امروز:
يکشنبه 2 مهر 1396
بازدید :
753
تفسيرالميزان : سوره طه آيات 135- 99


كَذَلِك نَقُص عَلَيْك مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سبَقَوَ قَدْ ءَاتَيْنَك مِن لَّدُنَّا ذِكراً(99) مَّنْ أَعْرَض عَنْهُ فَإِنَّهُ يحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْراً(100) خَلِدِينَفِيهِوَ ساءَ لهَُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ حِمْلاً(101) يَوْمَ يُنفَخُ فى الصورِوَ نحْشرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئذٍ زُرْقاً(102) يَتَخَفَتُونَ بَيْنهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلا عَشراً(103) نحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلا يَوْماً(104) وَ يَسئَلُونَك عَنِ الجِْبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبى نَسفاً(105) فَيَذَرُهَا قَاعاً صفْصفاً(106) لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَ لا أَمْتاً(107) يَوْمَئذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ لا عِوَجَ لَهُوَ خَشعَتِ الأَصوَات لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسمَعُ إِلا هَمْساً(108) يَوْمَئذٍ لا تَنفَعُ الشفَعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَ رَضىَ لَهُ قَوْلاً(109) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لا يحِيطونَ بِهِ عِلْماً(110) × وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَىّ‏ِ الْقَيُّومِوَ قَدْ خَاب مَنْ حَمَلَ ظلْماً(111) وَ مَن يَعْمَلْ مِنَ الصلِحَتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يخَاف ظلْماً وَ لا هَضماً(112) وَ كَذَلِك أَنزَلْنَهُ قُرْءَاناً عَرَبِيًّا وَ صرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يحْدِث لهَُمْ ذِكْراً(113) فَتَعَلى اللَّهُ الْمَلِك الْحَقُّوَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضى إِلَيْك وَحْيُهُوَ قُل رَّب زِدْنى عِلْماً(114)



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :208


بيان


تذييل لقصة موسى بآيات متضمنة للوعيد يذكر فيها من أهوال يوم القيامة لغرض الإنذار .


قوله تعالى : « كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق و قد آتيناك من لدنا ذكرا» الظاهر أن الإشارة إلى خصوصية قصة موسى و المراد بما قد سبق الأمور و الحوادث الماضية و الأمم الخالية أي على هذا النحو قصصنا قصة موسى و على شاكلته


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :209


نقص عليك من أخبار ما قد مضى من الحوادث و الأمم .


و قوله : « و قد آتيناك من لدنا ذكرا» المراد به القرآن الكريم أو ما يشتمل عليه من المعارف المتنوعة التي يذكر بها الله سبحانه من حقائق و قصص و عبر و أخلاق و شرائع و غير ذلك .


قوله تعالى : « من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا » ضمير « عنه» للذكر و الوزر الثقل و الإثم و الظاهر بقرينة الحمل إرادة المعنى الأول و تنكيره للدلالة على عظم خطره ، و المعنى : من أعرض عن الذكر فإنه يحمل يوم القيامة ثقلا عظيم الخطر و مر الأثر ، شبه الإثم من حيث قيامه بالإنسان بالثقل الذي يحمله الإنسان و هو شاق عليه فاستعير له اسمه .


قوله تعالى : « خالدين فيه و ساء لهم يوم القيامة حملا» المراد من خلودهم في الوزر خلودهم في جزائه و هو العذاب بنحو الكناية و التعبير في « خالدين» بالجمع باعتبار معنى قوله : « من أعرض عنه» كما أن التعبير في « أعرض» و « فإنه يحمل» باعتبار لفظه ، فالآية كقوله : « و من يعص الله و رسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا» : الجن : 23 .


و مع الغض عن الجهات اللفظية فقوله : « من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه» من أوضح الآيات دلالة على أن الإنسان إنما يعذب بعمله و يخلد فيه و هو تجسم الأعمال .


و قوله : « و ساء لهم يوم القيامة حملا» ساء من أفعال الذم كبئس ، و المعنى : و بئس الحمل حملهم يوم القيامة ، و الحمل بكسر الحاء و فتحها واحد ، غير أن ما بالكسر هو المحمول في الظاهر كالمحمول على الظهر و ما بالفتح هو المحمول في الباطن كالولد في البطن .


قوله تعالى : « يوم ينفخ في الصور و نحشر المجرمين يومئذ زرقا» « يوم ينفخ» إلخ ، بدل من يوم القيامة في الآية السابقة ، و نفخ في الصور كناية عن الإحضار و الدعوة و لذا أتبعه فيما سيأتي بقوله : « يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له» : الآية - 108 من السورة .


و الزرق جمع أزرق من الزرقة و هي اللون الخاص ، و عن الفراء أن المراد بكونهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :210


زرقا كونهم عميا لأن العين إذا ذهب نورها أزرق ناظرها و هو معنى حسن و يؤيده قوله تعالى : « و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا» : الإسراء : 97 .


و قيل : المراد زرقة أبدانهم من التعب و العطش ، و قيل : زرقة عيونهم لأن أسوأ ألوان العين و أبغضها عند العرب زرقتها ، و قيل : المراد به كونهم عطاشا لأن العطش الشديد يغير سواد العين و يريها كالأزرق و هي وجوه غير مرضية .


قوله تعالى : « يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا - إلى قوله - إلا يوما» التخافت تكليم القوم بعضهم بعضا بخفض الصوت و ذلك من أهل المحشر لهول المطلع ، و قوله : « إن لبثتم إلا عشرا» بيان لكلامهم الذي يتخافتون فيه ، و معنى الجملة على ما يعطيه السياق : يقولون ما لبثتم في الدنيا قبل الحشر إلا عشرة أيام ، يستقلون لبثهم فيها بقياسه إلى ما يلوح لهم من حكم الخلود و الأبدية .


و قوله : « نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما» أي لنا إحاطة علمية بجميع ما يقولون في تقرير لبثهم إذ يقول أمثلهم طريقة أي الأقرب منهم إلى الصدق إن لبثتم في الأرض إلا يوما و إنما كان قائل هذا القول أمثل القوم طريقة و أقربها إلى الصدق لأن اللبث المحدود الأرضي لا مقدار له إذا قيس من اللبث الأبدي الخالد ، و عده يوما و هو أقل من العشرة أقرب إلى الواقع من عده عشرة ، و القول مع ذلك نسبي غير حقيقي و حقيقة القول فيه ما حكاه سبحانه في قوله : « و قال الذين أوتوا العلم و الإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث و لكنكم كنتم لا تعلمون :» الروم : 56 ، و سيجي‏ء استيفاء البحث في معنى هذا اللبث في تفسير الآية إن شاء الله تعالى .


قوله تعالى : « و يسألونك عن الجبال - إلى قوله - و لا أمتا» تدل الآية على أنهم سألوه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن حال الجبال يوم القيامة فأجيب عنه بالآيات .


و قوله : « فقل ينسفها ربي نسفا» أي يذرؤها و يثيرها فلا يبقى منها في مستقرها شي‏ء ، و قوله : « فيذرها قاعا صفصفا» القاع الأرض المستوية و الصفصف الأرض المستوية الملساء ، و المعنى فيتركها أرضا مستوية ملساء لا شي‏ء عليها ، و كأن الضمير للأرض باعتبار أنها كانت جبالا ، و قوله : « لا ترى فيها عوجا و لا أمتا» قيل : العوج


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :211


ما انخفض من الأرض و الأمت ما ارتفع منها ، و الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المراد كل من له أن يرى و المعنى لا يرى راء فيها منخفضا كالأودية و لا مرتفعا كالروابي و التلال .


قوله تعالى : « يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له و خشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا» نفي العوج إن كان متعلقا بالاتباع - بأن يكون « لا عوج له» حالا عن ضمير الجمع و عامله يتبعون - فمعناه أن ليس لهم إذا دعوا إلا الاتباع محضا من غير أي توقف أو استنكاف أو تثبط أو مساهلة فيه لأن ذلك كله فرع القدرة و الاستطاعة أو توهم الإنسان ذلك لنفسه و هم يعاينون اليوم أن الملك و القدرة لله سبحانه لا شريك له قال تعالى : « لمن الملك اليوم لله الواحد القهار :» المؤمن : 16 ، و قال : « و لو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا :» البقرة : 165 .


و إن كان متعلقا بالداعي كان معناه أن الداعي لا يدع أحدا إلا دعاه من غير أن يهمل أحدا بسهو أو نسيان أو مساهلة في الدعوة .


لكن تعقيب الجملة بقوله : « و خشعت الأصوات للرحمن» إلخ يناسب المعنى الأول فإن ارتفاع الأصوات عندالدعوة و الإحضار إنما يكون للتمرد و الاستكبار عن الطاعة و الاتباع .


و قوله : « و خشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا قال الراغب : الهمس الصوت الخفي و همس الأقدام أخفى ما يكون من صوتها قال تعالى : « فلا تسمع إلا همسا» .


انتهى .


و الخطاب في قوله : « لا تسمع» للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المراد كل سامع يسمع و المعنى و انخفضت الأصوات لاستغراقهم في المذلة و المسكنة لله فلا يسمع السامع إلا صوتا خفيا .


قوله تعالى : « يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن و رضي له قولا» نفي نفع الشفاعة كناية عن أن القضاء بالعدل و الحكم الفصل على حسب الوعد و الوعيد الإلهيين جار نافذ يومئذ من غير أن يسقط جرم مجرم أو يغمض عن معصية عاص لمانع يمنع منه فمعنى نفع الشفاعة تأثيرها .


و قوله : « إلا من أذن له الرحمن و رضي له قولا» الاستثناء يدل على أن العناية في الكلام متعلقة بنفي الشفعاء لا بتأثير الشفاعة في المشفوع لهم و المراد الإذن في


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :212


الكلام للشفاعة كما يبينه قوله بعده : « و رضي له قولا» فإن التكلم يومئذ منوط بإذنه تعالى ، قال : « يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه» : هود : 105 و قال : « لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا» : النبأ : 38 .


و قد مر القول في معنى الإذن في التكلم في تفسير سورة هود في الجزء العاشر من الكتاب .


و أما كون القول مرضيا فمعناه أن لا يخالطه ما يسخط الله من خطإ أو خطيئة قضاء لحق الإطلاق و لا يكون ذلك إلا ممن أخلص الله سريرته من الخطإ في الاعتقاد و الخطيئة في العمل و طهر نفسه من رجس الشرك و الجهل في الدنيا أو من ألحقه بهم فإن البلاء و الابتلاء اليوم مع السرائر قال تعالى : « يوم تبلى السرائر» و للبحث ذيل طويل سيمر بك بعضه إن شاء الله تعالى .


قوله تعالى : « يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون به علما» إن كان ضمائر الجمع في الآية راجعة إلى « من أذن له» باعتبار معناه كان المراد أن مرضي قولهم لا يخفى على الله فإن علمه محيط بهم و هم لا يحيطون به علما فليس في وسعهم أن يغروه بقول مزوق غير مرضي .


و إن كانت راجعة إلى المجرمين فالآية تصف علمه تعالى بهم في موقف الجزاء و هو ما بين أيديهم و قبل أن يحضروا الموقف في الدنيا حيا أو ميتا و هو ما خلفهم فهم محاطون لعلمه و لا يحيطون به علما فيجزيهم بما فعلوا و قد عنت وجوههم للحي القيوم فلا يستطيعون ردا لحكمه و عند ذلك خيبتهم .


و هذا الاحتمال أنسب لسياق الآيات .


قوله تعالى : « و عنت الوجوه للحي القيوم» العنوة هي الذلة قبال قهر القاهر و هي شأن كل شي‏ء دون الله سبحانه يوم القيامة بظهور السلطنة الإلهية كما قال : « لمن الملك اليوم لله الواحد القهار :» المؤمن : 16 ، فلا يملك شي‏ء شيئا بحقيقة معنى الكلمة و هو الذلة و المسكنة على الإطلاق و إنما نسبت العنوة إلى الوجوه لأنها أول ما تبدو و تظهر في الوجوه ، و لازم هذه العنوة أن لا يمنع حكمه و لا نفوذه فيهم مانع و لا يحول بينه و بين ما أراد بهم حائل .


و اختير من أسمائه الحي القيوم لأن مورد الكلام الأموات أحيوا ثانيا و قد تقطعت عنهم الأسباب اليوم و المناسب لهذا الظرف من صفاته حياته المطلقة و قيامه بكل أمر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :213


قوله تعالى : « و قد خاب من حمل ظلما و من يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا يخاف ظلما و لا هضما» بيان لجزائهم أما قوله : « و قد خاب من حمل ظلما» فالمراد بهم المجرمون غير المؤمنين فلهم الخيبة بسوء الجزاء لا كل من حمل ظلما ما أي ظلم كان من مؤمن أو كافر فإن المؤمن لا يخيب يومئذ بالشفاعة .


و لو كان المراد العموم وأن كل من حمل ظلما ما فهو خائب فالمراد بالخيبة الخيبة من السعادة التي يضادها ذلك الظلم دون الخيبة من السعادة مطلقا .


و أما قوله : « و من يعمل من الصالحات و هو مؤمن» إلخ فهو بيان استطرادي لحال المؤمنين الصلحاء جي‏ء به لاستيفاء الأقسام و تتميم القول في الفريقين الصلحاء و المجرمين ، و قد قيد العمل الصالح بالإيمان لأن الكفر يحبط العمل الصالح بمقتضى آيات الحبط ، و الهضم هو النقص ، و معنى الآية ظاهر .


و قد تم باختتام هذه الآية بيان إجمال ما يجري عليهم يوم الجزاء من حين يبعثون إلى أن يجزوا بأعمالهم فقد ذكر إحضارهم بقوله : « يوم ينفخ في الصور» أولا ثم حشرهم و قرب ذلك منهم حتى أنه يرى أمثلهم طريقة أنهم لبثوا في الأرض يوما واحدا بقوله : « يتخافتون بينهم» إلخ ثانيا .


ثم تسطيح الأرض لاجتماعهم عليها بقوله : « و يسألونك عن الجبال» إلخ ، ثالثا .


ثم طاعتهم و اتباعهم الداعي للحضور بقوله : « يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له» إلخ ، رابعا .


ثم عدم تأثير الشفاعة لإسقاط الجزاء بقوله : « يومئذ لا تنفع الشفاعة» إلخ خامسا .


ثم إحاطة علمهم بحالهم من غير عكس و هي مقدمة للحساب و الجزاء بقوله : « يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم» إلخ سادسا .


ثم سلطانه عليهم و ذلتهم عنده و نفوذ حكمه فيهم بقوله : « و عنت الوجوه للحي القيوم» سابعا .


ثم الجزاء بقوله : « و قد خاب» إلخ ثامنا ، و بهذا يظهر وجه ترتب الآيات و ذكر ما ذكر فيها .


قوله تعالى : « و كذلك أنزلناه قرآنا عربيا و صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا» ظاهر سياقها أن الإشارة بكذلك إلى خصوصيات بيان الآيات ، و « قرآنا عربيا» حال من الضمير في « أنزلناه» و التصريف ، هو التحويل من حال إلى حال ، و المعنى و على ذلك النحو من البيان المعجز أنزلنا الكتاب و الحال أنه قرآن مقرو عربي و أتينا فيه ببعض ما أوعدناهم في صورة بعد صورة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :214


و قوله : « لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا» قد أورد فيما تقدم من قوله : « لعله يتذكر أو يخشى» الذكر مقابلا للخشية و يستأنس منه أن المراد بالاتقاء هاهنا هو التحرز من المعاداة و اللجاج الذي هو لازم الخشية باحتمال الضرر دون الاتقاء المترتب على الإيمان بإتيان الطاعات و اجتناب المعاصي ، و يكون المراد بإحداث الذكر لهم حصول التذكر فيهم و تتم المقابلة بين الذكر و التقوى من غير تكلف .


و المعنى - و الله أعلم - لعلهم يتحرزون المعاداة مع الحق لحصول الخشية في قلوبهم باحتمال الخطر لاحتمال كونه حقا أو يحدث لهم ذكرا للحق فيعتقدوا به .


قوله تعالى : « فتعالى الله الملك الحق» تسبيح و تنزيه له عن كل ما لا يليق بساحة قدسه ، و هو يقبل التفرع على إنزال القرآن و تصريف الوعيد فيه لهداية الناس و التفرع عليه و على ما ذكر قبله من حديث الحشر و الجزاء و هذا هو الأنسب نظرا إلى انسلاك الجميع في سلك واحد و هو أنه تعالى ملك يتصرف في ملكه بهداية الناس إلى ما فيه صلاح أمرهم ثم إحضارهم و جزائهم على ما عملوا من خير أو شر .


فتعالى الله الذي يملك كل شي‏ء ملكا مطلقا لا مانع من تصرفه و لا معقب لحكمه يرسل الرسل و ينزل الكتب لهداية الناس و هو من شئون ملكه ثم يبعثهم بعد موتهم و يحضرهم فيجزيهم على ما عملوا و قد عنوا للحي القيوم و هذا أيضا من شئون ملكه فهو الملك في الأولى و الآخرة و هو الحق الثابت على ما كان لا يزول عما هو عليه .


و يمكن أن يتفرع على جميع ما تقدم من قصة موسى و ما فرع عليها إلى هنا و يكون بمنزلة ختم ذلك بالتسبيح و الاستعظام .


قوله تعالى : « و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه و قل رب زدني علما» السياق يشهد بأن في الكلام تعرضا لتلقي النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) وحي القرآن ، فضمير « وحيه» للقرآن ، و قوله : « و لا تعجل بالقرآن» نهي عن العجل بقراءته ، و معنى قوله : « من قبل أن يقضى إليك وحيه» من قبل أن يتم وحيه من ملك الوحي .


فيفيد أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان إذا جاءه الوحي بالقرآن يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل أن يتم الوحي فنهى عن أن يعجل في قراءته قبل انقضاء الوحي و تمامه فيكون الآية في معنى قوله تعالى في موضع آخر : « لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه و قرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه :» القيامة : 18 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14 ص :215


و يؤيد هذا المعنى قوله بعد : « و قل رب زدني علما» فإن سياق قوله : لا تعجل به و قل رب زدني ، يفيد أن المراد هو الاستبدال أي بدل الاستعجال في قراءة ما لم ينزل بعد ، طلبك زيادة العلم و يئول المعنى إلى أنك تعجل بقراءة ما لم ينزل بعد لأن عندك علما به في الجملة لكن لا تكتف به و اطلب من الله علما جديدا بالصبر و استماع بقية الوحي .


و هذه الآية مما يؤيد ما ورد من الروايات أن للقرآن نزولا دفعة واحدة غير نزوله نجوما على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فلو لا علم ما منه بالقرآن قبل ذلك لم يكن لعجله بقراءة ما لم ينزل منه بعد معنى .


و قيل : المراد بالآية و لا تعجل بقراءة القرآن لأصحابك و إملائه عليهم من قبل أن يتبين لك معانيه ، و أنت خبير بأن لفظ الآية لا تعلق له بهذا المعنى .


و قيل : المراد و لا تسأل إنزال القرآن قبل أن يقضي الله وحيه إليك ، و هو كسابقه غير منطبق على لفظ الآية .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « إذ يقول أمثلهم طريقة» قال : أعلمهم و أصلحهم يقولون : « إن لبثتم إلا يوما» . و في المجمع ، : قيل إن رجلا من ثقيف سأل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : كيف تكون الجبال مع عظمها يوم القيامة ؟ فقال : إن الله يسوقها بأن يجعلها كالرمال ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها .


أقول : و روى هذا المعنى في الدر المنثور ، عن ابن المنذر عن ابن جريح و لفظه : قالت قريش : يا محمد كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة ؟ فنزلت : « و يسألونك عن الجبال» الآية و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « لا ترى فيها عوجا و لا أمتا» قال : الأمت : الارتفاع ، و العوج : الحزون و الذكوات . و فيه ، : في قوله تعالى : « يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له» قال : مناد من عندالله عز و جل .


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :216


و فيه ، : في قوله تعالى : « و خشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا» : حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن أبي محمد الوابشي عن أبي الورد عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد حفاة عراة فيوقفون في المحشر حتى يعرقوا عرقا شديدا و تشتد أنفاسهم فيمكثون في ذلك مقدار خمسين عاما و هو قول الله : « و خشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا» الحديث .


و في الكافي ، أحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى قال : سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلى أبي الحسن الرضا (عليه‏السلام‏) فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال و الحرام و الأحكام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد . فقال أبو قرة : إنا روينا أن الله قسم الرؤية و الكلام بين نبيين فقسم الكلام لموسى و لمحمد الرؤية ، فقال أبو الحسن (عليه‏السلام‏) : فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن و الإنس « لا تدركه الأبصار» « و لا يحيطون به علما» « و ليس كمثله شي‏ء» ؟ أ ليس محمد ؟ قال بلى . قال : كيف يجي‏ء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله و أنه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول : « لا تدركه الأبصار» « و لا يحيطون به علما» « و ليس كمثله شي‏ء» ثم يقول : أنا رأيته بعيني و أحطت به علما و هو على صورة البشر ؟ أ ما تستحيون ، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشي‏ء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر ، إلى قوله : و قد قال الله : « و لا يحيطون به علما» فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم و وقعت المعرفة . فقال أبو قرة : فتكذب بالروايات ؟ فقال أبو الحسن (عليه‏السلام‏) إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها ، و ما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما و لا تدركه الأبصار و ليس كمثله شي‏ء .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و لا تعجل بالقرآن» الآية ، قال : كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذا نزل عليه القرآن بادر بقراءته قبل تمام نزول الآية ، و المعنى : فأنزل الله « و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه» - أي يفرغ من قراءته « و قل رب زدني علما» .


أقول : و روى هذا المعنى في الدر المنثور ، عن ابن أبي حاتم عن السدي : إلا أن فيه


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :217


أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يفعل ذلك خوفا من النسيان و أنت تعلم أن نسيان الوحي لا يلائم عصمة النبوة .


و في الدر المنثور ، أخرج الفاريابي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن الحسن قال : لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تطلب قصاصا ، فجعل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بينهما القصاص ، فأنزل الله « و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه - و قل رب زدني علما» ، فوقف النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حتى نزلت « الرجال قوامون على النساء» الآية .


أقول : و الحديث لا يخلو من شي‏ء فلا الآية الأولى بمضمونها تنطبق على المورد و لا الثانية ، و قد سبق البحث عن كليهما .


و في المجمع ، روت عائشة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنه قال : إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله فلا بارك الله لي في طلوع شمسه .


أقول : و الحديث لا يخلو من شي‏ء و كيف يظن بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يدعو على نفسه في أمر ليس إليه ، و لعل في الرواية تحريفا من جهة النقل بالمعنى .


وَ لَقَدْ عَهِدْنَا إِلى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسىَ وَ لَمْ نجِدْ لَهُ عَزْماً(115) وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئكةِ اسجُدُوا لاَدَمَ فَسجَدُوا إِلا إِبْلِيس أَبى‏(116) فَقُلْنَا يَئَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّك وَ لِزَوْجِك فَلا يخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشقَى‏(117) إِنَّ لَك أَلا تجُوعَ فِيهَا وَ لا تَعْرَى‏(118) وَ أَنَّك لا تَظمَؤُا فِيهَا وَ لا تَضحَى‏(119) فَوَسوَس إِلَيْهِ الشيْطنُ قَالَ يَئَادَمُ هَلْ أَدُلُّك عَلى شجَرَةِ الخُْلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى‏(120) فَأَكلا مِنهَا فَبَدَت لهَُمَا سوْءَتُهُمَا وَ طفِقَا يخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِن وَرَقِ الجَْنَّةِوَ عَصى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى‏(121) ثمَّ اجْتَبَهُ رَبُّهُ فَتَاب عَلَيْهِ وَ هَدَى‏(122) قَالَ اهْبِطا مِنْهَا جَمِيعَابَعْضكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّفَإِمَّا يَأْتِيَنَّكم مِّنى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاى فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشقَى‏(123) وَ مَنْ أَعْرَض عَن ذِكرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشةً ضنكاً وَ نحْشرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى‏(124) قَالَ رَب لِمَ حَشرْتَنى أَعْمَى وَ قَدْ كُنت بَصِيراً(125) قَالَ كَذَلِك أَتَتْك ءَايَتُنَا فَنَسِيتهَاوَ كَذَلِك الْيَوْمَ تُنسى‏(126)



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :218


بيان


قصة دخول آدم و زوجه الجنة و خروجهما منها بوسوسة من الشيطان و قضائه تعالى عند ذلك بتشريع الدين و سعادة من اتبع الهدى و شقاء من أعرض عن ذكر الله .


و قد وردت القصة في هذه السورة بأوجز لفظ و أجمل بيان ، و عمدة العناية فيها - كما يشهد به تفصيل ذيلها - متعلقة ببيان ما حكم به من تشريع الدين و الجزاء بالثواب و العقاب ، و يؤيده أيضا التفريع بعدها بقوله : « و كذلك نجزي من أسرف و لم يؤمن بآيات ربه» إلخ ، نعم للقصة تعلق ما أيضا من جهة ذكرها توبة آدم بقوله فيما تقدم : « و إني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى» .


و القصة - كما يظهر من سياقها في هذه السورة و غيرها مما ذكرت فيها كالبقرة و الأعراف - تمثل حال الإنسان بحسب طبعه الأرضي المادي فقد خلقه الله سبحانه في أحسن تقويم و غمره في نعمه التي لا تحصى و أسكنه جنة الاعتدال و منعه عن تعديه بالخروج إلى جانب الإسراف باتباع الهوى و التعلق بسراب الدنيا و نسيان جانب الرب تعالى بترك عهده إليه و عصيانه و اتباع وسوسة الشيطان الذي يزين له الدنيا و يصور له و يخيل إليه أنه لو تعلق بها و نسي ربه اكتسب بذلك سلطانا على الأسباب الكونية يستخدمها و يستذل بها كل ما يتمناه من لذائذ الحياة و أنها باقية له و هو باق لها ، حتى


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :219


إذا تعلق بها و نسي مقام ربه ظهرت له سوآت الحياة و لاحت له مساوى‏ء الشقاء بنزول النوازل و خيانة الدهر و نكول الأسباب و تولي الشيطان عنه فطفق يخصف عليه من ظواهر النعم يستدرك بموجود نعمة مفقود أخرى و يميل من عذاب إلى ما هو أشد منه و يعالج الداء المؤلم بآخر أكثر منه ألما حتى يؤمر بالخروج من جنة النعمة و الكرامة إلى مهبط الشقاء و الخيبة .


فهذه هي التي مثلت لآدم (عليه‏السلام‏) إذ أدخله الله الجنة و ضرب له بالكرامة حتى آل أمره إلى ما آل إلا أن واقعته (عليه‏السلام‏) كانت قبل تشريع أصل الدين و جنته جنة برزخية ممثلة في عيشة غير دنيوية فكان النهي لذلك إرشاديا لا مولويا و مخالفته مؤدية إلى أمر قهري ليس بجزاء تشريعي كما تقدم تفصيله في تفسير سورتي البقرة و الأعراف .


قوله تعالى : « و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزما» المراد بالعهد الوصية و بهذا المعنى يطلق على الفرامين و الدساتير العهود ، و النسيان معروف و ربما يكنى به عن الترك لأنه لازمه إذ الشي‏ء إذا نسي ترك ، و العزم القصد الجازم إلى الشي‏ء قال تعالى : « فإذا عزمت فتوكل على الله :» آل عمران : 159 و ربما أطلق على الصبرو لعله لكون الصبر أمرا شاقا على النفوس فيحتاج إلى قصد أرسخ و أثبت فسمي الصبر باسم لازمه قال تعالى : « إن ذلك لمن عزم الأمور» .


فالمعنى و أقسم لقد وصينا آدم من قبل فترك الوصية و لم نجد له قصدا جازما إلى حفظها أو صبرا عليها و العهد المذكور - على ما يظهر من قصته (عليه‏السلام‏) في مواضع من كلامه تعالى - هو النهي عن أكل الشجرة ، بمثل قوله : « لا تقربا هذه الشجرة :» الأعراف : 19 .


قوله تعالى : « و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى» معطوف على مقدر و التقدير اذكر عهدنا إليه و اذكر وقتا أمرناالملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس حتى يظهر أنه نسي و لم يعزم على حفظ الوصية ، و قوله : « أبى» جواب سؤال مقدر تقديره ما ذا فعل إبليس ؟ فقيل : أبى .


قوله تعالى : « فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك و لزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى» تفريع على إباء إبليس عن السجدة أي فلما أبى قلنا إرشادا لآدم إلى ما فيه


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :220


صلاح أمره و نصحا : إن هذا الآبي عن السجدة - إبليس - عدو لك و لزوجك إلخ .


و قوله : « فلا يخرجنكما من الجنة» توجيه نهي إبليس عن إخراجهما من الجنة إلى آدم كناية عن نهيه عن طاعته أو عن الغفلة عن كيده و الاستهانة بمكره أي لا تطعه أو لا تغفل عن كيده و تسويله حتى يتسلط عليكما و يقوى على إخراجكما من الجنة و إشقائكما .


و قد ذكر الإمام الرازي في تفسيره وجوها لسبب عداوة إبليس لآدم و زوجه و هي وجوه سخيفة لا فائدة في الإطناب بنقلها ، و الحق أن السبب فيها هو طرده من حضرة القرب و رجمه و جعل اللعن عليه إلى يوم القيامة كما يظهر من قوله لعنه الله على ما حكاه الله : « قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض و لأغوينهم أجمعين» : الحجر : 39 .


و قوله : « قال أ رأيتك هذا الذي كرمتعلي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا :» الإسراء : 62 ، و معلوم أن تكريم آدم عليه هو تكريم نوع الإنسان عليه كما أن أمره بالسجدة له كان أمرا بالسجدة لنوع الإنسان فأصل السبب هو تقدم الإنسان و تأخر الشيطان ثم الطرد و اللعن .


و قوله : « فتشقى» تفريع على خروجهما من الجنة و المراد بالشقاء التعب أي فتتعب إن خرجتما من الجنة و عشتما في غيرها و هو الأرض عيشة أرضية لتهاجم الحوائج و سعيك في رفعها كالحاجة إلى الطعام و الشراب و اللباس و المسكن و غيرها .


و الدليل على أن المراد بالشقاء التعب الآيتان التاليتان المشيرتان إلى تفسيره : « إن لك ألا تجوع فيها و لا تعرى و أنك لا تظمؤا فيها و لا تضحى» .


و هو أيضا دليل على أن النهي إرشادي ليس في مخالفته إلا الوقوع في المفسدة المترتبة على نفس الفعل و هو تعب السعي في رفع حوائج الحياة و اكتساب ما يعاش به و ليس بمولوي تكون نفس مخالفته مفسدة يقع فيها العبد و تستتبع مؤاخذة أخروية .


على أنك عرفت أنه عهد قبل تشريع أصل الدين الواقع عند الأمر بالخروج من الجنة و الهبوط إلى الأرض .


و أما إفراد قوله : « فتشقى» و لم يقل فتشقيا بصيغة التثنية فلأن العهد إنما نزل على آدم (عليه‏السلام‏) و كان التكليم متوجها إليه ، و لذلك جي‏ء بصيغة الإفراد في جميع ما


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :221


يرجع إليه كقوله : « فنسي و لم نجد له عزما» « فتشقى» « ألا تجوع فيها و لا تعرى» « لا تظمؤا فيها و لا تضحى» « فوسوس إليه» إلخ « و عصى» إلخ « ثم اجتباه ربه فتاب عليه» نعم جي‏ء بلفظ التثنية فيما لا غنى عنه كقوله : « عدو لك و لزوجك فلا يخرجنكما» « فأكلا منها فبدت لهما» « و طفقا يخصفان عليهما» « قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو» فتدبر و قيل إن إفراد : « تشقى» من جهة أن نفقة المرأة على المرء و لذا نسب الشقاء و هو التعب في اكتساب المعاش إلى آدم و فيه .


أن الآيتين التاليتين لا تلائمان ذلك و لو كان كما قال لقيل : إن لكما أن لا تجوعا إلخ ، و قيل : إن الإفراد لرعاية الفواصل و هو كما ترى .


قوله تعالى : « إن لك ألا تجوع فيها و لا تعرى و أنك لا تظمؤا فيها و لا تضحى» يقال : ضحى يضحى كسعى يسعى ضحوا و ضحيا إذا أصابته الشمس أو برز لها و كأن المراد بعدم الضحو أن ليس هناك أثر من حرارة الشمس حتى تمس الحاجة إلى الاكتنان في مسكن يقي من الحر و البرد .


و قد رتبت الأمور الأربعة على نحو اللف و النشر المرتب لرعاية الفواصل و الأصل في الترتيب أن لا تجوع فيها و لا تظمأ و لا تعرى و لا تضحى .


قوله تعالى : « فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى» الشيطان هو الشرير لقب به إبليس لشرارته ، و المراد بشجرة الخلد الشجرة المنهية و البلى صيرورة الشي‏ء خلقا خلاف الجديد .


و المراد بشجرة الخلد شجرة يعطي أكلها خلود الحياة ، و المراد بملك لا يبلى سلطنة لا تتأثر عن مرور الدهور و اصطكاك المزاحمات و الموانع فيئول المعنى إلى نحو قولنا هل أدلك على شجرة ترزق بأكل ثمرتها حياة خالدة و ملكا دائما فليس قوله : « لا يبلى» تكرارا لإفادة التأكيد كما قيل .


و الدليل على ما ذكره ما في سورة الأعراف في هذا المعنى من قوله : « ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين :» الأعراف : 20» و لا منافاة بين جمع خلود الحياة و دوام الملك هاهنا بواو الجمع و بين الترديد بينهما في سورة


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :222


الأعراف لإمكان أن يكون الترديد هناك لمنع الخلو لا لمنع الجمع ، أو يكون الجمع هاهنا باعتبار الاتصاف بهما جميعا و الترديد هناك باعتبار تعلق النهي كأنه قيل : إن في هذه الشجرة صفتين و إنما نهاكما ربكما عنها إما لهذه ، أو لهذه أو إنما نهاكما ربكما عنها أن لا تخلدا في الجنة مع ملك خالد أو أن لا تخلدا بناء على أن الملك الخالد يستلزم حياة خالدة فافهم ذلك و كيف كان فلا منافاة بين الترديد في آية و الجمع في أخرى .


قوله تعالى : « فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة» تقدم تفسيره في سورة الأعراف .


قوله تعالى : « و عصى آدم ربه فغوى» الغي خلاف الرشد الذي هو بمعنى إصابة الواقع و هو غير الضلال الذي هو الخروج من الطريق ، و الهدى يقابلهما و يكون بمعنى الإرشاد إذا قابل الغي كما في الآية التالية و بمعنى إراءة الطريق ، أو الإيصال إلى المطلوب بتركيب الطريق إذا قابل الضلال فليس من المرضي تفسير الغي في الآية بمعنى الضلال .


و معصية آدم - ربه كما أشرنا إليه آنفا و قد تقدم تفصيله - إنما هي معصية أمر إرشادي لا مولوي و الأنبياء (عليهم‏السلام‏) معصومون من المعصية و المخالفة في أمر يرجع إلى الدين الذي يوحى إليهم من جهة تلقيه فلا يخطئون ، و من جهة حفظه فلا ينسون و لا يحرفون ، و من جهة إلقائه إلى الناس و تبليغه لهم قولا فلا يقولون إلا الحق الذي أوحي إليهم وفعلا فلا يخالف فعلهم قولهم و لا يقترفون معصية صغيرة و لا كبيرة لأن في الفعل تبليغا كالقول ، و أما المعصية بمعنى مخالفة الأمر الإرشادي الذي لا داعي فيه إلا إحراز المأمور خيرا أو منفعة من خيرات حياته و منافعها بانتخاب الطريق الأصلح كما يأمر و ينهى المشير الناصح نصحا فإطاعته و معصيته خارجتان من مجرى أدلة العصمة و هو ظاهر .


و ليكن هذا معنى قول القائل إن الأنبياء (عليهم‏السلام‏) على عصمتهم يجوز لهم ترك الأولى و منه أكل آدم (عليه‏السلام‏) من الشجرة و الآية من معارك الآراء و قد اختلفت فيها التفاسير على حسب اختلاف مذاهبهم في عصمة الأنبياء و كل يجر النار إلى قرصته .


قوله تعالى : « ثم اجتباه ربه فتاب عليه و هدى» الاجتباء - كما تقدم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :223


مرارا - بمعنى الجمع على طريق الاصطفاء ففيه جمعه تعالى عبده لنفسه لا يشاركه فيه أحد و جعله من المخلصين بفتح اللام ، و على هذا المعنى يتفرع عليه قوله : « فتاب عليه و هدى» ، كأنه كان ذا أجزاء متفرقة متشتتة فجمعها من هنا و هناك إلى مكان واحد ثم تاب عليه و رجع إليه و هداه و سلك به إلى نفسه .


و إنما فسرنا قوله : « هدى» و هو مطلق بهدايته إلى نفسه بقرينة الاجتباء ، و لا ينافي مع ذلك إطلاق الهداية لأن الهداية إليه تعالى أصل كل هداية و محتدها ، نعم يجب تقييد الهداية بما يكون في أمر الدين من اعتقاد حق و عمل صالح ، و الدليل عليه تفريع الهداية في الآية على الاجتباء ، فافهم ذلك .


و على هذا فلا يرد على ما قدمنا أن ظاهر وقوع هذه الهداية بعد ذكر تلك الغواية أن يكون نوع تلك الغواية مرفوعا عنه و إذ كانت غواية في أمر إرشادي فالآية تدل على إعطاء العصمة له في موارد الأمر المولوية و الإرشادية جميعا و صونه عن الخطإ في أمر الدين و الدنيا معا .


و وجه عدم الورود أن ظاهر تفرع الهداية على الاجتباء كونه مهديا إلى ما كان الاجتباء له و الاجتباء إنما يتعلق بما فيه السعادة الدينية و هو قصر العبودية في الله سبحانه فالهداية أيضا متعلقة بذلك و هي الهداية التي لا واسطة فيها بينه تعالى و بين العبد المهدي و لا تتخلف أصلا كما قال : « فإن الله لا يهدي من يضل :» النحل : 37 ، و الهداية إلى منافع الحياة أيضا و إن كانت راجعة إليه تعالى لكنها مما تتخلل الأسباب فيها بينها و بينه تعالى و الأسباب ربما تخلفت ، فافهم ذلك .


قوله تعالى : « قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو» تقدم تفسير مثله في سورتي البقرة و الأعراف .


و في قوله : « قال اهبطا» التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة و الإفراد و لعل الوجه فيه اشتمال الآية على القضاء و الحكم و هو مما يختص به تعالى قال : « و الله يقضي بالحق» : المؤمن : 20 ، و قال : « إن الحكم إلا لله» : يوسف : 67 .


قوله تعالى : « فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى» في الآية قضاء منه تعالى متفرع على الهبوط و لذا عطف بفاء التفريع ، و أصل قوله :


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :224


«فإما يأتينكم» فإن يأتكم زيد عليه ما و نون التأكيد للإشارة إلى وقوع الشرط كأنه قيل : إن يأتكم مني هدى - و هو لا محالة آت - فمن اتبع « إلخ» .


و في قوله : « فمن اتبع هداي» نسبة الاتباع إلى الهدى على طريق الاستعارة بالكناية ، و أصله : من اتبع الهادي الذي يهدي بهداي .


و قوله : « فلا يضل و لا يشقى» أي لا يضل في طريقه و لا يشقى في غايته التي هي عاقبة أمره ، و إطلاق الضلال و الشقاء يقضي بنفي الضلال و الشقاء عنه في الدنيا و الآخرة جميعا و هو كذلك فإن الهدى الإلهي هو الدين الفطري الذي دعا إليه بلسان أنبيائه ، و دين الفطرة هو مجموع الاعتقادات و الأعمال التي تدعو إليها فطرة الإنسان و خلقته بحسب ما جهز به من الجهازات ، و من المعلوم أن سعادة كل شي‏ء هو ما تستدعيه خلقته بما لها من التجهيز لا سعادة له وراءه ، قال تعالى : « فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم :» الروم : 30 .


قوله تعالى : « و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى» قال الراغب : العيش الحياة المختصة بالحيوان و هو أخص من الحياة لأن الحياة يقال في الحيوان و في الباري تعالى و في الملك و يشتق منه المعيشة لما يتعيش منه ، قال تعالى : « نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا» « معيشة ضنكا» انتهى ، و الضنك هو الضيق من كل شي‏ء و يستوي فيه المذكر و المؤنث ، يقال : مكان ضنك و معيشة ضنك و هو في الأصل مصدر ضنك يضنك من باب شرف يشرف أي ضاق .


و قوله : « و من أعرض عن ذكري» يقابل قوله في الآية السابقة : « فمن اتبع هداي» و كان مقتضى المقابلة أن يقال : « و من لم يتبع هداي» و إنما عدل عنه إلى ذكر الإعراض عن الذكر ليشير به إلى علة الحكم لأن نسيانه تعالى و الإعراض عن ذكره هو السبب لضنك العيش و العمى يوم القيامة ، و ليكون توطئة و تمهيدا لما سيذكر من نسيانه تعالى يوم القيامة من نسيه في الدنيا .


و المراد بذكره تعالى أما المعنى المصدري فقوله : « ذكري» من إضافة المصدر إلى مفعوله أو القرآن أو مطلق الكتب السماوية كما يؤيده قوله الآتي : « أتتك آياتنا فنسيتها» أو الدعوة الحقة و تسميتها ذكرا لأن لازم اتباعها و الأخذ بها ذكره تعالى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :225


و قوله : « فإن له معيشة ضنكا» أي ضيقة و ذلك أن من نسي ربه و انقطع عن ذكره لم يبق له إلا أن يتعلق بالدنيا و يجعلها مطلوبه الوحيد الذي يسعى له و يهتم بإصلاح معيشته و التوسع فيها و التمتع منها ، و المعيشة التي أوتيها لا تسعه سواء كانت قليلة أو كثيرة لأنه كلما حصل منها و اقتناها لم يرض نفسه بها و انتزعت إلى تحصيل ما هو أزيد و أوسع من غير أن يقف منها على حد فهو دائما في ضيق صدر و حنق مما وجد متعلق القلب بما وراءه مع ما يهجم عليه من الهم و الغم و الحزن و القلق و الاضطراب و الخوف بنزول النوازل و عروض العوارض من موت و مرض و عاهة و حسد حاسد و كيد كائد و خيبة سعي و فراق حبيب .


و لو أنه عرف مقام ربه ذاكرا غير ناس أيقن أن له حياة عند ربه لا يخالطها موت و ملكا لا يعتريه زوال و عزة لا يشوبها ذلة و فرحا و سرورا و رفعة و كرامة لا تقدر بقدر و لا تنتهي إلى أمد و أن الدنيا دار مجاز و ما حياتها في الآخرة إلا متاع فلو عرف ذلك قنعت نفسه بما قدر له من الدنيا و وسعه ما أوتيه من المعيشة من غير ضيق و ضنك .


و قيل : المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر و شقاء الحياة البرزخية بناء على أن كثيرا من المعرضين عن ذكر الله ربما نالوا من المعيشة أوسعها و ألقت إليهم أمور الدنيا بأزمتها فهم في عيشة وسيعة سعيدة .


و فيه أنه مبني على مقايسة معيشة الغني من معيشة الفقير بالنظر إلى نفس المعيشتين و الإمكانات التي فيهما و لا يتعلق نظر القرآن بهما من هذه الجهة البتة ، و إنما تبحث الآيات فيهما بمقايسة المعيشة المضافة إلى المؤمن و هو مسلح بذكر الله و الإيمان به من المعيشة المضافة إلى الكافر الناسي لربه المتعلق النفس بالحياة الدنيا الأعزل من الإيمان و لا ريب أن للمؤمن حياة حرة سعيدة يسعه ما أكرمه ربه به من معيشة و إن كانت بالعفاف و الكفاف أو دون ذلك ، و ليس للمعرض عن ذكر ربه إلا عدم الرضا بما وجد و التعلق بما وراءه .


نعم عذاب القبر من مصاديق المعيشة الضنك بناء على كون قوله : « فإن له


الميزان في تفسير القرآن ج : 14 ص :226


معيشة ضنكا» متعرضا لبيان حالهم في الدنيا و قوله : « و نحشره يوم القيامة أعمى» لبيان حالهم في الآخرة و البرزخ من أذناب الدنيا .


و قيل : المراد بالمعيشة الضنك عذاب النار يوم القيامة ، و بقوله : « و نحشره» إلخ ، ما قبل دخول النار .


و فيه أن إطلاق قوله : « فإن له معيشة ضنكا» ثم تقييد قوله : « و نحشره» بيوم القيامة لا يلائمه و هو ظاهر .


نعم لو أخذ أول الآية مطلقا يشمل معيشة الدنيا و الآخرة جميعا و آخرها لتقيده بيوم القيامة مختصا بالآخرة كان له وجه .


و قوله : « و نحشره يوم القيامة أعمى» أي بحيث لا يهتدي إلى ما فيه سعادته و هو الجنة و الدليل على ذلك ما يأتي في الآيتين التاليتين .


قوله تعالى : « قال رب لم حشرتني أعمى و قد كنت بصيرا» يسبق إلى الذهن أن عمى يوم القيامة يتعلق ببصر الحس فإن الذي يسأل عنه هو ذهاب البصر الذي كان له في الدنيا و هو بصر الحس دون بصر القلب الذي هو البصيرة ، فيشكل عليه ظاهر ما دل على أن المجرمين يبصرون يوم القيامة أهوال اليوم و آيات العظمة و القهر كقوله تعالى : « إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا و سمعنا» : الم السجدة : 12 ، و قوله : « اقرأ كتابك :» الإسراء : 14 ، و لذلك ذكر بعضهم أنهم يحشرون أولا مبصرين ثم يعمون ، و بعضهم أنهم يحشرون مبصرين ثم عميا ثم مبصرين .


و هذا قياس أمور الآخرة و أحوالها بما لها من نظير في الدنيا و هو قياس مع الفارق فإن من الظاهر المسلم من الكتاب و السنة أن النظام الحاكم في الآخرة غير النظام الحاكم في الدنيا الذي نألفه من الطبيعة و كون البصير مبصرا لكل مبصر و الأعمى غير مدرك لكل ما من شأنه أن يرى كما هو المشهود في النظام الدنيوي لا دليل على عمومه للنظام الأخروي فمن الجائز أن يتبعض الأمر هناك فيكون المجرم أعمى لا يبصر ما فيه سعادة حياته و فلاحه و فوزه بالكرامة و هو يشاهد ما يتم به الحجة عليه و ما يفزعه من أهوال القيامة و ما يشتد به العذاب عليه من النار و غيرها ، قال تعالى : « إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون :» المطففين : 15 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :227


قوله تعالى : « قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسى» الآية جواب سؤال السائل : « رب لم حشرتني أعمى و قد كنت بصيرا» و الإشارة في قوله : « كذلك أتتك» إلى حشره أعمى المذكور في السؤال ، و في قوله : « و كذلك اليوم» إلى معنى قوله : « أتتك آياتنا فنسيتها» و المعنىقال : كما حشرناك أعمى أتتك آياتنا فنسيتها و كما أتتك آياتنا فنسيتها ننساك اليوم أي إن حشرك اليوم أعمى و تركك لا تبصر شيئا مثل تركك آياتنا في الدنيا كما يترك الشي‏ء المنسي و عدم اهتدائك بها مثل تركنا لك اليوم و عدم هدايتك بجعلك بصيرا تهتدي إلى النجاة ، و بعبارة أخرى إنما جازيناك في هذا اليوم بمثل ما فعلت في الدنيا كما قال تعالى : « و جزاء سيئة سيئة مثلها :» الشورى : 40 .


و قد سمى الله سبحانه معصية المجرمين و هم المعرضون عن ذكره التاركون لهداه نسيانا لآياته ، و مجازاتهم بالإعماء يوم القيامة نسيانا منه لهمو انعطف بذلك آخر الكلام إلى أوله و هو معصية آدم التي سماها نسيانا لعهده إذ قال : « و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي» فكأن قصة جنة آدم بما لها من الخصوصيات كانت مثالا من قبل يمثل به ما سيجري على بنيه من بعده إلى يوم القيامة فيمثل بنهيه عن اقتراب الشجرة الدعوة الدينية و الهدى الإلهي بعده ، و بمعصيته التي كانت نسيانا للعهد معاصي بنيه التي هي نسيان لذكره تعالى و آياته المذكرة ، و إنما الفرق أن ابتلاء آدم كان قبل تشريع الشرائع فكان النهي المتوجه إليه إرشاديا و ما ابتلي به من المخالفة من قبيل ترك الأولى بخلاف الأمر في بنيه .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزما» قال : فيما نهاه عنه من أكل الشجرة .


و في تفسير العياشي ، عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهماالسلام‏) قال : سألته كيف أخذ الله آدم بالنسيان ؟ فقال : إنه لم ينس و كيف ينسى و هو يذكره و يقول له إبليس : « ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة - إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :228


أقول : و هذا قول من قال في الآية بأن النسيان بمعناه الحقيقي و أن آدم نسي النهي عند الأكل حقيقة و لم يكن له عزم على المعصية أصلا ، رد (عليه‏السلام‏) ذلك بمخالفة الكتاب ، و به يظهر ضعف ما رواه في روضة الكافي بإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : إن الله تبارك و تعالى عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة ، فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها ، و هو قول الله تعالى : « و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزما» .


و هذا القول منسوب إلى ابن عباس و الأصل فيه ما رواه في الدر المنثور ، عن الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن عباس قال : سألت عمر بن الخطاب عن قول الله : « يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم» قال : كان رجال من المهاجرين في أنسابهم شي‏ء فقالوا يوما : و الله لوددنا أن الله أنزل قرآنا في نسبنا فأنزل الله ما قرأت . ثم قال لي : إن صاحبكم هذا يعني علي بن أبي طالب إن ولي زهد و لكني أخشى عجب نفسه أن يذهب به . قلت : يا أمير المؤمنين إن صاحبنا من قد علمت و الله ما نقول : إنه غير و لا عدل و لا أسخط رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أيام صحبته . فقال : و لا في بنت أبي جهل و هو يريد أن يخطبها على فاطمة ؟ قلت : قال الله في معصية آدم (عليه‏السلام‏) : « و لم نجد له عزما» و صاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لكن الخواطر التي لم يقدر أحد على دفعها عن نفسه ، و ربما كانت من الفقيه في دين الله العالم بأمر الله فإذا نبه عليها رجع و أناب فقال : يا بن عباس من ظن أنه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزا .


فقد بنى حجته على كون المراد بالعزم العزم على المعصية و لازمه كون المراد بالنسيان معناه الحقيقي ، فآدم لم يذكر العهد حين الأكل و لا عزم على المعصية فلم يعص ربه ، وقد تقدم أنه مخالف لقوله : « قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين» على أن الآية بالمعنى الذي ذكره لا تناسب سياق الآيات السابقة عليها و لا اللاحقة ، و من الحري أن يجل ابن عباس و هو هو عن أن ينسب إليه هذا القول .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :229


و أما ما وقع في الحديث من سخط رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على علي (عليه‏السلام‏) في إرادته خطبة بنت أبي جهل على فاطمة (عليهاالسلام‏) فإشارة إلى ما في صحيح البخاري ، و صحيح مسلم ، بعدة طرق عن المسور بن مخرمة و لفظ بعضها : أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل و عنده فاطمة بنت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالت له : إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك و هذا علي ناكحا ابنة أبي جهل ، قال المسور : فقام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فسمعته حين تشهد ثم قال : أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني و أن فاطمة مضغة مني و إنما أكره أن يفتنوها و إنها و الله لا تجتمع بنت رسول الله و بنت عدو الله عند رجل واحد أبدا . قال : فترك علي الخطبة .


و الإمعان في التأمل فيما يتضمنه الحديث يوجب سوء الظن به فإن فيه طعنا صريحا في النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فلو كان ما يتضمنه حقا كانت السخطة منه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نزعة جاهلية من غير مجوز يجوزها له فبما ذا كان يسخط عليه ؟ أ بقوله تعالى : « فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع» الآية ، و هو عام لم ينسخ و لم يخصص بآية أخرى خاصة بها ؟ أم بشي‏ء من السنة يخصص الآية بفاطمة (عليهاالسلام‏) و يشرع فيها خاصة حكما شخصيا بالتحريم فلم يثبت و لم يبلغ قبل ذلك ، و في لفظ الحديث دلالة على ذلك أم أن نفس هذا القول بيان و تبليغ فلم يبين و لم يبلغ قبل ذلك و لا بأس بمخالفة الحكم قبل بلوغه و لا معصية فيها ، فما معنى سخطه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على من لم يأت بمعصية و لا عزم عليها ، و ساحته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) منزهة من هذه الشيم الجاهلية ، و كأن بعض رواة الحديث أراد به الطعن في علي (عليه‏السلام‏) فطعن في النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من حيث لا يشعر .


على أنه يناقض الروايات القطعية الدالة على نزاهة ساحة علي (عليه‏السلام‏) من المعصية كخبر الثقلين و خبر المنزلة و خبر علي مع الحق و الحق مع علي ، إلى غير ذلك .


و في الكافي ، و العلل ، مسندا عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قول الله


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :230


تعالى : « و لقد عهدنا إلى آدم من قبل - فنسي و لم نجد له عزما» قال : عهد إليه في محمد و الأئمة من ولده فترك و لم يكن له عزم فيهم أنه هكذا ، و إنما سموا أولي العزم لأنهم عهد إليهم في محمد و الأوصياء من بعده و المهدي و سيرته فأجمع عزمهم أن ذلك كذلك و الإقرار به .


أقول : و الرواية ملخصة من حديث مفصل رواه في الكافي ، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن داود العجلي عن زرارة عن حمران عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) يذكر فيه بدء خلق الإنسان ثم إشهاد الناس على أنفسهم في عالم الذر و أخذ الميثاق من آدم (عليه‏السلام‏) و من أولي العزم من الرسل بالربوبية و النبوة و الولاية و إقرار أولي العزم على ذلك و توقف آدم (عليه‏السلام‏) و عدم عزمه على الإقرار و إن لم يجحد ثم تطبيق قوله تعالى : « و لقد عهدنا إلى آدم» الآية ، عليه .


و المعنى المذكور في الرواية من بطن القرآن أرجع فيه الأحكام إلى حقيقتها و العهود إلى تأويلها و هو الولاية الإلهية ، و ليس من تفسير لفظ الآية في شي‏ء ، و الدليل على أنه ليس بتفسير أن الآيات - و هي اثنتا عشرة آية - تقص قصة واحدة و لو حملت الآية الأولى على هذا المعنى تفسيرا لم يبق في الآيات ما يدل على النهي عن أكل الشجرة و هو ركن القصة عليه يعتمد الباقي ، و لا يغني عنه قوله : « فلا يخرجنكما من الجنة» ، و هو ظاهر ، و لم يذكر النهي المذكور في سورة متقدمة نزولا على هذه السورة حتى يحال إليه و سورتا الأعراف و البقرة المذكور فيهما النهي المذكور متأخرتان نزولا عن هذه السورة كما سيجي‏ء الإشارة إليه إن شاء الله .


و بالجملة فهو من البطن دون التفسير و إن ورد في بعض الروايات في صورة التفسير كرواية جابر السابقة و لعله مما اشتبه على بعض رواة الحديث فأورده على هذه الصورة و قد بلغ الأمر في بعض الروايات إلى أن جعل ما ذكره الإمام من المعنى جزءا من الآية فصارت من أخبار التحريف كما في المناقب ، عن الباقر (عليه‏السلام‏) : « و لقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ذريتهم» كذا نزلت على محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و نظير هذه الروايات روايات أخر وقع فيها تطبيق قوله تعالى : « فمن اتبع هداي»


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :231


و قوله : « عن ذكري» على ولاية أهل البيت (عليهم‏السلام‏) و هي من روايات الجري دون التفسير كما توهم .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة و الطبراني و أبو نعيم في الحلية و ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة في الدنيا و وقاه سوء الحساب يوم القيامة ، و ذلك أن الله يقول : « فمن اتبع هداي - فلا يضل و لا يشقى .


أقول : الحديث ينزل قوله تعالى « فلا يضل» على الدنيا و قوله : « و لا يشقى» على الآخرة فيؤيد ما تقدم في تفسير الآية .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « فإن له معيشة ضنكا» : و قيل : هو عذاب القبر : عن ابن مسعود و أبي سعيد الخدري و السدي ، و رواه أبو هريرة مرفوعا : و في الكافي ، بإسناده عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : من مات و هو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال الله عز و جل : « و نحشره يوم القيامة أعمى قال : قلت : سبحان الله أعمى ؟ قال : نعم أعماه الله عن طريق الحق : . أقول : و روى مثله القمي في تفسيره مسندا عن معاوية بن عمار و الصدوق في من لا يحضره الفقيه ، مرسلا عنه عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : .



و الرواية في تخصيصها عمى يوم القيامة بطريق الحق و هو طريق النجاة و السعادة تؤيد ما تقدم في تفسير الآية .


وَ كَذَلِك نجْزِى مَنْ أَسرَف وَ لَمْ يُؤْمِن بِئَايَتِ رَبِّهِوَ لَعَذَاب الاَخِرَةِ أَشدُّ وَ أَبْقَى‏(127) أَ فَلَمْ يهْدِ لهَُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يمْشونَ فى مَسكِنهِمْإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لأُولى النُّهَى‏(128) وَ لَوْ لا كلِمَةٌ سبَقَت مِن رَّبِّك لَكانَ لِزَاماً وَ أَجَلٌ مُّسمًّى‏(129) فَاصبرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَ سبِّحْ بحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طلُوع الشمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبهَاوَ مِنْ ءَانَاى الَّيْلِ فَسبِّحْ وَ أَطرَاف النهَارِ لَعَلَّك تَرْضى‏(130) وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجاً مِّنهُمْ زَهْرَةَ الحَْيَوةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنهُمْ فِيهِوَ رِزْقُ رَبِّك خَيرٌ وَ أَبْقَى‏(131) وَ أْمُرْ أَهْلَك بِالصلَوةِ وَ اصطبرْ عَلَيهَالا نَسئَلُك رِزْقاًنحْنُ نَرْزُقُكوَ الْعَقِبَةُ لِلتَّقْوَى‏(132) وَ قَالُوا لَوْ لا يَأْتِينَا بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّهِأَ وَ لَمْ تَأْتهِم بَيِّنَةُ مَا فى الصحُفِ الأُولى‏(133) وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْ لا أَرْسلْت إِلَيْنَا رَسولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَتِك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَ نخْزَى‏(134) قُلْ كلٌّ مُّترَبِّصٌ فَترَبَّصوافَستَعْلَمُونَ مَنْ أَصحَب الصرَطِ السوِى وَ مَنِ اهْتَدَى‏(135)



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :232


بيان


متفرقات من وعيد و وعد و حجة و حكم و تسلية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) متفرعة على ما تقدم في السورة .


قوله تعالى : « و كذلك نجزي من أسرف و لم يؤمن بآيات ربه و لعذاب الآخرة أشد و أبقى» الإسراف التجاوز عنالحد و الظاهر أن الواو في قوله : « و كذلك» للاستيناف ، و الإشارة إلى ما تقدم من مؤاخذة من أعرض عن ذكر الله و نسي آيات ربه فإنه تجاوز منه عن حد العبودية و كفر بآيات ربه فجزاؤه جزاء من نسي آيات ربه و تركها بعد ما عهد إليه معرضا عن ذكره .


و قوله : « و لعذاب الآخرة أشد و أبقى» أي من عذاب الدنيا و ذلك لكونه


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :233


محيطا بباطن الإنسان كظاهره و لكونه دائما لا يزول .


قوله تعالى : « أ فلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم» إلخ ، الظاهر أن « يهد» مضمن معنى يبين ، و المعنى أ فلم يبين لهم طريق الاعتبار و الإيمان بالآيات كثرة إهلاكنا القرون التي كانوا قبلهم و هم يمشون في مساكنهم كما كانت تمر أهل مكة في أسفارهم بمساكن عاد بأحقاف اليمن و مساكن ثمود و أصحاب الأيكة بالشام و مساكن قوم لوط بفلسطين « إن في ذلك لآيات لأولي النهى» أي أرباب العقول .


قوله تعالى : « و لو لا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما و أجل مسمى» مقتضى السياق السابق أن يكون « لزاما» بمعنى الملازمة و هما مصدرا لازم يلازم ، و المراد بالمصدر معنى اسم الفاعل و على هذا فاسم كان هو الضمير الراجع إلى الهلاك المذكور في الآية السابقة ، و أن قوله : « و أجل مسمى» معطوف على « كلمة سبقت» و التقدير و لو لا كلمة سبقت من ربك و أجل مسمى لكان الهلاك ملازما لهم إذ أسرفوا و لم يؤمنوا بآيات ربهم .


و احتمل بعضهم أن يكون لزام اسم آلة كحزام و ركاب و آخرون أن يكون جمع لازم كقيام جمع قائم و المعنيان لا يلائمان السياق كثيرا .


و قوله : « و لو لا كلمة سبقت من ربك» تكررت هذه الكلمة منه سبحانه في حق بني إسرائيل و غيرهم في مواضع من كلامه كقوله : « و لو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم :» يونس : 19 هود : 110 حم السجدة : 45 ، وقد غياها بالأجل المسمى في قوله : « و لو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم :» الشورى : 14 ، و قد تقدم في تفسير سورتي يونس و هود أن المراد بها الكلمة التي قضي بها عند إهباط آدم إلى الأرض بمثل قوله : « و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين :» الأعراف : 24 .


فالناس آمنون من الهلاك و عذاب الاستئصال على إسرافهم و كفرهم ما بين استقرارهم في الأرض و أجلهم المسمى إلا أن يجيئهم رسول فيقضي بينهم ، قال تعالى : و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط و هم لا يظلمون :» يونس : 47 و إليه يرجع عذاب الاستئصال عن الآيات المقترحة إذا لم يؤمن بها بعد ما جاءت و هذه الأمة حالهم حال سائر الأمم في الأمن من عذاب الاستئصال بوعد سابق من الله ، و أما


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :234


القضاء بينهم و بين النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقد أخره الله إلى أمد كما تقدم استفادته من قوله : « و لكل أمة رسول» الآية من سورة يونس .


و احتمل بعضهم أن يكون المراد بالكلمة وعدا خاصا بهذه الأمة بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة و قد مر في تفسير سورة يونس أن ظاهر الآيات خلافه نعم يدل كلامه تعالى على تأخيره إلى أمد كما تقدم .


و نظيره في الفساد قول الآخرين إن المراد بالكلمة قضاء عذاب أهل بدر منهم بالسيف و الأجل المسمى لباقي كفار مكة و هو كما ترى .


و قوله : « و أجل مسمى» قد تقدم في تفسير أول سورة الأنعام أن الأجل المسمى هو الأجل المعين بالتسمية الذي لا يتخطا و لا يتخلف كما قال تعالى : « ما تسبق من أمة أجلها و ما يستأخرون :» الحجر : 5 ، و ذكر بعضهم أن المراد بالأجل المسمى يوم القيامة ، و قال آخرون إن الأجل المسمى هو الكلمة التي سبقت من الله فيكون عطف الأجل على الكلمة من عطف التفسير ، و لا معول على القولين لعدم الدليل .


فمحصل معنى الآية أنه لو لا أن الكلمة التي سبقت من ربك - و في إضافة الرب إلى ضمير الخطاب إعزاز و تأييد للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) - تقضي بتأخير عذابهم و الأجل المسمى يعين وقته في ظرف التأخير لكان الهلاك ملازما لهم بمجرد الإسراف و الكفر .


و من هنا يظهر أن مجموع الكلمة التي سبقت و الأجل المسمى سبب واحد تام لتأخير العذاب عنهم لا أن كل واحد منهما سبب مستقل في ذلك كما اختاره كثير منهم .


قوله تعالى : « فاصبر على ما يقولون و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل غروبها» إلخ ، يأمره بالصبر على ما يقولونو يفرعه على ما تقدم كأنه قيل : إذا كان من قضاء الله أن يؤخر عذابهم و لا يعاجلهم بالانتقام على ما يقولون فلا يبقى لك إلا أن تصبر راضيا على ما قضاه الله من الأمر و تنزهه عما يقولونه من كلمة الشرك و يواجهونك به من السوء ، و تحمده على ما تواجهه من آثار قضائه فليس إلا الجميل فاصبر على ما يقولون و سبح بحمد ربك لعلك ترضى .


و قوله : « و سبح بحمد ربك» أي نزهه متلبسا بحمده و الثناء عليه فإن هذه الحوادث التي يشق تحملها و الصبر عليها لها نسبة إلى فواعلها و ليست إلا سيئة يجب


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :235


تنزيهه تعالى عنها و لها نسبة بالإذن إليه تعالى و هي بهذه النسبة جميلة لا يترتب عليها إلا مصالح عامة يصلح بها النظام الكوني ينبغي أن يحمد الله و يثني عليه بها .


و قوله : « قبل طلوع الشمس و قبل غروبها» ظرفان متعلقان بقوله : « و سبح بحمد ربك» .


و قوله : « و من آناء الليل فسبح» الجملة نظيرة قوله : « و إياي فارهبون :» البقرة : 40 ، و الآناء على أفعال جمع إني أو إنو بكسر الهمزة بمعنى الوقت و « من» للتبعيض و الجار و المجرور متعلق بقوله : « فسبح» دال على ظرف في معناه متعلق بالفعل و التقدير و بعض آناءالليل سبح فيها .


و قوله : « و أطراف النهار» منصوب بنزع الخافض على ما ذكروا معطوف على قوله : « و من آناء» و التقدير و سبح في أطراف النهار و هل المراد بأطراف النهار ما قبل طلوع الشمس و ما قبل غروبها ، أو غير ذلك ؟ اختلفت فيه كلمات المفسرين و سنشير إليه .


و ما ذكر في الآية من التسبيح مطلق لا دلالة فيها من جهة اللفظ على أن المراد به الفرائض اليومية من الصلوات و إليه مال بعض المفسرين لكن أصر أكثرهم على أن المراد بالتسبيح الصلاة تبعا لما روي عن بعض القدماء كقتادة و غيره .


قالوا : إن مجموع الآية يدل على الأمر بالصلوات الخمس اليومية فقوله : « قبل طلوع الشمس» صلاة الصبح ، و قوله : « و قبل غروبها» صلاة العصر و قوله : « و من آناء الليل» صلاتا المغرب و العشاء ، و قوله : « و أطراف النهار» صلاة الظهر .


و معنى كونها في أطراف النهار مع أنها في منتصفه بعد الزوال أنه لو نصف النهار حصل نصفان : الأول و الأخير و صلاة الظهر في الجزء الأول من النصف الثاني فهي في طرف النصف الأول لأن آخر النصف الأول ينتهي إلى جزء يتصل بوقتها ، و في طرف النصف الثاني لأنه يبتدى‏ء من جزء هو وقتها فوقتها على وحدته طرف للنصف الأول باعتبار وطرف للنصف الثاني باعتبار فهو طرفان اثنان اعتبارا .


و أما إطلاق الأطراف - بصيغة الجمع - على وقتها و إنما هو طرفان اعتبارا فباعتبار أن الجمع قد يطلق على الاثنين و إن كان الأشهر الأعرف كون أقل الجمع في


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :236


اللغة العربية ثلاثة .


و قيل : المراد بالنهار الجنس فهو في نهر لكل فرد منها طرفان فيكون أطرافا ، و قد طال البحث بينهم حول التوجيه اعتراضا و جوابا .


لكن الإنصاف أن أصل التوجيه تعسف بعيد من الفهم فالذوق السليم - بعد اللتيا و التي - يأبى أن يسمي وسط النهار أطراف النهار بفروض و اعتبارات وهمية لا موجب لها في مقام التخاطب من أصلها و لا أمرا يرتضيه الذوق و لا يستبشعه .


و أما من قال : إن المراد بالتسبيح و التحميد غير الفرائض من مطلق التسبيح و الحمد إما بتذكر تنزيهه و الثناء عليه تعالى قلبا و إما بقول مثل سبحان الله و الحمد لله لسانا أو الأعم من القلب و اللسان فقالوا : المراد بما قبل طلوع الشمس و ما قبل غروبها و آناء الليل الصبح و العصر و أوقات الليل و أطراف النهار الصبح و العصر .


و أما لزوم إطلاق الأطراف و هو جمع على الصبح و العصر و هما اثنان فقد أجابوا عنه بمثل ما تقدم في القول السابق من اعتبار أقل الجمع اثنين .


و أما لزوم التكرار بذكر تسبيح الصبح و العصر مرتين فقد التزم به بعضهم قائلا إن ذلك للتأكيد و إظهار مزيد العناية بالتسبيح في الوقتين ، و يظهر من بعضهم أن المراد بالأطراف الصبح و العصر و وسط النهار .


و أنت خبير بأنه يرد عليه نظير ما يرد على الوجه السابق بتفاوت يسير ، و الإشكال كله ناش من ناحية قوله : « و أطراف النهار» من جهة انطباقه على وسط النهار أو الصبح و العصر .


و الذي يمكن أن يقال إن قوله : « و أطراف النهار» مفعول معه و ليس بظرف بتقدير في و إن لم يذكره المفسرون على ما أذكر ، و المراد بأطراف النهار ما قبل طلوع الشمس و ما قبل غروبها بالنظر إلى كونهما وقتين ذوي سعة لكل منهما أجزاء كل جزء منها طرف بالنسبة إلى وسط النهار فيصح أن يسميا أطراف النهار كما يصح أن يسميا طرفي النهار و ذلك كما يسمى ما قبل طلوع الشمس أول النهار باعتبار وحدته و أوائل النهار باعتبار تجزيه إلى أجزاء ، و يسمى ما قبل غروبها آخر النهار ، و أواخر النهار .


فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا : « و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :237


غروبها و هي أطرافالنهار ، و بعض أوقات الليل سبح فيها مع أطراف النهار التي أمرت بالتسبيح فيها .


فإن قلت : كيف يستقيم كون « أطراف النهار» مفعولا معه و هو ظرف للتسبيح بتقدير في نظير ظرفية « آناء الليل» له ؟ .


قلت : آناء الليل ليس ظرفا بلفظه كيف ؟ و هو مدخول من و لا معنى لتقدير في معه و إنما يدل به على الظرف ، و معنى « و من آناء الليل فسبح» و بعض آناء الليل سبح فيه ، فليكن « و أطراف النهار» كذلك ، و المعنى مع أطراف النهار التي تسبح فيها و الظرف في كلا الجانبين مدلول عليه مقدر .


هذا .


فلو قلنا : إن المراد بالتسبيح في الآية غير الصلوات المفروضة كان المراد التسبيح في أجزاء من أول النهار و أجزاء من آخره و أجزاء من الليل بمعية أجزاء أول النهار و آخره و لم يلزم محذور التكرار و لا محذور إطلاق لفظ الجمع على ما دون الثلاثة ، و هو ظاهر .


و لو قلنا إن المراد بالتسبيح في الآية الفرائض اليومية كانت الآية متضمنة للأمر بصلاة الصبح و صلاة العصر و صلاتي المغرب و العشاء فحسب نظير الأمر في قوله تعالى : « أقم الصلاة طرفي النهار و زلفا من الليل :» هود : 114 ، و لعل التعبير عن الوقتين في الآية المبحوث عنها بأطراف النهار للإشارة إلى سعةالوقتين .


و لا ضير في اشتمال الآية على أربع من الصلوات الخمس اليومية فإن السورة - كما سنشير إليه - من أوائل السور النازلة بمكة و قد دلت الأخبار المستفيضة التي رواها العامة و الخاصة أن الفرائض اليومية إنما شرعت خمسا في المعراج كما ذكرت في سورة الإسراء النازلة بعد المعراج خمسا في قوله : « أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل و قرآن الفجر :» الإسراء : 78 ، فلعل التي شرعت من الفرائض اليومية حين نزول سورة طه و كذا سورة هود - و هما قبل سورة الإسراء نزولا - كانت هي الأربع و لم تكن شرعت صلاة الظهر بعد بل هو ظاهر الآيتين : آية طه و آية هود .


و معلوم أنه لا يرد على هذا الوجه ما كان يرد على القول بكون المراد بالتسبيح الصلوات الخمس و انطباق أطراف النهار على وقت صلاة الظهر و هو وسط النهار .


هذا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :238


و قوله : « لعلك ترضى» السياق السابق و قد ذكر فيه إعراضهم عن ذكر ربهم و نسيانهم آياته و إسرافهم في أمرهم و عدم إيمانهم ثم ذكر تأخير الانتقام منهم و أمره بالصبر و التسبيح و التحميد يقضي أن يكون المراد بالرضا الرضا بقضاء الله و قدره ، و المعنى : فاصبر و سبح بحمد ربك ليحصل لك الرضا بما قضى الله سبحانه فيعود إلى مثل معنى قوله : « و استعينوا بالصبر و الصلاة» .


و الوجه فيه أن تكرار ذكره تعالى بتنزيه فعله عن النقص و الشين و ذكره بالثناء الجميل و المداومة على ذلك يوجب أنس النفس به و زيادته و زيادة الأنس بجمال فعله و نزاهته توجب رسوخه فيها و ظهوره في نظرها و زوال الخطورات المشوشة للإدراك و الفكر ، و النفس مجبولة على الرضا بما تحبه و لا تحب غير الجميل المنزه عن القبح و الشين فإدامة ذكره بالتسبيح و التحميد تورث الرضا بقضائه .


و قيل : المراد لعلك ترضى بالشفاعة و الدرجة الرفيعة عند الله .


و قيل : لعلك ترضى بجميع ما وعدك الله به من النصر و إعزاز الدين في الدنيا و الشفاعة و الجنة في الآخرة .


قوله تعالى : « و لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه» إلخ ، مد العين مد نظرها و إطالته ففيه مجاز عقلي ثم مد النظر و إطالته إلى شي‏ء كناية عن التعلق به و حبه و المراد بالأزواج - كما قيل - الأصناف من الكفار أو الأزواج من النساء و الرجال منهم و يرجع إلى البيوتات و تنكير الأزواج للتقليل و إظهار أنهم لا يعبأ بهم .


و قوله : « زهرة الحياة الدنيا» بمنزلة التفسير لقوله : « ما متعنا به» و هو منصوب بفعل مقدر و التقدير نعني به - أو جعلنا لهم - زهرة الحياة الدنيا و هي زينتها و بهجتها ، و الفتنة الامتحان و الاختبار ، و قيل : المراد بها العذاب لأن كثرة الأموال و الأولاد نوع عذاب من الله لهم كما قال : « و لا تعجبك أموالهم و أولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا و تزهق أنفسهم و هم كافرون» : التوبة : 85 .


و قوله : « و رزق ربك خير و أبقى» المراد به بقرينة مقابلته لما متعوا به من زهرة الحياة الدنيا هو رزق الآخرة و هو خير و أبقى .


و المعنى : لا تطل النظر إلى زينة الحياة الدنيا و بهجتها التي متعنا بها أصنافا أو أزواجا


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :239


معدودة منهم لنمتحنهم فيما متعنا به ، و الذي سيرزقك ربك في الآخرة خير و أبقى .


قوله تعالى : « و أمر أهلك بالصلوة و اصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك و العاقبة للتقوى» الآية ذات سياق يلتئم بسياق سائر آيات السورة فهي مكية كسائرها على أنا لم نظفر بمن يستثنيها و يعدها مدنية ، و على هذا فالمراد بقوله « أهلك» بحسب انطباقه على وقت النزول خديجة زوج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و علي (عليه‏السلام‏) و كان منأهله و في بيته أو هما و بعض بنات النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


فقول بعضهم : إن المراد به أزواجه و بناته و صهره علي ، و قول آخرين : المراد به أزواجه و بناته و أقرباؤه من بني هاشم و المطلب ، و قول آخرين : جميع متبعيه من أمته غير سديد ، نعم لا بأس بالقول الأول من حيث جري الآية و انطباقها لا من حيث مورد النزول فإن الآية مكية و لم يكن له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بمكة من الأزواج غير خديجة (عليهاالسلام‏) .


و قوله : « لا نسألك رزقا نحن نرزقك» ظاهر المقابلة بين الجملتين أن المراد سؤاله تعالى الرزق لنفسه و هو كناية عن أنا في غنى منك و أنت المحتاج المفتقر إلينا فيكون في معنى قوله : « و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون ، ما أريد منهم من رزق و ما أريد أن يطعمون ، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين :» الذاريات : 58 56 ، و أيضا هو من جهة تذييله بقوله : « و العاقبة للتقوى» في معنى قوله : « لن ينال الله لحومها و لا دماؤها و لكن يناله التقوى منكم :» الحج - 37 ، فتفسيرهم سؤال الرزق بسؤال الرزق للخلق أو لنفس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليس بسديد .


و قوله : « و العاقبة للتقوى» تقدم البحث فيه كرارا .


و لا يبعد أن يستفاد من الآية من جهة قصر الأمر بالصلاة في أهله مع ما في الآيتين السابقتين من أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في نفسه بالصلوات الأربع اليومية و الصبر و النهي عن أن يمد عينيه فيما متع به الكفار أن السورة نزلت في أوائل البعثة أو خصوص الآية .


و فيما روي عن ابن مسعود أن سورة طه من العتاق الأول .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :240


قوله : « و قالوا لو لا يأتينا بآية من ربه أ و لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى» حكاية قول مشركي مكة و إنما قالوا هذا تعريضا للقرآن أنه ليس بآية دالة على النبوة فليأتنا بآية كما أرسل الأولون و البينة الشاهد المبين أو البين و قيل هو البيان .


و كيف كان فقولهم : « لو لا يأتينا بآية من ربه» تحضيض بداعي إهانة القرآن و تعجيز النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) باقتراح آية معجزة أخرى ، و قوله : « أ و لم تأتهم بينة» إلخ ، جواب عنه و معناه على الوجه الأول من معنيي البينة أ و لم تأتهم بينة و شاهد يشهد على ما في الصحف الأولى - و هي التوراة و الإنجيل و سائر الكتب السماوية - من حقائق المعارف و الشرائع و يبينها و هو القرآن و قد أتى به رجل لا عهد له بمعلم يعلمه و لا ملقن يلقنه ذلك .


و على الوجه الثاني : أ و لم يأتهم بيان ما في الصحف الأولى من أخبار الأمم الماضين الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات المعجزة فأتوا بها و كان إتيانها سببا لهلاكهم و استئصالهم لما لم يؤمنوا بها بعد إذ جاءتهم فلم لا ينتهون عن اقتراح آية بعد القرآن ؟ و لكل من المعنيين نظير في كلامه تعالى .


قوله تعالى : « و لو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل و نخزى» الظاهر أن ضمير « من قبله» للبينة - في الآية السابقة - باعتبار أنها القرآن ، و المعنى : و لو أنا أهلكناهم لإسرافهم و كفرهم بعذاب من قبل أن تأتيهم البينة لم تتم عليهم الحجة و لكانت الحجة لهم علينا و لقالوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك و هي التي تدل عليها البينة من قبل أن نذل بعذاب الاستئصال و نخزى .


و قيل الضمير للرسول المعلوم من مضمون الآية السابقة بشهادة قولهم : « لو لا أرسلت إلينا رسولا» و هو قريب من جهة اللفظ و المعنى الأول من جهة المعنى و يؤيده قوله : « فنتبع آياتك» و لم يقل فنتبع رسولك .


قوله تعالى : « قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي و من اهتدى» التربص الانتظار ، و الصراط السوي الطريق المستقيم ، و قوله : « كل متربص» أي كل منا و منكم متربص منتظر فنحن ننتظر ما وعده الله لنا فيكم و في تقدم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :241


دينه و تمام نوره و أنتم تنتظرون بنا الدوائر لتبطلوا الدعوة الحقة و كل منا و منكم يسلك سبيلا إلى مطلوبه فتربصوا و انتظروا و فيه تهديد فستعلمون أي طائفة منا و منكم أصحاب الطريق المستقيم الذي يوصله إلى مطلوبه و من الذين اهتدوا إلى المطلوب و فيه ملحمة و إخبار بالفتح .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « لكان لزاما و أجل مسمى» قال : كان ينزل بهم العذاب و لكن قد أخرهم إلى أجل مسمى .


و في الدر المنثور ، أخرج الطبراني و ابن مردويه و ابن عساكر عن جرير عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله : « و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل غروبها» قال : قبل طلوع الشمس صلاة الصبح و قبل غروبها صلاة العصر .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و من آناء الليل فسبح و أطراف النهار» قال : بالغداة و العشي .


أقول : و هو يؤيد ما قدمناه .


و في الكافي ، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : قلت له : « و أطراف النهار لعلك ترضى» ؟ قال : يعني تطوع بالنهار .


أقول : و هو مبني على تفسير التسبيح بمطلق الصلاة أو بمطلق التسبيح .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و لا تمدن عينيك» الآية : قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : لما نزلت هذه الآية استوى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جالسا ثم قال : من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ، و من اتبع بصره ما في أيدي الناس طال همه و لم يشف غيظه ، و من لم يعرف أن لله عليه نعمة لا في مطعم و لا في مشرب قصر أجله و دنا عذابه .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة و ابن راهويه و البزار و أبو يعلى و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و الخرائطي في مكارم الأخلاق و أبو نعيم في المعرفة عن أبي رافع قال : أضاف النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ضيفا و لم يكن عند النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما يصلحه فأرسلني


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :242


إلى رجل من اليهود أن بعنا أو أسلفنا دقيقا إلى هلال رجب فقال لا إلا برهن . فأتيت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : أما و الله إني لأمين في السماء أمين في الأرض و لو أسلفني أو باعني لأديت إليه أذهببدرعي الحديد فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية « و لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم» كأنه يعزيه عن الدنيا .


أقول : و مضمون الآية و خاصة ذيلها لا يلائم القصة .


و فيه ، أخرج ابن مردويه و ابن عساكر و ابن النجار عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت « و أمر أهلك بالصلاة» كان النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يجي‏ء إلى باب علي ثمانية أشهر يقول : الصلاة رحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا .


أقول : و رواه في مجمع البيان ، عن الخدري و فيه تسعة أشهر مكان ثمانية أشهر، و روى هذا المعنى في العيون ، في مجلس الرضا مع المأمون عنه ، (عليه‏السلام‏) و رواه القمي أيضا في تفسيره ، مرفوعا ، و التقييد بتسعة أشهر مبني على ما شاهده الراوي لا على تحديد أصل إتيانه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الشاهد عليه ما رواه الشيخ في الأمالي ، بإسناده عن أبي الحميراء قال : شهدت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أربعين صباحا يجي‏ء إلى باب علي و فاطمة فيأخذ بعضادتي الباب ثم يقول : السلام عليكم أهل البيت و رحمة الله و بركاته الصلاة يرحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا .


و ظاهر الرواية كون الآية مدنية و لم يذكر ذلك أحد فيما أذكر و لعل المراد بيان إتيانه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الباب في المدينة عملا بالآية و لو كانت نازلة بمكة و إن كان بعيدا من اللفظ و في رواية القمي التي أومأنا إليها ما يؤيد هذا المعنى ففيها : فلم يزل يفعل ذلك كل يوم إذا شهد المدينة حتى فارق الدنيا ، و حديث أمره أهل بيته بالصلاة مروي بطرق أخرى أيضا غير ما مرت الإشارة إليه .


و في الدر المنثور ، أخرج أبو عبيد و سعيد بن منصور و ابن المنذر و الطبراني في الأوسط ، و أبو نعيم في الحلية ، و البيهقي في شعب الإيمان ، بسند صحيح عن عبد الله بن سلام قال : كان النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة و تلا و أمر أهلك بالصلاة الآية .


أقول : و روى هذا المعنى أيضا عن أحمد في الزهد ، و ابن أبي حاتم و البيهقي في شعب الإيمان ، عن ثابت عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و فيه دلالة على التوسع في معنى التسبيح في الآية.

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :