امروز:
چهار شنبه 26 مهر 1396
بازدید :
700
تفسيرالميزان : سوره حج آيات 78- 38


إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواإِنَّ اللَّهَ لا يحِب كلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظلِمُواوَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِم بِغَيرِ حَقٍ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُوَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاس بَعْضهُم بِبَعْضٍ لهَُّدِّمَت صوَمِعُ وَ بِيَعٌ وَ صلَوَتٌ وَ مَسجِدُ يُذْكرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كثِيراًوَ لَيَنصرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصرُهُإِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ(40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فى الأَرْضِ أَقَامُوا الصلَوةَ وَ ءَاتَوُا الزَّكوةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِوَ للَّهِ عَقِبَةُ الأُمُورِ(41) وَ إِن يُكَذِّبُوك فَقَدْ كذَّبَت قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عَادٌ وَ ثَمُودُ(42) وَ قَوْمُ إِبْرَهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ(43) وَ أَصحَب مَدْيَنَوَ كُذِّب مُوسى فَأَمْلَيْت لِلْكفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْفَكَيْف كانَ نَكِيرِ(44) فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَ هِىَ ظالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِهَا وَ بِئرٍ مُّعَطلَةٍ وَ قَصرٍ مَّشِيدٍ(45) أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فى الأَرْضِ فَتَكُونَ لهَُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسمَعُونَ بهَافَإِنهَا لا تَعْمَى الأَبْصرُ وَ لَكِن تَعْمَى الْقُلُوب الَّتى فى الصدُورِ(46) وَ يَستَعْجِلُونَك بِالْعَذَابِ وَ لَن يخْلِف اللَّهُ وَعْدَهُوَ إِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّك كَأَلْفِ سنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ‏(47) وَ كَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْت لهََا وَ هِىَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتهَا وَ إِلىَّ الْمَصِيرُ(48) قُلْ يَأَيهَا النَّاس إِنَّمَا أَنَا لَكمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏(49) فَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لهَُم مَّغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏(50) وَ الَّذِينَ سعَوْا فى ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُولَئك أَصحَب الجَْحِيمِ‏(51) وَ مَا أَرْسلْنَا مِن قَبْلِك مِن رَّسولٍ وَ لا نَبىٍ إِلا إِذَا تَمَنى أَلْقَى الشيْطنُ فى أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشيْطنُ ثُمَّ يحْكمُ اللَّهُ ءَايَتِهِوَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏(52) لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشيْطنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فى قُلُوبهِم مَّرَضٌ وَ الْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْوَ إِنَّ الظلِمِينَ لَفِى شِقَاقِ بَعِيدٍ(53) وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّك فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِت لَهُ قُلُوبُهُمْوَ إِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِلى صِرَطٍ مُّستَقِيمٍ‏(54) وَ لا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتى تَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَاب يَوْمٍ عَقِيمٍ‏(55) الْمُلْك يَوْمَئذٍ لِّلَّهِ يحْكمُ بَيْنَهُمْفَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ فى جَنَّتِ النَّعِيمِ‏(56) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كذَّبُوا بِئَايَتِنَا فَأُولَئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏(57)



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :381


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :382


بيان


تتضمن الآيات إذن المؤمنين في القتال و هي - كما قيل - أول ما نزلت في الجهاد و قد كان المؤمنون منذ زمان يسألون النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يأذن لهم في قتال المشركين فيقول لهم : لم أومر بشي‏ء في القتال ، و كان يأتيه كل يوم و هو بمكة قبل الهجرة أفراد من المؤمنين بين مضروب و مشجوج و معذب بالفتنة يشكون إليه ما يلقونه من عتاة مكة من المشركين فيسليهم و يأمرهم بالصبر و انتظار الفرج حتى نزلت الآيات و هي تشتمل على قوله : « أذن للذين يقاتلون» إلخ .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :383


و هي - كما تقدم - أول ما نزلت في الجهاد ، و قيل : أول ما نزل فيه قول تعالى : « و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم :» البقرة : 190 ، و قيل : إنه قوله : « إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم» الآية : التوبة : 111 .


و الاعتبار يستدعي أن تكون آية سورة الحج هي التي نزلت أولا و ذلك لاشتمالها على الإذن صريحا و احتفافها بالتوطئة و التمهيد و تهييج القوم و تقوية قلوبهم و تثبيت أقدامهم بوعد النصر تلويحا و تصريحا و ذكر ما فعل الله بالقرى الظالمة قبلهم و كل ذلك من لوازم تشريع الأحكام الهامة و بيانها و إبلاغها لأول مرة و خاصة الجهاد الذي بناؤه على أساس التضحية و التفدية و هو أشق حكم اجتماعي و أصعبه في الإسلام و أمسه بحفظ المجتمع الديني قائما على ساقه فإن إبلاغ مثله لأول مرة أحوج إلى بسط الكلام و استيقاظ الأفهام كما هو مشاهد في هذه الآيات .


فقد افتتحت أولا بأن الله هو مولى المؤمنين المدافع عنهم .


ثم نص على إذنهم في القتال و ذكر أنهم مظلومون و القتال هو السبيل لحفظ المجتمعات الصالحة و وصفهم بأنهم صالحون لعقد مجتمع ديني يعمل فيه الصالحات ثم ذكر ما فعله بالقرى الظالمة قبلهم و أنه سيأخذهم كما أخذ الذين قبلهم .


قوله تعالى : « إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور» المدافعة مبالغة في الدفع ، و الخوان اسم مبالغة من الخيانة و كذا الكفور من الكفران و المراد بالذين آمنوا المؤمنون من الأمة و إن انطبق بحسب المورد على المؤمنين في ذلك الوقت لأن الآيات تشرع القتال و لا يختص حكمه بطائفة دون طائفة ، و المورد لا يكون مخصصا .


و المراد بكل خوان كفور المشركون ، و إنما كانوا مكثرين في الخيانة و الكفران لأن الله حملهم أمانة الدين الحق و جعلها وديعة عند فطرتهم لينالوا بحفظه و رعايته سعادة الدارين و عرفهم إياه من طريق الرسالة فخانوه بالجحد و الإنكار و غمرهم بنعمه الظاهرة و الباطنة فكفروا بها و لم يشكروه بالعبودية .


و في الآية تمهيد لما في الآية التالية من الإذن في القتال فذكرتمهيدا أن الله يدافع عن الذين آمنوا و إنما يدفع عنهم المشركين لأنه يحب هؤلاء و لا يحب أولئك لخيانتهم و كفرهم فهو إنما يحب هؤلاء لأمانتهم و شكرهم فهو إنما يدافع عن دينه الذي عند المؤمنين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :384


فهو تعالى مولاهم و وليهم الذي يدفع عنهم أعداءه كما قال : « ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا و أن الكافرين لا مولى لهم :» سورة محمد : 11 .


قوله تعالى : « أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و أن الله على نصرهم لقدير» ظاهر السياق أن المراد بقوله : « أذن» إنشاء الإذن دون الإخبار عنإذن سابق و إنما هو إذن في القتال كما يدل عليه قوله : « للذين يقاتلون» إلخ ، و لذا بدل قوله : « الذين آمنوا» من قوله : « الذين يقاتلون» ليدل على المأذون فيه .


و القراءة الدائرة « يقاتلون» بفتح التاء مبنيا للمفعول أي الذين يقاتلهم المشركون لأنهم الذين أرادوا القتال و بدءوهم به ، و الباء في « بأنهم ظلموا» للسببية و فيه تعليل الإذن في القتال أي أذن لهم فيه بسبب أنهم ظلموا ، و أما ما هو الظلم فتفسيره قوله : « الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق» إلخ .


و في عدم التصريح بفاعل « أذن» تعظيم و تكبير و نظيره مافي قوله : « و إن الله على نصرهم لقدير» من ذكر القدرة على النصر دون فعليته فإن فيه إشارة إلى أنه مما لا يهتم به لأنه هين على من هو على كل شي‏ء قدير .


و المعنى أذن - من جانب الله - للذين يقاتلهم المشركون و هم المؤمنون بسبب أنهم ظلموا - من جانب المشركين - و إن الله على نصرهم لقدير ، و هو كناية عن النصر .


قوله تعالى : « الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله» إلى آخر الآية بيان جهة كونهم مظلومين و هو أنهم أخرجوا من ديارهم و قد أخرجهم المشركون من ديارهم بمكة بغير حق يجوز لهم إخراجهم .


و لم يخرجوهم بحمل و تسفير بل آذوهم و بالغوا في إيذائهم و شددوا بالتعذيب و التفتين حتى اضطروهم إلى الهجرة من مكة و التغرب عن الوطن و ترك الديار و الأموال فقوم إلى الحبشة و آخرون إلى المدينة بعد هجرة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، فإخراجهم إياهم إلجاؤهم إلى الخروج .


و قوله : « إلا أن يقولوا ربنا الله» استثناء منقطع معناه و لكن أخرجوا بسبب أن يقولوا ربنا الله ، و فيه إشارة إلى أن المشركين انحرفوا في فهمهم و ألحدوا عن الحق إلى حيث جعلوا قول القائل ربنا الله و هو كلمة الحق يبيح لهم أن يخرجوه من داره .


و قيل : الاستثناء متصل و المستثنى منه هو الحق و المعنى أخرجوا بغير حق إلا


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :385


الحق الذي هو قولهم : ربنا الله .


و أنت خبير بأنه لا يناسب المقام فإن الآية في مقام بيان أنهم أخرجوا من ديارهم بغير حق لا أنهم إنما أخرجوا بهذا الحق لا بحق غيره .


و توصيف الذين آمنوا بهذا الوصف - كونهم مخرجين من ديارهم - و هو وصف بعضهم و هم المهاجرون من باب توصيف الكل بوصف البعض بعناية الاتحاد و الائتلاف فإن المؤمنين إخوة و هم يد واحدة على من سواهم و توصيف ، الأمم بوصف بعض الأفراد في القرآن الكريم فوق حد الإحصاء .


و قوله : « و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا» الصوامع جمع صومعة و هي بناء في أعلاه حدة كان يتخذ في الجبال و البراري و يسكنه الزهاد و المعتزلون من الناس للعبادة ، و البيع جمع بيعة بكسر الباء معبد اليهود و النصارى ، و الصلوات جمع صلاة و هي مصلى اليهود سمي بها تسمية للمحل باسم الحال كما أريد بها المسجد في قوله تعالى : « لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى - إلى قوله - و لا جنبا إلا عابري سبيل» .


و قيل : هي معرب « صلوثا» بالثاء المثلثة و القصر و هي بالعبرانية المصلى ، و المساجد جمع مسجد و هو معبد المسلمين .


و الآية و إن وقعت موقع التعليل بالنسبة إلى تشريع القتال و الجهاد ، و محصلها أن تشريع القتال إنما هو لحفظ المجتمع الديني من شر أعداء الدين المهتمين بإطفاء نور الله فلو لا ذلك لانهدمت المعابد الدينية و المشاعر الإلهية و نسخت العبادات و المناسك .


لكن المراد بدفع الله الناس بعضهم ببعض أعم من القتال فإن دفع بعض الناس بعضا ذبا عن منافع الحياة و حفظا لاستقامة حال العيش سنة فطرية جارية بين الناس و السنن الفطرية منتهية إليه تعالىو يشهد به تجهيز الإنسان كسائر الموجودات بأدوات و قوى تسهل له البطش ثم بالفكر الذي يهديه إلى اتخاذ وسائل الدفع و الدفاع عن نفسه أو أي شأن من شئون نفسه مما تتم به حياته و تتوقف عليه سعادته .


و الدفع بالقتال آخر ما يتوسل إليه من الدفع إذا لم ينجع غيره من قبيل آخر الدواء الكي ففيه إقدام على فناء البعض لبقاء البعض و تحمل لمشقة في سبيل راحة سنة جارية في المجتمع الإنساني بل في جميع الموجودات التي لها نفسية ما و استقلال ما .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :386


ففي الآية إشارة إلى أن القتال في الإسلاممن فروع هذه السنة الفطرية الجارية و هي دفع الناس بعضهم بعضا عن شئون حياتهم ، و إذا نسب إلى الله سبحانه كل ذلك دفعه الناس بعضهم ببعض حفظا لدينه عن الضيعة .


و إنما اختص انهدام المعابد بالذكر مع أن من المعلوم أنه لو لا هذا الدفع لم يقم أصل الدين على ساقه و انمحت جميع آثاره لأن هذه المعابد و المعاهد هي الشعائر و الأعلام الدالة على الدين المذكرة له الحافظة لصورته في الأذهان .


و قوله : « و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز» قسم مع تأكيد بالغ على نصره تعالى من ينصره بالقتال ذبا عن الدين الإلهي و لقد صدقالله وعده فنصر المسلمين في حروبهم و مغازيهم فأيدهم على أعدائه و رفع ذكره ما كانوا ينصرونه .


و المعنى أقسم لينصرن الله من ينصره بالدفاع عن دينه إن الله لقوي لا يضعفه أحد و لا يمنعه شي‏ء عما أراد عزيز منيع الجانب لا يتعدى إلى ساحة عزته و لا يعادله شي‏ء في سلطنته و ملكه .


و يظهر من الآية أنه كان في الشرائع السابقة حكم دفاعي في الجملة و إن لم يبين كيفيته .


قوله تعالى : « الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر» إلخ توصيف آخر للذين آمنوا المذكورين في أول الآيات ، و هو توصيف المجموع من حيث هو مجموع من غير نظر إلى الأشخاص و المراد من تمكينهم في الأرض إقدارهم على اختيار ما يريدونه من نحو الحياة من غير مانع يمنعهم أو مزاحم يزاحمهم .


يقول تعالى : إن من صفتهم أنهم إن تمكنوا في الأرض و أعطوا الحرية في اختيار ما يستحبونه من نحو الحياة عقدوا مجتمعا صالحا تقام فيه الصلاة و تؤتى فيه الزكاة و يؤمر فيه بالمعروف و ينهى فيه عن المنكر و تخصيص الصلاة من بين الجهات العبادية و الزكاة من بين الجهات المالية بالذكر لكون كل منهما عمدة في بابها .


و إذ كان الوصف للذين آمنوا المذكورين في صدر الآيات و المراد به عقد مجتمع صالح و حكم الجهاد غير خاص بطائفة خاصة فالمراد بهم عامة المؤمنين يومئذ بل عامة المسلمين إلى يوم القيامة و الخصيصة خصيصتهم بالطبع فمن طبع المسلم بما هو مسلم الصلاح و إن كان ربما غشيته الغواشي .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :387


و ليس المراد بهم خصوص المهاجرين بأعيانهم سواء كانت الآيات مكية أو مدنية و إن كان المذكور من جهة المظلومية هو إخراجهم من ديارهم و ذلك لمنافاته عموم الموصوف المذكور في صدر الآيات و عموم حكم الجهاد لهم و لغيرهم قطعا .


على أن المجتمع الصالح الذي عقد لأول مرة في المدينة ثم انبسط فشمل عامة جزيرة العرب في عهد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو أفضل مجتمع متكون في تاريخ الإسلام تقام فيه الصلاة و تؤتى فيه الزكاة و تؤمر فيه بالمعروف و تنهى فيه عن المنكر مشمول للآية قطعا و كان السبب الأول ثم العامل الغالب فيه الأنصار دون المهاجرين .


و لم يتفق في تاريخ الإسلام للمهاجرين ، خاصة أن يعقدوا وحدهم مجتمعا من غير شركة من الأنصار فيقيموا الحق و يميطوا الباطل فيه اللهم إلا أن يقال : إن المراد بهم أشخاص الخلفاء الراشدين أو خصوص علي (عليه‏السلام‏) على الخلاف بين أهل السنة و الشيعة ، و في ذلك إفساد معنى جميع الآيات .


على أن التاريخ يضبط من أعمال الصدر الأول و خاصة المهاجرين منهم أمورا لا يسعنا أن نسميها إحياء للحق و إماتة للباطل سواء قلنا بكونهم مجتهدين معذورين أم لا فليس المراد توصيف أشخاصهم بل المجموع من حيث هو مجموع .


و قوله : « و لله عاقبة الأمور» تأكيد لما تقدم من الوعد بالنصر و إظهار المؤمنين على أعداء الدين الظالمين لهم .


قوله تعالى : « و إن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح - إلى قوله - فكيف كان نكير» فيه تعزية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن تكذيب قومه له ليس ببدع فقد كذبت أمم قبلهم لأنبيائهم .


و إنذار و تخويف للمكذبين بالإشارة إلى ما انتهى إليه تكذيب من قبلهم من الأمم و هو الهلاك بعذاب من الله تعالى .


و قد عد من تلك الأمم قوم نوح و عادا و هم قوم هود و ثمود و هم قوم صالح و قوم إبراهيم و قوم لوط و أصحاب مدين و هم قوم شعيب ، و ذكر تكذيب موسى .


قيل : و لم يقل : و قوم موسى لأن قومه بنو إسرائيل و كانوا آمنوا به ، و إنما كذبه فرعون و قومه .


و قوله : « فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير» الإملاء الإمهال و تأخير الأجل ، و النكير الإنكار ، و المعنى فأمهلت الكافرين - الذين كذبوا رسلهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :388


من هذه الأمم - ثم أخذتهم و هو كناية عن العقاب فكيف كان إنكاري لهم في تكذيبهم و كفرهم ؟ و هو كناية عن بلوغ الإنكار و شدة الأخذ .


قوله تعالى : « فكأين من قرية أهلكناها و هي ظالمة فهي خاوية على عروشها و بئر معطلة و قصر مشيد» قرية خاوية على عروشها أي ساقطة جدرانها على سقوفها فهي خربة ، و البئر المعطلة الخالية من الواردين و المستقين و شاد القصر أي جصصه و الشيد بالكسر الجص .


و قوله : « فكأين من قرية أهلكناها ظاهر السياق أنه بيان لقوله في الآية السابقة : « فكيف كان نكير» و قوله : « و بئر معطلة و قصر مشيد» عطف على قرية .


و المعنى : فكم من قرية أهلكنا أهلها حال كونهم ظالمين فهي خربة ساقطة جدرانها على سقوفها ، و كم من بئر معطلة باد النازلون عليها فلا وارد لها و لا مستقي منها ، و كم من قصر مجصص هلك سكانها لا يرى لهم أشباح و لا يسمع منهم حسيس ، و أصحاب الآبار أهل البدو و أصحاب القصور أهل الحضر .


قوله تعالى : « أ فلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها» إلخ ، حث و تحضيض على الاعتبار بهذهالقرى الهالكة و الآثار المعطلة و القصور المشيدة التي تركتها تلك الأمم البائدة بالسير في الأرض فإن السير فيها ربما بعث الإنسان إلى أن يتفكر في نفسه في سبب هلاكهم و يستحضر الحجج في ذلك فيتذكر أن الذي وقع بهم إنما وقع لشركهم بالله و إعراضهم عن آياته و استكبارهم على الحق بتكذيب الرسل فيكون له قلب يعقل به و يردعه عن الشرك و الكفر هذا إن وسعه أن يستقل بالتفكير .


و إن لم يسعه ذلك بعثه الاعتبار إلى أن يصغي إلى قول المشفق الناصح الذي لا يريد به إلا الخير و عظة الواعظ الذي يميز له ما ينفعه مما يضره و لا عظة ككتاب الله و لا ناصح كرسوله فيكون له أذن يسمع بها ما يهتدي به إلى سعادته .


و من هنا يظهر وجه الترديد في الآية بين القلب و الأذن من غير تعرض للبصر و ذلك لأن الترديد في الحقيقة بين الاستقلال في التعقل و تمييز الخير من الشر و النافع من الضار و بين الاتباع لمن يجوز اتباعه و هذان شأن القلب و الأذن .


ثم لما كان المعنيان جميعا - التعقل و السمع - في الحقيقة من شأن القلب أي


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :389


النفس المدركة فهو الذي يبعث الإنسان إلى متابعة ما يعقله أو سمعه من ناصح مشفق عد إدراك القلب لذلك رؤية له و مشاهدة منه ، و لذلك عد من لا يعقل و لا يسمع أعمى القلب ثم بولغ فيه بأن حقيقة العمى هي عمى القلب دون عمى العين لأن الذي يعمى بصره يمكنه أن يتدارك بعض منافعه الفائتة بعصا يتخذها أو بهاد يأخذه بيده و أما القلب فلا بدل له يتسلى به ، و هو قوله تعالى : « فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور» .


و جعل الصدر ظرفا للقلب من المجاز في النسبة ، و في الكلام مجاز آخر ثان من هذا القبيل و هو نسبة العقل إلى القلب و هو للنفس ، و قد تقدم التنبيه عليه مرارا .


قوله تعالى : « و يستعجلونك بالعذاب و لنيخلف الله وعده و إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون» كان القوم يكذبون النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذا أخبرهم أن الله سبحانه وعده أن يعذبهم إن لم يؤمنوا به فكانوا يستعجلونه بالعذاب استهزاء به و تعجيزا له قائلين : متى هذا الوعد ؟ فرد الله عليهم بقوله : « و لن يخلف الله وعده» فإن كان المراد بالعذاب عذاب مشركي مكة فالذي وعدهم من العذاب هو ما ذاقوه يوم بدر و إن كان المراد به ما يقضى به بين النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و بين أمته بعذاب موعود لم ينزل بعد و قد أخبر الله عنه في قوله : « و لكن أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم :» يونس : 47 إلى آخر الآيات .


و قوله : « و إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون» حكم بتساوي اليوم الواحد و الألف سنة عند الله سبحانه فلا يستقل هذا و لا يستكثر ذلك حتى يتأثر من قصر اليوم الواحد و طول الألف سنة فليس يخاف الفوت حتى يعجل لهم العذاب بل هو حليم ذو أناة يمهلهم حتى يستكملوا دركات شقائهم ثم يأخذهم فيما قدر لهم من أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون ، و لذا عقب الكلام بقوله في الآية التالية : « و كأين من قرية أمليت لها و هي ظالمة ثم أخذتها و إلي المصير» .


و قوله : « و إن يوما عند ربك كألف سنة» رد لاستعجالهم بالعذاب بأن الله يستوي عنده قليل الزمان و كثيره ، كما أن قوله : « و لن يخلف الله وعده» تسلية و تأييد للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و رد لتكذيبهم له فيما أخبرهم به من وعد الله و تعجيزهم له و استهزائهم به .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :390


و قيل : معنى قوله : « و إن يوما عند ربك» إن يوما من أيام الآخرة التي سيعذبون فيها يعدل ألف سنة من أيام الدنيا التي يعدونها .


و قيل : المراد أن يوما لهم و هم معذبون عند ربهم يعدل في الشدة ألف سنة يعذبون فيها من الدنيا .


و المعنيان لا يلائمان صدر الآية و لا الآية التالية كما هو ظاهر .


قوله تعالى : « و كأين من قرية أمليت لها و هي ظالمة ثم أخذتها و إلي المصير» الآية - كما مر - متممة لقوله : « و إن يوما عند ربك كألف سنة» بمنزلة الشاهد على صدق المدعى ، و المعنى : قليل الزمان و كثيره عند ربك سواء و قد أملى لكثير من القرى الظالمة و أمهلها ثم أخذها بعد مهل .


و قوله : « و إلي المصير» بيان لوجه عدم تعجيله العذاب لأنه لما كان مصير كل شي‏ء إليه فلا يخاف الفوت حتى يأخذ الظالمين بعجل .


و قد ظهر بما مر أنالآية ليست تكرارا لقوله سابقا : « فكأين من قرية» إلخ ، فلكل من الآيتين مفادها .


و في الآية التفات من الغيبة إلى التكلم وحده لأن الكلام فيها في صفة من صفاته تعالى و هو الحلم و المطلوب بيان أن الله سبحانه هو خصمهم بنفسه إذ خاصموا نبيه .


قوله تعالى : « قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين - إلى قوله - أصحاب الجحيم» أمر بإعلام الرسالة بالإنذار و بيان ما للإيمان به و العمل الصالح من الأجر الجميل و هو المغفرة بالإيمان و الرزق الكريم و هو الجنة بما فيها من النعيم ، بالعمل الصالح ، و ما للكفر و الجحود من التبعة السيئة و هي صحابة الجحيم من غير مفارقة .


و قوله : « سعوا في آياتنا معاجزين» السعي الإسراع في المشي و هو كناية عن بذل الجهد في أمر آيات الله لإبطالها و إطفاء نورها بمعاجزة ، الله و التعبير بلفظ المتكلم مع الغير رجوع في الحقيقة إلى السياق السابق بعد إيفاء الالتفات في الآية السابقة أعني قوله : « أمليت لها» إلخ .


قوله تعالى : « و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته» إلخ ، التمني تقدير الإنسان وجود ما يحبه سواء كان ممكنا أو ممتنعا كتمني الفقير أن يكون غنيا و من لاولد له أن يكون ذا ولد ، و تمني الإنسان أن يكون له بقاء لا فناء معه و أن يكون له جناحان يطير بهما ، و يسمى صورته الخيالية


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :391


التي يلتذ بها أمنية ، و الأصل في معناه المني بالفتح فالسكون بمعنى التقدير ، و قيل : ربما جاء بمعنى القراءة و التلاوة يقال : تمنيت الكتاب أي قرأته .


و الإلقاء في الأمنية المداخلة فيها بما يخرجها عن صرافتها و يفسد أمرها .


و معنى الآية على أول المعنيين و هو كون التمني هو تمني القلب : و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى و قدر بعض ما يتمناه من توافق الأسباب على تقدم دينه و إقبال الناس عليه و إيمانهم به ألقى الشيطان في أمنيته و داخل فيها بوسوسة الناس و تهييج الظالمين و إغراء المفسدين فأفسد الأمر على ذلك الرسول أو النبي و أبطل سعيه فينسخ الله و يزيل ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته بإنجاح سعي الرسول أو النبي و إظهار الحق و الله عليم حكيم .


و المعنى : على ثاني المعنيين و هو كون التمني بمعنى القراءة و التلاوة : و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تلا و قرأ آيات الله ألقى الشيطان شبها مضلة على الناس بالوسوسة ليجادلوه بها و يفسدوا على المؤمنين إيمانهم فيبطل الله ما يلقيه الشيطان من الشبه و يذهب به بتوفيق النبي لرده أو بإنزال ما يرده .


و في الآية دلالة واضحة على اختلاف معنى النبوة و الرسالة لا بنحو العموم و الخصوص مطلقا كما اشتهر بينهم أن الرسول هو من بعث و أمر بالتبليغ و النبي من بعث سواء أمر بالتبليغ أم ، لا إذ لو كان كذلك لكان من الواجب أن يراد بقوله في الآية : « و لا نبي» غير الرسول أعني من لم يؤمر بالتبليغ ، و ينافيه قوله : « و ما أرسلنا» .


و قد قدمنا في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب ما يدل من روايات أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) أن الرسول هو من ينزل عليه الملك بالوحي فيراه و يكلمه و النبي هو من يرى المنام و يوحى إليه فيه ، و قد استفدناه مضمون هذه الروايات من قوله تعالى : « قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا :» إسراء : 95 في الجزء الثالث عشر من الكتاب .


و أما سائر ما قيل في الفرق بين الرسالة و النبوة كقول من قال : إن الرسول من بعث بشرع جديد و النبي أعم منه و ممن جاء مقررا لشرع سابق ففيه أنا قد أثبتنا في مباحث النبوة أن الشرائع الإلهية لا تزيد على خمسة و هي شرائع نوح وإبراهيم و موسى و عيسى و محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قد صرح القرآن على رسالة جمع كثير


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :392


منهم غير هؤلاء .


على أن هذا القول لا دليل له .


و قول من قال : إن الرسول من كان له كتاب و النبي بخلافه و قول من قال : إن الرسول من له كتاب و نسخ في الجملة و النبي بخلافه ، و يرد على القولين نظير ما ورد على القول الأول .


و في قوله : « فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته» التفات من التكلم بالغير إلى الغيبة ، و الوجه فيه العناية بذكر لفظ الجلالة و إسناد النسخ و الإحكام إلى من لا يقوم له شي‏ء ، و لذلك بعينه أعاد لفظ الجلالة ثانيا مع أنه من وضع الظاهر موضع المضمر و منه أيضا إعادة لفظ الشيطان ثانيا دون ضميره ليشار إلى أن الملقي هو الشيطان الذي لا يعبأ به و بكيده في قباله تعالى ، و كان الظاهر أن يقال : فينسخ ما يلقيه ثم يحكم آياته .


قوله تعالى : « ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم» إلخ ، مرض القلب عدم استقامة حاله في التعقل بأن لا يذعن بما من شأنه أن يذعن به من الحق و هو الشك و الارتياب ، و قساوة القلب صلابته و غلظه مأخوذ من الحجر القاسي أي الصلب .


و صلابته بطلان عواطفه الرقيقة المعينة في إدراك المعاني الحقة كالخشوع و الرحمة و التواضع و المحبة فالقلب المريض سريع التصور للحق بطي‏ء الإذعان به ، و القلب القسي بطيئهما معا ، و كلاهما سريع القبول للوساوس الشيطانية .


و الإلقاءات الشيطانية التي تفسد الأمور على الحق و أهله و تبطل مساعي الرسل و الأنبياء دون أن تؤثر أثرها و إن كانت مستندة إلى الشيطان نفسه لكنها كسائر الآثار لما كانت واقعة في ملكه تعالى ، و لا يقع أثر من مؤثر أو فعل من فاعل إلا بإذنه ، و لا يقع شي‏ء بإذنه إلا استند إليه استنادا ما بمقدار الإذن ، و لا يستند إليه إلا ما فيه خير لا يخلو من مصلحة و غاية .


لذا ذكر سبحانه في هذه الآية أن لهذه الإلقاءات الشيطانية مصلحة و هي أنها محنة يمتحن بها الناس عامة و الامتحان من النواميس الإلهية العامة الجارية في العالم الإنساني و يتوقف عليه تلبس السعيد بسعادته و الشقي بشقائه ، و فتنة يفتتن بها الذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم خاصة فإن تلبس الأشقياء بكمال شقائهم من التربية الإلهية المقصودة في نظام الخلقة ، قال تعالى : « كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص:393


و ما كان عطاء ربك محظورا :» إسراء : 20 .


و هذا معنى قوله : « ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم» فاللام في « ليجعل» للتعليل يعلل بها إلقاء الشيطان في أمنية الرسول و النبي أي يفعل الشيطان كذا ليفعل الله كذا و معناه أنه مسخر لله سبحانه لغرض امتحان العباد و فتنة أهل الشك و الجحود و غرورهم .


و قد تبين أن المراد بالفتنة الابتلاء و الامتحان الذي ينتج الغرور و الضلال و بالذين في قلوبهم مرض أهل الشك من الكفار و بالقاسية قلوبهم أهل الجحود و العناد منهم .


و قوله : « و إن الظالمين لفي شقاق بعيد» الشقاق و المشاقة المباينة و المخالفة و توصيفه بالبعد توصيف له بحال موصوفه ، و المعنى : و إن الظالمين - و هم أهل الجحود على ما يعطيه السياق أو هم و أهل الشك جميعا - لفي مباينة و مخالفة بعيد صاحبها من الحق و أهله .


قوله تعالى : « و ليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم» إلخ ، المتبادر من السياق أنه عطف على قوله : « ليجعل» و تعليل لقوله : « فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته» و الضمير في « أنه» على هذا لما يتمناه الرسول و النبي المفهوم منقوله « إذا تمنى» إلخ ، و لا دليل على إرجاعه إلى القرآن .


و المعنى : فينسخ الله ما يلقيه الشيطان ثم يحكم آياته ليعلم الذين أوتوا العلم بسبب ذاك النسخ و الأحكام أن ما تمناه الرسول أو النبي هو الحق من ربك لبطلان ما يلقيه الشيطان فيؤمنوا به فتخبت أي تلين و تخشع له قلوبهم .


و يمكن أن يكون قوله « و ليعلم» معطوفا على محذوف و مجموع المعطوف و المعطوف عليه تعليلا لما بينه في الآية السابقة من جعله تعالى هذا الإلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم .


و المعنى : إنما بينا هذه الحقيقة لغاية كذا و كذا و ليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك « إلخ» على حد قوله : « و تلك الأيام نداولها بين الناس و ليعلم الله الذين آمنوا :» آل عمران : 140 ، و هو كثير الورود في القرآن .


و قوله : « إن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم» في مقام التعليل لكون علم الذين أوتوا العلم غاية مترتبة على فعله تعالى فيفيد أنه تعالى إنما فعل ما فعل ليعلموا


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :394


أن الأمر حق لأنه هاد يريد أن يهديهم فيهديهم بهذا التعليم إلى صراط مستقيم .


قوله تعالى : « و لا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم» إلخ الآية - كما ترى - تخبر عن حرمان هؤلاء الذين كفروا من الإيمان مدى حياتهم فليس المراد بهم مطلق الكفار لقبول بعضهم الإيمان بعد الكفر فالمراد به عدة من صناديد قريش الذين لم يوفقوا للإيمان ما عاشوا كما في قوله : « إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون :» البقرة : 6 .


و عقم اليوم كونه بحيث لا يخلف يوما بعده و هو يوم الهلاك أو يوم القيامة ، و المراد به في الآية على ما يعطيه سياق الآية الثالثة يوم القيامة .


و المعنى و يستمر الذين كفروا في شك من القرآن حتى يأتيهم يوم القيامة أويأتيهم عذاب يوم القيامة و هو يوم يأتي بغتة لا يمهلهم حتى يحتالوا له بشي‏ء و لا يخلف بعده يوما حتى يقضى فيه ما فات قبله .


و إنما ردد بين يوم القيامة و بين عذابه لأنهم يعترفون عند مشاهدة كل منهما بالحق و يطيح عنهم الريب و المرية قال تعالى : « قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن و صدق المرسلون :» يس : 52 ، و قال : « و يوم يعرض الذين كفروا على النار أ ليس هذا بالحق قالوا بلى و ربنا :» الأحقاف : 34 .


و قد ظهر بما تقدم أن تقييد اليوم تارة بكونه بغتة و تارة بالعقم للدلالة على كونه بحيث لا ينفع معها حيلة و لا يقع بعدها تدارك لما فات قبله .


قوله تعالى : « الملك يومئذ لله يحكم بينهم» - إلى قوله - عذاب مهين» قد تقدم مرارا أن المراد بكون الملك يومئذ لله ظهور كون الملك له تعالى لأن الملك له دائما و كذا ما ورد من نظائره من أوصاف يوم القيامة في القرآن ككون الأمر يومئذ لله و كون القوة يومئذ لله و هكذا .


و لسنا نعني به أن المراد بالملك مثلا في الآية ظهور الملك مجازا بل نعني به أن الملك قسمان ملك حقيقي حق و ملك مجازي صوري و للأشياء ملك مجازي صوري ملكها الله ذلك و له تعالى مع ذلك الملك الحق بحقيقة معناه حتى إذا كان يوم القيامة ارتفع كل ملك صوري عن الشي‏ء المتلبس به و لم يبق من الملك إلا حقيقته و هو لله وحده فمن خاصة يوم القيامة أن الملك يومئذ لله و على هذا القياس .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :395


و قوله : « يحكم بينهم» أي و لا حاكم غيره لأن الحكم من فروع الملك فإذا لم يكن يومئذ لأحد نصيب في الملك لم يكن له نصيب في الحكم .


و قوله : « فالذين آمنوا و عملوا الصالحات في جنات النعيم و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا - و هؤلاء المعاندون المستكبرون - فأولئك لهم عذاب مهين» بيان لحكمه تعالى .


بحث روائي


في المجمع ، روي عن الباقر (عليه‏السلام‏) أنه قال : لم يؤمر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بقتال و لا أذن له فيه حتى نزل جبرئيل بهذه الآية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا» و قلده سيفا .


و فيه ، : كان المشركون يؤذون المسلمين . لا يزال يجي‏ء مشجوج و مضروب إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و يشكون ذلك إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيقول لهم : اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزل الله عليه هذه الآية بالمدينة . و هي أول آية نزلت في القتال .


أقول : و روى في الدر المنثور ، عن جم غفير من أرباب الجوامع ، عن ابن عباس و غيره : أنها أول آية نزلت في القتال .


و ما اشتمل عليه بعض هذه الروايات أنها نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خاصة إن صحت الرواية فهو اجتهاد من الراوي لما مر أن الآية مطلقة و أنه لا يعقل توجيه حكم القتال إلى أشخاص من الأمة بأعيانهم و هو حكم عام .


و نظير الكلام جار في قوله تعالى : « الذين إن مكناهم في الأرض» إلخ بل و في قوله : « الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق» إلخ على ما تقدم في البيان .


و فيه ، : في قوله تعالى : « الذين أخرجوا من ديارهم» و قال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) : نزلت في المهاجرين و جرت في آل محمد الذين أخرجوا من ديارهم و أخيفوا .


أقول : و على ذلك يحمل ما في المناقب ، عنه (عليه‏السلام‏) : في الآية : نحن . نزلت فينا و في روضة الكافي عنه (عليه‏السلام‏) : جرت في الحسين (عليه‏السلام‏) .


و كذا ما في المجمع ، : في قوله تعالى : « و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر» عنه (عليه‏السلام‏) : نحن هم .


و كذا ما في الكافي ، و المعاني ، و كمال الدين ، عن الصادق و الكاظم (عليهماالسلام‏) :


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :396


في قوله تعالى : « و بئر معطلة و قصر مشيد» قالا : البئر المعطلة الإمام الصامت و القصر المشيد الإمام الناطق .


و في الدر المنثور ، أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول و أبو نصر السجزي في الإبانة و البيهقي في شعب الإيمان و الديلمي في مسند الفردوس عن عبد الله بن جراد قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ليس الأعمى من يعمى بصره و لكن الأعمى من تعمى بصيرته .


و في الكافي ، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في حديث النبي الذي يرى في منامه و يسمع الصوت و لا يعاين الملك ، و الرسول الذي يسمع الصوت و يرى في المنام و يعاين الملك .


أقول : و في هذا المعنى روايات أخرى .


و المراد بمعاينة الملك على ما في غيره من الروايات نزول الملك عليه و ظهوره له و تكليمه بالوحي ، و قد تقدم بعض هذه الروايات في أبحاث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع « أ فرأيتم اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى» ألقى الشيطان على لسانه « تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى» قالوا : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد و سجدوا . ثم جاء جبريل بعد ذلك قال : أعرض علي ما جئتك به فلما بلغ « تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى» قال جبريل لم آتك بهذا . هذا من الشيطان فأنزل الله « و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي» . الآية .


أقول : الرواية مروية بطرق عديدة عن ابن عباس و جمع من التابعين و قد صححها جماعة منهم الحافظ ابن حجر .


لكن الأدلة القطعية على عصمته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تكذب متنها و إن فرضت صحة سندها فمن الواجب تنزيه ساحته المقدسة عن مثل هذه الخطيئة مضافا إلى أن الرواية تنسب إليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أشنع الجهل و أقبحه فقد تلى « تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى» و جهل أنه ليس من كلام الله و لا نزل به جبريل ، و جهل أنه كفر صريح يوجب الارتداد و دام على جهة حتى سجد و سجدوا في آخر السورة و لم يتنبه ثم دام على جهله


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :397


حتى نزل عليه جبريل و أمره أن يعرض عليه السورة فقرأها عليه و أعاد الجملتين و هو مصر على جهله حتى أنكره عليه جبريل ثم أنزل عليه آية تثبت نظير هذا الجهل الشنيع و الخطيئة الفضيحة لجميع الأنبياء و المرسلين و هي قوله : « و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته» .


و بذلك يظهر بطلان ما ربما يعتذر دفاعا عن الحديث بأن ذلك كان سبقا من لسان دفعه بتصرف من الشيطان سهوا منه (عليه‏السلام‏) و غلطا من غير تفطن .


فلا متن الحديث على ما فيه من تفصيل الواقعة ينطبق على هذه المعذرة ، و لا دليل العصمة يجوز مثل هذا السهو و الغلط .


على أنه لو جاز مثل هذا التصرف من الشيطان في لسانه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بإلقاء آية أو آيتين في القرآن الكريم لارتفع الأمن عن الكلام الإلهي فكان من الجائز حينئذ أن يكون بعض الآيات القرآنية من إلقاء الشيطان ثم يلقي نفس هذه الآية « و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي» الآية فيضعه في لسان النبي و ذكره فيحسبها من كلام الله الذي نزل به جبريل كما حسب حديث الغرانيق كذلك فيكشف بهذا عن بعض ما ألقاه و هو حديث الغرانيق سترا على سائر ما ألقاه .


أو يكون حديث الغرانيق من الكلام الله ، و آية « و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي» إلخ ، و جميع ما ينافي الوثنية من كلام الشيطان و يستر بما ألقاه من الآية و أبطل من حديث الغرانيق على كثير من إلقاءاته في خلال الآيات القرآنية ، و بذلك يرتفع الاعتماد و الوثوق بكتاب الله من كل جهة و تلغو الرسالة و الدعوة النبوية بالكلية جلت ساحة الحق من ذلك .


وَ الَّذِينَ هَاجَرُوا فى سبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسناًوَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّزِقِينَ‏(58) لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضوْنَهُوَ إِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ‏(59) × ذَلِك وَ مَنْ عَاقَب بِمِثْلِ مَا عُوقِب بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصرَنَّهُ اللَّهُإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ(60) ذَلِك بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فى النَّهَارِ وَ يُولِجُ النَّهَارَ فى الَّيْلِ وَ أَنَّ اللَّهَ سمِيعُ بَصِيرٌ(61) ذَلِك بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلىُّ الْكبِيرُ(62) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَتُصبِحُ الأَرْض مخْضرَّةًإِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(63) لَّهُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِوَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنىُّ الْحَمِيدُ(64) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سخَّرَ لَكم مَّا فى الأَرْضِ وَ الْفُلْك تجْرِى فى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ يُمْسِك السمَاءَ أَن تَقَعَ عَلى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِإِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ‏(65) وَ هُوَ الَّذِى أَحْيَاكمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يحْيِيكُمْإِنَّ الانسنَ لَكفُورٌ(66)



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :398


بيان


الآيات تعقب الغرض السابق و تبين ثواب الذين هاجروا ثم قتلوا جهادا في سبيل الله أو ماتوا ، و فيها بعض التحريض على القتال و الوعد بالنصر كما يدل عليه قوله : « ذلك و من عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغيعليه لينصرنه الله» الآية .


و قد اختصت هذه الآيات بخصوصية لا توجد في جميع القرآن الكريم إلا فيها فهي ثمان آيات متوالية ختمت كل منها باسمين من أسماء الله الحسنى وراء لفظ الجلالة و قد اجتمعت فيها - بناء على اسمية الضمير « هو» - ستة عشر اسما و إن الله لهو خير الرازقين العليم الحليم العفو الغفور السميع البصير العلي الكبير اللطيف الخبير الغني الحميد الرءوف الرحيم ، ثم ذكر في الآية التاسعة أنه تعالى يحيي و يميت و في أثنائها أنه


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :399


الحق و أن له ما في السماوات و الأرض و هي في معنى أربعة أسماء أعني المحيي المميت الحق المالك أو الملك فتلك عشرون اسما من أسمائه اجتمعت في الآيات الثمان على ألطف وجه و أبدعه .


قوله تعالى : « و الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا» لما ذكر إخراج المهاجرين من ديارهم ظلما عقبه بذكر ما يثيبهم به على مهاجرتهم و محنتهم في سبيل الله و هو وعد حسن برزق حسن .


و قد قيد الهجرة بكونها في سبيل الله لأن المثوبة إنما تترتب على صالح العمل ، و إنما يكون العمل صالحا عند الله بخلوص النية فيه و كونه في سبيله لا في سبيل غيره من مال أو جاه أو غيرهما من المقاصد الدنيوية ، و بمثل ذلك يتقيد قوله : « ثم قتلوا أو ماتوا» أي قتلوا في سبيل الله أو ماتوا و قد تغربوا في سبيل الله .


و قوله : « و إن الله لهو خير الرازقين» ختم للآية يعلل به ما ذكر فيها من الرزق الحسن و هو النعمة الأخروية إذ موطنها بعد القتل و الموت ، و في الآية إطلاق الرزق على نعم الجنة كما في قوله : « أحياء عند ربهم يرزقون» : آل عمران : 169 .


قوله تعالى : « ليدخلنهم مدخلا يرضونه و إن الله لعليم حليم» المدخل بضم الميم و فتح الخاء اسم مكان من الإدخال و احتمال كونه مصدرا ميميا لا يناسب السياق تلك المناسبة .


و توصيف هذا المدخل و هو الجنة بقوله : « يرضونه» و الرضا مطلق ، دليل على اشتمالها على أقصى ما يريده الإنسان كما قال : « لهم فيها ما يشاءون :» الفرقان : 16 .


و قوله : « ليدخلنهم مدخلا يرضونه» بيان لقوله : « ليرزقنهم الله رزقا حسنا» و إدخاله إياهم مدخلا يرضونه و لا يكرهونه على الرغم من إخراج المشركين إياهم إخراجا يكرهونه و لا يرضونه و لذا علله بقوله : « و إن الله لعليم حليم» أي عليم بما يرضيهم فيعده لهم إعدادا حليم فلا يعاجل العقوبة لأعدائهم الظالمين لهم .


قوله تعالى : « ذلك و من عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور» ذلك خبر لمبتدإ محذوف أي الأمر ذلك الذي أخبرناك به و ذكرناه لك ، و العقاب مؤاخذة الإنسان بما يكرهه بإزاء فعله ما لا يرتضيه المعاقب و إنما سمي


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :400


عقابا لأنه يأتي عقيب الفعل .


و العقاب بمثل العقاب كناية عن المعاملة بالمثل و لما لم يكن هذه المعاملة بالمثل حسنا إلا فيما كان العقاب الأول من غير حق قيده بكونه بغيا فعطف قوله : « بغي عليه» بثم عليه .


و قوله : « لينصرنه الله» ظاهر السياق - و المقام مقام الإذن في الجهاد - أن المراد بالنصر هو إظهار المظلومين على الظالمين الباغين و تأييدهم عليهم في القتال لكن يمكن أن يستظهر من مثل قوله : « و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا :» إسراء : 33 أن المراد بالنصر هو تشريع حكم للمظلوم يتدارك به ما وقع عليه من وصمة الظلم و البغي فإن في إذنه أن يعامل الظالم الباغي عليه بمثل ما فعل بسطا ليده على من بسط عليه اليد .


و بهذا يتضح معنى تعليل النصر بقوله : « إن الله لعفو غفور» فإن الإذن و الإباحة في موارد الاضطرار و الحرجو ما شابه ذلك من مقتضيات صفتي العفو و المغفرة كما تقدم مرارا في أمثال قوله تعالى : « فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم :» المائدة : 3 و قد أوضحنا ذلك في المجازاة و العفو في آخر الجزء السادس من الكتاب .


و المعنى - على هذا - و من عامل من عاقبه بغيا عليه بمثل ما عاقب نصره الله بإذنه فيه و لم يمنعه عن المعاملة بالمثل لأن الله عفو غفور يمحو ما تستوجبه هذه المعاملة و الانتقام من المساءة و التبعة كأن العقاب و إيصال المكروه إلى الناس مبغوض في نظام الحياة غير أن الله سبحانه يمحو ما فيه من المبغوضية و يستر على أثره السيى‏ء إذا كان عقابا من مظلوم لظالمه الباغي عليه بمثل ما بغي عليه ، فيجيز له ذلك و لا يمنعه بالتحريم و الحظر .


و بذلك يظهر أيضا مناسبة ذكر وصف الحلم في آخر الآية السابقة - إن الله لعليم حليم - و يظهر أيضا أن « ثم» في قوله : « ثم بغي عليه» للتراخي بحسب الذكر لا بحسب الزمان .


و أما ما أوردوه في معنى الآية : و من جازى الجاني بمثل ما جنى به عليه ثم


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :401


بغي عليه بالمعاودة إلى العقاب لينصرنه الله على من بغي عليه إن الله لعفو غفور لمن ارتكبه منالعقاب إذ كان تركا للأولى لأن الأولى هو الصبر و العفو عن الجاني كما قال تعالى : « و أن تعفوا أقرب للتقوى» ، و قال : « فمن عفا و أصلح فأجره على الله» ، و قال : « و لمن صبر و غفر إن ذلك من عزم الأمور :» الشورى : 43 .


ففيه أولا : أنه لما أخذت « ثم» للتراخي بحسب الزمان أفاد كون العقاب غير البغي و مطلق العقاب أعم من أن يكون جناية ، و عمومها للجناية و غيرها يفسد معنى الكلام ، و إرادة خصوص الجناية منه - كما فسر - إرادة معنى لا دليل عليه من جهة اللفظ .


و ثانيا : أنه فسر النصرة بالنصرة التكوينية دون التشريعية فكان إخبارا عن نصره تعالى المظلوم على الظالم إذا قابله بالمجازاة على جنايته ثم بغيه و الواقع ربما يتخلف عن ذلك .


و ثالثا : أن قتال المشركين و الجهاد في سبيل الله من مصاديق هذه الآية قطعا ، و لازم ما ذكر أن يكون تركه بالعفو عنهم أولى من فعله و هو واضح الفساد .


قوله تعالى : « ذلك بأن الله يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل و أن الله سميع بصير» إيلاج كل من الليل و النهار في الآخر حلوله محل الآخر كورود ضوء الصباح على ظلمة الليل كشي‏ء يلج في شي‏ء ثم اتساعه و إشغال النهار من الفضاء ما أشغله الليل، و ورود ظلمة المساء على نور النهار كشي‏ء يلج في شي‏ء ثم اتساعها و شمول الليل .


و المشار إليه بذلك - بناء على ما تقدم من معنى النصر - ظهور المظلوم بعقابه على الظالم الباغي عليه ، و المعنى أن ذلك النصر بسبب أن من سنة الله أن يظهر أحد المضادين و المتزاحمين على الآخر كما يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل و أن الله سميع لأقوالهم بصير بأعمالهم فينصر المظلوم و هو مهضوم الحق بعينه و ما يسأله بلسان حاله في سمعه .


و ذكر في معنى الآية وجوه أخر غير منطبقة على السياق رأينا الصفح عن ذكرها أولى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :402


قوله تعالى : « ذلك بأن الله هو الحق و أن ما يدعون من دونه هو الباطل و أن الله هو العلي الكبير» الإشارة بذلك إلى النصر أو إليه و إلى ما ذكر من سببه .


و الحصر أن في قوله : « بأن الله هو الحق» و قوله : « و أن ما يدعون من دونه هو الباطل» إما بمعنى أنه تعالى حق لا يشوبه باطل و أن ما يدعون من دونه و هي الأصنام باطل لا يشوبه حق فهو قادر على أن يتصرف في تكوين الأشياء و أن يحكم لها و عليها بما شاء .


و إما بمعنى أنه تعالى حق بحقيقة معنى الكلمة مستقلا بذلك لا حق غيره إلا ما حققه هو ، و أن ما يدعون من دونه و هي الأصنام بل كل ما يركن إليه و يدعى للحاجة من دون الله هو الباطل لا غيره إذ مصداق غيره هو الله سبحانه فافهم ذلك ، و إنما كان باطلا إذ كان لا حقية له باستقلاله .


و المعنى - على أي تقدير - أن ذلك التصرف في التكوين و التشريع من الله سبحانه بسبب أنه تعالى حق يتحقق بمشيته كل حق غيره ، و أن آلهتهم من دون الله و كل ما يركن إليه ظالم باغ من دونه باطل لا يقدر على شي‏ء .


و قوله : « و أن الله هو العلي الكبير» علوه تعالى بحيث يعلو و لا يعلى عليه و كبره بحيث لا يصغر لشي‏ء بالهوان و المذلة من فروع كونه حقا أي ثابتا لا يعرضه زوال و موجودا لا يمسه عدم .


قوله تعالى : « أ لم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير» استشهاد على عموم القدرة المشار إليها آنفا بإنزال الماء من السماء - و المراد بها جهة العلو - و صيرورة الأرض بذلك مخضرة .


و قوله : « إن الله لطيف خبير» تعليل لجعل الأرض مخضرة بإنزال الماء من السماء فتكون نتيجة هذا التعليل و ذاك الاستشهاد كأنه قيل : إن الله ينزل كذا فيكون كذا لأنه لطيف خبير و هو يشهد بعموم قدرته .


قوله تعالى : « له ما في السماوات و ما في الأرض و إن الله لهو الغني الحميد » ظاهره أنه خبر بعد خبر لأن فهو تتمة التعليل في الآية السابقة كأنه قيل : إن الله لطيف خبير مالك لما في السماوات و ما في الأرض يتصرف في ملكه كما يشاء بلطف و خبرة ، و يمكن أن يكون استئنافا يفيد تعليلا باستقلاله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :403


و قوله : « و إن الله لهو الغني الحميد» يفيد عدم حاجته إلى شي‏ء من تصرفاته بما هو غني على الإطلاق و هي مع ذلك جميلة نافعة يحمد عليها بما هو حميد على الإطلاق فمفاد الاسمين معا أنه تعالى لا يفعل إلا ما هو نافع لكن لا يعود نفعه إليه بل إلى الخلق أنفسهم .


قوله تعالى : « أ لم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض» إلخ ، استشهاد آخر على عموم القدرة ، و المقابلة بين تسخير ما في الأرض و تسخير الفلك في البحر يؤيد أن المراد بالأرض البر مقابل البحر ، و على هذا فتعقيب الجملتين بقوله : « و يمسك السماء» إلخ ، يعطي أن محصل المراد أن الله سخر لكم ما في السماء و الأرض برها و بحرها .


و المراد بالسماء جهة العلو و ما فيها فالله يمسكها أن تقع على الأرض إلا بإذنه مما يسقط من الأحجار السماوية و الصواعق و نحوها .


و قد ختم الآية بصفتي الرأفة و الرحمة تتميما للنعمة و امتنانا على الناس .


قوله تعالى : « و هو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور» سياق الماضي في « أحياكم» يدل على أن المراد به الحياة الدنيا و أهمية المعاد بالذكر تستدعي أن يكون المراد من قوله : « ثم يحييكم» الحياة الآخرة يوم البعث دون الحياة البرزخية .


و هذه الحياة ثم الموت ثم الحياة من النعم الإلهية العظمى ختم بها الامتنان و لذا عقبها بقوله : « إن الإنسان لكفور» .


بحث روائي


في جامع الجوامع ، : في قوله : « و الذين هاجروا إلى قوله لعليم حليم» روي أنهم قالوا : يا رسول الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير و نحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا أن متنا معك ؟ فأنزل الله هاتين الآيتين .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و من عاقب بمثل ما عوقب به» الآية روي أن الآية نزلت في قوم من مشركي مكة لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا : إن أصحاب محمد لا يقاتلون في هذا الشهر فحملوا عليهم فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام فأبوا فأظفر الله المسلمين بهم :


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :404


أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن ابن أبي حاتم عن مقاتل و أثر الضعف ظاهر عليه فإن المشركين كانوا يحرمون الأشهر الحرم ، و قد تقدم في قوله تعالى : « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» الآية : البقرة - 217 ، في الجزء الثاني من الكتاب من الروايات في قصة عبد الله بن جحش و أصحابه ما يزيد في ضعف هذه الرواية .


لِّكُلّ‏ِ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسكاً هُمْ نَاسِكوهُفَلا يُنَزِعُنَّك فى الأَمْرِوَ ادْعُ إِلى رَبِّكإِنَّك لَعَلى هُدًى مُّستَقِيمٍ‏(67) وَ إِن جَدَلُوك فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ‏(68) اللَّهُ يحْكُمُ بَيْنَكمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تخْتَلِفُونَ‏(69) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فى السمَاءِ وَ الأَرْضِإِنَّ ذَلِك فى كِتَبٍإِنَّ ذَلِك عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ(70) وَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنزِّلْ بِهِ سلْطناً وَ مَا لَيْس لهَُم بِهِ عِلْمٌوَ مَا لِلظلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ(71) وَ إِذَا تُتْلى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ تَعْرِف فى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكرَيَكادُونَ يَسطونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَاقُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُم بِشرٍّ مِّن ذَلِكمُالنَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواوَ بِئْس الْمَصِيرُ(72) يَأَيُّهَا النَّاس ضرِب مَثَلٌ فَاستَمِعُوا لَهُإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يخْلُقُوا ذُبَاباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُوَ إِن يَسلُبهُمُ الذُّبَاب شيْئاً لا يَستَنقِذُوهُ مِنْهُضعُف الطالِب وَ الْمَطلُوب‏(73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِإِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ(74) اللَّهُ يَصطفِى مِنَ الْمَلَئكةِ رُسلاً وَ مِنَ النَّاسِإِنَّ اللَّهَ سمِيعُ بَصِيرٌ(75) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْوَ إِلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ(76) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ارْكعُوا وَ اسجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيرَ لَعَلَّكمْ تُفْلِحُونَ (77) وَ جَهِدُوا فى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِهُوَ اجْتَبَاكُمْ وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍمِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَهِيمَهُوَ سمَّاكُمُ الْمُسلِمِينَ مِن قَبْلُ وَ فى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسولُ شهِيداً عَلَيْكمْ وَ تَكُونُوا شهَدَاءَ عَلى النَّاسِفَأَقِيمُوا الصلَوةَ وَ ءَاتُوا الزَّكَوةَ وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاشْفَنِعْمَ الْمَوْلى وَ نِعْمَ النَّصِيرُ(78)



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :405


بيان


الآيات تأمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالدعوة و تبين أمورا من حقائق الدعوة و أباطيل الشرك ثم تأمر المؤمنين بإجمال الشريعة و هو عبادة الله و فعل الخير و تختم بالأمر بحق الجهاد في الله و بذلك تختتم السورة .


قوله تعالى : « لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر» إلى آخر الآية .


المنسك مصدر ميمي بمعنى النسك و هو العبادة و يؤيده قوله : « هم ناسكوه» أي يعبدون تلك العبادة ، و ليس اسم مكان كما احتمله بعضهم .


و المراد بكل أمة هي الأمة بعد الأمة من الأمم الماضين حتى تنتهي إلى هذه الأمة دون الأمم المختلفة الموجودة في زمانه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كالعرب و العجم و الروم لوحدة الشريعة و عموم النبوة .


و قوله : « فلا ينازعنك في الأمر» نهي للكافرين بدعوة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن منازعته في المناسك التي أتى بها و هم و إن كانوا لا يؤمنون بدعوته و لا يرون لما أتى به


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :406


من الأوامر و النواهي وقعا يسلمون له و لاأثر لنهي من لا يسلم للناهي طاعة و لا مولوية لكن هذا النهي لما كان معتمدا على الحجة لم يصر لغوا لا أثر له و هي صدر الآية .


فكأن الكفار من أهل الكتاب أو المشركين لما رأوا من عبادات الإسلام ما لا عهد لهم به في الشرائع السابقة كشريعة اليهود مثلا نازعوه في ذلك من أين جئت به و لا عهد به في الشرائع السابقة و لو كان من شرائع النبوة لعرفه المؤمنين من أمم الأنبياء الماضين ؟ فأجاب الله سبحانه عن منازعتهم بما في الآية .


و معناها أن كلا من الأمم كان لهم منسك هم ناسكوه و عبادة يعبدونها و لا يتعداهم إلى غيرهم لما أن الله سبحانه بدل منسك السابقين مما هو أحسن منه في حق اللاحقين لتقدمهم في الرقي الفكري و استعدادهم في اللاحق لما هو أكمل و أفضل من السابق فالمناسك السابقة منسوخة في حق اللاحقين فلا معنى لمنازعة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيما جاء به من المنسك المغاير لمناسك الأمم الماضين .


و لما كان نهيهم عن منازعته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في معنى أمره بطيب النفس من قبل نزاعهم و نهيه عن الاعتناء به عطف عليه قوله : « و ادع إلى ربك» كأنه قيل : طب نفسا و لا تعبأ بمنازعتهم و اشتغل بما أمرت به و هو الدعوة إلى ربك .


و علل ذلك بقوله : « إنك لعلى هدى مستقيم» و توصيف الهدى بالاستقامة و هي وصف الصراط الذي إليه الهداية من المجاز العقلي .


قوله تعالى : « و إن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون» سياق الآية السابقة يؤيد أن المراد بهذا الجدال المجادلة و المراء في أمر اختلاف منسكه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مع الشرائع السابقة بعد الاحتجاج عليه بنسخ الشرائع ، و قد أمر (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بإرجاعهم إلى حكم الله من غير أن يشتغل بالمجادلة معهم بمثل ما يجادلون .


و قيل : المراد بقوله : « إن جادلوك» مطلق الجدال في أمر الدين، و قيل : الجدال في أمر الذبيحة و السياق السابق لا يساعد عليه .


و قوله : « فقل الله أعلم بما تعملون» توطئة و تمهيد إلى إرجاعهم إلى حكم الله أي الله أعلم بعملكم و يحكم حكم من يعلم بحقيقة الحال ، و إنما يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون و تخالفون الحق و أهله - و الاختلاف و التخالف بمعنى كالاستباق و التسابق - .


قوله تعالى : « أ لم تعلم أن الله يعلم ما في السماء و الأرض إن ذلك في كتاب إن


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :407


ذلك على الله يسير» تعليل لعلمه تعالى بما يعملون أي إن ما يعملون بعض ما في السماء و الأرض و هو يعلم جميع ما فيهما فهو يعلم بعملهم .


و قوله : « إن ذلك في كتاب» تأكيد لما تقدمه أي إن ما علمه من شي‏ء مثبت في كتاب فلا يزول و لا ينسى و لا يسهو فهو محفوظ على ما هو عليه حين يحكم بينهم ، و قوله : « إن ذلك على الله يسير» أي ثبت ما يعلمه في كتاب محفوظ هين عليه .


قوله تعالى : « و يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا و ما ليس لهم به علم» إلخ الباء في « به» بمعنى مع ، و السلطان البرهان و الحجة و المعنى و يعبد المشركون من دون الله شيئا - و هو ما اتخذوه شريكا له تعالى - لمينزل الله معه حجة حتى يأخذوها و يحتجوا بها و لا أن لهم به علما .


قيل : إنما أضاف قوله : « و ما ليس لهم به علم» على قوله : « ما لم ينزل به سلطانا» لأن الإنسان قد يعلم أشياء من غير حجة و دليل كالضروريات .


و ربما فسر نزول السلطان بالدليل السمعي و وجود العلم بالدليل العقلي أي يعبدون من دون الله ما لم يقم عليه دليل من ناحية الشرع و لا العقل ، و فيه أنه لا دليل عليه و تنزيل السلطان كما يصدق على تنزيل الوحي على النبي كذلك يصدق على تنزيل البرهان على القلوب .


و قوله : « و ما للظالمين من نصير» قيل : هو تهديد للمشركين و المراد أنه ليس لهم ناصر ينصرهم فيمنعهم من العذاب .


و الظاهر - على ما يعطيه السياق - أنه في محل الاحتجاج على أن ليس لهم برهان على شركائهم و لا علم ، بأنه لو كان لهم حجة أو علم لكان لهم نصير ينصرهم إذ البرهان نصير لمن يحتج به و العلم نصير للعالم لكنهم ظالمون و ما للظالمين من نصير فليس لهم برهان و لا علم ، و هذا من ألطف الاحتجاجات القرآنية .


قوله تعالى : « و إذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون» إلخ المنكر مصدر ميمي بمعنى الإنكار ، و المراد بمعرفة الإنكار في وجوههم معرفة أثر الإنكار و الكراهة ، و « يسطون» من السطوة و هي على ما في مجمع البيان ، : إظهار الحال الهائلة للإخافة يقال سطا عليه يسطو سطوة و سطاعة و الإنسان مسطو عليه ، و السطوة و البطشة بمعنى .


انتهى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :408


و المعنى : و إذا تتلى عليهم آياتنا و الحال أنها واضحات الدلالة تعرف و تشهد في وجوه الذين كفروا أثر الإنكار يقربون من أن يبطشوا على الذين يتلون و يقرءون عليهم آياتنا لما يأخذهم من الغيظ .


و قوله : « قل أ فأنبئكم بشر من ذلكم» تفريع على إنكارهم و تحرزهم من استماع القرآن أي قل : أ فأخبركم بما هو شر من هذا الذي تعدونه شرا تحترزون منه و تتقون أن تسمعوه أ فأخبركم به لتتقوه إن كنتم تتقون .


و قوله : « النار وعدها الله الذين كفروا و بئس المصير» بيان للشر أي ذلكم الذي هو شر من هذا هي النار ، و قوله : « وعدها الله» إلخ بيان لكونه شرا .


قوله تعالى : « يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له» إلى آخر الآية خطاب للناس جميعا و العناية بالمشركين منهم .


و قوله : « ضرب مثل فاستمعوا له» المثل هو الوصف الذي يمثل الشي‏ء في حالة سواء كان وصفا محققا واقعا أو مقدرا متخيلا كالأمثال التي تشتمل على محاورات الحيوانات و الجمادات و مشافهاتها ، و ضرب المثل نصبه ليتفكر فيه كضرب الخيمة ليسكن فيها .


و هذا المثل هو قوله : « إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا له و إن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه» و المعنى أنه لو فرض أن آلهتهم شاءوا أن يخلقوا ذبابا و هو أضعف الحيوانات عندهم لم يقدروا عليه أبدا و إن يسلبهم الذباب شيئا مما عليهم لا يستنقذوه بالانتزاع منه .


فهذا الوصف يمثل حال آلهتهم من دون الله في قدرتهم على الإيجاد و على تدبير الأمر حيث لا يقدرون على خلق ذباب و على تدبير أهون الأمور و هو استرداد ما أخذه الذباب منهم و أضرهم بذلك و كيف يستحق الدعوة و العبادة من كان هذا شأنه ؟ .


و قوله : « ضعف الطالب و المطلوب» مقتضى المقام أن يكون المراد بالطالب الآلهة و هي الأصنام المدعوة فإن المفروض أنهم يطلبون خلق الذباب فلا يقدرون و استنقاذ ما سلبه إياهم فلا يقدرون ، و المطلوب الذباب حيث يطلب ليخلق و يطلب ليستنقذ منه .


و في هذه الجملة بيان غاية ضعفهم فإنهم أضعف من أضعف ما يستضعفه الناس من الحيوانات التي فيها شي‏ء من الشعور و القدرة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :409


قوله تعالى : « ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز» قدر الشي‏ء هندسته و تعيين كميته و يكنى به عن منزلة الشي‏ء التي تقتضيها أوصافه و نعوته يقال : قدر الشي‏ء حق قدره أي نزله المنزلة التي يستحقها و عامله بما يليق به .


و قدره تعالى حق القدر أن يلتزم بما يقتضيه صفاته العليا و يعامل كما يستحقه بأن يتخذ ربا لا رب غيره و يعبد وحده لا معبود سواه لكن المشركين ما قدروه حق قدره إذ لم يتخذوه ربا و لم يعبدوه بل اتخذوا الأصنام أربابا من دونه و عبدوها دونه و هم يرون أنها لا تقدر على خلق ذباب و يمكن أن يستذلها ذباب فهي من الضعف و الذلة في نهايتهما ، و الله سبحانه هو القوي العزيز الذي إليه ينتهي الخلق و الأمر و هو القائم بالإيجاد و التدبير .


فقوله : « ما قدروا الله حق قدره» إشارة إلى عدم التزامهم بربوبيته تعالى و إعراضهم عن عبادته ثم اتخاذهم الأصنام أربابا من دونه يعبدونها خوفا و طمعا دونه تعالى .


و قوله : « إن الله لقوي عزيز» تعليل للنفي السابق و قد أطلق القوة و العزة فأفاد أنه قوي لا يعرضه ضعف و عزيز لا تعتريه ذلة كما قال : « إن القوة لله جميعا :» البقرة : 165 ، و قال : « فإن العزة لله جميعا :» النساء : 139 ، و إنما خص الاسمين بالذكر لمقابلتهما ما في المثل المضروب من صفة آلهتهم و هو الضعف و الذلة فهؤلاء استهانوا أمر ربهم إذ عدلوا بينه تعالى و هو القوي الذي يخلق ما يشاء و العزيز الذي لا يغلبه شي‏ء و لا يستذله من سواه و بين الأصنام و الآلهة الذين يضعفون من خلق ذباب و يستذلهم ذباب ثم لم يرضوا بذلك حتى قدموهم عليه تعالى فاتخذوهم أربابا يعبدونهم دونه تعالى .


قوله تعالى : « الله يصطفي من الملائكة رسلا و من الناس إن الله سميع بصير» الاصطفاء أخذ صفوة الشي‏ء و خالصته ، قال الراغب : الاصطفاء تناول صفو الشي‏ء كما أن الاختيار تناول خيره و الاجتباء تناول جبايته .


انتهى .


فاصطفاء الله تعالى من الملائكة رسلا و من الناس اختياره من بينهم من يصفو لذلك و يصلح .


و هذه الآية و التي بعدها تبينان وجوب جعل الرسالة و صفتها و صفة الرسل و هي


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :410


العصمة ، و للكلام فيها بعض الاتصال بقوله السابق : « لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه» لإنبائه عن الرسالة .


تبين الآية أولا أن لله رسلا من الملائكة و من الناس ، و ثانيا أن هذه الرسالة ليست كيفما اتفقت و ممن اتفق بل هي بالاصطفاء و تعيين منهو صالح لذلك .


و قوله : « إن الله سميع بصير» تعليل لأصل الإرسال فإن الناس أعني النوع الإنساني يحتاج حاجة فطرية إلى أن يهديهم الله سبحانه نحو سعادتهم و كمالهم المطلوب من خلقهم كسائر الأنواع الكونية فالحاجة نحو الهداية عامة ، و ظهور الحاجة فيهم و إن شئت فقل : إظهارهم الحاجة من أنفسهم سؤال منهم و استدعاء لما ترتفع به حاجتهم و الله سبحانه سميع بصير يرى ببصره ما هم عليه من الحاجة الفطرية إلى الهداية و يسمع بسمعه سؤالهم ذلك .


فمقتضى سمعه و بصره تعالى أن يرسل إليهم رسولا و يهديهم به إلى سعادتهم التي خلقوا لنيلها و التلبس بها فما كل الناس بصالحين للاتصال بعالم القدس و فيهم الخبيث و الطيب و الطالح و الصالح ، و الرسول رسولان رسول ملكي يأخذ الوحي منه تعالى و يؤديه إلى الرسول الإنساني و رسول إنساني يأخذ الوحي من الرسول الملكي و يلقيه إلى الناس و بالجملة قوله : « إن الله سميع بصير» يتضمن الحجة على لزوم أصل الإرسال ، و أما معنى الاصطفاء و الحجة على لزومه فهو ما يشير إليه قوله : « يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم» .


قوله تعالى : « يعلم بين أيديهم و ما خلفهم و إلى الله ترجع الأمور» ظاهر السياق أن ضمير الجمع في الموضعين للرسل من الملائكة و الناس ، و يشهد وقوع هذا التعبير فيهم في غير هذا الموضع كقوله تعالى حكاية عن ملائكة الوحي : « و ما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا و ما خلفنا» الآية : مريم : 64 ، و قوله : « فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم و أحاط بما لديهم :» الجن : 28 .


و الآية - كما ترى - تنادي بأن ذكر علمه بما بين أيديهم و ما خلفهم لدلالة على أنه تعالى مراقب للطريق الذي يسلكه الوحي فيما بينه و بين الناس حافظ له أن يختل في نفسه بنسيان أو تغيير أو يفسد بشي‏ء من مكائد الشياطين و تسويلاتهم كل ذلك لأن


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :411


حملة الوحي من الرسل بعينه و بمشهد منه يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و هو بالمرصاد .


و من هنا يظهر أن المراد بما بين أيديهم هو ما بينهم و بين من يؤدون إليه فما بين أيدي الرسول الملكي هو ما بينه و بين الرسول الإنساني و ما بين يدي الرسول الإنساني هو ما بينه و بين الناس ، و المراد بما خلفهم هو ما بينهم و بين الله سبحانه و الجميع سائرون من جانب الله إلى الناس .


فالوحي في مأمن إلهي منذ يصدر من ساحة العظمة و الكبرياء إلى أن يبلغ الناس و لازمه أن الرسل معصومون في تلقي الوحي و معصومون في حفظه و معصومون في إبلاغه للناس .


و قوله : « و إلى الله ترجع الأمور» في مقام التعليل لعلمه بما بين أيديهم و ما خلفهم أي كيف يخفى عليه شي‏ء من ذلك ؟ و إليه يرجع جميع الأمور و إذ ليس هذا الرجوع رجوعا زمانيا حتى يجوز معه خفاء حاله قبل الرجوع و إنما هو مملوكية ذاته له تعالى فلا استقلال له منه و لا خفاء فيه له فافهم ذلك .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون» الأمر بالركوع و السجود أمر بالصلاة و مقتضى المقابلة أن يكون المراد بقوله : « و اعبدوا ربكم» الأمر بسائر العبادات المشرعة في الدين كالحج و الصوم و يبقى لقوله : « و افعلوا الخير» سائر الأحكام و القوانين المشرعة فإن في إقامتها و العمل بها خير المجتمع و سعادة الأفراد و حياتهم كما قال : « استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم :» الأنفال : 24 .


و في الآية أمر بإجماع الشرائع الإسلامية من عبادات و غيرها .


قوله تعالى : « و جاهدوا في الله حق جهاده» إلى آخر الآية .


الجهاد بذل الجهد و استفراغ الوسع في مدافعة العدو ، و يطلق في الأكثر على المدافعة بالقتال لكن ربما يتوسع في معنى العدو حتى يشمل كل ما يتوقع منه الشر كالشيطان الذي يضل الإنسان و النفس الأمارة بالسوء و غير ذلك فيطلق اللفظ على مخالفة النفس في هواها و الاجتناب عن طاعة الشيطان في وسوسته ، و قد سمى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مخالفة النفس جهادا أكبر .


و الظاهر أن المراد بالجهاد في الآية هو المعنى الأعم و خاصة بالنظر إلى تقييده


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :412


بقوله : في الله و هو كل ما يرجع إليه تعالى ، و يؤيده أيضا قوله : و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا : العنكبوت : 69 .


و على ذلك فمعنى كون الجهاد فيه حق جهاده أن يكون متمحضا في معنى الجهاد و يكون خالصا لوجهه الكريم لا يشاركه فيه غيره نظير تقوى الله حق تقواه في قوله : اتقوا الله حق تقاته : آل عمران - 124 .


و قوله : هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج امتنان منه تعالى على المؤمنين بأنهم ما كانوا لينالوا سعادة الدين من عند أنفسهم و بحولهم غير أن الله من عليهم إذ وفقهم فاجتباهم و جمعهم للدين ، و رفع عنهم كل حرج في الدين امتنانا سواء كان حرجا في أصل الحكم أو حرجا طارئا عليه اتفاقا فهي شريعة سهلة سمحة ملة أبيهم إبراهيم الحنيف الذي أسلم لربه .


و إنما سمي إبراهيم أبا المسلمين لأنه (عليه‏السلام‏) أول من أسلم لله كما قال تعالى : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين : البقرة : 131 ، و قال حاكيا عنه (عليه‏السلام‏) : فمن تبعني فإنه مني : إبراهيم : 36 فنسب اتباعه إلى نفسه ، و قال أيضا : و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام : إبراهيم : 35 ، و مراده ببنيه المسلمون دون المشركين قطعا و قال : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا : آل عمران : 68 .


و قوله : هو سماكم المسلمين من قبل و في هذا امتنان ثان منه تعالى على المؤمنين بعد الامتنان بقوله : هو اجتباكم فالضمير له تعالى و قوله : من قبل أي من قبل نزول القرآن و قوله : و في هذا أي و في هذا الكتاب و في امتنانه عليهم بذكر أنه سماهم المسلمين دلالة على قبوله تعالى إسلامهم .


و قوله : ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء على الناس المراد به شهادة الأعمال و قد تقدم الكلام في معنى الآية في سورة البقرة الآية 143 و غيرها و في الآية تعليل ما تقدم من حديث الاجتباء و نفي الحرج و تسميتهم مسلمين .


و قوله : فأقيموا الصلاة و آتواالزكاة و اعتصموا بالله تفريع على جميع ما تقدم مما امتن به عليهم أي فعلى هذا يجب عليكم أن تقيموا الصلاة و تؤتوا الزكاة - و هو إشارة إلى العمل بالأحكام العبادية و المالية - و تعتصموا بالله في جميع الأحوال فأتمروا


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :413


بكل ما أمر به و تنتهوا عن جميع ما نهى عنه و لا تنقطعوا عنه في حال لأنه مولاكم و ليس للعبد أن ينقطع عن مولاه في حال و لا للإنسان الضعيف أن ينقطع عن ناصره - بوجه على الاحتمالين في معنى المولى - .


فقوله : هو مولاكم في مقام التعليل لما قبله من الحكم ، و قوله : فنعم المولى و نعم النصير كلمة مدح له تعالى و تطييب لنفوس المؤمنين و تقوية لقلوبهم بأن مولاهم و نصيرهم هو الله الذي لا مولى غيره و لا نصير سواه .


و اعلم أن الذي أوردناه من معنى الاجتباء و كذا الإسلام و غيره في الآية هو الذي ذكره جل المفسرين بالبناء على ظاهر الخطاب بيا أيها الذين آمنوا في صدر الكلام و شموله عامة المؤمنين و جميع الأمة .


و قد بينا غير مرة أن الاجتباء بحقيقة معناه يساوق جعل العبد مخلصا - بفتح اللام - مخصوصا بالله لا نصيب لغيره تعالى فيه ، و هذه صفة لا توجد إلا في آحاد معدودين من الأمة دون الجميع قطعا ، و كذا الكلام في معنى الإسلام و الاعتصام ، و المعنى بحقيقته مراد في الكلام قطعا .


و على هذا فنسبة الاجتباء و الإسلام و الشهادة إلى جميع الأمة توسع من جهة اشتمالهم على من يتصف بهذه الصفات بحقيقتها نظير قوله في بني إسرائيل : و جعلكم ملوكا : المائدة : 20 ، و قوله فيهم : و فضلناهم على العالمين : الجاثية : 16 و نظائره كثيرة في القرآن .


بحث روائي


عن جوامع الجامع ، : في قوله تعالى : فلا ينازعنك في الأمر روي أن بديل بن ورقاء و غيره من كفار خزاعة قالوا للمسلمين : ما لكم تأكلون ما قتلتم و لا تأكلون ما قتل الله يعنون الميتة .


أقول : سياق الآية لا يساعد عليه .


و في الكافي ، بإسناده عن عبد الرحمن بياع الأنماط عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال:


الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :414


كانت قريش تلطخ الأصنام التي كانت حول الكعبة بالمسك و العنبر ، و كان يغوث قبال الباب و يعوق عن يمين الكعبة ، و كان نسر عن يسارها ، و كانوا إذا دخلوا خروا سجدا ليغوث و لا ينحنون ثم يستديرون بحيالهم إلى يعوق ثم يستديرون عن يسارها بحيالهم إلى نسر ثم يلبون فيقولون : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لكتملكه و ما ملك . قال : فبعث الله ذبابا أخضر له أربعة أجنحة فلم يبق من ذلك المسك و العنبر شيئا إلا أكله ، و أنزل الله عز و جل : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له الآية .


و فيه ، بإسناده عن بريد العجلي قال : قلت لأبي جعفر (عليه‏السلام‏) : « يا أيها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا - و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون - و جاهدوا في الله حق جهاده» قال : إيانا عنى و نحن المجتبون و لم يجعل الله تبارك و تعالى لنا في الدين من حرج فالحرج أشد من الضيق . « ملة أبيكم إبراهيم» إيانا عنى خاصة « هو سماكم المسلمين»الله عز و جل سمانا المسلمين « من قبل» في الكتب التي مضت « و في هذا» القرآن « ليكون الرسول عليكم شهيدا - و تكونوا شهداء على الناس» فرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الشهيد علينا بما بلغنا عن الله تبارك و تعالى و نحن الشهداء على الناس يوم القيامة فمن صدق يوم القيامة صدقناه و من كذب كذبناه .


أقول : و الروايات من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) في هذا المعنى كثيرة ، و قد تقدم في ذيل الآية ما يتضح به معنى هذه الروايات .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن مردويه و الحاكم و صححه عن عائشة : أنها سألت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن هذه الآية « و ما جعل عليكم في الدين من حرج» قال : الضيق .


و في التهذيب ، بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة كيف أصنع بالوضوء ؟ قال : يعرف هذا و أشباهه من كتاب الله عز و جل قال الله : « ما جعل عليكم في الدين من حرج» امسح عليه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 14ص :415


أقول : و في معناها روايات أخر تستشهد بالآية في رفع الحكم الحرجي و في التمسك بالآية في الحكم دلالة على صحة ما قدمناه في معنى الآية .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف و إسحاق بن راهويه في مسنده عن مكحول أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : تسمي الله باسمين سمى بهما أمتي هو السلام و سمى أمتي المسلمين ، و هو المؤمن و سمى أمتي المؤمنين - تم و الحمد لله - .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :