحا » : الفرقان : 70 .


«كلام في حرمة الزنا »


و هو بحث قرآني اجتماعي .


من المشهود أن في كل من الزوجين من الإنسان أعني الذكر و الأنثى إذا أدرك و صحت بنيته ميلا غريزيا إلى الآخر و ليس ذلك مما يختص بالإنسان بل ما نجده من عامة الحيوان أيضا على هذه الغريزة الطبيعية .



و قد جهز بحسب الأعضاء و القوى بما يدعوه إلى هذا الاقتراب و التمايل و التأمل في نوع تجهيز الصنفين لا يدع ريبا في أن هذه الشهوة الطبيعية وسيلة تكوينية إلى التوالد و التناسل الذي هو ذريعة إلى بقاء النوع ، و قد جهز بأمور أخرى متممة لهذه البغية الطبيعية كحب الولد و تجهيز الأنثى من الحيوان ذي الثدي باللبن لتغذي طفلها حتى يستطيع التقام الغذاء الخشن و مضغه و هضمه فكل ذلك تسخير إلهي يتوسل به إلى بقاء النوع .


و لذلك نرى أن الحيوان مع عدم افتقاره إلى الاجتماع و المدنية لسذاجة حياته و قلة حاجته يهتدي حينا بعد حين بحسب غريزته إلى الاجتماع الزوجي - السفاد - ثم يلتزم الزوجان أو الأنثى منهما الطفل أو الفرخ و يتكفلان أو تتكفل الأنثى تغذيته و تربيته حتى يدرك و يستقل بإدارة رحى حياته .


و لذلك أيضا لم يزل الناس منذ ضبط التاريخ سيرهم و سننهم تجري فيهم سنة الازدواج التي فيها نوع من الاختصاص و الملازمة بين الرجل و المرأة لتجاب به داعية


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :87


الغريزة و يتوسل به إلى إنسال الذرية ، و هو أصل طبيعي لانعقاد المجتمع الإنساني فإن من الضروري أن الشعوب المختلفة البشرية على ما لها من السعة و الكثرةتنتهي إلى مجتمعات صغيرة منزلية انعقدت في سالف الدهور .


و ما مر من أن في سنة الازدواج شي‏ء من معنى الاختصاص هو المنشأ لما كان الرجال يعدون أهلهم إعراضا لأنفسهم و يرون الذب عن الأهل و صونها من تعرض غيرهم فريضة على أنفسهم كالذب عن أنفسهم أو أشد ، و الغريزة الهائجة إذ ذاك هي المسماة بالغيرة و ليست بالحسد و الشح .


و لذلك أيضا لم يزالوا على مر القرون و الأجيال يمدحون النكاح و يعدونه سنة حسنة ممدوحة ، و يستقبحون الزنا و هو المواقعة من غير علقة النكاح و يستشنعونه في الجملة و يعدونه إثما اجتماعيا و فاحشة أي فعلا شنيعا لا يجهر به و إن كان ربما وجد بين بعض الأقوام الهمجية في بعض الأحيان و على شرائط خاصة بين الحرائر و الشبان أو بين الفتيات من الجواري على ما ذكر في تواريخ الأمم و الأقوام .


و إنما استفحشوه و أنكروه لما يستتبعه من فساد الأنساب و قطع النسل و ظهور الأمراض التناسلية و دعوته إلى كثير من الجنايات الاجتماعية من قتل و جرح و سرقة و خيانة و غير ذلك و ذهاب العفة و الحياء و الغيرة و المودة و الرحمة .


غير أن المدنية الغربية الحديثة لابتنائها على التمتع التام من مزايا الحياة المادية و حرية الأفراد في غير ما تعتني به القوانين المدنية سواء فيه السنن القومية و الشرائع الدينية و الأخلاق الإنسانية أباحته إذا وقع من غير كره كيفما كان ، و ربما أضيف إلى ذلك بعض شرائط جزئية أخرى في موارد خاصة ، و لم تبال بما يستتبعه من وجوه الفساد عناية بحرية الأفراد فيما يهوونه و يرتضونه و القوانين الاجتماعية تراعي رأي الأكثرين .


فشاعت الفاحشة بين الرجال و النساء حتى عمت المحصنين و المحصنات و المحارم حتى كاد أن لا يوجد من لم يبتل به و كثر مواليدها كثرة كاد أن تثقل كفة الميزان و أخذت تضعف الأخلاق الكريمة التي كانت تتصف بها الإنسانية الطبيعية و ترتضيها لنفسه بتسنين سنة الازدواج من العفة و الغيرة و الحياء يوما فيوما حتى صار بعض هذه الفضائل أضحوكة و سخرية ، و لو لا أن في ذكر الشنائع بعض الشناعة ثم في خلال الأبحاث القرآنية


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :88


خاصة لأوردنا بعض ما نشرته المنشورات من الإحصاءات في هذا الباب .


و الشرائع السماوية على ما يذكره القرآن الكريم - و قد مرت الإشارة إلى ذلك في تفسير الآيات 151 - 153 من سورة الأنعام - تنهى عن الزنا أشد النهي و قد كان محرما في ملة اليهود و يستفاد من الأناجيل حرمته .


و قد نهي عنه في الإسلام و عد من المعاصي الكبيرة و أغلظ في التحريم في المحارم كالأم و البنت و الأخت و العمة و الخالة ، و في التحريم في الزنا ، مع الإحصان و هو زنا الرجل و له زوجة و المرأة ذات البعل ، و قد أغلظ فيما شرع له من الحد و هو الجلد مائة جلدة و القتل في المرة الثالثة أو الرابعة لو أقيم الحد مرتين أو ثلاثا و الرجم في الزنا مع الإحصان .


و قد أشار سبحانه إلى حكمة التحريم فيما نهى عنه بقوله :« و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة و ساء سبيلا » حيث عده أولا فاحشة ثم وصفه ثانيا بقوله :« و ساء سبيلا » و المراد - و الله أعلم - سبيل البقاء كما يستفاد من قوله :« ء إنكم لتأتون الرجال و تقطعون السبيل » : العنكبوت : 29 ، أي و تتركون إتيان النساء الذي هو السبيل فتنقطع بذلك و ليس إلا سبيلا للبقاء من جهة تسببه إلى تولد المواليد و بقاء النسل بذلك ، و من جهة أن الازدواج و عقد المجتمع المنزلي هو أقوى وسيلة يضمن بقاء المجتمع المدني بعد انعقاده .


فمع انفتاح باب الزنا لا تزال الرغبات تنقطع عن النكاح و الازدواج إذ لا يبقى له إلا محنة النفقة و مشقة حمل الأولاد و تربيتها و مقاساة الشدائد في حفظها و القيام بواجب حياتها و الغريزة تقنع من سبيل آخر من غير كد و تعب ، و هو مشهود من حال الشبان و الفتيات في هذه البلاد ، و قد قيل لبعضهم : لم لا تتزوج ؟ فقال : و ما أصنع بالازدواج و كل نساء البلد نسائي ، و لا يبقى حينئذ للازدواج و النكاح إلا شركة الزوجين في مساعي الحياة الجزئية غير التناسل كالشركة في تجارة أو عمل و يسرع إليهما الافتراق لأدنى عذر ، و هذا كله مشهود اليوم في المجتمعات الغربية .


و من هنا أنهم يعدون الازدواج شركة في الحياة منعقدة بين الزوجين الرجل و المرأة و جعلوها هي الغاية المطلوبة بالذات من الازدواج دون الإنسال و تهيئة الأولاد و لا إجابة


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :89


غريزة الميل الطبيعي بل عدوا ذلك من الآثار المترتبة عليه إن توافقا على ذلك و هذا انحراف عن سبيل الفطرة و التأمل في حال الحيوان على اختلاف أنواعه يهدي إلى أن الغاية المطلوبة منه عندها هو إرضاء الغريزة الهائجة و إنسال الذرية و كذا الإمعان في حال الإنسان أول ما يميل إلى ذلك يعطي أن الغاية القريبة الداعية إليه عنده هو إرضاء الغريزة و يعقبه طلب الولد .


و لو كانت الغريزة الإنسانية التي تدفعه إلى هذه السنة الطبيعية إنما تطلب الشركة في الحياة و التعاون على واجب المأكل و المشرب و الملبس و المسكن و ما هذا شأنه يمكن أن يتحقق بين رجلين أو بين امرأتين لظهر أثره في المجتمع البشري و استن عليه و لا أقل في بعض المجتمعات في طول تاريخ الإنسان و تزوج رجل برجل أحيانا أو امرأة بامرأة و لم تجر سنة الازدواج على وتيرة واحدة دائما و لم تقم هذه الرابطة بين طرفين أحدهما من الرجال و الآخر من النساء أبدا .


و من جهة أخرى أخذ مواليد الزنا في الإزدياد يوما فيوما يقطع منابت المودة و الرحمة و تعلق قلوب الأولاد بالآباء و يستوجب ذلك انقطاع المودة و الرحمة من ناحية الآباء بالنسبة إلى الأولاد و هجر المودة و الرحمة بين الطبقتين الآباء و الأولاد يقضي بهجر سنة الازدواج للمجتمع و فيه انقراضهم و هذا كله أيضا مما يلوح من المجتمعات الغربية .


و من التصور الباطل أن يتصور أن البشر سيوفق يوما أن يدير رحى مجتمعه بأصول فنية و طرق علمية من غير حاجة إلى الاستعانة بالغرائز الطبيعية فيهيأ يومئذ طبقة المواليد مع الاستغناء عن غريزة حب الأولاد بوضع جوائز تسوقهم إلى التوليد و الإنسال أو بغير ذلك كما هو معمول بعض الممالك اليوم فإن السنن القومية و القوانين المدنية تستمد في حياتها بما جهز به الإنسان من القوى و الغرائز الطبيعية فلو بطلت أو أبطلت انفصم بذلك عقد مجتمعه ، و هيئة المجتمع قائمة بأفراده و سننه مبنية على إجابتهم لها و رضاهم بها و كيف تجري في مجتمع سنة لا ترتضيها قرائحهم و لا تستجيبها نفوسهم ثم يدوم الأمر عليه .


فهجر الغرائز الطبيعية و ذهول المجتمع البشري عن غاياته الأصلية يهدد الإنسانية بهلاك سيغشاها و يهتف بأن أمامهم يوما سيتسع فيه الخرق على الراقع و إن كان اليوم لا


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :90


يحس به كل الإحساس لعدم تمام نمائه بعد .


ثم إن لهذه الفاحشة أثرا آخر سيئا في نظر التشريع الإسلامي وهو إفساده للأنساب و قد بني المناكح و المواريث في الإسلام عليها .


قوله تعالى :« و لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق » إلى آخر الآية نهي عن قتل النفس المحترمة إلا بالحق أي إلا أن يكون قتلا بالحق بأن يستحق ذلك لقود أو ردة أو لغير ذلك من الأسباب الشرعية ، و لعل في توصيف النفس بقوله :« حرم الله » من غير تقييد إشارة إلى حرمة قتل النفس في جميع الشرائع السماوية فيكون من الشرائع العامة كما تقدمت الإشارة إليه في ذيل الآيات 151 - 153 من سورة الأنعام .


و قوله :« و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا » المراد بجعل السلطان لوليه تسليطه شرعا على قتل قاتل وليه قصاصا و الضميران في« فلا يسرف » و« إنه » للولي ، و المراد بكونه منصورا هو التسليط الشرعي المذكور .


و المعنى و من قتل مظلوما فقد جعلنا بحسب التشريع لوليه و هو ولي دمه سلطنة على القصاص و أخذ الدية و العفو فلا يسرف الولي في القتل بأن يقتل غير القاتل أو يقتل أكثر من الواحد إنه كان منصورا أي فلا يسرف فيه لأنه كان منصورا فلا يفوته القاتل بسبب أنا نصرناه أو فلا يسرف اعتمادا على أنا نصرناه .


و ربما احتمل بعضهم رجوع الضمير في قوله :« فلا يسرف » إلى القاتل المدلول عليه بالسياق ، و في قوله :« إنه » إلى« من » و المعنى قد جعلنا لولي المقتول ظلما سلطنة فلا يسرف القاتل الأول بإقدامه على القتل ظلما فإن المقتول ظلما منصور من ناحيتنا لما جعلنا لوليه من السلطنة ، و هو معنى بعيد من السياق و دونه إرجاع ضمير« إنه » فقط إلى المقتول .


و قد تقدم كلام في معنى القصاص في ذيل قوله تعالى :« و لكم في القصاص حياة » : البقرة : 179 في الجزء الأول من الكتاب .


قوله تعالى :« و لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده » نهي


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :91


عن أكل مال اليتيم و هو من الكبائر التي أوعد الله عليها النار قال تعالى :« إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا » : النساء : 10 .


و في النهي عن الاقتراب مبالغة لإفادة اشتداد الحرمة .


و قوله :« إلا بالتي هي أحسن » أي بالطريقة التي هي أحسن و فيه مصلحة إنماء ماله ، و قوله :« حتى يبلغ أشده » هو أوان البلوغ و الرشد و عند ذلك يرتفع عنه اليتم فالتحديد بهذه الجملة لكون النهي عن القرب في معنى الأمر بالصيانة و الحفظ كأنه قيل : احتفظوا على ماله حتى يبلغ أشده فتردوه إليه ، و بعبارة أخرى الكلام في معنى قولنا : لا تقربوا مال اليتيم ما دام يتيما ، و قد تقدم بعض ما يناسب المقام في سورة الأنعام آية 152 .


قوله تعالى :« و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا » أي مسئول عنه و هو من الحذف و الإيصال السائغ في الكلام ، و قيل : المراد السؤال عن نفس العهد فإن من الجائز أن تتمثل الأعمال يوم القيامة فتشهد للإنسان أو عليه و تشفع له أو تخاصمه .


قوله تعالى :« و أوفوا الكيل إذا كلتم و زنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير و أحسن تأويلا » القسطاس بكسر القاف و ضمها هو الميزان قيل : رومي معرب و قيل : عربي ، و قيل مركب في الأصل من القسط و هو العدل و طاس و هو كفة الميزان و القسطاس المستقيم هو الميزان العادل لا يخسر في وزنه .


و قوله :« ذلك خير و أحسن تأويلا » الخير هو الذي يجب أن يختاره الإنسان إذا تردد الأمر بينه و بين غيره ، و التأويل هو الحقيقة التي ينتهي إليها الأمر ، و كون إيفاء الكيل و الوزن بالقسطاس المستقيم خيرا لما فيه من الاتقاء من استراق أموال الناس و اختلاسها من حيث لا يشعرون و جلب وثوقهم .


و كونهما أحسن تأويلا لما فيهما من رعاية الرشد و الاستقامة في تقديرالناس معيشتهم فإن معايشهم تقوم في التمتع بأمتعة الحياة على أصلين اكتساب الأمتعة الصالحة للتمتع و المبادلة على الزائد على قدر حاجتهم فهم يقدرون معيشتهم على قدر ما يسعهم أن يبذلوه من المال عينا أو قيمة ، و على قدر ما يحتاجون إليه من الأمتعة المشتراة فإذا


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :92


خسروا بالتطفيف و نقص الكيل و الوزن فقد اختلت عليهم الحياة من الجهتين جميعا ، و ارتفع الأمن العام من بينهم .


و أما إذا أقيم الوزن بالقسط فقد أطل عليهم الرشد و استقامت أوضاعهم الاقتصادية بإصابة الصواب فيما قدروا عليه معيشتهم و اجتلب وثوقهم إلى أهل السوق و استقر بينهم الأمن العام .


قوله تعالى :« و لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا » القراءة المشهورة« لا تقف » بسكون القاف و ضم الفاء من قفا يقفو قفوا إذا اتبعه و منه قافية الشعر لكونها في آخر المصراع تابعة لما تقدمها ، و قرى‏ء« لا تقف » بضم القاف و سكون الفاء من قاف بمعنى قفا ، و لذلك نقل عن بعض أهل اللغة أن قاف مقلوب قفا مثل جبذ مقلوب جذب ، و منه القيافة بمعنى اتباع أثر الأقدام .


و الآية تنهى عن اتباع ما لا علم به ، و هي لإطلاقها تشمل الاتباع اعتقادا و عملا ، و تتحصل في مثل قولنا : لا تعتقد ما لا علم لك به و لا تقل ما لا علم لك به و لا تفعل ما لا علم لك به لأن في ذلك كله اتباعا .


و في ذلك إمضاء لما تقضي به الفطرة الإنسانية و هو وجوب اتباع العلم و المنع عن اتباع غيره فإن الإنسان بفطرته الموهوبة لا يريد في مسير حياته باعتقاده أو عمله إلا أصابة الواقع و الحصول على ما في متن الخارج و المعلوم هو الذي يصح له أن يقول : إنه هو ، و أما المظنون و المشكوك و الموهوم فلا يصح فيها إطلاق القول بأنه هو فافهم ذلك .


و الإنسان بفطرته السليمة يتبع في اعتقاده ما يراه حقا و يجده واقعا في الخارج ، و يتبع في عمله ما يرى نفسه مصيبا في تشخيصه ، و ذلك فيما تيسر له أن يحصل العلم به ، و أما فيما لا يتيسر له العلم به كالفروع الاعتقادية بالنسبة إلى بعض الناس و غالب الأعمال بالنسبة إلى غالب الناس فإن الفطرة السليمة تدفعه إلى اتباع علم من له علم بذلك و خبرة باعتبار علمه و خبرته علما لنفسه فيئول اتباعه في ذلك بالحقيقة اتباعا لعلمه بأن له علما


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :93


و خبرة كما يرجع السالك و هو لا يعرف الطريق إلى الدليل لكن مع علمه بخبرته و معرفته ، و يرجع المريض إلى الطبيب و مثله أرباب الحوائج إلى مختلف الصناعات المتعلقة بحوائجهم إلى أصحاب تلك الصناعات .


و يتحصل من ذلك أنه لا يتخطى العلم في مسير حياته بحسب ما تهدي إليه فطرته غير أنه يعد ما يثق به نفسه و يطمئن إليه قلبه علما و إن لم يكن ذاك اليقين الذي يسمى علما في صناعة البرهان من المنطق .


فله في كل مسألة ترد عليه إما علم بنفس المسألة و إما دليل علمي بوجوب العمل بما يؤديه و يدل عليه ، و على هذا ينبغي أن ينزل قوله سبحانه« و لا تقف ما ليس لك به علم » فاتباع الظن عن دليل علمي بوجوب اتباعه اتباع للعلم كاتباع العلم في مورد العلم .


فيئول المعنى إلى أنه يحرم الاقتحام على اعتقاد أو عمل يمكن تحصيل العلم به إلا بعد تحصيل العلم ، و الاقتحام على ما لا يمكن فيه ذلك إلا بعد الاعتماد على دليل علمي يجوز الاقتحام و الورود و ذلك كأخذ الأحكام عن النبي و اتباعه و إطاعته فيما يأمر به و ينهى عنه عن قبل ربه و تناول المريض ما يأمر به الطبيب و الرجوع إلى أصحاب الصنائع فيما يرجع إلى صناعتهم فإن الدليل العلمي على عصمة النبي دليل علمي على مطابقة ما يخبر به أو ما يأمر به و ينهى عنه الواقع و أصابة من اتبعه الصواب، و الحجة العلمية على خبرة الطبيب في طبه و أصحاب الصناعات في صناعاتهم حجة علمية على أصابة من يرجع إليهم فيما يعمل به .


و لو لا كون الاقتحام على العمل عن حجة علمية على وجوب الاقتحام اقتحاما علميا لكانت الآية قاصرة عن الدلالة على مدلولها من رأس فإن الطريق إلى فهم مدلول الآية هو ظهورها اللفظي فيه ، و الظهور اللفظي من الأدلة الظنية غير أنه حجة عن دليل علمي و هو بناء العقلاء على حجيته فلو كان غير ما تعلق العلم به بعينه مما لا علم به مطلقا لكان اتباع الظهور و منه ظهور نفس الآية منهيا عنه بالآية و كانت الآية ناهية عن اتباع نفسه فكانت ناقضة لنفسها .


و من هنا يظهر اندفاع ما أورده بعضهم في المقام كما عن الرازي في تفسيره أن العمل بالظن كثير في الفروع فالتمسك بالآية تمسك بعام مخصوص و هو لا يفيد إلا الظن


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :94


فلو دلت على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت على أن التمسك بها غير جائز فالقول بحجيتها يقضي إلى نفيه و هو غير جائز .


و فيه أن الآية تدل على عدم جواز اتباع غير العلم بلا ريب غير أن موارد العمل بالظن شرعا موارد قامت عليها حجة علمية فالعمل فيها بالحقيقة إنما هو عمل بتلك الحجج العلمية و الآية باقية على عمومها من غير تخصص ، و لو سلم فالعمل بالعام المخصص فيما بقي من الأفراد سالمة عن التخصيص عمل بحجة عقلائية نظير العمل بالعام غير المخصص من غير فرق بينهما البتة .


و نظيره الاستشكال فيها بأن الطريق إلى فهم المراد من الآية هو ظهورها و الظهور طريق ظني فلو دلت الآية على حرمة اتباع غير العلم لدلت على حرمة الأخذ بظهور نفسها ، و لازمها حرمة العمل بنفسها .


و يرده ما تقدمت الإشارة إليه أن اتباع الظهور اتباع لحجة علمية عقلائية و هي بناء العقلاء على حجيته فليس اتباعه من اتباع غير العلم بشي‏ء .


و قوله :« إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا » تعليل للنهي السابق في قوله :« و لا تقف ما ليس لك به علم » .


و الظاهر المتبادر إلى الذهن ، أن الضميرين في« كان عنه » راجعان إلى« كل » فيكون« عنه » نائب فاعل لقوله :« مسؤلا » مقدما عليه كما ذكره الزمخشري في الكشاف ، أو مغنيا عن نائب الفاعل ، و قوله :« أولئك » إشارة إلى السمع و البصر و الفؤاد ، و إنما عبر عنها بأولئك المختص بالعقلاء لأن كون كل منها مسئولا عنه يجريه مجرى العقلاء و هو كثير النظير في كلامه تعالى .


و ربما منع بعضهم كون« أولئك » مختصا بالعقلاء استنادا إلى قول جرير : ذم المنازل بعد منزلة اللوى .


و العيش بعد أولئك الأيام .


و على ذلك فالمسئول هو كل من السمع و البصر و الفؤاد يسأل عن نفسه فيشهد للإنسان أو عليه كما قال تعالى :« و تكلمنا أيديهم و تشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون » : يس : 65 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :95


و اختار بعضهم رجوع ضمير« عنه » إلى« كل » و عود باقي الضمائر إلى القافي المدلول عليه في الكلام فيكون المسئول هو القافي يسأل عن سمعه و بصره و فؤاده كيف استعملها ؟ و فيما استعملها ؟ و عليه ففي الكلام التفات عن الخطاب إلى الغيبة ، و كان الأصل أن يقال : كنت عنه مسئولا .


و هو بعيد .


و المعنى : لا تتبع ما ليس لك به علم لأن الله سبحانه سيسأل عن السمع و البصر و الفؤاد و هي الوسائل التي يستعملها الإنسان لتحصيل العلم ، و المحصل من التعليل بحسب انطباقه على المورد أن السمع و البصر و الفؤاد إنما هي نعم آتاها الله الإنسان ليشخص بها الحق و يحصل بها على الواقع فيعتقد به و يبني عليه عمله و سيسأل عن كل منها هل أدرك ما استعمل فيه إدراكا علميا ؟ و هل اتبع الإنسان ما حصلته تلك الوسيلة من العلم ؟ .


فيسأل السمع هل كان ما سمعه معلوما مقطوعا به ؟ و عن البصر هل كان ما رآه ظاهرا بينا ؟ و عن الفؤاد هل كان ما فكره و قضى به يقينيا لا شك فيه ؟ و هي لا محالة تجيب بالحق و تشهد على ما هو الواقع فمن الواجب على الإنسان أن يتحرز عن اتباع ما ليس له به علم فإن الأعضاء و وسائل العلم التي معه ستسأل فتشهد عليه فيما اتبعه مما حصلته و لم يكن له به علم و لا يقبل حينئذ له عذر .


و مآله إلى نحو من قولنا : لا تقف ما ليس لك به علم فإنه محفوظ عليك في سمعك و بصرك و فؤادك ، و الله سائلها عن عملك لا محالة ، فتكون الآية في معنى قوله تعالى :« حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم بما كانوا يعملون - إلى أن قال - و ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم و لا أبصاركم و لا جلودكم و لكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين » : حم السجدة - 20 - 23 و غيرها من آيات شهادة الأعضاء .


غير أن الآية تزيد عليها بعد الفؤاد من الشهداء على الإنسان و هو الذي به يشعر الإنسان ما يشعر و يدرك ما يدرك ، و هو من أعجب ما يستفاد من آيات الحشر أن يوقف الله النفس الإنسانية فيسألها عما أدركت فتشهد على الإنسان نفسه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :96


و قد تبين أن الآية تنهى عن الإقدام على أمر مع الجهل به سواء كان اعتقادا مع الجهل أو عملا مع الجهل بجوازه و وجه الصواب فيه أو ترتيب أثر لأمر مع الجهل به و ذيلها يعلل ذلك بسؤاله تعالى السمع و البصر و الفؤاد ، و لا ضير في كون العلة أعم مما عللتها فإن الأعضاء مسئولة حتى عما إذا أقدم الإنسان مع العلم بعدم جواز الإقدام قال تعالى :« اليوم نختم على أفواههم و تكلمنا أيديهم و تشهد أرجلهم » الآية .


قال في المجمع ، في معنى قوله :« و لا تقف ما ليس لك به علم » : معناه لا تقل : سمعت و لم تسمع و لا رأيت و لم تر و لا علمت و لم تعلم عن ابن عباس و قتادة ، و قيل : معناه لا تقل في قفا غيرك كلاما أي إذا مر بك فلا تغتبه عن الحسن ، و قيل : هو شهادة الزور عن محمد بن الحنفية .


و الأصل أنه عام في كل قول أو فعل أو عزم يكون على غير علم فكأنه سبحانه قال : لا تقل إلا ما تعلم أنه يجوز أن يقال ، و لا تفعل إلا ما تعلم أنه يجوز أن يفعل و لا تعتقد إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يعتقد انتهى .


و فيه أن الذي ذكره أعم مما تفيده الآية فإنها تنهى عن اقتفاء ما لا علم به لا عن الاقتفاء إلامع العلم و الثاني أعم من الأول فإنه يشمل النهي عن الاقتفاء مع العلم بعدم الجواز لكن الأول إنما يشمل النهي عن الاقتفاء مع الجهل بوجه الاعتقاد أو العمل : و أما ما نقله من الوجوه في أول كلامه فالأحرى بها أن يذكر في تفسير التعليل بعنوان الإشارة إلى بعض المصاديق دون المعلل .


قوله تعالى :« و لا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض و لن تبلغ الجبال طولا » المرح شدة الفرح بالباطل - كما قيل - و لعل التقييد بالباطل للدلالة على خروجه عن حد الاعتدال فإن الفرح الحق هو ما يكون ابتهاجا بنعمة من نعم الله شكرا له و هو لايتعدى حد الاعتدال ، و أما إذا فرح و اشتد منه ذلك حتى خف عقله و ظهر آثاره في أفعاله و أقواله و قيامه و قعوده و خاصة في مشيه فهو من الباطل .


و قوله :« و لا تمش في الأرض مرحا » نهي عن استعظام الإنسان نفسه بأكثر مما هو عليه لمثل البطر و الأشر و الكبر و الخيلاء ، و إنما ذكر المشي في الأرض مرحا لظهور ذلك فيه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :97


و قوله :« إنك لن تخرق الأرض و لن تبلغ الجبال طولا » كناية عن أن فعالك هذا و أنت تريد به إظهار القدرة و القوة و العظمة إنما هو وهم تتوهمه فإن هناك ما هو أقوى منك لا يخترق بقدميك و هي الأرض و ما هو أطول منك و هي الجبال فاعترف بذلك أنك وضيع مهين فلا شي‏ء مما يبتغيه الإنسان و يتنافس فيه في هذه النشأة من ملك و عزة و سلطنة و قدرة و سؤدد و مال و غيرها إلا أمور وهمية لا حقيقة لها وراء الإدراك الإنساني سخر الله النفوس للتصديق بها و الاعتماد في العمل عليها لتعمير النشأة و تمام الكلمة ، و لو لا هذه الأوهام لم يعش الإنسان في الدنيا و لا تمت كلمته تعالى :« و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين » : البقرة : 36 .


قوله تعالى :« كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها » الإشارة بذلك إلى ما تقدم من الواجبات و المحرمات - كما قيل - و الضمير في« سيئه » يرجع إلى ذلك ، و المعنى كل ما تقدم كان سيئه - و هو ما نهي عنه و كان معصية من بين المذكورات - عند ربك مكروها لا يريده الله تعالى .


و في غير القراءة المعروفة« سيئة » بفتح الهمزة و التاء في آخرها و هي على هذه القراءة خبر كان و المعنى واضح .


قوله تعالى :« ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة » ذلك إشارة إلى ما تقدم من تفصيل التكاليف و في الآية إطلاق الحكمة على الأحكام الفرعية و يمكن أن يكون لما تشتمل عليه من المصالح المستفادة إجمالا من سابق الكلام .


قوله تعالى :« و لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا » كرر سبحانه النهي عن الشرك و قد نهى عنه سابقا اعتناء بشأن التوحيد و تفخيما لأمره ، و هو كالوصلة يتصل به لاحق الكلام بسابقه ، و معنى الآية ظاهر .


بحث روائي


في الإحتجاج ، عن بريد بن عمير بن معاوية الشامي عن الرضا (عليه‏السلام‏) : في حديث يذكر فيه الجبر و التفويض و الأمر بين أمرين قال : قلت له : و هل لله مشية و إرادة في ذلك


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :98


يعني فعل العبد فقال : أما الطاعات فإرادة الله و مشيته فيهاالأمر بها و الرضا لها و المعاونة لها و مشيته في المعاصي النهي عنها و السخط بها و الخذلان عليها الحديث .


و في تفسير العياشي ، عن أبي ولاد الحناط قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله :« و بالوالدين إحسانا » فقال : الإحسان أن تحسن صحبتهما و لا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه و إن كانا مستغنيين أ ليس الله يقول :« لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » ؟ ثم قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) أما قوله :« إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف » قال : إن أضجراك فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما إن ضرباك ، و قال« و قل لهما قولا كريما » قال : تقول لهما : غفر الله لكما فذلك منك قول كريم ، و قال :« و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة » قال : لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة و رقة و لا ترفع صوتك فوق أصواتهما و لا يديك فوق أيديهما ، و لا تتقدم قدامهما : أقول : و رواه الكليني في الكافي ، بإسناده عن أبي ولاد الحناط عنه (عليه‏السلام‏) .


و في الكافي ، بإسناده عن حديد بن حكيم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : أدنى العقوق أف ، و لو علم الله عز و جل شيئا أهون منه لنهى عنه : أقول : و رواه عنه أيضا بسند آخر و روى هذا المعنى أيضا بإسناده عن أبي البلاد عنه (عليه‏السلام‏) و رواه العياشي في تفسيره ، عن حريز عنه (عليه‏السلام‏) ، و الطبرسي في مجمع البيان ، عن الرضا عن أبيه عنه (عليه‏السلام‏) .


و الروايات في وجوب بر الوالدين و حرمة عقوقهما في حياتهما و بعد مماتهما من طرق العامة و الخاصة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أئمة أهل بيته (عليهم‏السلام‏) أكثر من أن تحصى .


و في المجمع ، عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : الأواب التواب المتعبد الراجع عن ذنبه .


و في تفسير العياشي ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : يا با محمد عليكم بالورع و الاجتهاد و أداء الأمانة و صدق الحديث و حسن الصحبة لمن صحبكم و طول السجود ، و كان ذلك من سنن التوابين الأوابين . قال أبو بصير : الأوابون التوابون .


أقول : و روي أيضا عن أبي بصير عنه (عليه‏السلام‏) : في معنى الآية هم التوابون المتعبدون .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :99


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة و هناد عن علي بن أبي طالب قال : إذا مالت الأفياء و راحت الأرواح فاطلبوا الحوائج إلى الله فإنها ساعة الأوابين و قرأ« فإنه كان للأوابين غفورا » .


و فيه ، أخرج ابن حريز عن علي بن الحسين رضي الله عنه : أنه قال لرجل من أهل الشام : أ قرأت القرآن ؟ قال : نعم قال : أ فما قرأت في بني إسرائيل :« و آت ذا القربى حقه » قال . و إنكم للقرابة الذي أمر الله أن يؤتى حقه ؟ قال : نعم : أقول : و رواه في البرهان ، عن الصدوق بإسناده عنه (عليه‏السلام‏) و عن الثعلبي في تفسيره ، عن السدي عن ابن الديلمي عنه (عليه‏السلام‏) .


و في تفسير العياشي ، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قوله :« و لا تبذر تبذيرا » قال : من أنفق شيئا في غير طاعة الله فهو مبذر ، و من أنفق في سبيل الخير فهو مقتصد .


و فيه ، عن أبي بصير عنه (عليه‏السلام‏) : في الآية قال : بذل الرجل ماله و يقعد ليس له مال قلت : فيكون تبذير في حلال ؟ قال : نعم .


و في تفسير القمي ، قال : قال الصادق (عليه‏السلام‏) : المحسور العريان .


و في الكافي ، بإسناده عن عجلان قال : كنت عند أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) فجاء سائل فقام إلى مكتل فيه تمر فملأ يده فناوله ثم جاء آخر فسأله فقام فأخذه بيده فناوله ثم آخر فقال : الله رازقنا و إياك . ثم قال : إن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئا إلا أعطاه فأرسلت إليه امرأة ابنا لها فقالت : فاسأله فإن قال : ليس عندنا شي‏ء فقل : أعطني قميصك قال : فأخذ قميصه فرماه إليه و في نسخة أخرى : و أعطاه فأدبه الله تبارك و تعالى على القصد فقال :« و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك - و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا » قال : الإحسار الفاقة : أقول : و رواه العياشي في تفسيره ، عن عجلان عنه (عليه‏السلام‏) ، و روى قصة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) القمي في تفسيره ، و رواها في الدر المنثور ، عن ابن أبي حاتم عن المنهال بن عمرو و عن


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :100


ابن جرير الطبري عن ابن مسعود .


و في الكافي ، بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قال : علم الله عز اسمه نبيه كيف ينفق ؟ و ذلك أنه كانت عنده أوقية من الذهب فكره أن يبيت عنده فتصدق بها فأصبح و ليس عنده شي‏ء و جاء من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل و اغتم هو حيثما لم يكن عنده شي‏ء و كان رحيما رقيقا فأدب الله عز و جل نبيه بأمره فقال :« و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك - و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا » يقول : إن الناس قد يسألونك و لا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال قد كنت حسرت من المال .


و في تفسير العياشي ، عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قوله :« و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك » قال : فضم يده و قال : هكذا فقال :« و لا تبسطها كل البسط » فبسط راحته و قال : هكذا .


و في تفسير القمي ، عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) في حديث قال : قلت : و ما الإملاق ؟ قال : الإفلاس .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة : في قوله :« و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة » قال قتادة عن الحسن أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يقول : لا يزني العبد حين يزني و هو مؤمن ، و لا يبهت حين يبهت و هو مؤمن ، و لا يسرق حين يسرق و هو مؤمن ، و لا يشرب الخمر حين يشربها و هو مؤمن ، و لا يغل حين يغل و هو مؤمن قيل : يا رسول الله و الله إن كنا لنرى أنه يأتي ذلك و هو مؤمن فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إذا فعل شيئا من ذلك نزع الإيمان من قلبه فإن تاب تاب الله عليه .


أقول : و الحديث مروي بطرق أخرى عن عائشة و أبي هريرة و قد ورد من طرق أهل البيت (عليهم‏السلام‏) أن روح الإيمان يفارقه إذ ذاك .


و في الكافي ، بإسناده عن إسحاق بن عمار قال : قلت لأبي الحسن (عليه‏السلام‏) : إن الله عز و جل يقول في كتابه :« و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا - فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا » فما هذا الإسراف الذي نهى الله عنه ؟ قال : نهى أن يقتل


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :101


غير قاتله أو يمثل بالقاتل . قلت : فما معنى« إنه كان منصورا » قال : و أي نصرة أعظم من أن يدفع القاتل إلى أولياء المقتول فيقتله و لا تبعة يلزمه في قتله في دين و لا دنيا .


و في تفسير العياشي ، عن أبي العباس قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن رجلين قتلا رجلا فقال : يخير وليه أن يقتل أيهما شاء و يغرم الباقي نصف الدية أعني دية المقتول فيرد على ذريته ، و كذلك إن قتل رجل امرأة إن قبلوا دية المرأة فذاك و إن أبى أولياؤها إلا قتل قاتلها غرموا نصف دية الرجل و قتلوه و هو قول الله :« فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل » .


أقول : و في معنى هاتين الروايتين غيرهما ، و قد روي في الدر المنثور ، عن البيهقي في سننه عن زيد بن أسلم : أن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل الرجل من القوم رجلا لم يرضوا حتى يقتلوا به رجلا شريفا إذا كان قاتلهم غير شريف لم يقتلوا قاتلهم و قتلوا غيره فوعظوا في ذلك بقول الله :« و لا تقتلوا إلى قوله فلا يسرف في القتل » .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى :« و زنوا بالقسطاس المستقيم » : و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : القسطاس المستقيم هو الميزان الذي له لسان .


أقول : و ذكر اللسان للدلالة على الاستقامة فإن الميزان ذا الكفتين كذلك .


و في تفسير العياشي ، عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : إن الله تبارك و تعالى فرض الإيمان على جوارح بني آدم و قسمه عليها فليس من جوارحه جارحة إلا و قد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها فمنها عيناه اللتان ينظر بهما و رجلاه اللتان يمشي بهما . ففرض على العين أن لا تنظر إلى ما حرم الله عليه و أن تغض عما نهاه الله عنه مما لا يحل و هو عمله و هو من الإيمان ، قال الله تبارك و تعالى :« و لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر و الفؤاد - كل أولئك كان عنه مسؤلا » فهذا ما فرض من غض البصر عما حرم الله و هو عمله و هو من الإيمان . و فرض الله على الرجلين أن لا يمشي بهما إلى شي‏ء من معاصي الله و الله فرض عليهما المشي فيما فرض الله فقال :« و لا تمش في الأرض مرحا - إنك لن تخرق الأرض و لن تبلغ


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :102


الجبال طولا » قال :« و اقصد في مشيك و اغضض من صوتك - إن أنكر الأصوات لصوت الحمير » : أقول : و رواه في الكافي ، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عنه (عليه‏السلام‏) في حديث مفصل .


و فيه ، عن أبي جعفر قال : كنت عند أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) فقال له رجل : بأبي أنت و أمي إني أدخل كنيفا لي و لي جيران و عندهم جوار يغنين و يضربن بالعود فربما أطيل الجلوس استماعا مني لهن فقال : لا تفعل فقال الرجل و الله ما أتيتهن إنما هو سماع أسمعه بأذني . فقال له : أ ما سمعت الله يقول :« إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا » قال بلى و الله فكأني لم أسمع هذه الآية قط من كتاب الله من عجمي و لا عربي لا جرم أني لا أعود إن شاء الله و أني أستغفر الله . فقال : قم و اغتسل و صل ما بدا لك فإنك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك أحمد الله و اسأله التوبة من كل ما يكره فإنه لا يكره إلا كل قبيح ، و القبيح دعه لأهله فإن لكل أهلا : أقول : و رواه الشيخ في التهذيب ، عنه (عليه‏السلام‏) و الكليني في الكافي ، عن مسعدة بن زياد عنه (عليه‏السلام‏) .


و فيه ، عن الحسين بن هارون عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله :« إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا » قال : يسأل السمع عما يسمع و البصر عما يطرف و الفؤاد عما يعقد عليه .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى :« و لا تقف ما ليس لك به علم » الآية قال : قال : لا تؤم أحدا مما ليس لك به علم . قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : من بهت مؤمنا أو مؤمنة أقيم في طينة خبال أو يخرج مما قال .


أقول : و فسرت طينة خبال في رواية ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه‏السلام‏) - على ما في الكافي ، - بأنها صديد يخرج من فروج المومسات و روي من طرق أهل السنة ما يقرب منها عن أبي ذر و أنس عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :103


و الروايات - كما ترى - بعضها مبني على خصوص مورد الآية و بعضها على عموم التعليل كما أشير إليه في البيان المتقدم .


أَ فَأَصفَاشْ رَبُّكم بِالْبَنِينَ وَ اتخَذَ مِنَ الْمَلَئكَةِ إِنَثاًإِنَّكمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً(40) وَ لَقَدْ صرَّفْنَا فى هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا وَ مَا يَزِيدُهُمْ إِلا نُفُوراً(41) قُل لَّوْ كانَ مَعَهُ ءَالهَِةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِى الْعَرْشِ سبِيلاً(42) سبْحَنَهُ وَ تَعَلى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً(43) تُسبِّحُ لَهُ السمَوَت السبْعُ وَ الأَرْض وَ مَن فِيهِنَّوَ إِن مِّن شىْ‏ءٍ إِلا يُسبِّحُ بحَمْدِهِ وَ لَكِن لا تَفْقَهُونَ تَسبِيحَهُمْإِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً(44) وَ إِذَا قَرَأْت الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَك وَ بَينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ حِجَاباً مَّستُوراً(45) وَ جَعَلْنَا عَلى قُلُوبهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَ فى ءَاذَانهِمْ وَقْراًوَ إِذَا ذَكَرْت رَبَّك فى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبَرِهِمْ نُفُوراً(46) نحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَستَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَستَمِعُونَ إِلَيْك وَ إِذْ هُمْ نجْوَى إِذْ يَقُولُ الظلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَّسحُوراً(47) انظرْ كَيْف ضرَبُوا لَك الأَمْثَالَ فَضلُّوا فَلا يَستَطِيعُونَ سبِيلاً(48) وَ قَالُوا أَ ءِذَا كُنَّا عِظماً وَ رُفَتاً أَ ءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً(49) × قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً(50) أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكبرُ فى صدُورِكمْفَسيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاقُلِ الَّذِى فَطرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍفَسيُنْغِضونَ إِلَيْك رُءُوسهُمْ وَ يَقُولُونَ مَتى هُوَقُلْ عَسى أَن يَكُونَ قَرِيباً(51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَستَجِيبُونَ بحَمْدِهِ وَ تَظنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلا قَلِيلاً(52) وَ قُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا الَّتى هِىَ أَحْسنُإِنَّ الشيْطنَ يَنزَغُ بَيْنهُمْإِنَّ الشيْطنَ كانَ لِلانسنِ عَدُوًّا مُّبِيناً(53) رَّبُّكمْ أَعْلَمُ بِكمْإِن يَشأْ يَرْحَمْكمْ أَوْ إِن يَشأْ يُعَذِّبْكُمْوَ مَا أَرْسلْنَك عَلَيهِمْ وَكيلاً(54) وَ رَبُّك أَعْلَمُ بِمَن فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِوَ لَقَدْ فَضلْنَا بَعْض النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍوَ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً(55)



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :104


بيان


في الآيات تعقيب مسألة التوحيد و توبيخ المشركين على اتخاذهم الآلهة و نسبة الملائكة الكرام إلى الأنوثية ، و أنهم لا يتذكرون بما يلقي إليهم القرآن من حجج الوحدانية ، و لا يفقهون الآيات بل يستهزءون بالرسول و بما يلقى إليهم من أمر البعث و يسيئون القول في أمر الله و غير ذلك .


قوله تعالى :« أ فأصفاكم ربكم بالبنين و اتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما » الإصفاء الإخلاص قال في المجمع ، : تقول : أصفيت فلانا بالشي‏ء إذا آثرته به .


انتهى .


خطاب لمن يقول منهم : إن الملائكة بنات الله أو بعضهم بنات الله و الاستفهام للإنكار ، و لعله بدل البنات من الإناث لكونهم يعدون الأنوثة من صفات الخسة .


و المعنى إذا كان سبحانه ربكم لا رب غيره و هو الذي يتولى أمر كل شي‏ء فهل تقولون إنه آثركم بكرامة لم يتكرم به هو نفسه و هو أنه خصكم بالبنين و لم يتخذ لنفسه من الولد إلا الإناث و هم الملائكة الكرام الذين تزعمون أنهم إناثإنكم لتقولون


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :105


قولا عظيما من حيث استتباعه التبعة السيئة .


قوله تعالى :« و لقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا و ما يزيدهم إلا نفورا » قال في المفردات ، : الصرف رد الشي‏ء من حالة إلى حالة أو إبداله بغيره .


قال : و التصريف كالصرف إلا في التكثير ، و أكثر ما يقال في صرف الشي‏ء من حالة إلى حالة و من أمر إلى أمر ، و تصريف الرياح هو صرفها من حال إلى حال قال تعالى :« و صرفنا الآيات« و صرفنا فيه من الوعيد » و منه تصريف الكلام و تصريف الدراهم .


انتهى .


و قال : النفرالانزعاج من الشي‏ء و إلى الشي‏ء كالفزع إلى الشي‏ء و عن الشي‏ء يقال : نفر عن الشي‏ء نفورا قال تعالى :« ما زادهم إلا نفورا »« و ما يزيدهم إلا نفورا » انتهى .


فقوله :« و لقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا » معناه بشهادة السياق : و أقسم لقد رددنا الكلام معهم في أمر التوحيد و نفي الشريك من وجه إلى وجه و حولناه من لحن إلى لحن في هذا القرآن فأوردناه بمختلف العبارات و بيناه بأقسام البيانات ليتذكروا و يتبين لهم الحق .


و قوله :« و ما يزيدهم إلا نفورا » أي ما يزيدهم التصريف إلا انزعاجا كلما استؤنف جي‏ء ببيان جديد أورثهم نفرة جديدة .


و في الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة تنبيها على أنهم غير صالحين للخطاب و التكليم بعد ما كان حالهم هذا الحال .


قال في المجمع ، : فإن قيل : إذا كان المعلوم أنهم يزدادون النفور عند إنزال القرآن فما المعنى في إنزاله ؟ و ما وجه الحكمة فيه ؟ قيل : الحكمة فيه إلزام الحجة و قطع المعذرة في إظهار الدلائل التي تحسن التكليف ، و إنه يصلح عند إنزاله جماعة ما كانوا يصلحون عند عدم إنزاله ، و لو لم ينزل لكان هؤلاء الذين ينفرون عن الإيمان يفسدون بفساد أعظم من هذا النفور فالحكمة اقتضت إنزاله لهذه المعاني ، و إنما ازدادوا نفورا عند مشاهدة الآيات و الدلائل لاعتقادهم أنها شبه و حيل و قلة تفكرهم فيها .


انتهى .


و قوله : إنه لو لم ينزل لكانوا يفسدون بفساد أعظم من النفور لا يخلو من شي‏ء فإن


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :106


ازدياد النفور يبلغ بهم إلى الجحود و معاندة الحق و الصد عنه و لا فساد أعظم منه في باب الدعوة .


لكن ينبغي أن يعلم أن الكفر و الجحود و النفور عن الحق و العناد معه كما كانت تضر أصحابها و يوردهم مورد الهلاك فهي تنفع أرباب الإيمان و الرضا بالحق و التسليم له إذ لو لم يتحقق لهذه الخصال الحسنة و الصفات الجميلة مقابلات لم تتحقق لها كينونة فافهم ذلك .


فمن الواجب في الحكمة أن تتم الحجة ثم تزيد في تمامها حتى يظهر من الشقي كل ما في وسعه من الشقاء ، و يتخذ السعداء بمختلف مساعيهم من الدرجات ما يحاذي دركات الأشقياء و قد قال تعالى :« كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا » : الآية : 20 من السورة .


قوله تعالى :« قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا » أعرض عن مخاطبتهم فصرف الخطاب إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بأمره أن يكلمهم في أمر التوحيد و نفي الشريك .


و الذي يقولون به أن هناك آلهة دون الله يتولون جهات التدبير في العالم على اختلاف مراتبهم و الواحد منهم رب لما يدبره كإله السماء و إله الأرض و إله الحرب و إله قريش .


و إذ كانوا شركاء من جهة التدبير لكل واحد منهم الملك على حسب ربوبيته و الملك من توابع الخلق الذي يختص به سبحانه حتى على معتقدهم 1 كان الملك مما يقبل في نفسه أن يقوم به غيره تعالى و حب الملك و السلطنة ضروري لكل موجود كانوا بالضرورة طالبين أن ينازعوه في ملكه و ينتزعوه من يده حتى ينفرد الواحد منهم بالملك و السلطنة ، و يتعين بالعزة و الهيمنة تعالى الله عن ذلك .


فملخص الحجة أنه لو كان معه آلهة كما يقولون و كان يمكن أن ينال غيره تعالى شيئا من ملكه الذي هو من لوازم ذاته الفياضة لكل شي‏ء و حب الملك و السلطنة مغروز


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :107


في كل موجود بالضرورة لطلب أولئك الآلهة أن ينالوا ملكه فيعزلوه عن عرشه و يزدادوا ملكا على ملك لحبهم ذلك ضرورة لكن لا سبيل لأحد إليه تعالى عن ذلك .


فقوله :« إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا » أي طلبوا سبيلا إليه ليغلبوه على ما له من الملك ، و التعبير عنه تعالى بذي العرش و هو من الصفات الخاصة بالملك للدلالة على أن ابتغاءهم السبيل إليه إنما هو لكونه ذا العرش و هو ابتغاء سبيل إلى عرشه ليستقروا عليه .


و من هنا يظهر أن قول بعضهم إن الحجة في الآية هي في معنى الحجة التي في قوله تعالى :« لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا » الآية : الأنبياء : 22 في غير محله .


و ذلك أن الحجتين مختلفتان في مقدماتهما فالحجة التي في الآية التي نحن فيها تسلك إلى نفي الشريك من جهة ابتغاء الآلهة السبيل إلى ذي العرش و طلبهم الغلبة عليه بانتزاع الملك منه ، و التي في آية الأنبياء تسلك من جهة أن اختلاف الآلهةفي ذواتهم يؤدي إلى اختلافهم في التدبير و ذلك يؤدي إلى فساد النظام فالحق أن الحجة التي فيما نحن فيه غير الحجة التي في آية الأنبياء ، و التي تقرب من حجة آية الأنبياء ما في قوله :« إذا لذهب كل إله بما خلق و لعلا بعضهم على بعض » : المؤمنون : 91 .


و كذا ما نقل عن بعض قدماء المفسرين : أن المراد من ابتغائهم سبيلا إلى ذي العرش طلبهم التقرب و الزلفى منه لعلوه عليهم ، و تقريب الحجة أنه لو كان معه آلهة كما يقولون لطلبوا التقرب منه تعالى و الزلفى لديه لعلمهم بعلوه و عظمته ، و الذي كان حاله هذا الحال لا يكون إلها فليسوا بآلهة .


في غير محله لشهادة السياق على خلافه كوصفه تعالى بذي العرش و قوله بعد :« سبحانه و تعالى عما يقولون » إلخ فإنه ظاهر في أن لما قدروه من ثبوت الآلهة المستلزم لابتغائهم سبيلا إلى الله محذورا عظيما لا تحتمله ساحة العظمة و الكبرياء مثل كون ملكه في معرض ابتغاء سبيل إليه و تهاجم غيره عليه و كونه لا يأبى بحسب طبعه أن يبتز و ينتقل إلى من دونه .


قوله تعالى :« سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيرا » التعالي هو العلو البالغ و لهذا


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :108


وصف المفعول المطلق أعني« علوا » بقوله :« كبيرا » فالكلام في معنى تعالى تعاليا : و الآية تنزيه له تعالى عما يقولونه من ثبوت الآلهة و كون ملكه و ربوبيته مما يمكن أن يناله غيره .


قوله تعالى :« تسبح له السموات السبع و الأرض و من فيهن و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم » إلخ الآية و ما قبلها و إن كانت واقعة موقع التعظيم كقوله :« و قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه » لكنها تفيد بوجه في الحجة المتقدمة فإنها بمنزلة المقدمة المتممة لقوله :« لو كان معه آلهة كما يقولون » إلخ فإن الحجة بالحقيقة قياس استثنائي و الذي بمنزلة الاستثناء هو ما في الآية من تسبيح الأشياء له سبحانه كأنه قيل : لو كان معه آلهة لكان ملكه في معرض المنازعة و المهاجمة لكن الملك من السماوات و الأرض و من فيهن ينزهه عن ذلك و يشهد أن لا شريك له في الملك فإنها لم تبتدى‏ء إلا منه و لا تنتهي إلا إليه و لا تقوم إلا به و لا تخضع سجدا إلا له فلا يتلبس بالملك و لا يصلح له إلا هو فلا رب غيره .


و من الممكن أن تكون الآيتان أعني قوله :« سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيرا . تسبح له السموات » إلخ جميعا في معنى الاستثناء و التقدير لو كان معه آلهة لطلبوا مغالبته و عزله من ملكه لكنه سبحانه ينزه ذاته عن ذلك بذاته الفياضة التي يقوم به كل شي‏ء و تلزمه الربوبية من غير أن يفارقه أو ينتقل إلى غيره ، و كذلك ملكه و هو عالم السماوات و الأرض و من فيهن ينزهنه سبحانه بذواتها المسبحة له حيث إنها قائمة الذات به لو انقطعت أو حجبت عنه طرفة عين فنت و انعدمت فليس معه آلهة و لا أن ملكه و ربوبيته مما يمكن أن يبتغيه غيره فتأمل فيه .


و كيف كان فقوله :« تسبح له السموات السبع و الأرض و من فيهن » يثبت لأجزاء العالم المشهود التسبيح و أنها تسبح الله و تنزهه عما يقولون من الشريك و ينسبون إليه .


و التسبيح تنزيه قولي كلامي و حقيقة الكلام الكشف عما في الضمير بنوع من الإشارة إليه و الدلالة عليه غير أن الإنسان لما لم يجد إلى إرادة كل ما يريد الإشارة إليه من طريق التكوين طريقا التجأ إلى استعمال الألفاظ و هي الأصوات الموضوعة للمعاني ،


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :109


و دل بها على ما في ضميره ، و جرت على ذلك سنة التفهيم و التفهم ، و ربما استعان على بعض مقاصده بالإشارة بيده أو رأسه أو غيرهما ، و ربما استعان على ذلك بكتابة أو نصب علامة .


و بالجملة فالذي يكشف به عن معنى مقصود قول و كلام و قيام الشي‏ء بهذا الكشف قول منه و تكليم و إن لم يكن بصوت مقروع و لفظ موضوع ، و من الدليل عليه ما ينسبه القرآن إليه تعالى من الكلام و القول و الأمر و الوحي و نحو ذلك مما فيه معنى الكشف عن المقاصد و ليس من قبيل القول و الكلام المعهود عندنا معشر المتلسنين باللغات و قد سماه الله سبحانه قولا و كلاما .


و عند هذه الموجودات المشهودة من السماء و الأرض و من فيهما ما يكشف كشفا صريحا عن وحدانية ربها في ربوبيته و ينزهه تعالى عن كل نقص و شين فهي تسبح الله سبحانه .


و ذلك أنها ليست لها في أنفسها إلا محض الحاجة و صرف الفاقة إليه في ذاتها و صفاتها و أحوالها .


و الحاجة أقوى كاشف عما إليه الحاجة لا يستقل المحتاج دونه و لا ينفك عنه فكل من هذه الموجودات يكشف بحاجته في وجوده و نقصه في ذاته عن موجده الغني في وجوده التام الكامل في ذاته و بارتباطه بسائر الموجودات التي يستعين بها على تكميل وجوده و رفع نقائصه في ذاته أن موجده هو ربه المتصرف في كل شي‏ء المدبر لأمره .


ثم النظام العام الجاري في الأشياء الجامع لشتاتها الرابط بينها يكشف عن وحدة موجدها ، و أنه الذي إليه بوحدته يرجع الأشياء و به بوحدته ترتفع الحوائج و النقائص فلا يخلو من دونه منالحاجة ، و لا يتعرى ما سواه من النقيصة و هو الرب لا رب غيره و الغني الذي لا فقر عنده و الكمال الذي لا نقص فيه .


فكل واحد من هذه الموجودات يكشف بحاجته و نقصه عن تنزه ربه عن الحاجة و براءته من النقص حتى أن الجاهل المثبت لربه شركاء من دونه أو الناسب إليه شيئا من النقص و الشين تعالى و تقدس يثبت بذلك تنزهه من الشريك و ينسب بذلك إليه البراءة من النقص فإن المعنى الذي تصور في ضمير هذا الإنسان و اللفظ الذي يلفظه لسانه و جميع ما استخدمه في تأدية هذا المقصود كل ذلك أمور موجودة تكشف بحاجتها الوجودية


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :110


عن رب واحد لا شريك له و لا نقص فيه .


فمثل هذا الإنسان الجاحد في كون جحوده اعترافا مثل ما لو ادعى إنسان أن لا إنسان متكلما في الدنيا و شهد على ذلك قولا فإن شهادته أقوى حجة على خلاف ما ادعاه و شهد عليه و كلما تكررت الشهادة على هذا النمط و كثر الشهود تأكدت الحجة من طريق الشهادة على خلافها .


فإن قلت : مجرد الكشف عن التنزه لا يسمى تسبيحا حتى يقارن القصد و القصد مما يتوقف على الحياة و أغلب هذه الموجودات عادمة للحياة كالأرض و السماء و أنواع الجمادات فلا مخلص من حمل التسبيح على المجاز فتسبيحها دلالتها بحسب وجودها على تنزه ربها .


قلت : كلامه تعالى مشعر بأن العلم سار في الموجودات مع سريان الخلقة فلكل منها حظ من العلم على مقدار حظه من الوجود ، و ليس لازم ذلك أن يتساوى الجميع من حيث العلم أو يتحد من حيث جنسه و نوعه أو يكون عند كل ما عند الإنسان من ذلك أو أن يفقه الإنسان بما عندها من العلم قال تعالى حكاية عن أعضاء الإنسان :« قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شي‏ء » : حم السجدة : 21 و قال« فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين » : حم السجدة : 11 و الآيات في هذا المعنى كثيرة ، و سيوافيك كلام مستقل في ذلك إن شاء الله تعالى .


و إذا كان كذلك فما من موجود مخلوق إلا و هو يشعر بنفسه بعض الشعور و هو يريد بوجوده إظهار نفسه المحتاجة الناقصة التي يحيط بها غنى ربه و كماله لا رب غيره فهو يسبح ربه و ينزهه عن الشريك و عن كل نقص ينسب إليه .


و بذلك يظهر أن لا وجه لحمل التسبيح في الآية على مطلق الدلالة مجازا فالمجاز لا يصار إليه إلا مع امتناع الحمل على الحقيقة ، و نظيره قول بعضهم : إن تسبيح بعض هذه الموجودات قالي حقيقي كتسبيح الملائكة و المؤمنين من الإنسان و تسبيح بعضها حالي مجازي كدلالةالجمادات بوجودها عليه تعالى و لفظ التسبيح مستعمل في الآية على سبيل عموم المجاز ، و قد عرفت ضعفه آنفا .


و الحق أن التسبيح في الجميع حقيقي قالي غير أن كونه قاليا لا يستلزم أن يكون


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :111


بألفاظ موضوعة و أصوات مقروعة كما تقدمت الإشارة إليه و قد تقدم في آخر الجزء الثاني من الكتاب كلام في الكلام نافع في المقام .


فقوله تعالى :« تسبح له السموات السبع و الأرض و من فيهن » يثبت لها تسبيحا حقيقيا و هو تكلمها بوجودها و ما له من الارتباط بسائر الموجودات الكائنة و بيانها تنزه ربها عما ينسب إليه المشركون من الشركاء و جهات النقص .


و قوله :« و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده » تعميم التسبيح لكل شي‏ء و قد كانت الجملة السابقة عدت السماوات السبع و الأرض و من فيهن ، و تزيد عليها بذكر الحمد مع التسبيح فتفيد أن كل شي‏ء كما يسبحه تعالى كذلك يحمده بالثناء عليه بجميل صفاته و أفعاله .


و ذلك أنه كما أن عند كل من هذه الأشياء شيئا من الحاجة و النقص عائدا إلى نفسه كذلك عنده من جميل صنعه و نعمته تعالى شي‏ء راجع إليه تعالى موهوب من لدنه ، و كما أن إظهار هذه الأشياء لنفسها في الوجود إظهار لحاجتها و نقصها و كشف عن تنزه ربها عن الحاجة و النقص ، و هو تسبيحها كذلك إبرازها لنفسها إبراز لما عندها من جميل فعل ربها الذي وراءه جميل صفاته تعالى فهو حمدها فليس الحمد إلا الثناء على الجميل الاختياري فهي تحمد ربها كما تسبحه و هو قوله :« و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده » .


و بلفظ آخر إذا لوحظ الأشياء من جهة كشفها عما عند ربها بإبرازها ما عندها من الحاجة و النقص مع ما لها من الشعور بذلك كان ذلك تسبيحا منها ، و إذا لوحظت من جهة كشفها ما لربها بإظهارها ما عندها من نعمة الوجود و سائر جهات الكمال فهو حمد منها لربها و إذا لوحظ كشفها ما عند الله سبحانه من صفة جمال أو جلال مع قطع النظر عن علمها و شعورها بما تكشف عنه كان ذلك دلالة منها عليه تعالى و هي آياته .


و هذا نعم الشاهد على أن المراد بالتسبيح في الآية ليس مجرد دلالتها عليه تعالى بنفي الشريك و جهات النقص فإن الخطاب في قوله :« و لكن لا تفقهون تسبيحهم » إما للمشركين و إما للناس أعم من المؤمن و المشرك و هم على أي حال يفقهون دلالة الأشياء


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :112


على صانعها مع أن الآية تنفي عنهم الفقه .


و لا يصغى إلى قول من قال : إن الخطاب للمشركين و هم لعدم تدبرهم فيها و قلة انتفاعهم بها كان فهمهم بمنزلة العدم ، و لا إلى دعوى من يدعي أنهم لعدم فهمهم بعض المراد من التسبيح جعلوا ممن لا يفقه الجميع تغليبا .


و ذلك لأن تنزيل الفهم منزلة العدم أو جعل البعض كالجميع لا يلائم مقام الاحتجاج و هو سبحانه يخاطبهم في سابق الآية بالحجة على التنزيه على أن هذا النوع من المسامحة بالتغليب و نحوه لا يحتمله كلامه تعالى .


و أما ما وقع في قوله بعد هذه الآية :« و إذا قرأت القرآن » إلى آخر الآيات من نفي الفقه عن المشركين فليس يؤيد ما ذكروه فإن الآيات تنفي عنهم فقه القرآن و هو غير نفي فقه دلالة الأشياء على تنزهه تعالى إذ بها تتم الحجة عليهم .


فالحق أن التسبيح الذي تثبته الآية لكل شي‏ء هو التسبيح بمعناه الحقيقي و قد تكرر في كلامه تعالى إثباته للسماوات و الأرض و من فيهن و ما فيهن و فيها موارد لا تحتمل إلا الحقيقة كقوله تعالى :« و سخرنا مع داود الجبال يسبحن و الطير » : الأنبياء : 79 ، و قوله :« إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي و الإشراق » : ص : 18 ، و يقرب منه قوله :« يا جبال أوبي معه و الطير » : سبأ : 10 فلا معنى لحملها على التسبيح بلسان الحال .


و قد استفاضت الروايات من طرق الشيعة و أهل السنة أن للأشياء تسبيحا و منها روايات تسبيح الحصى في كف رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و سيوافيك بعضها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى .


و قوله :« إنه كان حليما غفورا » أي يمهل فلا يعاجل بالعقوبة و يغفر من تاب و رجع إليه ، و في الوصفين دلالة على تنزهه تعالى عن كل نقص فإن لازم الحلم أن لا يخاف الفوت ، و لازم المغفرة أن لا يتضرر بالمغفرة و لا بإفاضة الرحمة فملكه و ربوبيته لا يقبل نقصا و لا زوالا .


و قد قيل في وجه هذا التذييل إنه إشارة إلى أن الإنسان في قصوره عن فهم هذا


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :113


التسبيح الذي لا يزال كل شي‏ء مشتغلا به حتى نفسه بجميع أركان وجوده بأبلغ بيان ، مخطى‏ء من حقه أن يؤاخذ به لكن الله سبحانه بحلمه و مغفرته لا يعاجله و يعفو عن ذلك إن شاء .


و هو وجه حسن و لازمه أن يكون الإنسان في وسعه أن يفقه هذا التسبيح من نفسه و من غيره ، و لعلنا نوفق لبيانه إن شاء الله في موضع يليق به .


قوله تعالى :« و إذا قرأت القرآن جعلنا بينك و بين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا » ظاهر توصيف الحجاب بالمستور أنه حجاب مستور عن الحواس على خلاف الحجاباتالمتداولة بين الناس المعمولة لستر شي‏ء عن شي‏ء فهو حجاب معنوي مضروب بين النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بما أنه قار للقرآن حامل له و بين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة يحجبه عنهم فلا يستطيعون أن يفقهوا حقيقة ما عنده من معارف القرآن و يؤمنوا به و لا أن يذعنوا بأنه رسول من الله جاءهم بالحق ، و لذلك تولوا عنه إذا ذكر الله وحده و بالغوا في إنكار المعاد و رموه بأنه رجل مسحور ، و الآيات التالية تؤيد هذا المعنى .


و إنما وصف المشركين بقوله :« الذين لا يؤمنون بالآخرة » لأن إنكار الآخرة يلغو معه الإيمان باللهوحده و بالرسالة فالكفر بالمعاد يستلزم الكفر بجميع أصول الدين ، و ليكون تمهيدا لما سيذكر من إنكارهم البعث .


و المعنى : إذا قرأت القرآن و تلوته عليهم جعلنا بينك و بين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة - و في توصيفهم بذلك ذم لهم - حجابا معنويا محجوبا عن فهمهم فلا يسعهم أن يسمعوا ذكره تعالى وحده ، و لا أن يعرفوك بالرسالة الحقة ، و لا أن يؤمنوا بالمعاد و يفقهوا حقيقته .


و للقوم في قوله :« حجابا مستورا » أقوال أخر فعن بعضهم أن« مفعول » فيه للنسب أي حجابا ذا ستر نظير قولهم : رجل مرطوب و مكان مهول و جارية مغنوجة أي ذو رطوبة و ذو هول و ذات غنج ، و منه قوله تعالى :« وعده مأتيا » أي ذا إتيان و الأكثر في ذلك أن يجي‏ء على فاعل كلابن و تامر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :114


و عن الأخفش أن« مفعول » ربما ورد بمعنى فاعل كميمون و مشئوم بمعنى يامن و شائم كما أن« فاعل » ربما ورد بمعنى مفعول كماء دافق أي مدفوق فمستور بمعنى ساتر .


و عن بعضهم أن ذلك من الإسناد المجازي و المستور بحسب الحقيقة هو ما وراء الحجاب لا نفسه .


عن بعضهم أنه من قبيل الحذف و الإيصال و أصله حجابا مستورا به الرسول (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عنهم .


و قيل : المعنى حجابا مستورا بحجاب آخر أي بحجب متعددة و قيل المعنى حجابا مستورا كونه حجابا بمعنى أنهم لا يدرون أنهم لا يدرون و الثلاثة الأخيرة أسخف الوجوه .


قوله تعالى :« و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم وقرا و إذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا » الأكنة جمع كن بالكسر و هو على ما ذكره الراغب ما يحفظ فيه الشي‏ء و يستر به عن غيره ، و الوقر الثقل في السمع ، و في المجمع ، : النفور جمع نافر ، و هذا الجمع قياس في كل فاعل اشتق من فعل مصدره على فعول مثل ركوع و سجود وشهود .


انتهى .


و قوله :« و جعلنا على قلوبهم أكنة » إلخ كالبيان للحجاب المذكور سابقا أي أغشينا قلوبهم بأغشية و حجب حذار أن يفقهوا القرآن و جعلنا في آذانهم وقرا و ثقلا أن يسمعوه فهم لا يسمعون القرآن سمع قبول و لا يفقهونه فقه إيمان و تصديق كل ذلك مجازاة لهم بما كفروا و فسقوا .


و قوله :« و إذا ذكرت ربك في القرآن وحده » أي على نعت التوحيد و نفي الشريك ولوا على أدبارهم نافرين و أعرضوا عنه مستدبرين .


قوله تعالى :« نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك » إلى آخر الآية ، النجوى مصدر و لذا يوصف به الواحد و المثنى و المجموع و المذكر و المؤنث و هو لا يتغير في لفظه .


و الآية بمنزلة الحجة على ما ذكر في الآية السابقة أنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم وقرا فقوله :« نحن أعلم بما يستمعون به » إلخ ناظر إلى جعل الوقر


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :115


و قوله :« و إذ هم نجوى » إلخ ناظر إلى جعل الأكنة .


يقول تعالى : نحن أعلم بآذانهم التي يستمعون بها إليك و بقلوبهم التي ينظرون بها في أمرك - و كيف لا ؟ و هو تعالى خالقها و مدبر أمرها فإخباره أنه جعل على قلوبهم أكنة و في آذانهم وقرا أصدق و أحق بالقبول - فنحن أعلم بما يستمعون به و هو آذانهم في وقت يستمعون إليك ، و نحن أعلم أي بقلوبهم إذ هم نجوى إذ يناجي بعضهم بعضا متحرزين عن الإجهار و رفع الصوت و هم يرون الرأي إذ يقول الظالمون أي يقول القائلون منهم و هم ظالمون في قولهم - إن تتبعون إلا رجلا مسحورا و هذا تصديق أنهم لم يفقهوا الحق .


و في الآية إشعار بل دلالة على أنهم كانوا لا يأتونه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لاستماع القرآن علنا حذرا من اللائمة و إنما يأتونه متسترين مستخفين حتى إذا رأى بعضهم بعضا على هذا الحال تلاوموا بالنجوى خوفا أن يحس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنون بموقفهم فقال بعضهم لبعض : إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ، و بهذا يتأيد ما ورد في أسباب النزول بهذا المعنى ، و سنورده إن شاء الله في البحث الروائي الآتي .


قوله تعالى :« انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا » المثل بمعنى الوصف ، و ضرب الأمثال التوصيف بالصفات و معنى الآية ظاهر ، و هي تفيد أنهم لا مطمع في إيمانهم كما قال تعالى :« و سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون » : يس : 10 .


قوله تعالى :« و قالوا ء إذا كنا عظاما و رفاتا ء إنا لمبعوثون خلقا جديدا » قال في المجمع ، : الرفات ما تكسر و بلي من كل شي‏ء ، و يكثر بناء فعال في كل ما يحطم و يرضض يقال : حطام و دقاق و تراب و قال المبرد : كل شي‏ء مدقوق مبالغ في دقه حتى انسحق فهو رفات .


انتهى .


في الآية مضي في بيان عدم فقههم بمعارف القرآن حيث استبعدوا البعث و هو من أهم ما يثبته القرآن و أوضح ما قامت عليه الحجج من طريق الوحي و العقل حتى وصفه الله في مواضع من كلامه بأنه« لا ريب فيه » و ليس لهم حجة على نفيه غير أنهم استبعدوه استبعادا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :116


و من أعظم ما يزين في قلوبهم هذا الاستبعاد زعمهم أن الموت فناء للإنسان و من المستبعد أن يتكون الشي‏ء عن عدم بحت كما قالوا : أ إذا كنا عظاما و رفاتا بفساد أبداننا عن الموت حتى إذا لم يبق منها إلا العظام ثم رمت العظام و صارت رفاتا أ إنا لفي خلق جديد نعود أناسي كما كنا ؟ ذلك رجع بعيد و لذلك رده سبحانه إليهم بتذكيرهم القدرة المطلقة و الخلق الأول كما سيأتي .


قوله تعالى :« قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم » جواب عن استبعادهم ، و قد عبروا في كلامهم بقولهم :« ء إذا كنا » فأمر سبحانه نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنيأمرهم أمر تسخير أن يكونوا حجارة أو حديدا« إلخ » مما تبديله إلى الإنسان أبعد و أصعب عندهم من تبديل العظام الرفات إليه .


فيكون إشارة إلى أن القدرة المطلقة الإلهية لا يشقها شي‏ء تريد تجديد خلقه سواء أ كان عظاما و رفاتا أو حجارة أو حديدا أو غير ذلك .


و المعنى : قل لهم ليكونوا شيئا أشد من العظام و الرفات حجارة أو حديدا أو مخلوقا آخر من الأشياء التي تكبر في صدورهم و يبالغون في استبعاد أن يخلق منه الإنسان - فليكونوا ما شاءوا فإن الله سيعيد إليهم خلقهم الأول و يبعثهم .


قوله تعالى :« فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة » أي فإذا أجبت عن استبعادهم بأنهم مبعوثون أياما كانوا و إلى أي حال و صفة تحولوا سيسألونك و يقولون من يعيدنا إلى ما كنا عليه من الخلقة الإنسانية ؟ فاذكر لهم الله سبحانه و ذكرهم من وصفه بما لا يبقى معه لاستبعادهم محل و هو فطره إياهم أول مرة و لم يكونوا شيئا و قل : يعيدكم الذي خلقكم أول مرة .


ففي تبديل لفظ الجلالة من قوله :« الذي فطركم أول مرة » إثبات الإمكان و رفع الاستبعاد بإراءة المثل .


قوله تعالى :« فسينغضون إليك رءوسهم و يقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا » قال الراغب : الإنغاض تحريك الرأس نحو الغير كالمتعجب منه .


انتهى .


و المعنى : فإذا قرعتهم بالحجة و ذكرتهم بقدرة الله على كل شي‏ء و فطرة إياهم أول


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :117


مرة وجدتهم يحركون إليك رءوسهم تحريك المستهزى‏ء المستخف بك المستهين له و يقولون متى هو ؟ قل عسى أن يكون قريبا فإنه لا سبيل إلى العلم به و هو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله لكن وصف اليوم معلوم بإعلامه تعالى و لذا وصفه لهم واضعا الصفة مكان الوقت فقال : يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ، الآية .


قوله تعالى :« يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده و تظنون إن لبثتم إلا قليلا »« يوم » منصوب بفعل مضمر أي تبعثون يوم كذا و كذا و الدعوة هي أمره تعالى لهم أن يقوموا ليوم الجزاء و استجابتهم هي قبولهم الدعوة الإلهية ، و قوله :« بحمده » حال من فاعل تستجيبون و التقدير تستجيبون متلبسين بحمده أي حامدين له تعدون البعث و الإعادة منه فعلا جميلا يحمد فاعله و يثنى عليه لأن الحقائق تنكشف لكم اليوم فيتبين لكم أن من الواجب في الحكمة الإلهية أن يبعث الناس للجزاء و أن تكون بعد الأولى أخرى .


و قوله :« و تظنون إن لبثتم إلا قليلا » أي تزعمون يوم البعث أنكم لم تلبثوا في القبور بعدالموت إلا زمانا قليلا و ترون أن اليوم كان قريبا منكم جدا .


و قد صدقهم الله في هذه المزعمة و أن خطأهم فيما ضربوا له من المدة قال تعالى :« قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون » : المؤمنون ، 114 ، و قال :« و يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون قال الذين أوتوا العلم و الإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث » : الروم : 56 إلى غير ذلك من الآيات .


و في التعرض لقوله :« و تظنون إن لبثتم إلا قليلا » تعريض لهم في استبطائهم اليوم و استهزائهم به ، و تأييدلما مر من رجاء قربه في قوله :« قل عسى أن يكون قريبا » أي و أنكم ستعدونه قريبا ، و كذا في قوله :« فتستجيبون بحمده » تعريض لهم في استهزائهم به و تعجبهم منه أي و أنكم ستحمدونه يوم البعث و أنتم اليوم تستبعدونه و تستهزءون بأمره .


قوله تعالى :« قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم » إلخ يلوح من السياق أن المراد بعبادي هم المؤمنون فالإضافة للتشريف ، و قوله :« قل


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :118


لعبادي يقولوا » إلخ أي مرهم أن يقولوا فهو أمر و جواب أمر مجزوم ، و قوله :« التي هي أحسن » أي الكلمة التي هي أحسن ، و هو اشتمالها على الأدب الجميل و تعريها عن الخشونة و الشتم و سوء الأمر .


الآية و ما بعدها من الآيتين ذات سياق واحد ، و خلاصة مضمونها الأمر بإحسان القول و لزوم الأدب الجميل في الكلام تحرزا عن نزغ الشيطان ، و ليعلموا أن الأمر إلى مشية الله لا إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حتى يرفع القلم عن كل من آمن به و انتسب إليه و يتأهل للسعادة ، فله ما يقول ، و له أن يحرم غيره كل خير و يسي‏ء القول فيه فما للإنسان إلا حسن سريرته و كمال أدبه ، و قد فضل الله بذلك بعض الأنبياء على بعض و خص داود بإيتاء الزبور الذي فيه أحسن القول و جميل الثناء على الله سبحانه .


و من هنا يظهر أن المؤمنين قبل الهجرة ربما كانوا يحاورون المشركين فيغلظون لهم في القول و يخاشنونهم بالكلام و ربما جبهوهم بأنهم أهل النار ، و أنهم معشر المؤمنين أهل الجنة ببركة من النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فكان ذلك يهيج المشركين عليهم و يزيد في عداوتهم و يبعثهم إلى المبالغة في فتنتهم و تعذيبهم و إيذاء النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و العناد مع الحق .


فأمر الله سبحانه نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يأمرهم بقول التي هيأحسن و المقام مناسب لذلك فقد تقدم آنفا حكاية إساءة الأدب من المشركين إلى النبي و تسميتهم إياه رجلا مسحورا و استهزائهم بالقرآن و بما فيه من معارف المبدإ و المعاد ، و هذا هو وجه اتصال الآيات الثلاث بما قبلها و اتصال بعض الثلاث ببعض فافهم ذلك .


فقوله :« و قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن » أمر بالأمر و المأمور به قول الكلمة التي هي أحسن فهو نظير قوله :« و جادلهم بالتي هي أحسن » : النحل : 125 و قوله : إن الشيطان ينزغ بينهم » تعليل للأمر ، و قوله :« إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا » تعليل لنزغ الشيطان بينهم .


و ربما قيل : إن المراد بقول التي هي أحسن الكف عن قتال المشركين و معاملتهم بالسلم و الخطاب للمؤمنين بمكة قبل الهجرة فالآية نظيرة قوله :« و قولوا للناس حسنا » : البقرة : 83 على ما ورد في أسباب النزول ، و أنت خبير بأن سياق التعليل في الآية لا يلائمه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :119


قوله تعالى :« ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم و ما أرسلناك عليهم وكيلا » قد تقدم أن الآية و ما بعدها تتمة السياق السابق ، و على ذلك فصدر الآية من تمام كلام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الذي أمر بإلقائه على المؤمنين بقوله :« قل لعبادي يقولوا » إلخ و ذيل الآية خطاب للنبي خاصة فلا التفات في الكلام .


و يمكن أن يكون الخطاب في صدر الآية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنين جميعا بتغليب جانب خطابه على غيبتهم ، و هذا أنسب بسياق الآية السابقة و تلاحق الكلام ، و الكلام لله جميعا .


و كيف كان فقوله :« ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم » في مقام تعليل الأمر السابق ثانيا ، و يفيد أنه يجب على المؤمنين أن يتحرزوا من إغلاظ القول على غيرهم و القضاء بما الله أعلم به من سعادة أو شقاء كأن يقولوا : فلان سعيد بمتابعة النبي و فلان شقي و فلان من أهل الجنة و فلان من أهل النار و عليهم أن يرجعوا الأمر و يفوضوه إلى ربهم فربكم - و الخطاب للنبي و غيره - أعلم بكم و هو يقضي فيكم على ما علم من استحقاق الرحمة أو العذاب إن يشأ يرحمكم و لا يشاء ذلك إلا مع الإيمان و العمل الصالح على ما بينه في كلامه أو إن يشأ يعذبكم و لا يشاء ذلك إلا مع الكفر و الفسوق ، و ما جعلناك أيها النبي عليهم وكيلا مفوضا إليه أمرهم حتى تختار لمن تشاء ما تشاء فتعطي هذا و تحرم ذاك .


و من ذلك يظهر أن الترديد في قوله :« إن يشأ يرحمكم أوإن يشأ يعذبكم » باعتبار المشية المختلفة باختلاف الموارد بالإيمان و الكفر و العمل الصالح و الطالح و أن قوله :« و ما أرسلناك عليهم وكيلا » لردع المؤمنين عن أن يعتمدوا في نجاتهم على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الانتساب إلى قبول دينه نظير قوله :« ليس بأمانيكم و لا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به » : النساء : 123 و قوله :« إن الذين آمنوا و الذين هادوا و النصارى و الصابئين من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم » : البقرة : 62 و آيات أخرى في هذا المعنى .


و في الآية أقوال أخر تركنا التعرض لها لعدم الجدوى .


قوله تعالى :« و ربك أعلم بمن في السموات و الأرض و لقد فضلنا بعض النبيين على بعض و آتينا داود زبورا » صدر الآية توسعة في معنى التعليل السابق كأنه قيل :


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :120


و كيف لا يكون أعلم بكم و هو أعلم بكم و هو أعلم بمن في السماوات و الأرض و أنتم منهم .


و قوله :« و لقد فضلنا بعض النبيين على بعض » كأنه تمهيد لقوله :« و آتينا داود زبورا » و الجملة تذكر فضل داود (عليه‏السلام‏) بكتابه الذي هو زبور و فيه أحسن الكلمات في تسبيحه و حمده تعالى ، و فيهتحريض للمؤمنين أن يرغبوا في أحسن القول و يتأدبوا بالأدب الجميل في المحاورة و الكلام .


و لهم في تفسير الآية أقوال أخرى تركنا التعرض لها و من أرادها فليراجع المطولات .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى :« لو كان معه آلهة كما يقولون - إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا » قال : قال : لو كانت الأصنام آلهة كما تزعمون لصعدوا إلى العرش أقول : أي لاستولوا على ملكه تعالى و أخذوا بأزمة الأمور و أما العرش بمعنى الفلك المحدد للجهات أو جسم نوراني عظيم فوق العالم الجسماني كما ذكره بعضهم فلا دليل عليه من الكتاب ، و على تقدير ثبوته لا ملازمة بين الربوبية و الصعود على هذا الجسم .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و ابن مردويه عن ابن عمر أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : إن نوحا لما حضرته الوفاة قال لابنيه : آمركما بسبحان الله و بحمده فإنها صلاة كل شي‏ء ، و بها يرزق كل شي‏ء .


أقول : قد ظهر مما قدمناه في معنى تسبيح الأشياء الارتباط المشار إليه في الرواية بين تسبيح كل شي‏ء و بين رزقه فإن الرزق يقدر بالحاجة و السؤال و كل شي‏ء إنما يسبح الله تعالى بالإشارة بإظهار حاجته و نقصه إلى تنزهه تعالى من ذلك .


و في تفسير العياشي ، عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قلت له : قول الله :« و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده » قال : كل شي‏ء يسبح بحمده ، و إنا لنرى أن تنقض الجدر هو تسبيحها :


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :121


أقول : و رواه أيضا عن الحسين بن سعيد عنه (عليه‏السلام‏) .


و فيه ، عن النوفلي عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه‏السلام‏) قال : نهى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يوسم البهائم و أن يضرب وجهها فإنها تسبح بحمد ربها : أقول : و روى النهي عن ضربها على وجوهها : الكليني فيالكافي ، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : و في حديث آخر : لا تسمها في وجوهها .


و فيه ، عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : ما من طير يصاد في بر أو بحر و لا شي‏ء يصاد من الوحش إلا بتضييعه التسبيح .


أقول : و هذا المعنى رواه أهل السنة بطرق كثيرة عن ابن مسعود و أبي الدرداء و أبي هريرة و غيرهم عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و فيه ، عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه‏السلام‏) : أنه دخل عليه رجل فقال : فداك أبي و أمي إني أجد الله يقول في كتابه :« و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم » فقال له : هو كما قال الله تبارك و تعالى . قال : أ تسبح الشجرة اليابسة ؟ فقال : نعم أ ما سمعت خشب البيت كيف ينقصف ؟ و ذلك تسبيحه فسبحان الله على كل حال .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : إن النمل يسبحن .


و فيه ، أخرج النسائي و أبو الشيخ و ابن مردويه عن ابن عمر قال : نهى رسول الله عن قتل الضفدع و قال : نعيقها تسبيح .


و فيه ، أخرج الخطيب عن أبي حمزة قال : كنا مع علي بن الحسين فمر بنا عصافير يصحن فقال : أ تدرون ما تقول هذه العصافير ؟ فقلنا : لا فقال : أما إني ما أقول : إنا نعلم الغيب و لكني سمعت أبي يقول : سمعت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين يقول : إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها و سألته قوت يومها و إن هذه تسبح ربها و تسأل قوت يومها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :122


أقول : و روي أيضا مثله عن أبي الشيخ و أبي نعيم في الحلية عن أبي حمزة الثمالي عن محمد بن علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) و لفظه قال محمد بن علي بن الحسين : و سمع عصافير يصحن قال : تدري ما يقلن ؟ قلت : لا قال : يسبحن ربهن عز و جل و يسألن قوت يومهن .


و فيه ، أخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت : دخل على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال لي : يا عائشة اغسلي هذين البردين فقلت : يا رسول الله بالأمس غسلتهما فقال لي : أ ما علمت أن الثوب يسبح فإذا اتسخ انقطع تسبيحه .


و فيه ، أخرج العقيلي في الضعفاء و أبو الشيخ و الديلمي عن أنس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : آجال البهائم كلها و خشاش الأرض و النمل و البراغيث و الجراد و الخيل و البغال و الدواب كلها و غير ذلك آجالها في التسبيح فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها ، و ليس إلى ملك الموت منها شي‏ء .


أقول : و لعل المراد من قوله : و ليس إلى ملك الموت منها شي‏ء ، أنه لا يتصدى بنفسه قبض أرواحها و إنما يباشرها بعض الملائكة و الأعوان ، و الملائكة أسباب متوسطة على أي حال .


و فيه ، أخرج أحمد عن معاذ بن أنس عن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أنه مر على قوم و هم وقوف على دواب لهم و رواحل فقال لهم : اركبوها سالمة و دعوها سالمة ، و لا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق و الأسواق فرب مركوبة خير من راكبها و أكثر ذكرا لله منه .


و في الكافي ، بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : للدابة على صاحبها ستة حقوق : لا يحملها فوق طاقتها ، و لا يتخذ ظهرها مجلسا يتحدث عليها ، و يبدأ بعلفها إذا نزل ، و لا يسمها في وجهها ، و لا يضربها فإنها تسبح ، و يعرض عليها الماء إذا مر بها .


و في مناقب ابن شهرآشوب ، : علقمة و ابن مسعود : كنا نجلس مع النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و نسمع الطعام يسبح و رسول الله يأكل ، و أتاه مكرز العامري و سأله آية فدعا بتسع


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :123


حصيات فسبحن في يده ، و في حديث أبي ذر : فوضعهن على الأرض فلم يسبحن و سكتن ثم عاد و أخذهن فسبحن .


ابن عباس قال : قدم ملوك حضرموت على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالوا كيف نعلم أنك رسول الله ؟ فأخذ كفا من حصى فقال : هذا يشهد أني رسول الله فسبح الحصا في يده و شهد أنه رسول الله .


و فيه ، أبو هريرة و جابر الأنصاري و ابن عباس و أبي بن كعب و زين العابدين : أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يخطب بالمدينة إلى بعض الأجذاع فلما كثر الناس و اتخذوا له منبرا و تحول إليه حن كما يحن الناقة ، فلما جاء إليه و أكرمه كان يئن أنين الصبي الذي يسكت .


أقول : و الروايات في تسبيح الأشياء على اختلاف أنواعها كثيرة جدا ، و ربما اشتبه أمرها على بعضهم فزعم أن هذا التسبيح العام من قبيل الأصوات ، و أن لعامة الأشياء لغة أو لغات ذات كلمات موضوعة لمعان نظير ما للإنسان مستعملة للكشف عما في الضمير غير أن حواسنا مصروفة عنها و هو كما ترى .


و الذي تحصل من البحث المتقدم في ذيل الآية الكريمة أن لها تسبيحا هو كلام بحقيقة معنى الكلام و هو إظهارها تنزه ربها بإظهارها نقص ذاتها و صفاتها و أفعالها عن علم منها بذلك ، و هو الكلام فما روي من سماعهم تسبيح الحصى في كف النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو سماع تسبيح الجبال و الطير إذا سبح داود (عليه‏السلام‏) أو ما يشبه ذلك إنما كان بإدراكهم تسبيحها الواقعي بحقيقة معناه من طريق الباطن ثم محاكاة الحس ذلك بما يناظره و يناسبه من الألفاظ و الكلمات الموضوعة لما يفيد ما أدركوه من المعنى .


نظير ذلك ما تقدم من ظهور المعاني المجردة عن الصورة في الرؤيا فيما يناسبه من الصور المألوفة كظهور حقيقة يعقوب و أهله و بنيه ليوسف (عليه‏السلام‏) في رؤياه في صورة الشمس و القمر و الكواكب و نظير سائر الرؤى التي حكاها الله سبحانه في سورة يوسف و قد تقدم البحث عنها .


فالذي يناله من ينكشف له تسبيح الأشياء أو حمدها أو شهادتها أو ما يشابه ذلك حقيقة المعنى أولا ثم يحاكيه الحس الباطن في صورة ألفاظ مسموعة تؤدي ما ناله من المعنى و الله أعلم .


و في الدر المنثور ، : أخرج أبو يعلى و ابن أبي حاتم و صححه و ابن مردويه و أبو نعيم


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :124


و البيهقي معا في الدلائل ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : لما نزلت« يدا أبي لهب » أقبلت العوراء أم جميل و لها ولولة و في يدها فهر و هي تقول : مذمما أبينا و دينه قلينا و أمره عصينا و رسولالله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جالس و أبو بكر إلى جنبه فقال أبو بكر : لقد أقبلت هذه و أنا أخاف أن تراك فقال : إنها لن تراني و قرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى :« و إذا قرأت القرآن جعلنا بينك - و بين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا » فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم تر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالت : يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني فقال أبو بكر : لا و رب هذا البيت ما هجاك فانصرفت و هي تقول : قد علمت قريش أني بنت سيدها : أقول : و روي أيضا بطريق آخر عن أسماء و عن أبي بكر و ابن عباس مختصرا و رواه أيضا في البحار ، عن قرب الإسناد عن الحسن بن ظريف عن معمر عن الرضا عن أبيه عن جده (عليهم‏السلام‏) في حديث يذكر فيه جوامع معجزات النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في تفسير العياشي ، عن زرارة عن أحدهما (عليهماالسلام‏) قال : في« بسم الله الرحمن الرحيم » قال : هو أحق ما جهر به ، و هي الآية التي قال الله :« و إذا ذكرت ربك في القرآن وحده بسم الله الرحمن الرحيم » ولوا على أدبارهم نفورا » كان المشركون يستمعون إلى قراءة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فإذا قرأ« بسم الله الرحمن الرحيم » نفروا و ذهبوا فإذا فرغ منه عادوا و تسمعوا : أقول : و روي هذا المعنى أيضا عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) و رواه القمي في تفسيره ، مضمرا .


و في الدر المنثور ، أخرج البخاري في تاريخه ، عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال : لم كتمتم« بسم الله الرحمن الرحيم » فنعم الاسم و الله كتموا فإن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان إذا دخل منزله اجتمعت عليه قريش فيجهر ببسم الله الرحمن الرحيم و يرفع صوته بها فتولى قريش فرارا فأنزل الله :« و إذا ذكرت ربك في القرآن وحده - ولوا على أدبارهم نفورا » .


و فيه ، أخرج ابن إسحاق و البيهقي في الدلائل ، عن الزهري قال : حدثت أن أبا


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :125


جهل و أبا سفيان و الأخنس بن شريق خرجوا ليلة يستمعون من رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو يصلي بالليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه و كل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فتلاوموا فقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا . ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له حتى طلع الفجرتفرقوا فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا . فلما أصبح الأخنس أتى أبا سفيان في بيته فقال : أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد قال : و الله سمعت أشياء أعرفها و أعرف ما يراد بها و سمعت أشياء ما عرفت معناها و لا ما يراد بها . قال الأخنس : و أنا و الذي حلفت به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فقال : ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ قال : ما ذا سمعت ؟ تنازعنا نحن و بنو عبد مناف في الشرف أطعموا فأطعمنا و حملوا فحملنا و أعطوا فأعطينا حتى إذا تجانبنا على الركب و كنا كفرسي الرهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى تدرك هذه ؟ لا و الله لا نؤمن به أبدا و لا نصدقه فقام عنه الأخنس و تركه .


و في المجمع ، : كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بمكة فيقولون يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فيقول لهم : إني لم أومر فيهم بشي‏ء فأنزل الله سبحانه :« قل لعبادي » الآية : عن الكلبي .


أقول : قد أشرنا في تفسير الآية أنه لا يلائم سياقها .


و الله أعلم.

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :