امروز:
سه شنبه 25 مهر 1396
بازدید :
711
تفسيرالميزان : سوره طه آيات 48- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :118


20 سورة طه مكية و هي مائة و خمس و ثلاثون آية 135


سورة طه‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ طه‏(1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْءَانَ لِتَشقَى‏(2) إِلا تَذْكرَةً لِّمَن يخْشى‏(3) تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْض وَ السمَوَتِ الْعُلى‏(4) الرَّحْمَنُ عَلى الْعَرْشِ استَوَى‏(5) لَهُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ مَا بَيْنهُمَا وَ مَا تحْت الثرَى‏(6) وَ إِن تجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السرَّ وَ أَخْفَى‏(7) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَلَهُ الأَسمَاءُ الحُْسنى‏(8)


بيان


غرض السورة التذكرة من طريق الإنذار تغلب فيها آيات الإنذار و التخويف على آيات التبشير غلبة واضحة ، فقد اشتملت على قصص تختتم بهلاك الطاغين و المكذبين لآيات الله و تضمنت حججا بينة تلزم العقول على توحيده تعالى و الإجابة لدعوة الحق و تنتهي إلى بيان ما سيستقبل الإنسان من أهوال الساعة و مواقف القيامة و سوء حال المجرمين و خسران الظالمين .


و قد افتتحت الآيات - على ما يلوح من السياق - بما فيه نوع تسلية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏)


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :119


أن لا يتعب نفسه الشريفة في حمل الناس على دعوته التي يتضمنها القرآن فلم ينزل ليتكلف به بل هو تنزيل إلهي يذكر الناس بالله و آياته رجاء أن تستيقظ غريزة خشيتهم فيتذكروا فيؤمنوا به و يتقوا فليس عليه إلا التبليغ فحسب فإن خشوا و تذكرواو إلا غشيتهم غاشية عذاب الاستئصال أو ردوا إلى ربهم فأدركهم وبال ظلمهم و فسقهم و وفيت لهم أعمالهم من غير أن يكونوا معجزين لله سبحانه بطغيانهم و تكذيبهم .


و سياق آيات السورة يعطي أن تكون مكية و في بعض الآثار أن قوله : فاصبر على ما يقولون» الآية : - 130 مدنية و في بعضها الآخر أن قوله : « لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم» الآية : - 131 ، مدنية و لا دليل على شي‏ء من ذلك من ناحية اللفظ .


و من غرر الآيات في السورة قوله تعالى : « الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى» .


قوله تعالى : « طه ما أنزلناعليك القرآن لتشقى» طه حرفان من الحروف المقطعة افتتحت بهما السورة كسائر الحروف المقطعة التي افتتحت بها سورها نحو الم الر و نظائرهما و قد نقل عن جماعة من المفسرين في معنى الحرفين أمور ينبغي أن يجل البحث التفسيري عن إيرادها و الغور في أمثالها ، و سنلوح إليها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى .


و الشقاوة خلاف السعادة قال الراغب : و الشقاوة كالسعادة من حيث الإضافة فكما أن السعادة في الأصل ضربان : سعادة أخروية و سعادة دنيوية ثم السعادة الدنيوية ثلاثة أضرب : سعادة نفسية و بدنية و خارجية كذلك الشقاوة علىهذه الأضرب - إلى أن قال - قال بعضهم : قد يوضع الشقاء موضع التعب نحو شقيت في كذا ، و كل شقاوة تعب ، و ليس كل تعب شقاوة فالتعب أعم من الشقاوة .


انتهى ، فالمعنى ما أنزلنا القرآن لتتعب نفسك في سبيل تبليغه بالتكلف في حمل الناس عليه .


قوله تعالى : « إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض و السماوات العلى» التذكرة هي إيجاد الذكر فيمن نسي الشي‏ء و إذ كان الإنسان ينال حقائق الدين الكلية بفطرته كوجوده تعالى و توحده في وجوب وجوده و ألوهيته و ربوبيته و النبوة و المعاد و غير ذلك كانت أمورا مودعة في الفطرة غير أن إخلاد الإنسان إلى الأرض و إقباله إلى الدنيا و اشتغاله بما يهواه من زخارفها اشتغالا لا يدع في قلبه فراغا أنساه ما أودع


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :120


في فطرته و كان إلقاء هذه الحقائق إلفاتا لنفسه إليها و تذكرة له بها بعد نسيانها .


و من المعلوم أن ذلك إعراض و إنما سمي نسيانا بنوع من العناية و هو اشتراكهما في الأثر و هو عدم الاعتناء بشأنه فلا بد في دفع هذا النسيان الذي أوجبه اتباع الهوى و الانكباب على الدنيا من أمر ينتزع النفس انتزاعا و يدفعها إلى الإقبال إلى الحق دفعا و هو الخشية و الخوف من عاقبة الغفلة و وبال الاسترسال حتى تقع التذكرة موقعها و تنفع في اتباع الحق صاحبها .


و بما تقدم من البيان يظهر وجه تقييد التذكرة بقوله : « لمن يخشى» و أن المراد بمن يخشى من كان في طبعه ذلك بأن كان مستعدا لظهور الخشية في قلبه لو سمع كلمة الحق حتى إذا بلغت إليه التذكرة ظهرت في باطنه الخشية فآمن و اتقى .


و الاستثناء في قوله : « إلا تذكرة» استثناء منقطع - على ما قالوا - و المعنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب به نفسك و لكن ليكون مذكرا يتذكر به من من شأنه أن يخشى فيخشى فيؤمن بالله و يتقي .


فالسياق على رسله يستدعي كون « تذكرة» مصدرا بمعنى الفاعل و مفعولا له لقوله : « ما أنزلنا» كما يستدعي كون قوله : « تنزيلا» بمعنى اسم المفعول حالا من ضمير « تذكرة» الراجع إلى القرآن ، و المعنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب به نفسك و لكن لتذكر الخاشعين بكلام إلهي منزل من عنده .


و قوله : « تنزيلا ممن خلق الأرض و السماوات العلى» العلى جمع عليا مؤنث أعلى كفضلى و فضل ، و اختيار خلق الأرض و السماوات صلة للموصول و بيانا لإبهام المنزل لمناسبته معنى التنزيل الذي لا يتم إلا بعلو و سفل يكونان مبدأ و منتهى لهذا التسيير ، و قد خصصا بالذكر دون ما بينهما إذ لا غرض يتعلق بما بينهما و إنما الغرض بيان مبدإ التنزيل و منتهاه بخلاف قوله : له ما في السماوات و الأرض و ما بينهما» إذ الغرض بيان شمول الملك للجميع .


قوله تعالى : « الرحمن على العرش استوى» استئناف يذكر فيه مسألة توحيد الربوبية التي هي مخ الغرض من الدعوة و التذكرة و ذلك في أربع آيات « الرحمن - إلى قوله - له الأسماء الحسنى» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :121


و قد تقدم في قوله تعالى « ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار» : الأعراف : 54 ، أن الاستواء على العرش كناية عن الاحتواء على الملك و الأخذ بزمام تدبير الأمور و هو فيه تعالى - على ما يناسب ساحة كبريائه و قدسه - ظهور سلطنته على الكون و استقرار ملكه على الأشياء بتدبير أمورها و إصلاح شئونها .


فاستواؤه على العرش يستلزم إحاطة ملكه بكل شي‏ء و انبساط تدبيره على الأشياء سماويها و أرضيها جليلها و دقيقها خطيرها و يسيرها ، فهو تعالى رب كل شي‏ء المتوحد بالربوبية إذ لا نعني بالرب إلا المالك للشي‏ء المدبر لأمره ، و لذلك عقب حديث الاستواء على العرش بحديث ملكه لكل شي‏ء و علمه بكل شي‏ء و ذلك في معنى التعليل و الاحتجاج على الاستواء المذكور .


و معلوم أن « الرحمن» و هو مبالغة من الرحمة التي هي الإفاضة بالإيجاد و التدبير و هو يفيد الكثرة أنسب بالنسبة إلى الاستواء من سائر الأسماء و الصفات و لذلك اختص من بينها بالذكر .


و قد ظهر بما تقدم أن « الرحمن» مبتدأ خبره « استوى» و « على العرش» متعلق بقوله « استوى» و المراد بيان الاستواء على العرش و هذا هو المستفاد أيضا من سائر الآيات فقد تكرر فيها حديث الاستواء على العرش كقوله : « ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار :» الأعراف : 54 ، و قوله : « ثم استوى على العرش يدبر الأمر :» يونس : 3 ، وقوله : « ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي :» الم السجدة : 4 ، و قوله : « ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض» : الحديد : 4 ، إلى غير ذلك .


و بذلك يتبين فساد ما نسب إلى بعضهم أن قوله « الرحمن على العرش» مبتدأ و خبر ثم قوله « استوى» فعل فاعله « ما في السماوات» و قوله « له» متعلق بقوله : « استوى» و المراد باستواء كل شي‏ء له تعالى جريها على ما يوافق إرادته و انقيادها لأمره .


و قد أشبعنا الكلام في معنى العرش في ذيل الآية 54 من سورة الأعراف في الجزء الثامن من الكتاب ، و سيأتي بعض ما يختص بالمقام في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى .


قوله تعالى : « له ما في السماوات و ما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى»


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :122


الثرى على ما قيل : هو التراب الرطب أو مطلق التراب ، فالمراد بما تحت الثرى ما في جوف الأرض دون التراب و يبقى حينئذ لما في الأرض ما على بسيطها من أجزائها و ما يعيش فيها مما نعلمه و نحس به كالإنسان و أصناف الحيوان و النبات و ما لا نعلمه و لا نحس به .


و إذا عم الملك ما في السماوات و الأرض و من ذلك أجزاؤهما عم نفس السماوات و الأرض فليس الشي‏ء إلا نفس أجزائه .


و قد بين في هذه الآية أحد ركني الربوبية و هو الملك ، فإن معنى الربوبية كما تقدم آنفا هو الملك و التدبير .


قوله تعالى : « و إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر و أخفى» الجهر بالقول : رفع الصوت به ، و الإسرار خلافه ، قال تعالى : « و أسروا قولكم أو اجهروا به :» الملك : 13 ، و السر هو الحديث المكتوم في النفس ، و قوله : « و أخفى» أفعل التفضيل من الخفاء على ما يعطيه سياق الترقي في الآية و لا يصغى إلى قول من قال : إن « أخفى» فعل ماض فاعله ضمير راجع إليه تعالى ، و المعنى : أنه يعلم السر و أخفى علمه .


هذا .


و في تنكير « أخفى» تأكيد للخفاء .


و ذكر الجهر بالقول في الآية أولا ثم إثبات العلم بما هو أدق منه و هو السر و الترقي إلى أخفى يدل على أن المراد إثبات العلم بالجميع ، و المعنى : و إن تجهر بقولك و أعلنت ما تريده - و كأن المراد بالقول ما في الضمير من حيث إن ظهوره إنما هو بالقول غالبا - أو أسررته في نفسك و كتمته أو كان أخفى من ذلك بأن كان خفيا حتى عليك نفسك فإن الله يعلمه .


فالأصل ترديد القول بين المجهور به و السر و أخفى و إثبات العلم بالجميع ثم وضع إثبات العلم بالسر و أخفى موضع الترديد الثاني و الجواب إيجازا .


فدل على الجواب في شقي الترديد معا و على معنى الأولوية بأوجز بيان كأنه قيل : و إن تسأل عن علمه بما تجهر به من قولك فهو يعلمه و كيف لا يعلمه ؟ و هو يعلم السر و أخفى منه فهو في الكلام من لطيف الصنعة .


و ذكر بعضهم أن المراد بالسر ما أسررته من القول إلى غيرك و لم ترفع صوتك


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :123


به ، و المراد بأخفى منه ما أخطرته ببالك هذا و الذي ذكره حق في الإسرار لكن القول لا يسمى سرا إلا من جهة كتمانه في النفس فالمعول على ما قدمناه من المعنى .


و كيف كان فالآية تثبت علمه تعالى بكل شي‏ء ظاهر أو خفي فهي في ذكر العلم عقيب الاستواء على العرش نظيرة قوله تعالى : « ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض و ما يخرج منها» الآية : الحديد : 4 ، و معلوم أن علمه تعالى بما يجري في ملكه و يحدث في مستقر سلطانه من الحوادث يستلزم رضاه بذلك و إذنه و بنظر آخر مشيئته لهذا النظام الجاري و هذا هو التدبير .


فالآية تثبت عموم التدبير كما أن الآية السابقة كانت تثبت عموم الملك و مجموع مدلوليهما هو الملك و التدبير و ذلك معنى الربوبية المطلقة فالآيتان في مقام التعليل تثبت بهما ربوبيته تعالى المطلقة .


قوله تعالى : « الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى» بمنزلة النتيجة لما تقدم من الآيات و لذلك كان الأنسب أن يكون اسم الجلالة خبرا لمبتدإ محذوف و التقدير هذا المذكور في الآيات السابقة هو الله لا إله إلا هو ... إلخ ، و إن كان الأقرب بالنظر إلى استقلال الآية و جامعيتها في مضمونها أن يكون اسم الجلالة مبتدأ و قوله : « لا إله إلا هو» خبره ، و قوله : « له الأسماء الحسنى» خبرا بعد خبر .


و كيف كان فقوله : « الله لا إله إلا هو» يمكن أن يعلل بما ثبت في الآيات السابقة من توحده تعالى بالربوبية المطلقة و يمكن أن يعلل بقوله بعده : « له الأسماء الحسنى» .


أما الأول فلأن معنى الإله في كلمة التهليل إما المعبود و إما المعبود بالحق فمعنى الكلام الله لا معبود حق غيره أو لا معبود بالحق موجود غيره و المعبودية من شئون الربوبية و لواحقها فإن العبادة نوع تمثيل و ترسيم للعبودية و المملوكية و إظهار للحاجة إليه فمن الواجب أن يكون المعبود مالكا لعابده مدبرا أمره أي ربا له و إذ كان تعالى رب كل شي‏ء لا رب سواه فهو المعبود لا معبود سواه .


و أما الثاني فلأن العبادة لأحد ثلاث خصال إما رجاء لما عند المعبود من الخير فيعبد طمعا في الخير الذي عنده لينال بذلك ، و إما خوفا مما في الإعراض عنه و عدم الاعتناء بأمره من الشر و إما لأنه أهل للعبادة و الخضوع .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :124


و الله سبحانه هو المالك لكل خير لا يملك شي‏ء شيئا من الخير إلا ما ملكه هو إياه و هو المالك مع ذلك لما ملكه و القادر على ما عليه أقدره و هو المنعم المفضل المحيي الشافي الرازق الغفور الرحيم الغني العزيز و له كل اسم فيه معنى الخير فهو سبحانه المستحق للعبادة رجاء لما عنده من الخير دون غيره .


و الله سبحانه هو العزيز القاهر الذي لا يقوم لقهره شي‏ء و هو المنتقم ذو البطش شديد العقاب لا شر لأحد عند أحد إلا بإذنه فهو المستحق لأن يعبد خوفا من غضبه لو لم يخضع لعظمته و كبريائه .


و الله سبحانه هو الأهل للعبادة وحده لأن أهلية الشي‏ء لأن يخضع له لنفسه ليس إلا لكمال فالكمال وحده هو الذي يخضع عنده النقص الملازم للخضوع و هو إما جمال تنجذب إليه النفس انجذابا أو جلال يخر عنده اللب و يذهب دونه القلب و له سبحانه كل الجمال و ما من جمال إلا و هو آية لجماله ، و له سبحانه كل الجلال و كل ما دونه آيته .


فالله سبحانه لا إله إلا هو و لا معبود سواه لأنه له الأسماء الحسنى .


و معنى ذلك أن كل اسم هو أحسن الأسماء التي هي نظائره له تعالى ، توضيح ذلك أن توصيف الاسم بالحسن يدل على أن المراد به ما يسمى في اصطلاح الصرف صفة كاسم الفاعل و الصفة المشبهة دون الاسم بمعنى علم الذات لأن الأعلم إنما شأنها الإشارة إلى الذوات و الاتصاف بالحسن أو القبح من شأن الصفات باشتمالها على المعاني كالعادل و الظالم و العالم و الجاهل ، فالمراد بالأسماء الحسنى الألفاظ الدالة على المعاني الوصفية الجميلة البالغة في الجمال كالحي و العليم و القدير ، و كثيرا ما يطلق التسمية على التوصيف ، قال تعالى : « قل سموهم» أي صفوهم .


و يدل على ذلك أيضا قوله تعالى : « و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها و ذروا الذين يلحدون في أسمائه» : الأعراف : 180 ، أي يميلون من الحق إلى الباطل فيطلقون عليه من الأسماء ما لا يليق بساحة قدسه .


فالمراد بالأسماء الحسنى ما دل على معان وصفية كالإله و الحي و العليم و القدير دون اسم الجلالة الذي هو علم الذات ، ثم الأسماء تنقسم إلى قبيحة كالظالم و الجائر و الجاهل ، و إلى حسنة كالعادل و العالم ، و الأسماء الحسنة تنقسم إلى ما فيه كمال ما و إن


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :125


كان غير خال عن شوب النقص و الإمكان نحو صبيح المنظر و معتدل القامة و جعد الشعر و ما فيه الكمال من غير شوب كالحي و العليم و القدير بتجريد معانيها عن شوب المادة و التركيب و هي أحسن الأسماء لبراءتها عن النقص و العيب و هي التي تليق أن تجري عليه تعالى و يتصف بها .


و لا يختص ذلك منها باسم دون اسم بل كل اسم أحسن فله تعالى لمكان الجمع المحلى باللام المفيد للاستغراق في قوله تعالى : « له الأسماء الحسنى» و تقديم الخبر يفيد الحصر فجميعها له وحده .


و معنى كونها له تعالى أنه تعالى يملكها لذاته و الذي يوجد منها في غيره فهو بتمليك منه تعالى على حسب ما يريد كما يدل عليه سوق الآيات الآتية سوق الحصر كقوله : « هو الحي لا إله إلا هو» : المؤمن : 65 ، و قوله : « و هو العليم القدير» : الروم : 54 و قوله : هو السميع البصير» : المؤمن : 56 ، و قوله : « إن القوة لله جميعا» : البقرة : 165 ، و قوله : « فإن العزة لله جميعا» : النساء : 139 ، و قوله : « و لا يحيطون بشي‏ء من علمه إلا بما شاء» : البقرة : 255 ، إلى غير ذلك .


و لا محذور في تعميم ملكه بالنسبة إلى جميع أسمائه و صفاته حتى ما كان منها عين ذاته كالحي و العليم و القدير و كالحياة و العلم و القدرة فإن الشي‏ء ربما ينسب إلى نفسه بالملك كما في قوله تعالى : « رب إني لا أملك إلا نفسي» : المائدة : 25 .


بحث روائي


في المجمع ، : « في قوله ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» و روي أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يرفع إحدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه فأنزل الله تعالى : « طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن عبد بن حميد و ابن المنذر عن الربيع بن أنس و أيضا عن ابن مردويه عن ابن عباس .


و في تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏)


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :126


قالا : كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذا صلى قام على أصابع رجليه حتى تورم فأنزل الله تبارك و تعالى : طه بلغة طي يا محمد ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى - إلا تذكرة لمن يخشى» .


أقول : و روى ما في معناه في الكافي ، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) و في الاحتجاج عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي (عليه‏السلام‏) ، و روى هذا المعنى أيضا في الدر المنثور ، عن ابن المنذر و ابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن علي قال : لما نزل على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا» قام الليل كله حتى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا و يضع رجلا فهبط عليه جبريل فقال : « طه» يعني الأرض بقدميك يا محمد « ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» و أنزل « فاقرءوا ما تيسر من القرآن» .


أقول : و المظنون المطابق للاعتبار أن تكون هذه الرواية هي الأصل في القصة بأن يكون النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قام على قدميه في الصلاة حتى تورمت قدماه ثم جعل يرفع قدما و يضع أخرى أو قام على صدور قدميه أو أطراف أصابعه فذكر في كل من الروايات بعض القصة سببا للنزول و إن كان لفظ بعض الروايات لا يساعد على ذلك كل المساعدة .


نعم يبقى على الرواية أمران : أحدهما : أن في انطباق الآيات بما لها من السياق على القصة خفاء .


و ثانيهما : ما في الرواية من قوله : « فقال طه يعني الأرض بقدميك يا محمد» و نظيره ما مر في رواية القمي « فأنزل الله : طه بلغة طي يا محمد ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» و معناه أن طه جملة كلامية مركبة من فعل أمر من وطأ يطأ و مفعوله ضمير تأنيث راجع إلى الأرض ، أي طإ الأرض و ضع قدميك عليها و لا ترفع إحداهما و تضع الأخرى .


فيرد عليه حينئذ أن هذا الذيل لا ينطبق على صدر الرواية فإن مفاد الصدر أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يرفع رجلا و يضع أخرى في الصلاة إثر تورم قدميه يتوخى به أن يسكن وجع قدمه التي كان يرفعها فيستريح هنيئة و يشتغل بربه من غير شاغل يشغله و على


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :127


هذا فرفع الكلفة و التعب عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على ما يناسب الحال إنما هو بأن يؤمر بتقليل الصلاة أو بتخفيف القيام لا بوضع القدمين على الأرض حتى يزيد ذلك في تعبه و يشدد وجعه فلا يلائم قوله « طه» قوله : « ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» و لعل قوله : « يعني الأرض بقدميك» من كلام الراوي و النقل بالمعنى .


على أنه مغاير للقراءات المأثورة البانية على كون « طه» حرفين مقطعتين لا معنى وضعي لهما كسائر الحروف المقطعة التي صدرت بها عدة من السور القرآنية .


و ذكر قوم منهم أن معنى « طه» يا رجل ثم قال بعضهم : إنه لغة نبطية و قيل : حبشية ، و قيل : عبرانية ، و قيل : سريانية ، و قيل : لغة عكل ، و قيل : لغة عك ، و قيل : هو لغة قريش ، و احتمل الزمخشري أن يكون لغة عك و أصله يا هذا قلبت الياء طاء و حذفت ذا تخفيفا فصارت طاها ، و قيل : معناه يا فلان ، و قرأ قوم طه بفتح الطاء و سكون الهاء كأنه أمر من وطأ يطأ و الهاء للسكت و قيل : إنه من أسماء الله و لا عبرة بشي‏ء من هذه الأقوال و لا جدوى في إمعان البحث عنها .


نعم ورد عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) كما في روح المعاني ، و عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) كما عن معاني الأخبار ، بإسناده عن الثوري : أن طه اسم من أسماء النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كما ورد في روايات أخرى : أن يس من أسمائه و روى الاسمين معا في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن سيف عن أبي جعفر .


و إذ كانت تسمية سماوية ما كان (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يدعى و لا يعرف به قبل نزول القرآن و لا أن لطه معنى وصفيا في اللغة و لا معنى لتسميته بعلم ارتجالي لا معنى له إلا الذات مع وجود اسمه و اشتهاره به و كان الحق في الحروف المقطعة في فواتح السور أنها تحمل معاني رمزية ألقاها الله إلى رسوله ، و كانت سورة طه مبتدئة بخطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « طه ما أنزلنا عليك» إلخ كما أن سورة يس كذلك « يس و القرآن الحكيم إنك لمن المرسلين» بخلاف سائر السور المفتتحة بالحروف المقطعة وظاهر ذلك أن يكون المعنى المرموز إليه بمقطعات فاتحتي هاتين السورتين أمرا راجعا إلى شخصه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) متحققا به بعينه فكان وصفا لشخصيته الباطنة مختصا به فكان اسما من أسمائه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فإذا أطلق عليه و قيل : طه أو يس كان المعنى من خوطب بطه أو يس ثم صار علما بكثرة الاستعمال .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :128


هذا ما تيسر لنا من توجيه الرواية فيكون بابه باب التسمي بمثل تأبط شرا و من قبيل قوله : أنا ابن جلا و طلاع الثنايا .


إذا أضع العمامة تعرفوني .


يريد أنا ابن من كثر فيه قول الناس : جلا جلا حتى سمي جلا .


و في احتجاج الطبرسي ، عن الحسن بن راشد قال : سئل أبو الحسن موسى (عليه‏السلام‏) عن قول الله : « الرحمن على العرش استوى» فقال : استولى على ما دق و جل .


و في التوحيد ، بإسناده إلى محمد بن مازن : أن أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) سئل عن قول الله عز و جل : « الرحمن على العرش استوى» فقال : استوى من كل شي‏ء فليس شي‏ء أقرب إليه من شي‏ء : . أقول : و رواه القمي أيضا في تفسيره ، عنه (عليه‏السلام‏) و رواه أيضا في التوحيد ، بإسناده عن مقاتل بن سليمان عنه (عليه‏السلام‏) : ورواه أيضا في الكافي ، و التوحيد ، بالإسناد عن عبد الرحمن بن الحجاج عنه (عليه‏السلام‏) : و زادا « لم يبعد منه بعيد و لم يقرب منه قريب استوى من كل شي‏ء» .


و في الاحتجاج ، عن علي (عليه‏السلام‏) : في حديث « الرحمن على العرش استوى» يعني استوى تدبيره و علا أمره .


أقول : ما ورد من التفسير في هذه الروايات الثلاث تفسير لمجموع الآية لا لقوله « استوى» و إلا عاد قوله : « الرحمن على العرش» جملة تامة مركبة من مبتدإ و خبر و لا يساعد عليه سياق سائر آيات الاستواء كما تقدمت الإشارة إليه .


و يؤيد ذلك ما في الرواية الأخيرة من قوله : « و علا أمره» بعد قوله : « استوى تدبيره» فإنه ظاهر في أن الكون على العرش مقصود في التفسير فالروايات مبنية على كون الآية كناية عن الاستيلاء و انبساط السلطان .


و في التوحيد ، بإسناده عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : من زعم أن الله من شي‏ء أو في شي‏ء أو على شي‏ء فقد أشرك . ثم قال : من زعم أن الله من شي‏ء فقد جعله محدثا ، و من زعم أنه في شي‏ء فقد زعم أنه محصور ، و من زعم أنه على شي‏ء فقد جعله محمولا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :129


و فيه ، عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) في حديث طويل و فيه : قال السائل : فقوله : « الرحمن على العرش استوى» ؟ قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : بذلك وصف نفسه ، و كذلك هو مستول على العرش بائن من خلقه من غير أن يكون العرش حاملا له ، و لا أن يكون العرش حاويا له و لا أن يكون العرش ممتازا له و لكنا نقول هو حامل العرش و ممسك العرش ، و نقول من ذلك ما قال : « وسع كرسيه السماوات و الأرض» . فثبتنا من العرش و الكرسي ما ثبته و نفينا أن يكون العرش أو الكرسي حاويا و أن يكون عز و جل محتاجا إلى مكان أو إلى شي‏ء مما خلق بل خلقه محتاجون إليه .


أقول : و قوله (عليه‏السلام‏) : فثبتنا من العرش و الكرسي ما ثبته إلخ ، إشارة إلى طريقة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) في تفسير الآيات المتشابهة من القرآن مما يرجع إلى أسمائه و صفاته و أفعاله و آياته الخارجة عن الحس و ذلك بإرجاعها إلى المحكمات و نفي ما تنفيه المحكمات عن ساحته تعالى و إثبات ما ثبت بالآية و هو أصل المعنى المجرد عن شائبة النقص و الإمكان التي نفاها المحكمات .


فالعرش هو المقام الذي يبتدى‏ء منه و ينتهي إليه أزمة الأوامر و الأحكام الصادرة من الملك و هو سرير مقبب مرتفع ذو قوائم معمول من خشب أو فلز يجلس عليه الملك ثم إن المحكمات من الآيات كقوله تعالى : « ليس كمثله شي‏ء» : الشورى : 11 ، و قوله : « سبحان الله عما يصفون» : الصافات - 159 ، تدل على انتفاء الجسم و خواصه عنه تعالى فينفي من العرش الذي وصفه لنفسه في قوله : « الرحمن على العرش استوى» : طه : 5 ، و قوله : « و رب العرش العظيم» : المؤمنون : 86 ، كونه سريرا من مادة كذا على هيئة خاصة و يبقى أصل المعنى و هو أنه المقام الذي يصدر عنه الأحكام الجارية في النظام الكوني و هو من مراتب العلم الخارج من الذات .


و المقياس في معرفة ما عبرنا عنه بأصل المعنى أنهالمعنى الذي يبقى ببقائه الاسم و بعبارة أخرى يدور مداره صدق الاسم و إن تغيرت المصاديق و اختلفت الخصوصيات .


مثال ذلك أن السراج ظهر أول يوم و هو آلة الاستضاءة في ظلمة الليل و مصداقه يومئذ إناء يجعل فيه فتيلة على مادة دسمة و يشتعل رأسها فتشعل بما تجذب من الدسومة


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :130


و تضي‏ء ما حولها مثلا ، ثم انتقل الاسم إلى مثل الشموع و المصابيح النفطية و لم يزل ينتقل من مصداق إلى مصداق حتى استقر اليوم في السراج الكهربائي الذي ليس معه من مادة المصداق الأولي و لا هيئته شي‏ء أصلا غير أنه آلة الاستضاءة في الظلمة و بذلك يسمى سراجا حقيقة .


و نظيره السلاح الذي كان أول ما ظهر اسما لمثل الفأس من النحاس أو المجن مثلا و هو اليوم يطلق حقيقة على مثل المدفع و القنبلة الذرية و قد سرى هذا النوع من التحول و التطور إلى كثير من وسائل الحياة و الأعمال التي يعتورها الإنسان في عيشته .


و بالجملة كانت الصحابة لا يتكلمون في غير الأحكام من معارف الدين مما يرجع إلى أسمائه و صفاته و أفعاله و غيرها غير أنهم ينفون عنه لوازم التشبيه بما ورد من آيات التنزيه و يسكتون عن المعنى الإثباتي الذي يبقى بعد النفي فيقولون مثلا في مثل قوله : « الرحمن على العرش استوى» إن الاستواء بمعنى استقرار الجسم في مكان بالاعتماد عليه منفي عنه تعالى و أما أن المراد بالاستواء ما هو ؟ فالله أعلم بمراده ، و الأمر مفوض إليه و قد ادعي إجماعهم على ذلك ، بل قال بعضهم : إن أهل القرون الثلاثة الأول من الهجرة مجمعون على التفويض ، و هو نفي لوازم التشبيه و السكوت عن البحث في أصل المراد .


لكنه مدفوع بأن طريقة أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) المأثورة منهم هي الإثبات و النفي معا و الإمعان في البحث عن حقائق الدين دون النفي المجرد عن الإثبات و الدليل على ذلك ما حفظ عنهم من الأحاديث الجمة التي لا يسع إنكارها إلا لمكابر .


بل الذي روي عن أم سلمة رضي الله عنها : في معنى الاستواء أنها قالت : « الاستواء غير مجهول و الكيف غير معقول و الإقرار به إيمان و الجحود به كفر» يدل على أنها كانت ترى هذا الرأي و لو كانت ترى ما نسب إلى الصحابة لقالت : الاستواء مجهول و الكيف غير معقول ، إلخ .


نعم الأكثرون من الصحابة و التابعين و تابعيهم من السلف على هذه الطريقة و قد


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :131


نسبه الغزالي إلى الأئمة الأربعة : أبي حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد ، و إلى البخاري و الترمذي و أبي داود السجستاني من أرباب الصحاح و إلى عدة من أعيان السلف .


و كان الذي دعاهم إلى السكوت عن الإثبات - كما ذكره جمع - هو أن الثابت بعد المنفي خلاف ظاهر اللفظ فيكون من التأويل الذي حرم الله ابتغاءه في قوله : « و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلا الله» : آل عمران : 7 ، بناء على الوقف على « إلا الله» بل تعدى بعضهم إلى مطلق التفسير فمنعه قائلا - كما نقله الآلوسي - أن كل من فسر فقد أول و من لم يفسر لم يؤول لأن التأويل هو التفسير .


و قد تقدم في ذيل آية المحكم و المتشابهمن سورة آل عمران بيان أن التأويل الذي يذكره و يذمه غير المعنى المخالف لظاهر اللفظ و أن رد المتشابه إلى المحكم و بيانه به ليس من التأويل في شي‏ء و كذا أن التأويل غير التفسير .


ثم إن هؤلاء القوم على احتياطهم في البيانات الدينية الراجعة إلى أسمائه و صفاته تعالى و اقتصارهم على النفي من غير إثبات لم يسلكوا هذا المسلك فيما ورد في الكتاب و السنة من وصف أفعاله تعالى كالعرش و الكرسي و الحجب و القلم و اللوح و كتب الأعمال و أبواب السماء و غيرها بل حملوها على ما هو المعهود عندنا من مصاديق العرش و الكرسي و القلم و اللوح و غير ذلك مع أن الجميع ذو ملاك واحد و هو استلزام ما يجب تنزيهه تعالى عنه من الحاجة و الإمكان .


و ذلك أن الذي أوجد أمثال العرش و الكرسي و اللوح و القلم عندنا معاشر البشر هو الحاجة فإنما اتخذنا الكرسي لنستريح عليه أو نتعزز به و اتخذنا العرش لنستريح عليه و نتعزز به و نظهر التفرد بالعزة و العظمة و نمثل به التعيين بالملك و السلطان و اتخذنا اللوح و القلم و الكتابة لمسيس الحاجة إلى حفظ ما غاب عن الحس و التحرز عن النسيان و نحو ذلك و على هذا النمط .


فأي فرق بين الآيات المتشابهة التي تثبت له تعالى السمع و البصر و اليد و الساق و الرضا و الأسف التي توهم التجسم المنتهي إلى الحاجة و الإمكان و بين الآيات التي تثبت له عرشا و كرسيا و ملأ و حملة لعرشه و لوحا و قلما و هي توهم الحاجة و الإمكان ؟ ثم أي فرق بين المحكم الذي يرفع التشابه في الطائفة الأولى و هو قوله : « ليس كمثله شي‏ء»


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :132


و بين المحكم الذي يرفع تشابه الطائفة الثانية و هو قوله : « و الله هو الغني» مثلا .


نعم ذكر الإمام الرازي اعتذارا عن ذلك أن لو فتحنا باب التأويل في هذه الأمور أدى ذلك إلى جواز تأويل جميع معارف الدين و أحكام الشرع و هو قول الباطنية .


و أنت خبير بأن تأويل الجميع حتى الأحكام التي تضمنتها الدعوة الدينية و أجراها بين الناس تعليم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تربيته دفع للضرورة و مكابرة مع البداهة و ليس من هذا القبيل ما قام الدليل على تشابهه و كانت هناك آية محكمة يمكن أن يرد إليها و يرتفع بها تشابهه فإبقاؤه على ظاهره سدا لباب التأويل في سائر المعارف المحكمة غير المتشابهة من قبيل إماتة حق لإماتة باطل و إن شئت فقل إماتة باطل بإحياء باطل آخر على أنك عرفت أن رد المتشابه إلى المحكم ليس من التأويل في شي‏ء .


و ألجأ الاضطرار بعض هؤلاء أن قالوا إن خلق هذا الجسم النوراني العظيم الذي يدهش العقول بعظمته على هيئة سرير ذي قوائم و حمله و وضعه فوق السماوات السبع من غير جالس يجلس عليه أو حاجة تدعو إليه و حفظه كذلك في أزمنة لا نهاية لها إنما هو من باب اللطف خلقه الله ليخبر به المؤمنين فيؤمنوا به بالغيب فيؤجروا و يثابوا في الآخرة ، و نظيره اللوح و القلم و سائر الآيات العظام الغائبة عن الحس .


و سقوط هذا القول غني عن البيان .


و بعد هذه الطائفة المسماة بالمفوضة الطبقة المسماة بالمؤولة و هم الذين يجمعون في تفسير المتشابهات من آيات الأسماء و الصفات بين الإثبات و النفي فينزهونه عن لوازم الحاجة و الإمكان بتأويلها - بمعنى الحمل على خلاف الظاهر - إلى معان توافق الأصول المسلمة من الدين أو المذهب ، و هؤلاء منشعبون على شعب : منهم من اكتفى في الإثبات بعين ما نفاه بالدليل و هم الذين يفسرون الأسماء و الصفات بنفي النقائص ، فمعنى العلم عندهم عدم الجهل و معنى العالم من ليس بجاهل و على هذا السبيل .


و لازمه تعطيل الذات المتعالية عن صفات الكمال و البراهين العقلية و ظواهر الكتاب و السنة و نصوصهما تدفعه ، و هو من أقوال الصابئة المتسربة في الإسلام .


و منهم من فسرها بمعان مخالفة لظواهرها من كل ما احتمله عقل أو نقل لا يخالف الأصول المسلمة و هو المسمى عندهم بالتأويل .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :133


و منهم من اكتفى بالمحتملات النقلية و لم يعتبر العقل .


و قد عرفت مما تقدم من أبحاثنا في المحكم و المتشابه أن تفسير الكتاب العزيز بغير الكتاب و السنة القطعية من التفسير بالرأي الممنوع في الكتاب و السنة .


و جل هؤلاء الطوائف الثلاث المسمين بالمؤولة يسلكون في أفعاله تعالى مما لا يرجع إلى الصفة مسلك السلف المسمين بالمفوضة في إبقائها على ظواهرها من المصاديق المعهودة عندنا ، و أما ما يرجع منها بنحو إلى الصفة فيؤولونه ، ففي قوله : « الرحمن على العرش استوى» يؤولون الاستواء إلى مثل الاستيلاء و الاستعلاء و يبقون العرش ، و هو فعل له تعالى غير راجع إلى الصفة على ظاهره المعهود و هو الجسم المخلوق على هيئة سرير مقبب ذي قوائم ، و فيما ورد من طرق الجماعة أن الله ينزل كل ليلة جمعة إلى السماء الدنيا يؤولون نزوله بنزول رحمته و يفسرون السماء الدنيا بفلك القمر ، و هكذا .


و قد عرفت فيما مر أن حمل الآية على خلاف ظاهرها لا مسوغ له و لا دليل يدل عليهفلم ينزل الكتاب إلغازا و تعمية ثم الحديث فيه المحكم و المتشابه كالقرآن و إبقاء المتشابه من القرآن على ظاهره بالاستناد إلى ظاهر مثله الوارد في الحديث هو في الحقيقة رد لمتشابه القرآن إلى متشابه الحديث و قد أمرنا برد متشابه القرآن إلى محكمه .


ثم إن في عملهم بهذه الروايات و تحكيمها على ظاهر الكتاب مغمضا آخر و ذلك أنها أخبار آحاد ليست بمتواترة و لا قطعية الصدور ، و ما هذا شأنه يحتاج في العمل بها حتى في صحاحها إلى حجية شرعية بالجعل أو الإمضاء ، و قد اتضح في علم الأصول اتضاحا يتلو البداهة أن لا معنى لحجية أخبارالآحاد في غير الأحكام كالمعارف الاعتقادية و الموضوعات الخارجية .


نعم الخبر المتواتر و المحفوف بالقرائن القطعية كالمسموع من المعصوم مشافهة حجة و إن كان في غير الأحكام لأن الدليل على العصمة بعينه دليل على صدقه و هذه كلها مسائل مفروغ عنها في محلها من شاء الوقوف فليراجع .


و في سنن أبي داود ، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال : أتى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أعرابي فقال : يا رسول الله جهدت الأنفس و نهكت الأموال أو هلكت فاستسق لنا فإنا نستشفع بك إلى الله تعالى و نستشفع بالله تعالىعليك . فقال


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :134


رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ويحك أ تدري ما تقول ؟ و سبح رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه . ثم قال : ويحك إنه لا يستشفع بالله تعالى على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك . ويحك أ تدري ما الله ؟ إن الله فوق عرشه و عرشه فوق سماواته لهكذا و قال بأصابعه مثل القبة ، و إنه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب .


أقول : و متنه لا يخلو من اختلال ، و إنما أوردناه لكونه من أصرح الأخبار في جسمية العرش ، و هناروايات تدل على أن له قوائم ، و أخرى تدل على أن له حملة أربع ، و أخرى تدل على أنه فوق السماوات بحذاء الكعبة ، و أخرى تدل على أن الكرسي عنده كحلقة ملقاة في ظهري فلاة السماوات و الأرض بالنسبة إلى الكرسي كذلك ، و قد تقدم طريقة أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) في تفسير أمثال هذه الأخبار و قد أوردنا في تفسير سورة الأعراف في الجزء الثامن من الكتاب ما يستفاد منه محصل نظرهم (عليهم‏السلام‏) .


و في معاني الأخبار ، بإسناده عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « يعلم السر و أخفى»قال : السر ما أكننته في نفسك و أخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته .


و في المجمع ، روي عن السيدين الباقر و الصادق (عليهماالسلام‏) : « السر» ما أخفيته في نفسك و « أخفى» ما خطر ببالك ثم أنسيته .


وَ هَلْ أَتَاك حَدِيث مُوسى‏(9) إِذْ رَءَا نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنى ءَانَست نَاراً لَّعَلى ءَاتِيكم مِّنهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلى النَّارِ هُدًى‏(10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِى يَمُوسى‏(11) إِنى أَنَا رَبُّك فَاخْلَعْ نَعْلَيْكإِنَّك بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طوًى‏(12) وَ أَنَا اخْترْتُك فَاستَمِعْ لِمَا يُوحَى‏(13) إِنَّنى أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنى وَ أَقِمِ الصلَوةَ لِذِكرِى‏(14) إِنَّ الساعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كلُّ نَفْسِ بِمَا تَسعَى‏(15) فَلا يَصدَّنَّك عَنهَا مَن لا يُؤْمِنُ بهَا وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ فَترْدَى‏(16) وَ مَا تِلْك بِيَمِينِك يَمُوسى‏(17) قَالَ هِىَ عَصاى أَتَوَكؤُا عَلَيهَا وَ أَهُش بهَا عَلى غَنَمِى وَ لىَ فِيهَا مَئَارِب أُخْرَى‏(18) قَالَ أَلْقِهَا يَمُوسى‏(19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسعَى‏(20) قَالَ خُذْهَا وَ لا تخَفسنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولى‏(21) وَ اضمُمْ يَدَك إِلى جَنَاحِك تخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيرِ سوءٍ ءَايَةً أُخْرَى‏(22) لِنرِيَك مِنْ ءَايَتِنَا الْكُبرَى‏(23) اذْهَب إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغَى‏(24) قَالَ رَب اشرَحْ لى صدْرِى‏(25) وَ يَسرْ لى أَمْرِى‏(26) وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسانى‏(27) يَفْقَهُوا قَوْلى‏(28) وَ اجْعَل لى وَزِيراً مِّنْ أَهْلى‏(29) هَرُونَ أَخِى‏(30) اشدُدْ بِهِ أَزْرِى‏(31) وَ أَشرِكْهُ فى أَمْرِى‏(32) كىْ نُسبِّحَك كَثِيراً(33) وَ نَذْكُرَك كَثِيراً(34) إِنَّك كُنت بِنَا بَصِيراً(35) قَالَ قَدْ أُوتِيت سؤْلَك يَمُوسى‏(36) وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْك مَرَّةً أُخْرَى‏(37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلى أُمِّك مَا يُوحَى‏(38) أَنِ اقْذِفِيهِ فى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فى الْيَمّ‏ِ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالساحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لى وَ عَدُوٌّ لَّهُوَ أَلْقَيْت عَلَيْك محَبَّةً مِّنى وَ لِتُصنَعَ عَلى عَيْنى‏(39) إِذْ تَمْشى أُخْتُك فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلى مَن يَكْفُلُهُفَرَجَعْنَك إِلى أُمِّك كىْ تَقَرَّ عَيْنهَا وَ لا تحْزَنَوَ قَتَلْت نَفْساً فَنَجَّيْنَك مِنَ الْغَمّ‏ِ وَ فَتَنَّك فُتُوناًفَلَبِثْت سِنِينَ فى أَهْلِ مَدْيَنَ ثمَّ جِئْت عَلى قَدَرٍ يَمُوسى‏(40) وَ اصطنَعْتُك لِنَفْسى‏(41) اذْهَب أَنت وَ أَخُوك بِئَايَتى وَ لا تَنِيَا فى ذِكْرِى‏(42) اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغَى‏(43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخْشى‏(44) قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نخَاف أَن يَفْرُط عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطغَى‏(45) قَالَ لا تخَافَاإِنَّنى مَعَكمَا أَسمَعُ وَ أَرَى‏(46) فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسولا رَبِّك فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنى إِسرءِيلَ وَ لا تُعَذِّبهُمْقَدْ جِئْنَك بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكوَ السلَمُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُْدَى‏(47) إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَاب عَلى مَن كَذَّب وَ تَوَلى‏(48)



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :135


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :136


بيان


شروع في قصة موسى (عليه‏السلام‏) و قد ذكرت في السورة فصول أربعة منها و هي : اختيار موسى للرسالة في جبل طور في وادي طوى و أمره بدعوة فرعون .


ثم دعوته بشركة من أخيه فرعون إلى التوحيد و إرسال بني إسرائيل معه و إقامته الحجة و إيتاؤه المعجزة .


ثم خروجه مع بني إسرائيل من مصر و تعقيب فرعون و غرقه و نجاة بني إسرائيل .


ثم عبادة بني إسرائيل العجل و ما انتهى إليه أمرهم و أمر السامري و عجله ، و قد تعرضت الآيات التي نقلناها للفصل الأول منها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :137


و وجه اتصال القصة بما قبلها أنها تذكرة بالتوحيد و وعيد بالعذاب فالقصة تبتدى‏ء بوحي التوحيد و تنتهي بقول موسى : « إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو» الآية و تذكر هلاك فرعون و طرد السامري و قد ابتدأت الآيات السابقة بأن القرآن المشتمل على الدعوة الحقة تذكرة لمن يخشى و انتهت إلى مثل قوله : « الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى» .


قوله تعالى : « و هل أتاك حديث موسى» الاستفهام للتقرير و الحديث ، القصة .


قوله تعالى : « إذ رءا نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا» إلى آخر الآية المكث اللبث ، و الإيناس إبصار الشي‏ء أو وجدانه و هو من الأنس خلاف النفور و لذا قيل : إنه إبصار شي‏ء يؤنس به فيكون إبصارا قويا ، و القبس بفتحتين هو الشعلة المقتبسة على رأس عود و نحوه و الهدى مصدر بمعنى اسم الفاعل أو مضاف إليه لمضاف مقدر أي ذا هداية ، و المراد - على أي حال - من قام به الهداية .


و سياق الآية و ما يتلوها يشهد أنه كان في منصرفه من مدين إلى مصر و معه أهله و هم بالقرب من وادي طوى في طور سيناء في ليلة شاتية مظلمة و قد ضلوا الطريق إذ رأى نارا فرأى أن يذهب إليها فإن وجد عندها أحدا سأله الطريق و إلا أخذ قبسا من النار ليضرموا به نارا فيصطلوا بها .


و في قوله : « قال لأهله امكثوا» إشعار بل دلالة على أنه كان مع أهله غيره كما أن في قوله : « إني آنست نارا» مع ما يشتمل عليه من التأكيد و التعبير بالإيناس دلالة على أنه إنما رآها هو وحده و ما كان يراها غيره من أهله و يؤيد ذلك قوله أيضا أولا : « إذ رءا نارا» ، و كذا قوله : « لعلي آتيكم» إلخ يدل على أن في الكلام حذفا و التقدير امكثوا لأذهب إليها لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هاديا نهتدي بهداه .


قوله تعالى : « فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك - إلى قوله - طوى» طوى اسم لواد بطور و هو الذي سماه الله سبحانه بالواد المقدس ، و هذه التسمية و التوصيف هي الدليل على أن أمره بخلع النعلين إنما هو لاحترام الوادي أن لا يداس بالنعل ثم تفريع خلع النعلين مع ذلك على قوله : « إني أنا ربك» يدل على أن تقديس الوادي إنما هو لكونه حظيرة لقرب و موطن الحضور و المناجاة فيئولمعنى الآية إلى مثل


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :138


قولنا نودي يا موسى ها أنا ذا ربك و أنت بمحضر مني و قد تقدس الوادي بذلك فالتزم شرط الأدب و اخلع نعليك .


و على هذا النحو يقدس ما يقدس من الأمكنة و الأزمنة كالكعبة المشرفة و المسجد الحرام و سائر المساجد و المشاهد المحترمة في الإسلام و الأعياد و الأيام المتبركة فإنما ذلك قدس و شرف اكتسبته بالانتساب إلى واقعة شريفة وقعت فيها أو نسك و عبادة مقدسة شرعت فيها و إلا فلا تفاضل بين أجزاء المكان و لا بين أجزاء الزمان .


و لما سمع موسى (عليه‏السلام‏) قوله تعالى : « يا موسى إني أنا ربك» فهم من ذلك فهم يقين أن الذي يكلمه هو ربه و الكلام كلامه و ذلك أنه كان وحيا منه تعالى و قد صرح تعالى بقوله : « و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء» : الشورى : 51 ، أن لا واسطة بينه تعالى و بين من يكلمه من حجاب أو رسول إذا كان تكليم وحي و إذ لم يكن هناك أي واسطة مفروضة لم يجد الموحى إليه مكلما لنفسه و لا توهمه إلا الله و لم يجد الكلام إلا كلامه و لو احتمل أن يكون المتكلم غيره أو الكلام كلام غيره لم يكن تكليما ليس بين الإنسان و بين ربه غيره .


و هذا حال النبي و الرسول في أول ما يوحى إليه بالنبوة و الرسالة لم يختلجه شك و لا اعترضه ريب في أن الذي يوحي إليه هو الله سبحانه من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر أو التماس دليل أو إقامة حجة و لو افتقر إلى شي‏ء من ذلك كان اكتسابا بواسطة القوة النظرية لا تلقيا من الغيب من غير توسط واسطة .


فإن قلت : قوله تعالى في القصة في موضع آخر من كلامه : « و ناديناه من جانب الطور الأيمن و قربناه نجيا» .


و قوله في موضع آخر : « من شاطى‏ء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة» يثبت الحجاب في تكليمه(عليه‏السلام‏) .


قلت : نعم لكن ثبوت الحجاب أو الرسول في مقام التكليم لا ينافي تحقق التكليم بالوحي فإن الوحي كسائر أفعاله تعالى لا يخلو من واسطة و إنما يدور الأمر مدار التفات المخاطب الذي يتلقى الكلام فإن التفت إلى الواسطة التي تحمل الكلام


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :139


و احتجب بها عنه تعالى كان الكلام رسالة أرسل إليه بملك مثلا و وحيا من الملك ، و إن التفت إليه تعالى كان وحيا منه و إن كان هناك واسطة لا يلتفت إليها ، و من الشاهد على ما ذكرنا قوله في الآية التالية خطابا لموسى : « فاستمع لما يوحى» فسماه وحيا ، و قد أثبت في سائر كلامه فيه الحجاب .


و بالجملة قوله : « إني أنا ربك فاخلع نعليك» إلخ ، تنبيه لموسى على أن الموقف موقف الحضور و مقام المشافهة و قد خلى به و خصه من نفسه بمزيد العناية ، و لذا قيل : إني أنا ربك ، و لم يقل : أنا الله أو أنا رب العالمين ، و لذا أيضا لم يلزم من قوله ثانيا : « إني أنا الله» تكرار ، لأن الأول تخلية للمقام من الأغيار لإلقاء الوحي ، و الثاني من الوحي .


و في قوله : « نودي» حيث طوي ذكر الفاعل و لم يقل : ناديناه أو ناداه الله من اللطف ما لا يقدر بقدر ، و فيه تلويح أن ظهور هذه الآية لموسى كان على سبيل المفاجاة .


قوله تعالى : « و أنا اخترتك فاستمع لما يوحى» الاختيار مأخوذ من الخير ، و حقيقته أن يتردد أمر الفاعل مثلا بين أفعال يجب أن يرجح واحدا منها ليفعله فيميز ما هو خيرها ثم يبني على كونه خيرا من غيره فيفعله ، فبناؤه على كونه خيرا من غيره هو اختيار فالاختيار دائما لغاية هو غرض الفاعل من فعله .


فاختياره تعالى لموسى إنما هو لغاية إلهية و هي إعطاء النبوة و الرسالة و يشهد بذلك قوله على سبيل التفريع على الاختيار « فاستمع لما يوحى» فقد تعلقت المشية الإلهية ببعث إنسان يتحمل النبوة و الرسالة و كان موسى في علمه تعالى خيرا من غيره و أصلح لهذا الغرض فاختاره (عليه‏السلام‏) .


و قوله : « و أنا اخترتك» على ما يعطيه السياق من قبيل إصدار الأمر بنبوته و رسالته فهو إنشاء لا إخبار ، و لو كان إخبارا لقيل : و قد اخترتك لكنه إنشاء الاختيار للنبوة و الرسالة بنفس هذه الكلمة ثم لما تحقق الاختيار بإنشائه فرع عليه الأمر بالاستماع للوحي المتضمن لنبوته و رسالته فقال : « فاستمع لما يوحى» و الاستماع لما يوحى الإصغاء إليه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :140


قوله تعالى : « إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني و أقم الصلاة لذكري » هذا هو الوحي الذي أمر (عليه‏السلام‏) بالاستماع له في إحدى عشرة آية تشتمل على النبوة و الرسالة معا أما النبوة ففي هذه الآية و الآيتين بعدها ، و أما الرسالة فتؤخذ من قوله « و ما تلك بيمينك يا موسى» و تنتهي في قوله : « اذهب إلى فرعون إنه طغى» و قد نص تعالى أنه كان رسولا نبيا معا في قوله : « و اذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا و كان رسولا نبيا» : مريم : 51 .


و قد ذكر في الآيات الثلاث المشتملة على النبوة الركنان معا و هما ركن الاعتقاد و ركن العمل ، و أصول الاعتقاد ثلاثة التوحيد و النبوة و المعاد و قد ذكر منها التوحيد و المعاد و طوي عن النبوة لأن الكلام مع النبي نفسه و أما ركن العمل فقد لخص على ما فيه من التفصيل في كلمة واحدة هي قوله : « فاعبدني» فتمت بذلك أصول الدين و فروعه في ثلاث آيات .


فقوله : « إنني أنا الله لا إله إلا أنا» عرف المسمى بالاسم بنفسه حيث قال : إنني أنا الله و لم يقل : إن الله هو أنا لأن مقتضى الحضور أن يعرف وصف الشي‏ء بذاته لا ذاته بوصفه كما قال إخوة يوسف لما عرفوه : « إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف و هذا أخي» و اسم الجلالة و إن كان علما للذات المتعالية لكنه يفيد معنى المسمى بالله إذ لا سبيل إلى الذات المقدسة فكأنه قيل : أنا الذي يسمى « الله» فالمتكلم حاضر مشهود و المسمى باسم « الله» كأنه مبهم أنه من هو ؟ فقيل أنا ذاك على أن اسم الجلالة علم بالغلبة لا يخلو من أصل وصفي .


و قوله : « لا إله إلا أنا فاعبدني» كلمة التوحيد مرتبة على قوله : « إنني أنا الله» لفظا لترتبها عليه حقيقة فإنه إذا كان هو الذي منه يبدأ كل شي‏ء و به يقوم و إليه يرجع فلا ينبغي أن يخضع خضوع العبادة إلا له فهو الإله المعبود بالحق لا إله غيره و لذا فرع على ذلك الأمر بعبادته حيث قال : « فاعبدني» .


و قوله : « و أقم الصلاة لذكري» خص الصلاة بالذكر - و هو من باب ذكر الخاص بعد العام اعتناء بشأنه - لأن الصلاة أفضل عمل يمثل به الخضوع العبودي و يتحقق بها ذكر الله سبحانه تحقق الروح بقالبه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :141


و على هذا المعنى فقوله : « لذكري» من إضافة المصدر إلى مفعوله و اللام للتعليل و هو متعلق بأقم محصله أن : حقق ذكرك لي بالصلاة ، كما يقال : كل لتشبع و اشرب لتروي و هذا هو المعنى السابق إلى الذهن من مثل هذا السياق .


و قد تكاثرت الأقوال في قوله : «لذكري» فقيل : إنه متعلق بأقم كما تقدم و قيل : بالصلاة ، و قيل : بقوله : « فاعبدني» ثم اللام قيل : للتعليل ، و قيل للتوقيت و المعنى أقم الصلاة عند ذكري أو عند ذكرها إذا نسيتها أو فاتت منك فهي كاللام في قوله : « أقم الصلوة لدلوك الشمس» : الإسراء : 78 .


ثم الذكر قيل : المراد به الذكر اللفظي الذي تشتمل عليه الصلاة ، و قيل الذكر القلبي الذي يقارنها و يتحقق بها أو يترتب عليها و يحصل بها حصول المسبب عن سببه أو الذكر الذي قبلها ، و قيل : المراد الأعم من القلبي و القالبي .


ثم الإضافة قيل : إنها من إضافة المصدر إلى مفعوله ، و قيل : من إضافة المصدر إلى فاعله و المراد صل لأن أذكرك بالثناء و الإثابة أو المراد صل لذكري إياها في الكتب السماوية و أمري بها .


و قيل : إنه يفيد قصر الإقامة في الذكر ، و المعنى : أقم الصلاة لغرض ذكري لا لغرض آخر غير ذكري كثواب ترجوه أو عقاب تخافه ، و قيل : لا قصر .


و قيل : إنه يفيد قصر المضاف في المضاف إليه ، و المراد : أقم الصلاة لذكري خاصة من غير أن ترائي بها أو تشوبها بذكر غيري ، و قيل : لا دلالة على ذلك من جهة اللفظ و إن كان حقا في نفسه .


و قيل : المراد بالذكر ذكر الصلاة أي أقمالصلاة عند تذكرها أو لأجل ذكرها و الكلام على تقدير مضاف و الأصل لذكر صلاتي أو على أن ذكر الصلاة سبب لذكر الله فأطلق المسبب و أريد به السبب إلى غير ذلك و الوجوه الحاصلة بين غث و سمين .


و الذي يسبق إلى الفهم هو ما قدمناه .


قوله تعالى : « إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى» تعليل لقوله في الآية السابقة : « فاعبدني» و لا يناقض ذلك كون « فاعبدني» متفرعا على


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :142


كلمة التوحيد المذكورة قبله لأن وجوب عبادته تعالى و إن كان بحسب نفسه متفرعا على توحده لكنهلا يؤثر أثرا لو لا ثبوت يوم يجزى فيه الإنسان بما عمله و يتميز فيه المحسن من المسي‏ء و المطيع من العاصي فيكون التشريع لغوا و الأمر و النهي سدى لا أثر لهما ، و لذلك كانت مقضية قضاء حتما و تكرر في كلامه تعالى نفي الريب عنها .


و قوله : « أكاد أخفيها» ظاهر إطلاق الإخفاء أن المراد يقرب أن أخفيها و أكتمها فلا أخبر عنها أصلا حتى يكون وقوعها أبلغ في المباغتة و أشد في المفاجاة و لا تأتي إلا فجأة كما قال تعالى : « لا تأتيكم إلا بغتة» : الأعراف : 187 ، أو يقرب أن لا أخبر بها حتى يتميز المخلصون من غيرهم فإن أكثر الناس إنما يعبدونه تعالى رجاء في ثوابه أو خوفا من عقابه جزاء للطاعة و المعصية ، و أصدق العمل ما كان لوجه الله لا طمعا في جنة أو خوفا من نار و لو أخفي و كتم يوم الجزاء تميز عند ذلك من يأتي بحقيقة العبادة من غيره .


و قيل : معنى أكاد أخفيها أقرب من أن أكتمها من نفسي و هو مبالغة في الكتمان إذا أراد أحدهم المبالغة في كتمان شي‏ء ، قال : كدت أخفيه من نفسي أي فكيف أظهره لغيري ؟ و عزي إلى الرواية .


و قوله : « لتجزى كل نفس بما تسعى» متعلق بقوله : « آتية» و المعنى واضح .


قوله تعالى : « فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها و اتبع هواه فتردى» الصد الصرف ، و الردى الهلاك ، و الضميران في « عنها» و « بها» للساعة ، و معنى الصد عن الساعة الصرف عن ذكرها بما لها من الشأن و هو أنها يوم تجزى فيه كل نفس بما تسعى ، و كذا معنى عدم الإيمان بها هو الكفر بها بما لها من الشأن .


و قوله : « و اتبع هواه» كعطف التفسير بالنسبة إلى قوله : « من لا يؤمن بها» أي إن عدم الإيمان بها مصداق اتباع الهوى و إذ كان مع ذلك صالحا للتعليل أفاد الكلام علية الهوى لعدم الإيمان بها ، و استفيد من ذلك بالالتزام أن الإيمان بالساعة هو الحق المخالف للهوى و المنجي من الردى .


فمحصل معنى الآية أنه إذا كانت الساعة آتية و الجزاء واقعا فلا يصرفنك عن الإيمان بها و ذكرها بما لها من الشأن الذين اتبعوا أهواءهم فصاروا يكفرون بها


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :143


و يعرضون عن عبادة ربهم فلا يصرفنك عنها حتى تنصرف فتهلك .


و لعل الإتيان في قوله : « و اتبع هواه» بصيغة الماضي مع كون المعطوف عليه بصيغة المضارع للتلويح إلى علية اتباع الهوى لعدم الإيمان .


قوله تعالى : « و ما تلك بيمينك يا موسى» شروع في وحي الرسالة و قد تم وحي النبوة في الآيات الثلاث الماضية و الاستفهام للتقرير ، سئل (عليه‏السلام‏) عما في يده اليمنى و كانت عصاه ، ليسميها و يذكر أوصافها فيتبين أنها جماد لا حياة له حتى يأخذ تبديلها حية تسعى مكانه في نفسه (عليه‏السلام‏) .


و الظاهر أن المشار إليه بقوله : « تلك» العودة أو الخشبة ، و لو لا ذلك لكان من حق الكلام أن يقال : و ما ذلك بجعل المشار إليه هو الشي‏ء لمكان التجاهل بكونها عصا و إلا لم يستقم الاستفهام كما في قوله : « فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر :» الأنعام : 78 .


و يمكن أن تكون الإشارة بتلك إلى العصا لكن لا بداعي الاطلاع على اسمها وحقيقتها حتى يلغو الاستفهام بل بداعي أن يذكر ما لها من الأوصاف و الخواص و يؤيده ما في كلام موسى (عليه‏السلام‏) من الإطناب بذكر نعوت العصا و خواصها فإنه لما سمع السؤال عما في يمينه و هي عصا لا يرتاب فيها فهم أن المطلوب ذكر أوصافها فأخذ يذكر اسمها ثم أوصافها و خواصها ، و هذه طريق معمولة فيما إذا سئل عن أمر واضح لا يتوقع الجهل به و من هذا الباب يوجه قوله تعالى : « القارعة ما القارعة و ما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث» : القارعة : 4 ، و قوله : « الحاقة ما الحاقة و ما أدراك ما الحاقة :» الحاقة : 3 .


قوله تعالى : « قال هي عصاي أتوكأ عليها و أهش بها على غنمي و لي فيها مآرب أخرى» العصا معروفة و هي من المؤنثات السماعية ، و التوكي و الاتكاء على العصا الاعتماد عليها ، و الهش هو خبط ورق الشجرة و ضربه بالعصا لتساقط على الغنم فيأكله ، و المآرب جمع مأربة مثلثة الراء و هي الحاجة ، و المراد بكون مآربه فيها تعلق حوائجه بها من حيث إنها وسيلة رفعها .


و معنى الآية ظاهر .


و إطنابه (عليه‏السلام‏) بالإطالة في ذكر أوصاف العصا و خواصها قيل : لأن المقام و هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :144


مقام المناجاة و المسارة مع المحبوب يقتضي ذلك لأن مكالمة المحبوب لذيذة و لذا ذكر أولا أنه عصاه ليرتب عليه منافعها العامة و هذه هي النكتة في ذكر أنها عصاه .


و قد قدمنا في ذيل الآية السابقة وجها آخر لهذا الاستفهام و جوابه و ليس الكلام عليه من باب الإطناب و خاصة بالنظر إلى جمعه سائر منافعها في قوله : « و لي فيها مآرب أخرى» .


قوله تعالى : « قال ألقها يا موسى - إلى قوله - سيرتها الأولى» السيرة الحالة و الطريقة و هي في الأصل بناء نوع من السير كجلسة لنوع من الجلوس .


أمر سبحانه موسى أن يلقي عصاه عن يمينه و هو قوله : « قال ألقها يا موسى» فلما ألقى العصا صارت حية تتحرك بجد و جلادة و ذلك أمر غير مترقب من جماد لا حياة له و هو قوله : « فألقاها فإذا هي حية تسعى» و قد عبر تعالى عن سعيها في موضع آخر من كلامه بقوله : « رآها تهتز كأنها جان» : القصص : 31 ، و عبر عن الحية أيضا في موضع آخر بقوله : « فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين» : الأعراف : 107 ، الشعراء : 32 و الثعبان : الحية العظيمة .


و قوله : « قال خذها و لا تخف سنعيدها سيرتها» أي حالتها « الأولى» و هي أنها عصا فيه دلالة على خوفه (عليه‏السلام‏) مما شاهده من حية ساعية و قد قصه تعالى في موضع آخر إذ قال : « فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا و لم يعقب يا موسى أقبل و لا تخف» : القصص : 31 ، و الخوف و هو الأخذ بمقدمات التحرز عن الشر غير الخشية التي هي تأثر القلب و اضطرابه فإن الخشية رذيلة تنافي فضيلة الشجاعة بخلاف الخوف و الأنبياء (عليهم‏السلام‏) يجوز عليهم الخوف دون الخشية كما قال الله تعالى : « الذين يبلغون رسالات الله و يخشونه و لا يخشون أحدا إلا الله» : الأحزاب : 39 .


قوله تعالى : « و اضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى» الضم الجمع ، و الجناح جناح الطائر و اليد و العضد و الإبط و لعل المراد به المعنى الأخير ليئول إلى قوله في موضع آخر : « أدخل يدك في جيبك» و السوء كل رداءة و قبح قيل : كني به في الآية عن البرص و المعنى أجمع يدك تحت إبطك أي أدخلها في جيبك تخرج بيضاء من غير برص أو حالة سيئة أخرى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :145


و قوله : « آية أخرى» حال من ضمير تخرج و فيه إشارة إلى أن صيرورة العصا حية آية أولى و اليد البيضاء آية أخرى و قال تعالى في ذلك : « فذانك برهانان من ربك إلى فرعون و ملإيه» : القصص : 32 .


قوله تعالى : « لنريك من آياتنا الكبرى» اللام للتعليل و الجملة متعلقة بمقدر كأنه قيل : أجرينا ما أجرينا على يدك لنريك بعض آياتنا الكبرى .


قوله تعالى : « اذهب إلى فرعون إنه طغى» هذا هو أمر الرسالة و كانت الآيات السابقة : « و ما تلك بيمينك» إلخ مقدمة له .


قوله تعالى : « قال رب اشرح لي صدري - إلى قوله - إنك كنت بنا بصيرا» الآيات - و هي إحدى عشرة آية - متن ما سأله موسى (عليه‏السلام‏) ربه حين سجل عليه حكم الرسالة و هي بظاهرها مربوطة بأمر رسالته لأنه أحوج ما يكون إليها في تبليغ الرسالة إلى فرعون و ملئه و إنجاء بني إسرائيل و إدارة أمورهم لا في أمر النبوة .


و يؤيد ذلك أنه لم يسأل بعد إتمام أمر النبوة في الآيات الثلاث السابقة بل إنما بادر إلى ذلك بعد ما ألقي إليه قوله : « اذهب إلى فرعون إنه طغى» و هو أمر الرسالة .


نعم الآيات الأربع الأول : « رب اشرح لي صدري» إلخ ، لا يخلو من ارتباط في الجملة بأمر النبوة و هي تلقي عقائد الدين و أحكامه العملية عن ساحة الربوبية .


فقوله : « رب اشرح لي صدري» و الشرح البسط و الجملة من الاستعارة التخييلية و الاستعارة بالكناية كأن صدر الإنسان و قد استكن فيه القلب وعاء يعي ما يرد عليه من طريق المشاهدة و الإدراك ثم يختزن فيه السر و إذا كان أمرا عظيما يشق على الإنسان أو هو فوق طاقته ضاق عنه الصدر فلم يسعه و احتاج إلى انشراح حتى يسعه .


و قد استعظم موسى ما سجل عليه ربه من أمر الرسالة و قد كان على علم بما عليه أمة القبط من الشوكة و القوة و على رأس هذه الأمة المتجبرة فرعون الطاغي الذي كان ينازع الله في ربوبيته و ينادي أنا ربكم الأعلى ، و كان يذكر ما عليه بنو إسرائيل من الضعف و الإسارة بين آل فرعون ثم الجهل و انحطاط الفكر ، و كان كأنه يرى ما ستجره إليه هذه الدعوة من الشدائد و المصائب و يشاهد ما سيعقبه تبليغ هذهالرسالة


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :146


من الفظائع و الفجائع و هو رجل قليل التحمل سريع الانقلاب في ذات الله ينكر الظلم و يأبى الضيم كما يشهد به قصة قتله القبطي و استقائه في ماء مدين و في لسانه - و هو السلاح الوحيد لمن أراد الدعوة و التبليغ - عقدة ربما منعته بيان ما يريد بيانه .


فلذلك سأل ربه حل هذه المشكلات فسأل أولا أن يوسع صدره لما يحمله ربه من أعباء الرسالة و لما ستستقبله من العظائم و الشدائد في مسيره في الدعوة فقال : « رب اشرح لي صدري .


ثم قال : « و يسر لي أمري» و هو الأمر الذي قلده من الرسالة و لم يسأله تعالى أن يخفف في رسالته و يتنزل بعض التنزل عما أمره به أولا فيقنع بما هو دونه فتصير رسالة يسيرة في نفسها بعد ما كانت خطيرة و إنما سأل أن يجعلها على ما بها من العسر و الخطر يسيرة بالنسبة إليه هينة عنده و الدليل على ذلك قوله : « و يسر لي» .


و وجه الدلالة أن قوله : « لي» و المقام هذا المقام يفيد الاختصاص فيؤدي ما هو معنى قولنا : و يسر لي ، و أنا الذي أوقفتني هذا الموقف و قلدتني ما قلدتني أمري الذي قلدتنيه و من المعلوم أن مقتضى هذا السؤال تيسير الأمر بالنسبة إليه لا تيسيره في نفسه ، و نظير الكلام يجري في قوله : « اشرح لي» فمعناه اشرح لي و أنا الذي أمرتني بالرسالة و قبالها شدائد و مكاره « صدري» حتى لا يضيق إذا ازدحمت علي و دهمتني ، و لو قيل : رب اشرح صدري و يسر أمري فاتت هذه النكتة .


و قوله : « و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي» سؤال له آخر يرجع إلى عقدة من لسانه و التنكير في « عقدة» للدلالة على النوعية فله وصف مقدر و هو الذي يلوح من قوله : « يفقهوا قولي» أي عقدة تمنع من فقه قولي .


و قوله : « و اجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي» سؤال له آخر و هو رابع الأسئلة و آخرها ، و الوزير فعيلمن الوزر بالكسر فالسكون بمعنى الحمل الثقيل سمي الوزير وزيرا لأنه يحمل ثقل حمل الملك ، و قيل : من الوزر بفتحتين بمعنى الجبل الذي يلتجأ إليه سمي به لأن الملك يلتجى‏ء إليه في آرائه و أحكامه .


و بالجملة هو يسأل ربه أن يجعل له وزيرا من أهله و يبينه أنه هارون أخي و إنما يسأل ذلك لأن الأمر كثير الجوانب متباعد الأطراف لا يسع موسى أن يقوم به وحده


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :147


بل يحتاج إلى وزير يشاركه في ذلك فيقوم ببعض الأمر فيخفف عنه فيما يقوم به هذا الوزير و يكون مؤيدا لموسى فيما يقوم به موسى و هذا معنى قوله - و هو بمنزلة التفسير لجعله وزيرا - « اشدد به أزرى و أشركه في أمري» .


فمعنى قوله : « و أشركه في أمري» سؤال إشراك في أمر كان يخصه و هو تبليغ ما بلغه من ربه بادي مرة فهو الذي يخصه و لا يشاركه فيه أحد سواه و لا له أن يستنيب فيه غيره و أما تبليغ الدين أو شي‏ء من أجزائه بعد بلوغه بتوسط النبي فليس مما يختص بالنبي بل هو وظيفة كل من آمن به ممن يعلم شيئا من الدين و على العالم أن يبلغ الجاهل و على الشاهد أن يبلغ الغائب و لا معنى لسؤال إشراك أخيه معه في أمر لا يخصه بل يعمه و أخاه و كل من آمن به من الإرشاد و التعليم و البيان و التبليغ فتبين أن معنى إشراكه في أمره أن يقوم بتبليغ بعض ما يوحى إليه من ربه عنه و سائر ما يختص به من عند الله كافتراض الطاعة و حجية الكلمة .


و أما الإشراك في النبوة خاصة بمعنى تلقي الوحي من الله سبحانه فلم يكن موسى يخاف على نفسه التفرد في ذلك حتى يسأل الشريك و إنما كان يخاف التفرد في التبليغ و إدارة الأمور في إنجاء بني إسرائيل و ما يلحق بذلك ، و قد نقل ذلك عن موسى نفسه في قوله : « و أخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني» : القصص : 34 .


على أنه صح من طرق الفريقين أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) دعا بهذا الدعاء بألفاظه في حق علي (عليه‏السلام‏) و لم يكن نبيا .


و قوله : « كي نسبحك كثيرا و نذكرك كثيرا» ظاهر السياق و قد ذكر في الغاية تسبيحهما معا و ذكرهما معا أن الجملة غاية لجعل هارون وزيرا له إذ لا تعلق لتسبيحهما معا و ذكرهما معا بمضامين الأدعية السابقة و هي شرح صدره و تيسير أمره و حل عقدة من لسانه و يترتب على ذلك أن المراد بالتسبيح و الذكر تنزيههما معا لله سبحانه و ذكرهما له بين الناس علنا لا في حال خلوتهما أو في قلبيهما سرا إذ لا تعلق لذلك أيضا بجعله وزيرا بل المراد أن يسبحاه و يذكراه معا بين الناس في مجامعهم و نواديهم و أي مجلس منهم حلا فيه و حضرا فتكثر الدعوة إلى الإيمان بالله و رفض الشركاء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :148


و بذلك يرجع ذيل السياق إلى صدره كأنه يقول : إن الأمر خطير و قد غر هذا الطاغية و ملأه و أمته عزهم و سلطانهم و نشب الشرك و الوثنية بأعراقه في قلوبهم و أنساهم ذكر الله من أصله و قد امتلأت أعين بني إسرائيل بما يشاهدونه من عزة فرعون و شوكة ملئه و اندهشت قلوبهم من سطوة آل فرعون و ارتاعت نفوسهم من سلطتهم فنسوا الله و لا يذكرون إلا الطاغية ، فهذا الأمر أمر الرسالة و الدعوة في نجاحه و مضيه في حاجة شديدة إلى تنزيهك بنفي الشريك كثيرا و إلى ذكرك بالربوبية و الألوهية بينهم كثيرا ليتبصروا فيؤمنوا و هذا أمر لا أقوى عليه وحدي فاجعل هارون وزيرا لي و أيدني به و أشركه في أمري كي نسبحك كثيرا و نذكرك كثيرا لعل السعي ينجع و الدعوة تنفع .


و بهذا البيان يظهر وجه تعلق هذه الغاية أعني قوله : « كي نسبحك» إلخ ، بما تقدمه .


و ثانيا : وجه ورود قوله : « كثيرا» مرتين و أنه ليس من التكرار في شي‏ء إذ كل من التسبيح و الذكر يجب أن يكون في نفسه كثيرا ، و لو قيل كي نسبحك و نذكرك كثيرا أفاد كثرتهما مجتمعين و هو غير مراد .


و ثالثا : وجه تقديم التسبيح على الذكر فإن المراد بالتسبيح تنزيهه تعالى عن الشريك بدفع ألوهية الآلهة من دون الله و إبطال ربوبيتها لتقع الدعوة إلى الإيمان بالله وحده ، و هو المراد بالذكر ، موقعها .


فالتسبيح من قبيل دفع المانع المتقدم على تأثير المقتضي ، و قد ذكر لهذه الخصوصيات وجوه أخر مذكورة في المطولات لا جدوى فيها و لا في نقلها .


و قوله : « إنك كنت بنا بصيرا» هو بظاهره تعليل كالحجة على قوله : « كي نسبحك كثيرا» إلخ ، أي أنك كنت بصيرا بيو بأخي منذ خلقتنا و عرفتنا نفسك و تعلم أنا لم نزل نعبدك بالتسبيح و الذكر ساعيين مجدين في ذلك فإن جعلته وزيرا لي و أيدتني به و أشركته في أمري تم أمر الدعوة و سبحناك كثيرا و ذكرناك كثيرا ، و المراد بقوله « بنا» على هذا هو و أخوه .


و يمكن أن يكون المراد بالضمير في « بنا» أهله ، و المعنى : أنك كنت بصيرا بنا أهل البيت أنا أهل تسبيح و ذكر فإن جعلت هارون


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :149


أخي ، و هو من أهلي ، وزيرا لي سبحناك كثيرا و ذكرناك كثيرا ، و هذا الوجه أحسن من سابقه لأنه يفي ببيان النكتة في ذكر الأهل في قوله السابق : « و اجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي» أيضا فافهم ذلك .


قوله تعالى : « قال قد أوتيت سؤلك يا موسى» إجابة لأدعيته جميعا و هو إنشاء نظير ما مر من قوله : « و أنا اخترتك فاستمع لما يوحى» .


قوله تعالى : « و لقد مننا عليك مرة أخرى - إلى قوله - كي تقر عينها و لا تحزن» يذكره تعالى بمن آخر له عليه قبل أن يختاره للنبوة و الرسالة و يؤتي سؤله و هو منه عليه حينما تولد فقد كان بعض الكهنة أخبر فرعون أن سيولد في بني إسرائيل مولود يكون بيده زوال ملكه فأمر فرعون بقتل كل مولود يولد فيهم فكانوا يقتلون المواليد الذكور حتى إذا ولد موسى أوحى الله إلى أمه أن لا تخاف و ترضعه فإذا خافت عليه من عمال فرعون و جلاوزته تقذفه في تابوت فتقذفه في النيل فيلقيه اليم إلى الساحل حيال قصر فرعون فيأخذه فيتخذه ابنا له و كان لا عقب له و لا يقتله ثم إن الله سيرده إليها .


ففعلت كما أوحي إليها فلما جرى التابوت بجريان النيل أرسلت بنتا لها و هي أخت موسى أن تجس أخباره فكانت تطوف حول قصر فرعون حتى وجدت نفرا يطلبون بأمر فرعون مرضعا ترضع موسى فدلتهم أخت موسى على أمها فاسترضعوها له فأخذت ولدها و قرت به عينها و صدق الله وعده و قد عظم منه على موسى .


فقوله : « و لقد مننا عليك مرة أخرى» امتنان بما صنعه به أول عمره و قد تغير السياق من التكلم وحده إلى التكلم بالغير لأن المقام مقام إظهار العظمة و هو ينبى‏ء عن ظهور قدرته التامة بتخييب سعي فرعون الطاغية و إبطال كيده لإخماد نور الله و رد مكره إليه و تربية عدوه في حجره ، و أما موقف نداء موسى و تكليمه إذ قال : « يا موسى إني أنا ربك» إلخ فسياق التكلم وحده أنسب له .


و قوله : « إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى» المراد به الإلهام و هو نوع من القذف في القلب في يقظة أو نوم ، و الوحي في كلامه تعالى لا ينحصر في وحي النبوة كما قال تعالى : « و أوحى ربك إلى النحل» : النحل : 68 ، و أما وحي النبوة فالنساء لا يتنبأن


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :150


و لا يوحى إليهن بذلك قال تعالى : « و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى» : يوسف : 109 و قوله : « أن اقذفيه في التابوت» إلى آخر الآية هو مضمون ما أوحي إلى أم موسى و « أن» للتفسير ، و قيل : مصدرية متعلق بأوحي و التقدير أوحي بأن اقذفيه ، و قيل : مصدرية و الجملة بدل من : « ما يوحى» .


و التابوت الصندوق و ما يشبهه و القذف الوضع و الإلقاء و كأن القذف الأول في الآية بالمعنى الأول و القذف الثاني بالمعنى الثاني و يمكن أن يكونا معا بالمعنى الثاني بعناية أن وضع الطفل في التابوت و إلقاءه في اليم إلقاء و طرح له من غير أن يعبأ بحاله ، و اليم البحر : و قيل : البحر العذب ، و الساحل شاطى‏ء البحر و جانبه من البر ، و الصنع و الصنيعة الإحسان .


و قوله : « فليلقه اليم» أمر عبر به إشارة إلى تحقق وقوعه و مفاده أنا أمرنا اليم بذلك أمرا تكوينيا فهو واقع حتما مقضيا ، و كذا قوله : « يأخذه عدو لي» إلخ و هو جزاء مترتب على هذا الأمر .


و معنى الآيتين إذ أوحينا و ألهمنا أمك بما يوحى و يلهم و هو أن ضعيه - أو ألقيه - في التابوت و هو الصندوق فألقيه في اليم و البحر و هو النيل فمن المقضي من عندنا أن يلقيه البحر بالساحل و الشاطى‏ء يأخذه عدو لي و عدو له و هو فرعون لأنه كان يعادي الله بدعوى الألوهية و يعادي موسى بقتله الأطفال و كان طفلا هذا ما أوحيناه إلى أمك .


و قوله : « و ألقيت عليك محبة مني و لتصنع على عيني» ظاهر السياق أن هذا الفصل إلى قوله : « و لا تحزن» فصل ثان تال للفصل السابق متمم له و المجموع بيان للمن المشار إليه بقوله : « و لقد مننا عليك مرة أخرى» .


فالفصل الأول يقص الوحي إلى أمه بقذفه في التابوت ثم في البحر لينتهي إلى فرعون فيأخذه عدو الله و عدوه و الفصل الثاني يقص إلقاء المحبة عليه لينصرف فرعون عن قتله و يحسن إليه حتى ينتهي الأمر إلى رجوعه إلى أمه و استقراره في حجرها لتقر عينها و لا تحزن و قد وعدها الله ذلك كما قال في سورة القصص : « فرددناه إلى أمه كي تقر عينها و لا تحزن و لتعلم أن وعد الله حق» : القصص : 13 ، و لازم هذا المعنى


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :151


كون الجملة أعني قوله : « و ألقيت عليك» إلخ ، معطوفا على قوله : « أوحينا إلى أمك» .


و معنى إلقاء محبة منه عليه كونه بحيث يحبه كل من يراه كأن المحبة الإلهية استقرت عليه فلا يقع عليه نظر ناظر إلا تعلقت المحبة بقلبه و جذبته إلى موسى ، ففي الكلام استعارة تخييلية و في تنكير المحبة إشارة إلى فخامتها و غرابة أمرها .


و اللام في قوله : « و لتصنع على عيني» للغرض ، و الجملة معطوفة على مقدر و التقدير ألقيت عليك محبة مني لأمور كذا و كذا و ليحسن إليك على عيني أي بمرأى مني فإني معك أراقب حالك و لا أغفل عنك لمزيد عنايتي بك و شفقتي عليك .


و ربما قيل : إن المراد بقوله : « و لتصنع على عيني»الإحسان إليه بإرجاعه إلى أمه و جعل تربيته في حجرها .


و كيف كان فهذا اللسان و هو لسان كمال العناية و الشفقة يناسب سياق التكلم وحده و لذا عدل إليه من لسان التكلم بالغير .


و قوله : « إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها و لا تحزن» الظرف - على ما يعطيه السياق - متعلق بقوله : « و لتصنع» و المعنى : و ألقيت عليك محبة مني يحبك كل من يراك لكذا و كذا و ليحسن إليك بمرأى مني و تحت مراقبتي في وقت تمشي أختك لتجوس خبرك و ترى ما يصنع بك فتجد عمال فرعون يطلبون مرضعا ترضعك فتقول لهم - و الاستقبال في الفعل لحكاية الحال الماضية - عارضة عليهم : هل أدلكم على من يكفله بالحضانة و الإرضاع فرددناك إلى أمك كي تسر و لا تحزن .


و قوله : « فرجعناك» بصيغة المتكلم مع الغير رجوع إلى السياق السابق و هو التكلم بالغير و ليس بالتفات .


قوله تعالى : « و قتلت نفسا فنجيناك من الغم إلى آخر الآية ، إشارة إلى من أو منن أخرى ملحقة بالمنين السابقين و هو قصة قتله (عليه‏السلام‏) القبطي و ائتمار الملإ أن يقتلوه و فراره من مصر و تزوجه هناك ببنت شعيب النبي و بقاؤه عنده بين أهل مدين عشر سنين أجيرا يرعى غنم شعيب ، و القصة مفصلة مذكورة في سورة القصص .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :152


فقوله : « و قتلت نفسا» هو قتله القبطي بمصر ، و قوله : « فنجيناك من الغم» و هو ما كان يخافه أن يقتله الملأ من آل فرعون فأخرجه الله إلى أرض مدين فلما أحضره شعيب و ورد عليه و قص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين .


و قوله : « و فتناك فتونا» أي ابتليناك و اختبرناك ابتلاء و اختبارا ، قال الراغب من المفردات ، : أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ، و استعمل في إدخال الإنسان النار ، قال : « يوم هم على النار يفتنون» « ذوقوا فتنكم» أي عذابكم ، قال : و تارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعمل فيه نحو قوله : « ألا في الفتنة سقطوا» و تارة في الاختبار ، نحو : « و فتناك فتونا» و جعلت الفتنة كالبلاء في أنهما تستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة و رخاء و هما في الشدة أظهر معنى و أكثر استعمالا و قد قال فيهما : « و نبلوكم بالشر و الخير فتنة» انتهى موضع الحاجة من كلامه .


و قوله : « فلبثت سنين في أهل مدين» متفرع على الفتنة .


و قوله : « ثم جئت على قدر يا موسى» لا يبعد أن يستفاد من السياق أن المراد بالقدر هو المقدر و هو ما حصله من العلم و العمل عن الابتلاءات الواردة عليه في نجاته من الغم بالخروج من مصر و لبثه في أهل مدين .


و على هذا فمجموع قوله : « و قتلت نفسا فنجيناك» - إلى قوله - يا موسى» من واحد و هو أنه ابتلي ابتلاء بعد ابتلاء حتى جاء على قدر و هو ما اكتسبه من فعلية الكمال .


و ربما أجيب عن الاستشكال في عد الفتن من المن بأن الفتن هاهنا بمعنى التخليص كتخليص الذهب بالنار ، و ربما أجيب بأن كونه منا باعتبار الثواب المترتب على ذلك ، و الوجهان مبنيان على فصل قوله : « فلبثت» إلى آخر الآية عما قبله و لذا قال بعضهم : إن المراد بالفتنة هو ما قاساه موسى من الشدة بعد خروجه من مصر إلى أن استقر في مدين لمكان فاء التفريع في قوله : « فلبثت سنين في أهل مدين» الدال على تأخر اللبث عن الفتنة زمانا ، و فيه أن الفاء إنما تدل على التفرع فحسب و ليس من الواجب أن يكون تفرعا زمانيا دائما .


و قال بعضهم : إن القدر بمعنى التقدير و المراد ثم جئت إلى أرض مصر على ما


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :153


قدرنا ثم اعترض على أخذ القدر بمعنى المقدار بأن المعروف من القدر بهذا المعنى هو ما كان بسكون الدال لا بفتحها و فيه أن القدر و القدر بسكون الدال و فتحها - كما صرحوا به كالنعل و النعل بمعنى واحد .


على أن القدر بمعنى المقدار كما قدمناه - أكثر ملاءمة للسياق أو متعين .


و ذكر لمجيئه على مقدار بعض معان أخر و هي سخيفة لا جدوى فيها .


و ختم ذكر المن بنداء موسى (عليه‏السلام‏) زيادة تشريف له .


قوله تعالى : « و اصطنعتك لنفسي» الاصطناع افتعال من الصنع بمعنى الإحسان - على ما ذكروا - يقال : صنعه أي أحسن إليه و اصطنعه أي حقق إحسانه إليه و ثبته فيه ، و نقل عن القفال أن معنى الاصطناع أنه يقال : اصطنع فلان فلانا إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال : هذا صنيع فلان و خريجه .


انتهى .


و على هذا يئول معنى اصطناعه إياه إلى إخلاصه تعالى إياه لنفسه و يظهر موقع قوله : « لنفسي» أتم ظهور و أما على المعنى الأول فالأنسب بالنظر إلى السياق أن يكون الاصطناع مضمنا معنى الإخلاص ، و المعنى على أي حال و جعلتك خالصا لنفسي فيما عندك من النعم فالجميع مني و إحساني و لا يشاركني فيك غيري فأنت لي مخلصا و ينطبق ذلك على قوله : « و اذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا» : مريم : 51 .


و من هنا يظهر أن قول بعضهم : المراد بالاصطناع الاختيار ، و معنى اختياره لنفسه جعله حجة بينه و بين خلقه كلامه كلامه و دعوته دعوته و كذا قول بعضهم إن المراد بقوله : « لنفسي» لوحيي و رسالتي ، و قول آخرين : لمحبتي ، كل ذلك من قبيل التقييد من غير مقيد .


و يظهر أيضا أن اصطناعه لنفسه منظوم في سلك المنن المذكورة بل هو أعظم النعم و من الممكن أن يكون معطوفا على قوله : « جئت على قدر» عطف تفسير .


و الاعتراض على هذا المعنى بأن توسيط النداء بينه و بين المنن المذكورة لا يلائم كونه منظوما في سلكها - على ما ذكر الفخر الرازي في تفسيره ، - فالأولى جعله تمهيدا لإرساله إلى فرعون مع شركة من أخيه في أمره .


و فيه أن توسيط النداء لا ينحصر وجهه فيما ذكر فلعل الوجه فيه تشريفه بمزيد


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :154


اللطف و تقريبه من موقف الأنس ليكون ذلك تمهيدا للالتفات ثانيا من التكلم بالغير إلى التكلم وحده بقوله : « و اصطنعتك لنفسي» .


قوله تعالى : « اذهب أنت و أخوك بآياتي و لا تنيا في ذكري» تجديد للأمر السابق خطابا لموسى وحده في قوله : « اذهب إلى فرعون إنه طغى» بتغيير ما فيه بإلحاق أخي موسى به لتغير ما في المقام بإيتاء سؤال موسى أن يشرك هارون في أمره فوجه الخطاب ثانيا إليهما معا .


و أمرهما أن يذهبا بآياته و لم يؤت وقتئذ إلا آيتين وعد جميل بأنه مؤيد بغيرهما و سيؤتاه حين لزومه ، و أما القول بأن المراد هما الآيتان و الجمع ربما يطلق على الاثنين ، أو أن كلا من الآيتين ينحل إلى آيات كثيرة مما لا ينبغي الركون إليه .


و قوله : « و لا تنيا في ذكري» نهي عن الوني و هو الفتور ، و الأنسب للسياق السابق أن يكون المراد بالذكر الدعوة إلى الإيمان به تعالى وحده لا ذكره بمعنى التوجه إليه قلبا أو لسانا كما قيل .


قوله تعالى : « اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى» جمعهما في الأمر ثانيا فخاطب موسى و هارون معا و كذلك في النهي الذي قبله في قوله : « و لا تنيا» و قد مهد لذلك بإلحاق هارون بموسى في قوله : « اذهب أنت و أخوك» و ليس ببعيد أن يكون نقلا لمشافهة أخرى و تخاطب وقع بينه تعالى و بين رسوليه مجتمعين أو متفرقين بعد ذاك الموقف و يؤيده سياق قوله بعد : « قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا» إلخ .


و المراد بقوله : « فقولا له قولا لينا» المنع من أن يكلماه بخشونة و عنف و هو من أوجب آداب الدعوة .


و قوله : « لعله يتذكر أو يخشى» رجاء لتذكره أو خشيته و هو قائم بمقام المحاورة لا به تعالى العالم بما سيكون ، و التذكر مطاوعة التذكير فيكون قبولا و التزاما لما تقتضيه حجة المذكر و إيمانه به و الخشية من مقدمات القبول و الإيمان فمآل المعنى لعله يؤمن أو يقرب من ذلك فيجيبكم إلى بعض ما تسألانه .


و استدل بعض من يرى قبول إيمان فرعون حين الغرق على إيمانه بالآية استنادا


الميزان في تفسير القرآن ج : 14 ص :155


إلى أن « لعل» من الله واجب الوقوع كما نسب إلى ابن عباس و قدماء المفسرين فالآية تدل على تحتم وقوع أحد الأمرين التذكر أو الخشية و هو مدار النجاة .


و فيه أنه ممنوع و لا تدل عسى و لعل في كلامه تعالى إلا على ما يدل عليه في كلام غيره و هو الترجي غير أن معنى الترجي في كلامه لا يقوم به ، تعالى عن الجهل و تقدس و إنما يقوم بالمقام بمعنى أن من وقف هذا الموقف و اطلع على أطراف الكلام فهم أن من المرجو أن يقع كذا و كذا و أما في كلام غيره فربما قام الترجي بنفس المتكلم و ربما قام بمقام التخاطب .


و قال الإمام الرازي في تفسيره ، إنه لا يعلم سر إرساله تعالى إلى فرعون مع علمه بأنه لا يؤمن إلا الله ، و لا سبيل في المقام و أمثاله إلى غير التسليم و ترك الاعتراض .


و هو عجيب فإنه إن كان المراد بسر الإرسال وجه صحة الأمر بالشي‏ء مع العلم باستحالة وقوعه في الخارج فاستحالة وقوع الشي‏ء أو وجوب وقوعه إنما ذلك حال الفعل بالقياس إلى علته التامة التي هي الفاعل و سائر العوامل الخارجة عنه في وجوده و الأمر لا يتعلق بالفعل من حيث حاله بالقياس إلى جميع أجزاء علته التامة و إنما يتعلق به من جهة حاله بالقياس إلى الفاعل الذي هو أحد أجزاء علته التامة و نسبة الفعل و عدمه إليه بالإمكان دائما لكونه علة ناقصة لا تستوجب وجود الفعل و لا عدمه فالإرسال و الدعوة و كذا الأمر صحيح بالنسبة إلى فرعون لكون الإجابة و الائتمار بالنسبة إليه نفسه اختيارية ممكنة و إن كانت بالنسبة إليه مع انضمام سائر العوامل المانعة مستحيلة ممتنعة ، هذا جواب القائلين بالاختيار ، و أما المجبرة - و هو منهم - فالشبهة تسري عندهم إلى جميع موارد التكاليف لعموم الجبر و قد أجابوا عنها على زعمهم بأن التكليف صوري يترتب عليه تمام الحجة و قطع المعذرة .


و إن كان المراد بسر الإرسال مع العلم بأنه لا يؤمن الفائدة المترتبة عليه بحيث يخرج بها عن اللغوية فالدعوة الحقة كما تؤثر أثرها في قوم بتكميلهم في جانب السعادة كذلك تؤثر أثرها في آخرين بتكميل شقائهم ، قال تعالى : « و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لا يزيد الظالمين إلا خسارا :» الإسراء : 82 ، و لو ألغي التكميل في جانب الشقاء لغا الامتحان فيه فلم تتم الحجة فيه ، و لا انقطع العذر ، و لو لم تتم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :156


الحجة في جانب و انتقضت لم تنجع في الجانب الآخر و هو ظاهر .


قوله تعالى : « قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى» الفرط التقدم و المراد به بقرينة مقابلته الطغيان أن يعجل بالعقوبة و لا يصبر إلى إتمام الدعوة و إظهار الآية المعجزة ، و المراد بأن يطغى أن يتجاوز حده في ظلمه فيقابل الدعوة بتشديد عذاب بني إسرائيل و الاجتراء على ساحة القدس بما كان لا يجترى‏ء عليه قبل الدعوة و نسبة الخوف إليهما لا بأس بها كما تقدم الكلام فيها في تفسير قوله تعالى : « قال خذها و لا تخف» .


و استشكل على الآية بأن قوله تعالى في موضع آخر لموسى في جواب سؤاله إشراك أخيه في أمره قال : « سنشد عضدك بأخيك و نجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما» : القصص : 35» ، يدل على إعطاء الأمن لهما في موقف قبل هذا الموقف لقوله « سنشد عضدك بأخيك» فلا معنى لإظهارهما الخوف بعد ذلك .


و أجيب بأن خوفهما قبل كان على أنفسهما بدليل قول موسى هناك .


«و لهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون» : الشعراء - 14 ، و الذي في هذه الآية خوف منهما على الدعوة كما تقدم .


على أن من الجائز أن يكون هذا الخوف المحكي في الآية هو خوف موسى قبل في موقف المناجاة و خوف هارون بعد بلوغ الأمر إليه فالتقطا و جمعا معا في هذا المورد ، و قد تقدم احتمال أن يكون قوله : « اذهبا إلى فرعون» إلى آخر الآيات ، حكاية كلامهما في غير موقف واحد .


قوله تعالى : « قال لا تخافا إنني معكما أسمع و أرى» أي لا تخافا من فرطه و طغيانه إنني حاضر معكما أسمع ما يقال و أرى ما يفعل فأنصركما و لا أخذلكما فهو تأمين بوعد النصرة ، فقوله : « لا تخافا» تأمين ، و قوله : « إنني معكما أسمع و أرى» تعليل للتأمين بالحضور و السمع و الرؤية ، و هو الدليل على أن الجملة كناية عن المراقبة و النصرة و إلا فنفس الحضور و العلم يعم جميع الأشياء و الأحوال .


و قد استدل بعضهم بالآية على أن السمع و البصر صفتان زائدتان على العلم بناء على أن قوله : « إنني معكما» دال على العلم و لو دل « أسمع و أرى» عليه أيضا لزم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :157


التكرار و هو خلاف الأصل .


و هو من أوهن الاستدلال ، أما أولا : فلما عرفتأن مفاد « إنني معكما» هو الحضور و الشهادة و هو غير العلم .


و أما ثانيا : فلقيام البراهين اليقينية على عينية الصفات الذاتية و هي الحياة و القدرة و العلم و السمع و البصر بعضها لبعض و المجموع للذات ، و لا ينعقد مع اليقين ظهور لفظي ظني مخالف البتة .


و أما ثالثا : فلأن المسألة من أصول المعارف لا يركن فيها إلى غير العلم ، فتتميم الدليل بمثل أصالة عدم التكرار كما ترى .


قوله تعالى : « فأتياه فقولا إنا رسولا ربك» إلى آخر الآية ، جدد أمرهما بالذهاب إلى فرعون بعد تأمينهما و وعدهما بالحفظ و النصر و بين تمام مايكلفان به من الرسالة و هو أن يدعوا فرعون إلى الإيمان و إلى رفع اليد عن تعذيب بني إسرائيل و إرسالهم معهما فكلما تحول حال في المحاورة جدد الأمر حسب ما يناسبه و هو قوله أولا لموسى : « اذهب إلى فرعون إنه طغى» ، ثم قوله ثانيا لما ذكر أسئلته و أجيب إليها : « اذهب أنت و أخوك» « اذهبا إلى فرعون إنه طغى» ، ثم قوله لما ذكرا خوفهما و أجيبا بالأمن : « فأتياه فقولا» إلخ ، و فيه تفصيل ما عليهما أن يقولا له .


فقوله : « فأتياه فقولا إنا رسولا ربك» تبليغ أنهما رسولا الله ، و في قوله بعد : « و السلام على من اتبع الهدى» إلخ ، دعوته إلى بقية أجزاء الإيمان .


و قوله : « فأرسل معنا بني إسرائيل و لا تعذبهم» تكليف فرعي متوجه إلى فرعون .


و قوله : « قد جئناك بآية من ربك» استناد إلى حجة تثبت رسالتهما و في تنكير الآية سكوت عن العدد و إشارة إلى فخامة أمرها و كبر شأنها و وضوح دلالتها .


و قوله : « و السلام على من اتبع الهدى» كالتحية للوداع يشار به إلى تمام الرسالة و يبين به خلاصة ما تتضمنه الدعوة الدينية و هو أن السلامة منبسط على من اتبع الهدى و السعادة لمن اهتدى فلا يصادف في مسير حياته مكروها يكرهه لا في دنيا و لا في عقبى .


و قوله : « إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب و تولى» في مقام التعليل


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :158


لسابقه أي إنما نسلم على المهتدين فحسب لأن الله سبحانه أوحي إلينا أن العذاب و هو خلاف السلام على من كذب بآيات الله - أو بالدعوة الحقة التي هي الهدى - و تولى و أعرض عنها .


و في سياق الآيتين من الاستهانة بأمر فرعون و بما تزين به من زخارف الدنيا و تظاهر به من الكبر و الخيلاء ما لا يخفى ، فقد قيل : « فأتياه» و لم يقل : اذهبا إليه و إتيان الشي‏ء أقرب مساسا به من الذهاب إليه و لم يكن إتيان فرعون و هو ملك مصر و إله القبط بذاك السهل الميسور ، و قيل : « فقولا» و لم يقل : فقولا له كأنه لا يعتني به ، و قيل : « إنا رسولا ربك» و « بآية من ربك» فقرع سمعه مرتين بأن له ربا و هو الذي كان ينادي بقوله : « أنا ربكم الأعلى» ، و قيل : « و السلام على من اتبع الهدى» و لم يورد بالخطاب إليه ، و نظيره قوله : « إن العذاب على من كذب و تولى» من غير خطاب .


و هذا كله هو الأنسب تجاه ما يلوح من لحن قوله تعالى : « لا تخافا إنني معكما أسمع و أرى» من كمال الإحاطة و العزة و القدرة التي لا يقوم لها شي‏ء .


و ليسمع ذلك فيما أمرا أن يخاطباه به من قولهما : « إنا رسولا ربك» إلى آخر الآيتين خشونة في الكلام و خروج عن لين القول الذي أمرا به أولا فإن ذلك حق القول الذي لا مناص من قرعه سمع فرعون من غير تملق و لا احتشام و تأثر من ظاهر سلطانه الباطل و عزته الكاذبة .


بحث روائي


في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله : « آتيكم منها بقبس» يقول : آتيكم بقبس من النار تصطلون من البرد « أو أجد على النار هدى» كان قد أخطأ الطريق يقول : أو أجد على النار طريقا .


و في الفقيه ، : سئل الصادق (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « فاخلع نعليك - إنك بالواد المقدس طوى» قال : كانتا من جلد حمار ميت .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :159


أقول : و رواه أيضا في تفسير القمي ، مرسلا و مضمرا ، و روى هذا المعنى في الدر المنثور ، عن عبد الرزاق و الفاريابي و عبد بن حميد و ابن أبي حاتم عن علي .


و قد ورد ذلك في بعض الروايات ، و سياق الآية يعطي أن الخلع لاحترام الموقف .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « أقم الصلاة لذكري» قيل : معناه أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة كنت في وقتها أم لم تكن . عن أكثر المفسرين : ، و هو المروي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : ، و يعضده ما رواه أنس عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك : ، رواه مسلم في الصحيح : .


أقول : و الحديث مروي بطرق أخرى مسندة و غير مسندة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من طرق أهل السنة و عن الصادقين (عليهماالسلام‏) من طرق الشيعة .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « أكاد أخفيها» روي عن ابن عباس « أكاد أخفيها عن نفسي» و هي كذلك في قراءة أبي : ، و روي ذلك عن الصادق (عليه‏السلام‏).


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه و الخطيب و ابن عساكر عن أسماء بنت عميس قالت : رأيت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بإزاء ثبير و هو يقول : أشرق ثبير أشرق ثبير اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري ، و أن تيسر لي أمري و أن تحل عقدة من لساني يفقهوا قولي ، و اجعل لي وزيرا من أهلي عليا أخي اشدد به أزرى و أشركه في أمري كي نسبحك كثيرا و نذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا .


أقول و روي قريبا من هذا المعنى عن السلفي عن الباقر (عليه‏السلام‏) و روي أيضا في المجمع ، عن ابن عباس عن أبي ذر عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قريبا منه .


و قال في روح المعاني ، بعد إيراد الحديث المذكور ما لفظه : و لا يخفى أنه يتعين هنا حمل الأمر على أمر الإرشاد و الدعوة إلى الحق و لا يجوز حمله على النبوة و لا يصح الاستدلال به على خلافة علي كرم الله وجهه بعد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بلا فصل .


و مثله : فيما ذكر ما صح من قوله (عليه‏السلام‏) له حين استخلفه في غزوة تبوك على أهل بيته « أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» انتهى .


قلت : أما الاستدلال بالحديث أو بحديث المنزلة على خلافته (عليه‏السلام‏) بلا فصل


الميزان في تفسير القرآن ج : 14 ص :160


فالبحث فيه خارج عن غرض الكتاب و إنما نبحث عن المراد بقوله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في دعائه لعلي (عليه‏السلام‏) : « و أشركه في أمري» طبقا لدعاء موسى (عليه‏السلام‏) المحكي في الكتاب العزيز فإن له مساسا بما فهمه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من لفظ الآية و الحديث صحيح مؤيد بحديث المنزلة المتواتر .


فمراده (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالأمر في قوله : « و أشركه في أمري» ليس هو النبوة قطعا لنص حديث المنزلة باستثناء النبوة ، و هو الدليل القاطع على أن مراد موسى بالأمر في قوله : « و أشركه في أمري» ليس هو النبوة و إلا بقي قول النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « أمري» بلا معنى يفيده .


و ليس المراد بالأمر هو مطلق الإرشاد و الدعوة إلى الحق - كما ذكره - قطعا لأنه تكليف يقوم به جميع الأمة و يشاركه فيه غيره و حجة الكتاب و السنة قائمة فيه كأمثال قوله تعالى : « قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني» : يوسف : 108 ، و قوله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) - و قد رواه العامة و الخاصة - : فليبلغ الشاهد الغائب ، و إذا كان أمرا مشتركا بين الجميعفلا معنى لسؤال إشراك علي فيه .


على أن الإضافة في قوله : « أمري» تفيد الاختصاص فلا يصدق على ما هو مشترك بين الجميع ، و نظير الكلام يجري في قول موسى المحكي في الآية .


نعم التبليغ الابتدائي و هو تبليغ الوحي لأول مرة أمر يختص بالنبي فليس له أن يستنيب لتبليغ أصل الوحي رجلا آخر ، فالإشراك فيه إشراك في أمره و في قول موسى ما يشهد بذلك إذ يقول : « و أخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني» إذ ليس المراد بتصديقه إياه أن يقول : صدق أخي بل أن يوضح ما أبهم من كلامه و يفصل ما أجمل و يبلغ عنه بعض الوحي الذي كان عليه أن يبلغه .


فهذا النوع من التبليغ و ما معه من آثار النبوة كافتراض الطاعة مما يختص بالنبي و الإشراك فيها إشراك في أمره ، فهذا المعنى هو المراد بالأمر في دعائه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو المراد


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :161


أيضا مضافة إليه النبوة في دعاء موسى .


و قد تقدم ما يتعلق بهذا البحث في تفسير أول سورة براءة في حديث بعث النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عليا بآيات أول براءة إلى مكة بعد عزل أبي بكر عنها استنادا إلى ما أوحي إليه أنه لا يبلغها عنك إلا أنت أو رجل منك ، في الجزء التاسع من الكتاب .


و في تفسير القمي ، حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : لما حملت به أمه لم يظهر حملها إلا عند وضعها له ، و كان فرعون قد وكل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط يحفظنهن و ذلك لما كان بلغه عن بني إسرائيل أنهم يقولون : إنه يولد فينا رجل يقال له : موسى بن عمران يكون هلاك فرعون و أصحابه على يده ، فقال فرعون عند ذلك : لأقتلن ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون ، و فرق بين الرجال و النساء و حبس الرجال في المحابس . فلما وضعت أم موسى بموسى نظرت إليه و حزنت عليه و اغتمت و بكت و قالت : يذبح الساعة ، فعطف الله الموكلة بها عليه فقالت لأم موسى : ما لك قد اصفر لونك ؟ فقالت : أخاف أن يذبح ولدي ، فقالت : لا تخافي ، و كان موسى لا يراه أحد إلا أحبه و هو قول الله : « و ألقيت عليك محبة مني» فأحبته القبطية الموكلة بها .


و في العلل ، بإسناده عن ابن أبي عمير قال : قلت لموسى بن جعفر (عليه‏السلام‏) : أخبرني عن قول الله عز و جل لموسى « اذهبا إلى فرعون إنه طغى و قولا له قولا لينا - لعله يتذكر أو يخشى» فقال : أما قوله : « فقولا له قولا لينا» أي كنياه و قولا له : يا أبا مصعب و كان كنية فرعون أبا مصعب الوليد بن مصعب ، أما قوله : « لعله يتذكر أو يخشى» فإنما قال ليكون أحرص لموسى على الذهاب و قد علم الله عز و جل أن فرعون لا يتذكر و لا يخشى إلا عند رؤية البأس ، أ لا تسمع الله عز و جل يقول : « حتى إذا أدركه الغرق - قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل - و أنا من المسلمين» ؟ فلم يقبل الله إيمانه و قال : « الآن و قد عصيت قبل و كنت من المفسدين» : . أقول : و روى صدر الحديث في الدر المنثور ، عن ابن أبي حاتم عن علي : .


و تفسير القول اللين بالتكنية من قبيل ذكر بعض المصاديق لضرورة أنه لا ينحصر فيه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :162


و روى ذيل الحديث أيضا في الكافي ، بإسناده عن عدي بن حاتم عن علي (عليه‏السلام‏) و فيه تأييد ما قدمنا أن لعل مستعملة في الآية للترجي.

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :