امروز:
چهار شنبه 26 مهر 1396
بازدید :
685
تفسيرالميزان : سوره مريم آيات 98- 58


أُولَئك الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَ مِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَ مِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَهِيمَ وَ إِسرءِيلَ وَ مِمَّنْ هَدَيْنَا وَ اجْتَبَيْنَاإِذَا تُتْلى عَلَيْهِمْ ءَايَت الرَّحْمَنِ خَرُّوا سجَّداً وَ بُكِيًّا (58) × فخَلَف مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصلَوةَ وَ اتَّبَعُوا الشهَوَتِفَسوْف يَلْقَوْنَ غَياًّ(59) إِلا مَن تَاب وَ ءَامَنَ وَ عَمِلَ صلِحاً فَأُولَئك يَدْخُلُونَ الجَْنَّةَ وَ لا يُظلَمُونَ شيْئاً(60) جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِإِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا(61) لا يَسمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلا سلَماًوَ لهَُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا(62) تِلْك الجَْنَّةُ الَّتى نُورِث مِنْ عِبَادِنَا مَن كانَ تَقِيًّا(63)


بيان


قد تقدم في الكلام على غرض السورة أن الذي يستفاد من سياقها بيان أن عبادته تعالى - و هو دين التوحيد - هو دين أهل السعادة و الرشد من الأنبياء و الأولياء ، و أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :74


التخلف عن سبيلهم بإضاعة الصلاة و اتباع الشهوات اتباع سبيل الغي إلا من تاب و آمن و عمل صالحا .


فالآيات و خاصة الثلاث الأول منها تتضمن حاق غرض السورة و قد أوردته في صورة الاستنباط من القصص المسرودة فيما تقدم من الآيات ، و هذا مما تمتاز به هذه السورة من سائر سور القرآن الطوال فإنما يشار في سائر السور إلى أغراضها بالتلويح في مفتتح السورة و مختتمها ببراعة الاستهلال و حسن الختام لا في وسطها .


قوله تعالى : « أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين» إلخ ، الإشارة بقوله : « أولئك» إلى المذكورين قبل الآية في السورة و هم زكريا و يحيى و مريم و عيسى و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و موسى و هارون و إسماعيل و إدريس (عليهماالسلام‏) .


و قد تقدمت الإشارة إليه من سياق آيات السورة و أن القصص الموردة فيها أمثلة ، و أن هذه الآية و اللتين بعدها نتيجة مستخرجة منها ، و لازم ذلك أن يكون قوله : « أولئك» مشيرا إلى أصحاب القصص بأعيانهم مبتدأ ، و قوله : « الذين أنعم الله عليهم» صفة له ، و قوله : « إذا تتلى عليهم» إلخ ، خبرا له فهذا هو الذي يهدي إليه التدبر في السياق .


و لو أخذ قوله : « الذين أنعم الله عليهم» خبرا لقوله : « أولئك» فقوله : « إذا تتلى عليهم» إلخ ، خبر له بعد خبر لكنه لا يلائم غرض السورة تلك الملاءمة .


و قد أخبر الله سبحانه أنه أنعم عليهم و أطلق القول فيهم ففيه دلالة على أنهم قد غشيتهم النعمة الإلهية من غير نقمة و هذا هو معنى السعادة فليست السعادة إلا النعمة من غير نقمة فهؤلاء أهل السعادة و الفلاح بتمام معنى الكلمة و قد أخبر تعالى عنهم أنهم أصحاب الصراط المستقيم المصون سالكه عن الغضب و الضلال إذ قال : « اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين» : الحمد : 7 ، و هم في أمن و اهتداء لقوله : « الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن و هم مهتدون» : الأنعام : 82 ، فأصحاب الصراط المستقيم المصونون عن الغضب و الضلال و لم يلبسوا إيمانهم بظلم في أمن من كل خطر يهدد الإنسان تهديدا فهم سعداء في سلوكهم سبيل الحياة التي سلكوها و السبيل التي سلكوها ، هي سبيل السعادة .


و قوله : « من النبيين» من فيه للتبعيض و عديله قوله الآتي : « و ممن هدينا


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :75


و اجتبينا» على ما سيأتي توضيحه .


و قد جوز المفسرون كون « من» بيانية و أنت خبير بأن ذلك لا يلائم كون « أولئك» مشيرا إلى المذكورين من قبل ، لأن النبيين أعم ، اللهم إلا أن يكون إشارة إليهم بما هم أمثلة لأهل السعادة و يكون المعنى أولئك المذكورون و أمثالهم الذين أنعم الله عليهم هم النبيون و من هدينا و اجتبينا .


و قوله : « من ذرية آدم» في معنى الصفة للنبيين و من فيه للتبعيض أي من النبيين الذين هم بعض ذرية آدم ، و ليس بيانا للنبيين لاختلال المعنى بذلك .


و قوله : « و ممن حملنا مع نوح» معطوف على قوله : « من ذرية آدم» و المراد بهم المحمولون في سفينة نوح (عليه‏السلام‏) و ذريتهم و قد بارك الله عليهم ، و هم من ذرية نوح لقوله تعالى : « و جعلنا ذريته هم الباقين» : الصافات : 77 .


و قوله : « و من ذرية إبراهيم و إسرائيل» معطوف كسابقه على قوله : « من النبيين» .


و قد قسم الله تعالى الذين أنعم عليهم من النبيين على هذه الطوائف الأربع أعني ذرية آدم و من حمله مع نوح و ذرية إبراهيم و ذرية إسرائيل و قد كان ذكر كل سابقيغني عن ذكر لاحقه لكون ذرية إسرائيل من ذرية إبراهيم و الجميع ممن حمل مع نوح و الجميع من ذرية آدم (عليه‏السلام‏) .


و لعل الوجه فيه الإشارة إلى نزول نعمة السعادة و بركة النبوة على نوع الإنسان كرة بعد كرة فقد ذكر ذلك في القرآن الكريم في أربعة مواطن لطوائف أربع : أحدها لعامة بني آدم حيث قال : « قيل اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» : البقرة : 39 .


و الثاني ما في قوله تعالى : « قيل يا نوح اهبط بسلام منا و بركات عليك و على أمم ممن معك و أمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم» : هود : 48 ، و الثالث ما في قوله تعالى : « و لقد أرسلنا نوحا و إبراهيم و جعلنا في ذريتهما النبوة و الكتاب فمنهم مهتد و كثير منهم فاسقون» : الحديد : 26 ، و الرابع ما في قوله تعالى : « و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب و الحكم و النبوة و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على العالمين» : الجاثية : 16 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :76


فهذه مواعد أربع بتخصيص نوع الإنسان بنعمة النبوة و موهبة السعادة ، و قد أشير إليها في الآية المبحوث عنها بقوله : « من النبيين من ذرية آدم و ممن حملنا مع نوح و من ذرية إبراهيم و إسرائيل ، و قد ذكر في القصص السابقة من كل من الذراري الأربع كإدريس من ذرية آدم ، و إبراهيم من ذرية من حمل مع نوح ، و إسحاق و يعقوب من ذرية إبراهيم ، و زكريا و يحيى و عيسى و موسى و هارون و إسماعيل - على ما استظهرنا - من ذرية إسرائيل .


و قوله : « و ممن هدينا و اجتبينا» معطوف على قوله : « من النبيين» و هؤلاء غير النبيين من الذين أنعم الله عليهم فإن هذه النعمة غير خاصة بالنبيين و لا منحصرة فيهم بدليل قوله تعالى : « و من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا» : النساء : 69 و قد ذكر الله سبحانه بين من قص قصته مريم (عليهاالسلام‏) معتنيا بها إذ قال : « و اذكر في الكتاب مريم» و ليست من النبيين فالمراد بقوله : « و ممن هدينا و اجتبينا» غير النبيين من الصديقين و الشهداء و الصالحين لا محالة ، و كانت مريم من الصديقين لقوله تعالى : « ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل و أمه صديقة» : المائدة : 75 .


و مما تقدم من مقتضى السياق يظهر فساد قول من جعل « وممن هدينا و اجتبينا» معطوفا على قوله : « من النبيين» مع أخذ من للبيان ، و أورد عليه بعضهم أيضا بأن ظاهر العطف المغايرة فيحتاج إلى أن يقال : المراد ممن جمعنا له بين النبوة و الهداية و الاجتباء للكرامة و هو خلاف الظاهر .


و فيه منع كون ظاهر العطف المغايرة مصداقا و إنما هو المغايرة في الجملة و لو بحسب الوصف و البيان .


و نظيره قول من قال بكونه معطوفا على قوله : « من ذرية آدم» و من للتبعيض و قد اتضح وجه فساده مما قدمناه .


و نظيره قول من قال : إن قوله : « و ممن هدينا» استئناف من غير عطف فقد تم الكلام عند قوله : « إسرائيل» ثم ابتدأ فقال : و ممن هدينا و اجتبينا من الأمم قوم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا و بكيا فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه ، و الوجه منسوب إلى أبي مسلم المفسر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :77


و فيه أنه تقدير من غير دليل .


على أن في ذلك إفساد غرض على ما يشهد به السياق إذ الغرض منها بيان طريقة أولئك العباد المنعم عليهم و أنهم كانوا خاضعين لله خاشعين له و أن أخلافهم أعرضوا عن طريقتهم و أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات و هذا لا يتأتى إلا بكون قوله : « إذا تتلى عليهم» إلخ خبرا لقوله : « أولئك الذين أنعم الله عليهم» و أخذ قوله : « و ممن هدينا» إلى آخر الآية استئنافا مقطوعا عما قبله إفساد للغرض المذكور من رأس .


و قوله : « إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا و بكيا» السجد جمع ساجد و البكي على فعول جمع باكي و الجملة خبر للذين في صدر الآية و يحتمل أن يكون الخرور سجدا و بكيا كناية عن كمال الخضوع و الخشوع فإن السجدة ممثل لكمال الخضوع و البكاء لكمال الخشوع و الأنسب على هذا أن يكون المراد بالآيات و تلاوتها ذكر مطلق ما يحكي شأنا من شئونه تعالى .


و أما قول القائل إن المراد بتلاوة الآيات قراءة الكتب السماوية مطلقا أو خصوص ما يشتمل على عذاب الكفار و المجرمين ، أو أن المراد بالسجود الصلاة أو سجدة التلاوة أو أن المراد بالبكاء البكاء عند استماع الآيات أو تلاوتها فكما ترى .


فمعنى الآية - و الله أعلم - أولئك المنعم عليهم الذين بعضهم من النبيين من ذرية آدم و ممن حملنا مع نوح و من ذرية إبراهيم و إسرائيل و بعضهم من أهل الهداية و الاجتباء خاضعون للرحمن خاشعون إذا ذكر عندهم و تليت آياته عليهم .


و لم يقل : كانوا إذا تتلى عليهم « إلخ» لأن العناية في المقام متعلقه ببيان حال النوع من غير نظر إلى ماضي الزمان و مستقبله بل بتقسيمه إلى سلف صالح و خلف طالح و ثالث تاب و آمن و عمل صالحا و هو ظاهر .


قوله تعالى : « فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا» قالوا : الخلف بسكون اللام البدل السيى‏ء و بفتح اللام ضده و ربما يعكس على ندرة ، و ضياع الشي‏ء فساده أو افتقاده بسبب ما كان ينبغي أن يتسلط عليه يقال : أضاع المال إذا أفسده بسوء تدبيره أو أخرجه من يده بصرفه فيما لا ينبغي صرفه فيه ، و الغي خلاف الرشد و هو إصابة الواقع و هو قريب المعنى من الضلال خلاف الهدى


الميزان في تفسيرالقرآن ج : 14ص :78


و هو ركوب الطريق الموصل إلى الغاية المقصودة .


فقوله : « فخلف من بعدهم خلف» إلخ أي قام مقام أولئك الذين أنعم الله عليهم و كانت طريقتهم الخضوع و الخشوع لله تعالى بالتوجه إليه بالعبادة قوم سوء أضاعوا ما أخذوه منهم من الصلاة و التوجه العبادي إلى الله سبحانه بالتهاون فيه و الإعراض عنه ، و اتبعوا الشهوات الصارفة لهم عن المجاهدة في الله و التوجه إليه .


و من هنا يظهر أن المراد بإضاعة الصلاة إفسادها بالتهاون فيها و الاستهانة بها حتى ينتهي إلى أمثال اللعب بها و التغيير فيها و الترك لها بعد الأخذ و القبول فما قيل : إن المراد بإضاعة الصلاة تركها ليس بسديد إذ لا يسمى ترك الشي‏ء من رأس إضاعة له و العناية في الآية متعلقه بأن الدين الإلهي انتقل من أولئك السلف الصالح بعدهم إلى هؤلاء الخلف الطالح فلم يحسنوا الخلافة و أضاعوا ما ورثوه من الصلاة التي هي الركن الوحيد في العبودية و اتبعوا الشهوات الصارفة عن الحق .


و قوله : « فسوف يلقون غيا» أي جزاء غيهم على ما قيل فهو كقوله : « و من يفعل ذلك يلق أثاما» .


و من الممكن أن يكون المراد به نفس الغي بفرض الغي غاية للطريق التي يسلكونها و هي طريق إضاعة الصلاة و اتباع الشهوات فإذ كانوا يسلكون طريقا غايتها الغي فسيلقونه إذا قطعوها إما بانكشاف غيهم لهم يوم القيامة حيث ينكشف لهم الحقائق أو برسوخ الغي في قلوبهم و صيرورتهم من أولياء الشيطان كما قال : « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين» : الحجر : 42 ، و كيف كان فهو استعارة بالكناية لطيفة .


قوله تعالى : « إلا من تاب و آمن و عمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة و لا يظلمون شيئا» استثناء من الآية السابقة فهؤلاء الراجعون إلى الله سبحانه ملحقون بأولئك الذين أنعم الله عليهم و هم معهم لا منهم كما قال تعالى : « و من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا» : النساء : 69 .


و قوله : « فأولئك يدخلون الجنة» من وضع المسبب موضع السبب و الأصل


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :79


فأولئك يوفون أجرهم ، و الدليل على ذلك قوله بعده : « و لا يظلمون شيئا» فإنه من لوازم توفية الأجر لا من لوازم دخول الجنة .


قوله تعالى : « جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا» العدن الإقامة ففي تسميتها به إشارة إلى خلودها لداخليها ، و الوعد بالغيب هو الوعد بما ليس تحت إدراك الموعود له ، و كون الوعد مأتيا عدم تخلفه ، قال في المجمع ، : و المفعول هنا بمعنى الفاعل لأن ما أتيته فقد أتاك و ما أتاك فقد أتيته يقال : أتيت خمسين سنة و أتت علي خمسون سنة ، و قيل : إن الموعود الجنة و الجنة يأتيها المؤمنون انتهى .


قوله تعالى : « لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا» عدم سمع اللغو من أخص صفات الجنة و قد ذكره الله سبحانه و امتن به في مواضع من كلامه و سنفصل القول فيه إن شاء الله في موضع يناسبه ، و استثناء السلام منه استثناء منفصل، و السلام قريب المعنى من الأمن - و قد تقدم الفرق بينهما - فقولك : أنت مني في أمن معناه لا تلقى مني ما يسوءك ، و قولك : سلام مني عليك معناه كل ما تلقاه مني لا يسوءك .


و إنما يسمعون السلام من الملائكة و من رفقائهم في الجنة ، قال تعالى حكاية عن الملائكة « « سلام عليكم طبتم» : الزمر : 73 ، و قال : « فسلام لك من أصحاب اليمين : الواقعة - 91 .


و قوله و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا الظاهر أن إتيان الرزق بكرة و عشيا كناية عن تواليه من غير انقطاع .


قوله تعالى : « تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا» الإرث و الوراثة هو أن ينتقل مال أو ما يشبهه من شخص إلى آخر بعد ترك الأول له بموت أو جلاء أو نحوهما ، و إذ كانت الجنة في معرض العطاء لكل إنسان بحسب الوعد الإلهي المشروط بالإيمان و العمل الصالح فاختصاص المتقين بها بعد حرمان غيرهم عنها بإضاعة الصلاة و اتباع الشهوات وراثة المتقين ، و نظير هذه العناية ما في قوله تعالى : « إن الأرض يرثها عبادي الصالحون :» الأنبياء : 105 ، و قوله : « و قالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده و أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين» : الزمر : 74 ، و الآية - كما ترى - جمعت بين الإيراث و الأجر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :80


بحث روائي


في المجمع ، : في قوله تعالى : « و ممن هدينا و اجتبينا» الآية ، و روي عن علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) أنه قال : نحن عنينا بها .


أقول : و عن مناقب ابن شهرآشوب ، عنه (عليه‏السلام‏) مثله ، و قد اتضح معنى الحديث بما قدمناه في تفسير الآية فإن المراد بالجملة أهل الهداية و الاجتباء من غير النبيين و هم (عليهم‏السلام‏) منهم كما ذكر الله سبحانه مريم منهم و ليست بنبية .


قال في روح المعاني ، : و روى بعض الإمامية عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه قال : نحن عنينا بهؤلاء القوم .


و لا يخفى أن هذا خلاف الظاهر جدا و حال روايات الإمامية لا يخفى على أرباب التميز .


انتهى .


و قد تبين خطؤه مما تقدم و الذي أوقعه في ذلك أخذه قوله تعالى : « و ممن هدينا و اجتبينا» معطوفا على قوله : « من ذرية آدم» و قوله : « من النبيين» بيانا لقوله : « أولئك الذين» إلخ ، فانحصر « أولئك الذين أنعم الله عليهم» في النبيين فاضطر إلى القول بأن الآية لا تشمل غير النبيين و هو يرى أن الله ذكر فيمن ذكر مريم بنت عمران و ليست بنبية .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن حبان و الحاكم و صححه و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تلا هذه الآية « فخلف من بعدهم خلف» فقال : يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم ، و يقرأ القرآن ثلاثة : مؤمن و منافق و فاجر .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « أضاعوا الصلوة» و قيل : أضاعوها بتأخيرها عن مواقيتها من غير أن تركوها أصلا و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : . أقول : و روى في الكافي ، ما في معناه بإسناده عن داود بن فرقد عنه (عليه‏السلام‏) ، و روي ذلك من طرق أهل السنة عن ابن مسعود و عدة من التابعين : .


و عن جوامع الجامع ، و في روح المعاني ، : في قوله : « و اتبعوا الشهوات» عن علي (عليه‏السلام‏) من بنى الشديد و ركب المنظور و لبس المشهور .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :81


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه من طريق نهشل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : الغي واد في جهنم .


أقول : و في روايات أخرى أن الغي و أثام نهران في جهنم ، و هذا على تقدير صحة الحديث ليس بتفسير آخر كما زعمه أكثر المفسرين بل بيان لما سيئول إليه الغي بحسب الجزاء ، و نظيره ما ورد أن الويل بئر في جهنم و أن طوبى شجرة في الجنة ، إلى غير ذلك من الروايات .


وَ مَا نَتَنزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكلَهُ مَا بَينَ أَيْدِينَا وَ مَا خَلْفَنَا وَ مَا بَينَ ذَلِكوَ مَا كانَ رَبُّك نَسِيًّا(64) رَّب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنهُمَا فَاعْبُدْهُ وَ اصطبرْ لِعِبَدَتِهِهَلْ تَعْلَمُ لَهُ سمِيًّا(65)


بيان


الآيتان معترضتان بين آيات السورة و سياقهما يشهد بأنهما من كلام ملك الوحي بوحي قرآني من الله سبحانه فإن النظم نظم قرآني بلا ريب .


و بذلك يتأيد ما ورد بطرق مختلفة من طرق أهل السنة و رواه في مجمع البيان ، أيضا عن ابن عباس : أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) استبطأ نزول جبريل فسأله عن ذلك فأجابه بوحي من الله تعالى : « و ما نتنزل إلا بأمر ربك» إلى آخر الآيتين .


و قد تكلف جمع في بيان اتصال الآيتين بالآيات السابقة فقال بعضهم : إن التقدير : هذا و قال جبريل : و ما نتنزل إلا بأمر ربك إلخ ، و قال آخرون : إنهما متصلتان بقول جبريل لمريم المنقول سابقا : « إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا» الآية ، و ذكر قوم أن قوله : « و ما نتنزل إلا بأمر ربك» إلى آخر الآية من


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :82


كلام المتقين حين يدخلون الجنة فالتقدير و قال المتقون و ما نتنزل الجنة إلا بأمر ربك « إلخ» و قيل غير ذلك .


و هي جميعا وجوه ظاهرة السخافة يأباها السياق و لا يقبلها النظم البليغ لا حاجة إلى الاشتغال ببيان وجوه فسادها .


و سيأتي في ذيل البحث في الآية الثانية وجه آخر للاتصال .


قوله تعالى : « و ما نتنزل إلا بأمر ربك» إلى آخر الآية ، التنزل هو النزول على مهل و تؤدة فإن تنزل مطاوع نزل يقال : نزله فتنزل و النفي و الاستثناء يفيدان الحصر فلا يتنزل الملائكة إلا بأمر من الله كما قال : « لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون» : التحريم : 6 .


و قوله : « له ما بين أيدينا و ما خلفنا و ما بين ذلك» يقال : كذا قدامه و أمامه و بين يديه و المعنى واحد غير أن قولنا : بين يديه إنما يطلق فيما كان بقرب منه و هو مشرف عليه له فيه نوع من التصرف و التسلط فظاهر قوله : « ما بين أيدينا» أن المراد به ما نشرف عليه مما هو مكشوف علينا مشهود لنا : و ظاهر قوله : « و ما خلفنا» بالمقابلة ما هو غائب عنا مستور علينا .


و على هذا فلو أريد بقوله : « ما بين أيدينا و ما خلفنا و ما بين ذلك» المكان شمل بعض المكان الذي أمامهم و المكان الذي هم فيه و جميع المكان الذي خلفهم و لم يشمل كل مكان ، و كذا لو أريد به الزمان شمل الماضي كله و الحال و المستقبل القريب فقط و سياق قوله : « له ما بين أيدينا و ما خلفنا و ما بين ذلك» ، ينادي بالإحاطة و لا يلائم التبعيض .


فالوجه حمل « ما بين أيدينا» على الأعمال و الآثار المتفرعة على وجودهم التي هم قائمون بها متسلطون عليها ، و حمل « ما خلفنا» علىما هو من أسباب وجودهم مما تقدمهم و تحقق قبلهم ، و حمل « ما بين ذلك» على وجودهم أنفسهم و هو من أبدع التعبير و ألطفه و بذلك تتم الإحاطة الإلهية بهم من كل جهة لرجوع المعنى إلى أن الله تعالى هو المالك لوجودنا و ما يتعلق به وجودنا من قبل و من بعد .


و لقد اختلفت كلماتهم في تفسير هذه الجملة فقيل : المراد بما بين أيدينا ما هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :83


قدامنا من الزمان المستقبل و بما خلفنا الماضي و بما بين ذلك الحال ، و قيل : ما بين أيدينا ما قبل الإيجاد من الزمان .


و ما خلفنا ما بعد الموت إلى استمرار الآخرة و ما بين ذلك هو مدة الحياة و قيل : ما بين الأيدي الدنيا إلى النفخة الأولى و ما خلفهم هو ما بعد النفخة الثانية و ما بين ذلك ما بين النفختين و هو أربعون سنة ، و قيل : ما بين أيديهم الآخرة و ما خلفهم الدنيا ، و قيل : ما بين أيديهم ما قبل الخلق و ما خلفهم ما بعد الفناء و ما بين ذلك ما بين الدنيا و الآخرة ، و قيل : ما بين أيديهم ما بقي من أمر الدنيا و ما خلفهم ما مضى منه و ما بين ذلك ما هم فيه و قيل : المعنى ابتداء خلقنا و منتهى آجالنا و مدة حياتنا .


و قيل : ما بين أيديهم السماء و ما خلفهم الأرض و ما بين ذلك ما بينهما ، و قيل : بعكس ذلك ، و قيل : ما بين أيديهم المكان الذي ينتقلون إليه و ما خلفهم المكان الذي ينتقلون منه و ما بين ذلك المكان الذي هم فيه .


و تشترك الأقوال الثلاثة الأخيرة في أن الماءات عليها مكانية كما يشترك السبعة في أن الماءات عليها زمانية و هناك قول بكون الآية تعم الزمان و المكان فهذه أحد عشر قولا و لا دليل على شي‏ء منها مع ما فيها من قياس الملك على الإنسان و الوجه ما قدمناه .


فقوله : « له ما بين أيدينا و ما خلفنا و ما بين ذلك» يفيد إحاطة ملكه تعالى بهم ملكا حقيقيا لا يجري فيه تصرف غيره و لا إرادة من سواه إلا عن إذن منه و مشية و إذ لا معصية للملائكة فلا تفعل فعلا إلا عن أمره و من بعد إذنه و لا تريد إلا ما أراده الله فلا يتنزل ملك إلا بأمر ربه .


و قد تقرر بهذا البيان أن قوله : « له ما بين أيدينا و ما خلفنا و ما بين ذلك» في مقام التعليل لقوله : « و ما نتنزل إلا بأمر ربك» و أن قوله : « و ما كان ربك نسيا» - و النسي فعول من النسيان - من تمام التعليل أي أنه تعالى لا ينسى شيئا من ملكه حتى يختل بإهماله أمر التدبير فلا يأمر بالنزول حينما يجب فيه النزول أو يأمر به حينما لا يجب و هكذا و كان هذا هو وجه العدول في الآية عن إثبات العلم أو الذكر إلى نفي النسيان .


و قيل المعنى و ما كان ربك نسيا أي تاركا لأنبيائه أي ما كان عدم النزول إلا


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :84


لعدم الأمر به و لم تكن عن تركه تعالى لك و توديعه إياك .


و فيه أنه و إن وافق ما تقدم من سبب النزول بوجه لكن يبقى معه التعليل بقوله : « له ما بين أيدينا» إلخ ، ناقصا و ينقطع قوله : « رب السموات و الأرض و ما بينهما» عما تقدمه كما سيتضح .


قوله تعالى : « رب السموات و الأرض و ما بينهما فاعبده و اصطبر لعبادته هل تعلم له سميا» صدر الآية أعني قوله : « رب السموات و الأرض و ما بينهما» تعليل لقوله في الآية السابقة « له ما بين أيدينا و ما خلفنا» إلى آخر الآية أي كيف لا يملك ما بين أيدينا و ما خلفنا و ما بين ذلك و كيف يكون نسيا و هو تعالى رب السماوات و الأرض و ما بينهما ؟ و رب الشي‏ء هو مالكه ، المدبر لأمره ، فملكه و عدم نسيانه مقتضى ربوبيته .


و قوله : « فاعبده و اصطبر لعبادته» تفريع على صدر الآية و المعنى إذا كنا لا نتنزل إلا بأمر ربك و قد نزلنا عليك هذا الكلام المتضمن للدعوة إلى عبادته فالكلام كلامه و الدعوة دعوتهفاعبده وحده و اصطبر لعبادته فليس هناك من يسمى ربا غير ربك حتى لا تصطبر على عبادة ربك و تنتقل إلى عبادة ذلك الغير الذي يسمى ربا فتكتفي بعبادته عن عبادة ربك أو تشرك به و ربما قيل : إن الجملة تفريع على قوله : « رب السماوات و الأرض» أو على قوله : « و ما كان ربك نسيا» أي لم ينسك ربك فاعبده « إلخ» و الوجهان كما ترى .


و قد بان بهذا التقرير أمور : أحدها أن قوله : « هل تعلم له سميا» من تمام البيان المقصود بقوله : « فاعبده و اصطبر لعبادته» و هو في مقام التعليل له .


و الثاني أن المراد بالسمي المشارك في الاسمو المراد بالاسم هو الرب لأن مقتضى بيان الآية ثبوت الربوبية المطلقة له تعالى على كل شي‏ء فهو يقول : هل تعلم من اتصف بالربوبية فسمي لذلك ربا حتى تعدل عنه إليه فتعبده دونه .


و بذلك يظهر عدم استقامة عامة ما قيل في معنى السمي في الآية فقد قيل :


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :85


إن المراد بالسمي المماثل مجازا ، و قيل : السمي بمعنى الولد و قيل : هو بمعناه الحقيقي غير أن المراد بالاسم الذي لا مشاركة فيه هو رب السماوات و الأرض و قيل : هو اسم الجلالة ، و قيل : هو الإله ، و قيل : هو الرحمن ، و قيل : هو الإله الخالق الرازق المحيي المميت القادر على الثواب و العقاب .


و الثالث : أن النكتة في إضافة الرب إلى ضمير الخطاب و تكراره في الآية الأولى إذ قال : بأمر ربك و قال : و ما كان ربك و لم يقل : ربنا هي التوطئة لما في ذيل الكلام من توحيد الرب ففي قوله : « ربك» إشارة إلى أن ربنا الذي نتنزل عن أمره هو ربك فالدعوة دعوته فاعبده ، و يمكن أن تكون هذه هي النكتة فيما في مفتتح السورة إذ قال : « ذكر رحمة ربك» إلخ لأن الآيات كما نبهنا عليه ذات سياق واحد لغرض واحد .


و الرابع : أن قوله : « فاعبده و اصطبر لعبادته» مسوق لتوحيد العبادة و ليس أمرا بالعبادة و أمرا بالثبات عليها و إدامتها إلا من جهة الملازمة فافهم ذلك .


و يمكن أن يستفاد من التفريع أنه تأكيد للبيان الذي يتضمنه السياق السابق على هاتين الآيتين و بذلك يظهر اتصالهما بالآيات السابقة عليهما من غير أن تؤخذا معترضتين من كل جهة .


فكان ملك الوحي لما تنزل عليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالسورة و أوحى إليه الآيات الثلاث و الستين منها و هي مشتملة على دعوة كاملة إلى الدين الحنيف خاطبه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بأنه لم يتنزل و ليس يتنزل بما تنزل به من عند نفسه بل عن أمر من ربه و برسالة من عنده فالكلام كلامه و الدعوة دعوته و هو رب النبي و رب كل شي‏ء فليعبده وحده فليس هناك رب آخر يعدل عنه إليه فالآيتان مما أوحي إلى ملك الوحي ليلقيه إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تثبيتا له و تأكيدا للآيات السابقة .


و هذا نظير أن يرسل ملك رسولا بكتاب من عنده أو رسالة إلى بعض عماله فيأتيه الرسول ثم إذا قرأ الكتاب أو أدى الرسالة قال للعامل : إني ما جئتك من عند نفسي بل بأمر من الملك و إشارة منه و الكتاب كتابه و الرسالة قوله و حكمه و هو مليكك و مليك عامة من في المملكة فاسمع له و أطع و أقم على ذلك فليس هناك مليك غيره حتى


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :86


تعدل عنه إليه .


فكلام هذا الرسول تأكيد لكلام الملك و إذا فرض أن الملك ، هو الذي أمره أن يعقب رسالته بهذا الكلام كان الكلام كلاما للرسول و رسالة أيضا عن قبل الملك و كلامه .


و غير خفي عليك أن هذا الوجه أوفق بالآيتين و أوضح انطباقا عليهما مما تذكره روايات سبب النزول على ما فيها من الاختلاف و الوهن .


وَ يَقُولُ الانسنُ أَ ءِذَا مَا مِت لَسوْف أُخْرَجُ حَياًّ(66) أَ وَ لا يَذْكرُ الانسنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَ لَمْ يَكشيْئاً(67) فَوَ رَبِّك لَنَحْشرَنَّهُمْ وَ الشيَطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا(68) ثمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كلّ‏ِ شِيعَةٍ أَيهُمْ أَشدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا(69) ثمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بهَا صِلِيًّا(70) وَ إِن مِّنكمْ إِلا وَارِدُهَاكانَ عَلى رَبِّك حَتْماً مَّقْضِيًّا(71) ثمَّ نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّ نَذَرُ الظلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا(72)


بيان


عود إلى ما قبل قوله : « و ما نتنزل إلا بأمر ربك» الآيتين و مضى في الحديث السابق و هو كالتذنيب لقوله : «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا» بذكر بعض ما تفوهوا به عن غيهم و قد خص بالذكر قول لهم في المعاد و آخر في النبوة و آخر في المبدإ .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :87


ففي هذه الآيات أعني قوله : « و يقول الإنسان - إلى قوله - و نذر الظالمين فيها جثيا» و هي سبع آيات ذكر استبعادهم للبعث و الجواب عنه و ذكر الإشارة إلى ما لقولهم هذا من التبعة و الوبال .


قوله تعالى : « و يقول الإنسان ء إذا ما مت لسوف أخرج حيا» إنكار للبعث في صورة الاستبعاد ، و هو قول الكفار من الوثنيين و من يلحق بهم من منكري الصانع بل مما يميل إليه طبع الإنسان قبل الرجوع إلى الدليل ، قيل : و لذلك نسب القول إلى الإنسان حينما كان مقتضى طبع الكلام أن يقال : و يقول الكافر ، أو : و يقول الذين كفروا « إلخ» ، و فيه أنه لا يلائم قوله الآتي : « فو ربك لنحشرنهم و الشياطين - إلى قوله - صليا» .


و ليس ببعيد أن يكون المراد بالإنسان القائل ذلك هو الكافر المنكر للبعث و إنما عبر بالإنسان لكونه لا يترقب منه ذلك و قد جهزه الله تعالى بالإدراك العقلي و هو يذكر أن الله خلقه من قبل و لم يك شيئا ، فليس من البعيد أن يعيده ثانيا فاستبعاده مستبعد منه ، و لذا كرر لفظ الإنسان حيث أخذ في الجواب قائلا : « أ و لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل و لم يك شيئا» أي أنه إنسان لا ينبغي له أن يستبعد وقوع ما شاهد وقوع مثله و هو غير ناسية .


و لعل التعبير بالمضارع في قوله : « و يقول الإنسان» للإشارة إلى استمرار هذا الاستبعاد بين المنكرين للمعاد و المرتابين فيه .


قوله تعالى : « أ و لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل و لم يك شيئا» الاستفهام للتعجيب و الاستبعاد و معنى الآية ظاهر و قد أخذ فيها برفع الاستبعاد بذكر وقوع المثل ليثبت به الإمكان ، فالآية نظيرة قوله تعالى في موضع آخر : « و ضرب لنا مثلا و نسي خلقه قال من يحيي العظام و هي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة - إلى أن قال - أ و ليس الذي خلق السماوات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم» : يس : 81 .


فإن قيل : الاحتجاج بوقوع المثل إنما ينتج إمكان المثل و المطلوب في إثبات المعاد هو رجوع الإنسان بشخصه و عينه لا بمثله فإن مثل الشي‏ء غيره ، قيل : إن هذه الآيات بصدد إثبات رجوع الأجساد و المخلوق منها ثانيا مثل المخلوق أولا و شخصية


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :88


الشخص الإنساني بنفسه لا ببدنه فإذا خلق البدن ثانيا و تعلقت به النفس كان شخص الإنسان الدنيوي بعينه و إن كان البدن و هو جزء الإنسان بالقياس إلى البدن الدنيوي مثلا لا عينا و هذا كما أن شخصية الإنسان و وحدته محفوظة في الدنيا مدى عمره مع تغير البدن و تبدله بتغير أجزائه و تبدلها حالا بعد حال و البدن في الحال الثاني غيره في الحال الأول لكن الإنسان باق في الحالين على وحدته الشخصية لبقاء نفسه بشخصها .


و إلى هذا يشير قوله تعالى : « و قالوا ء إذا ضللنا في الأرض ء إنا لفي خلق جديد - إلى أن قال - قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم :» الم السجدة : 11» أي إنكم مأخوذون من أبدانكم محفوظون لا تضلون و لا تفتقدون .


قوله تعالى : « فو ربك لنحشرنهم و الشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا» الجثي في أصله على فعول جمع جاثي و هو البارك على ركبتيه ، و نسب إلى ابن عباس أنه جمع جثوة و هو المجتمع من التراب و الحجارة ، و المراد أنهم يحضرون زمرا و جماعات متراكما بعضهم على بعض ، و هذا المعنى أنسب للسياق .


و ضمير الجمع في « لنحشرنهم» و « لنحضرنهم» للكفار ، و الآية إلى تمام ثلاث آيات متعرضة لحالهم يوم القيامة و هو ظاهر و ربما قيل : إن الضميرين للناس أعم من المؤمن و الكافر كما أن ضمير الخطاب في قوله الآتي : « و إن منكم إلا واردها» كذلك و فيه أن لحن الآيات الثلاث و هو لحن السخط و العذاب يأبى ذلك .


و المراد بقوله : « لنحشرنهم و الشياطين» جمعهم خارج القبور مع أوليائهم من الشياطين لأنهم لعدم إيمانهم غاوون كما قال : « فسوف يلقون غيا» و الشياطين أولياؤهم قال تعالى : « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين :» الحجر : 42 ، و قال : « إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون» : الأعراف : 27 ، أو المراد حشرهم مع قرنائهم من الشياطين كما قال : « و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ، حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين ، و لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون» : الزخرف : 39 .


و المعنى : فأقسم بربك لنجمعنهم - يوم القيامة - و أولياءهم أو قرناءهم من الشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم لإذاقة العذاب و هم باركون على ركبهم من الذلة أو


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :89


و هم جماعات و زمرة زمرة .


و في قوله : « فو ربك» التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة و لعل النكتة فيه ما تقدم في قوله : « بأمر ربك»و نظيره قوله الآتي : « كان على ربك حتما» .


قوله تعالى : « ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا» النزع هو الاستخراج ، و الشيعة الجماعة المتعاونون على أمر أو التابعون لعقيدة و العتي على فعول مصدر بمعنى التمرد في العصيان و الظاهر أن قوله : « أيهم أشد على الرحمن عتيا» جملة استفهامية وضع موضع مفعول لننزعن للدلالة على العناية بالتعيين و التمييز فهو نظير قوله : « أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب» : الإسراء : 57 .


و المعنى : ثم لنستخرجن من كل جماعة متشكلة أشدهم تمردا على الرحمن و هم الرؤساء و أئمة الضلال ، و قيل المعنى لنستخرجن الأشد ثم الأشد حتى يحاط بهم .


و في قوله : « على الرحمن» التفات و النكتة تلويح أن تمردهم عظيم لكونه تمردا على من شملت رحمته كل شي‏ء و هم لم يلقوا منه إلا الرحمة و التمرد على من هذا شأنه عظيم .


قوله تعالى : « ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا» الصلي في الأصل على فعول مصدر يقال صلي النار يصلاها صليا و صليا إذا قاسى حرها فالمعنى ثم أقسم لنحن أعلم بمن أولى بالنار مقاساة لحرها أي إن الأمر في دركات عذابهم و مراتب استحقاقهم لا يشتبه علينا .


قوله تعالى : «و إن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا» الخطاب للناس عامة مؤمنيهم و كافريهم بدليل قوله في الآية التالية : « ثم ننجي الذين اتقوا» و الضمير في « واردها» للنار ، و ربما قيل : إن الخطاب للكفار المذكورين في الآيات الثلاث الماضية و في الكلام التفات من الغيبة إلى الحضور و فيه أن سياق الآية التالية يأبى ذلك .


و الورود خلاف الصدور و هو قصد الماء على ما يظهر من كتب اللغة قال الراغب في المفردات ، : الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره يقال : وردت الماء أرده ، ورودا فأنا وارد و الماء مورود ، و قد أوردتالإبل الماء قال تعالى : « و لما ورد ماء


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :90


مدين» و الورد الماء المرشح للورود ، و الورد خلاف الصدر ، و الورد يوم الحمى إذا وردت ، و استعمل في النار على سبيل الفظاعة قال تعالى : « فأوردهم النار» « و بئس الورد المورود» « إلى جهنم وردا» « أنتم لها واردون» « ما وردوها» و الوارد الذي يتقدم القوم فيسقي لهم قال تعالى : « فأرسلوا واردهم» أي ساقيهم من الماء المورود انتهى موضع الحاجة .


و إلى ذلك استند من قال من المفسرين إن الناس إنما يحضرون النار و يشرفون عليها من غيرأن يدخلوها و استدلوا عليه بقوله تعالى : « و لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون» : القصص : 23 ، و قوله : « فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه» : يوسف : 19 ، و قوله : « إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها» : الأنبياء : 102 .


و فيه أن استعماله في مثل قوله : « و لما ورد ماء مدين» و قوله : « فأرسلوا واردهم» في الحضور بعلاقة الإشراف لا ينافي استعماله في الدخول على نحو الحقيقة كما ادعي في آيات أخرى ، و أما قوله : « أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها» فمن الجائز أن يكون الإبعادبعد الدخول كما يستظهر من قوله : « ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها» ، و أن يحجب الله بينهم و بين أن يسمعوا حسيسها إكراما لهم كما حجب بين إبراهيم و بين حرارة النار إذ قال للنار : كوني بردا و سلاما على إبراهيم .


و قال آخرون و لعلهم أكثر المفسرين بدلالة الآية على دخولهم النار استنادا إلى مثل قوله تعالى : « إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها» : الأنبياء : 99 ، و قوله في فرعون : « يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار» : هود : 98 ، و يدل عليه قوله في الآية التالية : « ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا» أي نتركهم باركين على ركبهم و إنما يقال نذر و نترك فيما إذا كان داخلا مستقرا في المحل قبل الترك ثم أبقي على ما هو عليه و لعدة من الروايات الواردة في تفسير الآية .


و هؤلاء بين من يقول بدخول عامة الناس فيها و من يقول بدخول غير المتقين


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :91


مدعيا أن قوله : « منكم» بمعنى منهم على حد قوله : « و سقاهم ربهم شرابا طهورا ، إن هذا كان لكم جزاء» : الدهر : 22 ، هذا و لكن لا يلائمه سياق قوله : « ثم ننجي الذين اتقوا» الآية .


و فيه أن كون الورود في مثل قوله : « لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها» بمعنى الدخول ممنوع بل الأنسب كونه بمعنى الحضور و الإشراف فإنه أبلغ كما هو ظاهر و كذا في قوله : « فأوردهم النار» فإن شأن فرعون و هو من أئمة الضلال هو أن يهدي قومه إلى النار و أما إدخالهم فيها فليس إليه .


و أما قوله : « ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها» فالآية دالة على كونهم داخلين فيها بدليل قوله : « نذر» لكن دلالتها على كونهم داخلين غير كون قوله « واردها» مستعملا في معنى الدخول و كذا تنجية المتقين لا تستلزم كونهم داخلينفيها فإن التنجية كما تصدق مع إنقاذ من دخل المهلكة تصدق مع إبعاد من أشرف على الهلاك و حضر المهلكة من ذلك .


و أما الروايات فإنما وردت في شرح الواقعة لا في تشخيص ما استعمل فيه لفظ « واردها» في الآية فالاستدلال بها على كون الورود بمعنى الدخول ساقط .


فإن قلت : لم لا يجوز أن يكون المراد شأنية الدخول و المعنى : ما من أحد منكم إلا من شأنه أن يدخل النار و إنما ينجو من ينجو بإنجاء الله على حد قوله : « و لو لا فضل الله عليكم و رحمته ما زكى منكم من أحد أبدا» : النور : 21 .


قلت : معناه كون الورود مقتضى طبع الإنسان من جهة أن ما يناله من خير و سعادة فمن الله و لا يبقى له من نفسه إلا الشر و الشقاء لكن ينافيه ما في ذيل الآية من قوله : « كان على ربك حتما مقضيا» فإنه صريح في أن هذا الورود بإيراد من الله و بقضائه المحتوم لا باقتضاء من طبع الأشياء .


و الحق أن الورود لا يدل على أزيد من الحضور و الإشراف عن قصد - على ما يستفاد من كتب اللغة - فقوله : « و إن منكم إلا واردها» إنما يدل على القصد و الحضور و الإشراف ، و لا ينافي دلالة قوله في الآية التالية : « ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا» على دخولهم جميعا أودخول الظالمين خاصة فيها بعد ما وردوها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :92


و قوله : « كان على ربك حتما مقضيا» ضمير كان للورود أو للجملة السابقة باعتبار أنه حكم ، و الحتم و الجزم و القطع بمعنى واحد أي هذا الورود أو الحكم كان واجبا عليه تعالى مقضيا في حقه و إنما قضى ذلك نفسه على نفسه إذ لا حاكم يحكم عليه .


قوله تعالى : « ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا» قد تقدمت الإشارة إلى أن قوله : « و نذر الظالمين فيها» يدل على كون الظالمين داخلين فيها ثم يتركون على ما كانوا عليه ، و أما تنجية الذين اتقوا فلا تدل بلفظها على كونهم داخلين إذ التنجية ربما تحققت بدونه اللهم إلا أن يستظهر ذلك من ورود اللفظين مقترنين في سياق واحد .


و في التعبير بلفظ الظالمين إشارة إلى علية الوصف للحكم .


و معنى الآيتين : ما من أحد منكم - متق أو ظالم - إلا و هو سيرد النار كان هذا الإيراد واجبا مقضيا على ربك ثم ننجي الذين اتقوا منها و نترك الظالمين فيها لظلمهم باركين على ركبهم .


بحث روائي


في الكافي ، بإسناده عن مالك الجهني قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « أ و لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل و لم يك شيئا» قال : فقال : لا مقدرا و لا مكتوبا .


و في المحاسن ، بإسناده عن حمران قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قوله : « أ و لا يذكر الإنسان» الآية ، قال : لم يكن في كتاب و لا علم .


أقول : المراد بالحديثين أنه لم يكن في كتاب و لا علم من كتب المحو و الإثبات ثم أثبته الله حين أراد كونه و أما اللوح المحفوظ فلا يعزب عنه شي‏ء بنص القرآن .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا» قال : قال : على ركبهم .


و فيه ، بإسناده عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبدالله (عليه‏السلام‏) : في قوله عز و جل :


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :93


«و إن منكم إلا واردها» قال : أ ما تسمع الرجل يقول : وردنا بني فلان فهو الورود و لم يدخله .


و في المجمع ، عن السدي قال : سألت مرة الهمداني عن هذه الآية فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم عن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : يرد الناس النار ثم يصدرون بأعمالهم فأولهم كلمع البرق ثم كمر الريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب ثم كشد الرجل ثم كمشيه .


و فيه ، و روى أبو صالح غالب بن سليمان عن كثير بن زياد عن أبي سمية قال : اختلفنا في الورود فقال قوم : لا يدخلها مؤمن و قال آخرون : يدخلونها جميعا ثم ينجي الله الذين اتقوا فلقيت جابر بن عبد الله فسألته فأومى‏ء بإصبعيه إلى أذنيه و قال : صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : الورود الدخول لا يبقى بر و لا فاجر حتى يدخلها فتكون على المؤمنين بردا و سلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار أو قال : لجهنم ضجيجا من بردها ثم ينجي الله الذين اتقوا و يذر الظالمين فيها جثيا .


أقول : و الرواية من التفسير غير أن سندها ضعيف بالجهالة .


و فيه ، و روي مرفوعا عن يعلى بن منبه عن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : تقول النار للمؤمن يوم القيامة : جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي .


و فيه ، و روي عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أنه سئل عن المعنى فقال : إن الله يجعل النار كالسمن الجامد و يجمع عليها الخلق ثم ينادي المنادي أن خذي أصحابك و ذري أصحابي فو الذي نفسي بيده لهي أعرف بأصحابها من الوالدة بولدها .


أقول : و الروايات الأربع الأخيرة رواها في الدر المنثور ، عن عدة من أرباب الكتب و الجوامع ، ، غير أنه لم يذكر في الرواية الثانية - فيما عندنا من نسخة الدر المنثور، - قوله : الورود الدخول .


و في الدر المنثور ، أخرج أبو نعيم في الحلية ، عن عروة بن الزبير قال : لما أراد ابن رواحة الخروج إلى أرض مؤتة من الشام أتاه المسلمون يودعونه فبكى فقال : أما و الله ما بي حب الدنيا و لا صبابة لكم و لكني سمعت رسول الله قرأ هذه الآية « و إن منكم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :94


إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا» فقد علمت أني وارد النار و لا أدري كيف الصدور بعد الورود ؟ .


و اعلم أن ظاهر بعض الروايات السابقة أن ورود الناس النار هو جوازهم منها فينطبق على روايات الصراط و فيها أنه جسر ممدود على النار يؤمر بالعبور عليها البر و الفاجر فيجوزه الأبرار و يسقط فيها الفجار ، و عن الصدوق في الاعتقاد ، أنه حمل الآية عليه .


و قال في مجمع البيان ، : و قيل : إن الفائدة في ذلك يعني ورود النار ما روي في بعض الأخبار : أن الله تعالى لا يدخل أحدا الجنة حتى يطلعه على النار و ما فيها من العذاب ليعلم تمام فضل الله عليه و كمال فضله و إحسانه إليه فيزداد لذلك فرحا و سرورا بالجنة و نعيمها ، و لا يدخل أحدا النار حتى يطلعه على الجنة و ما فيها من أنواع النعيم و الثواب ليكون ذلك زيادة عقوبة له و حسرة على ما فاته من الجنة و نعيمها .


انتهى .


كلام في معنى وجوب الفعل و جوازه و عدم جوازه على الله سبحانه


قد تقدم في الجزء الأول من الكتاب في ذيل قوله تعالى : « و لا يضل به إلا الفاسقين» : البقرة : 26 في بحث قرآني تقريبا أن له تعالى الملك المطلق على الأشياء بمعنى أنه يملك كل شي‏ء ملكا مطلقا غير مقيد بحال أو زمان أو أي شرط مفروض و أن كل شي‏ء مملوك له تعالى من غير أن يكون مملوكا له من جهة و غير مملوك من جهة لا في ذاته و لا في شي‏ء مما يتعلق به .


فله تعالى أن يتصرف فيما يشاء بما يشاء من غير أن يستعقب ذلك قبحا أو ذما أو شناعة من عقل أو غيره لأن القبح أو الذم إنما يلحقان الفاعل إذا أتى بما لا يملكه من الفعل بحكم عقل أو قانون أو سنة دائرة و أما إذا أتى بما له أن يفعله و هو يملكه فلا يعتريه قبح أو ذم أو لائمة البتة و لا يوجد في المجتمع الإنساني ملك مطلق و لا حرية مطلقة لمناقضته معنى الاجتماع و الاشتراك في المنافع فكل ملك فيه مقيد محدود يذم الإنسان لو تعداه و يقبح فعله و يمدح لو اقتصر عليه و يستحسن عمله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :95


و هذا بخلاف ملكه تعالى فإنه مطلق غير مقيد و لا محدود على ما يدل عليه إطلاق آيات الملك ، و يؤيده بل يدل عليه الآيات الدالة على قصر الحكم و انحصار التشريع فيه و عموم قضائه لكل شي‏ء إذ لو لا سعة ملكه و عموم سلطنته لكل شي‏ء لم يستقم حكمه في كل شي‏ء و لا قضاؤه عند كل واقعة ، و الاستدلال على محدودية ملكه تعالى بما وراء القبائح العقلية بأنا نرى أن المالك لعبد إذا عذب عبده بما لا يجوزه العقل ذم عليه و استقبح العقلاء عمله من قبيل الاستدلال على الشي‏ء بحكم ما يباينه .


على أن هذا الملك الذي نثبته له تعالى و هو ملك تشريعي هو كونه تعالى بحيث ينتهي إليه وجود كل شي‏ء و إن شئت فقل : كون كل شي‏ء بحيث يقوم وجوده به تعالى و هذا هو الملك التكويني الذي لا يخلو شي‏ء من الأشياء من أن يكون مشمولا له فمع ذلك كيف يمكن تحقق الملك التكويني في شي‏ء من غير أن ينبعث منه ملك تشريعي و حق مجعول اللهم إلا أن يكون من العناوين العدمية التي لا يتعلق بها الإيجاد كعناوين المعاصي التي في أفعال العباد و هي ترجع إلى مخالفة الأمر و ترك رعاية المصلحة و الحكمة و لا يتحقق شي‏ء من ذلك فيما يعد فعلا له تعالى فأجد التأمل فيه .


و يتفرع على هذا البحث أنه لا معنى لأن يوجب غيره تعالى عليه شيئا أو يحرم أو يجوز و بالجملة يكلفه بتكليف تشريعي كما يمتنع أن يؤثر فيه تأثيرا تكوينيا لاستلزامه كونه تعالى مملوكا له واقعا تحت سلطنته من حيث فعله الذي تعلق به التكليف و مآله إلى مملوكية ذاته و هو محال .


و ما هو الذي يتحكم عليه تعالى ؟ و من الذي يقهره بالتكليف ؟ فإن فرض أنه العقل الحاكم لذاته القاضي لنفسه عاد الكلام إلى مالكية العقل لهذا الحكم و القضاء ، فالعقل يستند في أحكامه إلى أمور خارجة من ذاته و من مصالح و مفاسد فليس حاكما لذاته بل لغيره هف .


و إن فرض أنه المصلحة المتقررة عند العقل فمصلحة كذا مثلا يقتضي فيه تعالى أن يعدل في حكمه و أن لا يظلم عباده ثم العقل بعد النظر فيه يحكم عليه تعالى بوجوب العدل و عدم جواز الظلم أو بحسن العدل و قبح الظلم فهذه المصلحة إما أمر اعتباري غير حقيقي و لا موجود واقعي و إنما جعله العقل جعلا من غير أن ينتهي إلى حقيقة خارجية عاد


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :96


الأمر إلى كون العقل حاكما لذاته غير مستند في حكمه إلى أمر خارج عن ذاته ، و قد مر بطلانه .


و إما أمر حقيقي موجود في الخارج و لا محالة هي ممكنة معلولة للواجب ينتهي وجوده إليه تعالى و يقوم به كانت فعلا من أفعاله و رجع الأمر إلى كون بعض أفعاله تعالى بتحققه مانعا عن تحقق بعض آخر و أنه دل بذلك العقل أن يحكم بوجوب الفعل أو عدم جوازه ، و بعبارة أخرى ينتهي الأمر إلى أنه تعالى بالنظر إلى نظام الخلقة يختار فعلا من أفعاله على آخر و هو ما فيه المصلحة على الخالي منها هذا بحسب التكوين ثم دل العقل أن يستنبط من المصلحة أن الفعل الذي اختاره و هو العدل مثلا واجب عليه و إن شئت فقل : حكم بلسان العقل بوجوب الفعل عليه و بالجملة لم ينته الإيجاب إلى غيره بل رجع إليه فهو الموجب على نفسه لا غير .


فقد اتضح بهذا البحث أمور : الأول : أن له ملكا مطلقا لا يتقيد بتصرف دون تصرف فله أن يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد ، قال تعالى : « فعال لما يريد» : البروج : 16 ، و قال : « و الله يحكم لا معقب لحكمه» : الرعد : 41 غير أنه تعالى بما كلمنا في مرحلة الهداية على قدر عقولنا و نصب نفسه في مقام التشريع أوجب على نفسه أشياء و منع نفسه عن أشياء فاستحسن لنفسه أشياء كالعدل و الإحسان ، كما استحسنها لنا و استقبح أشياء كالظلم و العدوان ، كما استقبحها لنا .


و معنى كونه تعالى مشرعا آمرا و ناهيا هو أنه تعالى قدر وجودنا في نظام متقن يربطه إلى غايات هي سعادتنا و فيها خير دنيانا و آخرتنا و هي المسماة بالمصالح و نظم أسباب وجودنا و جهازات أنفسنا نظما لا يلائم إلا مسيرا خاصا في الحياة من أفعال و أعمال هي الملاءمة لمصالح وجودنا لا غير فأسباب الوجود و الجهازات المجهزة و الأوضاع و الأحوال الحافة بنا تدفعنا إلى مصالح وجودنا و مصالح الوجود تدعونا إلى أعمال خاصة تلائمها و مسير في الحياة تسوقنا إلى كمال الوجود و سعادة الحياة و إن شئت فقل : تندبنا إلى قوانين و سنن في العمل بها و الجري عليها خير الدنيا و الآخرة .


و هذه القوانين التي تهتف بها الفطرة و يعلمها الوحي السماوي هي الشريعة و إذ هي


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :97


تنتهي إليه تعالى فالأمر الذي فيها أمره و النهي الذي فيها نهيه و كل حكم فيها حكمه ، و فيها أمور يرى اتصاف الفعل بها حسنا على كل حال كالعدل فهو يرتضيها لفعله كما يرتضيها لأفعالنا ، و أمور يستقبحها و يستشنعها و يذم أفعالا اتصفت بها كالظلم فهو لا يرتضيها لفعله كما لا يرتضيها لأفعالنا و هكذا .


فلا ضير في وجوب شي‏ء عليه تعالى وجوبا تشريعيا إذا كان هو المشرع على نفسه ، و هذه أحكام اعتبارية متقررة في ظرف الاعتبار العقلي و حقيقتها أن من سنته تعالى التكوينية أن يريد و يفعل أمورا إذاعرضت على العقل عنونها بعنوان العدل ، و إن لا يصدر عن ساحته أعمال إذا عرضت على العقل عنونها بعنوان الظلم فافهم ذلك .


الثاني : أن هذا الوجوب تشريعي و هناك وجوب آخر تكويني يعتمد عليه هذا الوجوب و هو ضرورة ترتب المعلولات على عللها في النظام العام من غير تخلف المنتزع عنها معنى العدل .


و قد التبس الأمر على كثير من الباحثين فزعموا كون هذا الوجوب تكوينيا و قرروه بأن القدرة الواجبية مطلقة متساوية النسبة إلى فعل القبيح و تركه مثلا لكنه تعالى لا يفعل القبيح لحكمته البتة فترك القبيح ضروري بالنسبة إلى حكمته و إن كان ممكنا بالنسبة إلى قدرته و هذه الضرورة ضرورة حقيقية كضرورة قولنا : الواحد نصف الاثنين بالضرورة غير الوجوب الاعتباري يعتبر في الأوامر المولوية هذا .


و المغالطة فيه بينة فإن ترك القبيح إذا كان ممكنا بالنسبة إلى القدرة و القدرة عين الذات كان ممكنا بالنسبة إلى الذات و صفة الحكمة حينئذ إن كانت عين الذات كان ترك القبيح ضروريا ممكنا معا بالنسبة إلى الذات و ليس إلا التناقض ، و إن كانت غير الذات فإن كانت أمرا عينيا و قد جعلت الترك ضروريا للذات بعد ما كان ممكنا لزم تأثير غير الذات الواجبية فيها و هو تناقض آخر و قدعدلوا عن القول بالوجوب التشريعي إلى القول بالوجوب التكويني فرارا من لزوم حكومة غيره تعالى فيه بالأمر و النهي ، و إن كانت أمرا انتزاعيا فكونها منتزعة من الذات يؤدي إلى التناقض الأول المذكور ، و كونها منتزعة من غيرها إلى التناقض الثاني فإن الحكم الحقيقي في الأمور الانتزاعية لمنشإ انتزاعها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :98


و المغالطة إنما نشأت من أخذ الفعل ضروريا بالنسبة إلى الذات بعد انضمام الحكمة إليها فإن الذات إن أخذت علة تامة للفعل كانت النسبة هي الضرورة قبل الانضمام و بعدها دون الإمكان و إن أخذت جزءا من العلة التامة و إنما تتم بانضمام أمر أو أمور إليها كان الفعل بالنسبة إليها ممكنا لا ضروريا و إن كان بالنسبة إلى علته التامة المجتمعة من الذات و غيرها ضروريا لا ممكنا .


و الثالث : أن قولنا : يجب عليه كذا و لا يجوز عليه كذا حكم عقلي ، و العقل في ذلك حاكم قاض لا مدرك آخذ بمعنى أن الحكم الذي في القضية فعل قائم بالعقل مجعول له لا أمر قائم بنفسه يحكيه العقل نوعا من الحكاية كما وقع في لسان بعضهم قائلين إن من شأنه الإدراك دون الحكم .


و ذلك أن العقل الذي كلامنا فيه هو العقل العملي الذي موطن عمله العمل من حيث ينبغي أو لا ينبغي و يجوز أو لا يجوز ، و المعاني التي هذا شأنها أمور اعتبارية لا تحقق لها في الخارج عن موطن التعقل و الإدراك فكان هذا الثبوت الإدراكي بعينه فعلا للعقل قائما به و هو معنى الحكم و القضاء ، و أما العقل النظري الذي موطن عمله المعاني الحقيقية غير الاعتبارية تصورا أو تصديقا فإن لمدركاته ثبوتا في نفسها مستقلا عن العقل فلا يبقى للعقل عند إدراكها إلا أخذها و حكايتها و هو الإدراك فحسب دون الحكم و القضاء .


وَ إِذَا تُتْلى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَى الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَّقَاماً وَ أَحْسنُ نَدِيًّا(73) وَ كمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسنُ أَثَثاً وَ رِءْياً(74) قُلْ مَن كانَ فى الضلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَداًّحَتى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَاب وَ إِمَّا الساعَةَ فَسيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شرٌّ مَّكاناً وَ أَضعَف جُنداً(75) وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًىوَ الْبَقِيَت الصلِحَت خَيرٌ عِندَ رَبِّك ثَوَاباً وَ خَيرٌ مَّرَداًّ(76) أَ فَرَءَيْت الَّذِى كفَرَ بِئَايَتِنَا وَ قَالَ لأُوتَينَّ مَالاً وَ وَلَداً(77) أَطلَعَ الْغَيْب أَمِ اتخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً(78) كلاسنَكْتُب مَا يَقُولُ وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا(79) وَ نَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَ يَأْتِينَا فَرْداً(80)



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :99


بيان


هذا هو الفصل الثاني من كلماتهم المنقولة عنهم ، و هو ردهم الدعوة النبوية بأنها لا تنفع في حسن حال المؤمنين بها شيئا و لو كانت حقة لجلبت إليهم زهرة الحياة الدنيا التي فيها سعادة العيش من أبنية رفيعة و أمتعة نفيسة و جمال و زينة ، فالذي هم عليه من الكفرو قد جلب لهم خير الدنيا خير مما عليه المؤمنون و قد غشيهم رثاثة الحال و فقد المال و عسرة العيش ، فكفرهم هو الحق الذي ينبغي أن يؤثر دون الإيمان الذي عليه المؤمنون و قد أجاب الله عن قولهم بقوله : « و كم أهلكنا» إلخ ، و قوله : « قل من كان في الضلالة» إلخ ، ثم عقب ذلك ببيان حال بعض من اغتر بقولهم .


قوله تعالى : « و إذا تتلى عليهم آياتنا» إلى آخر الآية ، المقام اسم مكان من القيام فهو المسكن ، و الندي هو المجلس و قيل خصوص مجلس المشاورة ، و معنى « قال الذين كفروا للذين آمنوا» أنهم خاطبوهم فاللام للتبليغ كما قيل ، و قيل : تفيد معنى التعليل أي قالوا لأجل الذين آمنوا أي لأجل إغوائهم و صرفهم عن الإيمان ، و الأول أنسب للسياق كما أن الأنسب للسياق أن يكون ضمير عليهم راجعا إلى الناس أعم من الكفار و المؤمنين دون الكفار فقط حتى يكون قوله : « قال الذين كفروا» من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر .


و قوله : « أي الفريقين خير مقاما و أحسن نديا» أي للاستفهام و الفريقان هما


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :100


الكفار و المؤمنون ، و كان مرادهم أن الكفار هم خير مقاما و أحسن نديا من المؤمنين الذين كان الغالب عليهم العبيدو الفقراء لكنهم أوردوه في صورة السؤال و كنوا عن الفريقين لدعوى أن المؤمنين عالمون بذلك يجيبون بذلك لو سئلوا من غير تردد و ارتياب .


و المعنى : و إذا تتلى على الناس - و هم الفريقان الكفار و المؤمنون - آياتنا و هي ظاهرات في حجتها واضحات في دلالتها لا تدع ريبا لمرتاب ، قال فريق منهم و هم الذين كفروا للفريق الآخر و هم الذين آمنوا : أي هذين الفريقين خير من جهة المسكن و أحسن من حيث المجلس - و لا محالة هم الكفار - يريدون أن لازم ذلك أن يكونوا هم سعداء في طريقتهم و ملتهم إذ لا سعادة وراء التمتع بأمتعة الحياة الدنيا فالحق ما هم عليه .


قوله تعالى : « و كم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا و رءيا» القرن : الناس المقترنون في زمن واحد ، و الأثاث : متاع البيت ، قيل : لا يطلق إلا على الكثير و لا واحد له من لفظه ، و الرئي بالكسر فالسكون : ما رئي من المناظر ، نقل في مجمع البيان ، عن بعضهم : أنه اسم لما ظهر و ليس بالمصدر و إنما المصدر الرأي و الرؤية يدل على ذلك قوله : « يرونهم مثليهم رأي العين» فالرأي : الفعل ، و الرئي : المرئي كالطحن و الطحن و السقي و السقي و الرمي و الرمي .


انتهى .


و لما احتج الكفار على المؤمنين فيحقية ملتهم و بطلان الدعوة النبوية التي آمن به المؤمنون بأنهم خير مقاما و أحسن نديا في الدنيا و قد فاتهم أن للإنسان حياة خالدة أبدية لا منتهى لها و إنما سعادته في سعادتها و الأيام القلائل التي يعيش فيها في الدنيا لا قدر لها قبال ما لا نهاية له و لا أنها تغني عنه شيئا .


على أن هذه التمتعات الدنيوية لا تحتم له السعادة و لا تقيه من غضب الله إن حل به يوما و ما هو من الظالمين ببعيد فليسوا في أمن من سخط الله و لا طيب في عيش يهدده الهلاك و لا في نعمة كانت في معرض النقمة و الخيبة .


أشار إلى الجواب عنه بقوله : «و كم أهلكنا قبلهم» و الظاهر أن الجملة حالية و كم خبرية لا استفهامية ، و المعنى : أنهم يتفوهون بهذه الشبهة الواهية - نحن خير منكم مقاما و أحسن نديا - استخفافا للمؤمنين و الحال أنا أهلكنا قرونا كثيرة قبلهم هم أحسن من حيث الأمتعة و المناظر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :101


و قد نقل سبحانه نظير هذه الشبهة عن فرعون و عقبه بحديث غرقه و هلاكه ، قال : « و نادى فرعون في قومه قال يا قوم أ ليس لي ملك مصر و هذه الأنهار تجري من تحتي أ فلا تبصرون ؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين و لا يكاد يبين ، فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب - إلى أن قال - فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا و مثلا للآخرين» : الزخرف : 56 .


قوله تعالى : « قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا» إلى آخر الآية ، لفظة كان في قوله : « من كان في الضلالة» تدل على استمرارهم في الضلالة لا مجرد تحقق ضلالة ما ، و بذلك يتم التهديد بمجازاتهم بالإمداد و الاستدراج الذي هو إضلال بعد الضلال .


و قوله : « فليمدد» صيغة أمر غائب و يئول معناه إلى أن من الواجب على الرحمن أن يمده مدا ، فإن أمر المتكلم مخاطبه أن يأمره بشي‏ء معناه إيجاب المتكلم ذلك على نفسه .


و المد و الأمداد واحد لكن ذكر الراغب في المفردات ، أن أكثر ما جاء الأمداد في المحبوب و المد في المكروه و المراد أن من استقرت عليه الضلالة و استمر هو عليها - و المراد به الكفار كناية - فقد أوجب الله على نفسه أن يمده بما منه ضلالته كالزخارف الدنيوية في مورد الكلام فينصرف بذلك عن الحق حتى يأتيه أمر الله من عذاب أو ساعة بالمفاجاة و المباهتة فيظهر له الحق عند ذلك و لن ينتفع به .


فقوله : « حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب و إما الساعة فسيعلمون» إلخ ، دليل على أن هذا المد خذلان في صورة إكرام و المراد به أن ينصرف عن الحق و اتباعه بالاشتغال بزهرة الحياة الدنيا الغارة فلا يظهر له الحق إلا في وقت لا ينتفع به و هو وقت نزول البأس أو قيام الساعة .


كما قال تعالى : « فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده» : المؤمن : 85 ، و قال : « يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» : الأنعام : 158 .


و في إرجاع ضمير الجمع في قوله : « رأوا ما يوعدون» إلى « من» رعاية جانب


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :102


معناه كما أن في إرجاع ضمير الإفراد في قوله : « فليمدد له» إليه رعاية جانب لفظه .


و قوله : « فسيعلمون من هو شر مكانا و أضعف جندا» قوبل به قولهم السابق : « أي الفريقين خير مقاما و أحسن نديا» أما مكانهم حين يرون العذاب - و الظاهر أن المراد به عذاب الدنيا - فحيث يحل بهم عذاب الله و قد كان مكان صناديد قريش المتلو عليهم الآيات حين نزول العذاب ، قليب بدر التي ألقيت فيها أجسادهم و أما مكانهم يوم يرون الساعة فالنار الخالدة التي هي دار البوار ، و أما ضعف جندهم فلأنه لا عاصم لهم اليوم من الله و يعود كل ما هيئوه لأنفسهم من عدد و عدة سدى لا أثر له .


قوله تعالى : « و يزيد الله الذين اهتدوا هدى» إلى آخر الآية ، الباقيات الصالحات الأعمال الصالحة التي تبقى محفوظة عند الله و تستعقب جميل الشكر و عظيم الأجر و قد وعد الله بذلك في مواضع من كلامه .


و الثواب جزاء العمل قال في المفردات ، : أصل الثوب رجوع الشي‏ء إلى حالته الأولى التي كان عليها أو إلى الحالة المقدرة المقصودة بالفكرة - إلى أن قال - و الثواب ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله فيسمى الجزاء ثوابا تصورا أنه هو - إلى أن قال - و الثواب يقال في الخير و الشر لكن الأكثر المتعارف في الخير .


انتهى و المرد اسم مكان من الرد و المراد به الجنة .


و الآية من تمام البيان في الآية السابقة فإن الآية السابقة تبين حال أهل الضلالة و تذكر أن الله سيمدهم فهم يعمهون في ضلالتهم منصرفين عن الحق معرضين عن الإيمان لاعبين بما عندهم من شواغل الحياة الدنيا حتى يفاجئهم العذاب أو الساعة و تنكشف لهم حقيقة الأمر من غير أن ينتفعوا به و هؤلاء أحد الفريقين في قولهم : « أي الفريقين خير مقاما» إلخ .


و هذه الآية تبين حال الفريق الآخر و هم المؤمنون و أن الله سبحانه يمد المهتدين منهم و هم المؤمنون بالهدى فيزيدهم هدى على هداهم فيوفقون للأعمال الباقية الصالحة و هي خير أجرا و خير دارا و هي الجنة و دائم نعيمها فما عند المؤمنين من أمتعة الحياة و هي النعيم المقيم خير مما عند الكافرين من الزخارف الغارة الفانية .


و في قوله : « عند ربك» إشارة إلى أن الحكم بخيرية ما للمؤمنين من ثواب و مرد


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :103


حكم إلهي لا يخطى‏ء و لا يغلط البتة .


و هاتان الآيتان - كما ترى - جواب ثان عن حجة الكفار أعني قولهم : « أي الفريقين خير مقاما و أحسن نديا» .


قوله تعالى : « أ فرأيت الذي كفر بآياتناو قال لأوتين مالا و ولدا» كما أن سياق الآيات الأربع السابقة يعطي أن الحجة الفاسدة المذكورة قول بعض المشركين ممن تلي عليه القرآن فقال ما قال دحضا لكلمة الحق و استغواء و استخفافا للمؤمنين كذلك سياق هذه الآيات الأربع و قد افتتحت بكلمة التعجيب و اشتملت بقول يشبه القول السابق و اختتمت بما يناسبه من الجواب يعطي أن بعض الناس ممن آمن بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو كان في معرض ذلك بعد ما سمع قول الكفار مال إليهم و لحق بهم قائلا لأوتين مالا و ولدا يعني في الدنيا باتباع ملة الشرك كان في الإيمان بالله شؤما و في اتخاذ الآلهة ميمنة .


فرده الله سبحانه بقوله : « أطلع الغيب» إلخ .


و أما ما ذكره الأكثر بالبناء على ما ورد من سبب النزول أن الجملة قول أحد المتعرقين في الشرك من قريش خاطب به خباب بن الأرت حين طالبه دينا كان له عليه ، و أن معنى الجملة لأوتين مالا و ولدا في الجنة فأؤدي ديني فشي‏ء لا يلائم سياق الآيات إذ من المعلوم أن المشركين ما كانوا مذعنين بالبعث أصلا ، فقوله لأوتين مالا و ولدا إذا بعثت و عند ذلك أؤدي ديني لا يحتمل إلا الاستهزاء و التهكم و لا معنى لرد الاستهزاء بالاحتجاج كما هو صريح قوله : « أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا» إلخ .


و نظير هذا القول في السقوط ما نقل عن أبي مسلم المفسر أن الآية عامة فيمن له هذه الصفة .


فقوله : « أ فرأيت الذي كفر بآياتنا» مسوق للتعجيب ، و كلمة « أ فرأيت» كلمة تعجيب و قد فرعه بفاء التفريع على ما تقدمه من قولهم : « أي الفريقين خير مقاما و أحسن نديا» لأن كفر هذا القائل و قوله : « لأوتين مالا و ولدا» من سنخ كفرهم و مبني على قولهم للمؤمنين لا خير عند هؤلاء و سعادة الحياة و عزة الدنيا و نعمتها و لا خير إلا ذلك عند الكفار و في ملتهم .


و من هنا يظهر أن لقوله : « و قال لأوتين مالا و ولدا» نوع ترتب على قوله « كفر


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :104


بآياتنا» و أنه إنما كفر بآيات الله زاعما أن ذلك طريقة ميمونة مباركة تجلب لسالكها العزة و القدرة و ترزقه الخير و السعادة في الدنيا و قد أقسم بذلك كما يشهد به لام القسم و نون التأكيد في قوله : « لأوتين» .


قوله تعالى : « أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا» رد سبحانه عليه قوله : « لأوتين مالا و ولدا بكفري» بأنه رجم بالغيب لا طريق له إلى العلم فليس بمطلع على الغيب حتى يعلم بأنه سيؤتى بكفره ما يأمله و لا بمتخذ عهدا عندالله حتى يطمئن إليه في ذلك ، و قد جي‏ء بالنفي في صورة الاستفهام الإنكاري .


قوله تعالى : « كلا سنكتب ما يقول و نمد له من العذاب مدا» كلا كلمة ردع و زجر و ذيل الآية دليل على أنه سبحانه يرد بها ما يتضمنه قول هذا القائل من ترتب إيتاء المال و الولد على الكفر بآيات الله و محصله أن الذي يترتب على قوله هذا ليس هو إيتاء المال و الولد فإن لذلك أسبابا أخر بل هو مد العذاب على كفره و رجمه فهو يطلب بما يقول في الحقيقة عذابا ممدودا يتلو بعضه بعضا لأنه هو تبعة قوله لا إيتاء المال و الولد و سنكتب قوله و نرتب عليه أثره الذي هو مد العذاب فالآية نظيرة قوله : « فليدع ناديه سندع الزبانية» : العلق : 18 .


و من هنا يظهر أن الأقرب أن يكون المراد من كتابة قوله تثبيته ليترتب عليه أثره لا كتابته في صحيفة عمله ليحاسب عليه يوم القيامة كما فسره به أرباب التفسير ، على أن قوله الآتي : « و نرثه ما يقول » لا يخلو على قولهم من شائبة التكرار من غير نكتة ظاهرة .


قوله تعالى : « و نرثه ما يقول و يأتينا فردا» المراد بوراثة ما يقول أنه سيموت و يفنى و يترك قوله : لأوتين بكفري مالا و ولدا ، و قد كان خطيئة لازمة له لزوم المال للإنسان محفوظة عندالله كأنه مال ورثه بعده ففي الكلام استعارة لطيفة .


و قوله : « و يأتينا فردا» أي وحده و ليس معه شي‏ء مما كان ينتصر به و يركن إليه بحسب وهمه فمحصل الآية أنه سيأتينا وحده و ليس معه إلا قوله الذي حفظناه عليه فنحاسبه على ما قال و نمد له من العذاب مدا .


هذا ما يقتضيه البناء على كون قوله في أول الآيات « لأوتين مالا و ولدا» ناظرا


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :105


إلى الإيتاء في الدنيا ، و أما بناء على كونه ناظرا إلى الإيتاء في الآخرة كما اختاره الأكثر فمعنى الآيات كما فسروها تعجب من الذي كفر بآياتنا و هو عاص بن وائل أو وليد بن المغيرة و قال : أقسم لأوتين إذا بعثت مالا و ولدا في الجنة ، أ علم الغيب حتى يعلم أنه في الجنة ؟ - و قيل : أ نظر في اللوح المحفوظ - أم اتخذ عند الرحمن عهدا بقول لا إله إلا الله حتى يدخل به الجنة - و قيل : أ قدم عملا صالحا كلا و ليس الأمر كما قال - سنكتب ما يقول بأمر الحفظة أن يثبتوه في صحيفة عمله و نمد له من العذاب مدا و نرثه ما يقول أي ما عنده من المال و الولد بإهلاكنا إياه و إبطالنا ملكه و يأتينا أي يأتي الآخرة فردا ليس عنده شي‏ء من مال و ولد و عدة و عدد .


بحث روائي


فيتفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « أ فرأيت الذي كفر بآياتنا - و قال لأوتين مالا و ولدا» إنه العاص بن وائل بن هشام القرشي ثم السهمي و كان أحد المستهزءين ، و كان لخباب بن الأرت على العاص بن وائل حق فأتاه يتقاضاه فقال له العاص : أ لستم تزعمون أن في الجنة الذهب و الفضة و الحرير ؟ قال : بلى . قال : فموعد ما بيني و بينك الجنة ، فو الله لأوتين فيها خيرا مما أوتيت في الدنيا .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و البخاري و مسلم و سعيد بن منصور و عبد بن حميد و الترمذي و البيهقي في الدلائل و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن حبان و ابن مردويه عن خباب بن الأرت قال : كنت رجلا قينا و كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال : لا و الله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت : لا و الله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث . قال : فإني إذا مت ثم بعثت جئتني و لي ثم مال و ولد فأعطيك فأنزل الله : « أ فرأيت الذي كفر بآياتنا إلى قوله و يأتينا فردا» .


أقول : و روى أيضا ما يقرب منه عن الطبراني عن خباب .


و أيضا عن سعيد بن منصور عن الحسن عن رجل من أصحاب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ولم يسم خبابا و أيضا عن ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن ابن عباس عن رجال من الصحابة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :106


و قد تقدم أن الروايات لا تنطبق على سياق الآيات فإن الروايات صريحة في أن الكلمة إنما صدرت عن العاص بن وائل على سبيل الاستهزاء و السخرية على أن النقل القطعي أيضا يؤيد أن المشركين لم يكونوا قائلين بالبعث و النشور .


ثم الآيات تأخذ في رد كلمته بالاحتجاج و لو كانت كلمة استهزاء من غير جد لم يكن للاحتجاج عليها معنى إذ الاحتجاج لا يستقيم إلا على قول جدي و إلا كان هزلا فالروايات على صراحتها في كونها كلمة استهزاء لا تنطبق على الآية .


و لو حمل على وجه بعيد على أنه إنما قال : « لأوتين مالا و ولدا» على وجه الإلزام و التبكيت لخباب من غير أن يعتقده لا على وجه الاستهزاء ! لم يكن لذكر الولد مع المال وجه و كفاه أن يقول لأوتين مالا مع أن في بعض هذه الروايات أنه قال لخباب : إنكم تزعمون أنكم ترجعون إلى مال و ولد و لم يعهد من مسلمي صدر الإسلام شيوع القول بأن في الجنة توالدا و تناسلا و لا وقعت في شي‏ء من القرآن إشارة إلى ذلك .


هذا أولا .


و لم يكن للقسم و التأكيد البالغ في قوله : « لأوتين» وجه إذ الإلزام و التبكيت لا حاجة فيه إلى تأكيد .


و هذا ثانيا .


و لم يكن لإطلاق الإيتاء في قوله « لأوتين» من دون أن يقيده بالجنة أو الآخرة دفعا للبس نكتة ظاهرة .


و هذا ثالثا .


و لم يصلح للرد عليه و إبطاله إلا قوله تعالى : كلا سنكتب ما يقول و نمد له من العذاب» إلى آخر الآيتين ، و أما قوله : « أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا» فغير وارد عليه البتة إذ الإلزام و التبكيت لا يتوقف على العلم بصدق ما يلزم به حتى يتوقف عن منشإ علمه بل يجامع غالبا العلم بالكذب و إنما على التزام الخصم الذي يراد إلزامه به أو بمايستلزمه .


و هذا رابعا .


و اعلم أنه ورد في ذيل قوله : « و الباقيات الصالحات» الآية أخبار عن النبي و أئمة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة و قد أشرنا إليها في الجزء الثالث عشر من الكتاب في بحث روائي في ذيل الآية 46 من سورة الكهف .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :107


وَ اتخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا لهَُمْ عِزًّا(81) َكلاسيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتهِمْ وَ يَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِداًّ(82) أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسلْنَا الشيَطِينَ عَلى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا(83) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْإِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا(84) يَوْمَ نحْشرُ الْمُتَّقِينَ إِلى الرَّحْمَنِ وَفْداً(85) وَ نَسوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً(86) لا يَمْلِكُونَ الشفَعَةَ إِلا مَنِ اتخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً(87) وَ قَالُوا اتخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً(88) لَّقَدْ جِئْتُمْ شيْئاً إِدًّا(89) تَكادُ السمَوَت يَتَفَطرْنَ مِنْهُ وَ تَنشقُّ الأَرْض وَ تخِرُّ الجِْبَالُ هَداًّ(90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً(91) وَ مَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً(92) إِن كلُّ مَن فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ إِلا ءَاتى الرَّحْمَنِ عَبْداً(93) لَّقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا(94) وَ كلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْداً(95) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ سيَجْعَلُ لهَُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا(96)


بيان


هذا هو الفصل الثالث مما نقل عنهم و هو شركهم بالله باتخاذ الآلهة و قولهم : « اتخذ الرحمن ولدا» سبحانه و الجواب عن ذلك .


قوله تعالى : « و اتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا» هؤلاء الآلهة هم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :108


الملائكة و الجن و القديسون من الإنس و جبابرة الملوك فإن أكثرهم كانوا يرون الملك قداسة سماوية .


و معنى كونهم لهم عزا كونهم شفعاء لهم يقربونهم إلى الله بالشفاعة فينالون بذلك العزة في الدنيا ينجر إليهم الخير و لا يمسهم الشر ، و من فسر كونهم لهم عزا بشفاعتهم لهم في الآخرة خفي عليه أن المشركين لا يقولون بالبعث .


قوله تعالى : « كلا سيكفرون بعبادتهم و يكونون عليهم ضدا» الضد بحسب اللغة المنافي الذي لا يجتمع مع الشي‏ء ، و عن الأخفش أن الضد يطلق على الواحد و الجمع كالرسول و العدو و أنكر ذلك بعضهم و وجه إطلاق الضد في الآية و هو مفرد على الآلهة و هي جمع بأنها لما كانت متفقة في عداوة هؤلاء و الكفر بعبادتهم كانت في حكم الواحد و صح بذلك إطلاق المفرد عليها .


و ظاهر السياق أن ضميري « سيكفرون» و « يكونون» للآلهة و ضميري « بعبادتهم» و « عليهم» للمشركين المتخذين للآلهة و المعنى : سيكفر الآلهة بعبادة هؤلاء المشركين و يكون الآلهة حال كونهم على المشركين لا لهم ، ضدا لهم يعادونهم و لو كانوا لهم عزا لثبتوا على ذلك دائما و قد وقع ذلك في قوله تعالى : « و إذا رءا الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكملكاذبون :» النحل : 86 .


و أوضح منه قوله : « و الذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم و لو سمعوا ما استجابوا لكم و يوم القيامة يكفرون بشرككم :» فاطر : 14 .


و ربما احتمل أن يكون بالعكس من ذلك أي سيكفر المشركون بعبادة الآلهة و يكونون على الآلهة ضدا كما في قوله : « ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا و الله ربنا ما كنا مشركين» : الأنعام : 23 ، و يبعده أن ظاهر السياق أن يكون « ضدا» و قد قوبل به « عزا» في الآية السابقة ، وصفا للآلهة دون المشركين و لازم ذلك أن يكون الآلهة الذين هم الضد هم الكافرين بعبادة المشركين نظرا إلى خصوص ترتب الضمائر .


على أن التعبير المناسب لهذا المعنى أن يقال : سيكفرون بهم على حد ما يقال : كفر بالله ، و لا يقال : كفر بعبادة الله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :109


و المراد بكفر الآلهة يوم القيامة بعبادتهم و كونهم عليهم ضدا هو ظهور حقيقة الأمر يومئذ فإن شأن يوم القيامة ظهور الحقائق فيه لأهل الجمع لا حدوثها و لو لم تكن الآلهة كافرين بعبادتهم في الدنيا و لا عليهم ضدا بل بدا لهم ذلك يوم القيامة لم تتم حجة الآية فافهم ذلك ، و على هذا المعنى يترتب قوله : « أ لم تر» « على قوله : « كلا سيكفرون بعبادتهم» إلخ .


قوله تعالى : « أ لم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا» الأز و الهز بمعنى واحد و هو التحريك بشدة و إزعاج و المراد تهييج الشياطين إياهم إلى الشر و الفساد و تحريضهم على اتباع الباطل و إضلالهم بالتزلزل عن الثبات و الاستقامة على الحق .


و لا ضير في نسبة إرسال الشياطين إليه تعالى بعد ما كان على طريق المجازاة فإنهم كفروا بالحق فجازاهم الله بزيادة الكفر و الضلال و يشهد بذلك قوله : « على الكافرين» و لو كان إضلالا ابتدائيا لقيل : « عليهم»من غير أن يوضع الظاهر موضع المضمر .


و الآية و هي مصدرة بقوله : « أ لم تر» المفيد معنى الاستشهاد مسوقة لتأييد ما ذكر في الآية السابقة من كون آلهتهم عليهم ضدا ، فإن تهييج الشياطين إياهم للشر و الفساد و اتباع الباطل معاداة و ضدية و الشياطين و هم من الجن من جملة آلهتهم و لو لم يكن هؤلاء الآلهة عليهم ضدا ما دعوهم إلى ما فيه هلاكهم و شقاؤهم .


فالآية بمنزلة أن يقال : هؤلاء الآلهة الذين يحسبونهم لأنفسهم عزا هم عليهم ضد و تصديق ذلك أن الشياطين و هم من آلهتهم يحركونهم بإزعاج نحو ما فيه شقاؤهم و ليسوا مع ذلك مطلقي العنان بل إنما هو بإذن من الله يسمى إرسالا و على هذا فالآية متصلة بسابقتها و هو ظاهر .


و جعل صاحب روح المعاني ، هذه الآية مترتبة على مجموع الآيات من قوله : « و يقول الإنسان ء إذا ما مت لسوف أخرج حيا» إلى قوله : « و يكونون عليهم ضدا» و متصلة به و أطنب في بيان كيفية الاتصال بما لا يجدي نفعا و أفسد بذلك سياق الآيات و اتصال ما بعد هذه الآية بما قبلها .


قوله تعالى : « فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا» العد هو الإحصاء و العد يفني


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :110


المعدود و ينفده و بهذه العناية قصد به إنفاد أعمارهم و الانتهاء إلى آخر أنفاسهم كأن أنفاسهم الممدة لأعمارهم مذخورة بعددها عند الله فينفدها بإرسالها واحدا بعد آخر حتى تنتهي و هو اليوم الموعود عليهم .


و إذ كان مدة بقاء الإنسان هي مدة بلائه و امتحانه كما ينبى‏ء عنه قوله : « إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا» : الكهف : 7 كان العد بالحقيقة عدا للأعمال المثبتة في صحيفة العمر ، ليتم بذلك بنية الحياة الأخروية الخالدة و يستقصى للإنسان ما يلتئم به عيشه هناك من نعم أو نقم فكما أن مكث الجنين في الرحم مدة يتم به خلقه جسمه كذلك مكث الإنسان في الدنيا لأن يتم به خلقة نفسه و إن يعد الله ما قدر له من العطية و يستقصيه .


و على هذا فلا ينبغي للإنسان أن يستعجل الموت لكافر طالح لأن مدة بقائه مدة عد سيئاته ليحاسب عليها و يعذب بها و لا لمؤمن صالح لأن مدة بقائه مدة عد حسناته ليثاب بها و يتنعم و الآية لا تقيد العد و إن فهم من ظاهرها في بادى‏ء النظر عد الأنفاس أو الأيام .


و كيف كان فقوله : « فلا تعجل عليهم» تفريع على ما تقدم ، و قوله : « إنما نعد» تعليل له و هو في الحقيقة علة التأخير و محصل المعنى إذ كان هؤلاء لا ينتفعون باتخاذ الآلهة وكانوا هم و آلهتهم منتهين إلينا غير خارجين من سلطاننا و لا مسيرهم في طريقهم بغير إذننا فلا تعجل عليهم بالقبض أو بالقضاء و لا يضيق صدرك عن تأخير ذلك إنما نعد لهم أنفاسهم أو أعمالهم عدا .


قوله تعالى : « يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا» الوفد هم القوم الواردون لزيارة أو استنجاز حاجة أو نحو ذلك و لا يسمون وفدا إلا إذا كانوا ركبانا و هو جمع واحده وافد .


و ربما استفيد من مقابلة قوله في هذه الآية « إلى الرحمن» قوله في الآية التالية : « إلى جهنم» أن المراد بحشرهم إلى الرحمن حشرهم إلى الجنة و إنما سمي حشرا إلى الرحمن لأن الجنة مقام قربه تعالى فالحشر إليها حشر إليه .


و معنى الآية ظاهر .


قوله تعالى : « و نسوق المجرمين إلى جهنم وردا» فسر الورد بالعطاش و كأنه


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :111


مأخوذ من ورود الماء أي قصده ليشرب و لا يكون ذلك إلا عن عطش فجعل بذلك الورد كناية عن العطاش ، و في تعليق السوق إلى جهنم بوصف الإجرام إشعار بالعلية و نظيره تعليق الحشر إلى الرحمن في الآية السابقة بوصف التقوى .


و معنى الآية ظاهر .


قوله تعالى : « لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا» و هذا جواب ثان عن اتخاذهم الآلهة للشفاعة و هو أن ليس كل من يهوى الإنسان شفاعته فاتخذه إلها ليشفع له يكون شفيعا بل إنما يملك الشفاعة بعهد من الله و لا عهد إلا لآحاد من مقربي حضرته ، قال تعالى : « و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق و هم يعلمون» : الزخرف : 86 .


و قيل : المراد أن المشفع لهم لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا و العهد هو الإيمان بالله و التصديق بالنبوة ، و قيل : وعده تعالى له بالشفاعة كما في الأنبياء و الأئمة و المؤمنين و الملائكة على ما في الأخبار ، و قيل : هو شهادة أن لا إله إلا الله و أن يتبرأ من الحول و القوة و أن لا يرجو إلا الله ، و الوجه الأول هو الأوجه و هو بالسياق أنسب .


قوله تعالى : « و قالوا اتخذ الرحمن ولدا» من قول الوثنيين و بعض خاصتهم ، و إن قال ببنوة الآلهة أو بعضهم لله سبحانه تشريفا أو تجليلا لكن عامتهم و بعض خاصتهم - في مقام التعليم - قال بذلك تحقيقا بمعنى الاشتقاق من حقيقة اللاهوت و اشتمال الولد على جوهرة والده ، و هذا هو المراد بالآية و الدليل عليه التعبير بالولد دون الابن ، و كذا ما في قوله : « إن كل من في السماوات و الأرض» إلى تمام ثلاث آيات من الاحتجاج على نفيه .


قوله تعالى : « لقد جئتم شيئا إدا» إلى تمام ثلاث آيات ، الإد بكسر الهمزة : الشي‏ء المنكر الفظيع ، و التفطر الانشقاق ، و الخرور السقوط ، و الهد الهدم .


و الآيات في مقام إعظام الذنب و إكبار تبعته بتمثيله بالمحسوس يقول : لقد أتيتم بقولكم هذا أمرا منكرا فظيعا تكاد السماوات يتفطرن و ينشققن منه و تنشق الأرض و تسقط الجبال على السهل سقوط انهدام إن دعوا للرحمن ولدا .


قوله تعالى : « و ما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات و الأرض


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :112


إلا آتي الرحمن عبدا» إلى تمام أربع آيات .


المراد بإتيان كل منهم عبدا له توجه الكل إليه و مثوله بين يديه في صفة المملوكية المحضة فكل منهم مملوك له لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا و ذلك أمر بالفعل ملازم له ما دام موجودا ، و لذا لم يقيد الإتيان في الآية بالقيامة بخلاف ما في الآية الرابعة .


و المراد بإحصائهم و عدهم تثبيت العبودية لهم فإن العبيد إنما تتعين لهم أرزاقهم و تتبين وظائفهم و الأمور التي يستعملون فيها بعد الإحصاء و عدهم و ثبتهم في ديوان العبيد و به تسجل عليهم العبودية .


و المراد بإتيانه له يوم القيامة فردا إتيانه يومئذ صفر الكف لا يملك شيئا مما كان يملكه بحسب ظاهر النظر في الدنيا و كان يقال : إن له حولا و قوة و مالا و ولدا و أنصارا و وسائل و أسبابا إلى غير ذلك فيظهر يومئذ إذ تتقطع بهم الأسباب أنه فرد ليس معه شي‏ء يملكه و أنه كان عبدا بحقيقة معنى العبودية لم يملك قط و لن يملك أبدا فشأن يوم القيامة ظهور الحقائق فيه .


و يظهر بما تقدم أن الذي تتضمنه الآيات من الحجة على نفي الولد حجة واحدة و محصلها أن كل من في السماوات و الأرض عبد لله مطيع له في عبوديته ليس له من الوجود و آثار الوجود إلا ما آتاه الله فأخذه هو ممتثلا لأمره تابعا لإرادته من غير أن يملك من ذلك شيئا ، و ليس من عبوديتها هذا فحسب بل الله أحصاهم و عدهم فسجل عليهم العبودية و أثبت كلا في موضعه و سخره مستعملا له فيما يريده منه فكان شاهدا لعبوديته ، و ليس هذا المقدار فحسب بل سيأتيه كل منهم فردا لا يملك شيئا و لا يصاحبه شي‏ء و يظهر بذلك حقيقة عبوديتهم للكل فيشهدون ذلك و إذا كان هذا حال كل من في السموات و الأرض فكيف يمكن أن يكون بعضهم ولدا لله واجدا لحقيقة اللاهوت مشتقا من جوهرتها ، و كيف تجتمع الألوهية و الفقر ؟ .


و أما انتهاء وجود الأشياء إليه تعالى وحده كما تضمنته الآية الأولى فمما لا يرتاب فيه مثبتو الصانع سواء في ذلك الموحدون و المشركون و إنما الاختلاف في كثرة المعبود و وحدته و كثرة الرب بمعنى المدبر و لو بالتفويض و عدمها .


قوله تعالى : « إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا» الود


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :113


و المودة المحبة و في الآية وعد جميل منه تعالى أنه سيجعل للذين آمنوا و عملوا الصالحات مودة في القلوب و لم يقيده بما بينهم أنفسهم و لا بغيرهم و لا بدنيا و لا بآخره أو جنة فلا موجب لتقييد بعضهمذلك بالجنة و آخرين بقلوب الناس في الدنيا إلى غير ذلك .


و قد ورد في أسباب النزول ، من طرق الشيعة و أهل السنة أن الآية نزلت في علي (عليه‏السلام‏) ، و في بعضها ما ورد من طرق أهل السنة أنها نزلت في مهاجري الحبشة و في بعضها غير ذلك و سيجي‏ء في البحث الروائي الآتي .


و على أي حال فعموم لفظ الآية في محله ، و الظاهر أن الآية متصلة بقوله السابق : سيكفرون بعبادتهم و يكونون عليهم ضدا» .


بحث روائي


في تفسير القمي ، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قوله : « كلا سيكفرون بعبادتهم و يكونون عليهم ضدا» يوم القيامة أي يكون هؤلاء الذين اتخذوهم آلهة من دون الله ضدا يوم القيامة و يتبرءون منهم و من عبادتهم إلى يوم القيامة .


و في الكافي ، بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قول الله عز و جل : « إنما نعد لهم عدا» قال : ما هو عندك ؟ قلت : عد الأيام قال الآباء و الأمهات يحصون ذلك و لكنه عدد الأنفاس .


و في نهج البلاغة ، من كلامه (عليه‏السلام‏) : نفس المرء خطاه إلى أجله .


و فيه ، قال (عليه‏السلام‏) : كل معدود متنقص و كل متوقع آت .


و في الدر المنثور ، أخرج عبدبن حميد عن أبي جعفر محمد بن علي : في قوله : « إنما نعد لهم عدا» قال : كل شي‏ء حتى النفس .


أقول : و هي أشمل الروايات و لا يبعد أن يستفاد منها أن ذكر النفس في الروايات من قبيل ذكر المثال .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :114


و في محاسن البرقي ، بإسناده عن حماد بن عثمان و غيره عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا» قال يحشرون على النجائب .


و في تفسير القمي ، بإسناده عن عبد الله بن شريك العامري عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سأل علي (عليه‏السلام‏) رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن تفسير قوله عز و جل : « يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا» قال : يا علي الوفد لا يكون إلا ركبانا أولئك رجال اتقوا الله عز و جل فأحبهم و اختصهم و رضي أعمالهم فسماهم الله متقين .


الحديث .


أقول : ثم روى القمي حديثا آخر طويلا يذكر (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيه تفصيل خروجهم من قبورهم و ركوبهم من نوق الجنة و وفودهم إلى الجنة و دخولهم فيها و تنعمهم بما رزقوا من نعمها .


و في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن علي عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في الآية قال : أما و الله ما يحشرون على أقدامهم و لا يساقون سوقا و لكنهم يؤتون بنوق من الجنة لم تنظر الخلائق إلى مثلها رحالها الذهب و أزمتها الزبرجد فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة .


أقول : و روى أيضا هذا المعنى عن ابن أبي الدنيا و ابن أبي حاتم و ابن مردويه من طرق عن علي عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في حديث طويل يصف فيه ركوبهم و وفودهم و دخولهم الجنة .


و استقرارهم فيها و تنعمهم من نعمها .


و رواه فيه عن عدة من أرباب الجوامع عن علي (عليه‏السلام‏) .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قلت : قوله : « لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا» قال : إلا من دان بولاية أمير المؤمنين و الأئمة من بعده فهو العهد عند الله .


أقول : و روى في الدر المنثور ، عن ابن عباس عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أن من أدخل على مؤمن سرورا فقد سرني و من سرني فقد اتخذ عند الله عهدا .


الحديث ، و روى عن أبي هريرة عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أن المحافظة على العهد هو المحافظة على الصلوات الخمس ، و هنا روايات أخر من طرق الخاصة و العامة قريبة مما أوردناه و يستفاد من مجموعها أن العهد المأخوذ عند الله اعتقاد حق أو عمل صالح ينجي المؤمن يوم القيامة و أن ما ورد في الروايات من قبيل المصاديق المتفرقة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :115


و اعلم أيضا أن الروايات السابقة مبنية على كون المراد ممن يملك الشفاعة في الآية هو الذي ينال الشفاعة أو الأعم من الشفعاء و المشفوع لهم ، و أما لو كان المراد هم الشفعاء فالأخبار أجنبية منها .


و في تفسير القمي ، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : قلت : قوله عز و جل : « و قالوا اتخذ الرحمن ولدا» قال هذا حيث قالت قريش : إنلله عز و جل ولدا و أن الملائكة إناث فقال الله تبارك و تعالى ردا عليهم « لقد جئتم شيئا إدا» أي عظيما « تكاد السماوات يتفطرن منه» يعني مما قالوه و مما رموه به و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا» مما قالوه و مما رموه به « أن دعوا للرحمن ولدا فقال الله تبارك و تعالى : « و ما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم و عدهم عدا و كلهم آتيه يوم القيامة فردا» واحدا واحدا .


في تفسير القمي ، بإسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه‏السلام‏) : قلت : قوله عز و جل « إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات - سيجعل لهم الرحمن ودا» قال : ولاية أمير المؤمنين هي الود الذي ذكره الله : . أقول : و رواه في الكافي ، بإسناده عن أبي بصير عنه (عليه‏السلام‏) .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه و الديلمي عن البراء قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لعلي قل : اللهم اجعل لي عندك عهدا و اجعل لي عندك ودا و اجعل لي في صدور المؤمنين مودة فأنزل الله « إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات - سيجعل لهم الرحمن ودا» قال : فنزلت في علي .


و فيه ، أخرج الطبراني و ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت في علي بن أبي طالب « إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات - سيجعل لهم الرحمن ودا» قال : محبة في قلوب المؤمنين .


و في المجمع ، : في الآية : قيل فيه أقوال : أحدها أنها خاصة في علي فما من مؤمن إلا و في قلبه محبة لعلي (عليه‏السلام‏) . عن ابن عباس و في تفسير أبي حمزة الثمالي : حدثني أبو جعفر الباقر (عليه‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لعلي : قل : اللهم اجعل لي عندك عهدا ، و اجعل لي في قلوب المؤمنين ودا ، فقالهما فنزلت هذه الآية : و روى نحوه عن جابر بن عبد الله :


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :116


: أقول قال في روح المعاني ، : الظاهر أن الآية على هذا مدنية ، و أنت خبير بأن لا دلالة في شي‏ء من الأحاديث على وقوع القصة في المدينة أصلا .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف : أنه لما هاجر إلى المدينة وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم شيبة بن ربيعة و عتبة بن ربيعة و أمية بن خلف فأنزل الله « إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات - سيجعل لهم الرحمن ودا» .


أقول : صريح الحديث كون الآية مدنية و يدفعه اتفاق الكل على كون السورة بجميع آياتها مكية و قد تقدم في أول السورة .


و فيه ، أخرج الحكيم الترمذي و ابن مردويه عن علي قال : سألت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن قوله : « سيجعل لهم الرحمن ودا» ما هو ؟ قال : المحبة في قلوب المؤمنين و الملائكة المقربين ، يا علي إن الله أعطى المؤمن ثلاثا : المقة و المحبة و الحلاوة و المهابة في صدور الصالحين .


أقول : المقة المحبة و في معناه بعض روايات أخر من طرق أهل السنة مبنية على عموم لفظ الآية و هو لا ينافي خصوص مورد النزول .


فَإِنَّمَا يَسرْنَهُ بِلِسانِك لِتُبَشرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَ تُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدًّا(97) وَ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تحِس مِنهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسمَعُ لَهُمْ رِكْزَا(98)


بيان


الآيتان ختام السورة يذكر سبحانه فيهما تنزيل حقيقة القرآن و هي أعلى من أن تنالها أيدي الأفهام العادية أو يمسه غير المطهرين إلى مرتبة الذكر بلسان النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏)


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :117


و يذكر أن الغاية من هذا التيسير أن يبشر به المتقين من عباده و ينذر به قوما لدا خصماء ، ثم لخص إنذارهم بتذكير هلاك من هلك من القرون السابقة عليهم .


قوله تعالى: «فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين و تنذر به قوما لدا» التيسير و هو التسهيل ينبى‏ء عن حال سابقة ما كان يسهل معها تلاوته و لا فهمه و قد أنبأ سبحانه عن مثل هذه الحالة لكتابه في قوله : « و الكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون و إنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم :» الزخرف : 4 ، فأخبر أنه لو أبقاه على ما كان عليه عنده - و هو الآن كذلك - من غير أن يجعله عربيا مقروا لم يرج أن يعقله الناس و كان كما كان عليا حكيما أي آبيا متعصيا أن يرقى إليه أفهامهم و ينفذ فيه عقولهم .


و من هنا يتأيد أن معنى تيسيره بلسانه تنزيله على اللسان العربي الذي كان هو لسانه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فتنبى‏ء الآية أنه تعالى يسره بلسانه ليتيسر له التبشير و الإنذار .


و ربما قيل : إن معنى تيسيره بلسانه إجراؤه على لسانه بالوحي و اختصاصه بوحي الكلام الإلهي ليبشر به و ينذر .


و هذا و إن كان في نفسه وجها عميقا لكن الوجه الأول مضافا إلى تأيده بالآيات السابقة و أمثالها أنسب و أوفق بسياق آيات السورة .


و قوله : « و تنذر به قوما لدا» المراد قومه ، (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و اللد جمع ألد من اللدد و هو الخصومة .


قوله تعالى : « و كم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا» الإحساس هو الإدراك بالحس ، و الركز هو الصوت ، قيل : و الأصل في معناه الحس ، و محصل المعنى أنهم و إن كانوا خصماء مجادلين لكنهم غير معجزي الله بخصامهم فكم أهلكنا قبلهم من قرن فبادوا فلا يحس منهم أحد و لا يسمع لهم صوت .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :