امروز:
پنج شنبه 30 شهريور 1396
بازدید :
659
تفسيرالميزان : سوره طه آيات 98- 49


قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسى‏(49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِى أَعْطى كلَّ شىْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثمَّ هَدَى‏(50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولى‏(51) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبى فى كِتَبٍلا يَضِلُّ رَبى وَ لا يَنسى‏(52) الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْض مَهْداً وَ سلَك لَكُمْ فِيهَا سبُلاً وَ أَنزَلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَجاً مِّن نَّبَاتٍ شتى‏(53) كلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعَمَكُمْإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لأُولى النُّهَى‏(54) × مِنهَا خَلَقْنَكُمْ وَ فِيهَا نُعِيدُكُمْ وَ مِنهَا نخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى‏(55) وَ لَقَدْ أَرَيْنَهُ ءَايَتِنَا كلَّهَا فَكَذَّب وَ أَبى‏(56) قَالَ أَ جِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِك يَمُوسى‏(57) فَلَنَأْتِيَنَّك بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَك مَوْعِداً لا نخْلِفُهُ نحْنُ وَ لا أَنت مَكاناً سوًى‏(58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَن يحْشرَ النَّاس ضحًى‏(59) فَتَوَلى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كيْدَهُ ثمَّ أَتى‏(60) قَالَ لَهُم مُّوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْترُوا عَلى اللَّهِ كذِباً فَيُسحِتَكم بِعَذَابٍوَ قَدْ خَاب مَنِ افْترَى‏(61) فَتَنَزَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَ أَسرُّوا النَّجْوَى‏(62) قَالُوا إِنْ هَذَنِ لَسحِرَنِ يُرِيدَانِ أَن يخْرِجَاكم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَ يَذْهَبَا بِطرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى‏(63) فَأَجْمِعُوا كيْدَكُمْ ثمَّ ائْتُوا صفًّاوَ قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ استَعْلى‏(64) قَالُوا يَمُوسى إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَ إِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى‏(65) قَالَ بَلْ أَلْقُوافَإِذَا حِبَالهُُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنهَا تَسعَى‏(66) فَأَوْجَس فى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسى‏(67) قُلْنَا لا تخَف إِنَّك أَنت الأَعْلى‏(68) وَ أَلْقِ مَا فى يَمِينِك تَلْقَف مَا صنَعُواإِنَّمَا صنَعُوا كَيْدُ سحِرٍوَ لا يُفْلِحُ الساحِرُ حَيْث أَتى‏(69) فَأُلْقِىَ السحَرَةُ سجَّداً قَالُوا ءَامَنَّا بِرَب هَرُونَ وَ مُوسى‏(70) قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْإِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السحْرَفَلأُقَطعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكم مِّنْ خِلَفٍ وَ لأُصلِّبَنَّكُمْ فى جُذُوع النَّخْلِ وَ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشدُّ عَذَاباً وَ أَبْقَى‏(71) قَالُوا لَن نُّؤْثِرَك عَلى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَ الَّذِى فَطرَنَافَاقْضِ مَا أَنت قَاضٍإِنَّمَا تَقْضى هَذِهِ الحَْيَوةَ الدُّنْيَا(72) إِنَّا ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطيَنَا وَ مَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحْرِوَ اللَّهُ خَيرٌ وَ أَبْقَى‏(73) إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوت فِيهَا وَ لا يحْيى‏(74) وَ مَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصلِحَتِ فَأُولَئك لهَُمُ الدَّرَجَت الْعُلى‏(75) جَنَّت عَدْنٍ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاوَ ذَلِك جَزَاءُ مَن تَزَكى‏(76) وَ لَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلى مُوسى أَنْ أَسرِ بِعِبَادِى فَاضرِب لهَُمْ طرِيقاً فى الْبَحْرِ يَبَساً لا تخَف دَرَكاً وَ لا تخْشى‏(77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بجُنُودِهِ فَغَشِيهُم مِّنَ الْيَمّ‏ِ مَا غَشِيهُمْ‏(78) وَ أَضلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ مَا هَدَى‏(79)



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :163


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :164


بيان


فصل آخر من قصة موسى (عليه‏السلام‏) يذكر فيه خبر ذهاب موسى و هارون (عليهماالسلام‏) إلى فرعون و تبليغهما رسالة ربهما في نجاة بني إسرائيل ، و قد فصل في الآيات خبر ذهابهما إليه و إظهارهما آيات الله و مقابلة السحرة و ظهور الحق و إيمان السحرة و أشير إجمالا إلى إسراء بني إسرائيل و شق البحر و اتباع فرعون لهم بجنوده و غرقهم .


قوله تعالى : « قال فمن ربكما يا موسى» حكاية لمحاورة موسى و فرعون و قد علم مما نقله تعالى من أمره تعالى لهما أن يذهبا إلى فرعون و يدعواه إلى التوحيد و يكلماه في إرسال بني إسرائيل معهما ، ما قالا له فهو محذوف و ما نقل من كلام فرعون جوابا دال عليه .


و يظهر مما نقل من كلام فرعون إنه علم بتعريفهما أنهما معا داعيان شريكان في الدعوة غير أن موسى هو الأصل في القيام بها و هارون وزيره و لذا خاطب موسى وحده و سأل عن ربهما معا .


و قد وقع في كلمة الدعوة التي أمرا بأن يكلماه بها « إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل و لا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك» إلخ ، لفظ « ربك» خطابا لفرعون مرتين و هو لا يرى لنفسه ربا بل يرى نفسه ربا لهما و لغيرهما كما قال في بعض كلامه المنقول منه : « أنا ربكم الأعلى :» النازعات : 24 ، و قال : « لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين» : الشعراء : 29 ، فقوله : « فمن ربكما» - و كان الحري بالمقام أن يقول فمن ربي الذي تدعيانه ربا لي ؟ أو ما يقرب من ذلك - يلوح إلى أنه يتغافل عن كونه سبحانه ربا له كأنه لم يسمع قولهما « ربك» و يسأل عن ربهما الذي هما رسولان من عنده .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :165


و كان من المسلم المقطوع عند الأمم الوثنيين أن خالق الكل حقيقة هي أعلى من أن يقدر بقدر و أعظم من أن يحيط به عقل أو وهم فمن المستحيل أن يتوجه إليه بعبادة أو يتقرب إليه بقربان فلا يؤخذ إلها و ربا بل الواجب التوجه إلى بعض مقربي خلقه بالعبادة و القربان ليقرب الإنسان من الله زلفى و يشفع له عنده فهؤلاء هم الآلهة و الأرباب و ليس الله سبحانه بإله و لا رب و إنما هو إله الآلهة و رب الأرباب فقول القائل : إن لي ربا إنما يعني به أحد الآلهة من دون الله و ليس يعني به الله سبحانه و لا يفهم ذلك من كلامه في محاوراتهم .


فقول فرعون : « فمن ربكما» ليس إنكارا لوجود خالق الكل و لا إنكار أن يكون له إله كما يظهر من قوله : « و يذرك و آلهتك» : الأعراف : 127 ، و إنما هو طلب منه للمعرفة بحال من اتخذاه إلها و ربا من هو غيره ؟ و هذا معنى ما تقدم أن فرعون يتغافل في قوله هذا عن دعوتهما إلى الله سبحانه و هما في أول الدعوة فهو يقدر و لو كتقدير المتجاهل أن موسى و أخاه يدعوانه إلى بعض الآلهة التي يتخذ فيما بينهم ربا من دون الله فيسأل عنه ، و قد كان من دأب الوثنيين التفنن في اتخاذ الآلهة يتخذ كل منهم من يهواه إلها و ربما بدل إلها من إله فتلك طريقتهم و سيأتي قول الملإ : « و يذهبا بطريقتكم المثلى» نعم ، ربما تفوه عامتهم ببعض ما لا يوافق أصولهم كنسبة الخلق و التدبير إلى نفس الأصنام دون أربابها .


فمحصل مذهبهم أنهم ينزهون الله تعالى عن العبادة و التقرب و إنما يتقربون استشفاعا إليه ببعض خلقه كالملائكة و الجن و القديسين من البشر ، و كان منهم الملوك العظام عند كثير منهم يرونهم مظاهر لعظمة اللاهوت فيعبدونهم في عرض سائر الآلهة و الأرباب و كان لا يمنع ذلك الملك الرب أن يتخذ إلها من الآلهة فيعبده فيكون عابدا لربه معبودا لغيره من الرعية كما كان رب البيت يعبد في بيته عند الروم القديم و كان أكثرهم من الوثنية الصابئة، فقد كان فرعون موسى ملكا متألها و هو يعبد الأصنام و هو الظاهر من خلال الآيات الكريمة .


و من هنا يظهر ما في أقوال كثير من المفسرين في أمره قال في روح المعاني ، : ذهب بعضهم إلى أن فرعون كان عارفا بالله تعالى إلا أنه كان معاندا و استدلوا عليه بعدة من الآيات .


و بأن ملكه لم يتجاوز القبط و لم يبلغ الشام أ لا ترى أن موسى (عليه‏السلام‏)


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :166


لما هرب إلى مدين قال له شعيب (عليه‏السلام‏) : لا تخف نجوت من القوم الظالمين فكيف يعتقد أنه إله العالم ؟ و بأنه كان عاقلا ضرورة أنهكان مكلفا و كل عاقل يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم و من كان كذلك افتقر إلى مدبر فيكون قائلا بالمدبر .


و من الناس من قال : إنه كان جاهلا بالله تعالى بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السماوات و الأرض و ما بينهما و اختلفوا في كيفية جهله .


فيحتمل أنه كان دهريا نافيا للصانع أصلا ، و لعله كان يقول بعدم احتياج الممكن إلى مؤثر و أن وجود العالم اتفاقي كما نقل عن ذي مقراطيس و أتباعه .


و يحتمل أنه كان فلسفيا قائلا بالعلة الموجبة و يحتمل أنه كان من عبدة الكواكب و يحتمل أنه كان من عبدةالأصنام ، و يحتمل أنه كان من الحلولية المجسمة ، و أما دعاؤه لنفسه بالربوبية فبمعنى أنه يجب على من تحت يده طاعته و الانقياد له و عدم الاشتغال بطاعة غيره .


انتهى بنحو من التلخيص .


و أنت بالرجوع إلى حاق مذهب القوم تعرف أن شيئا من هذه الأقوال و المحتملات و لا ما استدلوا عليه لا يوافق واقع الأمر .


قوله تعالى : « قال ربنا الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى» سياق الآية - و هي واقعة في جواب سؤال فرعون : « فمن ربكما يا موسى» - يعطي أن « خلقه» بمعنى اسم المصدر و الضمير للشي‏ء فالمراد الوجود الخاص بالشي‏ء .


و الهداية إراءة الشي‏ء الطريق الموصل إلى مطلوبه أو إيصاله إلى مطلوبه و يعود المعنيان في الحقيقة إلى معنى واحد و هو نوع من إيصال الشي‏ء إلى مطلوبه إما بإيصاله إليه نفسه أو إلى طريقه الموصل إليه .


و قد أطلق الهداية من حيث المهدي و المهدي إليه ، و لم يسبق في الكلام إلا الشي‏ء الذي أعطي خلقه فالظاهر أن المراد هداية كل شي‏ء - المذكور قبلا - إلى مطلوبه و مطلوبه هو الغاية التي يرتبط بها وجوده و ينتهي إليها و المطلوب هو مطلوبه من جهة خلقه الذي أعطيه و معنى هدايته له إليها تسييره نحوها كل ذلك بمناسبة البعض للبعض .


فيئول المعنى إلى إلقائه الرابطة بين كل شي‏ء بما جهز به في وجوده من القوى و الآلات و بين آثاره التي تنتهي به إلى غاية وجوده فالجنين من الإنسان مثلا و هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :167


نطفة مصورة بصورته مجهز في نفسه بقوى و أعضاء تناسب من الأفعال و الآثار ما ينتهي به إلى الإنسان الكامل في نفسه و بدنه فقد أعطيت النطفة الإنسانية بما لها من الاستعداد خلقها الذي يخصها و هو الوجود الخاص بالإنسان ثم هديت و سيرت بما جهزت به من القوى و الأعضاء نحو مطلوبها و هو غاية الوجود الإنساني و الكمال الأخير الذي يختص به هذا النوع .


و من هنا يظهر معنى عطف قوله : « هدى» على قوله : « أعطى كل شي‏ء خلقه» بثم و أن المراد التأخر الرتبي فإن سير الشي‏ء و حركته بعد وجوده رتبة و هذا التأخر في الموجودات الجسمانية تدريجي زماني بنحو .


و ظهر أيضا أن المراد بالهداية الهداية العامة الشاملة لكل شي‏ء دون الهداية الخاصة بالإنسان ، و ذلك بتحليل الهداية الخاصة و تعميمها بإلقاء الخصوصيات فإن حقيقة هداية الإنسان بإراءته الطريق الموصل إلى المطلوب و الطريق رابطة القاصد بمطلوبه فكل شي‏ء جهز بما يربطه بشي‏ء و يحركه نحوه فقد هدي إلى ذلك الشي‏ء فكل شي‏ء مهدي نحو كماله بما جهز به من تجهيز و الله سبحانه هو الهادي .


فنظام الفعل و الانفعال في الأشياء و إن شئت فقل : النظام الجزئي الخاص بكل شي‏ء و النظام العام الجامع لجميع الأنظمة الجزئية من حيث ارتباط أجزائها و انتقال الأشياء من جزء منها إلى جزء مصداق هدايته تعالى و ذلك بعناية أخرى مصداق لتدبيره ، و معلوم أن التدبير ينتهي إلى الخلق بمعنى أن الذي ينتهي و ينتسب إليه تدبير الأشياء هو الذي أوجد نفس الأشياء فكل وجود أو صفة وجود ينتهي إليه و يقوم به .


فقد تبين أن الكلام أعني قوله : « الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى» مشتمل على البرهان على كونه تعالى رب كل شي‏ء لا رب غيره فإن خلقه الأشياء و إيجاده لها يستلزم ملكه لوجوداتها - لقيامها به - و ملك تدبير أمرها .


و عند هذا يظهر أن الكلام على نظمه الطبيعي و السياق جار على مقتضى المقام فإن المقام مقام الدعوة إلى التوحيد و طاعة الرسول و قد أتى فرعون بعد استماع كلمة الدعوة بما حاصله التغافل عن كونه تعالى ربا له ، و حمل كلامهما على دعوتهما له إلى


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :168


ربهما فسأل : من ربكما ؟ فكان من الحري أن يجاب بأن ربنا هو رب العالمين ليشملهما و إياه و غيرهم جميعا فأجيب بما هو أبلغ من ذلك فقيل : « ربنا الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى» فأجيب بأنه رب كل شي‏ء و أفيد مع ذلك البرهان على هذا المدعى ، و لو قيل : ربنا رب العالمين أفاد المدعى فحسب دون البرهان ، فافهم ذلك .


و إنما أثبت في الكلام الهداية دون التدبير مع كون موردهما متحدا كما تقدمت الإشارة إليه لأن المقام مقام الدعوة و الهداية و الهداية ، العامة أشد مناسبة له .


هذا هو الذي يرشد إليه التدبر في الآية الكريمة ، و بذلك يعلم حال سائر التفاسير التي أوردت للآية : كقول بعضهم : إن المراد بقوله : « خلقه» مثل خلقه و هو الزوج الذي يماثل الشي‏ء ، و المعنى : الذي خلق لكل شي‏ء زوجا ، فيكون في معنى قوله : « و من كل شي‏ء خلقنا زوجين» .


و قول بعضهم : إن المراد بكل شي‏ء أنواع النعم و هو مفعول ثان لأعطى و بالخلق المخلوق و هو مفعول أول لأعطى ، و المعنى : الذي أعطى مخلوقاته كل شي‏ء من النعم .


و قول بعضهم : إن المراد بالهداية الإرشاد و الدلالة على وجوده تعالى و وحدته بلا شريك ، و المعنى : الذي أعطى كل شي‏ء من الوجود ما يطلبه بلسان استعداده ثم أرشد و دل بذلك على وجود نفسه و وحدته .


و التأمل فيما مر يكفيك للتنبه على فساد هذه الوجوه فإنما هي معان بعيدة عن السياق و تقييدات للفظ الآية من غير مقيد .


قوله تعالى : « قال فما بال القرون الأولى» قيل : البال في الأصل بمعنى الفكر و منه قولهم : خطر ببالي كذا ، ثم استعمل بمعنى الحال ، و لا يثنى و لا يجمع ، و قولهم : بآلات ، شاذ .


لما كان جواب موسى (عليه‏السلام‏) مشتملا على معنى الهداية العامة التي لا تتم في الإنسان إلا بنبوة و معاد إذ لا يستقيم دين التوحيد إلا بحساب و جزاء يتميز به المحسن من المسي‏ء و لا يتم ذلك إلا بتمييز ما يأمر تعالى به مما ينهى عنه و ما يرتضيه مما يسخطه ، على أن كلمة الدعوة التي أمرا أن يؤدياها إلى فرعون مشتملة على الجزاء صريحا ففي آخرها :


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :169


«إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب و تولى» و الوثنيون منكرون لذلك عدل فرعون عن الكلام في الربوبية - و قد انقطع بما أجاب به موسى - إلى أمر المعاد و السؤال عنه بانيا على الاستبعاد .


فقوله : « فما بال القرون الأولى» أي ما حال الأمم و الأجيال الإنسانية الماضية الذين ماتوا و فنوا لا خبر عنهم و لا أثر كيف يجزون بأعمالهم و لا عامل في الوجود و لا عمل و ليسوا اليوم إلا أحاديث و أساطير ؟ فالآية نظيرة ما نقل عن المشركين في قوله : « و قالوا ء إذا ضللنا في الأرض ء إنا لفي خلق جديد :» الم السجدة : 10 ، و ظاهر الكلام أنه مبني على الاستبعاد من جهة انتفاء العلم بهم و بأعمالهم للموت و الفوت كما يشهد به جواب موسى (عليه‏السلام‏) .


قوله تعالى : « قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي و لا ينسى» أجاب (عليه‏السلام‏) عن سؤاله بإثبات علمه تعالى المطلق بتفاصيل تلك القرون الخالية فقال : « علمها عند ربي» فأطلق العلم بها فلا يفوته شي‏ء من أشخاصهم و أعمالهم و جعلها عند الله فلا تغيب عنه و لا تفوته ، و قد قال تعالى : « و ما عند الله باق» ثم قيد ذلك بقوله : « في كتاب» - و كأنه حال من العلم - ليؤكد به أنه مثبت محفوظ من غير أن يتغير عن حاله و قد نكر الكتاب ليدل به على فخامة أمره من جهة سعة إحاطته و دقتها فلا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها .


فيئول معنى الكلام إلى أن جزاء القرون الأولى إنما يشكل لو جهل و لم يعلم بها لكنها معلومة لربي محفوظة عنده في كتاب لا يتطرق إليه خطأ و لا تغيير و لا غيبة و زوال .


و قوله : « لا يضل ربي و لا ينسى» نفي للجهل الابتدائي و الجهل بعد العلم على مانقل عن بعضهم و لكن الظاهر أن الجملة مسوقة لنفي الجهل بعد العلم بقسميه فإن الضلال هو قصد الغاية بسلوك سبيل لا يؤدي إليها بل إلى غيرها فيكون الضلال في العلم هو أخذ الشي‏ء مكان غيره و إنما يتحقق ذلك بتغير المعلوم من حيث هو معلوم عما كانت عليه في العلم أولا ، و النسيان خروج الشي‏ء من العلم بعد دخوله فيه فهما معا من الجهل بعد العلم ، و نفيه هو المناسب لإثبات العلم أولا فيفيد مجموع الآية أنه عالم بالقرون الأولى و لا سبيل إليه للجهل بعد العلم فيجازيهم على ما علم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :170


ومن هنا يظهر أن قوله : « لا يضل ربي و لا ينسى» من تمام بيان الآية كأنه دفع دخل مقدر كأنما قيل : إنها و إن علم بها يوما فهي اليوم باطلة الذوات معفوة الآثار لا يتميز شي‏ء منها من شي‏ء فأجيب بأن شيئا منها و من آثارها و أعمالها لا يختلط عليه تعالى بتغير ضلال و لا يغيب عنه بنسيان ، و لذا أوردت الجملة مفصولة غير معطوفة .


و قد أثبت العلم و نفى الجهل عنه تعالى بعنوان أنه رب لتكون فيه إشارة إلى برهان المدعى و ذلك أن فرض الربوبية لا يجامع فرض الجهل بالمربوب إذ فرض ربوبيته المطلقة لكل شي‏ء - و الرب هو المالك للشي‏ءالمدبر لأمره - يستلزم كون الأشياء مملوكة له قائمة الوجود به من كل جهة و كونها مدبرة له كيفما فرضت فهي معلومة له ، و لو فرض شي‏ء منها مجهولا له عن ضلال أو نسيان أو جهل ابتدائي فذلك الشي‏ء أيا ما كان و أينما تحقق مملوك له قائم الوجود به مدبر بتدبيره لا حاجب بينهما و لا فاصل و هو الحضور الذي نسميه علما و قد فرضناه مجهولا أي غائبا عنه هذا خلف .


و قد أضاف الرب إلى نفسه في الآية في موضعين ثانيهما من وضع الظاهر موضع المضمر على ما قيل و لم يقل : « ربنا» كما في الآية السابقة لأن السؤال السابق إنما كان عن ربهما الذي يدعوان إليه فأجيب بما يطابقه فكان معناه بحسب المقام : الرب الذي أدعو أنا و أخي إليه هو كذا و كذا ، و أما في هذه الآية فقد سئل عن أمر يرجع إلى القرون الأولى و الذي يصفه هو موسى فكان المعنى الرب الذي أصفه عليم بها ، و الذي يفيد هذا المعنى هو « ربي» لا غير فتأمل فيه فهو لطيف .


و النكتة في « ربي» الثاني هي نظيرة ما في « ربي» الأول و في كونه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر تأمل لفصل الجملة .


و قد اختلفت أقوال المفسرين في تفسير الآيتين بالوجوه و الاحتمالات اختلافا كثيرا أضربنا عن ذكرها لعدم جدوى فيها و من أعجبها قول كثير منهم أن قول فرعون لموسى : « فما بال القرون الأولى» سؤال عن تاريخ الأمم الأولى المنقرضة سأل موسى عن ذلك ليصرفه عن ما هو فيه من التكلم في أصول المعارف الإلهية و إقامة البرهان على صريح الحق في مسائل المبدأ و المعاد مما ينكره الوثنية و يشغله بما لا فائدة فيه من تواريخ الأولين و أخبار الماضين ، و جواب موسى : « علمها عند ربي» إلخ ،


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :171


محصله إرجاع العلم بها إلى الله و أنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب .


قوله تعالى : « الذي جعل لكم الأرض مهدا - إلى قوله - لآيات لأولي النهى» قد عرفت أن لسؤاله « فما بال القرون الأولى ؟» ارتباطا بما وصف الله به من الهداية العامة التي منها هداية الإنسان إلى سعادته في الحياة و هي الحياة الخالدة الأخروية و كذا الجواب عنه بقوله : « علمها عند ربي» إلخ مرتبط فقوله : « الذي جعل لكم الأرض مهدا» مضى في الحديث عن الهداية العامة و ذكر شواهد بارزة من ذلك .


فالله سبحانه أقر الإنسان في الأرض يحيا فيها حياة أرضية ليتخذ منها زادا لحياته العلوية السماوية كالصبي يقر في المهد و يربى لحياة هي أشرف منه و أرقى ، و جعل للإنسان فيها سبلا ليتنبه بذلك أن بينه و بين غايته و هو التقرب منه تعالى و الدخول في حظيرة الكرامة سبيلا يجب أن يسلكها كما يسلك السبل الأرضية لمآربه الحيوية و أنزل من السماء ماء و هو ماء الأمطار و منه مياه عيون الأرض و أنهارها و بحارها فأنبت منه أزواجا أي أنواعا و أصنافا متقاربة شتى من نبات يهديكم إلى أكلها ففي ذلك آيات تدل أرباب العقول إلى هدايته و ربوبيته تعالى .


فقوله : « الذي جعل لكم الأرض مهدا» إشارة إلى قرار الإنسان في الأرض لإدامة الحياة و هو من الهداية ، و قوله : « و سلك لكم فيها سبلا» إشارة إلى مسالك الإنسان التي يسلكها في الأرض لإدراك مآربه و هو أيضا من الهداية ، و قوله : « و أنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا و ارعوا أنعامكم» إشارة إلى هداية الإنسان و الإنعام إلى أكل النبات لإبقاء الحياة ، و فيه هداية السماء إلى الإمطار و ماء الأمطار إلى النزول و النبات إلى الخروج .


و الباء في « به» للسببية و فيه تصديق السببية و المسببية بين الأمور الكونية ، و المراد بكون النبات أزواجا كونها أنواعا و أصنافا متقاربة كما فسره القوم أو حقيقة الإزدواج بين الذكور و الإناث من النبات و هي من الحقائق التي نبه عليها الكتاب العزيز .


و قوله : « فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى» فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بالغير ، قيل : و الوجه فيه ما في هذا الصنع العجيب و إبداع الصور المتشتتة و الأزواج المختلفة على ما فيها من تنوع الحياة من ماء واحد ، من العظمة و الصنع العظيم لا يصدر


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :172


إلا من العظيم و العظماء يتكلمون عنهم و عن غيرهم من أعوانهم و قد ورد الالتفات في معنى إخراج النبات بالماء في مواضع من كلامه تعالى كقوله : « أ لم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها» : فاطر : 27 ، و قوله : « و أنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة» : النمل : 60 ، و قوله : « و هو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شي‏ء :» الأنعام : 99 .


و قوله : « إن في ذلك لآيات لأولي النهى» النهى جمع نهية بالضم فالسكون : و هو العقل سمي به لنهيه عن اتباع الهوى .


قوله تعالى : « منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى» الضمير للأرض و الآية تصف ابتداء خلق الإنسان من الأرض ثم إعادته فيها و صيرورته جزء منها ثم إخراجه منها للرجوع إلى الله ففيها الدورة الكاملة منهداية الإنسان .


قوله تعالى : « و لقد أريناه آياتنا كلها فكذب و أبى» الظاهر أن المراد بالآيات العصا و اليد و سائر الآيات التي أراها موسى فرعون أيام دعوته قبل الغرق كما مر في قوله : « اذهب أنت و أخوك بآياتي» فالمراد جميع الآيات التي أريها و إن لم يؤت بها جميعا في أول الدعوة كما أن المراد بقوله : « فكذب و أبى» مطلق تكذيبه و إبائه لا ما أتى به منهما في أول الدعوة .


قوله تعالى : « قال أ جئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى» الضمير لفرعون و قد اتهم موسى أولا بالسحر لئلا يلزمه الاعتراف بصدق ما جاء به من الآيات المعجزة و حقية دعوته ، و ثانيا بأنه يريد إخراج القبط من أرضهم و هي أرض مصر ، و هي تهمة سياسية يريد بها صرف الناس عنه و إثارة أفكارهم عليه بأنه عدو يريد أن يطردهم من بيئتهم و وطنهم بمكيدته و لا حياة لمن لا بيئة له .


قوله تعالى : « فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا و بينك موعدا لا نخلفه نحن و لا أنت مكانا سوى» الظاهر كما يشهد به الآية التالية أن الموعد اسم زمان و إخلاف الوعد عدم العمل بمقتضاه ، و مكان سوى بضم السين أي واقع المنتصف من المسافة أو مستوي الأطراف من غير ارتفاع و انخفاض قال في المفردات ، : و مكان سوى و سواء وسط ، و يقال : سواء و سوى و سوى - بضم السين و كسرها - أي يستوي طرفاه ،


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :173


و يستعمل ذلك وصفا و ظرفا ، و أصل ذلك مصدر .


انتهى .


و المعنى : فأقسم لنأتينك بسحر يماثل سحرك لقطع حجتك و إبطال إرادتك فاجعل بيننا و بينك زمان وعد لا نخلفه في مكان بيننا أو في مكان مستوي الأطراف أو اجعل بيننا و بينك مكانا كذلك .


قوله تعالى : « قال موعدكم يوم الزينة و أن يحشر الناس ضحى» الضمير لموسى و قد جعل الموعد يوم الزينة ، و يظهر من السياق أنه كان يوما لهم يجري بينهممجرى العيد ، و يظهر من لفظه أنهم كانوا يتزينون فيه و يزينون الأسواق ، و حشر الناس - على ما ذكره الراغب - إخراجهم عن مقرهم و إزعاجهم عنه إلى الحرب و نحوها ، و الضحى وقت انبساط الشمس من النهار .


و قوله : « و أن يحشر الناس ضحى» معطوف على الزينة أو على يوم بتقدير اليوم أو الوقت و نحوه و المعنى قال موسى موعدكم يوم الزينة و يوم حشر الناس في الضحى ، و ليس من البعيد أن يكون مفعولا معه و المعنى موعدكم يوم الزينة مع حشر الناس في الضحى و يرجع إلى الاشتراط .


و إنما اشترط ذلك ليكون ما يأتي به و يأتون به على أعين الناس في ساعة مبصرة .


قوله تعالى : « فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى» ظاهر السياق أن المراد بتولي فرعون انصرافه عن مجلس المواعدة للتهيؤ لما واعد ، و المراد بجمع كيده جمع ما يكاد به من السحرة و سائر ما يتوسل به إلى تعمية الناس و التلبيس عليهم و يمكن أن يكون المراد بجمع كيده جمع ذوي كيده بحذف المضاف و المراد بهم السحرة و سائر عماله و أعوانه و قوله : « ثم أتى» أي ثم أتى الموعد و حضره .


قوله تعالى : « قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب و قد خاب من افترى» الويل كلمة عذاب و تهديد ، و الأصل فيه معنى العذاب و معنى ويلكم عذبكم الله عذابا ، و السحت بفتح السين استيصال الشعر بالحلق و الإسحات الاستئصال و الإهلاك .


و قوله : « قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا» ضمائر الجمع غيبة و خطابا لفرعون و كيده و هم السحرة و سائر أعوانه على موسى (عليه‏السلام‏) و قد مر ذكرهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :174


في الآية السابقة ، و أما رجوعها إلى السحرة فقط فلم يسبق لهم ذكر و لا دل عليهم دليل من جهة اللفظ .


و هذا القول من موسى (عليه‏السلام‏) موعظة لهم و إنذار أن يفتروا على الله الكذب ، و قد ذكر من افترائهم فيما مر تسمية فرعون الآيات الإلهية سحرا ، و رمي الدعوة الحقة بأنها للتوسل إلى إخراجهم من أرضهم و من الافتراء أيضا السحر لكن افتراء الكذب على الله و هو اختلاق الكذب عليه إنما يكون بنسبة ما ليس من الله إليه ، و عد الآية المعجزة سحرا و الدعوة الحقة كيدا سياسيا قطع نسبتهما إلى الله و كذا إتيانهم بالسحر قبال المعجزة مع الاعتراف بكونه سحرا لا واقع له فلا يعد شي‏ء منها افتراء على الله .


فالظاهر أن المراد بافتراء الكذب على الله الاعتقاد بأصول الوثنية كألوهية الآلهة و شفاعتها و رجوع تدبير العالم إليها كما فسروا الآية بذلك ، و قد عد ذلك افتراء على الله في مواضع من القرآن كقوله : « قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم :» الأعراف : 89 .


و قوله : « فيسحتكم بعذاب» تفريع على النهي أي لا تشركوا بالله حتى يستأصلكم و يهلككم بعذاب بسبب شرككم ، و تنكير العذاب للدلالة على شدته و عظمته .


قوله : « و قد خاب من افترى» الخيبة اليأس من بلوغ النتيجة المأمولة و قد وضعت الجملة في الكلام وضع الأصل الكلي الذي يتمسك به و هو كذلك فإن الافتراء من الكذب و سببيته سببية كاذبة و الأسباب الكاذبة لا تهتدي إلى مسببات حقة و آثار صادقة فنتائجها غير صالحة للبقاء و لا هي تسوق إلى سعادة فليس في عاقبتها إلا الشؤم و الخسران فالآية أشمل معنى من قوله تعالى : « إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون :» يونس : 69 .


لإثباتها الخيبة في مطلق الافتراء بخلاف الآية الثانية و قد تقدم كلام في أن الكذب لا يفلح في ذيل قوله : « و جاءوا على قميصه بدم كذب :» يوسف : 18 في الجزء الحادي عشر من الكتاب .


قوله تعالى : « فتنازعوا أمرهم بينهم و أسروا النجوى» - إلى قوله - من استعلى» التنازع قريب المعنى من الاختلاف ، من النزع بمعنى جذب الشي‏ء من مقره لينقلع


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :175


منه و التنازع يتعدى بنفسه كما في الآية و بفي كقوله : « فإن تنازعتم في شي‏ء :» النساء : 59 .


و النجوى الكلام الذي يسار به ، و أصله مصدر بمعنى المناجاة و هي المسارة في الكلام ، و المثلى مؤنث أمثل كفضلى و أفضل و هو الأقرب الأشبه و الطريقة المثلى السنة التي هي أقرب من الحق أو من أمنيتهم و هي سنة الوثنية التي كانت مصر اليوم تدار بها و هي عبادة الآلهة و في مقدمتها فرعون إله القبط ، و الإجماع - على ما ذكره الراغب - جمع الشي‏ء عن فكر و ترو ، و الصف جعل الأشياء على خط مستو كالإنسان و الأشجار و نحو ذلك و يستعمل مصدرا و اسم مصدر و قوله : « ثم ائتوا صفا» يحتمل أن يكون مصدرا ، و أن يكون بمعنى صافين أي ائتوه باتحاد و اتفاق من دون أن تختلفوا و تتفرقوا فتضعفوا و كونوا كيد واحدة عليه .


و يظهر من تفريع قوله : « فتنازعوا أمرهم» على ما في الآية السابقة من قوله : « قال لهم موسى» إلخ إن التنازع و الاختلاف إنما ظهر بينهم عن موعظة وعظهم بها موسى فأثرت فيهم بعض أثرها و من شأنها ذلك إذ ليست إلا كلمة حق ما فيها مغمض و كان محصلها أن لا علم لكم بما تدعونه من ألوهية الآلهة و شفاعتها فنسبتكم الشركاء و الشفعاء إلى الله افتراء عليه و قد خاب من افترى و هذا برهان واضح لا ستر عليه و لا غبار .


و يظهر من قوله الآتي الحاكي لقول السحرة : « إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا و ما أكرهتنا عليه من السحر» أن الاختلاف إنما ظهر أول ما ظهر بين السحرة و منهم و ربما أشعر قوله الآتي : « ثم ائتوا صفا» أن المترددين في مقابلة موسى منهم أو العازمين على ترك مقابلته أصلا كانوا بعض السحرة إن كان الخطاب متوجها إليهم و لعل السياق يساعد على ذلك .


و كيف كان لما رأى فرعون و أياديه تنازع القوم - و فيه خزيهم و خذلانهم - أسروهم النجوى و لم يكلموهم فيما ألقاه إليهم موسى من الحكمة و الموعظة بل عدلوا عن ذلك إلى ما اتهمه فرعون بالسحر و طرح خطة سياسية لإخراج أمة القبط من أرضهم و لا ترضى الأمة بذلك ففيه خروج من ديارهم و أموالهم و سقوط من أوج سعادتهم إلى حضيض الشقاء و هم يرون ما يقاسيه بنو إسرائيل بينهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :176


و أضافوا إلى ذلك أمرا آخر أمر من الجلاء و الخروج من الديار و الأموال و هو ذهاب طريقتهم المثلى و سنتهم القومية التي هي ملة الوثنية الحاكمة فيهم قرنا بعد قرن و جيلا بعد جيل و قد اشتد بها عظمهم و نبت عليها لحمهم و العامة تقدس السنن القومية و خاصة ما اعتادت عليها و أذعنت بأنها سنن ظاهرة سماوية .


و هذا بالحقيقة إغراء لهم على التثبت و الاستقامة على ملة الوثنية لكن لا لأنها دين حق لا شبهة فيه فإن حجة موسى أوضحت فسادها و كشفت عن بطلانها بل بعنوان أنها سنة ملية مقدسة تعتمد عليها مليتهم و تستند إليها شوكتهم و عظمتهم و تعتصم بها حياتهم فلو اختلفوا و تركوا مقابلة موسى و استعلى هو عليهم كان في ذلك فناؤهم بالمرة .


فالرأي هو أن يجمعوا كل كيد لهم ثم يدعوا الاختلاف و يأتوا صفا حتى يستعلوا و قد أفلح اليوم من استعلى .


فأكدوا عليهم القول بالتسويل أن يتحدوا و يتفقوا و لا يهنوا في حفظ ملتهم و مدنيتهم و يكروا على عدوهم كرة رجل واحد ، و شفع ذلك فرعون بمواعد جميلة وعدهم إياها كما يظهر من قوله تعالى في موضع آخر : « قالوا لفرعون أ ئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ، قال نعم و إنكم إذا لمن المقربين :» الشعراء : 42 .


و بأي وجه كان من ترغيب و ترهيب حملوهم على أن يثبتوا و يواجهوا موسى بمغالبته .


هذا ما يعطيه التدبر في معنى الآيات بالاستمداد من السياق و القرائن المتصلة و الشواهد المنفصلة ، و على ذلك فقوله : « فتنازعوا أمرهم بينهم» إشارة إلى اختلافهم إثر موعظة موسى و ما أومأ إليه من الحجة .


و قوله : « و أسروا النجوى» إشارة إلى مسارتهم في أمر موسى و اجتهادهم في رفع الاختلاف الناشى‏ء من استماعهم وعظ موسى (عليه‏السلام‏) ، و قوله : « قالوا إن هذان لساحران يريدان» إلخ ، بيان النجوى الذي أسروه فيما بينهم و قد مر توضيح معناه .


و قوله : « إن هذان لساحران» القراءة المعروفة « إن» بكسر الهمزة و سكون النون و هي « إن» المشبهة بالفعل خففت فألغيت عن العمل بنصب الاسم و رفع الخبر .


قوله تعالى : « قالوا يا موسى إما أن تلقي و إما أن نكون أول من ألقى»


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :177


إلى آخر الآية التالية ، الحبال جمع حبل و العصي جمع عصا ، و قد كان السحرة استعملوها ليصوروا بها في أعين الناس حيات و ثعابين أمثال ما كان يظهر من عصا موسى (عليه‏السلام‏) .


و هنا حذف و إيجاز كأنه قيل فأتوا الموعد و قد حضره موسى فقيل فما فعلوا ؟ فقيل : « قالوا يا موسى إما أن تلقي - أي عصاك - و إما أن نكون أول من ألقى» و هذا تخيير منهم لموسى بين أن يبدأ بالإلقاء أو يصبر حتى يلقوا ثم يأتي بما يأتي ، « قال موسى : بل ألقوا» فأخلى لهم الظرف كي يأتوا بما يأتون به و هو معتمد على ربه واثق بوعده من غير قلق و اضطراب و قد قال له ربه فيما قال : « إنني معكما أسمع و أرى» .


و قوله : « فإذا حبالهم و عصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى» فيه حذف ، و التقدير : فألقوا و إذا حبالهم و عصيهم إلخ ، و إنما حذف لتأكيد المفاجاة كأنه (عليه‏السلام‏) لما قال لهم : بل ألقوا ، لم يلبث دون أن شاهد ما شاهد من غير أن يتوسط هناك إلقاؤهم الحبال و العصي .


و الذي خيل إلى موسى خيل إلى غيره من الناظرين من الناس كما ذكره في موضع آخر : « سحروا أعين الناس و استرهبوهم :» الأعراف : 116 ، غير أنه ذكر هاهنا موسى من بينهم و كان ذلك ليكون تمهيدا لما في الآية التالية .


قوله تعالى : « فأوجس في نفسه خيفة موسى» قال الراغب في المفردات ، : الوجس الصوت الخفي ، و التوجس التسمع ، و الإيجاس وجود ذلك في النفس ، قال : « فأوجس منهم خيفة» فالوجس هو حالة تحصل من النفس بعد الهاجس لأن الهاجس مبتدأ التفكير ثم يكون الواجس الخاطر .


انتهى .


فإيجاس الخيفة في النفس إحساسها فيها و لا يكون إلا خفيفا خفيا لا يظهر أثره في ظاهر البشرة و يتبع وجوده في النفس ظهور خاطر سوء فيها منغير إذعان بما يوجبه من تحذر و تحرز و إلا لظهر أثره في ظاهر البشرة و عمل الإنسان قطعا ، و إلى ذلك يومى‏ء تنكير الخيفة كأنه قيل : أحس في نفسه نوعا من الخوف لا يعبأ به ، و من العجيب قول بعضهم : إن التنكير للتفخيم و كان الخوف عظيما و هو خطأ و لو كان


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :178


كذلك لظهر أثره في ظاهر بشرته و لم يكن لتقييد الخيفة بكونها في نفسه وجه .


فظهر أن الخيفة التي أوجسها في نفسه كانت إحساسا آنيا لها نظيرة الخاطر الذي عقبها فقد خطرت بقلبه عظمة سحرهم و أنه بحسب التخيل مماثل أو قريب من آيته فأوجس الخيفة من هذا الخطور و هو كنفس الخطور لا أثر له .


و قيل : إنه خاف أن يلتبس الأمر على الناس فلا يميزوا بين آيته و سحرهم للتشابه فيشكوا و لا يؤمنوا و لا يتبعوه و لم يكن يعلم بعد أن عصاه ستلقف ما يأفكون .


و فيه أن ذلك ينافي اطمئنانه بالله و وثوقه بأمره و قد قال له ربه قبل ذلك : « بآياتنا أنتما و من اتبعكما الغالبون :» القصص : 35 .


و قيل : إنه خاف أن يتفرق الناس بعد رؤية سحرهم و لا يصبروا إلى أن يلقي عصاه فيدعي التساوي و يخيب السعي .


و فيه : أنه خلاف ظاهر الآية فإن ظاهر تفريع قوله : « فأوجس في نفسه خيفة» إلخ ، على قوله : « فإذا حبالهم و عصيهم يخيل إليه» إلخ ، أنه إنما خاف ما خيل إليه من سحرهم لا أنه خاف تفرق الناس قبل أن يتبين الأمر بإلقاء العصا ، و لو خاف ذلك لم يسمح لهم بأن يلقوا حبالهم و عصيهم أولا ، على أن هذا الوجه لا يلائم قوله تعالى في تقوية نفسه (عليه‏السلام‏) : « قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى» و لقيل : لا تخف لا ندعهم يتفرقون حتى تلقي العصا .


و كيفما كان يظهر من إيجاسه (عليه‏السلام‏) خيفة في نفسه أنهم أظهروا للناس من السحر ما يشابه آيته المعجزة أو يقرب منه و إن كان ما أتوا به سحرا لا حقيقة له و ما أتى به آية معجزة ذات حقيقة و قد استعظم الله سحرهم إذ قال : « فلما ألقوا سحروا أعين الناس و استرهبوهم و جاءوا بسحر عظيم» : الأعراف : 116 .


و لذا أيده الله هاهنا بما لا يبقى معه لبس لناظر البتة و هو تلقف العصا جميع ما سحروا به .


قوله تعالى : « قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى - إلى قوله - حيث أتى» نهي بداعي التقوية و التأييد و قد علله بقوله : « إنك أنت الأعلى» فالمعنى : أنك فوقهم من كل جهة و إذا كان كذلك لم يضرك شي‏ء من كيدهم و سحرهم فلا موجب لأن تخاف .


و قوله : « و ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا» إلخ أمر بإلقاء العصا لتكون


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :179


حية و تلقف ما صنعوا بالسحر و التعبير عن العصا بما في يمينك من ألطف التعبير و أعمقه فإن فيه إشارة إلى أن ليس للشي‏ء من الحقيقة إلا ما أراد الله فإن أراد لما في اليمين أن يكون عصا كان عصا و إن أراد أن يكون حية كان حية فما له من نفسه شي‏ء ثم التعبير عن حياتهم و ثعابينهم بقوله : « ما صنعوا» يشير إلى أن المغالبة واقعة بين تلك القدرة المطلقة التي تتبعها الأشياء في أساميها و حقائقها و بين هذا الصنع البشري الذي لا يعدو أن يكون كيدا باطلاو كلمة الله هي العليا و الله غالب على أمره فلا ينبغي له أن يخاف .


و في هذه الجملة أعني قوله : « و ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا» بيان لكونه (عليه‏السلام‏) أعلى بحسب ظاهر الحس كما أن في ذيله بيانا لكونه أعلى بحسب الحقيقة إذ لا حقيقة للباطل فمن كان على الحق فلا ينبغي له أن يخاف الباطل على حقه .


و قوله : « إنما صنعوا كيد ساحر و لا يفلح الساحر حيث أتى» تعليل بحسب اللفظ لقوله : « تلقف ما صنعوا» و « ما» مصدرية أو موصولة و بيان بحسب الحقيقة لكونه (عليه‏السلام‏) أعلى لأن ما معهم كيد ساحر لا حقيقة له و ما معه آية معجزة ذات حقيقة و الحق يعلو و لا يعلى عليه .


و قوله : « و لا يفلح الساحر حيث أتى» بمنزلة الكبرى لقوله : « ما صنعوا كيد ساحر» فإن الذي يناله الساحر بسحره خيال من الناظرين باطل لا حقيقة له و لا فلاح و لا سعادة حقيقية يظفر بها في أمر موهوم لا واقع له .


فقوله : « و لا يفلح الساحر حيث أتى» نظير قوله : « إن الله لا يهدي القوم الظالمين :» الأنعام : 144 ، « و الله لا يهدي القوم الفاسقين» : المائدة : 108 ، و غيرهما و الجميع من فروع « إن الباطل كان زهوقا :» الإسراء : 81 ، « و يمح الله الباطل و يحق الحق بكلماته :» الشورى : 24 ، فلا يزال الباطل يزين أمورا و يشبهها بالحق و لا يزال الحق يمحوه و يلقف ما أظهره لوهم الناظرين سريعا أو بطيئا فمثل عصا موسى و سحر السحرة يجري في كل باطل يبدو و حق يلقفه و يزهقه ، و قد تقدم في تفسير قوله : « أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها :» الرعد : 17 ، كلام نافع في المقام .


قوله تعالى : « فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون و موسى» في الكلام حذف و إيجاز و التقدير فألقى ما في يمينه فتلقف ما صنعوا فألقي السحرة و في التعبير


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :180


بقوله : « فألقي السحرة» بالبناء للمفعول دون أن يقال : فسجد السحرة إشارة إلى إذلال القدرة الإلهية لهم و غشيان الحق بظهوره إياهم بحيث لم يجدوا بدا دون أن يخروا على الأرض سجدا كأنهم لا إرادة لهم في ذلك و إنما ألقاهم ملق غيرهم دون أن يعرفوه من هو ؟ .


و قولهم : « آمنا برب هارون و موسى» شهادة منهم بالإيمان و إنما أضافوه تعالى إلى موسى و هارون ليكون فيه الشهادة على ربوبيته تعالى و رسالة موسى و هارون معا و فصل قوله : « قالوا» إلخ من غير عطف لكونه كالجواب لسؤال مقدر كأنه قيل : فما قالوا فقيل : قالوا إلخ .


قوله تعالى : « قال آمنتم له قبل أن آذن لكم» إلى آخر الآية ، الكبير الرئيس و قطع الأيدي و الأرجل من خلاف أن يقطع اليد اليمنى و الرجل اليسرى و التصليب تكثير الصلب و تشديده كالتقطيع الذي هو تكثير القطع و تشديده و الجذوع جمع جذع و هو ساقة النخل .


و قوله : « آمنتم له قبل أن آذن لكم» تهديد من فرعون للسحرة حيث آمنوا و الجملة استفهامية محذوفة الأداة و الاستفهام للإنكار أو خبرية مسوقة لتقرير الجرم ، و قوله : « إنه لكبيركم الذي علمكم السحر» رمي لهم بتوطئة سياسية على المجتمع القبطي في أرض مصر كأنهم تواطئوا مع رئيسهم أن يتنبأ موسى فيدعو أهل مصر إلى الله و يأتي في ذلك بسحر فيستنصروا بالسحرة حتى إذا حضروه و اجتمعوا على مغالبته تخاذلوا و انهزموا عنه و آمنوا و اتبعتهم العامة فذهبت طريقتهم المثلى من بينهم و أخرج من لم يؤمن منهم قال تعالى في موضع آخر : « إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها :» الأعراف : 123 ، و إنما رماهم بهذا القول تهييجا للعامة عليهم كما رمى موسى (عليه‏السلام‏) بمثله في أول يوم .


و قوله : « فلأقطعن أيديكم و أرجلكم من خلاف» إلى آخر الآية ، إيعاد لهم و تهديد بالعذاب الشديد و لم يذكر تعالى في كلامه أنجز فيهم ذلك أم لا ؟ .


قوله تعالى : « قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات و الذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا» كلام بليغ في منطوقه بالغ في مفهومه بعيد في


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :181


معناه رفيع في منزلته يغلي و يفور علما و حكمة فهؤلاء قوم كانوا قبل ساعة و قد ملأت هيبة فرعون و أبهته قلوبهم و أذلت زينات الدنيا و زخارفها التي عنده - و ليست إلا أكاذيب خيال و أباطيل وهم - نفوسهم يسمونه ربا أعلى و يقولون حينما ألقوا حبالهم و عصيهم : « بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون» فما لبثوا دون أن ظهرت لهم آيات الحق فبهرت أبصارهم فطاحت عند ذلك ما كانوا يرون لفرعون من عزة و سلطان و لما عنده من زينة الدنيا و زخرفها من قدر و منزلة و غشيت قلوبهم فأزالت منها رذيلة الجبن و الملق و اتباع الهوى و التوله إلى سراب زينة الحياة الدنيا و مكنت فيها التعلق بالحق و الدخول تحت ولاية الله و الاعتزاز بعزته فلا يريدون إلا ما أراده الله و لا يرجون إلا الله و لا يخافون إلا الله عز اسمه .


يظهر ذلك كله بالتدبر في المحاورة الجارية بين فرعون و بينهم إذا قيس بين القولين ففرعون في غفلة من مقام ربه لا يرىإلا نفسه و يضيف إليه أنه رب القبط و له ملك مصر و له جنود مجندة ، و له ما يريد و له ما يقضي و ليست في نظر الحق و الحقيقة إلا دعاوي و قد غره جهله إلى حيث يرى أن الحق تبع باطله و الحقيقة خاضعة مطيعة لدعواه فيتوقع أن لا تمس نفوس الناس - و في جبلتها الفهم و القضاء - بشعورها و إدراكها الجبلي شيئا إلا بعد إذنه ، و لا يذعن قلوبهم و لا توقن بحق إلا عن إجازته و هو قوله للسحرة : « آمنتم له قبل أن آذن لكم» .


و يرى أن لا حقيقة للإنسان إلا هذه البنية الجسمانية التي تعيش ثم تفسد و تفنى و أن لا سعادة له إلا نيل هذه اللذائذ المادية الفانية ، و ذلك قوله : « فلأقطعن أيديكم و أرجلكم من خلاف و لأصلبنكم في جذوع النخل و لتعلمن أينا أشد عذابا و أبقى» و ليتدبر في آخر كلامه .


و أما هؤلاء المؤمنون و قد أدركهم الحق و غشيهم فأصفاهم و أخلصهم لنفسه فهم يرون ما يعده فرعون حقيقة من أمتعة الحياة الدنيا من مالها و منزلتها سرابا خياليا و زينة غارة باطلة ، و أنهم إذا خيروا بينه و بين ما آمنوا به فقد خيروا بين الحق و الباطل و الحقيقة و السراب ، و حاشا أهل اليقين أن يشكوا في يقينهم أو يقدموا الباطل على الحق و السراب على الحقيقة و هم يشهدون ذلك شهادة عيان و ذلك قولهم : « لن نؤثرك - أي لن نختارك - على ما جاءنا من البينات و الذي فطرنا» فليس مرادهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :182


به إيثار شخص بما هو جسد إنساني ذو روح بل ما معه مما كان يدعيه أنه يملكه من الدنيا العريضة بمالها و منالها .


و ما كان يهددهم به فرعون من القتل الفجيع و العذاب الشديد و قطع دابر الحياة الدنيا و هو يرى أن ليس للإنسان إلا الحياة التي فيها و فيها سعادته و شقاؤه فإنهم يرون الأمر بالعكس من ذلك و أن للإنسان حياة خالدة أبدية لا قدر عندها لهذه الحياة المعجلة الفانية إن سعد فيها فلا عليه أن يشقى في حياته الدنيا و إن شقي فيها فلا ينفعه شي‏ء .


و على ذلك فلا يهابون أن يخسروا في حياتهم الدنيا الداثرة إذا ربحوا في الحياة الأخرى الخالدة ، و ذلك قولهم لفرعون - و هو جواب تهديده إياهم بالقتل - « فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا» ثم الآيات التالية الحاكية لتتمة كلامهم مع فرعون تعليل و توضيح لقولهم : « لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات و الذي فطرنا» .


و في قولهم : « ما جاءنا من البينات» تلويح إلى أنهم عدوا ما شاهدوه من أمر العصا آيات عديدة كصيرورتها ثعبانا و تلقفها الحبال و العصي و رجوعها ثانيا إلى حالتها الأولى ، و يمكن أن يكون « من» للتبعيض فيفيد أنهم شاهدوا آية واحدة و آمنوا بأن لله آيات أخرى كثيرة و لا يخلو من بعد .


قوله تعالى : « إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا و ما أكرهتنا عليه من السحر و الله خير و أبقى» الخطايا جمع خطيئة و هي قريبة معنى من السيئة و قوله : « و ما أكرهتنا عليه» معطوف على « خطايانا» و « من السحر» بيان له و المعنى و ليغفر لنا السحر الذي أكرهتنا عليه و فيه دلالة على أنهم أكرهوا عليه إما حين حشروا إلى فرعون من خلال ديارهم و إما حين تنازعوا أمرهم بينهم و أسروا النجوى فحملوا على المقابلة و المغالبة .


و أول الآية تعليل لقولهم : « لن نؤثرك» إلخ أي إنما اخترنا الله الذي فطرنا عليك و آمنا به ليغفر لنا خطايانا و السحر الذي أكرهتنا عليه ، و ذيل الآية : « و الله خير و أبقى» من تمام البيان و بمنزلة التعليل لصدرها كأنه قيل : و إنما آثرنا غفرانه على إحسانك لأنه خير و أبقى ، أي خير من كل خير و أبقى من كل باق - لمكان الإطلاق - فلا يؤثر عليه شي‏ء و في هذا الذيل نوع مقابلة لما في ذيل كلام فرعون : « و لتعلمن أينا أشد عذابا و أبقى» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :183


و قد عبروا عنه تعالى أولا بالذي فطرنا ، و ثانيا بربنا ، و ثالثا بالله ، أما الأول فلأن كونه تعالى فاطرا لنا أي مخرجا لنا عن كتم العدم إلى الوجود و يتبعه انتهاء كل خير حقيقي إليه و أن ليس عند غيره إذا قوبل به إلا سراب البطلان منشأ كل ترجيح و المقام مقام الترجيح بينه تعالى و بين فرعون .


و أما الثاني فلأن فيه إخبارا عن الإيمان به و أمس صفاته تعالى بالإيمان و العبودية صفة ربوبيته المتضمنة لمعنى الملك و التدبير .


و أما الثالث فلأن ملاك خيرية الشي‏ء الكمال و عنده تعالى جميع صفاتالكمال القاضية بخيريته المطلقة فناسب التعبير بالعلم الدال على الذات المستجمعة لجميع صفات الكمال ، و على هذا فالكلام في المقامات الثلاثة على بساطته ظاهرا مشتمل على الحجة على المدعى و المعنى بالحقيقة : لن نؤثرك على الذي فطرنا ، لأنه فطرنا و إنا آمنا بربنا لأنه ربنا و الله خير لأنه الله عز اسمه .


قوله تعالى : « إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها و لا يحيى» تعليل لجعل غفران الخطايا غاية للإيمان بالله أي لأن من لم يغفر خطاياه كان مجرما و من يأت ربه مجرما « إلخ» .


قوله تعالى : « و من يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى» إلى آخر الآية التالية : الدرجة - على ما ذكره الراغب - هي المنزلة لكن يعتبر فيها الصعود كدرجات السلم و تقابلها الدركة فهي المنزلة حدورا و لذا يقال درجات الجنة و دركات النار ، و التزكي هو التنمي بالنماء الصالح و المراد به أن يعيش الإنسان باعتقاد حق و عمل صالح .


و الآيتان تصفان ما يستتبعه الإيمان و العمل الصالح كما كانت الآية السابقة تصف ما يستتبعه الإجرام الحاصل بكفر أو معصية و الآيات الثلاث الواصفة لتبعة الإجرام و الإيمان ناظرة إلى وعيد فرعون و وعده لهم فقد أوعدهمفرعون على إيمانهم لموسى بالقطع و الصلب و ادعى أنه أشد العذاب و أبقاه فقابلوه بأن للمجرم عند ربه جهنم لا يموت فيها و لا يحيى لا يموت فيها حتى ينجو من مقاساة ألم عذابها لكن منتهى عذاب الدنيا الموت و فيه نجاة المجرم المعذب ، و لا يحيى فيها إذ ليس فيها شي‏ء مما تطيب به الحياة و لا خير مرجوا فيها حتى يقاسى العذاب في انتظاره .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :184


و وعدهم قبل ذلك المنزلة بجعلهم من مقربيه و الأجر كما حكى الله تعالى : « قالوا ء إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم و إنكم لمن المقربين» : الأعراف : 114 فقابلوا ذلك بأن من يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك - و في الإشارة البعيدة تفخيم شأنهم - لهم الدرجات العلى - و هذا يقابل وعد فرعون لهم بالتقريب - جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، ذلك جزاء من تزكى - بالإيمان و العمل الصالح و هذا يقابل وعده لهم بالأجر .


قوله تعالى : « و لقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا - إلى قوله - و ما هدى» .


الإسراء السير بالليل و المراد بعبادي بنو إسرائيل و قوله : « فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا» قيل المراد الضرب بالعصا كما يدل عليه كلامه تعالى في غير هذا الموضع و أن « طريقا» مفعول به لأضرب على الاتساع و هو مجاز عقلي و الأصل اضرب البحر ليكون لهم طريقا .


انتهى .


و يمكن أن يكون المراد بالضرب البناء و الإقامة من باب ضربت الخيمة و ضربت القاعدة .


و اليبس - على ما ذكره الراغب - المكان الذي كان فيه ماء ثم ذهب ، و الدرك بفتحتين تبعة الشي‏ء ، و في نسبة الغشيان إلى ما الموصولة المبهمة و جعله صلة لها أيضا من تمثيل هول الموقف ما لا يخفى ، قيل : و في قوله : « و أضل فرعون قومه و ما هدى» تكذيب لقول فرعون لقومه فيما خاطبهم : « و ماأهديكم إلا سبيل الرشاد :» المؤمن : 29 ، و على هذا فقوله : « و ما هدى» ليس تأكيدا و تكرارا لمعنى قوله : « و أضل فرعون قومه» .


بحث روائي


في نهج البلاغة ، قال (عليه‏السلام‏) : لم يوجس موسى خيفة على نفسه بل أشفق من غلبة الجهال و دول الضلال .


أقول : معناه ما قدمناه في تفسير الآية .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن جندب بن عبد الله البجلي


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :185


قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إذا أخذتم الساحر فاقتلوه . ثم قرأ : « و لا يفلحالساحر حيث أتى» ، قال : لا يأمن حيث وجد .


أقول : و في انطباق المعنى المذكور في الحديث على الآية بما لها من السياق خفاء .


يَبَنى إِسرءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَكم مِّنْ عَدُوِّكمْ وَ وَعَدْنَكمْ جَانِب الطورِ الأَيْمَنَ وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السلْوَى‏(80) كلُوا مِن طيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَ لا تَطغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكمْ غَضبىوَ مَن يحْلِلْ عَلَيْهِ غَضبى فَقَدْ هَوَى‏(81) وَ إِنى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَاب وَ ءَامَنَ وَ عَمِلَ صلِحاً ثمَّ اهْتَدَى‏(82) × وَ مَا أَعْجَلَك عَن قَوْمِك يَمُوسى‏(83) قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِى وَ عَجِلْت إِلَيْك رَب لِترْضى‏(84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَك مِن بَعْدِك وَ أَضلَّهُمُ السامِرِى‏(85) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضبَنَ أَسِفاًقَالَ يَقَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسناًأَ فَطالَ عَلَيْكمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى‏(86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَك بِمَلْكِنَا وَ لَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَهَا فَكَذَلِك أَلْقَى السامِرِى‏(87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكمْ وَ إِلَهُ مُوسى فَنَسىَ‏(88) أَ فَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَ لا يَمْلِك لهَُمْ ضرًّا وَ لا نَفْعاً(89) وَ لَقَدْ قَالَ لهَُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِوَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونى وَ أَطِيعُوا أَمْرِى‏(90) قَالُوا لَن نَّبرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسى‏(91) قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَك إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلُّوا(92) أَلا تَتَّبِعَنِأَ فَعَصيْت أَمْرِى‏(93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتى وَ لا بِرَأْسىإِنى خَشِيت أَن تَقُولَ فَرَّقْت بَينَ بَنى إِسرءِيلَ وَ لَمْ تَرْقُب قَوْلى‏(94) قَالَ فَمَا خَطبُك يَسمِرِى‏(95) قَالَ بَصرْت بِمَا لَمْ يَبْصرُوا بِهِ فَقَبَضت قَبْضةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسولِ فَنَبَذْتُهَا وَ كذَلِك سوَّلَت لى نَفْسى‏(96) قَالَ فَاذْهَب فَإِنَّ لَك فى الْحَيَوةِ أَن تَقُولَ لا مِساسوَ إِنَّ لَك مَوْعِداً لَّن تخْلَفَهُوَ انظرْ إِلى إِلَهِك الَّذِى ظلْت عَلَيْهِ عَاكِفاًلَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فى الْيَمّ‏ِ نَسفاً(97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لا إِلَهَ إِلا هُوَوَسِعَ كلَّ شىْ‏ءٍ عِلْماً(98)



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :186


بيان


الفصل الأخير من قصة موسى (عليه‏السلام‏) الموردة في السورة يعد سبحانه فيه جملا من مننه على بني إسرائيل كإنجائهم من عدوهم و مواعدتهم جانب الطور الأيمن و إنزال المن و السلوى عليهم ، و يختمه بذكر قصة السامري و إضلاله القوم بعبادة العجل و للقصة اتصال بمواعدة الطور .


و هذا الجزء من الفصل - و فيه بيان تعرض بني إسرائيل لغضبه تعالى - هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :187


المقصود بالأصالة من هذا الفصل و لذا فصل فيه القول و لم يبين غيره إلا بإشارة و إجمال .


قوله تعالى : « يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم» إلى آخر الآية كأن الكلام بتقدير القول أي قلنا يا بني إسرائيل و قوله : « قد أنجيناكم من عدوكم» المراد به فرعون أغرقه الله و أنجى بني إسرائيل منه بعد طول المحنة .


و قوله : « و واعدناكم جانب الطور الأيمن» بنصب أيمن على أنه صفة جانب و لعل المراد بهذه المواعدة مواعدة موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة و قد مرت القصة في سورة البقرة وغيرها و كذا قصة إنزال المن و السلوى .


و قوله : « كلوا من طيبات ما رزقناكم» إباحة في صورة الأمر و إضافة الطيبات إلى « ما رزقناكم» من إضافة الصفة إلى الموصوف إذ لا معنى لأن ينسب الرزق إلى نفسه ثم يقسمه إلى طيب و غيره كما يؤيده قوله في موضع آخر : « و رزقناهم من الطيبات :» الجاثية : 16 .


قوله : « و لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي» ضمير فيه راجع إلى الأكل المتعلق بالطيبات و ذلك بكفران النعمة و عدم أداء شكره كما قالوا : « يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها و قثائها وفومها و عدسها و بصلها :» البقرة : 61 .


و قوله : « فيحل عليكم غضبي» أي يجب غضبي و يلزم من حل الدين يحل من باب ضرب إذا وجب أداؤه ، و الغضب من صفاته تعالى الفعلية مصداقه إرادته تعالى إصابة المكروه للعبد بتهيئة الأسباب لذلك عن معصية عصاها .


و قوله : « و من يحلل عليه غضبي فقد هوى» أي سقط من الهوي بمعنى السقوط و فسر بالهلاك .


قوله تعالى : « و إني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى» وعد بالرحمة المؤكدة عقيب الوعيد الشديد و لذا وصف نفسه بكثرة المغفرة فقال : « و إني لغفار» و لم يقل : و أنا غافر أو سأغفر .


و التوبة و هي الرجوع كما تكون عن المعصية إلى الطاعة كذلك تكون من الشرك إلى التوحيد ، و الإيمان أيضا كما يكون بالله كذلك يكون بآيات الله من


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :188


أنبيائه و رسله و كل حكم جاءوا به من عند الله تعالى ، و قد كثر استعمال الإيمان في القرآن في كل من المعنيين كما كثر استعمال التوبة في كل من المعنيين المذكورين و بنو إسرائيل كما تلبسوا بمعاصي فسقوا بها كذلك تلبسوا بالشرك كعبادة العجل و على هذا فلا موجب لصرف الكلام عن ظاهر إطلاقه في التوبة عن الشرك و المعصية جميعا و الإيمان بالله و آياته و كذلك إطلاقه بالنسبة إلى التائبين و المؤمنين من بني إسرائيل و غيرهم و إن كان بنو إسرائيل مورد الخطاب فإن الصفات الإلهية كالمغفرة لا تختص بقوم دون قوم .


فمعنى الآية - و الله أعلم - و إني لكثير المغفرة لكل إنسان تاب و آمن سواء تاب عن شرك أو عن معصية و سواء آمن بي أو بآياتي من رسلي ، أو ما جاءوا به من أحكامي بأن يندم على ما فعل و يعمل عملا صالحا بتبديل المخالفة و التمرد فيما عصى فيه بالطاعة فيه و هو المحقق لأصل معنى الرجوع من شي‏ء و قد مر تفصيل القول فيه في تفسير قوله تعالى : « إنما التوبة على الله :» النساء : 17 ، في الجزء الرابع من الكتاب .


و أما قوله : « ثم اهتدى» فالاهتداء يقابل الضلال كما يشهد به قوله تعالى : « من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه و من ضل فإنما يضل عليها» : الإسراء : 15 ، و قوله : « لا يضركم من ضل إذا اهتديتم» : المائدة : 105 ، فهل المراد أن لا يضل في نفس ما تاب فيه بأن يعود إلى المعصية ثانيا فيفيد أن التوبة عن ذنب إنما تنفع بالنسبة إلى ما اقترفه قبل التوبة و لا تكفي عنه لو عاد إليه ثانيا أو المراد أن لا يضل في غيره فيفيد أن المغفرة إنما تنفعه بالنسبة إلى المعصية التي تاب عنها و بعبارة أخرى إنما تنفعه نفعا تاما إذا لم يضل في غيره من الأعمال ، أو المراد ما يعم المعنيين ؟ .


ظاهر العطف بثم أن يكون المراد هو المعنى الأول فيفيد معنى الثبات و الاستقامة على التوبة فيعود إلى اشتراط الإصلاح الذي هو مذكور في عدة من الآيات كقوله : « إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم :» آل عمران : 89 النور - 5 .


لكن يبقى على الآية بهذا المعنى أمران : أحدهما نكتة التعبير بالغفار بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة فما معنى كثرة مغفرته تعالى لمن اقترف ذنبا واحدا ثم تاب ؟ و ثانيهما أن لازمها أن يكون من خالف حكما من أحكامه كافرا به و إن اعترف بأنه


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :189


من عند الله و إنما يعصيه اتباعا للهوى لا ردا للحكم اللهم إلا أن يقال إن الآية لاشتمالها على قوله « تاب و آمن» إنما تشمل المشرك أو الراد لحكم من أحكام الله و هو كما ترى .


فيمكن أن يقال : إن المراد بالتوبة و الإيمان التوبة من الشرك و الإيمان بالله كما أن المعنيين هما المرادان في أغلب المواضع من كلامه التي ذكر التوبة و الإيمان فيها معا ، و على هذا كان المراد من قوله : « و عمل صالحا» الطاعة لأحكامهتعالى بالائتمار لأوامره و الانتهاء عن نواهيه ، و يكون معنى الآية أن من تاب من الشرك و آمن بالله و أتى بما كلف به من أحكامه فإني كثير المغفرة لسيئاته أغفر له زلة بعد زلة فتكثر المغفرة لكثرة مواردها .


و قد ذكر تعالى نظير المعنى و هو مغفرة السيئات في قوله : « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم :» النساء : 31 .


فقوله : « و إني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا» ينطبق على آية النساء و يبقى فيه شرط زائد يقيد حكم المغفرة و هو مدلول قوله : « ثم اهتدى» و هو الاهتداء إلى الطريق و يظهر أن المغفرة إنما يسمح بها للمؤمن العامل بالصالحات إذا قصد ذلك من طريقه و دخل عليه من بابه .


و لا نجد في كلامه تعالى ما يقيد الإيمان بالله و العمل الصالح في تأثيره و قبوله عند الله إلا الإيمان بالرسول بمعنى التسليم له و طاعته في خطير الأمور و يسيرها و أخذ الدين عنه و سلوك الطريق التي يخطها و اتباعه من غير استبداد و ابتداع يئول إلى اتباع خطوات الشيطان و بالجملة ولايته على المؤمنين في دينهم و دنياهم فقد شرع الله تعالى ولايته و فرض طاعته و أوجب الأخذ عنه و التأسي به في آيات كثيرة جدا لا حاجة إلى إيرادها و لا مجال لاستقصائها فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم .


و كان جل بني إسرائيل على إيمانهم بالله سبحانه و تصديقهم رسالة موسى و هارون متوقفين في ولايتهما أو كالمتوقف كما هو صريح عامة قصصهم في كتاب الله و لعل هذا هو الوجه في وقوع الآية - و إني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى بعد نهيهم عن الطغيان و تخويفهم من غضب الله .


فقد تبين أن المراد بالاهتداء في الآية على ما يهدي إليه سائر الآيات هو الإيمان


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :190


بالرسول باتباعه في أمر الدين و الدنيا و بعبارة أخرى هو الاهتداء إلى ولايته .


و بذلك يظهر حال ما قيل في تفسير قوله : « ثم اهتدى» فقد قيل : الاهتداء لزوم الإيمان و الاستمرار عليه ما دامت الحياة ، و قيل : أن لا يشك ثانيا في إيمانه ، و قيل : الأخذ بسنة النبي و عدم سلوك سبيل البدعة ، و قيل : الاهتداء هو أن يعلم أن لعمله ثوابا يجزى عليه ، و قيل : هو تطهير القلب من الأخلاق الذميمة ، و قيل : هو حفظ العقيدة من أن تخالف الحق في شي‏ء فإن الاهتداء بهذا الوجه غير الإيمان و غير العمل ، و المطلوب على جميع هذه الأقوال تفسير الاهتداء بمعنى لا يرجع إلى الإيمان و العمل الصالح غير أن الذي ذكروه لا دليل على شي‏ء من ذلك .


قوله تعالى : « و ما أعجلك عن قومك يا موسى - إلى قوله - لترضى» حكاية مكالمة وقعت بينه تعالى و بين موسى (عليه‏السلام‏) في ميعاد الطور الذي نزلت عليه فيه التوراة كما قص في سورة الأعراف تفصيلا .


و ظاهر السياق أنه سؤال عن السبب الذي أوجب لموسى أن يستعجل عن قومه فيحضر ميعاد الطور قبلهم كأنه كان المترقب أن يحضروا الطور جميعا فتقدم عليهم موسى في الحضور و خلفهم فقيل له : « و ما أعجلك عن قومك يا موسى» فقال : « هم أولاء على أثري» أي إنهم لسائرون على أثري و سيلحقون بي عن قريب « و عجلت إليك رب لترضى» أي و السبب في عجلي هو أن أحصل رضاك يا رب .


و الظاهر أن المراد بالقوم و قد ذكر أنهم على أثره هم السبعون رجلا الذين اختارهم لميقات ربه ، فإن ظاهر تخليفه هارون على قومه بعده و سائر جهات القصة و قوله بعد : « أ فطال عليكم العهد» أنه لم يكن من القصد أن يحضر بنو إسرائيل كلهم الطور .


و هذا الخطاب يمكن أن يخاطب به موسى (عليه‏السلام‏) في بدء حضوره في ميعاد الطور كما يمكن أن يخاطب في أواخر عهده به فإن السؤال عن العجل غير نفس العجل الذي يقارن المسير و اللقاء و إذا لم يكن السؤال في بدء الورود و الحضور استقام قوله بعد : « فإنا قد فتنا قومك من بعدك» إلخ ، بناء على أن الفتنة كانت بعد استبطائهم غيبة موسى على ما في الآثار و لا حاجة إلى تمحلاتهم في توجيه الآيات .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :191


قوله تعالى : « قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك و أضلهم السامري» الفتنة الامتحان و الاختبار و نسبة الإضلال إلى السامري - و هو الذي سبك العجل و أخرجه لهم فعبدوه و ضلوا - لأنه أحد أسبابه العاملة فيه .


و الفاء في قوله : « فإنا قد فتنا قومك» للتعليل يعلل به ما يفهم من سابق الكلام فإن المفهوم من قول موسى : « هم أولاء على أثري» أن قومه على حسن حال لم يحدث فيهم ما يوجب قلقا فكأنه قيل : لا تكن واثقا على ما خلفتهم فيه فإنا قد فتناهم فضلوا .


و قوله : « قومك» من وضع الظاهر موضع المضمر و لعل المراد غير المراد به في الآية السابقة بأن يكون ما هاهنا عامة القوم و ما هناك السبعون رجلا الذين اختارهم موسى للميقات .


قوله تعالى : « فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا - إلى قوله - فأخلفتم موعدي» الغضبان صفة مشبهة من الغضب ، و كذا الأسف من الأسف بفتحتين و هو الحزن و شدة الغضب ، و الموعد الوعد ، و إخلافهم موعده هو تركهم ما وعدوه من حسن الخلافة بعده حتى يرجع إليهم ، و يؤيده قوله في موضع آخر : « بئسما خلفتموني من بعدي» .


و المعنى : فرجع موسى إلى قومه و الحال أنه غضبان شديد الغضب - أو حزين - و أخذ يلومهم على ما فعلوا ، قال يا قوم أ لم يعدكم ربك وعدا حسنا - و هو أن ينزل عليهم التوراة فيها حكم الله و في الأخذ بها سعادة دنياهم و أخراهم - أو وعده تعالى أن ينجيهم من عدوهم و يمكنهم في الأرض و يخصهم بنعمه العظام « أ فطال عليكم العهد» و هو مدة مفارقة موسى إياهم حتى يكونوا آيسين من رجوعه فيختل النظم بينهم « أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم» فطغوتم بالكفر به بعد الإيمان و عبدتم العجل « فأخلفتم موعدي» و تركتم ما وعدتموني من حسن الخلافة بعدي .


و ربما قيل في معنى قوله : « فأخلفتم موعدي» بعض معان أخر : كقول بعضهم إن إخلافهم موعده أنه أمرهم أن يلحقوا به فتركوا المسير على أثره ، و قول بعضهم هو أنه أمرهم بطاعة هارون بعده إلى أن يرجع إليهم فخالفوه


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :192


إلى غير ذلك .


قوله تعالى : « قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا» إلى آخر الآية الملك بالفتح فالسكون مصدر ملك يملك و كأن المراد بقولهم : « ما أخلفنا موعدك بملكنا» ما خالفناك و نحن نملك من أمرنا شيئا - كما قيل - و من الممكن أن يكون المراد أنا لم نصرف في صوغ العجل شيئا من أموالنا حتى نكون قاصدين لهذا الأمر متعمدين فيه و لكن كنا حاملين لأثقال من حلي القوم فطرحناها فأخذها السامري و ألقاها في النار فأخرج العجل .


و الأوزار جمع وزر و هو الثقل ، و الزينة الحلي كالعقد و القرط و السوار و القذف و الإلقاء و النبذ متقاربة معناها الطرح و الرمي .


و معنى قوله : « و لكنا حملنا أوزارا» إلخ لكن كانت معنا أثقال من زينة القوم و لعل المراد به قوم فرعون - فطرحناها فكذلك ألقى السامري - ألقى ما طرحناها في النار أو ألقى ما عنده كما ألقينا ما عندنا مما حملنا - فأخرج العجل .


قوله تعالى : « فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم و إله موسى فنسي» في لفظ الإخراج دلالة على أن كيفية صنع العجل كانت خفية على الناس في غير مرأى منهم حتى فاجأهم بإظهاره و إراءته ، و الجسد هو الجثة التي لا روح فيه فلا يطلق الجسد على ذي الروح البتة ، و فيه دليل على أن العجل لم يكن له روح و لا فيه شي‏ء من الحياة ، و الخوار بضم الخاء صوت العجل .


و ربما أخذ قوله : « فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم» إلخ كلاما مستقلا إما من كلام الله سبحانه باختتام كلام القوم في قولهم : « فقذفناها» و إما من كلام القوم و على هذا فضمير « قالوا» لبعض القوم و ضمير « فأخرج لهم» لبعض آخر كما هو ظاهر .


و ضمير « نسي» قيل : لموسى و المعنى قالوا هذا إلهكم و إله موسى فنسي موسى إلهه هذا و هو هنا و ذهب يطلبه في الطور و قيل : الضمير للسامري و المراد به نسيانه تعالى بعد ذكره و الإيمان به أي نسي السامري ربه فأتى بما أتى و أضل القوم .


و ظاهر قوله : « فقالوا هذا إلهكم و إله موسى» حيث نسب القول إلى الجمع أنه كان مع السامري في هذا الأمر من يساعده .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :193


قوله تعالى : « أ فلا يرون ألا يرجع إليهم قولا و لا يملك لهم ضرا و لا نفعا» توبيخ لهم حيث عبدوه و هم يرون أنه لا يرجع قولا بأن يستجيب لمن يدعوه ، و لا يملك لهم ضرا فيدفعه عنهم و لا نفعا بأن يجلبه و يوصله إليهم ، و من ضروريات عقولهم أن الرب يجب أن يستجيب لمن دعاه لدفع ضر أو لجلب نفع و أن يملك الضر و النفع لمربوبه .


قوله تعالى : « و لقد قال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به و إن ربكم الرحمن فاتبعوني و أطيعوا أمري» تأكيد لتوبيخهم و زيادة تقرير لجرمهم ، والمعنى : أنهم مضافا إلى عدم تذكرهم بما تذكرهم به ضرورة عقولهم و عدم انتهائهم عن عبادة العجل إلى البصر و العقل لم يعتنوا بما قرعهم من طريق السمع أيضا ، فلقد قال لهم نبيهم هارون إنه فتنة فتنوا به و إن ربهم الرحمن عز اسمه و إن من الواجب عليهم أن يتبعوه و يطيعوا أمره .


فردوا على هارون قائلين : لن نبرح و لن نزال عليه عاكفين أي ملازمين لعبادته حتى يرجع إلينا موسى فنرى ما ذا يقول فيه و ما ذا يأمرنا به .


قوله تعالى : « قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أ فعصيت أمري» رجع (عليه‏السلام‏) بعد تكليم القوم في أمر العجل إلى تكليم أخيه هارون إذ هو أحد المسئولين الثلاثة في هذه المحنة استخلفه عليهم و أوصاه حين كان يوادعه قائلا : « اخلفني في قومي و أصلح و لا تتبع سبيل المفسدين» .


و كأن قوله : « منعك» مضمن معنى دعاك أي ما دعاك ، إلى أن لا تتبعن مانعا لك عن الاتباع أو ما منعك داعيا لك إلى عدم اتباعي فهو نظير قوله : « قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» : الأعراف : 12 .


و المعنى : قال موسى معاتبا لهارون : ما منعك عن اتباع طريقتي و هو منعهم عن الضلال و الشدة في جنب الله أ فعصيت أمري أن تتبعني و لا تتبع سبيل المفسدين ؟ .


قوله تعالى : « قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي و لا برأسي» إلخ ، « يا بن أم» أصله يا بن أمي و هي كلمة استرحام و استرآف قالها لإسكات غضب موسى ، و يظهر من قوله :


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :194


«لا تأخذ بلحيتي و لا برأسي» إنه أخذ بلحيته و رأسه غضبا ليضربه كما أخبر به في موضع آخر : « و أخذ برأس أخيه يجره إليه :» الأعراف : 150 .


و قوله : « إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل و لم ترقب قولي» تعليل لمحذوف يدل عليه اللفظ و محصله لو كنت مانعتهم عن عبادة العجل و قاومتهم بالغة ما بلغت لم يطعني إلا بعض القوم و أدى ذلك إلى تفرقهم فرقتين : مؤمن مطيع ، و مشرك عاص ، و كان في ذلك إفساد حال القوم بتبديل اتحادهم و اتفاقهم الظاهر تفرقا و اختلافا و ربما انجر إلى قتال و قد كنت أمرتني بالإصلاح إذ قلت لي : « أصلح و لا تتبع سبيل المفسدين» فخشيت أن تقول حين رجعت و شاهدت ما فيه القوم من التفرق و التحزب : فرقت بين بني إسرائيل و لم ترقب قولي .


هذا ما اعتذر به هارون و قد عذره موسى و دعا له و لنفسه كما في سورة الأعراف بقوله : « رب اغفر لي و لأخي و أدخلنا في رحمتك و أنت أرحم الراحمين :» الأعراف : 151 .


قوله تعالى : « قال فما خطبك يا سامري» رجوع منه (عليه‏السلام‏) بعد الفراغ من تكليم أخيه إلى تكليم السامري و هو أحد المسئولين الثلاثة و هو الذي أضل القوم .


و الخطب : الأمر الخطير الذي يهمك ، يقول : ما هذا الأمر العظيم الذي جئت به ؟ .


قوله تعالى : « قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها و كذلك سولت لي نفسي» قال الراغب في المفردات ، : البصر يقال للجارحة الناظرة نحو قوله : « كلمح البصر» « و إذ زاغت الأبصار» و للقوة التي فيها ، و يقال لقوة القلب المدركة بصيرة و بصر نحو قوله : « فكشفناعنك غطاءك فبصرك اليوم حديد» و قال : « ما زاغ البصر و ما طغى» و جمع البصر أبصار و جمع البصيرة بصائر ، قال تعالى : « فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم» و لا يكاد يقال للجارحة : بصيرة ، و يقال من الأول : أبصرت ، و من الثاني : أبصرته و بصرت به ، و قلما يقال في الحاسة بصرت إذا لم تضامه رؤية القلب .


انتهى .


و قوله : « فقبضت قبضة» قيل : إن القبضة مصدر بمعنى اسم المفعول و أورد عليه أن المصدر إذا استعمل كذلك لم تلحق به التاء ، يقال : هذه حلة نسج اليمن،


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :195


و لا يقال : نسجه اليمن ، فالمتعين حمله في الآية على أنه مفعول مطلق .


و رد بأن الممنوع لحوق التاء الدالة على التحديد و المرة لا على مجرد التأنيث كما هنا ، و فيه أن كون التاء هنا للتأنيث لا دليل عليه فهو مصادرة .


و قوله : « من أثر الرسول» الأثر شكل قدم المارة على الطريق بعد المرور ، و الأصل في معناه ما بقي من الشي‏ء بعده بوجه بحيث يدل عليه كالبناء أثر الباني و المصنوع أثر الصانع و العلم أثر العالم و هكذا ، و من هذا القبيل أثر الأقدام على الأرض من المارة .


و الرسول هو الذي يحمل رسالة و قد أطلق في القرآن على الرسول البشري الذي يحمل رسالة الله تعالى إلى الناس و أطلق بهذه اللفظة على جبريل ملك الوحي ، قال تعالى : « إنه لقول رسول كريم :» التكوير : 19 ، و كذا أطلق لجمع من الملائكة الرسل كقوله : « بلى و رسلنا لديهم يكتبون :» الزخرف : 80 ، و قال أيضا في الملائكة : « جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة» : فاطر : 1 .


و الآية تتضمن جواب السامري عما سأله موسى (عليه‏السلام‏) بقوله : « فما خطبك يا سامري» و هو سؤال عن حقيقة ذاك الأمر العظيم الذي أتى به و ما حمله على ذلك ، و السياق يشهد على أن قوله : « و كذلك سولت لي نفسي» جوابهعن السبب الذي دعاه إليه و حمله عليه و أن تسويل نفسه هو الباعث له إلى فعل ما فعل و أما بيان حقيقة ما صنع فهو الذي يشير إليه بقوله : « بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول» و لا نجد في كلامه تعالى في هذه القصة و لا فيما يرتبط بها في الجملة ما يوضح المراد منه و لذا اختلفوا في تفسيره .


ففسره الجمهور وفاقا لبعض الروايات الواردة في القصة أن السامري رأى جبريل و قد نزل على موسى للوحي أو رآه و قد نزل راكبا على فرس من الجنة قدام فرعون و جنوده حين دخلوا البحر فأغرقوا فأخذ قبضة من تراب أثر قدمه أو أثر حافر فرسه و من خاصة هذا التراب أنه لا يلقى على شي‏ء إلا حلت فيه الحياة و دخلت فيه الروح فحفظ التراب حتى إذا صنع العجل ألقى فيه من التراب فحيي و تحرك و خار .


فالمراد بقوله : « بصرت بما لم يبصروا به» إبصاره جبريل حين نزل راجلا أو


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :196


راكبا رآه و عرفه و لم يره غيره من بني إسرائيل ، و بقوله : « فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها» فقبضت قبضة من تراب أثر جبريل أو من تراب أثر فرس جبريل - و المراد بالرسول جبريل - فنبذتها أي ألقيت القبضة على الحلي المذاب فحيي العجل فكان له خوار ! .


و أعظم ما يرد عليه مخالفة هذه الروايات - و ستوافيك في البحث الروائي التالي - للكتاب فإن كلامه تعالى ينص على أن العجل كان جسدا له خوار و الجسد هو الجثة التي لا روح لها و لا حياة فيها ، و لا يطلق على الجسم ذي الروح و الحياة البتة .


مضافا إلى ما أوردوه من وجوه الإشكال على الروايات مما سيجي‏ء نقله في البحث الروائي الآتي .


و نقل عن أبي مسلم في تفسير الآية أنه قال ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكروه ، و هنا وجه آخر و هو أن يكون المراد بالرسول موسى (عليه‏السلام‏) و أثره سنته و رسمه الذي أمر به و درج عليه فقد يقول الرجل فلان يقفو أثر فلان و يقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه .


و تقرير الآية على ذلك أن موسى (عليه‏السلام‏) لما أقبل على السامري باللوم و المسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم بالعجل قال : بصرت بما لم يبصروا به أي عرفت أن الذي عليه القوم ليس بحق و قد كنت قبضت قبضة من أثرك أي شيئا من دينك فنبذتها أي طرحتها و لم أتمسك بها و تعبيره عن موسى بلفظ الغائب على نحو قول من يخاطب الأمير : ما قول الأمير في كذا ؟ و يكون إطلاق الرسول منه عليه نوعا من التهكم حيث كان كافرا مكذبا به على حد قوله تعالى حكاية عنالكفرة : « يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون» انتهى و من المعلوم أن خوار العجل على هذا الوجه كان لسبب صناعي بخلاف الوجه السابق .


و فيه أن سياق الآية يشهد على تفرع النبذ على القبض و القبض على البصر و لازم ما ذكره تفرع النبذ على البصر و البصر على القبض فلو كان ما ذكره حقا كان من الواجب أن يقال : بصرت بما لم يبصروا به فنبذت ما قبضته من أثر الرسول أو يقال : قبضت قبضة من أثر الرسول فبصرت بما لم يبصروا به فنبذتها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :197


و ثانيا : أن لازم توجيهه أن يكون قوله تعالى : « و كذلك سولت لي نفسي» إشارة إلى سبب عمل العجل و جوابا عن مسألة موسى « ما خطبك» ؟ و محصله أنه إنما سواه لتسويل من نفسه أن يضل الناس فيكون مدلول صدر الآية أنه لم يكن موحدا و مدلول ذيلها أنه لم يكن وثنيا فلا موحد و لا وثني مع أن المحكي من قول موسى بعد : « و انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه» إلخ إنه كان وثنيا .


و ثالثا أن التعبير عن موسى و هو مخاطب بلفظ الغائب بعيد .


و يمكن أن يتصور للآية معنى آخر بناء على ما ذكره بعضهم أن أوزار الزينة التي حملوها كانت حلي ذهب من القبط أمرهم موسى أن يحملوهاو كانت لموسى أو منسوبة إليه و هو المراد بأثر الرسول فالسامري يصف ما صنعه بأنه كان ذا بصيرة في أمر الصباغة و التقليب يحسن من صنعة التماثيل ما لا علم للقوم به فسولت له نفسه أن يعمل لهم تمثال عجل من ذهب فأخذ و قبض قبضة من أثر الرسول و هو الحلي من الذهب فنبذها و طرحها في النار و أخرج لهم عجلا جسدا له خوار ، و كان خواره لدخول الهواء في فراغ جوفه و خروجه من فيه على ضغطة بتعبئة صناعية .


هذا .


و يبقى الكلام على التعبير عن موسى و هو يخاطبه بالرسول ، و على تسمية حلي القوم أثر الرسول ، و على تسمية عمل العجل و كانيعبده تسويلا نفسانيا .


قوله تعالى : « قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس و إن لك موعدا لن تخلفه» هذه مجازاة له من موسى (عليه‏السلام‏) بعد ثبوت الجرم .


فقوله : « قال فاذهب» قضاء بطرده عن المجتمع بحيث لا يخالط القوم و لا يمس أحدا و لا يمسه أحد بأخذ أو عطاء أو إيواء أو صحبة أو تكليم و غير ذلك من مظاهر الاجتماع الإنساني و هو من أشق أنواع العذاب ، و قوله : « فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس» - و محصله أنه تقرر و حق عليك أن تعيش فردا ما دمت حيا - كناية عن تحسره المداوم من الوحدة و الوحشة .


و قيل : إنه دعاء من موسى عليه و أنه ابتلي إثر دعائه بمرض عقام لا يقترب منه أحد إلا حمي حمى شديدة فكان يقول لمن اقترب منه : لا مساس لا مساس ، و قيل : ابتلي بوسواس فكان يتوحش و يفر من كل من يلقاه و ينادي لا مساس و هو وجه حسن لو صح الخبر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :198


و قوله : « و إن لك موعدا لن تخلفه» ظاهره أنه إخبار عن هلاكه في وقت عينه الله و قضاه قضاء محتوما و يحتمل الدعاء عليه ، و قيل : المراد به عذاب الآخرة .


قوله تعالى : « و انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا» قال في المجمع ، : يقال : نسف فلان الطعام إذا ذرأه بالمنسف ليطير عنه قشوره .


انتهى .


و قوله : « و انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا» أي ظللت و دمت عليه عاكفا لازما ، و فيه دلالة على أنه كان اتخذه إلها له يعبده .


و قوله : « لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا» أي أقسم لنحرقنه بالنار ثم لنذرينه في البحر ذروا ، و قد استدل بحديث إحراقه على أنه كان حيوانا ذا لحم و دم و لو كان ذهبا لم يكن لإحراقه معنى ، و هذا يؤيد تفسير الجمهور السابق أنه صار حيوانا ذا روح بإلقاء التراب المأخوذ من أثر جبريل عليه .


لكن الحق أنه إنما يدل على أنه لم يكن ذهبا خالصا لا غير .


و قد احتمل بعضهم أن يكون لنحرقنه من حرق الحديد إذا برده بالمبرد ، و المعنى : لنبردنه بالمبرد ثم لنذرين برادته في البحر و هذا أنسب .


قوله تعالى : « إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شي‏ء علما» الظاهر أنه من تمام كلام موسى (عليه‏السلام‏) يخاطب به السامري و بني إسرائيل و قد قرر بكلامه هذا توحده تعالى في ألوهيته فلا يشاركه فيها غيره من عجل أو أي شريك مفروض ، و هو بسياقه من لطيف الاستدلال فقد استدل فيه بأنه تعالى هو الله على أنه لا إله إلا هو و بذلك على أنه لا غير إلههم .


قيل : و في قوله : « وسع كل شي‏ء علما» دلالة على أن المعدوم يسمى شيئا لكونه معلوما و فيه مغالطة فإن مدلول الآية أن كل ما يسمى شيئا فقد وسعه علمه لا أن كل ما وسعه علمه فهو يسمى شيئا و الذي ينفع المستدل هو الثاني دون الأول .


بحث روائي


في التوحيد ، بإسناده إلى حمزة بن الربيع عمن ذكره قال : كنت في مجلس أبي جعفر (عليه‏السلام‏) إذ دخل عليه عمرو بن عبيد فقال له : جعلت فداك قول الله تبارك و تعالى :


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :199


- «و من يحلل عليه غضبي فقد هوى» ما ذلك الغضب ؟ فقال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) : هو العقاب يا عمرو إنه من زعم أن الله عز و جل زال من شي‏ء إلى شي‏ء فقد وصفه صفة مخلوق ، إن الله عز و جل لا يستفزه شي‏ء و لا يغيره .


أقول : و روى ما في معناه الطبرسي في الاحتجاج مرسلا .


و في الكافي ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) أنه قال : إن الله تبارك و تعالى لا يقبل إلا العمل الصالح و لا يقبل الله إلا الوفاء بالشروط و العهود فمن وفى لله بشرطه و استعمل ما وصف في عهده نال ما عنده و استكمل وعده إن الله تبارك و تعالى أخبر العباد بطرق الهدى ، و شرع لهم فيها المنار ، و أخبرهم كيف يسلكون ؟ فقال : « و إني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى» و قال : « إنما يتقبل الله من المتقين» فمن اتقى الله فيما أمره لقي الله مؤمنا بما جاء به محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في المجمع ، : قال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) : « ثم اهتدى» إلى ولايتنا أهل البيت فو الله لو أن رجلا عبد الله عمره ما بين الركن و المقام ثم مات و لم يجي‏ء بولايتنا لأكبه الله في النار على وجهه : ، رواه الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده و أورده العياشي في تفسيره ، بعدة طرق . أقول : و رواه في الكافي ، بإسناده عن سدير عنه (عليه‏السلام‏) و في تفسير القمي ، بإسناده عن الحارث بن عمر عنه (عليه‏السلام‏) و في مناقب ابن شهرآشوب ، عن أبي الجارود و أبي الصباح الكناسي عن الصادق (عليه‏السلام‏) و عن أبي حمزة عن السجاد (عليه‏السلام‏) : مثله و لفظه : إلينا أهل البيت .


و المراد بالولاية في الحديث ولاية أمر الناس في دينهم و دنياهم و هي المرجعية في أخذ معارف الدين و شرائعه و في إدارة أمور المجتمع ، و قد كانت للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كما ينص عليه الكتاب في أمثال قوله : « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» ثم جعلت لعترته أهل بيته بعده في الكتاب بمثل آية الولاية و بما تواتر عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من حديث الثقلين و حديث المنزلة و نظائرهما .


و الآية و إن وقعت بين آيات خوطب بها بنو إسرائيل و ظاهرها ذلك لكنها غير مقيدة بشي‏ء يخصها بهم و يمنع جريانها في غيرهم فهي جارية في غيرهم كما تجري فيهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :200


أما جريانها فيهم فلأن لموسى بما كان إماما في أمته كان له من سنخ هذه الولاية ما لغيره من الأنبياء فعلى أمته أن يهتدوا به و يدخلوا تحت ولايته ، و أما جريانها في غيرهم فلأن الآية عامة غير خاصة بقوم دون قوم فهي تهدي الناس في زمن الرسول (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى ولايته و بعده إلى ولاية الأئمة من أهل بيته (عليهم‏السلام‏) فالولاية سنخ واحد لها معناها إلى أي من نسبت .


إذ عرفت ما تقدم ظهر لك سقوط ما ذكره الآلوسي في تفسير روح المعاني ، فإنه بعد ما نقل رواية مجمع البيان ، السابقة عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : و أنت تعلم أن ولايتهم و حبهم رضي الله عنهم مما لا كلام عندنا في وجوبه لكن حمل الاهتداء في الآية على ذلك مع كونها حكاية لما خاطب الله تعالى به بنيإسرائيل في زمان موسى (عليه‏السلام‏) مما يستدعي القول بأنه عز و جل أعلم بني إسرائيل بأهل البيت و أوجب عليهم ولايتهم إذ ذاك و لم يثبت ذلك في صحيح الأخبار انتهى موضع الحاجة من كلامه .


و الذي أوقعه فيما وقع فيه تفسيره الولاية بمعنى المحبة ثم أخذه الآية خاصة ببني إسرائيل حتى استنتج المعنى الذي ذكره و ليست الولاية في آياتها و أخبارها بمعنى المحبة و إنما هي ملك التدبير و التصرف في الأمور الذي من شئونه لزوم الاتباع و افتراض الطاعة و هو الذي يدعيه أئمة أهل البيت لأنفسهم و أما المحبة فهي معنى توسعي للولاية بمعناهاالحقيقي و من لوازمها العادية و هي التي تدل عليه بالمطابقة أدلة مودة ذي القربى من آية أو رواية .


و لولاية أهل البيت (عليهم‏السلام‏) معنى آخر ثالث و هو أن يلي الله أمر عبده فيكون هو المدبر لأموره و المتصرف في شئونه لإخلاصه في العبودية و هذه الولاية هي لله بالأصالة فهو الولي لا ولي غيره و إنما تنسب إلى أهل البيت (عليهم‏السلام‏) لأنهم السابقون الأولون من الأمة في فتح هذا الباب و هي أيضا من التوسع في النسبة كما ينسب الصراط المستقيم في كلامه تعالى إليه بالأصالة و إلى الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقينو الشهداء و الصالحين بنوع من التوسع .


فتلخص أن الولاية في حديث المجمع ، بمعنى ملك التدبير و أن الآية الكريمة عامة جارية في غير بني إسرائيل كما فيهم و أنه (عليه‏السلام‏) إنما فسر الاهتداء إلى الولاية من جهة


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :201


الآية في هذه الأمة و هو المعنى المتعين .


و في تفسير القمي ، : و قوله : « فإنا قد فتنا قومك من بعدك» قال اختبرناهم بعدك « و أضلهم السامري» قال : بالعجل الذي عبدوه .


و كان سبب ذلك أن موسى لما وعده الله أن ينزل عليه التوراة و الألواح إلى ثلاثين يوما أخبربني إسرائيل بذلك و ذهب إلى الميقات و خلف أخاه على قومه ، فلما جاء الثلاثون يوما و لم يرجع موسى إليهم عصوا و أرادوا أن يقتلوا هارون و قالوا : إن موسى كذب و هرب منا ، فجاءهم إبليس في صورة رجل فقال لهم : إن موسى قد هرب منكم و لا يرجع إليكم أبدا فاجمعوا لي حليكم حتى أتخذ لكم إلها تعبدونه .


و كان السامري على مقدمة قوم موسى يوم أغرق الله فرعون و أصحابه فنظر إلى جبرئيل و كان على حيوان في صورة رمكة و كانت كلما وضعت حافرها على موضع من الأرض تحرك ذلك الموضع فنظر إليه السامري و كان من خيار أصحاب موسى فأخذ التراب منحافر رمكة جبرئيل و كان يتحرك فصره في صرة فكان عنده يفتخر به على بني إسرائيل فلما جاءهم إبليس و اتخذوا العجل قال للسامري : هات التراب الذي معك ، فجاء به السامري فألقاه في جوف العجل فلما وقع التراب في جوفه تحرك و خار و نبت عليه الوبر و الشعر فسجد له بنو إسرائيل و كان عدد الذين سجدوا له سبعين ألفا من بني إسرائيل فقال لهم هارون كما حكى الله : « يا قوم إنما فتنتم به و إن ربكم الرحمن فاتبعوني و أطيعوا أمري ، قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى» فهموا بهارون فهرب منهم و بقوا في ذلك حتى تم ميقات موسى أربعين ليلة .


فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة أنزل الله علم الألواح فيها التوراة و ما يحتاج إليه من أحكام السير و القصص فأوحى الله إلى موسى أنا فتنا قومك من بعدك و أضلهم السامري و عبدوا العجل و له خوار ، فقال : يا رب العجل من السامري فالخوار ممن ؟ فقال : مني يا موسى ، إني لما رأيتهم قد ولوا عني إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنة .


«فرجع موسى - كما حكى الله - إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم أ لم يعدكم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :202


ربكم وعدا حسنا أ فطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكمفأخلفتم موعدي» ، ثم رمى بالألواح و أخذ بلحية أخيه و رأسه يجره إليه فقال : « ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أ فعصيت أمري ؟» فقال هارون - كما حكى الله - : « يا بن أم لا تأخذ بلحيتي و لا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل و لم ترقب قولي» .


فقال له بنو إسرائيل : « ما أخلفنا موعدك بملكنا» قال : ما خالفناك « و لكنا حملنا أوزارا من زينة القوم» يعني من حليهم « فقذفناها» قال : التراب الذي جاء به السامري طرحناه في جوفه .


ثم أخرج السامري العجل و له خوار فقال له موسى : « ما خطبك يا سامري ؟» قال السامري : « بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول» يعني من تحت حافر رمكة جبرئيل في البحر « فنبذتها» أي أمسكتها « و كذلك سولت لي نفسي» أي زينت .


فأخرج موسى العجل فأحرقه بالنار و ألقاه في البحر ، ثم قال موسى للسامري : « اذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس» يعني ما دمت حيا و عقبك هذه العلامة فيكم قائمة : أن تقول : لا مساس حتى يعرفوا أنكم سامرية فلا يغتر بكم الناس فهم إلى الساعة بمصر و الشام معروفين لا مساس ، ثم هم موسى بقتل السامري فأوحى الله إليه : لا تقتله يا موسى فإنه سخي ، فقال له موسى : « انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شي‏ء علما» .


أقول : ظاهر هذا الذي نقلناه أن قوله : « و السبب في ذلك» إلخ ، ليس ذيلا للرواية التي في أول الكلام « قال بالعجل الذي عبدوه» بل هو من كلام القمي اقتبسه من أخبار آخرين كما هو دأبه في أغلب ما أورده في تفسيره من أسباب نزول الآيات و على ذلك شواهد في خلال القصة التي ذكرها ، نعم قوله في أثناء القصة : « قال ما خالفناك» رواية ، و كذا قوله : « قال التراب الذي جاء به السامري طرحناه في جوفه» رواية ، و كذا قوله : « ثم هم موسى» إلخ ، مضمون رواية مروية عن الصادق (عليه‏السلام‏) .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :203


ثم على تقدير كونه رواية و تتمة للرواية السابقة هي رواية مرسلة مضمرة .


و في الدر المنثور ، أخرج الفاريابي و عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الحاكم و صححه عن علي (عليه‏السلام‏) قال : لما تعجل موسى إلى ربه عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلا ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار فقال لهم السامري : هذا إلهكم و إله موسى فقال لهم هارون : يا قوم أ لم يعدكم ربكم وعدا حسنا الحديث .


أقول : و ما نسب فيه من القول إلى هارون حكاه القرآن عن موسى (عليه‏السلام‏) .


و فيه ، أخرج ابن جرير عن أبي عباس قال : لما هجم فرعون على البحر هو و أصحابه و كان فرعون على فرس أدهم حصان هاب الحصان أن يقتحم البحر فمثل له جبريل على فرس أنثى فلما رآها الحصان هجم خلفها و عرف السامري جبريل لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار و أطبقت عليه فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه في واحدة لبنا و في الأخرى عسلا و في الأخرى سمنا فلم يزل يغذوه حتى نشأ فلما عاينه في البحر عرفه فقبض قبضة من أثر فرسه قال : أخذ من تحت الحافر قبضة و ألقي في روع السامري أنك لا تلقيها على شي‏ء فتقول : كن كذا إلا كان . فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر فلما جاوز موسى و بنو إسرائيل البحر أغرق الله آل فرعون قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي و أصلح و لا تتبع سبيل المفسدين و مضى موسى لموعد ربه ، و كان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون فكأنهم تأثموا منه فأخرجوه لتنزل النار فتأكله فلما جمعوه قال السامري بالقبضة هكذا فقذفها فيه فقال : كن عجلا جسدا له خوار فصار عجلا جسدا له خوار فكان يدخل الريح من دبره و يخرج من فيه يسمع له صوت فقال : هذا إلهكم و إله موسى فعكفوا على العجل يعبدونه فقال هارون : يا قوم إنما فتنتم به و إن ربكم الرحمن فاتبعوني و أطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى .


أقول : و الخبر - كما - ترى لا يتضمن كون تراب الحافر ذا خاصية الإحياء لكنه مشتمل على أعظم منه و هو كونه ذا خاصية كلمة التكوين فالسامري على هذا إنما استعمله ليخرج الحلي من النار في صورة عجل جسد له خوار فخرج كما أراد من غير


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :204


سبب طبيعي عادي و أما الحياة فلا ذكر لها فيه بل ظاهر قوله بدخول الريح في جوفه و خروجه بصوت عدم اتصافه بالحياة .


على أن ما فيه من إخفاء أم السامري إياه لما ولدته في غار خوفا من أن يذبحه فرعون و أن جبريل كان يأتيه فيغذوه بأصابعه حتى نشأ مما لا يعتمد عليه و كون السامري من بني إسرائيل غير معلوم بل أنكره ابن عباس نفسه في خبر سعيد بن جبير المفصل في القصة و روى عن ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان من أهل كرمان .


و فيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : انطلق موسى إلى ربه فكلمه فلما كلمه قال له : ما أعجلك عن قومك يا موسى ؟ قال : هم أولاء على أثري و عجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك و أضلهم السامري فلما خبره خبرهم قال : يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أ رأيت الروح من نفخها فيه ؟ قال الرب : أنا ، قال يا رب فأنت إذا أضللتهم . ثم رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال : حزينا قال : يا قوم أ لم يعدكم ربكم وعدا حسنا إلى قوله ما أخلفنا موعدك بملكنا يقول : بطاقتنا و لكنا حملنا أوزارا من زينة القوم يقول : من حلي القبط فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فعكفوا عليه يعبدونه و كان يخور و يمشي فقال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به يقول : ابتليتم بالعجل قال : فما خطبك يا سامري ما بالك إلى قوله و انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه . قال : فأخذه و ذبحه ثم حرقه بالمبرد يعني سحكه ثم ذراه في اليم فلم يبق نهر يجري يومئذ إلا وقع فيه منه شي‏ء ثم قال لهم موسى : اشربوا منه فشربوا فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب ، فذلك حين يقول : و أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم .


الحديث .


أقول : و من عجيب ما اشتمل عليه قصة إنبات الذهب على شوارب محبي العجل عن شرب الماء ، و حمله قوله تعالى : « و أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم» عليه و لفظة « في قلوبهم» نعمالدليل على أن المراد بالإشراب حلول حبه و نفوذه في قلوبهم دون شرب الماء الذي نسف فيه بعد السحك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :205


و أعجب منه جمعه بين ذبحه و سحكه و لا يكون ذبح إلا في حيوان ذي لحم و دم و لا يتيسر السحك و البرد إلا في جسد مسبوك من ذهب أو فلز آخر .


و فيه ، أخرج عبد بن حميد و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ عن علي قال : إن جبريل لما نزل فصعد بموسى إلى السماء بصر به السامري من بين الناس فقبض قبضة من أثر الفرس و حمل جبريل موسى خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد و كتب الله الألواح و هو يسمع صرير الأقلام في الألواح فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه .


أقول : و هو يتضمن ما هو أعجب من سوابقه و هو عروج جبريل بموسى إلى السماء و سياق آيات القصة في هذه السورة و غيرها لا يساعده ، و أعجب منه أخذ التراب من أثر حافر فرس جبريل حين نزل للعروج بموسى و هو في الطور و السامري مع بني إسرائيل ، و لو صح هذا النزول و الصعود فقد كان في آخر الميقات و إضلال السامري بني إسرائيل قبل ذلك بأيام .


و نظير هذا الإشكال وارد على سائر الأخبار التي تتضمن أخذه التربة من تحت حافر فرس جبريل حين تمثل لفرعون حتى دخل فرسه البحر فإن فرعون و أصحابه إنما دخلوا البحر بعد خروج بني إسرائيل و معهم السامري - لو كان هناك - من البحر على ما لعرض البحر من المسافة فأين كان السامري من فرعون ؟ .


و أعظم ما يرد على هذه الأخبار - كما تقدمت الإشارة إليه - أولا كونها مخالفة للكتاب حيث إن الكتاب ينص على كون العجل جسدا غير ذي روح و هي تثبت له جسما ذا حياة و روح و لا حجية لخبر و إن كان صحيحا اصطلاحا مع مخالفة الكتاب و لو لا ذلك لسقط الكتاب عن الحجية مع مخالفة الخبر فيتوقف حجية الكتاب على موافقة الخبر أو عدم مخالفته مع توقف حجية الخبر بل نفس قول النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الذي يحكيه الخبر بل نبوة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على حجية ظاهر الكتاب و هو دور ظاهر ، و تمام البحث في علم الأصول .


و ثانيا : كونها أخبار آحاد و لا معنى لجعل حجية أخبار الآحاد في غير الأحكام الشرعية فإن حقيقة الجعل التشريعي إيجاب ترتيب أثر الواقع على الحجة الظاهرية و هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :206


متوقف على وجود أثر عملي للحجة كما في الأحكام ، و أما غيرها فلا أثر فيه حتى يترتب على جعل الحجية مثلا إذا وردت الرواية بكون البسملة جزءا من السورة كان معنى جعل حجيتها وجوب الإتيان بالبسملة في القراءة في الصلاة و أما إذا ورد مثلا أن السامري كان رجلا من كرمان و هو خبر واحد ظني كان معنى جعل حجيته أن يجعل الظن بمضمونه قطعا و هو حكم تكويني ممتنع و ليس من التشريع في شي‏ء و تمام الكلام في علم الأصول .


و قد أورد بعض من لا يرتضي تفسير الجمهور للآية بمضمون هذه الأخبار عليها إيرادات أخر ردية و أجاب عنها بعض المنتصرين لهم بوجوه هي أردأ منها .


و قد أيد بعضهم التفسير المذكور بأنه تفسير بالمأثور من خير القرون - القرن الأول قرن الصحابة و التابعين - و ليس مما يقال فيه بالرأي فهو في حكم الخبر المرفوع و العدول عنه ضلال .


و فيه أولا : أن كون قرن ما خير القرون لا يوجب حجية كل قول انتهى إليه و لا ملازمة بين خيرية القرن و بين كون كل قول فيه حقا صدقا و كل رأي فيه صوابا و كل عمل فيه صالحا ، و يوجد في الأخبار المأثورة عنهم كمية وافرة من الأقوال المتناقضة و الروايات المتدافعة و صريح العقل يقضي ببطلان أحد المتناقضين و كذب أحد المتدافعين ، و يوجب على الباحث الناقد أن يطالبهم الحجة على قولهم كما يطالب غيرهم و لهم فضلهم فيما فضلوا .


و ثانيا : أن كون المورد الذي ورد عنهم الأثر فيه مما لا يقال فيه بالرأي كجزئيات القصص مثلا مقتضيا لكون أثرهم في حكم الخبر المرفوع إنما ينفع إذا كانوا منتهين في رواياتهم إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لكنا نجدهم حتى الصحابة كثيرا ما يروون من الروايات ما ينتهي إلى اليهود و غيرهم كما لا يرتاب فيه من راجع الأخبار المأثورة في قصص ذي القرنين و جنة إرم و قصة موسى و الخضر و العمالقة و معجزات موسى و ما ورد في عثرات الأنبياء و غير ذلك مما لا يعد و لا يحصى فكونها في حكم المرفوعة لا يستلزم رفعها إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و ثالثا : سلمنا كونها في حكم المرفوعة لكن المرفوعة منها و حتى الصحيحة


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :207


في غير الأحكام لا حجية فيها و خاصة ما كان مخالفا للكتاب منها كما تقدم .


و في المحاسن ، بإسناده عن الوصافي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : إن فيما ناجى الله به موسى أن قال : يا رب هذا السامري صنع العجل ، الخوار من صنعه ؟ فأوحى الله تبارك و تعالى إليه : أن تلك فتنتي فلا تفحص عنها .


أقول : و هذا المعنى وارد في مختلف الروايات بألفاظ مختلفة ، و عمدة الوجه في ذلك شيوع النقل بالمعنى و خاصة فيالنبويات من جهة منعهم كتابة الحديث في القرن الأول الهجري حتى ضربه بعض الرواة في قالب الجبر و ليس به فإنه إضلال مجازاة و ليس بإضلال ابتدائي .


و قد نسب هذا النوع من الإضلال في كتابه إلى نفسه كثيرا كما قال : « يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا و ما يضل به إلا الفاسقين» : البقرة : 26 .


و أحسن تعبير عن معنى هذا الإضلال في الروايات ما تقدم في رواية القمي : « فقال يعني موسى : يا رب العجل من السامري فالخوار ممن ؟ فقال : مني يا موسى إني لما رأيتهم قد ولوا عني إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنة .


و ما وقع في رواية راشد بن سعد المنقولة في الدر المنثور ، : و فيه « قال : يا رب فمن جعل فيه الروح ؟ قال : أنا ، قال : فأنت يا رب أضللتهم قال ! يا موسى : يا رأس النبيين و يا أبا الحكام ، إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم» .


الحديث .


و في المجمع ، قال الصادق (عليه‏السلام‏) : إن موسى هم بقتل السامري فأوحى الله سبحانه إليه : لا تقتله يا موسى فإنه سخي.

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :