امروز:
پنج شنبه 27 مهر 1396
بازدید :
858
تفسيرالميزان : سوره نور آيات 34- 1



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :77


24 سورة النور مدنية و هي أربع و ستون آية 64


سورة النور


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سورَةٌ أَنزَلْنَهَا وَ فَرَضنَهَا وَ أَنزَلْنَا فِيهَا ءَايَتِ بَيِّنَتٍ لَّعَلَّكمْ تَذَكَّرُونَ‏(1) الزَّانِيَةُ وَ الزَّانى فَاجْلِدُوا كلَّ وَحِدٍ مِّنهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍوَ لا تَأْخُذْكم بهِمَا رَأْفَةٌ فى دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِوَ لْيَشهَدْ عَذَابهُمَا طائفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ‏(2) الزَّانى لا يَنكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشرِكَةً وَ الزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشرِكٌوَ حُرِّمَ ذَلِك عَلى الْمُؤْمِنِينَ‏(3) وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصنَتِ ثمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لهَُمْ شهَدَةً أَبَداًوَ أُولَئك هُمُ الْفَسِقُونَ‏(4) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِك وَ أَصلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏(5) وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَ لَمْ يَكُن لهَُّمْ شهَدَاءُ إِلا أَنفُسهُمْ فَشهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهَدَتِ بِاللَّهِإِنَّهُ لَمِنَ الصدِقِينَ‏(6) وَ الخَْمِسةُ أَنَّ لَعْنَت اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كانَ مِنَ الْكَذِبِينَ‏(7) وَ يَدْرَؤُا عَنهَا الْعَذَاب أَن تَشهَدَ أَرْبَعَ شهَدَتِ بِاللَّهِإِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ‏(8) وَ الخَْمِسةَ أَنَّ غَضب اللَّهِ عَلَيهَا إِن كانَ مِنَ الصدِقِينَ‏(9) وَ لَوْ لا فَضلُ اللَّهِ عَلَيْكمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكيمٌ‏(10)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :78


بيان


غرض السورة ما ينبى‏ء عنه مفتتحها « سورة أنزلناها و فرضناها و أنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون » فهي تذكرة نبذة من الأحكام المفروضة المشرعة ثم جملة من المعارف الإلهية تناسبها و يتذكر بها المؤمنون .


و هي سورة مدنية بلا خلاف و سياق آياتها يشهد بذلك و من غرر الآيات فيها آية النور .


قوله تعالى : « سورة أنزلناها و فرضناها و أنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون » السورة طائفة من الكلام يجمعها غرض واحد سيقت لأجله و لذا اعتبرت تارة نفس الآيات بما لها من المعاني فقيل : « فرضناها » ، و تارة ظرفا لبعض الآيات ظرفية المجموع للبعض فقيل : « أنزلنا فيها آيات بينات » و هي مما وضعه القرآن و سمي به طائفة خاصة من آياته و تكرر استعمالها في كلامه تعالى ، و كأنه مأخوذ من سور البلد و هو الحائط الذي يحيط به سميت به سورة القرآن لإحاطتها بما فيها من الآيات أو بالغرض الذي سيقت له .


و قال الراغب : الفرض قطع الشي‏ء الصلب و التأثير فيه كفرض الحديد و فرض الزند و القوس .


قال : و الفرض كالإيجاب لكن الإيجاب يقال اعتبارا بوقوعه و ثباته ، و الفرض بقطع الحكم فيه ، قال تعالى : « سورة أنزلناها و فرضناها » أي أوجبنا العمل بها عليك .


قال : و كل موضع ورد « فرض الله عليه » ففي الإيجاب الذي أدخله الله فيه ، و ما ورد « فرض الله له » فهو في أن لا يحظره على نفسه نحو « ما كان على النبي » من حرج فيما فرض الله له » .


انتهى .


فقوله : « سورة أنزلناها و فرضناها » أي هذه سورة أنزلناها و أوجبنا العمل بما فيها من الأحكام فالعمل بالحكم الإيجابي هو الإتيان به و بالحكم التحريمي الانتهاء عنه .


و قوله : « و أنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون » المراد بها - بشهادة السياق - آية النور و ما يتلوها من الآيات المبينة لحقيقة الإيمان و الكفر و التوحيد و الشرك المذكرة لهذه المعارف الإلهية .


قوله تعالى : « الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة » الآية ، الزنا


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :79


المواقعة من غير عقد أو شبهة عقد أو ملك يمين ، و الجلد هو الضرب بالسوط و الرأفة التحنن و التعطف و قيل : هي رحمة في توجع ، و الطائفة في الأصل هي الجماعة كانوا يطوفون بالارتحال من مكان إلى مكان قيل : و ربما تطلق على الاثنين و على الواحد .


و قوله : « الزانية و الزاني » إلخ ، أي المرأة و الرجل اللذان تحقق منهما الزنا فاضربوا كل واحد منهما مائة سوط ، و هو حد الزنا بنص الآية غير أنها مخصصة بصور : منها أن يكونا محصنين ذوي زوج أو يكون أحدهما محصنا فالرجم و منها أن يكونا غير حرين أو أحدهما رقا فنصف الحد .


قيل : و قدمت الزانية في الذكر على الزاني لأن الزنا منهن أشنع و لكون الشهوة فيهن أقوى و أكثر ، و الخطابفي الأمر بالجلد متوجه إلى عامة المسلمين فيقوم بمن قام بأمرهم من ذوي الولاية من النبي و الإمام و من ينوب منابه .


و قوله : « و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله » إلخ ، النهي عن الرأفة من قبيل النهي عن المسبب بالنهي عن سببه إذ الرأفة بمن يستحق نوعا من العذاب توجب التساهل في إذاقته ما يستحقه من العذاب بالتخفيف فيه و ربما أدى إلى تركه ، و لذا قيده بقوله : « في دين الله » أي حال كون الرأفة أي المساهلة من جهتها في دين الله و شريعته .


و قيل : المراد بدين الله حكم الله كما في قوله تعالى : « ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك » : يوسف : 76 أي في حكمه أي لا تأخذكم بهما رأفة في إنفاذ حكم الله و إقامة حده .


و قوله : « إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر » أي إن كنتم كذا و كذا فلا تأخذكم بهما رأفة و لا تساهلوا في أمرهما و فيه تأكيد للنهي .


و قوله : « و ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين » أي و ليحضر و لينظر إلى ذلك جماعة منهم ليعتبروا بذلك فلا يقتربوا الفاحشة .


قوله تعالى : « الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة و الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك و حرم ذلك على المؤمنين » ظاهر الآية و خاصة بالنظر إلى سياق ذيلها المرتبط بصدرها أن الذي تشمل عليه حكم تشريعي تحريمي و إن كان صدرها واردا في صورة الخبر فإن المراد النهي تأكيدا للطلب و هو شائع .


و المحصل من معناها بتفسير من السنة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :80


الزاني إذا اشتهر منه الزنا و أقيم عليه الحد و لم تتبين منه التوبة يحرم عليه نكاح غير الزانية و المشركة ، و الزانية إذا اشتهر منها الزنا و أقيم عليها الحد و لم يتبين منها التوبة يحرم أن ينكحها إلا زان أو مشرك .


فالآية محكمة باقية على إحكامها من غير نسخ و لا تأويل ، و تقييدها بإقامة الحد و تبين التوبة مما يمكن أن يستفاد من السياق فإن وقوع الحكم بتحريم النكاح بعد الأمر بإقامة الحد يلوح إلى أن المراد به الزاني و الزانية المجلودان ، و كذا إطلاق الزاني و الزانية على من ابتلي بذلك ثم تاب توبة نصوحا و تبين منه ذلك ، بعيد من دأب القرآن و أدبه .


و للمفسرين في معنى الآية تشاجرات طويلة و أقوال شتى : منها : أن الكلام مسوق للإخبار عما من شأن مرتكبي هذه الفاحشة أن يقصدوه و ذلك أن من خبثت فطرته لا يميل إلا إلى من يشابهه في الخباثة و يجانسه في الفساد و الزاني لا يميل إلا إلى الزانية المشاركة لها في الفحشاء و من هو أفسد منها و هي المشركة ، و الزانية كذلك لا تميل إلا إلى مثلها و هو الزاني و من هو أفسد منه و هو المشرك فالحكم وارد مورد الأعم الأغلب كما قيل في قوله تعالى : « الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات » : الآية : 26 من السورة .


و منها : أن المراد بالآية التقبيح ، و المعنى : أن اللائق بحال الزاني أن لا ينكح إلا زانية أو من هي دونها و هي المشركة و اللائق بحال الزانية أن لا ينكحها إلا زان أو من هو دونه و هو المشرك ، و المراد بالنكاح العقد ، و قوله : « و حرم ذلك على المؤمنين » معطوف على أول الآية ، و المراد و حرم الزنا على المؤمنين .


و فيه و في سابقه مخالفتهما لسياق الآية و خاصة اتصال ذيلها بصدرها كما تقدمت الإشارة إليه .


و منها : أن الآية منسوخة بقوله تعالى : « و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم و إمائكم » .


و فيه أن النسبة بين الآيتين نسبة العموم و الخصوص و العام الوارد بعد الخاص لا ينسخه خلافا لمن قال به نعم ربما أمكن أن يستفاد النسخ من قوله تعالى : « و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن و لأمة مؤمنة خير من مشركة و لو أعجبتكم و لا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا و لعبد مؤمن خير من مشرك و لو أعجبكم أولئك


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :81


يدعون إلى النار و الله يدعوا إلى الجنة و المغفرة بإذنه » : البقرة : 221 ، بدعوى أن الآية و إن كانت من العموم بعد الخصوص لكن لسانها آب عن التخصيص فتكون ناسخة بالنسبة إلى جواز النكاح بين المؤمن و المؤمنة و المشرك و المشركة ، و قد ادعى بعضهم أن نكاح الكافر للمسلمة كان جائزا إلى سنة ست من الهجرة ثم نزل التحريم فلعل الآية التي نحن فيها نزلت قبل ذلك ، و نزلت آية التحريم بعدها و في الآية أقوال أخر تركنا إيرادها لظهور فسادها .


قوله تعالى : « و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة » إلخ الرمي معروف ثم استعير لنسبة أمر غير مرضي إلى الإنسان كالزنا و السرقة و هو القذف ، و السياق يشهد أن المراد به نسبة الزنا إلى المرأة المحصنة العفيفة ، و المراد بالإتيان بأربعة شهداء و هم شهود الزنا إقامة الشهادة لإثبات ما قذف به ، و قد أمر الله تعالى بإقامة الحد عليهم إن لم يقيموا الشهادة ، و حكم بفسقهم و عدم قبول شهادتهم أبدا .


و المعنى : و الذين يقذفون المحصنات من النساء بالزنا ثم لم يقيموا أربعة من الشهود على صدقهم في قذفهم فاجلدوهم ثمانين جلدة على قذفهم و هم فاسقون لا تقبلوا شهادتهم على شي‏ء أبدا .


و الآية كما ترى مطلقة تشمل من القاذف الذكر و الأنثى و الحر و العبد ، و بذلك تفسرها روايات أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) .


قوله تعالى : « إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم » الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة و هي قوله : « و أولئك هم الفاسقون » لكنها لما كانت تفيد معنى التعليل بالنسبة إلى قوله : « و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا » - على ما يعطيه السياق - كان لازم ما تفيده من ارتفاع الحكم بالفسق ارتفاع الحكم بعدم قبول الشهادةأبدا ، و لازم ذلك رجوع الاستثناء بحسب المعنى إلى الجملتين معا .


و المعنى : إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا أعمالهم فإن الله غفور رحيم يغفر ذنبهم و يرحمهم فيرتفع عنهم الحكم بالفسق و الحكم بعدم قبول شهادتهم أبدا .


و ذكر بعضهم : أن الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة فحسب فلو تاب القاذف


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :82


و أصلح بعد إقامة الحد عليه غفر له ذنبه لكن لا تقبل شهادته أبدا خلافا لمن قال برجوع الاستثناء إلى الجملتين معا .


و الظاهر أن خلافهم هذا مبني على المسألة الأصولية المعنونة بأنالاستثناء الواقع بعد الجمل المتعددة هل يتعلق بالجميع أو بالجملة الأخيرة و الحق في المسألة أن الاستثناء في نفسه صالح للأمرين جميعا و تعين أحدهما منوط بما تقتضيه قرائن الكلام ، و الذي يعطيه السياق في الآية التي نحن فيها تعلق الاستثناء بالجملة الأخيرة غير أن إفادتها للتعليل تستلزم تقيد الجملة السابقة أيضا بمعناه كالأخيرة على ما تقدم .


قوله تعالى : « و الذين يرمون أزواجهم و لم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم - إلى قوله - من الكاذبين » أي لم يكن لهم شهداء يشهدون ما شهدوا فيتحملوا الشهادة ثم يؤدوها إلا أنفسهم ، و قوله : « فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله » أي شهادة أحدهم يعني القاذف و هو واحد أربع شهادات متعلقة بالله إنه لمن الصادقين فيما يخبر به من القذف .


و معنى الآيتين : و الذين يقذفون أزواجهم و لم يكن لهم أربعة من الشهداء يشهدون ما شهدوا - و من طبع الأمر ذلك على تقدير صدقهم إذ لو ذهبوا يطلبون الشهداء ليحضروهم على الواقعة فيشهدوهم عليها فات الغرض بتفرقهما - فالشهادة التي يجب على أحدهم أن يقيمها هي أن يشهد أربع شهادات أي يقول مرة بعد مرة : « أشهد الله على صدقي فيما أقذفه به » أربع مرات و خامستها أن يشهد و يقول : لعنةالله علي إن كنت من الكاذبين .


قوله تعالى : « و يدرؤا عنها العذاب أن تشهد » إلى آخر الآيتين ، الدرء الدفع و المراد بالعذاب حد الزنا ، و المعنى أن المرأة إن شهدت خمس شهادات بإزاء شهادات الرجل دفع ذلك عنه حد الزنا ، و شهاداتها أن تشهد أربع مرات تقول فيها : أشهد بالله إنه لمن الكاذبين ثم تشهد خامسة فتقول : لعنة الله علي إن كان من الصادقين ، و هذا هو اللعان الذي ينفصل به الزوجان .


قوله تعالى : « و لو لا فضل الله عليكم و رحمته و أن الله تواب حكيم » جواب لو لا محذوف يدل عليه ما أخذ في شرطه من القيود إذ معناه لو لا فضل الله و رحمته و توبته


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :83


و حكمته لحل بكم ما دفعته عنكم هذه الصفات و الأفعال فالتقدير على ما يعطيه ما في الشرط من القيود لو لا ما أنعم الله عليكم من نعمة الدين و توبته لمذنبيكم و تشريعه الشرائع لنظم أمور حياتكم لزمتكم الشقوة ، و أهلكتكم المعصية و الخطيئة ، و اختل نظام حياتكم بالجهالة .


و الله أعلم .


بحث روائي


في الكافي ، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في حديث قال : و سورة النور أنزلت بعد سورة النساء ، و تصديق ذلك أن الله عز و جل أنزل عليه في سورة النساء « و اللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم - فاستشهدوا عليهن أربعة منكم - فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت - حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا » و السبيل الذي قال الله عز و جل « سورة أنزلناها و فرضناها - و أنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة - و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله - إن كنتم آمنتم بالله و اليوم الآخر - و ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين » . و في تفسير القمي ، و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله : « و ليشهد عذابهما » يقول : ضربهما « طائفة من المؤمنين » يجمع لهما الناس إذا جلدوا .


و في التهذيب ، بإسناده عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله » قال : في إقامة الحدود ، و في قوله تعالى : « و ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين » قال : الطائفة واحد . و في الكافي ، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في حديث قال : و أنزل بالمدينة « الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة - و الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك - و حرم ذلك على المؤمنين » فلم يسم الله الزاني مؤمنا و لا الزانية مؤمنة ، و قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليس يمتري فيه أهل العلم أنه قال لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن ، و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه الإيمان كخلع القميص . و فيه ، بإسناده عن زرارة قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل :


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :84


«الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة » قال : هن نساء مشهورات و رجال مشهورون بالزنا شهروا به ، و عرفوا به و الناس اليوم بذلك المنزل فمن أقيم عليه حد الزنا أو متهم بالزنا لم ينبغ لأحد أن يناكحه حتى يعرف منه التوبة : أقول : و رواه أيضا بإسناده عن أبي الصباح عنه (عليه‏السلام‏) مثله ، و بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) و لفظه : هم رجال و نساء كانوا على عهد رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مشهورين بالزنا فنهى الله عن أولئك الرجال و النساء ، و الناس اليوم على تلك المنزلة من شهر شيئا من ذلك أقيم عليه الحد فلا تزوجوه حتى تعرفوا توبته . و فيه ، بإسناده عن حكم بن حكيم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في الآية قال : إنما ذلك في الجهر ثم قال : لو أن إنسانا زنى ثم تاب تزوج حيث شاء . و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و عبد بن حميد و النسائي و الحاكم و صححه و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي في سننه و أبو داود في ناسخه عن عبد الله بن عمر قال : كانت امرأة يقال لها : أم مهزول ، و كانت تسافح الرجل و تشرط أن تنفق عليه فأراد رجل من أصحاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يزوجها فأنزل الله : « الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك » . أقول : و روي ما يقرب منه عن عدة من أصحاب الجوامع عن مجاهد .


و فيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال : لما قدم المهاجرون المدينة قدموها و هم بجهد إلا قليل منهم ، و المدينة غالية السعر شديدة الجهد ، و في السوق زوان متعالنات من أهل الكتاب ، و أما الأنصار منهن أمية وليدة عبد الله بن أبي و نسيكة بنت أمية لرجل من الأنصار في بغايا من ولائد الأنصار قد رفعت كل امرأة منهن علامة على بابها ليعرف أنها زانية و كن من أخصب أهل المدينة و أكثره خيرا . فرغب أناس من مهاجري المسلمين فيما يكتسبن للذي هم فيه من الجهد فأشار بعضهم على بعض لو تزوجنا بعض هؤلاء الزواني فنصيب من بعض أطعماتهن فقال بعضهم : نستأمر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأتوه فقالوا : يا رسول الله قد شق علينا الجهد و لا نجد ما نأكل ، و في السوق بغايا نساء أهل الكتاب و ولائدهن و ولائد الأنصار يكتسبن لأنفسهن فيصلح لنا أن نتزوج منهن فنصيب من فضول ما يكتسبن فإذا وجدنا عنهن


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :85


غنى تركناهن فأنزل الله : « الزاني لا ينكح » الآية « فحرم على المؤمنين أن يتزوجوا الزواني المسافحات العالنات زناهن . أقول : و الروايتان إنما تذكران سبب نزول قوله : « الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك » دون قوله : « الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة » .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « إلا الذين تابوا اختلف في هذا الاستثناء إلى ما ذا يرجع على قولين : أحدهما أنه يرجع إلى الفسق خاصة دون قوله : « و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا » إلى أن قال و الآخر أن الاستثناء يرجع إلى الأمرين فإذا تاب قبلت شهادته حد أم لم يحد عن ابن عباس إلى أن قال و قول أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) . و في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال : شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة بالزنا و نكل زياد فحد عمر الثلاثة ، و قال لهم : توبوا تقبل شهادتكم فتاب رجلان و لم يتب أبو بكرة فكان لا تقبل شهادته ، و كان أبو بكرة أخا زياد لأمه فلما كان من أمر زياد ما كان حلف أبو بكرة أن لا يكلمه أبدا فلم يكلمه حتى مات .


و في التهذيب ، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : إذا قذف العبد الحر جلد ثمانين . و قال : هذا من حقوق الناس .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و الذين يرمون أزواجهم إلى قوله - إن كان من الصادقين » فإنها نزلت في اللعان فكان سبب ذلك أنه لما رجع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من غزوة تبوك جاءإليه عويمر بن ساعدة العجلاني و كان من الأنصار و قال : يا رسول الله إن امرأتي زنى بها شريك بن السمحاء و هي منه حامل فأعرض عنه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأعاد عليه القول فأعرض عنه حتى فعل ذلك أربع مرات . فدخل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) منزله فنزلت عليه آية اللعان فخرج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و صلى بالناس العصر ، و قال لعويمر : ائتني بأهلك فقد أنزل الله عز و جل فيكما قرآنا فجاء إليها و قال لها : رسول الله يدعوك و كانت في شرف من قومها فجاء معها جماعة فلما دخلت المسجد قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لعويمر : تقدم إلى المنبر و التعنا فقال : كيف


الميزان في تفسير القرآن ج : 15 ص :86


أصنع ؟ فقال : تقدم و قل : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به فتقدم و قالها ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أعدها فأعادها حتى فعل ذلك أربع مرات فقال له في الخامسة : عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به فقال في الخامسة إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به . ثم قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إن اللعنة موجبة إن كنت كاذبا . ثم قال له : تنح فتنحى ثم قال لزوجته : تشهدين كما شهد ، و إلا أقمت عليك حد الله فنظرت في وجوه قومها فقالت : لا أسود هذه الوجوه في هذه العشية فتقدمت إلى المنبر و قالت : أشهد بالله أن عويمر بن ساعدة من الكاذبين فيما رماني ، فقال لها رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أعيديها فأعادتها حتى أعادتها أربع مرات ، فقال لها رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : العني نفسك في الخامسة إن كان من الصادقين فيما رماك به ، فقالت في الخامسة إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ويلك إنها موجبة إن كنت كاذبة . ثم قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لزوجها : اذهب فلا تحل لك أبدا . قال : يا رسول الله فمالي الذي أعطيتها . قال : إن كنت كاذبا فهو أبعد لك منه ، و إن كنت صادقا فهو لها بما استحللت من فرجها .


الحديث .


و في المجمع ، في رواية عكرمة عن ابن عباس : قال سعد بن عبادة لو أتيت لكاع و قد يفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته و يذهب ، و إن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة . فقال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يا معشر الأنصار ما تسمعون إلى ما قال سيدكم ؟ فقالوا : لا تلمه فإنه رجل غيور ما تزوج امرأة قط إلا بكرا ، و لا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها ، فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله بأبي أنت و أمي و الله إني لأعرف أنها من الله و أنها حق و لكن عجبت من ذلك لما أخبرتك ، فقال : فإن الله يأبى إلا ذلك ، فقال : صدق الله و رسوله . فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له : هلال بن أمية من حديقة له قد رأى رجلا مع امرأته فلما أصبح غدا إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : إني جئت أهلي


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :87


عشاء فوجدت معها رجلا رأيته بعيني و سمعته بأذني ، فكره رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حتى رئي الكراهة في وجهه فقال هلال : إني لأرى الكراهة في وجهك و الله يعلم إني لصادق ، و إني لأرجو أن يجعل الله فرجا فهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بضربه . قال : و اجتمعت الأنصار و قالوا : ابتلينا بما قال سعد أ يجلد هلال و يبطل شهادته ؟ فنزل الوحي و أمسكوا عن الكلام حين عرفوا أن الوحي قد نزل فأنزل الله تعالى : « و الذين يرمون أزواجهم » الآيات . فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أبشر يا هلال فإن الله تعالى قد جعل فرجا فقال : قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى ، فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أرسلوا إليها فجاءت فلاعن بينهما فلما انقضى اللعان فرق بينهما و قضى أن الولد لها و لا يدعى لأب و لا يرمى ولدها . ثم قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إن جاءت به كذا و كذا فهو لزوجها و إن جاءت به كذا و كذا فهو للذي قيل فيه : . أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن عدة من أرباب الجوامع عن ابن عباس .


إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالافْكِ عُصبَةٌ مِّنكمْلا تحْسبُوهُ شرًّا لَّكُمبَلْ هُوَ خَيرٌ لَّكمْلِكلّ‏ِ امْرِىٍ مِّنهُم مَّا اكْتَسب مِنَ الاثْمِوَ الَّذِى تَوَلى كِبرَهُ مِنهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏(11) لَّوْ لا إِذْ سمِعْتُمُوهُ ظنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَت بِأَنفُسِهِمْ خَيراً وَ قَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ‏(12) لَّوْ لا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شهَدَاءَفَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشهَدَاءِ فَأُولَئك عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ‏(13) وَ لَوْ لا فَضلُ اللَّهِ عَلَيْكمْ وَ رَحْمَتُهُ فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ لَمَسكمْ فى مَا أَفَضتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏(14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكم مَّا لَيْس لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَ تحْسبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ‏(15) وَ لَوْ لا إِذْ سمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكلَّمَ بهَذَا سبْحَنَك هَذَا بهْتَنٌ عَظِيمٌ‏(16) يَعِظكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏(17) وَ يُبَينُ اللَّهُ لَكُمُ الاَيَتِوَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏(18) إِنَّ الَّذِينَ يحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَحِشةُ فى الَّذِينَ ءَامَنُوا لهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِوَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏(19) وَ لَوْ لا فَضلُ اللَّهِ عَلَيْكمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ‏(20) × يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطوَتِ الشيْطنِوَ مَن يَتَّبِعْ خُطوَتِ الشيْطنِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَ الْمُنكَرِوَ لَوْ لا فَضلُ اللَّهِ عَلَيْكمْ وَ رَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنكم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لَكِنَّ اللَّهَ يُزَكى مَن يَشاءُوَ اللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ‏(21) وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضلِ مِنكمْ وَ السعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولى الْقُرْبى وَ الْمَسكِينَ وَ الْمُهَجِرِينَ فى سبِيلِ اللَّهِوَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصفَحُواأَ لا تحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكمْوَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏(22) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُوا فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ لهَُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏(23) يَوْمَ تَشهَدُ عَلَيهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُم بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ‏(24) يَوْمَئذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ‏(25) الخَْبِيثَت لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَتِوَ الطيِّبَت لِلطيِّبِينَ وَ الطيِّبُونَ لِلطيِّبَتِأُولَئك مُبرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَلَهُم مَّغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كرِيمٌ‏(26)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :88


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :89


بيان


الآيات تشير إلى حديث الإفك ، و قد روى أهل السنة أن المقذوفة في قصة الإفك هي أم المؤمنين عائشة ، و روت الشيعة أنها مارية القبطية أم إبراهيم التي أهداها مقوقس ملك مصر إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و كل من الحديثين لا يخلو عن شي‏ء على ما سيجي‏ء في البحث الروائي الآتي .


فالأحرى أن نبحث عن متن الآيات في معزل من الروايتين جميعا غير أن من المسلم أن الإفك المذكور فيها كان راجعا إلى بعض أهل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إما زوجه و إما أم ولده و ربما لوح إليه قوله تعالى : « و تحسبونه هينا و هو عند الله عظيم » و كذا ما يستفاد من الآيات أن الحديث كان قد شاع بينهم و أفاضوا فيه و سائر ما يومى‏ء إليه من الآيات .


و المستفاد من الآيات أنهم رموا بعض أهل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالفحشاء، و كان الرامون عصبة من القوم فشاع الحديث بين الناس يتلقاه هذا من ذاك ، و كان بعض المنافقين أو الذين في قلوبهم مرض يساعدون على إذاعة الحديث حبا منهم أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فأنزل الله الآيات و دافع عن نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


قوله تعالى : « إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم » إلخ ، الإفك على ما ذكره الراغب الكذب مطلقا و الأصل في معناه أنه كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه كالاعتقاد المصروف عن الحق إلى الباطل - و الفعل المصروف عن الجميل إلى القبيح ، و القول المصروف عن الصدق إلى الكذب ، و قد استعمل في كلامه تعالى في جميع هذه المعاني .


و ذكر أيضا أن العصبة جماعة متعصبة متعاضدة ، و قيل : إنها عشرة إلى أربعين .


و الخطاب في الآية و ما يتلوها من الآيات لعامة المؤمنين ممن ظاهره الإيمان أعم من المؤمن بحقيقة الإيمان و المنافق و من في قلبه مرض ، و أما قول بعضهم : إن المخاطب


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :90


بالخطابات الأربعة الأول أو الثاني و الثالث و الرابع النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المقذوفة و المقذوف ففيه تفكيك بين الخطابات الواقعة في الآيات العشر الأول و هي نيف و عشرون خطابا أكثرها لعامة المؤمنين بلا ريب .


و أسوأ حالا منه قول بعض آخر إن الخطابات الأربعة أو الثلاثة المذكورة لمن ساءه ذلك من المؤمنين فإنه مضافا إلى استلزامه التفكيك بين الخطابات المتوالية مجازفة ظاهرة .


و المعنى : إن الذين أتوا بهذا الكذب - و اللام في الإفك للعهد - جماعة معدودة منكم مرتبط بعضهم ببعض ، و في ذلك إشارة إلى أن هناك تواطؤا منهم على إذاعة هذا الخبر ليطعنوا به في نزاهة بيت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و يفضحوه بين الناس .


و هذا هو فائدة الخبر في قوله : « إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم » لا تسلية النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو تسليته و تسلية من ساءه هذا الإفك كما ذكره بعضهم فإن السياق لا يساعد عليه .


و قوله : « لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم » مقتضى كون الخطاب لعامة المؤمنين أن يكون المراد بنفي كونه شرا لهم و إثبات كونه خيرا أن المجتمع الصالح من سعادته أن يتميز فيه أهل الزيغ و الفساد ليكونوا على بصيرة من أمرهم و ينهضوا لإصلاح ما فسد من أعضائهم ، و خاصة في مجتمع ديني متصل بالوحي ينزل عليهم الوحي عند وقوع أمثال هذه الوقائع فيعظهم و يذكرهم بما هم في غفلة منه أو مساهلة حتى يحتاطوا لدينهم و يتفطنوا لما يهمهم .


و الدليل على ما ذكرنا قوله بعد : « لكل امرى‏ء منهم ما اكتسب من الإثم » فإن الإثم هو الأثر السيى‏ء الذي يبقى للإنسان عن اقتراف المعصية فظاهر الجملة أن أهل الإفك الجائين به يعرفون بإثمه و يتميزون به عندكم فيفتضحون به بدل ما أرادوا أن يفضحوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و أما قول من قال : إن المراد بكونه خيرا لهم أنهم يثابون بما اتهموهم بالإفك كما أن أهل الإفك يتأثمون به فمبني على كون الخطاب للمتهمين خاصة و قد عرفت فساده .


و قوله : « و الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم » فسروا كبره بمعنى معظمه


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :91


و الضمير للإفك ، و المعنى : و الذي تولى معظم الإفك و أصر على إذاعته بين الناس من هؤلاء الآفكين له عذاب عظيم .


قوله تعالى : « لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم خيرا و قالوا هذا إفك مبين » توبيخ لهم إذ لم يردوا الحديث حينما سمعوه و لم يظنوا بمن رمي به خيرا .


و قوله : « ظن المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم » من وضع الظاهر موضع المضمر ، و الأصل « ظننتم بأنفسكم » و الوجه في تبديل الضمير وصفا الدلالة على علة الحكم فإن صفة الإيمان رادعة بالطبع تردع المتلبس بها عن الفحشاء و المنكر في القول و الفعل فعلى المتلبس بها أن يظن على المتلبسين بها خيرا ، و أن يجتنب القول فيهم بغير علم فإنهم جميعا كنفس واحدة في التلبس بالإيمان و لوازمه و آثاره .


فالمعنى : و لو لا إذ سمعتم الإفك ظننتم بمن رمي به خيرا فإنكم جميعا مؤمنون بعضكم من بعض و المرمي به من أنفسكم و على المؤمن أن يظن بالمؤمن خيرا و لا يصفه بما لا علم له به .


و قوله : « قالوا هذا إفك مبين » أي قال المؤمنون و المؤمنات و هم السامعون - أي قلتم - هذا إفك مبين لأن الخبر الذي لا علم لمخبره به و الدعوى التي لا بينة لمدعيها عليها محكوم شرعا بالكذب سواء كان بحسب الواقع صدقا أو كذبا ، و الدليل عليه قوله في الآية التالية : « فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون » .


قوله تعالى : « لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون » أي لو كانوا صادقين فيما يقولون و يرمون لأقاموا عليه الشهادة و هي في الزنا بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فهم محكومون شرعا بالكذب لأن الدعوى من غير بينة كذب و إفك .


قوله تعالى : « و لو لا فضل الله عليكم و رحمته في الدنيا و الآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم » إفاضة القوم في الحديث خوضهم فيه .


و قوله : « و لو لا فضل الله » إلخ ، عطف على قوله : « لو لا إذ سمعتموه » إلخ ، و فيه كرة ثانية على المؤمنين ، و في تقييد الفضل و الرحمة بقوله : « في الدنيا و الآخرة » دلالة على كون العذاب المذكور ذيلا هو عذاب الدنيا و الآخرة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :92


و المعنى : و لو لا فضل الله عليكم و رحمته في الدنيا و الآخرة لوصل إليكم بسبب ما خضتم فيه من الإفك عذاب عظيم في الدنيا و الآخرة .


قوله تعالى : « إذ تلقونه بألسنتكم و تقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم » إلخ ، الظرف متعلق بقوله : « أفضتم » و تلقي الإنسان القول أخذه القول الذي ألقاه إليه غيره ، و تقييد التلقي بالألسنة للدلالة على أنه كان مجرد انتقال القول من لسان إلى لسان من غير تثبت و تدبر فيه .


و على هذا فقوله : « و تقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم » من قبيل عطف التفسير ، و تقييده أيضا بقوله : « بأفواهكم » للإشارة إلى أن القول لم يكن عن تثبت و تبين قلبي و لم يكن له موطن إلا الأفواه لا يتعداها .


و المعنى : أفضتم و خضتم فيه إذ تأخذونه و تنقلونه لسانا عن لسان و تتلفظون بما لا علم لكم به .


و قوله : « و تحسبونه هينا و هو عند الله عظيم » أي تظنون التلقي بألسنتكم و القول بأفواهكم من غير علم سهلا و هو عند الله عظيم لأنه بهتان و افتراء ، على أن الأمر مرتبط بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و شيوع إفك هذا شأنه بين الناس يفضحه عندهم و يفسد أمر الدعوة الدينية .


قوله تعالى : « و لو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم » عطف بعد عطف على قوله : « لو لا إذ سمعتموه » إلخ ، و فيه كرة ثالثة على المؤمنين بالتوبيخ ، و قوله : « سبحانك » اعتراض بالتنزيه لله سبحانه و هو من أدب القرآن أن ينزه الله بالتسبيح عند تنزيه كل منزه .


و البهتان الافتراء سمي به لأنه يبهت الإنسان المفتري عليه و كونه بهتانا عظيما لأنه افتراء في عرض و خاصة إذ كان متعلقه بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و إنما كان بهتانا لكونه إخبارا من غير علم و دعوى من غير بينة كما تقدم في قوله : « فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون » و معنى الآية ظاهر .


قوله تعالى : « يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا » إلى آخر الآيتين موعظة بالنهي عن العود لمثله ، و معنى الآيتين ظاهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :93


قوله تعالى : « إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا » إلى آخر الآية إن كانت الآية نازلة في جملة آيات الإفك و متصلة بما تقدمها و موردها الرمي بالزنا بغير بينة كان مضمونها تهديد الرامين المفيضين في الإفك لكونه فاحشة و إشاعته في المؤمنين حبا منهم لشيوع الفاحشة .


فالمراد بالفاحشة مطلق الفحشاء كالزنا و القذف و غير ذلك .


و حب شيوعها و منها القذف في المؤمنين يستوجب عذابا أليما لمحبيه في الدنيا و الآخرة .


و على هذا فلا موجب لحمل العذاب في الدنيا على الحد إذ حب شيوع الفحشاء ليس مما يوجب الحد ، نعم لو كان اللام في « الفاحشة » للعهد و المراد بها القذف و كان حب الشيوع كناية عن قصة الشيوع بالإفاضه و التلقي بالألسن و النقل أمكن حمل العذاب على الحد لكن السياق لا يساعد عليه .


على أن الرمي بمجرد تحققه مرة موجب للحد و لا موجب لتقييده بقصد الشيوع و لا نكتة تستدعي ذلك .


و قوله : « و الله يعلم و أنتم لا تعلمون » تأكيد و إعظام لما فيه من سخط الله و غضبه و إن جهله الناس .


قوله تعالى : « و لو لا فضل الله عليكم و رحمته » تكرارا للامتنان و معناه ظاهر .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان و من يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء و المنكر » تقدم تفسير الآية في الآية 208 من سورة البقرة في الجزء الثاني من الكتاب .


قوله تعالى : « و لو لا فضل الله عليكم و رحمته ما زكى منكم من أحد أبدا » إلى آخر الآية .


رجوع بعد رجوع إلى الامتنان بالفضل و الرحمة ، لا يخلو هذا الاهتمام من تأييد لكون الإفك متعلق بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و ليس إلا لكرامته على الله سبحانه .


و قد صرح في هذه المرة الثالثة بجواب لو لا و هو قوله : « ما زكى منكم من أحد أبدا » و هذا مما يدل عليهالعقل فإن مفيض الخير و السعادة هو الله سبحانه ، و التعليم القرآني أيضا يعطيه كما قال تعالى : « بيدك الخير » : آل عمران : 26 ، و قال : « ما أصابك من حسنة فمن الله » : النساء : 79 .


و قوله : « و لكن الله يزكي من يشاء و الله سميع عليم » إضراب عما تقدمه فهو تعالى يزكي من يشاء فالأمر إلى مشيته ، و لا يشاء إلا تزكية من استعد لها و سأله بلسان استعداده


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :94


ذلك ، و إليه يشير قوله : « و الله سميع عليم » أي سميع لسؤال من سأله التزكية عليم بحال من استعد لها .


قوله تعالى : «و لا يأتل أولوا الفضل منكم و السعة أن يؤتوا أولي القربى و المساكين و المهاجرين في سبيل الله » إلخ ، الايتلاء التقصير و الترك و الحلف ، و كل من المعاني الثلاثة لا يخلو من مناسبة ، و المعنى لا يقصر أولوا الفضل منكم و السعة يعني الأغنياء في إيتاء أولي القرابة و المساكين و المهاجرين في سبيل الله من مالهم أو لا يترك إيتاءهم أو لا يحلف أن لا يؤتيهم - و ليعفوا عنهم و ليصفحوا - ثم حرضهم بقوله : « أ لا تحبون أن يغفر الله لكم و الله غفور رحيم » .


و في الآية - على تقدير نزولها في جملة الآيات و اتصالها بها - دلالة على أن بعض المؤمنين عزم على أن يقطع ما كان يؤتيه بعض أهل الإفك فنهاه الله عن ذلك و حثه على إدامة الإيتاء كما سيجي‏ء .


قوله تعالى : « إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم » أخذ الصفات الثلاث الإحصان و الغفلة و الإيمان للدلالة على عظم المعصية فإن كلا من الإحصان بمعنى العفة و الغفلة و الإيمان سبب تام في كون الرمي ظلما و الرامي ظالما و المرمية مظلومة فإذا اجتمعت كان الظلم أعظم ثم أعظم ، و جزاؤه اللعن في الدنيا و الآخرة و العذاب العظيم ، و الآية عامة و إن كان سبب نزولها لو نزلت في جملة آيات الإفك خاصا .


قوله تعالى : « يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون » الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة : « و لهم عذاب عظيم » .


و المراد بقوله : « بما كانوا يعملون » كما يقتضيه إطلاقه مطلق الأعمال السيئة - كما قيل - لا خصوص الرمي بأن تشهد ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم على رميهم فالمراد بالشهادة شهادة الأعضاء على السيئات و المعاصي بحسب ما يناسبها فما كان منها من قبيل الأقوال كالقذف و الكذب و الغيبة و نحوها شهدت عليه الألسنة ، و ما كان منها من قبيل الأفعال كالسرقة و المشي للنميمة و السعاية و غيرهما شهدت عليه بقية الأعضاء ، و إذ كان معظم المعاصي من الأفعال للأيدي و الأرجل اختصتا بالذكر .


و بالحقيقة الشاهد على كل فعل هو العضو الذي صدر منه كما يشير إليه قوله تعالى :


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :95


«شهد عليهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم بما كانوا يعملون » : حم السجدة : 20 ، و قوله : « إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا » : إسراء - 36 ، و قوله : « اليوم نختم على أفواههم و تكلمنا أيديهم و تشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون » : يس : 65 ، و سيأتي الكلامعلى شهادة الأعضاء يوم القيامة في بحث مستقل في تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله تعالى .


قوله تعالى : « يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق و يعلمون أن الله هو الحق المبين » المراد بالدين الجزاء كما في قوله : « مالك يوم الدين » : الحمد : 4 ، و توفية الشي‏ء بذله تاما كاملا ، و المعنى : يوم القيامة يؤتيهم الله جزاءهم الحق إيتاء تاما كاملا و يعلمون أن الله هو الحق المبين » .


هذا بالنظر إلى اتصال الآية بما قبلها و وقوعها في سياق ما تقدمها ، و أما بالنظر إلى استقلالها في نفسها فمن الممكن أن يراد بالدين ما يرادف الملة و هو سنة الحياة ، و هو معنى عال يرجع إلى ظهور الحقائق يوم القيامة للإنسان ، و يكون أكثر مناسبة لقوله : « و يعلمون أن الله هو الحق المبين » .


و الآية من غرر الآيات القرآنية تفسر معنى معرفة الله فإن قوله : « و يعلمون أن الله هو الحق المبين » ينبى‏ء أنه تعالى هو الحق لا سترة عليه بوجه من الوجوه و لا على تقدير من التقادير فهو من أبده البديهيات التي لا يتعلق بها جهل لكن البديهي ربما يغفل عنه فالعلم به تعالى هو ارتفاع الغفلة عنه الذي ربما يعبر عنه بالعلم ، و هذا هو الذي يبدو لهم يوم القيامة فيعلمون أن الله هوالحق المبين .


و إلى مثله يشير قوله تعالى : « لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد » : ق : 22 .


قوله تعالى : « الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات و الطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات » إلخ ذيل الآية « أولئك مبرءون مما يقولون » دليل على أن المراد بالخبيثات و الخبيثين و الطيبات و الطيبين نساء و رجال متلبسون بالخباثة و الطيب فالآية من تمام آيات الإفك متصلة بها مشاركة لها في سياقها ، و هي عامة لا مخصص لها من جهة اللفظ البتة .


فالمراد بالطيب الذي يوجب كونهم مبرءين مما يقولون على ما تدل عليه الآيات


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :96


السابقة هو المعنى الذي يقتضيه تلبسهم بالإيمان و الإحصان فالمؤمنون و المؤمنات مع الإحصان طيبون و طيبات يختص كل من الفريقين بصاحبه ، و هم بحكم الإيمان و الإحصان مصونون مبرءون شرعا من الرمي بغير بينة ، محكومون من جهة إيمانهم بأن لهم مغفرة كما قال تعالى : « و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم » : الأحقاف : 31 و لهم رزق كريم ، و هو الحياة الطيبة في الدنيا و الأجر الحسن في الآخرة كما قال : « من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون » : النحل : 97 .


و المراد بالخبث في الخبيثين و الخبيثات و هم غير المؤمنين هو الحال المستقذرة التي يوجبها لهم تلبسهم بالكفر و قد خصت خبيثاتهم بخبيثهم و خبيثوهم بخبيثاتهم بمقتضى المجانسة و المسانخة و ليسوا بمبرءين عن التلبس بالفحشاء - نعم هذا ليس حكما بالتلبس - .


فظهر بما تقدم : أولا : أن الآية عامة بحسب اللفظ تصف المؤمنين و المؤمنات بالطيب و لا ينافي ذلك اختصاص سبب نزولها و انطباقها عليه .


و ثانيا : أنها تدل على كونهم جميعا محكومين شرعا بالبراءة عما يرمون به ما لم تقم عليه بينة .


و ثالثا : أنهم محكومون بالمغفرة و الرزق الكريم كل ذلك حكم ظاهري لكرامتهم على الله بإيمانهم ، و الكفار على خلاف ذلك .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق و أحمد و البخاري و عبد بن حميد و مسلم و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي في الشعب عن عائشة قالت : كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) معه . قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسولالله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بعد ما نزل الحجاب و أنا أحمل في هودجي و أنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من غزوته تلك و قفل .


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :97


فدنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فالتمست عقدي و حبسني ابتغاؤه و أقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب ، و هم يحسبون أني فيه ، و كانت النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم إنما تأكل المرأة العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه و كنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل فساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم و ليس بها داع و لا مجيب فيممت منزلي الذي كنت به فظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزل غلبتني عيني فنمت . و كان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكراني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني و كان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي و الله ما كلمني كلمة واحدة و لا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطى‏ء على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك . و كان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا و الناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشي‏ء من ذلك ، و هو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكى إنما يدخل علي فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني


الميزان في تفسير القرآن ج: 15ص :98


و لا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت و خرجت معي أم مسطح قبل المناصع و هي متبرزنا و كنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، و ذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا و أمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا . فانطلقت أنا و أم مسطح فأقبلت أنا و أم مسطح قبل بيتي قد أشرعنا من ثيابنا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئس ما قلت أ تسبين رجلا شهد بدرا ؟ قالت : أي هنتاه أ و لم تسمعي ما قال ؟ قلت : و ما قال : فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي . فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فسلم ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلت : أ تأذن لي أن آتي أبوي ؟ قالت : و أنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت : فأذن لي رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فجئت لأبوي فقلت لأمي : يا أمتاه ما يتحدث الناس ؟ قالت يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها و لها ضرائر إلا أكثرن عليها فقلت : سبحان الله و لقد تحدث الناس بهذا ؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع و لا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي . و دعا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) علي بن أبي طالب و أسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله ، فأما أسامة فأشار على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالذي يعلم من براءة أهله و بالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال : يا رسول الله أهلك و لا نعلم إلا خيرا ، و أما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك ، و النساء سواها كثيرة و إن تسأل الجارية تصدقك ، فدعا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بريرة فقال : أي بريرة هل رأيت شيئا يريبك ؟ قالت بريرة : لا و الذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمضه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن فيأكله .


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :99


فقام رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي فقال و هو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، و لقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا و ما كان يدخل على أهلي إلا معي . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه و إن كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتنا ففعلناأمرك ، فقام سعد بن عبادة و هو سيد الخزرج و كان قبل ذلك رجلا صالحا و لكن احتملته الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله ما تقتله و لا تقدر على قتله ، فقام أسيد بن حضير و هو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة : كذبت لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين ، فتثاورا الحيان : الأوس و الخزرج حتى هموا أن يقتتلوا و رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قائم على المنبر فلم يزل رسول ص يخفضهم حتى سكتوا و سكت . فبكيت يومي ذلك فلا يرقأ لي دمع و لا أكتحل بنوم فأصبح أبواي عندي و قد بكيت ليلتين و يوما لا أكتحل بنوم و لا يرقأ لي دمع و أبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي . فبينما هما جالسان عندي و أنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ثم جلس و لم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل قبلها و قد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشي‏ء ، فتشهد حين جلس ثم قال : أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا و كذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، و إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله و توبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه . فلما قضى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب عني رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) . قال : و الله ما أدري ما أقول لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، قالت : و الله ما أدري ما أقول لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :100


فقلت و أنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن : إني و الله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم و صدقتم به فلئن قلت لكم : إني بريئة و الله يعلم أني بريئة لا تصدقوني ، و لئن اعترفت لكم بأمر و الله يعلم أني منه بريئة لتصدقني ، و الله لا أجد لي و لكم مثلا إلا قول أبي يوسف : فصبر جميل و الله المستعان على ما تصفون . ثم تحولت فاضطجعت على فراشي و أنا حينئذ أعلم أني بريئة و أن الله مبرئي ببراءتي و لكن و الله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ، و لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ، و لكن كنت أرجو أن يرى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) رؤيا يبرئني الله بها . قالت : فوالله ما رام رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مجلسه و لا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق و هو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه فلما سرى عن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) سرى عنه و هو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك ، فقالت أمي : قومي إليه ، فقلت : و الله لا أقوم إليه و لا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي ، و أنزل الله : « إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم » العشر الآيات كلها . فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر ، و كان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه و فقره : و الله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله : « و لا يأتل أولوا الفضل منكم و السعة - أن يؤتوا أولي القربى و المساكين إلى قوله رحيم » قال أبو بكر : و الله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، و قال : و الله لا أنزعها منه أبدا . قالت عائشة : فكان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال : يا زينب ما ذا علمت أو رأيت ؟ فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي و بصري ما علمت إلا خيرا ، قالت : و هي التي كانت تساميني من أزواج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فعصمها الله بالورع ، و طفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك :


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :101


أقول : و الرواية مروية بطرق أخرى عن عائشة أيضا و عن عمر و ابن عباس و أبي هريرة و أبي اليسر الأنصاري و أم رومان أم عائشة و غيرهم و فيها بعض الاختلاف : و فيها إن الذين جاءوا بالإفك عبد الله بن أبي بن سلول و مسطح بن أثاثة و كان بدريا من السابقين الأولين من المهاجرين ، و حسان بن ثابت ، و حمنة أخت زينب زوج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) . و فيها أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) دعاهم بعد ما نزلت آيات الإفك فحدهم جميعا غير أنه حد عبد الله بن أبي حدين و إنما حده حدين لأنه من قذف زوج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان عليه حدان .


و في الروايات على تقاربها في سرد القصة إشكال من وجوه : أحدها : أن المسلم من سياقها أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان في ريب من أمر عائشة بعد تحقق الإفك كما يدل عليه تغير حاله بالنسبة إليها في المعاملة باللطف أيام اشتكائها و بعدها حتى نزلت الآيات ، و يدل عليه قولها له حين نزلت الآيات و بشرها به : بحمد الله لا بحمدك ، و في بعض الروايات أنها قالت لأبيها و قد أرسله النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليبشرها بنزول العذر : بحمد الله لا بحمد صاحبك الذي أرسلك ، تريد به النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و في الرواية الأخرى عنها : أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لما وعظها أن تتوب إلى الله إن كان منها شي‏ء و في الباب امرأة جالسة قالت له عائشة : أ ما تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا ، و من المعلوم أن هذا النوع من الخطاب المبني على الإهانة و الإزراء ما كان يصدر عنها لو لا أنها وجدت النبي في ريب من أمرها .


كل ذلك مضافا إلى التصريح به في رواية عمر ففيها : « فكان في قلب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مما قالوا » .


و بالجملة دلالة عامة الروايات على كون النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في ريب من أمرها إلى نزول العذر مما لا ريب فيه ، و هذا مما يجل عنه مقامه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كيف ؟ و هو سبحانه يقول : « لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم خيرا و قالوا هذا إفك مبين » فيوبخ المؤمنين و المؤمنات على إساءتهم الظن و عدم ردهم ما سمعوه من الإفك فمن لوازم الإيمان حسن الظن بالمؤمنين ، و النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أحق من يتصف بذلك و يتحرز من سوء الظن الذي من الإثم و له مقام النبوة و العصمة الإلهية .


على أنه تعالى ينص في كلامه على اتصافه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بذلك إذ يقول : « و منهم الذين


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :102


يؤذون النبي و يقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين و رحمة للذين آمنوا منكم و الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم » : التوبة : 61 .


على أنا نقول : إن تسرب الفحشاء إلى أهل النبي ينفر القلوب عنه فمن الواجب أن يطهر الله سبحانه ساحة أزواج الأنبياء عن لوث الزنا و الفحشاء و إلا لغت الدعوة و تثبت بهذه الحجة العقلية عفتهن واقعا لا ظاهرا فحسب ، و النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أعرف بهذه الحجة منا فكيف جاز له أن يرتاب في أمر أهله برمي من رام أو شيوع من إفك .


و ثانيها : أن الذي تدل عليه الروايات أن حديث الإفك كان جاريا بين الناس منذ بدأ به أصحاب الإفك إلى أن ختم بحدهم أكثر من شهر و قد كان حكم القذف مع عدم قيام الشهادة معلوما و هو جلد القاذف و تبرئة المقذوف شرعا فما معنى توقف النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن حد أصحاب الإفك هذه المدة الطويلة و انتظاره الوحي في أمرها حتى يشيع بين الناس و تتلقاه الألسن و تسير به الركبان و يتسع الخرق على الراتق ؟ و ما أتى به الوحي من العذر لا يزيد على ما تعينه آية القذف من براءة المقذوف حكما شرعيا ظاهريا .


فإن قيل : الذي نزل من العذر براءتها واقعا و طهارة ذيلها في نفس الأمر و هذا أمر لا تكفي له آية حد القاذف ، و لعل صبره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) هذه المدة الطويلة إنما كان لأجله .


قلت : لا دلالة في شي‏ء من هذه الآيات الست عشرة على ذلك ، و إنما تثبت بالحجة العقلية السابقة الدالة على طهارة بيوت الأنبياء منلوثة الفحشاء .


أما الآيات العشر الأول التي فيها شائبة الاختصاص فأظهرها في الدلالة على براءتها قوله تعالى : « لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون » و قد استدل فيها على كذبهم بعدم إتيانهم بالشهداء ، و من الواضح أن عدم إقامة الشهادة إنما هو دليل البراءة الظاهرية أعني الحكم الشرعي بالبراءة دون البراءة الواقعية لوضوح عدم الملازمة .


و أما الآيات الست الأخيرة فقوله : « الطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات إلخ عام من غير مخصص من جهة اللفظ فالذي تثبته من البراءة مشترك فيه بين جميع المقذوفين


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :103


من غير قيام بينة من المؤمنين و المؤمنات ، و من الواضح أن البراءة المناسبة لهذا المعنى هي البراءة الشرعية .


و الحق أن لا مناص عن هذا الإشكال إلا بالقول بأن آية القذف لم تكن نازلة قبل حديث الإفك و إنما نزلت بعده ، و إنما كان سبب توقفه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خلو الواقعة عن حكم الله بعد فكان ينتظر في أمر الإفك الحكم السماوي .


و من أوضح الدليل عليه ما في الرواية من استعذار النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من القاذف في المسجد و قول سعد بن معاذ ما قال و مجادلة سعد بن عبادة إياه و اختلاف الأوس و الخزرج بمحضر من النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و في رواية عمر بعد ما ذكر اختلاف ابن معاذ و ابن عبادة : فقال هذا : يا للأوس و قال هذا : يا للخزرج فاضطربوا بالنعال و الحجارة فتلاطموا ، الحديث فلو كانت آية القذف نازلة قبل ذلك و حكم الحد معلوما لم يجب سعد بن معاذ النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بأنه يعذره منه بالقتل و لقال هو و سائر الناس : يا رسول الله حكم القذف معلوم و يدك مبسوطة .


و ثالثها : أنها تصرح بكون أصحاب الإفك هم عبد الله بن أبي و مسطحاو حسانا و حمنة ثم تذكر أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حد عبد الله بن أبي حدين و كلا من مسطح و حسان و حمنة حدا واحدا ، ثم تعلل حدي عبد الله بن أبي بأن من قذف أزواج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فعليه حدان ، و هذا تناقض صريح فإنهم جميعا كانوا قاذفين بلا فرق بينهم .


نعم تذكر الروايات أن عبد الله بن أبي كان هو الذي تولى كبره منهم لكن لم يقل أحد من الأمة إن هذا الوصف يوجب حدين .


و لا أن المراد بالعذاب العظيم في قوله : « الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم » هو ثبوت حدين .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم » الآية فإن العامة روت أنها نزلت في عائشة و ما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة و أما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية و ما رمتها به عائشة .


حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال قال : حدثني عبد الله بن بكير عن زرارة قال : سمعت أبا جعفر (عليه‏السلام‏) يقول : لما هلك إبراهيم بن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حزن عليه حزنا شديدا فقالت عائشة : ما الذي


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :104


يحزنك عليه ؟ ما هو إلا ابن جريح ، فبعث رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عليا (عليه‏السلام‏) و أمره بقتله . فذهب علي (عليه‏السلام‏) و معه السيف و كان جريح القبطي في حائط فضرب علي (عليه‏السلام‏) باب البستان فأقبل جريح له ليفتح الباب فلما رأى عليا (عليه‏السلام‏) عرف في وجهه الغضب فأدبر راجعا و لم يفتح باب البستان فوثب علي (عليه‏السلام‏) على الحائط و نزل إلى البستان و اتبعه و ولى جريح مدبرا فلما خشي أن يرهقه صعد في نخلة و صعد علي (عليه‏السلام‏) في أثره فلما دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عورته فإذا ليس له ما للرجال و لا له ما للنساء . فانصرف علي (عليه‏السلام‏) إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال له : يا رسول الله إذا بعثتني في الأمر أكون كالمسمار المحمي في الوبر أم أثبت ؟ قال : لا بل تثبت . قال : و الذي بعثك بالحق ما له ما للرجال و ما له ما للنساء ، فقال : الحمد لله الذي صرف عنا السوء أهل البيت .


و فيه ، في رواية عبيد الله بن موسى عن أحمد بن راشد عن مروان بن مسلم عن عبد الله بن بكير قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : جعلت فداك كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أمر بقتل القبطي و قد علم أنها كذبت عليه أولم يعلم ؟ و قد دفع الله عن القبطي القتل بتثبيت علي (عليه‏السلام‏) فقال : بل كان و الله علم ، و لو كان عزيمة من رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما انصرف علي (عليه‏السلام‏) حتى يقتله ، و لكن إنما فعل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لترجع عن ذنبها فما رجعت و لا اشتد عليها قتل رجل مسلم .


أقول : و هناك روايات أخر تدل على مشاركة غيرها معها في هذا الرمي ، و جريح هذا كان خادما خصيا لمارية أهداه معها مقوقس عظيم مصر لرسول (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أرسله معها ليخدمها .


و هذه الروايات لا تخلو من نظر : أما أولا : فلأن ما فيها من القصة لا يقبل الانطباق على الآيات و لا سيما قوله : « إن


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :105


الذين جاءوا بالإفك » الآية و قوله : « لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم خيرا » الآية ، و قوله : « تلقونه بألسنتكم و تقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم » الآية ، فمحصل الآيات أنه كان هناك جماعة مرتبط بعضهم ببعض يذيعون الحديث ليفضحوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و كان الناس يتداولونه لسانا عن لسان حتى شاع بينهم و مكثوا على ذلك زمانا و هم لا يراعون حرمة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و كرامته من الله ، و أين مضمون هذه الروايات من ذلك .


اللهم إلا أن تكون الروايات قاصرة في شرحها للقصة .


و أما ثانيا : فقد كان مقتضى القصة و ظهور براءتها إجراء الحد و لم يجر ، و لا مناص عن هذا الإشكال إلا بالقول بنزول آية القذف بعد قصة الإفك بزمان .


و الذي ينبغي أن يقال بالنظر إلى إشكال الحد الوارد على الصنفين من الروايات جميعا - كما عرفت - أن آيات الإفك نزلت قبل آية حد القذف ، و لم يشرع بنزول آيات الإفك إلا براءة المقذوف مع عدم قيام الشهادة و تحريم القذف .


و لو كان حد القاذف مشروعا قبل حديث الإفك لم يكن هناك مجوز لتأخيره مدة معتدا بها و انتظار الوحي و لا نجا منه قاذف منهم ، و لو كان مشروعا مع نزول آيات الإفك لأشير فيها إليه ، و لا أقل باتصال الآيات بآية القذف ، و العارف بأساليب الكلام لا يرتاب في أن قوله : « إن الذين جاءوا بالإفك » الآيات منقطعة عما قبلها .


و لو كان على من قذف أزواج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حدان لأشير إلى ذلك في خلال آيات الإفك بما فيها من التشديد و اللعن و التهديد بالعذاب على القاذفين .


و يتأكد الإشكال على تقدير نزول آية القذف مع نزول آيات الإفكفإن لازمه أن يقع الابتلاء بحكم الحدين فينزل حكم الحد الواحد .


و في الكافي ، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : من قال في مؤمن ما رأته عيناه و سمعته أذناه فهو من الذين قال الله عز و جل : « إن الذين يحبون إلى قوله و الآخرة » : . أقول : و رواه القمي في تفسيره ، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام عنه (عليه‏السلام‏)


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :106


و الصدوق في الأمالي ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن محمد بن حمران عنه (عليه‏السلام‏) ، و المفيد في الاختصاص ، عنه (عليه‏السلام‏) مرسلا .


و فيه ، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : من أذاع فاحشة كان كمبتدئها .


و في المجمع ، : قيل : إن قوله : « و لا يأتل أولوا الفضل منكم و السعة » الآية ، نزلت في أبي بكر و مسطح بن أثاثة و كان ابن خالة أبي بكر ، و كان من المهاجرين و من جملة البدريين و كان فقيرا ، و كان أبو بكر يجري عليه و يقوم بنفقته فلما خاض في الإفك قطعها و حلف أن لا ينفعه بنفع أبدا فلما نزلت الآية عاد أبو بكر إلى ما كان ، و قال : و الله إني لأحب أن يغفر الله لي ، و الله لا أنزعها عنه أبدا : عن ابن عباس و عائشة و ابن زيد .


و فيه ، : و قيل : نزلت في جماعة من الصحابة أقسموا على أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشي‏ء من الإفك و لا يواسوهم : عن ابن عباس و غيره . أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن ابن جرير و ابن مردويه عن ابن عباس .


و في تفسير القمي ، و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « و لا يأتل أولوا الفضل منكم و السعة - أن يؤتوا أولي القربى » و هم قرابة رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « و المساكين و المهاجرين في سبيل الله - و ليعفوا و ليصفحوا » يقول يعفو بعضكم عن بعض ، و يصفح بعضكم بعضا فإذا فعلتم كانت رحمة الله لكم ، يقول الله عز و جل : « أ لا تحبون أن يغفر الله لكم و الله غفور رحيم » .


و في الكافي ، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في حديث قال : و نزل بالمدينة « و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء - فاجلدوهم ثمانين جلدة و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا - و أولئك هم الفاسقون - إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا - فإن الله غفور رحيم » . فبرأه الله ما كان مقيما على الفرية منأن يسمى بالإيمان ، قال الله عز و جل : « أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون » و جعله من أولياء إبليس قال : « إلا


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :107


إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه » و جعله ملعونا فقال : « إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات - لعنوا في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم ، يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم - بما كانوا يعملون » . و ليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه ، قال الله عز و جل : « فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم و لا يظلمون فتيلا » و في المجمع ، : في قوله تعالى : « الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات - و الطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات » الآية ، قيل في معناه أقوال إلى أن قال الثالث الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال و الخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء عن أبي مسلم و الجبائي و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) . قالا : هي مثل قوله : « الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة » إلا أن أناسا هموا أن يتزوجوا منهن فنهاهم الله عن ذلك و كره ذلك لهم .


و في الخصال ، عن عبد الله بن عمر و أبي هريرة قالا : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إذا طاب قلب المرء طاب جسده ، و إذا خبث القلب خبث الجسد .


و في الإحتجاج ، عن الحسن بن علي (عليهماالسلام‏) : في حديث له مع معاوية و أصحابه و قد نالوا من علي (عليه‏السلام‏) : « الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات » هم و الله يا معاوية أنت و أصحابك هؤلاء و شيعتك « و الطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات » إلى آخر الآية ، هم علي بن أبي طالب و أصحابه و شيعته .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :108


يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيرَ بُيُوتِكمْ حَتى تَستَأْنِسوا وَ تُسلِّمُوا عَلى أَهْلِهَاذَلِكُمْ خَيرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏(27) فَإِن لَّمْ تجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتى يُؤْذَنَ لَكمْوَ إِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْوَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏(28) لَّيْس عَلَيْكمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيرَ مَسكُونَةٍ فِيهَا مَتَعٌ لَّكمْوَ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا تَكْتُمُونَ‏(29) قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضوا مِنْ أَبْصرِهِمْ وَ يحْفَظوا فُرُوجَهُمْذَلِك أَزْكى لهَُمْإِنَّ اللَّهَ خَبِيرُ بِمَا يَصنَعُونَ‏(30) وَ قُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضضنَ مِنْ أَبْصرِهِنَّ وَ يحْفَظنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظهَرَ مِنْهَاوَ لْيَضرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبهِنَّوَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَائهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنى إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنى أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسائهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَت أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيرِ أُولى الارْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظهَرُوا عَلى عَوْرَتِ النِّساءِوَ لا يَضرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّوَ تُوبُوا إِلى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكمْ تُفْلِحُونَ‏(31) وَ أَنكِحُوا الأَيَمَى مِنكمْ وَ الصلِحِينَ مِنْ عِبَادِكمْ وَ إِمَائكمْإِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِوَ اللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ‏(32) وَ لْيَستَعْفِفِ الَّذِينَ لا يجِدُونَ نِكاحاً حَتى يُغْنِيهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِوَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَب مِمَّا مَلَكَت أَيْمَنُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيراًوَ ءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِى ءَاتَاكُمْوَ لا تُكْرِهُوا فَتَيَتِكُمْ عَلى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تحَصناً لِّتَبْتَغُوا عَرَض الحَْيَوةِ الدُّنْيَاوَ مَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏(33) وَ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكمْ ءَايَتٍ مُّبَيِّنَتٍ وَ مَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكمْ وَ مَوْعِظةً لِّلْمُتَّقِينَ‏(34)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :109


بيان


أحكام و شرائع متناسبة و مناسبة لما تقدم .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا و تسلموا على أهلها » إلخ ، الأنس بالشي‏ء و إليه الألفة و سكون القلب إليه ، و الاستيناس طلب ذلك بفعل يؤدي إليه كالاستيناس لدخول بيت بذكر الله و التنحنح و نحو ذلك ليتنبه صاحب البيت أن هناك من يريد الدخول عليه فيستعد لذلك فربما كان في حال لا يحب أن يراه عليها أحد أو يطلع عليها مطلع .


و منه يظهر أن مصلحة هذا الحكم هو الستر على عورات الناس و التحفظ على كرامة الإيمان فإذا استأنس الداخل عند إرادة الدخول على بيت غير بيته فأخبر باستيناسه صاحب البيت بدخوله ثم دخل فسلم عليه فقد أعانه على ستر عورته ، و أعطاه الأمن من نفسه .


و يؤدي الاستمرار على هذه السيرة الجميلة إلى استحكام الأخوة و الألفة و التعاون العام على إظهار الجميل و الستر على القبيح و إليه الإشارة بقوله : « ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون » أي لعلكم بالاستمرار على هذه السيرة تتذكرون ما يجب عليكم رعايته و إحياؤه من سنة الأخوة و تألف القلوب التي تحتها كل سعادة اجتماعية .


و قيل : إن قوله : « لعلكمتذكرون » تعليل لمحذوف و التقدير قيل لكم كذا لعلكم تتذكرون مواعظ الله فتعملوا بموجبها ، و لا بأس به .


و قيل : إن في قوله : « حتى تستأنسوا و تسلموا » تقديما و تأخيرا و الأصل حتى تسلموا و تستأنسوا .


و هو كما ترى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :110


قوله تعالى : « فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم » ... إلخ ، أي إن علمتم بعدم وجود أحد فيها - و هو الذي يملك الإذن - فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم من قبل من يملك الإذن ، و ليس المراد به أن يتطلع على البيت و ينظر فيه فإن لم ير فيه أحدا كف عن الدخول فإن السياق يشهد على أن المنع في الحقيقة عن النظر و الاطلاع على عورات الناس .


و هذه الآية تبين حكم دخول بيت الغير و ليس فيه من يملك الإذن ، و الآية السابقة تبين حكم الدخول و فيه من يملك الإذن و لا يمنع ، و أما دخوله و فيه من يملك الإذن و يمنع و لا يأذن فيه فيبين حكمه قوله تعالى : « و إن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم و الله بما تعملون عليم » .


قوله تعالى : « ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم » إلخ ، ظاهر السياق كون قوله : « فيها متاع لكم » صفة بعد صفة لقوله : « بيوتا » لا جملة مستأنفة معللة لقوله : « ليس عليكم جناح » ، و الظاهر أن المتاع بمعنى الاستمتاع .


ففيه تجويز الدخول في بيوت معدة لأنواع الاستمتاع و هي غير مسكونة بالطبع كالخانات و الحمامات و الأرحية و نحوها فإن كونها موضوعة للاستمتاع إذن عام في دخولها .


و ربما قيل : إن المراد بالمتاع المعنى الاسمي و هو الأثاث و الأشياء الموضوعة للبيع و الشرى كما في بيوت التجارة و الحوانيت فإنها مأذونة في دخولها إذنا عاما و لا يخلو من بعد لقصور اللفظ .


قوله تعالى : « قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون » الغض إطباق الجفن ، على الجفن و الأبصار جمع بصر و هو العضو الناظر ، و من هنا يظهر أن « من » في « من أبصارهم » لابتداء الغاية لا مزيدة و لا للجنس و لا للتبعيض كما قال بكل قائل ، و المعنى يأتوا بالغض آخذا من أبصارهم .


فقوله : « قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم » لما كان « يغضوا » مترتبا على


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :111


قوله : « قل » ترتب جواب الشرط عليه دل ذلك على كون القول بمعنى الأمر و المعنى مرهم يغضوا من أبصارهم و التقدير مرهم بالغض إنك إن تأمرهم به يغضوا ، و الآية أمر بغض الأبصار و إن شئت فقل : نهي عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه من الأجنبي و الأجنبية لمكان الإطلاق .


و قوله : « و يحفظوا فروجهم » أي و مرهم يحفظوا فروجهم ، و الفرجة و الفرج الشق بين الشيئين ، و كنى به عن السوأة ، و على ذلك جرى استعمال القرآن الملي‏ء أدبا و خلقا ثم كثر استعماله فيها حتى صار كالنص كما ذكره الراغب .


و المقابلة بين قوله : « يغضوا من أبصارهم » و « يحفظوا فروجهم » يعطي أن المراد بحفظ الفروج سترها عن النظر لا حفظها عن الزنا و اللواطة كما قيل ، و قد ورد في الرواية عن الصادق (عليه‏السلام‏) : أن كل آية في القرآن في حفظ الفروج فهي من الزنا إلا هذه الآية فهي من النظر .


و على هذا يمكن أن تتقيد أولى الجملتين بثانيتهما و يكون مدلول الآية هو النهي عن النظر إلى الفروج و الأمر بسترها .


ثم أشار إلى وجه المصلحة في الحكم و حثهم على المراقبة في جنبه بقوله : « ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون » .


قوله تعالى : « و قل للمؤمنات يغضضن » إلخ ، الكلام في قوله : « و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن » نظير ما مر في قوله : « قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم » فلا يجوز لهن النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه و يجب عليهن ستر العورة عن الأجنبي و الأجنبية .


و أما قوله : « و لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها » فالإبداء الإظهار ، و المراد بزينتهن مواضع الزينة لأن نفس ما يتزين به كالقرط و السوار لا يحرم إبداؤها فالمراد بإبداء الزينة إبداء مواضعها من البدن .


و قد استثنى الله سبحانه منها ما ظهر ، و قد وردت الرواية أن المراد بما ظهر منها الوجه و الكفان و القدمان كما سيجي‏ء إن شاء الله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :112


و قوله : « و ليضربن بخمرهن على جيوبهن » الخمر بضمتين جمع خمار و هوما تغطي به المرأة رأسها و ينسدل على صدرها ، و الجيوب جمع جيب بالفتح فالسكون و هو معروف و المراد بالجيوب الصدور ، و المعنى و ليلقين بأطراف مقانعهن على صدورهن ليسترنها بها .


و قوله : « و لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن - إلى قوله - أو بني أخواتهن » البعولة هم أزواجهن ، و الطوائف السبع الأخر محارمهن من جهة النسب و السبب ، و أجداد البعولة حكمهم حكم آبائهم و أبناء أبناء البعولة حكمهم حكم الأبناء .


و قوله : « أو نسائهن » في الإضافة إشارة إلى أن المراد بهن المؤمنات من النساء فلا يجوز لهن التجرد لغيرهن من النساء و قد وردت به الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) .


و قوله : « أو ما ملكت أيمانهن » إطلاقه يشمل العبيد و الإماء ، و قد وردت به الرواية كما سيأتي إن شاء الله ، و هذا من موارد استعمال « ما » في أولي العقل .


و قوله : « أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال » الإربة هي الحاجة ، و المراد به الشهوة التي تحوج إلى الازدواج ، و « من الرجال » بيان للتابعين ، و المراد بهم كما تفسره الروايات البله المولى عليهم من الرجال و لا شهوة لهم .


و قوله : « أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء » أي جماعة الأطفال - و اللام للاستغراق - الذين لم يقووا و لم يظهروا - من الظهور بمعنى الغلبة - على أمور يسوء التصريح بها من النساء ، و هو - كما قيل - كناية عن البلوغ .


و قوله : « و لا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن » ذلك بتصوت أسباب الزينة كالخلخال و العقد و القرط و السوار .


و قوله : « و توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون » المراد بالتوبة - على ما يعطيه السياق - الرجوع إليه تعالى بامتثال أوامره و الانتهاء عن نواهيه و بالجملة اتباع سبيله .


قوله تعالى : « و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم و إمائكم » الإنكاح


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :113


التزويج ، و الأيامى جمع أيم بفتح الهمزة و كسر الياء المشددة و هو الذكر الذي لا أنثى معه و الأنثى التي لا ذكر معها و قد يقال في المرأة أيمة ، و المراد بالصالحين الصالحون للتزويج لا الصالحون في الأعمال .


و قوله : « إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وعد جميل بالغنى و سعة الرزق و قد أكده بقوله : « و الله واسع عليم » و الرزق يتبع صلاحية المرزوق بمشية من الله سبحانه ، و سيوافيك إن شاء الله في تفسير قوله تعالى : « فورب السماء و الأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون » : الذاريات : 23 كلام في معنى سعة الرزق .


قوله تعالى : « و ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله » الاستعفاف و التعفف قريبا المعنى ، و المراد بعدم وجدان النكاح عدم القدرة على المهر و النفقة ، و معنى الآية الأمر بالتعفف لمن لا يقدر على النكاح و التحرز عن الوقوع في الزنا حتى يغنيه الله من فضله .


قوله تعالى : « و الذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا » إلخ المراد بالكتاب المكاتبة ، و ابتغاء المكاتبة أن يسأل العبد مولاه أن يكاتبه على إيتائه المولى مالا على أن يعتقه ، و في الآية أمر للموالي بإجابتهم إن علموا فيهم خيرا و هو كناية عن إحراز صلاحيتهم لذلك .


و قوله : « و آتوهم من مال الله الذي آتاكم » إشارة إلى إيتائهم مال المكاتبة من الزكاة المفروضة فسهم من سهام الزكاة لهم ، كما قال تعالى : « و في الرقاب » : التوبة : 60 أو إسقاط شي‏ء من مال المكاتبة .


و في هذه الآية و الآيات السابقة مباحث فقهية جمة ينبغي أن يراجع فيها كتب الفقه .


قوله تعالى : « و لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا الفتيات الإماء و الولائد ، و البغاء الزنا و هو مفاعلة من البغي ، و التحصن التعفف و الازدواج و ابتغاء عرض الحياة الدنيا طلب المال ، و المعنى ظاهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :114


و إنما اشترط النهي عن الإكراه بإرادة التحصن لأن الإكراه لا يتحقق في من لا يريد التحصن ، ثم وعدهن المغفرة على تقدير الإكراه بقوله : « و من يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم » و معناه ظاهر .


قوله تعالى : « و لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات و مثلا من الذين خلوا من قبلكم و موعظة للمتقين » المثل الصفة و من الممكن أن يكون قوله : « و لقد أنزلنا » إلخ ، حالا من فاعل قوله : « توبوا » في الآية السابقة أو استينافا و المعنى و أقسم لقد أنزلنا إليكم آيات تبين لكم من معارف الدين ما تفلحون به ، و صفة من السابقين أخيارهم و أشرارهم يتميز بها لكم ما ينبغي أن تأخذوا به مما ينبغي لكم أن تجتنبوا ، و موعظة للمتقين منكم .


بحث روائي


في تفسير القمي ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم - حتى تستأنسوا و تسلموا على أهلها » قال : الاستيناس وقع النعل و التسليم : . أقول : و رواه الصدوق في معاني الأخبار ، عن محمد بن الحسن مرفوعا عن عبد الرحمن عنه (عليه‏السلام‏) .


و في المجمع ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : قلنا : يا رسول الله ما الاستيناس ؟ قال يتكلم الرجل بالتسبيحة و التحميدة و التكبيرة و يتنحنح على أهل البيت .


و عن سهل بن سعد قال : اطلع رجل في حجرة من حجر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و معه مدرى يحك رأسه : لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك إنما الاستيذان من النظر .


و روي : أن رجلا قال للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أستأذن على أمي ؟ فقال : نعم . قال


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :115


إنها ليس لها خادم غيري أ فأستأذن عليها كلما دخلت ؟ قال : أ تحب أن تراها عريانة ؟ قال الرجل : لا ، قال : فاستأذن عليها .


و روي : أن رجلا استأذن على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فتنحنح فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لامرأة يقال لها : روضة : قومي إلى هذا فعلميه و قولي له : قل السلام عليكم أ أدخل ؟ فسمعها الرجل فقالها فقال : ادخل .


أقول : و روي في الدر المنثور ، عن جمع من أصحاب الجوامع الرواية الأولى عن أبي أيوب ، و الثانية عن سهل بن سعد و الرابعة عن عمرو بن سعد الثقفي .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت : أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) سئل عن الاستيذان في البيوت فقال : من دخلت عينه قبل أن يستأذن و يسلم فقد عصى الله و لا إذن له .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « فإن لم تجدوا فيها أحدا - فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم » قال : معناه و إن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم .


و فيه ، : في قوله تعالى : « ليس عليكم جناح أن تدخلوا - بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم » قال الصادق (عليه‏السلام‏) : هي الحمامات و الخانات و الأرحية تدخلها بغير إذن .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في حديث يذكر فيه ما فرض الله على الجوارح . قال : و فرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم الله عليه ، و أن يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له و هو عمله و هو من الإيمان . فقال تبارك و تعالى : « قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم » فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم و أن ينظر المرء إلى فرج أخيه و يحفظ فرجه أن ينظر إليه ، و قال : « و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن » من أن تنظر إحداهن إلى فرج أختها و تحفظ فرجها من أن ينظر إليه . و قال : كل شي‏ء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية فهو من النظر : .


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :116


أقول : و روى القمي في تفسيره ، ذيل الحديث عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عنه (عليه‏السلام‏) ، و روي مثله عن أبي العالية و ابن زيد .


و في الكافي ، بإسناده عن سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة و كان النساء يتقنعن خلف آذانهن فنظر إليها و هي مقبلة فلما جازت نظر إليها و دخل في زقاق قد سماه ببني فلان، و جعل ينظر خلفها ، و اعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه و صدره فقال : و الله لآتين رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لأخبرنه . قال : فأتاه فلما رآه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال له : ما هذا ؟ فأخبره فهبط جبرئيل بهذه الآية « قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم - ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون » : . أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن علي بن أبي طالب مثله ، و ظاهر الحديث أن المراد بالأمر بالغض في الآية النهيعن مطلق النظر إلى الأجنبية ، كما أن ظاهر بعض الروايات السابقة أنه نهي عن النظر إلى فرج الغير خاصة .


و فيه ، بإسناده عن مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قلت له : ما يحل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما ؟ قال : الوجه و الكفان و القدمان .


أقول : و رواه في الخصال ، عن بعض أصحابنا عنه (عليه‏السلام‏) و لفظه : الوجه و الكفين و القدمين .


و في قرب الإسناد ، للحميري عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إليه من المرأة التي لاتحل له ؟ قال : الوجه و الكف و موضع السوار .


و في الكافي ، بإسناده عن عباد بن صهيب قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : لا بأس بالنظر إلى رءوس أهل تهامة و الأعراب و أهل السواد و العلوج لأنهم إذا نهوا لا ينتهون .


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :117


قال : و المجنونة و المغلوبة على عقلها ، و لا بأس بالنظر إلى شعرها و جسدها ما لم يتعمد ذلك .


أقول : كأنه (عليه‏السلام‏) يريد بقوله : ما لم يتعمد ذلك ، الريبة .


و في الخصال ، : و قال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لأمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) : يا علي أول نظرة لك و الثانية عليك لا لك أقول : و روي مثله في الدر المنثور ، عن عدة من أصحاب الجوامع عن بريدة عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لفظه : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لعلي : لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى و ليست لك الآخرة .


و في جوامع الجامع ، عن أم سلمة قالت : كنت عند النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و عنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم و ذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال : احتجبا ، فقلنا : يا رسول الله أ ليس أعمى لا يبصرنا ؟ فقال : أ فعمياوان أنتما ؟ أ لستما تبصرانه ؟ : أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن أبي داود و الترمذي و النسائي و البيهقي عنها .


و في الفقيه ، و روى حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية و النصرانية فإنهن يصفن ذلك لأزواجهن .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « أو ما ملكت أيمانهن » و قيل : معناه العبيد و الإماء : و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) .


و في الكافي ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : سألته عن غير أولي الإربة من الرجال . قال : الأحمق المولى عليه الذي لا يأتي النساء .


و فيه ، بإسناده عن محمد بن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء ظنه بالله عز و جل إن الله يقول « إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله » .


أقول : و في المعاني السابقة روايات كثيرة جدا عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) من أرادها فليراجع كتب الحديث .


و في الفقيه ، روى العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :118


و جل : « فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا » قال : الخير أن يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ، و يكون بيده عمل يكتسب به أو يكون له حرفة .


أقول : و في معناه روايات أخر .


و في الكافي ، بإسناده عن العلاء بن فضيل عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : في قوله عز و جل : « فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا - و آتوهم من مال الله الذي آتاكم » قال : تضع عنه من نجومه التي لم تكن تريد أن تنقصه ، و لا تزيد فوق ما في نفسك . فقلت : كم ؟ فقال : وضع أبو جعفر (عليه‏السلام‏) عن مملوك ألفا من ستة آلاف .


أقول : و روي في مجمع البيان ، و كذا في الدر المنثور ، عن علي(عليه‏السلام‏) ربع المال ، و المستفاد من ظواهر الأخبار عدم تعين مقدار معين ذي نسبة .


و قد تقدمت في ذيل قوله و في الرقاب » : التوبة : 60 الجزء التاسع من الكتاب رواية العياشي أن المكاتب يؤتى من سهم الرقاب من الزكاة .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا » ، قال : كانت العرب و قريش يشترون الإماء و يضعون عليهن الضريبة الثقيلة و يقولون : اذهبن و ازنين و اكتسبن فنهاهم الله عن ذلك فقال و لا تكرهوا فتياتكم على البغاء » إلى قوله غفور رحيم » أي لا يؤاخذهن الله تعالىبذلك إذا أكرهن عليه .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « لتبتغوا عرض الحيوة الدنيا » قيل : إن عبد الله بن أبي كانت له ست جوار يكرههن على الكسب بالزنا ، فلما نزل تحريم الزنا أتين رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فشكون إليه فنزلت الآية .


أقول : أما أنه كان له من الجواري من يكرههن على الزنا فقد وردت فيه روايات رواها في الدر المنثور ، كما روى هذه الرواية ، و أما كون ذلك بعد نزول تحريم الزنا فيضعفه أن الزنا لم يحرم في المدينة بل في مكة قبل الهجرة بل كانت حرمته من ضروريات الإسلام منذ ظهرت الدعوة الحقة ، و قد تقدم في تفسير سورة الأنعام أن حرمة الفواحش و منها الزنا من الأحكام العامة التي لا تختص بشريعة دون شريعة .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :