امروز:
سه شنبه 25 مهر 1396
بازدید :
703
تفسيرالميزان : سوره كهف آيات 26- 1


18 سورة الكهف مكية و هي مائة و عشر آيات 110


سورة الكهف‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَْمْدُ للَّهِ الَّذِى أَنزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتَب وَ لَمْ يجْعَل لَّهُ عِوَجَا(1) قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَ يُبَشرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسناً(2) مَّكِثِينَ فِيهِ أَبَداً(3) وَ يُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتخَذَ اللَّهُ وَلَداً(4) مَّا لهَُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَ لا لاَبَائهِمْكَبرَت كلِمَةًتخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمْإِن يَقُولُونَ إِلا كَذِباً(5) فَلَعَلَّك بَخِعٌ نَّفْسك عَلى ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسفاً(6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلى الأَرْضِ زِينَةً لهََّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيهُمْ أَحْسنُ عَمَلاً(7) وَ إِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيهَا صعِيداً جُرُزاً(8)



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :236


بيان


السورة تتضمن الدعوة إلى الاعتقاد الحق و العمل الصالح بالإنذار و التبشير كما يلوح إليه ما افتتحت به من الآيتين و ما اختتمت به من قوله تعالى :« فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا » .


و فيها مع ذلك عناية بالغة بنفي الولد كما يدل على ذلك تخصيص إنذار القائلين بالولد بالذكر ثانيا بعد ذكر مطلق الإنذار أولا أعني وقوع قوله :« و ينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا » بعد قوله :« لينذر بأسا شديدا من لدنه » .


فوجه الكلام فيها إلى الوثنيين القائلين ببنوة الملائكة و الجن و المصلحين من البشر و النصارى القائلين ببنوة المسيح (عليه‏السلام‏) و لعل اليهود يشاركونهم فيه حيث يذكر القرآن عنهم أنهم قالوا : عزير ابن الله .


و غير بعيد أن يقال إن الغرض مننزول السورة ذكر القصص الثلاث العجيبة التي لم تذكر في القرآن الكريم إلا في هذه السورة و هي قصة أصحاب الكهف و قصة موسى و فتاه في مسيرهما إلى مجمع البحرين و قصة ذي القرنين ثم استفيد منها ما استفرغ في السورة من الكلام في نفي الشريك و الحث على تقوى الله سبحانه .


و السورة مكية على ما يستفاد من سياق آياتها و قد استثني منها قوله :« و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم » الآية و سيجي‏ء ما فيه من الكلام .


قوله تعالى :« الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا قيما » العوج بفتح العين و كسرها الانحراف ، قال في المجمع ، : العوج بالفتح فيما يرى كالقناة و الخشبة و بالكسر فيما لا يرى شخصا قائما كالدين و الكلام .


انتهى .


و لعل المراد بما يرى و ما لا يرى ما يسهل رؤيته و ما يشكل كما ذكره الراغب في المفردات ، بقوله : العوج - بالفتح - يقال فيما يدرك بالبصر سهلا كالخشب المنتصب و نحوه و العوج - بالكسر - يقال فيما يدرك بالفكر و البصيرة كما يكون في أرض بسيط يعرف تفاوته بالبصيرة و كالدين و المعاش انتهى .


فلا يرد عليه ما في قوله تعالى :« لا ترى فيها عوجا - بكسر العين - و لا أمتا » : طه : 107 فافهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :237


و قد افتتح تعالى الكلام في السورة بالثناء على نفسه بما نزل على عبده قرآنا لا انحراف فيه عن الحق بوجه و هو قيم على مصالح عباده في حياتهم الدنيا و الآخرة فله كل الحمد فيما يترتب على نزوله من الخيرات و البركات من يوم نزل إلى يوم القيامة فلا ينبغي أن يرتاب الباحث الناقد أن ما في المجتمع البشري من الصلاح و السداد من بركات ما بثه الأنبياء الكرام من الدعوة إلى القول الحق و الخلق الحسن و العمل الصالح و أن ما يمتاز به عصر القرآن في قرونه الأربعة عشر عما تقدمه من الأعصار من رقي المجتمع البشري و تقدمه في علم نافع أو عمل صالح للقرآن فيه أثره الخاص و للدعوة النبوية فيه أياديها الجميلة فلله في ذلك الحمد كله .


و من هنا يظهر أن قول بعضهم في تفسير الآية : يعني قولوا الحمد لله الذي نزل« إلخ » ليس على ما ينبغي .


و قوله :« و لم يجعل له عوجا » الضمير للكتاب و الجملة حال عن الكتاب و قوله :« قيما » حال بعد حال على ما يفيده السياق فإنه تعالى في مقام حمد نفسه من جهة تنزيله كتابا موصوفا بأنه لا عوج له و أنه قيم على مصالح المجتمع البشري فالعناية متعلقة بالوصفين موزعة بينهما على السواء و هو مفاد كونهما حالين من الكتاب .


و قيل إن جملة« و لم يجعل له عوجا » معطوفة على الصلة و« قيما » حال من ضمير« له » و المعنى و الذي لم يجعل للكتاب حال كونه قيما عوجا أو أن« قيما » منصوب بمقدر ، و المعنى : و الذي لم يجعل له عوجا و جعله قيما ، و لازم الوجهين انقسام العناية بين أصل النزول و بين كون الكتاب قيما لا عوج له .


و قد عرفت أنه خلاف ما يستفاد من السياق .


و قيل : إن في الآية تقديما و تأخيرا ، و التقدير نزل الكتاب قيما و لم يجعل له عوجا و هو أردأ الوجوه .


و قد قدم نفي العوج على إثبات القيمومة لأن الأول كمال الكتاب في نفسه و الثاني تكميله لغيره و الكمال مقدم طبعا على التكميل .


و وقوع« عوجا » و هو نكرة في سياق النفي يفيد العموم فالقرآن مستقيم في جميع جهاته فصيح في لفظه ، بليغ في معناه ، مصيب في هدايته ، حي في حججه و براهينه ، ناصح في أمره و نهيه ، صادق فيما يقصه من قصصه و أخباره ، فاصل فيما يقضي به


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :238


محفوظ من مخالطة الشياطين ، لا اختلاف فيه ، و لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه .


و القيم هو الذي يقوم بمصلحة الشي‏ء و تدبير أمره كقيم الدار و هو القائم بمصالحها و يرجع إليه في أمورها ، و الكتاب إنما يكون قيما بما يشتمل عليه من المعاني ، و الذي يتضمنه القرآن هو الاعتقاد الحق و العمل الصالح كما قال تعالى :« يهدي إلى الحق و إلى طريق مستقيم » : الأحقاف : 30 ، و هذا هو الدين و قد وصف تعالى دينه في مواضع من كتابه بأنه قيم قال :« فأقم وجهك للدين القيم » : الروم : 43 و على هذا فتوصيف الكتاب بالقيم لما يتضمنه من الدين القيم على مصالح العالم الإنساني في دنياهم و أخراهم .


و ربما عكس الأمر فأخذ القيمومة وصفا للكتاب ثم للدين من جهته كما في قوله تعالى :« و ذلك دين القيمة » : البينة : 5 فالظاهر أن معناه دين الكتب القيمة و هو نوع تجوز .


و قيل : المراد بالقيم المستقيم المعتدل الذي لا إفراط فيه و لا تفريط ، و قيل : القيم المدبر لسائر الكتب السماوية يصدقها و يحفظها و ينسخ شرائعها و تعقيب الكلمة بقوله :« لينذر بأسا شديدا من لدنه و يبشر المؤمنين » إلخ يؤيد ما قدمناه .


قوله تعالى :« لينذر بأسا شديدا من لدنه و يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات » الآية أي لينذر الكافرين عذابا شديدا صادرا من عند الله كذا قيل و الظاهر بقرينة تقييد المؤمنين المبشرين بقوله :« الذين يعملون الصالحات » إن التقدير لينذر الذين لا يعملون الصالحات أعم ممن لا يؤمن أصلا أو يؤمن و يفسق في عمله .


و الجملة على أي حال بيان لتنزيله الكتاب على عبده مستقيما قيما إذ لو لا استقامته في نفسه و قيمومته على غيره لم يستقم إنذار و لا تبشير و هو ظاهر .


و المراد بالأجر الحسن الجنة بقرينة قوله في الآية التالية :« ماكثين فيه أبدا » و المعنى ظاهر .


قوله تعالى :« و ينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا » و هم عامة الوثنيين القائلين بأن الملائكة أبناء أو بنات له و ربما قالوا بذلك في الجن و المصلحين من البشر و النصارى


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :239


القائلين بأن المسيح ابن الله و قد نسب القرآن إلى اليهود أنهم قالوا : عزير ابن الله .


و ذكر إنذارهم خاصة ثانيا بعد ذكره على وجه العموم أولا بقوله :« لينذر بأسا شديدا من لدنه » لمزيد الاهتمام بشأنهم .


قوله تعالى :« ما لهم به من علم و لا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم » كانت عامتهم يريدون بقولهم : اتخذ الله ولدا حقيقة التوليد كما يدل عليه قوله أنى يكون له ولد و لم تكن له صاحبة و خلق كل شي‏ء » : الأنعام : 101 .


و قد رد سبحانه قولهم عليهم أولا بأنه قول منهم جهلا بغير علم و ثانيا بقوله في آخر الآية :« إن يقولون إلا كذبا » .


و كان قوله :« ما لهم به من علم » شاملا لهم جميعا من آباء و أبناء لكنهم لما كانوا يحيلون العلم به إلى آبائهم قائلين إن هذه ملة آبائنا و هم أعلم منا و ليس لنا إلا أن نتبعهم و نقتدي بهم فرق تعالى بينهم و بين آبائهم فنفى العلم عنهم أولا و عن آبائهم الذين كانوا يركنون إليهم ثانيا ليكون إبطالا لقولهم و لحجتهم جميعا .


و قوله :« كبرت كلمة تخرج من أفواههم » ذم لهم و إعظام لقولهم : اتخذ الله ولدا لما فيه من عظيم الاجتراء على الله سبحانه بنسبة الشريك و التجسم و التركب و الحاجة إلى المعين و الخليفة إليه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .


و ربما وقع في كلام أوائلهم إطلاق الابن على بعض خلقه بعناية التشريف للدلالة على قربه منه و اختصاصه به نظير قول اليهود فيما حكاه القرآن : عزير ابن الله ، و قولهم : نحن أبناء الله و أحباؤه ، و كذا وقع في كلام عدة من قدمائهم إطلاق الابن على بعض الخلق الأول بعناية صدوره منه كما يصدر الابن عن الأب و إطلاق الزوج و الصاحبة على وسائط الصدور و الإيجاد كما أن زوج الرجل واسطة لصدور الولد منه فأطلق على بعض الملائكة من الخلق الأول الزوج و على بعض آخر منهم الابن أو البنت .


و هذان الإطلاقان و إن لم يشتملا على مثل ما اشتمل عليه الإطلاق الأول لكونهما من التجوز بعناية التشريف و نحوه لكنهما ممنوعان شرعا و كفى ملاكا لحرمتهما سوقهما و سوق أمثالهما عامة الناس إلى الشقاء الدائم و الهلاك الخالد .


قوله تعالى :« فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا »


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :240


البخوع و البخع القتل و الإهلاك و الآثار علائم أقدام المارة على الأرض ، و الأسف شدة الحزن و المراد بهذا الحديث القرآن .


و الآية و اللتان بعدها في مقام تعزية النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تسليته و تطييب نفسه و الفاء لتفريع الكلام على كفرهم و جحدهم بآيات الله المفهوم من الآيات السابقة و المعنى يرجى منك أن تهلك نفسك بعد إعراضهم عن القرآن و انصرافهم عنك من شدة الحزن ، و قد دل على إعراضهم و توليهم بقوله : على آثارهم و هو من الاستعارة .


قوله تعالى :« إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا » إلى آخر الآيتين الزينة الأمر الجميل الذي ينضم إلى الشي‏ء فيفيده جمالا يرغب إليه لأجله و الصعيد ظهر الأرض و الجرز على ما في المجمع ، الأرض التي لا تنبت كأنها تأكل النبت أكلا .


و لقد أتى في الآيتين ببيان عجيب في حقيقة حياة الإنسان الأرضية و هو أن النفوس الإنسانية - و هي في أصل جوهرها علوية شريفة - ما كانت لتميل إلى الأرض و الحياة عليها و قد قدر الله أن يكون كمالها و سعادتها الخالدة بالاعتقاد الحق و العمل الصالح فاحتالت العناية الإلهية إلى توقيفها موقف الاعتقاد و العمل و إيصالها إلى محك التصفية و التطهير و إسكانها الأرض إلى أجل معلوم بإلقاء التعلق و الارتباط بينها و بين ما على الأرض من أمتعة الحياة من مال و ولد و جاه و تحبيبه إلى قلوبهم فكان ما على الأرض و هو جميل عندهم محبوب في أنفسهم زينة للأرض و حلية تتحلى بها لكونه عليها فتعلقت نفوسهم على الأرض بسببه و اطمأنت إليها .


فإذا انقضى الأجل الذي أجله الله تعالى لمكثهم في الأرض بتحقق ما أراده من البلاء و الامتحان سلب الله ما بينهم و بين ما على الأرض من التعلق و محى ما له من الجمال و الزينة و صار كالصعيد الجرز الذي لا نبت فيه و لا نضارة عليه و نودي فيهم بالرحيل و هم فرادى كما خلقهم الله تعالى أول مرة .


و هذه سنة الله تعالى في خلق الإنسان و إسكانه الأرض و تزيينه ما عليها له ليمتحنه بذلكو يتميز به أهل السعادة من غيرهم فيأتي سبحانه بالجيل بعد الجيل و الفرد بعد الفرد فيزين له ما على وجه الأرض من أمتعة الحياة ثم يخليه و اختياره ليختبرهم بذلك


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :241


ثم إذا تم الاختبار قطع ما بينه و بين زخارف الدنيا المزينة و نقله من دار العمل إلى دار الجزاء قال تعالى :« و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم - إلى أن قال - و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة و تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم و ما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم و ضل عنكم ما كنتم تزعمون » : الأنعام : 94 .


فمحصل معنى الآية لا تتحرج و لا تأسف عليهم إذ أعرضوا عن دعوتك بالإنذار و التبشير و اشتغلوا بالتمتع من أمتعة الحياة فما هم بسابقين و لا معجزين و إنما حقيقة حياتهم هذه نوع تسخير إلهي أسكناهم الأرض ثم جعلنا ما على الأرض زينة يفتتن الناظر إليها لتتعلق به نفوسهم فنبلوهم أيهم أحسن عملا و إنا لجاعلون هذا الذي زين لهم بعينه كالصعيد الجرز الذي ليس فيه نبت و لا شي‏ء مما يرغب فيه النفس فالله سبحانه لم يشأ منهم الإيمان جميعا حتى يكون مغلوبا بكفرهم بالكتاب و تماديهم في الضلال و تبخع أنت نفسك على آثارهم أسفا و إنما أراد بهم الابتلاء و الامتحان و هو سبحانه الغالب فيما شاء و أراد .


و قد ظهر بما تقدم أن قوله :« و إنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا » من الاستعارة بالكناية ، و المراد به قطع رابطة التعلق بين الإنسان و بين أمتعة الحياة الدنيا مما على الأرض .


و ربما قيل : إن المراد به حقيقة معنى الصعيد الجرز ، و المعنى أنا سنعيد ما على الأرض من زينة ترابا مستويا بالأرض ، و نجعله صعيدا أملس لا نبات فيه و لا شي‏ء عليه .


و قوله :« ما عليها » من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر و كان من طبع الكلام أن يقال : و إنا لجاعلوه ، و لعل النكتة مزيد العناية بوصف كونه على الأرض .


بحث روائي


في تفسير العياشي ، عن البرقي رفعه عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : لينذر بأسا شديدا من لدنه » قال : البأس الشديد علي (عليه‏السلام‏) و هو من لدن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قاتل معه عدوه فذلك قوله :« لينذر بأسا شديدا من لدنه »:


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :242


أقول : و رواه ابن شهرآشوب عن الباقر و الصادق (عليهماالسلام‏) : و هو من التطبيق و ليس بتفسير .


و في تفسير القمي ، في حديث أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله :« فلعلك باخع نفسك« يقول : قاتل نفسك على آثارهم ، و أما أسفا يقول حزنا .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و الحاكم في التاريخ ، عن ابن عمر قال : تلا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) هذه الآية« لنبلوهم أيهم أحسن عملا » فقلت ما معنى ذلك يا رسول الله ؟ قال : ليبلوكم أيكم أحسن عقلا و أورع عن محارم الله و أسرعكم في طاعة الله .


و في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله :« صعيدا جرزا » قال : لا نبات فيها .


أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصحَب الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ ءَايَتِنَا عجَباً(9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا ءَاتِنَا مِن لَّدُنك رَحْمَةً وَ هَيئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشداً(10) فَضرَبْنَا عَلى ءَاذَانِهِمْ فى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً(11) ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ أَى الحِْزْبَينِ أَحْصى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً(12) نحْنُ نَقُص عَلَيْك نَبَأَهُم بِالْحَقّ‏ِإِنهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْنَهُمْ هُدًى‏(13) وَ رَبَطنَا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهاًلَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شططاً(14) هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةًلَّوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسلْطنِ بَينٍفَمَنْ أَظلَمُ مِمَّنِ افْترَى عَلى اللَّهِ كَذِباً(15) وَ إِذِ اعْتزَلْتُمُوهُمْ وَ مَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُا إِلى الْكَهْفِ يَنشرْ لَكمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَ يُهَيئْ لَكم مِّنْ أَمْرِكم مِّرْفَقاً(16) × وَ تَرَى الشمْس إِذَا طلَعَت تَّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَات الْيَمِينِ وَ إِذَا غَرَبَت تَّقْرِضهُمْ ذَات الشمَالِ وَ هُمْ فى فَجْوَةٍ مِّنْهُذَلِك مِنْ ءَايَتِ اللَّهِمَن يهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِوَ مَن يُضلِلْ فَلَن تجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِداً(17) وَ تحْسبهُمْ أَيْقَاظاً وَ هُمْ رُقُودٌوَ نُقَلِّبُهُمْ ذَات الْيَمِينِ وَ ذَات الشمَالِوَ كلْبُهُم بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِلَوِ اطلَعْت عَلَيهِمْ لَوَلَّيْت مِنْهُمْ فِرَاراً وَ لَمُلِئْت مِنهُمْ رُعْباً(18) وَ كذَلِك بَعَثْنَهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنهُمْقَالَ قَائلٌ مِّنهُمْ كمْ لَبِثْتُمْقَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْض يَوْمٍقَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظرْ أَيهَا أَزْكى طعَاماً فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَ لْيَتَلَطف وَ لا يُشعِرَنَّ بِكمْ أَحَداً(19) إِنهُمْ إِن يَظهَرُوا عَلَيْكمْ يَرْجُمُوكمْ أَوْ يُعِيدُوكمْ فى مِلَّتِهِمْ وَ لَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً(20) وَ كذَلِك أَعْثرْنَا عَلَيهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ الساعَةَ لا رَيْب فِيهَا إِذْ يَتَنَزَعُونَ بَيْنهُمْ أَمْرَهُمْفَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِم بُنْيَناًرَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَّسجِداً(21) سيَقُولُونَ ثَلَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسةٌ سادِسهُمْ كلْبهُمْ رَجْمَا بِالْغَيْبِوَ يَقُولُونَ سبْعَةٌ وَ ثَامِنهُمْ كلْبهُمْقُل رَّبى أَعْلَمُ بِعِدَّتهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌفَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظهِراً وَ لا تَستَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً(22) وَ لا تَقُولَنَّ لِشاى‏ءٍ إِنى فَاعِلٌ ذَلِك غَداً(23) إِلا أَن يَشاءَ اللَّهُوَ اذْكُر رَّبَّك إِذَا نَسِيت وَ قُلْ عَسى أَن يهْدِيَنِ رَبى لأَقْرَب مِنْ هَذَا رَشداً(24) وَ لَبِثُوا فى كَهْفِهِمْ ثَلَث مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسعاً(25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوالَهُ غَيْب السمَوَتِ وَ الأَرْضِأَبْصِرْ بِهِ وَ أَسمِعْمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلىّ‏ٍ وَ لا يُشرِك فى حُكْمِهِ أَحَداً(26)



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :243


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :244


بيان


الآيات تذكر قصة أصحاب الكهف و هي أحد الأمور الثلاثة التي أشارت اليهود على قريش أن تسأل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عنها و تختبر بها صدقه في دعوى النبوة : قصة أصحاب الكهف و قصة موسى و فتاه و قصة ذي القرنين على ما وردت به الرواية غير أن هذه القصة لم تصدر بما يدل على تعلق السؤال بها كما صدرت به قصة ذي القرنين :« يسألونك عن ذي القرنين » الآية و إن كان في آخرها بعض ما يشعر بذلك كقوله :« و لا تقولن لشي‏ء إني فاعل ذلك غدا » على ما سيجي‏ء .


و سياق الآيات الثلاث التي افتتحت بها القصة مشعر بأن قصة الكهف كانت معلومة إجمالا قبل نزول الوحي بذكر القصة و خاصة سياق قوله :« أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا و أن الذي كشف عنه الوحي تفصيل قصتهم الآخذ من قوله :« نحن نقص عليك نبأهم بالحق » إلى آخر الآيات .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :245


و وجه اتصال آيات القصة بما تقدم أنه يشير بذكر قصتهم و نفي كونهم عجبا من آيات الله أن أمر جعله تعالى ما على الأرض زينة لها يتعلق بها الإنسان و يطمئن إليها مكبا عليها منصرفا غافلا عن غيرها لغرض البلاء و الامتحان ثم جعل ما عليها بعد أيام قلائل صعيدا جرزا لا يظهر للإنسان إلا سدى و سرابا ليس ذلك كله إلا آية إلهية هي نظيرة ما جرى على أصحاب الكهف حين سلط الله عليهم النوم في فجوة من الكهف ثلاث مائة سنين شمسية ثم لما بعثهم لم يحسبوا مكثهم ذلك إلا مكث يوم أو بعض يوم .


فمكث كل إنسان في الدنيا و اشتغاله بزخارفها و زيناتها و تولهه إليها ذاهلا عما سواها آية تضاهي في معناها آية أصحاب الكهف و سيبعث الله الناس من هذه الرقدة فيسألهم« كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم » : المؤمنون : 113« كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار » : الأحقاف : 35 فما آية أصحاب الكهف ببدع عجيبمن بين الآيات بل هي متكررة جارية ما جرت الأيام و الليالي على الإنسان .


فكأنه تعالى لما قال :« فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا » إلى تمام ثلاث آيات قال مخاطبا لنبيه : فكأنك ما تنبهت أن اشتغالهم بالدنيا و عدم إيمانهم بهذا الحديث عن تعلقهم بزينة الأرض آية إلهية تشابه آية مكث أصحاب الكهف في كهفهم ثم انبعاثهم و لذلك حزنت و كدت تقتل نفسك أسفا بل حسبت أن أصحاب الكهف كانوا من آياتنا بدعا عجبا من النوادر في هذا الباب .


و إنما لم يصرح بهذا المعنى صونا لمقام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن نسبة الغفلة و الذهول إليه و لأن الكناية أبلغ من التصريح .


هذا ما يعطيه التدبر في وجه اتصال القصة و على هذا النمط يجري السياق في اتصال ما يتلو هذه القصة من مثل رجلين لأحدهما جنتان و قصة موسى و فتاه و سيجي‏ء بيانه و قد ذكر في اتصال القصة وجوه أخر غير وجيهة لا جدوى في نقلها .


قوله تعالى :« أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا » الحسبان هو الظن ، و الكهف هو المغارة في الجبل إلا أنه أوسع منها فإذا صغر سمي غارا و الرقيم من الرقم و هو الكتابة و الخط فهو في الأصل فعيل بمعنى المفعول كالجريح


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :246


و القتيل بمعنى المجروح و المقتول ، و العجب مصدر بمعنى التعجب أريد به معنى الوصف مبالغة .


و ظاهر سياق القصة أن أصحاب الكهف و الرقيم جماعة بأعيانهم و القصة قصتهم جميعا فهم المسمون أصحاب الكهف و أصحاب الرقيم أما تسميتهم أصحاب الكهف فلدخولهم الكهف و وقوع ما جرى عليهم فيه .


و أما تسميتهم أصحاب الرقيم فقد قيل : إن قصتهم كانت منقوشة في لوح منصوب هناك أو محفوظ في خزانة الملوك فبذلك سموا أصحاب الرقيم : و قيل : إن الرقيم اسم الجبل الذي فيه الكهف ، أو الوادي الذي فيه الجبل أو البلد الذي خرجوا منه إلى الكهف أو الكلب الذي كان معهم أقوال خمسة ، و سيأتي في الكلام على قصتهم ما يؤيد القول الأول .


و قيل : إن أصحاب الرقيم غير أصحاب الكهف و قصتهم غير قصتهم ذكرهم الله مع أصحاب الكهف و لم يذكر قصتهم و قد رووا لهم قصة سنشير إليها في البحث الروائي الآتي .


و هو بعيد جدا فما كان الله ليشير في بليغ كلامه إلى قصة طائفتين ثم يفصل القول في إحدى القصتين و لا يتعرض للأخرى لا إجمالا و لا تفصيلا على أن ما أوردوه من قصة أصحاب الرقيم لا يلائم السياق السابق المستدعي لذكر قصة أصحاب الكهف .


و قد تبين مما تقدم في وجه اتصال القصة أن معنى الآية : بل ظننت أن أصحاب الكهف و الرقيم - و قد أنامهم الله مئات من السنين ثم أيقظهم فحسبوا أنهم لبثوا يوما أو بعض يوم - كانوا من آياتنا آية عجيبة كل العجب ؟ لا و ليسوا بعجب و ما يجري على عامة الإنسان من افتتانه بزينة الأرض و غفلته عن أمر المعاد ثم بعثه و هو يستقل اللبث في الدنيا آية جارية تضاهي آية الكهف .


و ظاهر السياق - كما تقدمت الإشارة إليه - أن القصة كانت معلومة للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إجمالا عند نزول القصة و إنما العناية متعلقة بالإخبار عن تفصيلها ، و يؤيد ذلك تعقيب الآية بالآيات الثلاث المتضمنة لإجمال القصة حيث إنها تذكر إجمال القصة المؤدي إلى عدهم آية عجيبة نادرة في بابها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :247


قوله تعالى :« إذ أوى الفتية إلى الكهف » إلى آخر الآية الأوي الرجوع و لا كل رجوع بل رجوع الإنسان أو الحيوان إلى محل يستقر فيه أو ليستقر فيه و الفتية جمع سماعي لفتى و الفتى الشاب و لا تخلو الكلمة من شائبة مدح .


و التهيئة الإعداد قال البيضاوي : و أصل التهيئة إحداث هيأة الشي‏ء انتهى و الرشد بفتحتين أو الضم فالسكون الاهتداء إلى المطلوب ، قال الراغب : الرشد و الرشد خلاف الغي يستعمل استعمال الهداية .


انتهى .


و قوله :« فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة » تفريع لدعائهم على أويهم كأنهم اضطروا لفقد القوة و انقطاع الحيلة إلى المبادرة إلى المسألة ، و يؤيده قولهم :« من لدنك » فلو لا أن المذاهب أعيتهم و الأسباب تقطعت بهم و اليأس أحاط بهم ما قيدوا الرحمة المسئولة أن تكون من لدنه تعالى بل قالوا : آتنا رحمة كقول غيرهم« ربنا آتنا في الدنيا حسنة » : البقرة : 201« ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك » : آل عمران : 194 فالمراد بالرحمة المسئولة التأييد الإلهي إذ لا مؤيد غيره .


و يمكن أن يكون المراد بالرحمة المسئولة من لدنه بعض المواهب و النعم المختصة به تعالى كالهداية التي يصرح في مواضع من كلامه بأنها منه خاصة ، و يشعر به التقييد بقوله« من لدنك » ، و يؤيده ورود نظيره في دعاء الراسخين في العلم المنقول في قوله :« ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة » : آل عمران : 8 فما سألوا إلا الهداية .


و قوله :« و هيى‏ء لنا من أمرنا رشدا » المراد من أمرهم الشأن الذي يخصهم و هم عليه و قد هربوا من قوم يتبعون المؤمنين و يسفكون دماءهم و يكرهونهمعلى عبادة غير الله ، و التجئوا إلى كهف و هم لا يدرون ما ذا سيجري عليهم ؟ و لا يهتدون أي سبيل للنجاة يسلكون ؟ و من هنا يظهر أن المراد بالرشد الاهتداء إلى ما فيه نجاتهم .


فالجملة أعني قوله :« و هيى‏ء لنا من أمرنا رشدا » على أول الاحتمالين السابقين في معنى الرحمة عطف تفسير على قوله :« آتنا من لدنك رحمة » و على ثانيهما مسألة بعد مسألة .


قوله تعالى :« فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا » قال في الكشاف ، أي


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :248


ضربنا عليها حجابا من أن تسمع يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع و لا يستنبه فحذف المفعول الذي هو الحجاب كما يقال : بنى على امرأته يريدون بنى عليها القبة .


انتهى .


و قال في المجمع ، : و معنى ضربنا على آذانهم سلطنا عليهم النوم ، و هو من الكلام البالغ في الفصاحة يقال : ضربه الله بالفالج إذا ابتلاه الله به ، قال قطرب : هو كقول العرب : ضرب الأمير على يد فلان إذا منعه من التصرف ، قال الأسود بن يعفر و قد كان ضريرا : و من الحوادث لا أبالك أنني .


ضربت علي الأرض بالأسداد .


و قال : هذا من فصيح لغات القرآن التي لا يمكن أن يترجم بمعنى يوافق اللفظ انتهى ، و ما ذكره من المعنى أبلغ مما ذكره الزمخشري .


و هنا معنى ثالث و إن لم يذكروه : و هو أن يكون إشارة إلى ما تصنعه النساء عند إنامة الصبي غالبا من الضرب على أذنه بدق الأكف أو الأنامل عليها دقا نعيما لتتجمع حاسته عليه فيأخذه النوم بذلك فالجملة كناية عن إنامتهم سنين معدودة بشفقة و حنان كما تفعل الأم المرضع بطفلها الرضيع .


و قوله :« سنين عددا » ظرف للضرب ، و العدد مصدر كالعد بمعنى المعدود فالمعنى سنين معدودة ، و قيل بحذف المضاف و التقدير ذوات عدد .


و قد قال في الكشاف ، إن توصيف السنين بالعدد يحتمل أن يراد به التكثير أو التقليل لأن الكثير قليل عنده كقوله : لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، و قال الزجاج إن الشي‏ء إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعد و إذا كثر احتاج إلى أن يعد .


انتهى ملخصا .


و ربما كانت العناية في التوصيف بالعدد هي أن الشي‏ء إذا بلغ في الكثرة عسر عده فلم يعد عادة و كان التوصيف بالعدد أمارة كونه قليلا يقبل العد بسهولة ، قال تعالى :« و شروه بثمن بخس دراهم معدودة » : يوسف : 20 أي قليلة .


و كون الغرض من التوصيف بالعدد هو التقليل هو الملائم للسياق على ما مر فإن الكلام مسرود لنفي كون قصتهم عجبا و إنما يناسبه تقليل سني لبثهم لا تكثيرها -


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :249


و معنى الآية ظاهر و قد دل فيها على كونهم نائمين في الكهف طول المدة لا ميتين .


قوله تعالى :« ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا » المراد بالبعث هو الإيقاظ دون الإحياء بقرينة الآية السابقة ، و قال الراغب : الحزب جماعة فيها غلظ انتهى .


و قال : الأمد و الأبد يتقاربان لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود و لا يتقيد لا يقال : أبد كذا ، و الأمد مدة لها حد مجهول إذا أطلق ، و قد ينحصر نحو أن يقال : أمد كذا كما يقال : زمان كذا .


و الفرق بين الأمد و الزمان أن الأمد يقال باعتبار الغاية و الزمان عام في المبدإ و الغاية ، و لذلك قال بعضهم : المدى و الأمد يتقاربان .


انتهى .


و المراد بالعلم العلم الفعلي و هو ظهور الشي‏ء و حضوره بوجوده الخاص عند الله ، و قد كثر ورود العلم بهذا المعنى في القرآن كقوله :« ليعلم الله من ينصره و رسله بالغيب » : الحديد : 25 ، و قوله :« ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم » : الجن : 28 و إليه يرجع قول بعضهم في تفسيره : أن المعنى ليظهر معلومنا على ما علمناه .


و قوله :« لنعلم أي الحزبين أحصى » إلخ تعليل للبعث و اللام للغاية و المراد بالحزبين الطائفتان من أصحاب الكهف حين سأل بعضهم بعضا بعد البعث : قائلا كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم على ما يفيده قوله تعالى في الآيات التالية :« و كذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم » إلخ .


و أما قول القائل : إن المراد بالحزبين الطائفتان من قومهم المؤمنون و الكافرون كأنهم اختلفوا في أمد لبثهم في الكهف بين مصيب في إحصائه و مخطى‏ء فبعثهم الله تعالى ليبين ذلك و يظهر ، و المعنى أيقظناهم ليظهر أي الطائفتين المختلفتين من المؤمنين و الكافرين في أمد لبثهم مصيبة في قولها ، فبعيد .


و قوله :« أحصى لما لبثوا أمدا فعل ماض من الإحصاء ، و« أمدا » مفعوله و الظاهر أن« لما لبثوا » قيد لقوله« أمدا » و ما مصدرية أي أي الحزبين عد أمد لبثهم و قيل : أحصى اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد كقولهم : هو أحصى للمال و أفلس من ابن المذلق 1 ، و أمدا منصوب بفعل يدل عليه« أحصى » و لا يخلو من


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :250


تكلف ، و قيل غير ذلك .


و معنى الآيات الثلاث أعني قوله :« إذ أوى الفتية إلى قوله :« أمدا » إذ رجع الشبان إلى الكهف فسألوا عند ذلك ربهم قائلين : ربنا هب لنا من لدنك ما ننجو به مما يهددنا بالتخيير بين عبادة غيرك و بين القتل و أعد لنا من أمرنا هدى نهتدي به إلى النجاة فأنمناهم في الكهف سنين معدودة ثم أيقظناهم ليتبين أي الحزبين عد أمدا للبثهم .


و الآيات الثلاث - كما ترى - تذكر إجمال قصتهم تشير بذلك إلى جهة كونهم من آيات الله و غرابة أمرهم ، تشير الآية الأولى إلى دخولهم الكهف و مسألتهم للنجاة ، و الثانية إلى نومهم فيه سنين عددا ، و الثالثة إلى تيقظهم و انتباههم و اختلافهم في تقدير زمان لبثهم .


فلإجمال القصة أركان ثلاثة تتضمن كل واحدة من الآيات الثلاث واحدا منها و على هذا النمط تجري الآيات التالية المتضمنة لتفصيل القصة غير أنها تضيف إلى ذلك بعض ما جرى بعد ظهور أمرهم و تبين حالهم للناس ، و هو الذي يشير إليه قوله :« و كذلك أعثرنا عليهم » إلى آخر آيات القصة .


قوله تعالى :« نحن نقص عليك نبأهم بالحق » إلى آخر الآية .


شروع في ذكر ما يهم من خصوصيات قصتهم تفصيلا ، و قوله :« إنهم فتية آمنوا بربهم أي آمنوا إيمانا مرضيا لربهم و لو لا ذلك لم ينسبه إليهم قطعا .


و قوله :« و زدناهم هدى » الهدى بعد أصل الإيمان ملازم لارتقاء درجة الإيمان الذي فيه اهتداء الإنسان إلى كل ما ينتهي إلى رضوان الله قال تعالى :« يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به » : الحديد : 28 .


قوله تعالى :« و ربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا » إلى آخر الآيات الثلاث الربط هو الشد ، و الربط على القلوب كناية عن سلب القلق و الاضطراب عنها ، و الشطط الخروج عن الحد و التجاوز عن الحق ، و السلطان الحجة و البرهان .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :251


و الآياتالثلاث تحكي الشطر الأول من محاورتهم حين انتهضوا لمخالفة الوثنية و مخاصمتهم« إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات و الأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا » .


و قد أتوا بكلام مملوء حكمة و فهما راموا به إبطال ربوبية أرباب الأصنام من الملائكة و الجن و المصلحين من البشر الذين رامت الفلسفة الوثنية إثبات ألوهيتهم و ربوبيتهم دون نفس الأصنام التي هي تماثيل و صور لأولئك الأرباب تدعوها عامتهم آلهة و أربابا ، و من الشاهد على ذلك قوله :« عليهم » حيث أرجع إليهم ضمير« هم » المختص بأولى العقل .


فبدءوا بإثبات توحيده بقولهم :« ربنا رب السماوات و الأرض » فأسندوا ربوبية الكل إلى واحد لا شريك له ، و الوثنية تثبت لكل نوع من أنواع الخلقية إلها و ربا كرب السماء و رب الأرض و رب الإنسان .


ثم أكدوا ذلك بقولهم :« لن ندعوا من دونه إلها و من فائدته نفي الآلهة الذين تثبتهم الوثنية فوق أرباب الأنواع كالعقول الكلية التي تعبده الصابئة و برهما و سيوا و وشنو الذين تعبدهم البراهمة و البوذية و أكدوه ثانيا بقولهم :« لقد قلنا إذا شططا » فدلوا على أن دعوة غيره من التجاوز عن الحد بالغلو في حق المخلوق برفعه إلى درجة الخالق .


ثم كروا على القوم في عبادتهم غير الله سبحانه باتخاذهم آلهة فقالوا :« هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين » فردوا قولهم بأنهم لا برهان لهم على ما يدعونه يدل عليه دلالة بينة .


و ما استدلوا به من قولهم : إن الله سبحانه أجل من أن يحيط به إدراك خلقه فلا يمكن التوجه إليه بالعبادة و لا التقرب إليه بالعبودية فلا يبقى لنا إلا أن نعبد بعض الموجودات الشريفة من عباده المقربين ليقربونا إليه زلفى مردود إليهمأما عدم إحاطة الإدراك به تعالى فهو مشترك بيننا معاشر البشر و بين من يعبدونه من


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :252


العباد المقربين ، و الجميع منا و منهم يعرفونه بأسمائه و صفاته و آثاره كل على قدر طاقته فله أن يتوجه إليه بالعبادة على قدر معرفته .


على أن جميع الصفات الموجبة لاستحقاق العبادة من الخلق و الرزق و الملك و التدبير له وحده و لا يملك غيره شيئا من ذلك فله أن يعبد و ليس لغيره ذلك .


ثم أردفوا قولهم :« لو لا يأتون عليهم بسلطان بين » بقولهم« فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا » و هو من تمامالحجة الرادة لقولهم ، و معناه أن عليهم أن يقيموا برهانا قاطعا على قولهم فلو لم يقيموه كان قولهم من القول بغير علم في الله و هو افتراء الكذب عليه تعالى ، و الافتراء ظلم و الظلم على الله أعظم الظلم .


هذا فقد دلوا بكلامهم هذا أنهم كانوا علماء بالله أولي بصيرة في دينهم ، و صدقوا قوله تعالى« و زدناهم هدى » و في الكلام على ما به من الإيجاز قيود تكشف عن تفصيل نهضتهم في بادئها فقوله تعالى :« و ربطنا على قلوبهم » يدل على أن قولهم :« ربنا رب السماوات و الأرض » إلخ لم يكن بإسرار النجوى و في خلإ من عبدة الأوثان بل كان بإعلان القول و الإجهار به في ظرف تذوب منه القلوب و ترتاع النفوس و تقشعر الجلود في ملإ معاند يسفك الدماء و يعذب و يفتن .


و قوله :« لن ندعوا من دونه إلها » بعد قوله« ربنا رب السماوات و الأرض » - و هو جحد و إنكار - فيه إشعار و تلويح إلى أنه كان هناك تكليف إجباري بعبادة الأوثان و دعاء غير الله .


و قوله :« إذ قاموا فقالوا » إلخ يشير إلى أنهم في بادى‏ء قولهم كانوا في مجلس يصدر عنه الأمر بعبادة الأوثان و الإجبار عليها و النهي عن عبادة الله و السياسة المنتحلية بالقتل و العذاب كمجلس الملك أو ملئه أو ملإعام كذلك فقاموا و أعلنوا مخالفتهم و خرجوا و اعتزلوا القوم و هم في خطر عظيم يهددهم و يهجم عليهم من كل جانب كما يدل عليه قولهم :« و إذ اعتزلتموهم و ما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف .


و هذا يؤيد ما وردت به الرواية - و سيجي‏ء الخبر - أن ستة منهم كانوا من خواص الملك يستشيرهم في أموره فقاموا من مجلس و أعلنوا التوحيد و نفي الشريك عنه تعالى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :253


و لا ينافي ذلك ما سيأتي من الروايات أنهم كانوا يسرون إيمانهم و يعملون بالتقية لجواز أن يكونوا سائرين عليها ثم يفاجئوا القوم بإعلان الإيمان ثم يعتزلوهم من غير مهل فلم تكن تسعهم إدامة التظاهر بالإيمان و إلا قتلوا بلا شك .


و ربما احتمل أن يكون المراد بقيامهم قيامهم لله نصرة منهم للحق و قولهم :« ربنا رب السماوات و الأرض » إلخ قولا منهم في أنفسهم و قولهم :« و إذ اعتزلتموهم » إلخ قولا منهم بعد ما خرجوا من المدينة ، أو يكون المراد قيامهم لله ، و جميع ما نقل من أقوالهم إنما قالوها فيما بين أنفسهم بعد ما خرجوا من المدينة و تنحوا عن القوم و على الوجهين يكون المراد بالربط على قلوبهم أنهم لم يخافوا عاقبة الخروج و الهرب من المدينة و هجرة القوم لكن الأظهر هو الوجه الأول .


قوله تعالى :« و إذ اعتزلتموهم و ما يعبدون من دون الله فأووا إلى الكهف » إلى آخر الآية الاعتزال و التعزل التنحي عن أمر ، و النشر البسط ، و المرفق بكسر الميم و فتح الفاء و بالعكس و بفتحهما المعاملة بلطف .


هذا هو الشطر الثاني من محاورتهم جرت بينهم بعد خروجهم من بين الناس و اعتزالهم إياهم و ما يعبدون من دون الله و تنحيهم عن الجميع يشير به بعضهم عليهم أن يدخلوا الكهف و يتستروا فيه من أعداء الدين .


و قد تفرسوا بهدى إلهي أنهم لو فعلوا ذلك عاملهم الله من لطفه و رحمته بمافيه نجاتهم من تحكم القوم و ظلمهم و الدليل على ذلك قولهم بالجزم :« فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته » إلخ و لم يقولوا : عسى أن ينشر أو لعل .


و هذان اللذان تفرسوا بهما من نشر الرحمة و تهيئة المرفق هما اللذان سألوهما بعد دخول الكهف إذ قالوا - كما حكى الله -« ربنا آتنا من لدنك رحمة و هيى‏ء لنا من أمرنا رشدا » .


و الاستثناء في قوله :« و ما يعبدون إلا الله » استثناء منقطع فإن الوثنيين لم يكونوا يعبدون الله مع سائر آلهتهم حتى يفيد الاستثناء إخراج بعض ما دخل أولا في المستثنى منه فيكون متصلا فقول بعضهم : إنهم كانوا يعبدون الله و يعبدون


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :254


الأصنام كسائر المشركين .


و كذا قول بعض آخر : يجوز أنه كان فيهم من يعبد الله مع عبادة الأصنام فيكون الاستثناء متصلا في غير محله ، إذ لم يعهد من الوثنيين عبادة الله سبحانه مع عبادة الأصنام ، و فلسفتهم لا تجيز ذلك ، و قد أشرنا إلى حجتهم في ذلك آنفا .


قوله تعالى :« و ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و إذا غربت تقرضهم ذات الشمال » إلى آخر الآيتين التزاور هو التمايل مأخوذ من الزور بمعنى الميل و القرض القطع ، و الفجوةالمتسع من الأرض و ساحة الدار و المراد بذات اليمين و ذات الشمال الجهة التي تلي اليمين أو الشمال أو الجهة ذات اسم اليمين أو الشمال و هما جهتا اليمين و الشمال .


و هاتان الآيتان تمثلان الكهف و مستقرهم منه و منظرهم و ما يتقلب عليهم من الحال أيام لبثهم فيه و هم رقود و الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بما أنه سامع لا بما أنه هو ، و هذا شائع في الكلام ، و الخطاب على هذا النمط يعم كل سامع من غير أن يختص بمخاطب خاص .


فقوله :« و ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و إذا غربت تقرضهم ذات الشمال و هم في فجوة منه » يصف موقع الكهف و موقعهم فيه و هم نائمون و أما إنامتهم فيه بعد الأوي إليه و مدة لبثهم فيه فقد اكتفي في ذلك بما أشير إليه في الآيات السابقة من إنامتهم و لبثهم و ما سيأتي من قوله :« و لبثوا في كهفهم »« إلخ » إيثارا للإيجاز .


و المعنى : و ترى أنت و كل راء يفرض اطلاعه عليهم و هم في الكهف يرى الشمس إذا طلعت تتزاور و تتمايل عن كهفهم جانب اليمين فيقع نورها عليه ، و إذا غربت تقطع جانب الشمال فيقع شعاعها عليه و هم في متسع من الكهف لا تناله الشمس .


و قد أشار سبحانه بذلك إلى أن الكهف لم يكن شرقياو لا غربيا لا يقع عليه شعاع الشمس إلا في أحد الوقتين بل كان قطبيا يحاذي ببابه القطب فيقع شعاع الشمس على أحد جانبيه من داخل طلوعا و غروبا ، و لا يقع عليهم لأنهم كانوا في متسع منه فوقاهم الله بذلك من أن يؤذيهم حر الشمس أو يغير ألوانهم أو يبلي ثيابهم بل كانوا


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :255


مرتاحين في نومتهم مستفيدين من روح الهواء المتحول عليهم بالشروق و الغروب و هم في فجوة منه ، و لعل تنكير فجوة للدلالة على وصف محذوف و التقدير و هم في فجوة منه لا يصيبهم فيه شعاعها .


و قد ذكر المفسرون أن الكهفكان بابه مقابلا للقطب الشمالي يسامت بنات النعش ، و الجانب الأيمن منه ما يلي المغرب و يقع عليه شعاع الشمس عند طلوعها و الجانب الأيسر منه ما يلي المشرق و تناله الشمس عند غروبها ، و هذا مبني على أخذ جهتي اليمين و الشمال للكهف باعتبار الداخل فيه ، و كأن ذلك منهم تعويلا على ما هو المشهور أن هذا الكهف واقع في بلدة إفسوس من بلاد الروم الشرقي فإن الكهف الذي هناك قطبي يقابل بابه القطب الشمالي متمايلا قليلا إلى المشرق على ما يقال .


و المعمول في اعتبار اليمين و اليسار لمثل الكهف و البيت و الفسطاط و كل ما له باب أن يؤخذا باعتبار الخارج منه دون الداخل فيه فإن الإنسان أول ما أحس الحاجة إلى اعتبار الجهات أخذها لنفسه فسمى ما يلي رأسه و قدمه علوا و سفلا و فوق و تحت ، و سمى ما يلي وجهه قدام و ما يقابله خلف ، و سمى الجانب القوي منه و هو الذي فيه يده القوية يمينا ، و الذي يخالفه شمالا و يسارا ثم إذا مست الحاجة إلى اعتبار الجهات في شي‏ء فرض الإنسان نفسه مكانه فما كان من أطراف ذلك الشي‏ء ينطبق عليه الوجه و هو الطرف الذي يستقبل به الشي‏ء غيره تعين به قدامه و بما يقاطره خلفه ، و بما ينطبق عليه يمين الإنسان من أطرافه يمينه و كذا بيسار الإنسان يساره .


و إذ كان الوجه في مثل البيت و الدار و الفسطاط و كل ما له باب طرفه الذي فيه الباب كان تعين يمينه و يساره باعتبار الخارج من الباب دون الداخل منه ، و على هذا يكون الكهف الذي وصفته الآية بما وصفت جنوبيا يقابل بابه القطب الجنوبي لا كما ذكروه ، و للكلام تتمة ستوافيك إن شاء الله .


و على أي حال كان وضعهم هذا من عناية الله و لطفه بهم ليستبقيهم بذلك حتى يبلغ الكتاب أجله ، و إليه الإشارة بقوله عقيبه :« ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد و من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا » .


و قوله :« و تحسبهم أيقاظا و هم رقود » الأيقاظ جمع يقظ و يقظان و الرقود جمع


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :256


راقد و هو النائم ، و في الكلام تلويح إلى أنهم كانوا مفتوحي الأعين حال نومهم كالأيقاظ .


و قوله :« و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال » أي و نقلبهم جهة اليمين و جهة الشمال ، و المراد نقلبهم تارة من اليمين إلى الشمال و تارة من الشمال إلى اليمين لئلا تأكلهم الأرض ، و لا تبلى ثيابهم ، و لا تبطل قواهم البدنية بالركود و الخمود طول المكث .


و قوله :« و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد » الوصيد فناء البيت و قيل : عتبة الدار و المعنى كانوا على ما وصف من الحال و الحال أن كلبهم مفترش بذراعيه باسط لهما بفناء الكهف و فيه إخبار بأنهم كان لهم كلب يلازمهم و كان ماكثا معهم طول مكثهم في الكهف .


و قوله :« لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا و لملئت منهم رعبا » بيان أنهم و حالهم هذا الحال كان لهم منظر موحش هائل لو أشرف عليهم الإنسان فر منهم خوفا من خطرهم تبعدا من المكروه المتوقع من ناحيتهم و ملأ قلبه الروع و الفزع رعبا و سرى إلى جميع الجوارح فملأ الجميع رعبا ، و الكلام في الخطاب الذي في قوله :« لوليت » و قوله :« و لملئت » كالكلام في الخطاب الذي في قوله :« و ترى الشمس » .


و قد بان بما تقدم من التوضيح أولا : الوجه في قوله :« و لملئت منهم رعبا » و لم يقل : و لملى‏ء قلبك رعبا .


و ثانيا : الوجه في ترتيب الجملتين :« لوليت منهم فرارا و لملئت منهم رعبا » و ذلك أن الفرار و هو التبعد من المكروه معلول لتوقع وصول المكروه تحذرا منه ، و ليس بمعلول للرعب الذي هو الخشية و تأثر القلب ، و المكروه المترقب يجب أن يتحذر منه سواء كان هناك رعب أو لم يكن .


فتقديم الفرار على الرعب ليس من قبيل تقديم المسبب على سببه بل من تقديم حكم الخوف على الرعب و هما حالان متغايران قلبيان ، و لو كان بدل الخوف من الرعب لكان من حق الكلام تقديم الجملة الثانية و تأخير الأولى و أما بناء على ما ذكرناه فتقديم حكم الخوف على حصول الرعب و هما جميعا أثران للاطلاع على منظرهم الهائل الموحش أحسن و أبلغ لأن الفرار أظهر دلالة على ذلك من الامتلاء بالرعب .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :257


قوله تعالى :« و كذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم » إلى آخر الآيتين التساؤل سؤال بعض القوم بعضا ، و الورق بالفتح فالكسر : الدراهم ، و قيل هو الفضة مضروبة كانت أو غيرها ، و قوله : إن يظهروا عليكم أي إن يطلعوا عليكم أو إن يظفروا بكم .


و الإشارة بقوله :« و كذلك بعثناهم » إلى إنامتهم بالصورة التي مثلتها الآيات السابقة أي كما أنمناهم في الكهف دهرا طويلا على هذا الوضع العجيب المدهش الذي كان آية من آياتنا كذلك بعثناهم و أيقظناهم ليتساءلوا بينهم .


و هذا التشبيه و جعل التساؤل غاية للبعث مع ما تقدم من دعائهم لدى ورود الكهف و إنامتهم إثر ذلك يدل على أنهم إنما بعثوا من نومتهم ليتساءلوا فيظهر لهم حقيقة الأمر ، و إنما أنيموا و لبثوا في نومتهم دهرا ليبعثوا ، و قد نومهم الله إثر دعائهم و مسألتهم رحمة من عند الله و اهتداء مهيأ من أمرهم فقد كان أزعجهم استيلاء الكفر على مجتمعهم و ظهور الباطل و إحاطة القهر و الجبر و هجم عليهم اليأس و القنوط من ظهور كلمة الحق و حرية أهل الدين في دينهم فاستطالوا لبث الباطل في الأرض و ظهوره على الحق كالذي مر على قرية و هي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه .


و بالجملة لما غلبت عليهم هذه المزعمة و استيأسوا من زوال غلبة الباطل أنامهم الله سنين عددا ثم بعثهم ليتساءلوا فيجيبوا بيوم أو بعض يوم ثم ينكشف لهم تحول الأحوال و مرور مآت منالسنين عند غيرهم و هي بنظرة أخرى كيوم أو بعض يوم فيعلموا أن طول الزمان و قصره ليس بذاك الذي يميت حقا أو يحيي باطلا و إنما هو الله سبحانه جعل ما على الأرض زينة لها و جذب إليها الإنسان و أجرى فيها الدهور و الأيام ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، و ليس للدنيا إلا أن تغر بزينتها طالبيها ممن أخلد إلى الأرض و اتبع هواه .


و هذه حقيقة لا تزال لائحة للإنسان كلما انعطف على ما مرت عليه من أيامه السالفة و ما جرت عليه من الحوادث حلوها و مرها و جدها كطائف في نومة أو سنة في مثل يوم غير أن سكر الهوى و التلهي بلهو الدنيا لا يدعهأن ينتبه للحق فيتبعه لكن لله سبحانه على الإنسان يوم لا يشغله عن مشاهدة هذه الحقيقة شاغل من زينة الدنيا


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :258


و زخرفها و هو يوم الموت كما عن علي (عليه‏السلام‏) :« الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا و يوم آخر و هو يوم يطوي فيه بساط الدنيا و زينتها و يقضي على العالم الإنساني بالبيد و الانقراض .


و قد ظهر بما تقدم أن قوله تعالى :« ليتساءلوا بينهم » غاية لبعثهم و اللام لتعليل الغاية ، و تنطبق على ما مر من الغاية في قوله :« ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا » .


و ذكر بعضهم : أنه بعض الغاية وضع موضعها لاستتباعه لسائر آثار البعث كأنه قيل ليتساءلوا بينهم و ينجر ذلك إلى ظهور أمرهم و انكشاف الآية و ظهور القدرة و هذا مع عدم شاهد عليه من جهة اللفظ تكلف ظاهر .


و ذكر آخرون : أن اللام في قوله :« ليتساءلوا » للعاقبة دون الغاية استبعادا لأن يكون التساؤل و هو أمر هين غاية للبعث و هو آية عظيمة ، و فيه أن جعل اللام للعاقبة لا يجدي نفعا في دفع ما استبعده إذ كما لا ينبغي أن يجعل أمر هين للغاية مطلوبة لأمر خطير و آية عظيمة كذلك لا يحسن ذكر شي‏ء يسير عاقبة لأمر ذي بال و آية عجيبة مدهشة على أنك عرفت صحة كون التساؤل علة غائية للبعث آنفا .


و قوله :« قال قائل منهم كم لبثتم » دليل على أن السائل عن لبثهم كان واحدا منهم خاطب الباقين و سألهم عن مدة لبثهم في الكهف نائمين و كأن السائل استشعر طولا في لبثهم مما وجده من لوثة النوم الثقيل بعد التيقظ فقال : كم لبثتم ؟ .


و قوله :« قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم » ترددوا في جوابهم بين اليوم و بعض اليوم و كأنهم بنوا الجواب على ما شاهدوا من تغير محل وقوع الشمس كأن أخذوا في النوم أوائل النهار و انتبهوا في أواسطه أو أواخره ثم شكوا في مرور الليل عليهم فيكون مكثهم يوما و عدم مروره فيكون بعض يوم فأجابوا بالترديد بين يوم و بعض يوم و هو على أي حال جواب واحد .


و قول بعضهم : إن الترديد على هذا يجب أن يكون بين بعض يوم و يوم و بعض لا بين يوم و بعض يوم فالوجه أن يكون« أو » للتفصيل لا للترديد و المعنى قال بعضهم :


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :259


لبثنا يوم و قال بعض آخر : لبثنا بعض يوم .


لا يلتفت إليه أما أولا فلأن هذا المعنى لا يتلقى من سياق مثل قوله :« لبثنا يوما أو بعض يوم » البتة و قد أجاب بمثله شخص واحد بعينه قال تعالى :« قال كم لبثت قال : لبثت يوما أو بعض يوم » : البقرة : 259 .


و أما ثانيا فلأن قولهم :« لبثنا يوما » إنما أخذوه عما استدلوا به من الأمور المشهودة لهم لجلالة قدرهم عن التحكم و التهوس و المجازفة و الأمور الخارجية التي يستدل بها الإنسان و خاصة من نام ثم انتبه من شمس و ظل و نور و ظلمة و نحو ذلك لا تشخص مقدار اليوم التام من غير زيادة و نقيصة سواء في ذلك الترديد و التفصيل فالمراد باليوم على أي حال ما يزيد على ليلة بنهارها بعض الزيادة و هو استعمال شائع .


و قوله تعالى :« قالوا ربكم أعلم بما لبثتم » أي قال بعض آخر منهم ردا على القائلين : لبثنا يوما أو بعض يوم » :« ربكم أعلم بما لبثتم » و لو لم يكن ردا لقالوا ربنا أعلم بما لبثنا .


و بذلك يظهر أن إحالة العلم إلى الله تعالى في قولهم :« ربكم أعلم » ليس لمجرد مراعاة حسن الأدب كما قيل بل لبيان حقيقة من حقائق معارف التوحيد و هي أن العلم بحقيقة معنى الكلمة ليس إلا لله سبحانه فإن الإنسان محجوب عما وراء نفسه لا يملك بإذن الله إلا نفسه و لا يحيط إلا بها و إنما يحصل له من العلم بما هو خارج عن نفسه ما دلت عليه الأمارات الخارجية و بمقدار ما ينكشف بها و أما الإحاطة بعين الأشياء و نفس الحوادث و هو العلم حقيقة فإنما هو لله سبحانه المحيط بكل شي‏ء الشهيد على كل شي‏ء و الآيات الدالة على هذه الحقيقة لا تحصى .


فليس للموحد العارف بمقام ربه إلا أن يسلم الأمر له و ينسب العلم إليه و لا يسند إلى نفسه شيئا من الكمال كالعلم و القدرة إلا ما اضطر إليه فيبدأ بربه فينسب إليه حقيقة الكمال ثم لنفسه ما ملكه الله إياه و أذن له فيه كما قال :« علم الإنسان ما لم يعلم » : العلق : 5 و قال :« قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا » : البقرة : 32 إلى آيات أخرى كثيرة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :260


و يظهر بذلك أن القائلين منهم :« ربكم أعلم بما لبثتم » كانوا أعلى كعبا في مقام المعرفة من القائلين :« لبثنا يوما أو بعض يوم » و لم يريدوا بقولهم هذا مجرد إظهار الأدب و إلا لقالوا : ربنا أعلم بما لبثنا و لم يكونوا أحد الحزبين اللذين أشار سبحانه إليهما بقوله فيما سبق :« ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا » فإن إظهار الأدب لا يسمى قولا و إحصاء و لا الآتي به ذا قول و إحصاء .


و الظاهر أن القائلين منهم :« ربكم أعلم بما لبثتم » غير القائلين :« لبثنا يوما أو بعض يوم » فإن السياق سياق المحاورة و المجاوبة كما قيل و لازمه كون المتكلمين ثانيا غير المتكلمين أولا و لو كانوا هم الأولين بأعيانهم لكان من حق الكلام أن يقال : ثم قالوا ربنا أعلم بما لبثنا بدل قوله :« ربكم أعلم » إلخ .


و من هنا يستفاد أن القوم كانوا سبعة أو أزيد إذ قد وقع في حكاية محاورتهم« قال » مرة و« قالوا » مرتين و أقل الجمع ثلاثة فقد كانوا لا يقل عددهم من سبعة .


و قوله تعالى :« فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه » من تتمة المحاورة و فيه أمر أو عرض لهم أن يرسلوا رسولا منهم إلى المدينة ليشتري لهم طعاما يتغذون به و الضمير في« أيها » راجع إلى المدينة و المراد بها أهلها من الكسبة استخداما .


و زكاء الطعام كونه طيبا و قيل : كونه حلالا و قيل : كونه طاهرا و وروده بصيغة أفعل التفضيل« أزكى طعاما » لا يخلو من إشعار بالمعنى الأول .


و الضمير في« منه » للطعام المفهوم من الكلام و قيل : للأزكى طعاما و« من » للابتداء أو التبعيض أي ليأتكم من ذلك الطعام الأزكى برزق ترتزقون به ، و قيل : الضمير للورق و« من » للبداية و هو بعيد لإحواجه إلى تقدير ضمير آخر يرجع إلى الجملة السابقة و كونه ضمير التذكير و قد أشير إلى الورق بلفظ التأنيث من قبل .


و قوله تعالى :« و ليتلطف و لا يشعرن بكم أحدا » التلطف إعمال اللطف و الرفق و إظهاره فقوله :« و لا يشعرن بكم أحدا » عطف تفسيري له و المراد على ما يعطيه السياق : ليتكلف اللطف مع أهل المدينة في ذهابه و مجيئه و معاملته لهم كي لا يقع خصومة أو منازعة لتؤدي إلى معرفتهم بحالكم و إشعارهم بكم ، و قيل


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :261


المعنى ليتكلف اللطف في المعاملة و إطلاق الكلام يدفعه .


و قوله تعالى :« إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم و لن تفلحوا إذا أبدا » تعليل للأمر بالتلطف و بيان لمصلحته .


ظهر على الشي‏ء بمعنى اطلع عليه و علم به و بمعنى ظفر به و قد فسرت الآية بكل من المعنيين و الكلمة على ما ذكره الراغب مأخوذة من الظهر بمعنى الجارحة مقابل البطن فكان هو الأصل ثم استعير للأرض فقيل : ظهر الأرض مقابل بطنها ثم أخذ منه الظهور بمعنى الانكشاف مقابل البطون للملازمة بين الكون على وجه الأرض و بين الرؤية و الاطلاع و كذا بينه و بين الظفر و كذا بينه و بين الغلبة عادة فقيل : ظهر عليه أي اطلع عليه و علم بمكانه أو ظفر به أو غلبه ثم اتسعوا في الاشتقاق فقالوا : أظهر و ظاهر و تظاهر و استظهر إلى غير ذلك .


و ظاهر السياق أن يكون« يظهروا عليكم » بمعنى يطلعوا عليكم و يعلموا بمكانكم فإنه أجمع المعاني لأن القوم كانوا ذوي أيد و قوة و قد هربوا و استخفوا منهم فلو اطلعوا عليهم ظفروا بهم و غلبوهم على ما أرادوا .


و قوله :« يرجموكم » أي يقتلوكم بالحجارة و هو شر القتل و يتضمن معنى النفرة و الطرد ، و في اختيار الرجم على غيره من أصناف القتل إشعار بأن أهل المدينة عامة كانوا يعادونهم لدينهم فلو ظهروا عليهم بادروا إليهم و تشاركوا في قتلهم و القتل الذي هذا شأنه يكون بالرجم عادة .


و قوله :« أو يعيدوكم في ملتهم » الظاهر أن الإعادة مضمن معنى الإدخال و لذا عدي بفي دون إلى .


و كان لازم دخولهم في ملتهم عادة و قد تجاهروا برفضها و سموها شططا من القول و افتراء على الله بالكذب - أن لا يقنع القوم بمجرد اعترافهم بحقية الملة صورة دون أن يثقوا بصدقهم في الاعتراف و يراقبوهم في أعمالهم فيشاركوا الناس في عبادة الأوثان و الإتيان بجميع الوظائف الدينية التي لهم و الحرمان عن العمل بشي‏ء من شرائع الدين الإلهي و التفوه بكلمة الحق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :262


و هذا كله لا بأس به علىمن اضطر على الإقامة في بلاد الكفر و الانحصار بين أهله كالأسير المستضعف بحكم العقل و النقل و قد قال تعالى :« إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان » : النحل : 106 و قال تعالى :« إلا أن تتقوا منهم تقاة » : آل عمران : 28 فله أن يؤمن بقلبه و ينكره بلسانه و أما من كان بنجوة منهم و هو حر في اعتقاده و عمله ثم ألقى بنفسه في مهلكة الضلال و تسبب إلى الانحصار في مجتمع الكفر فلم يستطع التفوه بكلمة الحق و حرم التلبس بالوظائف الدينية الإنسانية فقد حرم على نفسه السعادة و لن يفلح أبدا قال تعالى :« إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا أ لم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم و ساءت مصيرا » : النساء : 97 .


و بهذا يظهر وجه ترتب قوله :« و لن تفلحوا إذا أبدا » على قوله :« أو يعيدوكم في ملتهم » و يندفع ما قيل : إن إظهار الكفر بالإكراه مع إبطان الإيمان معفو عنه في جميع الأزمان فكيف رتب على العود في ملتهم عدم الفلاح أبدا مع أن الظاهر من حالهم الكره هذا فإنهم لو عرضوا بأنفسهم عليهم أو دلوهم بوجه على مكانهم فأعادوهم في ملتهم و لو على كره كان ذلك منهم تسببا اختياريا إلى ذلك و لم يعذروا البتة .


و قد أجابوا عن الإشكال بوجوه أخر غير مقنعة : منها : أن الإكراه على الكفر قد يكون سببا لاستدراج الشيطان إلى استحسانه و الاستمرار عليه و فيه أن لازم هذا الوجه أن يقال : و يخاف عليكم أن لا تفلحوا أبدا إلا أن يقضى بعدم الفلاح قطعا .


و منها : أنه يجوز أن يكون أراد يعيدوكم إلى دينهم بالاستدعاء دون الإكراه و أنت خبير بأن سياق القصة لا يساعد عليه .


و منها : أنه يجوز أن يكون في ذلك الوقت كان لا يجوز التقية بإظهار الكفر مطلقا و فيه عدم الدليل على ذلك .


و سياق ما حكى من محاورتهم أعني قوله :« لبثتم » إلى تمام الآيتين سياق عجيب دال على كمال تحابهم في الله و مواخاتهم في الدين و أخذهم بالمساواة بين أنفسهم و نصح


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :263


بعضهم لبعض و إشفاق بعضهم على بعض فقد تقدم أن قول القائلين :« ربكم أعلم بما لبثتم » تنبيه و دلالة على موقع من التوحيد أعلى و أرفع درجة مما يدل عليه قول الآخرين« لبثنا يوما أو بعض يوم » » .


ثم قول القائل :« فابعثوا » حيث عرض بعث الرسول على الجميع و لم يستبد بقول : ليذهب أحدكم و قوله :« أحدكم » و لم يقل اذهب يا فلان أو ابعثوا فلانا و قوله :« بورقكم هذه » فأضاف الورق إلى الجميع كل ذلك دليل المواخاة و المساواة .


ثم قوله :« فلينظر أيها أزكى طعاما » إلخ و قوله :« و ليتلطف » إلخ نصح و قوله :« إنهم إن يظهروا عليكم » إلخ نصح لهم و إشفاق على نفوسهم بما هم مؤمنون على دينهم .


و قوله تعالى :« بورقكم هذه » على ما فيه من الإضافة و الإشارة المعينة لشخص الورق مشعر بعناية خاصة بذكرها فإن سياق استدعاء أن يبعثوا أحدا لاشتراء طعام لهم لا يستوجب بالطبع ذكر الورق التي يشتري بها الطعام و الإشارة إليها بشخصها و لعلها إنما ذكرت في الآية مع خصوصية الإشارة لأنها كانت هي السبب لظهور أمرهم و انكشاف حالهم لأنها حين أخرجها رسومها ليدفعها ثمنا للطعام كانت من مسكوكات عهد مرت عليها ثلاثة قرون و ليس في آيات القصة ما يشعر بسبب ظهور أمرهم و انكشاف حالهم إلا هذه اللفظة .


قوله تعالى :« و كذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق و أن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم » قال في المفردات : ، عثر الرجل يعثر عثرا و عثورا إذا سقط و يتجوز به فيمن يطلع على أمر من غير طلبه قال تعالى : فإن عثر على أنهما استحقا إثما . يقال عثرت على كذا قال :« و كذلك أعثرنا عليهم »أي وقفناهم عليهم من غير أن طلبوا .


انتهى .


و التشبيه في قوله :« و كذلك أعثرنا عليهم » كنظيره في قوله :« و كذلك بعثناهم » أي و كما أنساهم دهرا ثم بعثناهم لكذا و كذا كذلك أعثرنا عليهم و مفعول أعثرنا هو الناس المدلول عليه بالسياق كما يشهد به ذيل الآية و قوله :« ليعلموا أن وعد الله حق »


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :264


ضمير الجمع للناس و المراد بوعد الله على ما يعطيه السياق البعث و يكون قوله :« و أن الساعة لا ريب فيها » عطفا تفسيريا لسابقه .


و قوله :« إذ يتنازعون بينهم أمرهم » ظرف لقولهأعثرنا » أو لقوله« ليعلموا » و التنازع التخاصم قيل : أصل التنازع التجاذب و يعبر به عن التخاصم و هو باعتبار أصل معناه يتعدى بنفسه ، و باعتبار التخاصم يتعدى بفي كقوله تعالى :« فإن تنازعتم في شي‏ء » انتهى .


و المراد بتنازع الناس بينهم أمرهم تنازعهم في أمر البعث و إنما أضيف إليهم إشعارا باهتمامهم و اعتنائهم بشأنه فهذه حال الآية من جهة مفرداتها بشهادة بعضها على بعض .


و المعنى على ما مر : و كما أنمناهم ثم بعثناهم لكذا و كذا أطلعنا الناس عليهم في زمان يتنازعون أي الناس بينهم في أمر البعث ليعلموا أن وعد الله بالبعث حق و أن الساعة لا ريب فيها .


أو المعنى أعثرنا عليهم ليعلم الناس مقارنا لزمان يتنازعون فيه بينهم في أمر البعث أن وعد الله بالبعث حق .


و أما دلالة بعثهم عن النوم على أن البعث يوم القيامة حق فإنما هو من جهة أن انتزاع أرواحهم عن أجسادهم ذاك الدهر الطويل و تعطيل شعورهم و ركود حواسهم عن أعمالها و سقوط آثار القوى البدنية كالنشو و النماء و نبات الشعر و الظفر و تغير الشكل و ظهور الشيب و غير ذلك و سلامة ظاهر أبدانهم و ثيابهم عن الدثور و البلى ثم رجوعهم إلى حالهم يوم دخلوا الكهف بعينها يماثل انتزاع الأرواح عن الأجساد بالموت ثم رجوعها إلى ما كانت عليها ، و هما معا من خوارق العادة لا يدفعهما إلا الاستبعاد من غير دليل .


و قد حدث هذا الأمر في زمان ظهر التنازع بين طائفتين من الناس موحد يرى مفارقة الأرواح الأجساد عند الموت ثم رجوعها إليها في البعث و مشرك 1 يرى


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :265


مغايرة الروح البدن و مفارقتها له عند الموت لكنه لا يرى البعث و ربما رأى التناسخ .


فحدوث مثل هذه الحادثة في مثل تلك الحال لا يدع ريبا لأولئك الناس أنها آية إلهية قصد بها إزالة الشك عن قلوبهم في أمر البعث بالدلالة بالمماثل على المماثل و رفع الاستبعاد بالوقوع .


و يقوى هذا الحدس منهم و يشتد بموتهم بعيد الانبعاث فلم يعيشوا بعده إلا سويعات لم تسع أزيد من اطلاع الناس على حالهم و اجتماعهم عليهم و استخبارهم عن قصتهم و إخبارهم بها .


و من هنا يظهر وجه آخر لقوله تعالى :« إذ يتنازعون بينهم أمرهم » و هو رجوع الضميرين الأولين إلى الناس و الثالث إلى أصحاب الكهف و كون« إذ » ظرفا لقوله« ليعلموا » و يؤيده قوله بعده :« ربهم أعلم بهم » على ما سيجي‏ء .


و الاعتراض على هذا الوجه أولا : بأنه يستدعي كون التنازع بعد الإعثارو ليس كذلك و ثانيا بأن التنازع كان قبل العلم و ارتفع به فكيف يكون وقته وقته ، مدفوع بأن التنازع على هذا الوجه في الآية هو تنازع الناس في أمر أصحاب الكهف و قد كان بعد الإعثار و مقارنا للعلم زمانا ، و الذي كان قبل الإعثار و قبل العلم هو تنازعهم في أمر البعث و ليس بمراد على هذا الوجه .


و قوله تعالى :« فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم » القائلون هم المشركون من القوم بدليل قوله بعده :« قال الذين غلبوا على أمرهم » و المراد ببناء البنيان عليهم على ما قيل أن يضرب عليهم ما يجعلون به وراءه و يسترون عن الناس فلا يطلع عليهم مطلع منهم كما يقال : بنى عليه جدارا إذا حوطه و جعله وراءه .


و هذا الشطر من الكلام بانضمامه إلى ما قبله من قوله :« و كذلك بعثناهم »« و كذلك أعثرنا عليهم » يلوح إلى تمام القصة كأنه قيل : و لما أن جاء رسولهم إلى المدينة و قد تغيرت الأحوال و تبدلت الأوضاع بمرور ثلاثة قرون على دخولهم في الكهف و انقضت سلطة الشرك و ألقي زمام المجتمع إلى التوحيد و هو لا يدري لم يلبث دون أن ظهر أمره و شاع خبره فاجتمع عليه الناس ثم هجموا و ازدحموا على باب الكهف فاستنبئوهم قصتهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :266


و حصلت الدلالة الإلهية ثم إن الله قبضهم إليه فلم يلبثوا أحياء بعد انبعاثهم إلا سويعات ارتفعت بها عن الناس شبهتهم في أمر البعث و عندئذ قال المشركون ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم .


و في قوله :« ربهم أعلم بهم » إشارة إلى وقوع خلاف بين الناس المجتمعين عليهم أمرهم ، فإنه كلام آيس من العلم بهم و استكشاف حقيقة أمرهم يلوح منه أن القوم تنازعوا في شي‏ء مما يرجع إليهم فتبصر فيه بعضهم و لم يسكن الآخرون إلى شي‏ء و لم يرتضوا رأي مخالفيهم فقالوا : ابنوا لهم بنيانا ربهم أعلم بهم .


فمعنى الجملة أعني قولهربهم أعلم بهم » يتفاوت بالنظر إلى الوجهين المتقدمين في قوله :« إذ يتنازعون بينهم أمرهم » إذ للجملة على أي حال نوع تفرع على تنازع بينهم كما عرفت آنفا فإن كان التنازع المدلول عليه بقوله :« إذ يتنازعون بينهم أمرهم » هو التنازع في أمر البعث بالإقرار و الإنكار لكون ضمير« أمرهم » للناس كان المعنى أنهم تنازعوا في أمر البعث فأعثرناهم عليهم ليعلموا أن وعد الله حق و أن الساعة لا ريب فيها لكن المشركين لم ينتهوا بما ظهرت لهم من الآية فقالوا ابنوا على أصحاب الكهف بنيانا و اتركوهم على حالهم ينقطع عنهم الناس فلم يظهر لنا من أمرهم شي‏ء و لم نظفر فيهم على يقين ربهم أعلم بهم ، و قال الموحدون أمرهم ظاهر و آيتهم بينة و لنتخذن عليهم مسجدا يعبد فيه الله و يبقى ببقائه ذكرهم .


و إن كان التنازع هو التنازع في أصحاب الكهف و ضمير« أمرهم » راجعا إليهم كان المعنى أنا أعثرنا الناس عليهم بعد بعثهم عن نومتهم ليعلم الناس أن وعد الله حق و أن الساعة لا ريب فيها عند ما توفاهم الله بعد إعثار الناس عليهم و حصول الغرض و هم أي الناس يتنازعون بينهم في أمرهم أي أمر أصحاب الكهف كأنهم اختلفوا : أ نيام القوم أم أموات ؟ و هل من الواجب أن يدفنواو يقبروا أو يتركوا على هيئتهم في فجوة الكهف فقال المشركون : ابنوا عليهم بنيانا و اتركوهم على حالهم ربهم أعلم بهم أ نيام أم أموات ؟ قال الموحدون :« لنتخذن عليهم مسجدا » .


لكن السياق يؤيد المعنى الأول لأن ظاهره كون قول الموحدين :« لنتخذن عليهم مسجدا » ردا منهم لقول المشركين :« ابنوا عليهم بنيانا » إلخ » و القولان من الطائفتين


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :267


إنما يتنافيان على المعنى الأول ، و كذا قولهم :« ربهم أعلم بهم » و خاصة حيث قالوا :« ربهم » و لم يقولوا : ربنا أنسب بالمعنى الأول .


و قوله :« قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا » هؤلاء القائلون هم الموحدون و من الشاهد عليه التعبير عما اتخذوه بالمسجد دون المعبد فإن المسجد في عرف القرآن هو المحل المتخذ لذكر الله و السجود له قال تعالى :« و مساجد يذكر فيها اسم الله » : الحج : 40 .


و قد جاء الكلام بالفصل من غير عطف لكونه بمنزلة جواب عن سؤال مقدر كأن قائلا يقول فما ذا قال غير المشركين ؟ فقيل : قال الذين غلبوا إلخ ، و أما المراد بغلبتهم على أمرهم فإن كان المراد بأمرهم هو الأمر المذكور في قوله :« إذ يتنازعون بينهم أمرهم » و الضمير للناس فالمراد بالغلبة غلبة الموحدين بنجاحهم بالآية التي قامت على حقية البعث ، و إن كان الضمير للفتية فالغلبة من حيث التصدي لأمرهم و الغالبون هم الموحدون و قيل : الملك و أعوانه ، و قيل : أولياؤهم من أقاربهم و هو أسخف الأقوال .


و إن كان المراد بأمرهم غير الأمر السابق و الضمير للناس فالغلبة أخذ زمام أمور المجتمع بالملك و ولاية الأمور ، و الغالبون هم الموحدون أو الملك و أعوانه و إن كان الضمير عائدا إلى الموصول فالغالبون هم الولاة و المراد بغلبتهم على أمورهم أنهم غالبون على ما أرادوه من الأمور قادرون هذا ، و أحسن الوجوه أولها .


و الآية من معارك آراء المفسرين و لهم في مفرداتها و في ضمائر الجمع التي فيها و في جملها اختلاف عجيب و الاحتمالات التي أبدوها في معاني مفرداتها و مراجع ضمائرها و أحوال جملها إذا ضربت بعضها في بعض بلغت الألوف ، و قد أشرنا منها إلى ما يلائم السياق و على الطالب لأزيد من ذلك أن يراجع المطولات .


قوله تعالى :« سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم - إلى قوله - و ثامنهم كلبهم » يذكر تعالى اختلاف الناس في عدد أصحاب الكهف و أقوالهم فيه ، و هي على ما ذكره تعالى - و قوله الحق - ثلاثة مترتبة متصاعدة أحدهاأنهم ثلاثة رابعهم كلبهم و الثاني أنهم خمسة و سادسهم كلبهم و قد عقبه بقوله :« رجما بالغيب » أي قولا بغير علم .


و هذا التوصيف راجع إلى القولين جميعا : و لو اختص بالثاني فقط كان من حق


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :268


الكلام أن يقدم القول الثاني و يؤخر الأول و يذكر مع الثالث الذي لم يذكر معه ما يدل على عدم ارتضائه .


و القول الثالث أنهم سبعة و ثامنهم كلبهم ، و قد ذكره الله سبحانه و لم يعقبه بشي‏ء يدل على تزييفه ، و لا يخلو ذلك من إشعار بأنه القول الحق ، و قد تقدم في الكلام على محاورتهم المحكيةبقوله تعالى :« قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم » أنه مشعر بل دال على أن عددهم لم يكن بأقل من سبعة .


و من لطيف صنع الآية في عد الأقوال نظمها العدد من ثلاثة إلى ثمانية نظما متواليا ففيها ثلاثة رابعها خمسة سادسها سبعة و ثامنها .


و أما قوله :« رجما بالغيب » تمييز يصف القولين بأنهما من القول بغير علم و الرجم هو الرمي بالحجارة و كأن المراد بالغيب الغائب و هو القول الذي معناه غائب عن العلم لا يدري قائله أ هو صدق أم كذب ؟ فشبه الذي يلقي كلاما ما هذا شأنه بمن يريد الرجم بالحجارة فيرمي ما لا يدري أ حجر هو يصيب غرضه أم لا ؟ و لعله المراد بقول بعضهم : رجما بالغيب أي قذفا بالظن لأن المظنون غائب عن الظان لا علم له به .


و قيل : معنى« رجما بالغيب » ظنا بالغيب و هو بعيد .


و قد قال تعالى :« ثلاثة رابعهم كلبهم » و قال :« خمسة سادسهم كلبهم » فلم يأت بواو ثم قال :« سبعة و ثامنهم كلبهم » فأتى بواو قال في الكشاف ، : و ثلاثة خبر مبتدإ محذوف أي هم ثلاثة ، و كذلك خمسة و سبعة ، رابعهم كلبهم جملة من مبتدإ و خبر واقعة صفة لثلاثة ، و كذلك سادسهم كلبهم و ثامنهم كلبهم .


فإن قلت : فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة ؟ و لم دخلت عليها دون الأوليين ؟ قلت : هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك : جاءني رجل و معه آخر و مررت بزيد و بيده سيف ، و منه قوله تعالى :« و ما أهلكنا من قرية إلا و لها كتاب معلوم » و فائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف و الدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر .


و هذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا : سبعة و ثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :269


علم و طمأنينة نفس و لم يرجموا بالظن كما غيرهم ، و الدليل عليه أن الله سبحانه اتبع القولين الأولين قوله :« رجما بالغيب ، و اتبع القول الثالث قوله : ما يعلمهم إلا قليل ، و قال ابن عباس : حين وقعت الواو انقطعت العدة أي لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها و ثبت أنهم سبعة و ثامنهم كلبهم على القطع و الثبات انتهى .


و قال في المجمع ، في ذيل ما لخص به كلام أبي علي الفارسي : و أما من قال : هذه الواو واو الثمانية و استدل بقوله :« حتى إذا جاءوها و فتحت أبوابها » لأن للجنة ثمانية أبواب فشي‏ء لا يعرفه النحويون انتهى .


قوله تعالى :« قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل » إلى آخر الآية أمر للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يقضي في عدتهم حق القضاء و هو أن الله أعلم بها و قد لوح في كلامه السابق إلى القول و هذا نظير ما حكى عن الفتية في محاورتهم و ارتضاء إذ قال قائل منهم كم لبثتم ؟ قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم .


قالوا : ربكم أعلم بما لبثتم .


و مع ذلك ففي الكلام دلالة على أن بعض المخاطبين بخطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏)« ربي أعلم بعدتهم » إلخ كان على علم من ذلك فإن قوله :« ما يعلمهم » و لم يقل : لا يعلمهم يفيد نفي الحال فالاستثناء منه بقوله :« إلا قليل » يفيد الإثبات في الحال و اللائح منه على الذهن أنهم من أهل الكتاب .


و بالجملة مفاد الكلام أن الأقوال الثلاثة كانت محققة في عهد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و على هذا فقوله :« سيقولون ثلاثة » إلخ المفيد للاستقبال ، و كذا قوله :« و يقولون خمسة » إلخ ، و قوله :« و يقولون سبعة » إلخ إن كانا معطوفين على مدخول السين في« سيقولون » تفيد الاستقبال القريب بالنسبة إلى زمن نزول الآيات أو زمن وقوع الحادثة فافهم ذلك .


و قوله تعالى :« فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا » قال الراغب : المرية التردد في الأمر و هو أخص من الشك ، قال : و الامتراء و المماراة المحاجة فيما فيه مرية قال : و أصله من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب .


انتهى .


فتسمية الجدال مماراة لما فيه من إصرار المماري بالبحث ليفرغ خصمه كل ما عنده من الكلام فينتهي عنه .


و المراد بكون المراء ظاهرا أن لا يتعمق فيه بالاقتصار على ما قصه القرآن من غير تجهيل لهم و لا رد كما قيل ، و قيل : المراء الظاهر ما يذهب بحجة الخصم يقال : ظهر


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :270


إذا ذهب ، قال الشاعر:


و تلك شكاة ظاهر عنك عارها .


و المعنى : و إذا كان ربك أعلم و قد أنبأك نبأهم فلا تحاجهم في الفتية إلا محاجة ظاهرة غير متعمق فيها - أو محاجة ذاهبة لحجتهم - و لا تطلب الفتيا في الفتية من أحد منهم فربك حسبك .


قوله تعالى :« و لا تقولن لشي‏ء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله » الآية الكريمة سواء كان الخطاب فيها للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خاصة أو له و لغيره متعرضة للأمر الذي يراه الإنسان فعلا لنفسه و يخبر بوقوعه منه في مستقبل الزمان .


و الذي يراه القرآن في تعليمه الإلهي أن ما في الوجود من شي‏ء ذاتا كان أو فعلا و أثرا فإنما هو مملوك لله وحده له أن يفعل فيه ما يشاء و يحكم فيه ما يريد لا معقب لحكمه ، و ليس لغيره أن يملك شيئا إلا ما ملكه الله تعالى منه و أقدره عليه و هو المالك لما ملكه و القادر على ما عليه أقدره و الآيات القرآنية الدالة على هذه الحقيقة كثيرة جدا لا حاجة إلى إيرادها .


فما في الكون من شي‏ء له فعل أو أثر - و هذه هي التي نسميها فواعل و أسبابا و عللا فعالة - غير مستقل في سببيته و لا مستغن عنه تعالى في فعله و تأثيره لا يفعل و لا يؤثر إلا ما شاء الله أن يفعله و يؤثره أي أقدره عليه و لم يسلب عنه القدرة عليه بإرادة خلافه .


و بتعبير آخر كل سبب من الأسباب الكونية ليس سببا من تلقاء نفسه و باقتضاء من ذاته بل بإقداره تعالى على الفعل و التأثير و عدم إرادته خلافه ، و إن شئت فقل : بتسهيله تعالى له سبيل الوصول إليه ، و إن شئت فقل بإذنه تعالى فالإذن هو الإقدار و رفع المانع و قد تكاثرت الآيات الدالة على أن كل عمل من كل عامل موقوف على إذنه تعالى قال تعالى :« ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله » : الحشر - 5 و قال :« ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله » : التغابن : 11 و قال :« و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه » : الأعراف : 58 و قال :« و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :271


الله » : آل عمران : 145 و قال :« و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله » : يونس : 100 و قال :« و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله » : النساء : 64 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة .


فعلى الإنسان العارف بمقام ربه المسلم له أن لا يرى نفسه سببا مستقلا لفعله مستغنيا فيه عن غيره بل مالكا له بتمليك الله قادرا عليه بإقداره و أن القوة لله جميعا و إذا عزم على فعل أن يعزم متوكلا على الله قال تعالى :« فإذا عزمت فتوكل على الله » و إذا وعد بشي‏ء أو أخبر عما سيفعله أن يقيده بإذن الله أو بعدم مشيته خلافه .


و هذا المعنى هو الذي يسبق إلى الذهن المسبوق بهذه الحقيقة القرآنية إذا قرع بابه قوله تعالى :« و لا تقولن لشي‏ء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله » و خاصة بعد ما تقدم في آيات القصة من بيان توحده تعالى في ألوهيته و ربوبيته و ما تقدم قبل آيات القصة من كون ما على الأرض زينة لها سيجعله الله صعيدا جرزا .


و من جملة ما على الأرض أفعال الإنسان التي هي زينة جالبة للإنسان يمتحن بها و هو يراها مملوكة لنفسه .


و ذلك أن قوله:«و لا تقولن لشي‏ء إني فاعل ذلك غدا » نهي عن نسبته فعله إلى نفسه ، و لا بأس بهذه النسبة قطعا فإنه سبحانه كثيرا ما ينسب في كلامه الأفعال إلى نبيه و إلى غيره من الناس و ربما يأمره أن ينسب أفعالا إلى نفسه قال تعالى :« فقل لي عملي و لكم عملكم » : يونس : 41 ، و قال :« لنا أعمالنا و لكم أعمالكم » : الشورى : 15 .


فأصل نسبة الفعل إلى فاعله مما لا ينكره القرآن الكريم و إنما ينكر دعوى الاستقلال في الفعل و الاستغناء عن مشيته و إذنه تعالى فهو الذي يصلحه الاستثناء أعني قوله :« إلا أن يشاء الله » .


و من هنا يظهر أنالكلام على تقدير باء الملابسة و هو استثناء مفرغ عن جميع الأحوال أو جميع الأزمان ، و تقديره : و لا تقولن لشي‏ء - أي لأجل شي‏ء تعزم عليه - إني فاعل ذلك غدا في حال من الأحوال أو زمان من الأزمنة إلا في حال أو في زمان يلابس قولك المشية بأن تقول : إني فاعل ذلك غدا إن شاء الله أن أفعله أو إلا أن يشاء الله أن لا أفعله و المعنى على أي حال : إن أذن الله في فعله .


هذا ما يعطيه التدبر في معنى الآية و يؤيده ذيلها و للمفسرين فيها توجيهات أخرى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :272


منها أن المعنى هو المعنى السابق إلا أن الكلام بتقدير القول في الاستثناء و تقدير الكلام : إلا أن تقول إن شاء الله ، و لما حذف« تقول » نقل« إن شاء الله » إلى لفظ الاستقبال ، فيكون هذا تأديبا من الله للعباد و تعليما لهم أن يعلقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة حتى يخرج عن حد القطع فلا يلزمهم كذب أو حنث إذا لم يفعلوه لمانع و الوجه منسوب إلى الأخفش .


و فيه أنه تكلف من غير موجب .


على أن التبديل المذكور يغير المعنى و هو ظاهر و منها أن الكلام على ظاهره غير أن المصدر المؤول إليه« أن يشاء الله » بمعنى المفعول ، و المعنى لا تقولن لشي‏ء إني فاعل ذلك غدا إلا ما يشاؤه الله و يريده ، و إذ كان الله لا يشاء إلا الطاعات فكأنه قيل : و لا تقولن في شي‏ء إني سأفعله إلا الطاعات ، و النهي للتنزيه لا للتحريم حتى يعترض عليه بجواز العزم على المباحات و الإخبار عنه .


و فيه أنه مبني على حمل المشية على الإرادة التشريعية و لا دليل عليه و لم يستعمل المشية في كلامه تعالى بهذا المعنى قط و قد استعمل استثناء المشية التكوينية في مواضع من كلامه كما حكى من قول موسى لخضر :« ستجدني إن شاء الله صابرا » : الكهف : 69 ، و قول شعيب لموسى :« ستجدني إن شاء الله من الصالحين » : القصص ، 27 و قول إسماعيل لأبيه :« ستجدني إن شاء الله من الصابرين » : الصافات : 102 و قوله تعالى :« لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين » : الفتح : 27 إلى غير ذلك من الآيات .


و الوجه مبني على أصول الاعتزال و عند المعتزلة أن لا مشية لله سبحانه في أعمال العباد إلا الإرادة التشريعية المتعلقة بالطاعات ، و هو مدفوع بالعقل و النقل .


و منها أن الاستثناء من الفعل دون القول من غير حاجة إلى تقدير ، و المعنى و لا تقولن لشي‏ء هكذا و هو أن تقول : إني فاعل ذلك غدا باستقلالي إلا أن يشاء الله خلافه بإبداء مانع على ما تقوله المعتزلة أن العبد فاعل مستقل للفعل إلا أن يبدى‏ء الله مانعا دونه أقوى منه ، و مآل المعنى أن لا تقل في الفعل بقول المعتزلة .


و فيه أن تعلق الاستثناء بالفعل دون القول بما مر من البيان أتم فلا وجه للنهي عن تعليق الاستثناء على الفعل ، و قد وقع تعليقه على الفعل في مواضع من كلامه من غير أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :273


يرده كقوله حكاية عن إبراهيم :« و لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا » : الأنعام : 80 و قوله حكاية عن شعيب :« و ما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله » : الأعراف : 89 ، و قوله :« و ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله » : الأنعام : 111 إلى غير ذلك من الآيات .


فلتحمل الآية التي نحن فيها على ما يوافقها .


و منها : أن الاستثناء من أعم الأوقات إلا أن مفعول« يشاء » هو القول و المعنى و لا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقوله ، و المراد بالمشية الإذن أي لا تقل ذلك إلا أن يؤذن لك فيه بالإعلام .


و فيه أنه مبني على تقدير شي‏ء لا دليل عليه من جهة اللفظ و هو الإعلام و لو لم يقدر لكان تكليفا بالمجهول .


و منها : أن الاستثناء للتأبيد نظير قوله :« خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ » : هود : 108 و المعنى : لا تقولن ذلك أبدا .


و فيه أنه مناف للآيات الكثيرة المنقولة آنفا التي تنسب إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و إلى سائر الناس أعمالهم ماضية و مستقبلة بل تأمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن ينسب أعماله إلى نفسه كقوله :« فقل لي عملي و لكم عملكم » : يونس : 41 ، و قوله :« قل سأتلوا عليكم منه ذكرا » : الكهف : 83 .


قوله تعالى :« و اذكر ربك إذا نسيت و قل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا » اتصال الآية و اشتراكها مع ما قبلها في سياق التكليف يقضي أن يكون المراد من النسيان نسيان الاستثناء ، و عليه يكون المراد من ذكر ربه ذكره بمقامه الذي كان الالتفات إليه هو الموجب للاستثناء و هو أنه القائم على كل نفس بما كسبت الذي ملكه الفعل و أقدره عليه و هو المالك لما ملكه و القادر على ما عليه أقدره .


و المعنى : إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت أنك نسيته فاذكر ربك متى كان ذلك بما لو كنت ذاكرا لذكرته به و هو تسليم الملك و القدرة إليه و تقييد الأفعال بإذنه و مشيته .


و إذ كان الأمر بالذكر مطلقا لم يتعين في لفظ خاص فالمندوب إليه هو ذكره


الميزان في تفسيرالقرآن ج : 13ص :274


تعالى بشأنه الخاص سواء كان بلفظ الاستثناء بأن يلحقه بالكلام ، إن ذكره و لما يتم الكلام أو يعيد الكلام و يستثني أو يضمر الكلام ثم يستثني إن كان فصل قصير أو طويل كما ورد في بعض الروايات أنه لما نزلت الآيات قال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إن شاء الله أو كان الذكر باستغفار و نحوه .


و يظهر مما مر أن ما ذكره بعضهم أن الآية مستقلة عما قبلها و أن المراد بالنسيان نسيانه تعالى أو مطلق النسيان ، و المعنى : و اذكر ربك إذا نسيته ثم ذكرته أو و اذكر ربك إذا نسيت شيئا من الأشياء ، و كذا ما ذكره بعضهم بناء على الوجه السابق أن المراد بذكره تعالى خصوص الاستثناء و إن طال الفصل أو خصوص الاستغفار أو الندم على التفريط ، كل ذلك وجوه غير سديدة .


و قوله :« و قل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا » حديث الاتصال و الاشتراك في سياق التكليف بين جمل الآية يقضي هنا أيضا أن تكون الإشارة بقوله :« هذا » إلى الذكر بعد النسيان ، و المعنى و ارج أن يهديك ربك إلى أمر هو أقرب رشدا من النسيان ثم الذكر و هو الذكر الدائم من غير نسيان فيكون من قبيل الآيات الداعية له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى دوام الذكر كقوله تعالى :« و اذكر ربك في نفسك تضرعا و خيفة و دون الجهر من القول بالغدو و الآصال و لا تكن من الغافلين » : الأعراف : 205 و ذكر الشي‏ء كلما نسي ثم ذكر و التحفظ عليه كرة بعد كرة من أسباب دوام ذكره .


و من العجيب أن المفسرين أخذوا قوله :« هذا » في الآية إشارة إلى نبإ أصحاب الكهف و ذكروا أن معنى الآية : قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات الدالة على نبوتي ما هو أقرب إرشادا للناس من نبإ أصحاب الكهف ، و هو كما ترى .


و أعجب منه ما عن بعض أن هذا إشارة إلى المنسي و أن معنى الآية : ادع الله إذا نسيت شيئا أن يذكرك إياه و قل إن لم يذكرك ما نسيته عسى أن يهديني ربي لشي‏ء هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :275


أقرب خيرا و منفعة من المنسي .


و أعجب منه ما عن بعض آخر أن قوله :« و قل عسى أن يهدين » إلخ عطف تفسيري لقوله :« و اذكر ربك إذا نسيت » و المعنى إذا وقع منك النسيان فتب إلى ربك و توبتك أن تقول : عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ، و يمكن أن يجعل الوجهان الثاني و الثالث وجها واحدا و بناؤهما على أي حال على كون المراد بقوله :« إذا نسيت » مطلق النسيان ، و قد عرفت ما فيه .


قوله تعالى :« و لبثوا في كهفهم ثلاثمائةسنين و ازدادوا تسعا » بيان لمدة لبثهم في الكهف على حال النوم فإن هذا اللبث هو متعلق العناية في آيات القصة و قد أشير إلى إجمال مدة اللبث بقوله في أول الآيات :« فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا » .


و يؤيده تعقيبه بقوله في الآية التالية :« قل الله أعلم بما لبثوا » ثم قوله :« و اتل ما أوحي إليك » إلخ ثم قوله :« و قل الحق من ربكم » و لم يذكر عددا غير هذا فقوله :« قل الله أعلم بما لبثوا » بعد ذكر مدة اللبث كقوله :« قل ربي أعلم بعدتهم » يلوح إلى صحة العدد المذكور .


فلا يصغى إلى قول القائل إن قولهو لبثوا في كهفهم » إلخ محكي قول أهل الكتاب و قوله :« قل الله أعلم بما لبثوا » رد له ، و كذا قول القائل إن قوله :« و لبثوا » إلخ قول الله تعالى و قوله :« و ازدادوا تسعا » إشارة إلى قول أهل الكتاب و الضمير لهم و المعنى أن أهل الكتاب زادوا على العدد الواقعي تسع سنين ثم قوله :« قل الله أعلم بما لبثوا » رد له .


على أن المنقول عنهم أنهم قالوا بلبثهم مائتي سنة أو أقل لا ثلاثمائة و تسعة و لا ثلاثمائة .


و قوله :« سنين » ليس بمميز للعدد و إلا لقيل : ثلاثمائة سنة بل هو بدل من ثلاثمائة كما قالوا ، و في الكلام مضاهاة لقوله فيما أجمل في صدر الآيات :« سنين عددا » .


و لعل النكتة في تبديل« سنة » من« سنين » استكثار مدة اللبث ، و على هذا فقوله :« و ازدادوا تسعا » لا يخلو من معنى الإضراب كأنه قيل : و لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة هذه السنين المتمادية و الدهر الطويل بل ازدادوا تسعا ، و لا ينافي هذا ما تقدم في قوله :« سنين عددا » إن هذا لاستقلال عدد السنين و استحقاره لأن المقامين


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :276


مختلفان بحسب الغرض فإن الغرض هناك كان متعلقا بنفي العجب من آية الكهف بقياسها إلى آية جعل ماعلى الأرض زينة لها فالأنسب به استحقار المدة ، و الغرض هاهنا بيان كون اللبث آية من آياته و حجة على منكري البعث و الأنسب به استكثار المدة ، و المدة بالنسبتين تحتمل الوصفين فهي بالنسبة إليه تعالى شي‏ء هين و بالنسبة إلينا دهر طويل .


و إضافة تسع سنين إلى ثلاثمائة سنة مدة اللبث تعطي أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية فإن التفاوت في ثلاثمائة سنة إذا أخذت تارة شمسية و أخرى قمرية بالغ هذا المقدار تقريبا و لا ينبغي الارتياب في أن المراد بالسنين في الآية السنون القمرية لأن السنة في عرف القرآن هي القمرية المؤلفةمن الشهور الهلالية و هي المعتبرة في الشريعة الإسلامية .


و في التفسير الكبير ، شدد النكير على ذلك لعدم تطابق العددين تحقيقا و ناقش في ما روي عن علي (عليه‏السلام‏) في هذا المعنى مع أن الفرق بين العددين الثلاثمائة شمسية و الثلاثمائة و تسع سنين قمرية أقل من ثلاثة أشهر و التقريب في أمثال هذه النسب ذائع في الكلام بلا كلام .


قوله تعالى :« قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات و الأرض » إلى آخر الآية مضي في حديث أصحاب الكهف بالإشارة إلى خلاف الناس في ذلك و أن ما قصه الله تعالى من قصتهم هو الحق الذي لا ريب فيه .


فقوله :« قل الله أعلم بما لبثوا » مشعر بأن مدة لبثهم المذكورة في الآية السابقة لم تكن مسلمة عند الناس فأمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يحتج في ذلك بعلم الله و أنه أعلم بهم من غيره .


و قوله :« له غيب السماوات و الأرض » تعليل لكونه تعالى أعلم بما لبثوا ، و اللام للاختصاص الملكي و المراد أنه تعالى وحده يملك ما في السماوات و الأرض من غيب غير مشهود فلا يفوته شي‏ء و إن فات السماوات و الأرض ، و إذ كان مالكا للغيب بحقيقة معنى الملك و له كمال البصر و السمع فهو أعلم بلبثهم الذي هو من الغيب .


و على هذا فقوله :« أبصر به و أسمع » - و هما من صيغ التعجب معناهما كمال


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :277


بصره و سمعه - لتتميم التعليل كأنه قيل : و كيف لا يكون أعلم بلبثهم و هو يملكهم على كونهم من الغيب و قد رأى حالهم و سمع مقالهم .


و من هنا يظهر أن قول بعضهم : إن اللام في« له غيب » إلخ للاختصاص العلمي أي له تعالى ذلك علما ، و يلزم منه ثبوت علمه لسائر المخلوقات لأن من علم الخفي علم غيره بطريق أولى .


انتهى ، غير سديد لأن ظاهر قوله :« أبصر به و أسمع » أنه للتأسيس دون التأكيد ، و كذا ظاهر اللام مطلق الملك دون الملك العلمي .


و قوله :« ما لهم من دونه من ولي » إلخ المراد بالجملة الأولى منه نفي ولاية غير الله لهم مستقلا بالولاية دون الله ، و بالثانية نفي ولاية غيره بمشاركته إياه فيها أي ليس لهم ولي غير الله لا مستقلا بالولاية و لا غير مستقل .


و لا يبعد أن يستفاد من النظم - بالنظر إلى التعبير في الجملة الثانية« و لا يشرك في حكمه أحدا » بالفعل دون الوصف و تعليق نفي الإشراك بالحكم دون الولاية أن الجملة الأولى تنفي ولاية غيره تعالى لهم سواء كانت بالاستقلال فيستقل بتدبير أمرهم دون الله أو بالشركة بأن يلي بعض أمورهم دون الله ، و الجملة الثانية تنفي شركة غيره تعالى في الحكم و القضاء في الحكم بأن تكون ولايتهم لله تعالى لكنه وكل عليهم غيره و فوض إليه أمرهم و الحكم فيهم كما يفعله الولاة في نصب الحكام و العمال في الشعب المختلفة من أمورهم فيباشر الحكام و العمال من الأحكام ما لا علم به من الولاة .


و يؤول المعنى إلى أنه كيف لا يكون تعالى أعلم بلبثهم و هو تعالى وحده وليهم المباشر للحكم الجاري فيهم و عليهم .


و الضمير في قوله :« لهم » لأصحاب الكهف أو لجميع ما في السماوات و الأرض المفهوم من الجملة السابقة بتغليب جانب أولي العقل أو لمن في السماوات و الأرض و الوجوه الثلاثة مترتبة جودة و أجودها أولها .


و عليه فالآية تتضمن حجتين على أن الله أعلم بما لبثوا إحداهما حجة عامة لهم و لغيرهم و هي قوله :« له غيب السماوات و الأرض أبصر به و أسمع » فهو أعلم بجميع الأشياء و منها لبث أصحاب الكهف ، و ثانيتهما حجة خاصة بهم و هي قوله :« ما لهم »


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :278


إلى آخر الآية فهو تعالى وليهم المباشر للقضاء الجاري عليهم فكيف لا يكون أعلم بهم من غيره ؟ و لمكان العلية في الجملتين جي‏ء بهما مفصولتين من غير عطف .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى :« أم حسبت أن أصحاب الكهف » الآية قال : يقول : قد آتيناك من الآيات ما هو أعجب منه ، و هم فتية كانوا في الفترة بين عيسى بن مريم و محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و أما الرقيم فهما لوحان من نحاس مرقوم أي مكتوب فيهما أمر الفتية و أمر إسلامهم و ما أراد منهم دقيانوس الملك و كيف كان أمرهم و حالهم .


و فيه ، حدثنا أبي عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : كان سبب نزول سورة الكهف أن قريشا بعثوا ثلاثة نفر إلى نجران : النضر بن الحارث بن كلدة و عقبة بن أبي معيط و العاص بن وائل السهمي ليتعلموا من اليهود مسائل يسألونها رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) . فخرجوا إلى نجران إلى علماء اليهود فسألوهم فقالوا : اسألوه عن ثلاث مسائل فإن أجابكم فيها على ما عندنا فهو صادق ثم اسألوه عن مسألة واحدة فإن ادعى علمها فهو كاذب . قالوا : و ما هذه المسائل ؟ قالوا : ! سلوه عن فتية كانوا في الزمن الأول فخرجوا و غابوا و ناموا ، كم بقوا في نومهم حتى انتبهوا ؟ و كم كان عددهم ؟ و أي شي‏ء كان معهم من غيرهم ؟ و ما كان قصتهم ؟ و سلوه عن موسى حين أمره الله أن يتبع العالم و يتعلم منه من هو ؟ و كيف تبعه ؟ و ما كان قصته معه ؟ و سلوه عن طائف طاف مغرب الشمس و مطلعها حتى بلغ سد يأجوج و مأجوج من هو ؟ و كيف كان قصته ؟ ثم أملئوا عليهم أخبار هذه المسائل الثلاث و قالوا لهم : إن أجابكم بما قد أملينا عليكم فهو صادق ، و إن أخبركم بخلاف ذلك فلا تصدقوه . قالوا : فما المسألة الرابعة ؟ قالوا : سلوه متى تقوم الساعة ! فإن ادعى علمها فهو كاذب فإن قيام الساعة لا يعلمه إلا الله تبارك و تعالى .


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :279


فرجعوا إلى مكة و اجتمعوا إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك يزعم أن خبر السماء يأتيه و نحن نسأله عن مسائل فإن أجابنا عنها علمنا أنه صادق و إن لم يخبرنا علمنا أنه كاذب فقال أبو طالب : سلوه عما بدا لكم فسألوه عن الثلاث المسائل فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) غدا أخبركم و لم يستثن ، فاحتبس الوحي عنه أربعين يوما حتى اغتم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و شك أصحابه الذين كانوا آمنوا به ، و فرحت قريش و استهزءوا و آذوا ، و حزن أبو طالب . فلما كان بعد أربعين يوما نزل عليه سورة الكهف فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يا جبرئيل لقد أبطأت فقال : إنا لا نقدر أن ننزل إلا بإذن الله فأنزل الله تعالى : أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا ثم قص قصتهم فقال : إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة و هيى‏ء لنا من أمرنا رشدا . قال : فقال الصادق (عليه‏السلام‏) . إن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا في زمن ملك جبار عات ، و كان يدعو أهل مملكته إلى عبادة الأصنام فمن لم يجبه قتله ، و كان هؤلاء قوما مؤمنين يعبدون الله عز و جل ، و وكل الملك بباب المدينة و لم يدع أحدا يخرج حتى يسجد للأصنام فخرجوا هؤلاء بعلة الصيد و ذلك أنهم مروا براع في طريقهم فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم و كان مع الراعي كلب فأجابهم الكلب و خرج معهم . قال (عليه‏السلام‏) : فخرج أصحاب الكهف من المدينة بعلة الصيد هربا من دين ذلك الملك فلما أمسوا دخلوا إلى ذلك الكهف و الكلب معهم فألقى الله عليهم النعاس كما قال الله :« فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا » فناموا حتى أهلك الله ذلك الملك و أهل المدينة و ذهب ذلك الزمان و جاء زمان آخر و قوم آخرون . ثم انتبهوا فقال بعضهم لبعض : كم نمنا هاهنا ؟ فنظروا إلى الشمس قد ارتفعت فقالوا : نمنا يوما أو بعض يوم ثم قالوا لواحد منهم : خذ هذه الورق و أدخل المدينة متنكرا لا يعرفونك فاشتر لنا طعاما فإنهم إن علموا بنا و عرفونا قتلونا أو ردونا في دينهم . فجاء ذلك الرجل فرأى مدينة بخلاف التي عهدها و رأى قوما بخلاف أولئك لم


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :280


يعرفهم و لم يعرفوا لغته و لم يعرف لغتهم فقالوا له : من أنت ، و من أين جئت ؟ فأخبرهم فخرج ملك تلك المدينة مع أصحابه و الرجل معهم حتى وقفوا على باب الكهف و أقبلوا يتطلعون فيه فقال بعضهم : هؤلاء ثلاثة رابعهم كلبهم ، و قال بعضهم : خمسة سادسهم كلبهم ، و قال بعضهم : سبعة و ثامنهم كلبهم . و حجبهم الله بحجاب من الرعب فلم يكن يقدم بالدخول عليهم غير صاحبهم فإنه لما دخل عليهم وجدهم خائفين أن يكونوا أصحاب دقيانوس شعروا بهم فأخبرهم صاحبهم أنهم كانوا نائمين هذا الزمن الطويل ، و أنهم آية للناس فبكوا و سألوا الله أن يعيدهم إلى مضاجعهم نائمين كما كانوا . ثم قال الملك : ينبغي أن نبني هاهنا مسجدا نزوره فإن هؤلاء قوم مؤمنون . فلهم في كل سنة تقلبان ينامون ستة أشهر على جنوبهم 1 اليمنى و ستة أشهر على جنوبهم 2 اليسرى و الكلب معهم باسط ذراعيه بفناء الكهف و ذلك قوله تعالى :« نحن نقص عليك نبأهم بالحق » إلى آخر الآيات .


أقول : و الرواية من أوضح روايات القصة متنا و أسلمها من التشوش و هي مع ذلك تتضمن أن الذين اختلفوا في عددهم فقالوا : ثلاثة أو خمسة أو سبعة هم أهل المدينة الذين اجتمعوا على باب الكهف بعد انتباه الفتية و هو خلاف ظاهر الآية ، و تتضمن أن أصحاب الكهف لم يموتوا ثانيا بل عادوا إلى نومتهم و كذلك كلبهم باسطا ذراعيه بالوصيد و أن لهم في كل سنة تقلبين من اليمين إلى اليسار و بالعكس و أنهم بعد على هيئتهم .


و لا كهف معهودا على وجه الأرض و فيه قوم نيام على هذه الصفة .


على أن في ذيل هذه الرواية .


و قد تركنا نقله هاهنا لاحتمال أن يكون من كلام القمي أو رواية أخرى - أن قوله تعالى :« و لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة و ازدادوا تسعا » من كلام أهل الكتاب ، و أن قوله بعده :« قل الله أعلم بما لبثوا » رد له ، و قد عرفت في البيان المتقدم أن السياق يدفعه و النظم البليغ لا يقبله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :281


و قد تكاثرت الروايات في بيان القصة من طرق الفريقين لكنها متهافتة مختلفة لا يكاد يوجد منها خبران متوافقا المضمون من جميع الجهات .


فمن الاختلاف ما في بعض الروايات كالرواية المتقدمة أن سؤالهم كان عن أربعة نبإ أصحاب الكهف و نبإ موسى و العالم و نبإ ذي القرنين و عن الساعة متى تقوم ؟ و في بعضها أن السؤال كان عن خبر أصحاب الكهف و ذي القرنين و عن الروح و قد ذكروا أن آية صدق النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن لا يجيب آخر الأسؤلة فأجاب عن نبإ أصحاب الكهف و نبإ ذي القرنين ، و نزل« قل الروح من أمر ربي » الآية فلم يجب عنها ، و قد عرفت في بيان آية الروح أن الكلام مسوق سوق الجواب و ليس بتجاف .


و من ذلك ما في أكثر الروايات أنهم جماعة واحدة سمعوا أصحاب الكهف و الرقيم ، و في بعضها أن أصحاب الرقيم غيرأصحاب الكهف ، و أن الله سبحانه أشار في كلامه إليهما معا لكنه قص قصة أصحاب الكهف و أعرض عن قصة أصحاب الرقيم ، و ذكروا لهم قصة و هي أن قوما و هم ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم فأخذتهم السماء فأووا إلى كهف و انحطت صخرة من أعلى الجبل و سدت بابه .


فقال بعضهم لبعض : ليذكر كل منا شيئا من عمله الصالح و ليدع الله به لعله يفرج عنا فذكر واحد منهم منه عمله لوجه الله و دعا الله به فتنحت الصخرة قدر ما دخل عليهم الضوء ثم الثاني فتنحت حتى تعارفوا ثم الثالث ففرج الله عنهم فخرجوا رواه 1 النعمان بن بشير مرفوعا عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و المستأنس بأسلوب الذكر الحكيم يأبى أن يظن به أن يشير في دعوته إلى قصتين ثم يفصل القول في إحداهما و ينسى الأخرى من أصلها .


و من ذلك ما تذكره الروايات أن الملك الذي هرب منه الفتية هو دقيانوس ديوكليس 285 م - 305 م ملك الروم و في بعضها كان يدعي الألوهية ، و في بعض أنه كان دقيوس دسيوس 249 - 254 م ملك الروم و بينهما عشرات من السنين و كان الملك يدعو إلى عبادة الأصنام و يقتل أهل التوحيد ، و في بعض الروايات


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :282


كان مجوسيا يدعو إلى دين المجوس ، و لم يذكر التاريخ شيوع المجوسية هذا الشيوع في بلاد الروم ، و في بعض الروايات أنهم كانوا قبل عيسى (عليه‏السلام‏) .


و من ذلك أن بعض الروايات تذكر أن الرقيم اسم البلد الذي خرجوا منه و في بعضها اسم الوادي ، و في بعضها اسم الجبل الذي فيه الكهف ، و في بعضها اسم كلبهم ، و في بعضها هو لوح من حجر ، و في بعضها من رصاص ، و في بعضها من نحاس و في بعضها من ذهب رقم فيه أسماؤهم و أسماء آبائهم و قصتهم و وضع على باب الكهف و في بعضها داخله ، و في بعضها كان معلقا على باب المدينة ، و في بعضها في بعض خزائن الملوك و في بعضها هما لوحان .


و من ذلك ما في بعض الروايات أن الفتية كانوا من أولاد الملوك ، و في بعضها من أولاد الأشراف ، و في بعضها من أولاد العلماء ، و في بعضها أنهم سبعة سابعهم كان راعي غنم لحق بهم هو و كلبه في الطريق ، و في حديث 1 وهب بن منبه أنهم كانوا حماميين يعملون في بعض حمامات المدينة و ساق لهم قصة دعوة الملك إلى عبادة الأصنام و في بعضها أنهم كانوا من وزراء الملك يستشيرهم في أموره .


و من ذلك ما في بعض الروايات أنهم أظهروا المخالفة و علم بها الملك قبل الخروج و في بعضها أنه لم يعلم إلا بعد خروجهم و في بعضها أنهم تواطئوا على الخروج فخرجوا و في بعضها أنهم خرجوا على غير معرفة من بعضهم لحال بعض و على غير ميعاد ثم تعارفوا و اتفقوا في الصحراء و في بعضها أن راعي غنم لحق بهم و هو سابعهم و في بعضها أنه لم يتبعهم و تبعهم كلبه و سار معهم .


و من ذلك ما في بعض الروايات أنهم لما هربوا و اطلع الملك على أمرهم افتقدهم و لم يحصل منهم على أثر ، و في بعضها أنه فحص عنهم فوجدهم نياما في كهفهم فأمر أن يبنى على باب الكهف بنيان ليحتبسوا فيموتوا جوعا و عطشا جزاء لعصيانهم فبقوا على هذه الحال حتى إذا أراد الله أن ينبههم بعث راعي غنم فخرب البنيان ليتخذ حظيرة لغنمه و عند ذلك بعثهم الله أيقاظا و كان من أمرهم ما قصه الله .


و من ذلك ما في بعض الروايات أنه لما ظهر أمرهم أتاهم الملك و معه الناس فدخل


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :283


عليهم الكهف فكلمهم فبينا هو يكلمهم و يكلمونه إذ ودعوه و سلموا عليه و قضوا نحبهم ، و في بعضها أنهم ماتوا أو ناموا قبل أن يدخل الملك عليهم و سد باب الكهف و غاب عن أبصارهم فلم يهتدوا للدخول فبنوا هناك مسجدا يصلون فيه .


و من ذلك ما في بعض الروايات أنهم قبضت أرواحهم ، و في بعضها أن الله أرقدهم ثانيا فهم نيام إلى يومالقيامة ، و يقلبهم كل عام مرتين من اليمين إلى الشمال و بالعكس .


و من ذلك اختلاف الروايات في مدة لبثهم ففي أكثرها أن الثلاثمائة و تسع سنين المذكور في الآية قول الله تعالى ، و في بعضها أنه محكي قول أهل الكتاب ، و قوله تعالى :« قل الله أعلم بما لبثوا » رد له ، و في بعضها أن الثلاثمائة قوله سبحانه و زيادة التسع قول أهل الكتاب .


إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف بين الروايات ، و قد جمعت أكثرها من طرق أهل السنة في الدر المنثور ، و من طرق الشيعة في البحار ، و تفسيري البرهان ، و نور - الثقلين ، من أراد الاطلاع عليها فليراجعها ، و الذي يمكن أن تعد الروايات متفقة أو كالمتفقة عليه أنهم كانوا قوما موحدين هربوا من ملك جبار كان يجبر الناس على الشرك فأووا إلى الكهف فناموا إلى آخر ما قصه الله تعالى .


و في تفسير العياشي ، عن سليمان بن جعفر الهمداني قال : قال لي جعفر بن محمد (عليهماالسلام‏) يا سليمان من الفتى ؟ فقلت له ؟ جعلت فداك الفتى عندنا الشاب . قال لي : أ ما علمت أن أصحاب الكهف كانوا كلهم كهولا فسماهم الله فتية بإيمانهم يا سليمان من آمن بالله و اتقى فهو الفتى .


أقول : و روي ما في معناه في الكافي ، عن القمي مرفوعا عنالصادق (عليه‏السلام‏) ، و قد روي عن 1 ابن عباس أنهم كانوا شبانا .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال : كان أصحاب الكهف صيارفة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :284


أقول : و روى القمي أيضا بإسناده عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : كان أصحاب الكهف صيارفة : لكن في تفسير العياشي ، عن درست عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : أنه ذكر أصحاب الكهف فقال : كانوا صيارفة كلام و لم يكونوا صيارفة دراهم .


و في تفسير العياشي ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان و أظهروا الكفر فآجرهم الله مرتين .


أقول : و روي في الكافي ، ما في معناه عن هشام بن سالم عنه (عليه‏السلام‏) و روى ما في معناه العياشي عن الكاهلي عنه (عليه‏السلام‏) و عن درست في خبرين عنه (عليه‏السلام‏) و في أحد الخبرين : أنهم كانوا ليشدون الزنانير و يشهدون الأعياد .


و لا يرد عليه أن ظاهر قوله تعالى حكاية عنهم :« إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات و الأرض لن ندعوا من دونه إلها » الآية أنهم كانوا لا يرون التقية كما احتمله المفسرون في تفسير قوله تعالى حكاية عنهم :« أو يعيدوكم فيملتهم و لن تفلحوا إذا أبدا » الآية و قد تقدم .


و ذلك لأنك عرفت أن خروجهم من المدينة كان هجرة من دار الشرك التي كانت تحرمهم إظهار كلمة الحق و التدين بدين التوحيد غير أن تواطيهم على الخروج و هم ستة من المعاريف و أهل الشرف و إعراضهم عن الأهل و المال و الوطن لم يكن لذلك عنوان إلا المخالفة لدين الوثنية فقد كانوا على خطر عظيم لو ظهر عليهم القوم و لم ينته أمرهم إلا إلى أحد أمرين الرجم أو الدخول في ملة القوم .


و بذلك يظهر أن قيامهم أول مرة و قولهم :« ربنا رب السماوات و الأرض لن ندعوا من دونه إلها لم يكن بتظاهر منهم على المخالفة و تجاهر على ذم ملة القوم و رمي طريقتهم فما كانت الأوضاع العامة تجيز لهم ذلك ، و إنما كان ذلك منهم قياما لله و تصميما على الثبات على كلمة التوحيد و لو سلم دلالة قوله :« إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات و الأرض » على التظاهر و رفض التقية فقد كان في آخر أيام مكثهم بين القوم و كانوا قبل ذلك سائرين على التقية لا محالة ، فقد بان أن سياق شي‏ء من الآيتين لا ينافي كون الفتية سائرين على التقية ما داموا بين القوم و في المدينة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :285


و في تفسير العياشي ، أيضا عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : خرج أصحاب الكهف على غير معرفة و لا ميعاد فلما صاروا في الصحراء أخذ بعضهم على بعض العهود و المواثيق فأخذ هذا على هذا و هذا على هذا ثم قالوا : أظهروا أمركم فأظهروه فإذا هم على أمر واحد .


أقول : و في معناه ما عن ابن عباس في الخبر الآتي .


في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس : ليس ذلك لك قد منع الله ذلك عمن هو خير منك فقال :« لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا و لملئت منهم رعبا » فقال معاوية : لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث رجالا فقال : اذهبوا فادخلوا الكهف فانظروا فذهبوا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم فبلغ ذلك ابن عباس فأنشأ يحدث عنهم . فقال : إنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة فجعلوا يعبدون حتى عبدوا الأوثان و هؤلاء الفتية في المدينة فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله على غير ميعاد فجعل بعضهم يقول لبعض : أين تريدون ؟ أين تذهبون ؟ فجعل بعضهم يخفي على بعض لأنه لا يدري هذا على ما خرج هذا و لا يدري هذا فأخذوا العهود و المواثيق أن يخبر بعضهم بعضا فإن اجتمعوا على شي‏ء و إلا كتم بعضهم بعضا فاجتمعوا على كلمة واحدة فقالوا :« ربنا رب السماوات و الأرض إلى قوله مرفقا » . قال : فقعدوا فجاء أهلهم يطلبونهم لا يدرون أين ذهبوا ؟ فرفع أمرهم إلى الملك فقال : ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن ، ناس خرجوا لا يدرى أين ذهبوا في غير خيانة و لا شي‏ء يعرف ؟ فدعا بلوح من رصاص فكتب فيه أسماءهم ثم طرح في خزانته فذلك قول الله :« أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقيم » و الرقيم هو اللوح الذي كتبوا ، فانطلقوا حتى دخلوا الكهف فضرب الله على آذانهم فناموا فلو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم ، و لو لا أنهم يقلبون لأكلتهم الأرض ، و ذلك قول الله : و ترى الشمس » الآية .


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :286


قال : ثم إن ذلك الملك ذهب و جاء ملك آخر فعبد الله و ترك تلك الأوثان و عدل في الناس فبعثهم الله لما يريد فقال قائل منهم : كم لبثتم ؟ فقال بعضهم : يوما و قال بعضهم : يومين و قال بعضهم : أكثر من ذلك فقال كبيرهم : لا تختلفوا فإنه لم يختلف قوم قط إلا هلكوا فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة . فرأى شارة 1 أنكرها و رأى بنيانا أنكره ثم دنا إلى خباز فرمى إليه بدرهم و كانت دراهمهم كخفاف الربع يعني ولد الناقة فأنكر الخباز الدرهم فقال : من أين لك هذا الدرهم ؟ لقد وجدت كنزا لتدلني عليه أو لأرفعنك إلى الأمير فقال : أ و تخوفني بالأمير ؟ و أتى الدهقان الأمير قال : من أبوك ؟ قال : فلان فلم يعرفه قال : فمن الملك ؟ قال : فلان فلم يعرفه فاجتمع عليهم الناس فرفع إلى عالمهم فسأله فأخبره فقال : علي باللوح فجي‏ء به فسمى أصحابه فلانا و فلانا و هم مكتوبون في اللوح فقال للناس : إن الله قد دلكم على إخوانكم . و انطلقوا و ركبوا حتى أتوا إلى الكهف فلما دنوا من الكهف قال الفتى . مكانكم أنتم حتى أدخل أنا على أصحابي ، و لا تهجموا فيفزعون منكم و هم لا يعلمون أن الله قد أقبل بكم و تاب عليكم فقالوا : لتخرجن علينا ؟ قال : نعم إن شاء الله فدخل فلم يدروا أين ذهب ؟ و عمي عليهم فطلبوا و حرضوا فلم يقدروا على الدخول عليهم فقالوا : لنتخذن عليهم مسجدا فاتخذوا عليهم مسجدا يصلون عليهم و يستغفرون لهم .


أقول : و الرواية مشهورة أوردها المفسرون في تفاسيرهم و تلقوها بالقبول و هي بعد غير خالية عن أشياء منها أن ظاهرها أنهم بعد على هيئة النيام لا يمكن الاطلاع عليهم بصرف إلهي ، و الكهف الذي في المضيق و هو كهف إفسوس المعروف اليوم ليس على هذا النعت .


و الآية التي تمسك بها ابن عباس إنما تمثل حالهم و هم رقود قبل البعث لا بعده و قد وردت عن ابن عباس رواية أخرى تخالف هذه الرواية و هي ما في الدر المنثور ، عن عبد الرزاق و ابن أبي حاتم عن عكرمة و قد ذكرت فيها القصة و في آخرها : فركب


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :287


الملك و ركب معه الناس حتى انتهى إلى الكهف فقال الفتى : دعوني أدخل إلى أصحابي فلما أبصروه و أبصرهم ضرب على آذانهم فلما استبطئوه دخل الملك و دخل الناس معه فإذا أجساد لا يبلى منها شي‏ء غير أنها لا أرواح فيها فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم .


فغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام فقال رجل : هذه عظام أهل الكهف فقال ابن عباس ذهبت عظامهم أكثر من ثلاثمائة سنة الحديث .


و تزيد هذه الرواية إشكالا أن قوله : ذهبت عظامهم« إلخ » يؤدي إلى وقوع القصة في أوائل التاريخ الميلاد أو قبله فتخالف حينئذ عامة الروايات إلا ما تقول إنهم كانوا قبل المسيح .


و منها ما في قوله :« فقال بعضهم : يوما و قال بعضهم : يومين » إلخ و الذي وقع في القرآن :« قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم » و هو المعقول الموافق للاعتبار من قوم ناموا ثم انتبهوا و تكلموا في مدة لبثهم أخذا بشواهد الحال و أما احتمال اليومين و أزيد فمما لا سبيل إليه و لا شاهد يشهد عليه عادة على أن اختلافهم في تشخيص مدة اللبث لم يكن من الاختلاف المذموم الذي هو اختلاف في العمل في شي‏ء حتى يؤدي إلى الهلاك فينهى عنه و إنما هو اختلاف في النظر و لا مناص .


و منها ما في آخرها أنه دخل فلم يدروا أين ذهب ؟ و عمي عليهم« إلخ » كان المراد به ما في بعض الروايات أن باب الكهف غاب عن أنظارهم بأن مسحه الله و عفاه ، و لا يلائم ذلك ما في صدر الرواية أنه كان ظاهرا معروفا في تلك الديار فهل مسحه الله لذلك الملك و أصحابه ثم أظهره للناس ؟ .


و ما في صدر الرواية من قول ابن عباس إن الرقيم لوح من رصاص مكتوب فيه أسماؤهم » روى ما في معناه العياشي في تفسيره ، عن أحمد بن علي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) و قد روي في روايات أخرى عن ابن عباس إنكاره كما في الدر المنثور ، عن سعيد بن منصور و عبد الرزاق و الفريابي و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الزجاجي في أماليه و ابن مردويه عن ابن عباس قال : لا أدري ما الرقيم و سألت كعبا فقال اسم القرية التي خرجوا منها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :288


و فيه ، أيضا عن عبد الرزاق عن ابن عباس قال : كل القرآن أعلمه إلا أربعا : غسلين 1 و حنانا و أواه و رقيم .


و في تفسير القمي ، : في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى :« لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا » يعني جورا على الله إن قلنا له شريك .


و في تفسير العياشي ، عن محمد بن سنان عن البطيخي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قول الله :« لو اطلعتعليهم لوليت منهم فرارا و لملئت منهم رعبا » قال : إن ذلك لم يعن به النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إنما عني به المؤمنون بعضهم لبعض لكنه حالهم التي هم عليها .


و في تفسير روح المعاني ، أسماؤهم على ما صح عن ابن عباس : مكسلمينا و يمليخا و مرطولس و ثبيونس و دردونس و كفاشيطيطوس و منطنواسيس و هو الراعي و الكلب اسمه قطمير : قال : و روي عن علي كرم الله وجهه : إن أسماءهم : يمليخا و مكسلينيا و مسلينيا و هؤلاء أصحاب يمين الملك ، و مرنوش و دبرنوش و شاذنوش ، و هؤلاء أصحاب يساره ، و كان يستشير الستة و السابع الراعي و لم يذكر في هذه الرواية اسمه و ذكر فيها أن اسم كلبهم قطمير .


قال : و في صحة نسبة هذه الرواية لعلي كرم الله وجه مقال و ذكر العلامة السيوطي في حواشي البيضاوي ، أن الطبراني روى ذلك عن ابن عباس في معجمه الأوسط ، بإسناد صحيح ، و الذي في الدر المنثور ، رواية الطبراني في الأوسط بإسناد صحيح ما قدمناه عن ابن عباس .


قال : و قد سموا في بعض الروايات بغير هذه الأسماء ، و ذكر الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ، أن في النطق بأسمائهم اختلافا كثيرا و لا يقع الوثوق من ضبطها ، و في البحر ، أن أسماء أصحاب الكهف أعجمية لا تنضبط بشكل و لا نقط و السند في معرفتها ضعيف انتهى كلامه 2 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :289


الرواية التي نسبها إلى علي (عليه‏السلام‏) هي التي رواها الثعلبي في العرائس ، و الديلمي في كتابه مرفوعة و فيها أعاجيب .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :290


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أصحاب الكهف أعوان المهدي .


و في البرهان ، عن ابن الفارسي قال الصادق (عليه‏السلام‏) : يخرج للقائم (عليه‏السلام‏) من ظهر الكعبة سبعة و عشرون رجلامن قوم موسى الذين كانوا يهدون بالحق و به يعدلون و سبعة من أهل الكهف و يوشع بن نون ، و أبو دجانة الأنصاري ، و مقداد بن الأسود و مالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصارا و حكاما .


و في تفسير العياشي ، عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) عن أبيه علي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) قال : إذا حلف رجل بالله فله ثنياها إلى أربعين يوما و ذلك أن قوما من اليهود سألوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن شي‏ء فقال : ائتوني غدا و لم يستثن حتى أخبركم فاحتبس عنه جبرئيل أربعين يوما ثم أتاه و قال :« و لا تقولن لشي‏ء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء الله و اذكر ربك إذا نسيت » .


أقول : الثنيا بالضم فالسكون مقصورا اسم الاستثناء و في هذا المعنى روايات أخر عن الصادقين (عليهماالسلام‏) و الظاهر من بعضها أن المراد بالحلف بت الكلام و تأكيده كما يلوح إليه استشهاده (عليه‏السلام‏) في هذه الرواية بقول النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و أما البحث في تقييد اليمين به بعد انعقاده و وقوع الحنث معه و عدمه فموكول إلى الفقه .


«كلام حول قصة أصحاب الكهف في فصول »


1- وردت قصة الكهف مفصلة كاملة في عدة روايات عن الصحابة و التابعين و أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) كرواية القمي و رواية ابن عباس و رواية عكرمة و رواية مجاهد و قد أوردها في الدر المنثور ، و رواية ابن إسحاق في العرائس ، و قد أوردها في البرهان ، و رواية وهب بن منبه و قد أوردها في الدر المنثور ، و في الكامل ، من غير نسبة و رواية النعمان بن بشير في أصحاب الرقيم و قد أوردها في الدر المنثور ، .


و هذه الروايات - و قد أوردنا في البحث الروائي السابق بعضها و أشرنا إلى بعضها


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :291


الآخر - من الاختلاف في متونها بحيث لا تكاد تتفق في جهة بارزةمن جهات القصة ، و أما الروايات الواردة في بعض جهات القصة كالمتعرضة لزمان قيامهم و الملك الذي قاموا في عهده و نسبهم و سمتهم و أسمائهم و وجه تسميتهم بأصحاب الرقيم إلى غير ذلك من جزئيات القصة فالاختلاف فيها أشد و الحصول فيها على ما تطمئن إليه النفس أصعب .


و السبب العمدة في اختلاف هذه الأحاديث مضافا إلى ما تطرق إلى أمثال هذه الروايات من الوضع و الدس أمران .


أحدهما : أن القصة مما اعتنت به أهل الكتاب كما يستفاد من رواياتها أن قريشا تلقتها عنهم و سألوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عنها بل يستفاد من التماثيل و قد ذكرها أهل التاريخ عن النصارى و من الصور الموجودة في كهوف شتى في بقاع الأرض المختلفة من آسيا و أوربا و إفريقيا أن القصة اكتسبت بعد شهرة عالمية ، و من شأن القصص التي كذلك أن تتجلى لكل قوم في صورة تلائم ما عندهم من الآراء و العقائد و تختلف رواياتها .


ثم إن المسلمين بالغوا في أخذ الرواية و ضبطها و توسعوا فيه و أخذوا ما عند غيرهم كما أخذوا ما عند أنفسهم و خاصة و قد اختلط بهم قوم من علماء أهل الكتاب دخلوا في الإسلام كوهب بن منبه و كعب الأحبار و أخذ عنهم الصحابة و التابعون كثيرا من أخبار السابقين ثم أخذالخلف عن السلف و عاملوا مع رواياتهم معاملة الأخبار الموقوفة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فكانت بلوى .


و ثانيهما : أن دأب كلامه تعالى فيما يورده من القصص أن يقتصر على مختارات من نكاتها المهمة المؤثرة في إيفاء الغرض من غير أن يبسط القول بذكر متنها بالاستيفاء و التعرض لجميع جهاتها و الأوضاع و الأحوال المقارنة لها فما كتاب الله بكتاب تاريخ و إنما هو كتاب هدى .


و هذا من أوضح ما يعثر عليه المتدبر في القصص المذكورة في كلامه تعالى كالذي ورد فيه من قصة أصحاب الكهف و الرقيم فقد أورد أولا شطرا من محاورتهميشير إلى معنى قيامهم لله و ثباتهم على كلمة الحق و اعتزالهم الناس إثر ذلك و دخولهم الكهف و رقودهم فيه و كلبهم معهم دهرا طويلا ثم يذكر بعثهم من الرقدة و محاورة ثانية لهم هي المؤدية


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :292


إلى انكشاف حالهم و ظهور أمرهم للناس .


ثم يذكر إعثار الناس عليهم بما يشير إلى توفيهم ثانيا بعد حصول الغرض الإلهي و ما صنع بعد ذلك من اتخاذ مسجد عليهم هذا هو الذي جرى عليه كلامه تعالى .


و قد أضرب عن ذكر أسمائهم و أنسابهم و موالدهم و كيفية نشأتهم و ما اتخذوه لأنفسهم من المشاغل و موقعهم من مجتمعهم و زمان قيامهم و اعتزالهم و اسم الملك الذي هربوا منه و المدينة التي خرجوا منها و القوم الذين كانوا فيهم و اسم الكلب الذي لازمهم و هل كان كلب صيد لهم أو كلب غنم للراعي ؟ و ما لونه ؟ - و قد أمعن فيه الروايات - إلى غير ذلك من الأمور التي لا يتوقف غرض الهداية على العلم بشي‏ء منها كما يتوقف عليه غرض البحث التاريخي .


ثم إن المفسرين من السلف لما أخذوا في البحث عن آيات القصص راموا بيان اتصال الآيات بضم المتروك من أطراف القصص إلى المختار المأخوذ منها لتصاغ بذلك قصة كاملة الأجزاء مستوفاة الأطراف فأدى اختلاف أنظارهم إلى اختلاف يشابه اختلاف النقل فآل الأمر إلى ما نشاهده .


2- قصة أصحاب الكهف في القرآن:


و قد قال تعالى مخاطبا لنبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏)« فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا و لا تستفت فيهم منهم أحدا » كانت أصحاب الكهف و الرقيم فتية نشئوا في مجتمع مشرك لا يرى إلا عبادة الأوثان فتسرب في المجتمع دين التوحيد فآمن بالله قوم منهم فأنكروا عليهم ذلك و قابلوهم بالتشديد و التضييق و الفتنة و العذاب ، و أجبروهم على عبادة الأوثان و رفض دين التوحيد فمن عاد إلى ملتهم تركوه و من أصر على المخالفة قتلوه شر قتلة .


و كانت الفتية ممن آمن بالله إيمانا على بصيرة فزادهم الله هدى على هداهم و أفاض عليهم المعرفة و الحكمة و كشف بما آتاهم من النور عما يهمهم من الأمر و ربط على قلوبهم فلم يخشوا إلا الله و لا أوحشهم ما يستقبلهم من الحوادث و المكاره فعلموا أنهم لو أداموا المكث في مجتمعهم الجاهل المتحكم لم يسعهم دون أن يسيروا بسيرتهم فلا يتفوهوا بكلمة الحق و لا يتشرعوا بشريعة الحق و علموا أن سبيلهم أن يقوموا على التوحيد و رفض الشرك ثم اعتزال القوم ، و علموا أن لو اعتزلوهم و دخلوا الكهف أنجاهم الله مما هم فيه من البلاء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :293


فقاموا و قالوا ردا على القوم في اقتراحهم و تحكمهم : ربنا رب السماوات و الأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا .


ثم قالوا : و إذ اعتزلتموهم و ما يعبدن إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته و يهيى‏ء لكم من أمركم مرفقا .


ثم دخلوا الكهف و استقروا على فجوة منه و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فدعوا ربهم بما تفرسوا من قبل أنه سيفعل بهم ذلك فقالوا : ربنا آتنا من لدنك رحمة و هيى‏ء لنا من أمرنا رشدا فضرب الله على آذانهم في الكهف سنين و لبثوا في كهفهم - و كلبهم معهم ثلاثمائة سنين و ازدادوا تسعا و ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و إذا غربت تقرضهم ذات الشمال و هم في فجوة منه و تحسبهم أيقاظا و هم رقود و يقلبهم الله ذات اليمين و ذات الشمال و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا و لملئت منهم رعبا .


ثم إن الله بعثهم بعد هذا الدهر الطويل و هو ثلاثمائة و تسع سنين من يوم دخلوا الكهف ليريهم كيف نجاهم من قومهم فاستيقظوا جميعا و وجدوا أن الشمس تغير موقعها و فيهم شي‏ء من لوثة نومهم الثقيل قال قائل منهم : كم لبثتم ؟ قال قوم منهم : لبثنا يوما أو بعض يوم لما وجدوا من تغير موقع الشعاع و ترددوا هل مرت عليهم ليلة أو لا ؟ و قال آخرون منهم : بل ربكم أعلم بما لبثتم ثم قال : فابعثوا بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه فإنكم جياع و ليتلطف الذاهب منكم إلى المدينة في مسيره إليها و شرائه الطعام و لا يشعرن بكم أحدا إنهم إن علموا بمكانكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم و لن تفلحوا إذا أبدا .


و هذا أوان أن يعثر الله سبحانه الناس عليهمفإن القوم الذين اعتزلوهم و فارقوهم يوم دخلوا الكهف قد انقرضوا و ذهب الله بهم و بملكهم و ملتهم و جاء بقوم آخرين الغلبة فيهم لأهل التوحيد و السلطان و قد اختلفوا أعني أهل التوحيد و غيرهم في أمر المعاد فأراد الله سبحانه أن يظهر لهم آية في ذلك فأعثرهم على أصحاب الكهف .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :294


فخرج المبعوث من الفتية و أتى المدينة و هو يظن أنها التي فارقها البارحة لكنه وجد المدينة قد تغيرت بما لا يعهد مثله في يوم و لا في عمر و الناس غير الناس و الأوضاع و الأحوال غير ما كان يشاهده بالأمس فلم يزل على حيرة من الأمر حتى أراد أن يشتري طعاما بما عنده من الورق و هي يومئذ من الورق الرائجة قبل ثلاثة قرون فأخذت المشاجرة فيها و لم تلبث دون أن كشفت عن أمر عجيب و هو أن الفتى ممن كانوا يعيشون هناك قبل ذلك بثلاثة قرون ، و هو أحد الفتية كانوا في مجتمع مشرك ظالم فهجروا الوطن و اعتزلوا الناس صونا لإيمانهم و دخلوا الكهف فأنامهم الله هذا الدهر الطويل ثم بعثهم ، و ها هم الآن في الكهف في انتظار هذا الذي بعثوه إلى المدينة ليشتري لهم طعاما يتغذون به .


فشاع الخبر في المدينة لساعته و اجتمع جم غفير من أهلها فساروا إلى الكهف و معهم الفتى المبعوث من أصحاب الكهف فشاهدوا ما فيه تصديق الفتى فيما أخبرهم من نبإ رفقته و ظهرت لهم الآية الإلهية في أمر المعاد .


و لم يلبث أصحاب الكهف بعد بعثهم كثيرا دون أن توفاهم الله سبحانه و عند ذلك اختلف المجتمعون على باب الكهف من أهل المدينة ثانيا فقال المشركون منهم : ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم و هم الموحدون لنتخذن عليهم مسجدا .


3 - القصة عند غير المسلمين :


معظم أهل الرواية و التاريخ على أن القصة وقعت في الفترة بين النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و بين المسيح (عليه‏السلام‏) و لذلك لم يرد ذكرها في كتب العهدين و لم يعتوره اليهود و إن اشتملت عدة من الروايات على أن قريشا تلقت القصة من اليهود ، و إنما اهتم بها النصارى و اعتوروها قديما و حديثا ، و ما نقل عنهم في القصة قريب مما أورده ابن إسحاق في العرائس ، عن ابن عباس غير أنهم يختلف رواياتهم عن روايات المسلمين في أمور : .


أحدها : أن المصادر السريانية تذكر عدد أصحاب الكهف ثمانية في حين يذكره المسلمون و كذا المصادر اليونانية و الغربية سبعة .


ثانيها : أن قصتهم خالية من ذكر كلب أصحاب الكهف .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :295


ثالثها : أنهم ذكروا أن مدة لبث أصحاب الكهف فيه مائتا سنة أو أقل و المسلمون يذكر معظمهم أنه ثلاثمائة و تسع سنين على ما هو ظاهر القرآن الكريم و السبب في تحديدهم ذلك أنهم ذكروا أن الطاغية الذي كان يجبر الناس على عبادة الأصنام و قد هرب منه الفتية هو دقيوس الملك 449 - 451 و قد استيقظ أهل الكهف على ما ذكروا سنة 435 م أو سنة 437 أو سنة 439 م فلا يبقى للبثهم في الكهف إلا مائتا سنة أو أقل و أول من ذكره من مؤرخهم على ما يذكر هو« جيمس » الساروغي السرياني الذي ولد سنة 451 م و مات سنة 521 م ثم أخذ عنه الآخرون و للكلام تتمة ستوافيك .


4- أين كهف أصحاب الكهف ؟


عثر في مختلف بقاع الأرض على عدة من الكهوف و الغيران و على جدرانها تماثيل رجال ثلاثة أو خمسة أو سبعة و معهم كلب و في بعضها بين أيديهم قربان يقربونه ، و يتمثل عند الإنسان المطلع عليها قصص أصحاب الكهف و يقرب من الظن أن هذه النقوش و التماثيل إشارة إلى قصة الفتية و أنها انتشرت و ذاعت بعد وقوعها في الأقطار فأخذت ذكرى يتذكر بها الرهبان و المتجردون للعبادة في هذه الكهوف .


و أما الكهف الذي التجأ إليه و استخفى فيه أهل الكهف فجرى عليهم ما جرى فالناس فيه في اختلاف و قد ادعي ذلك في عدة مواضع .


أحدها : كهف إفسوس و إفسوس 1 هذا مدينة خربة أثرية واقعة في تركيا على مسافة 73 كيلو مترا من بلدة إزمير ، و الكهف على مساحة كيلو متر واحد أو أقل من إفسوس بقرب قرية« اياصولوك » بسفح جبل« ينايرداغ » .


و هو كهف وسيع فيه - على ما يقال - مات من القبور مبنية من الطوب و هو في سفح الجبل و بابه متجه نحو الجهة الشمالية الشرقية و ليس عنده أثر من مسجد أو صومعة أو كنيسة ، و هذا الكهف هو الأعرف عند النصارى ، و قد ورد ذكره في عدة من روايات المسلمين .


و هذا الكهف على الرغم من شهرته البالغة - لا ينطبق عليه ما ورد في الكتاب


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :296


العزيز من المشخصات .


أما أولا : فقد قال تعالى :« و ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و إذا غربت تقرضهم ذات الشمال » و هو صريح في أن الشمس يقع شعاعها عند الطلوع على جهة اليمين من الكهف و عند الغروب على الجانب الشمالي منه ، و يلزمه أن يواجه باب الكهف جهة الجنوب ، و باب الكهف الذي في إفسوس متجه نحو الشمال الشرقي .


و هذا الأمر أعني كون باب كهف إفسوس متجها نحو الشمال و ما ورد من مشخص إصابة الشمس منه طلوعا و غروبا هو الذي دعا المفسرين إلى أن يعتبروا يمين الكهف و يساره بالنسبة إلى الداخل فيه لا الخارج منه مع أنه المعروف المعمول - كما تقدم في تفسير الآية - قال البيضاوي في تفسيره ، : إن باب الكهف في مقابلة بنات النعش ، و أقرب المشارق و المغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان و مغربه و الشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأيمن و هو الذي يلي المغرب ، و تغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبه و يحلل عفونته و يعدل هواءه و لا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم و يبلي ثيابهم .


انتهى و نحو منه ما ذكره غيره .


على أن مقابلة الباب للشمال الشرقي لا للقطب الشمالي و بنات النعش كما ذكروه تستلزم عدم انطباق الوصف حتى على الاعتبار الذي اعتبروه فإن شعاع الشمس حينئذ يقع على الجانب الغربي الذي يلي الباب عند طلوعها و أما عند الغروب فالباب و ما حوله مغمور تحت الظل و قد زال الشعاع بعيد زوال الشمس و انبسط الظل .


اللهم إلا أن يدعى أن المراد بقوله :« و إذا غربت تقرضهم ذات الشمال » عدم وقوع الشعاع أو وقوعه خلفهم لا على يسارهم هذا .


و أما ثانيا : فلأن قوله تعالى :« و هم في فجوة منه » أي في مرتفع منه و لا فجوة في كهف إفسوس - على ما يقال - و هذا مبني على كون الفجوة بمعنى المرتفع و هو غير مسلم و قد تقدم أنها بمعنى الساحة .


و أما ثالثا : فلأن قوله تعالى :« قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا » ظاهر في أنهم بنوا على الكهف مسجدا ، و لا أثر عند كهف إفسوس من مسجد أو


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :297


صومعة أو نحوهما و أقرب ما هناك كنيسة على مسافة ثلاث كيلو مترات تقريبا و لا جهة تربطها بالكهف أصلا .


على أنه ليس هناك شي‏ء من رقيم أو كتابة أو أمر آخر يشهد و لو بعض الشهادة على كون بعض هاتيك القبور و هي مآت هي قبور أصحاب الكهف أو أنهم لبثوا هناك صفة من الدهر راقدين ثم بعثهم الله ثم توفاهم .


الكهف الثاني : كهف رجيب و هذا الكهف واقع على مسافة ثمانية كيلو مترات من مدينة عمان عاصمة الأردن بالقرب من قرية تسمى رجيب و الكهف في جبل محفورا على الصخرة في السفح الجنوبي منه ، و أطرافه من الجانبين الشرقي و الغربي مفتوحة يقع عليه شعاع الشمس منها ، و باب الكهف يقابل جهة الجنوب و في داخل الكهف صفة صغيرة تقرب من ثلاثة أمتار في مترين و نصف على جانب من سطح الكهف المعادل لثلاثة في ثلاثة تقريبا و في الغار عدة قبور على هيئة النواويس البيزنطية كأنها ثمانية أو سبعة .


و على الجدران نقوش و خطوط باليوناني القديم و الثمودي منمحية لا تقرأ و أيضا صورة كلب مصبوغة بالحمرة و زخارف و تزويقات أخرى .


و فوق الغار آثار صومعة بيزنطية تدل النقود و الآثار الأخرى المكتشفة فيها على كونها مبنية في زمان الملك جوستينوس الأول 427 418 و آثار أخرى على أن الصومعة بدلت ثانيا بعد استيلاء المسلمين على الأرض مسجدا إسلاميا مشتملا على المحراب و المأذنة و الميضاة ، و في الساحة المقابلة لباب الكهف آثار مسجد آخر بناه المسلمون في صدر الإسلام ثم عمروها و شيدوها مرة بعد مرة ، و هو مبني على أنقاض كنيسة بيزنطية كما أن المسجد الذي فوق الكهف كذلك .


و كان هذا الكهف - على الرغم من اهتمام الناس بشأنه و عنايتهم بأمره كما يكشف عنه الآثار - متروكا منسيا و بمرور الزمان خربة و ردما متهدما حتى اهتمت دائرة الآثار الأردنية أخيرا 1 بالحفر و التنقيب فيه فاكتشفته فظهر ثانيا بعد خفائه قرونا،


الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :298


و قامت عدة من الأمارات و الشواهد الأثرية على كونه هو كهف أصحاب الكهف المذكورين في القرآن .



الميزان في تفسير القرآن ج : 13ص :299



و قد ورد كون كهف أصحاب الكهف بعمان في بعض روايات المسلمين كما أشرنا إليه فيما تقدم و ذكره الياقوت في معجم البلدان و أن الرقيم اسم قرية بالقرب من عمان كان فيها قصر ليزيد بن عبد الملك و قصر آخر في قرية أخرى قريبة منها تسمى الموقر و إليهما يشير الشاعر بقوله : يزرن على تنانيه يزيدا .


بأكناف الموقر و الرقيم .


و بلدة عمان أيضا مبنية في موضع مدينة« فيلادلفيا » التي كانت من أشهر مدن عصرها و أجملها قبل ظهور الدعوة الإسلامية و كانت هي و ما والاها تحت استيلاء الروم منذ أوائل القرن الثاني الميلاد حتى فتح المسلمون الأرض المقدسة .


و الحق أن مشخصات كهف أهل الكهف أوضح انطباقا على هذا الكهف من غيره .


و الكهف الثالث : كهف بجبل قاسيون بالقرب من الصالحية بدمشق الشام ينسب إلى أصحاب الكهف .


و الكهف الرابع : كهف بالبتراء من بلاد فلسطين ينسبونه إلى أصحاب الكهف .


و الكهف الخامس : كهف اكتشف - على ما قيل - في شبه جزيرة إسكاندنافية من الأوربة الشمالية عثروا فيه على سبع جثث غير بالية على هيئة الرومانيين يظن أنهم الفتية أصحاب الكهف .


و ربما يذكر بعض كهوف أخر منسوب إلى أصحاب الكهف كما يذكر أن بالقرب من بلدة نخجوان من بلاد قفقاز كهفا يعتقد أهل تلك النواحي أنه كهف أصحاب الكهف و كان الناس يقصدونه و يزورونه .


و لا شاهد يشهد على كون شي‏ء من هذه الكهوف هو الكهف المذكور في القرآن الكريم .


على أن المصادر التاريخية تكذب الأخيرين إذ القصة على أي حال قصة رومانية ، و سلطتهم حتى في أيام مجدهم و سؤددهم لم تبلغ هذه النواحي نواحي أوربة الشمالية و قفقاز.

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :