امروز:
سه شنبه 4 مهر 1396
بازدید :
644
تفسيرالميزان : سوره فرقان آيات 31- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :172


25 سورة الفرقان مكية و هي سبع و سبعون آية 77


سورة الفرقان‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَبَارَك الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيراً(1) الَّذِى لَهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُن لَّهُ شرِيكٌ فى الْمُلْكِ وَ خَلَقَ كلَّ شىْ‏ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً(2) وَ اتخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لا يخْلُقُونَ شيْئاً وَ هُمْ يخْلَقُونَ وَ لا يَمْلِكُونَلأَنفُسِهِمْ ضرًّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَيَوةً وَ لا نُشوراً(3)


بيان


غرض السورة بيان أن دعوة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) دعوة حقة عن رسالة من جانب الله تعالى و كتاب نازل من عنده و فيها عناية بالغة بدفع ما أورده الكفار على كون النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) رسولا من جانب الله و كون كتابه نازلا من عنده و رجوع إليه كرة بعد كرة .


و قد استتبع ذلك شيئا من الاحتجاج على التوحيد و نفي الشريك و ذكر بعض أوصاف يوم القيامة و ذكر نبذة من نعوت المؤمنين الجميلة ، و الكلام فيها جار على سياق الإنذار و التخويف دون التبشير .


و السورة مكية على ما يشهد به سياق عامة آياتها نعم ربما استثني منها ثلاث آيات و هي قوله تعالى : « و الذين لا يدعون مع الله إلها آخر - إلى قوله - غفورا رحيما » .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :173


و لعل الوجه فيه اشتمالها على تشريع حرمة الزنا لكنك قد عرفت فيما أوردناه من أخبار آية الخمر من سورة المائدة أن الزنا و الخمر كانا معروفين بالتحريم في الإسلام من أول ظهور الدعوة الإسلامية .


و من العجيب قول بعضهم : إن السورة مدنية كلها إلا ثلاث آيات من أولها « تبارك الذي » - إلى قوله نشورا » .


قوله تعالى : « تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا » البركة بفتحتين ثبوت الخير في الشي‏ء كثبوت الماء في البركة بالكسر فالسكون مأخوذ من برك البعير إذا ألقى صدره على الأرض و استقر عليها ، و منه التبارك بمعنى ثبوت الخير الكثير و في صيغته دلالة على المبالغة على ما قيل ، و هو كالمختص به تعالى لم يطلق على غيره إلا على سبيل الندرة .


و الفرقان هو الفرق سمي به القرآن لنزول آياته متفرقة أو لتمييزه الحق من الباطل و يؤيد هذا المعنى إطلاق الفرقان في كلامه تعالى على التوراة أيضا مع نزولها دفعة ، قال الراغب في المفردات : ، و الفرقان أبلغ من الفرق لأنه يستعمل في الفرق بين الحق و الباطل ، و تقديره كتقدير رجل قنعان يقنع به في الحكم ، و هو اسم لا مصدر فيما قيل ، و الفرق يستعمل فيه و في غيره .


انتهى .


و العالمون جمع عالم و معناه الخلق قال في الصحاح : ، العالم الخلق و الجمع العوالم ، و العالمون أصناف الخلق انتهى .


و اللفظة و إن كانت شاملة لجميع الخلق من الجماد و النبات و الحيوان و الإنسان و الجن و الملك لكن سياق الآية - و قد جعل فيها الإنذار غاية لتنزيل القرآن - يدل على كون المراد بها المكلفين من الخلق و هم الثقلان : الإنس و الجن فيما نعلم .


و بذلك يظهر عدم استقامة ما ذكره بعضهم أن الآية تدل على عموم رسالته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لجميع ما سوى الله فإن فيه غفلة عن وجه التعبير عن الرسالة بالإنذار و نظير الآية قوله تعالى : « و اصطفاك على نساء العالمين » : آل عمران : 42 و قوله : « و فضلناهم على العالمين » : الجاثية : 16 .


و النذير بمعنى المنذر على ما قيل ، و الإنذار قريب المعنى من التخويف .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :174


فقوله تعالى : « تبارك الذي نزلالفرقان على عبده » أي ثبت و تحقق خير كثير فيمن نزل الفرقان على عبده محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و ثبوت الخير الكثير العائد إلى الخلق فيه تعالى كناية عن فيضانه منه على خلقه حيث نزل على عبده كتابا فارقا بين الحق و الباطل منقذا للعالمين من الضلال سائقا لهم إلى الهدى .


و الجمع في الآية بين نزول القرآن من عنده تعالى و كون النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) رسولا منه نذيرا للعالمين مع تسمية القرآن فرقانا بين الحق و الباطل و توصيف النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بكونه عبدا له نذيرا للعالمين المشعر بكونهمملوكا مأمورا لا يملك من نفسه شيئا كل ذلك تمهيد لما سيحكي - عن المشركين من طعنهم في القرآن بأنه افتراء على الله اختلقه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أعانه على ذلك قوم آخرون ، و من طعنهم في النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بأنه يأكل الطعام و يمشي في الأسواق و سائر ما تفوهوا به - و ما يدفع به مطاعنهم .


فالمحصل أنه كتاب يفرق بحجته الباهرة بين الحق و الباطل فلا يكون إلا حقا إذ الباطل لا يفرق بين الحق و الباطل و إنما يشبه الباطل بالحق ليلبس على الناس ، و أن الذي جاء به عبد مطيع لله ينذر به العالمين و يدعوهم إلى الحق فلا يكون إلا على الحق و لو كان مبطلا لم يدع إلى الحق بل حاد عنه و انحرف على أن الله سبحانه يشهد في كلامه المعجز بصدق رسالته و أن الذي جاء به من الكتاب منزل من عنده .


و من هنا يظهر ما في قول بعضهم : إن المراد بالفرقان مطلق الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء و بعبده عامة الأنبياء (عليهم‏السلام‏) ، و لا يخفى بعده من ظاهر اللفظ .


و قوله تعالى : « ليكون للعالمين نذيرا » اللام للتعليل و تدل على أن غاية تنزيل الفرقان على عبده أن يكون منذرا لجميع العالمين من الإنس و الجن ، و الجمع المحلى باللام يفيد الاستغراق ، و لا يخلو الإتيان بصيغة الجمع المحلى باللام من إشارة إلى أن للجميع إلها واحدا لا كما يذهب إليه الوثنيون حيث يتخذ كل قوم إلها غير ما يتخذه الآخرون .


و الاكتفاء بذكر الإنذار دون التبشير لأن الكلام في السورة مسوق سوق الإنذار و التخويف .


قوله تعالى : « الذي له ملك السموات و الأرض » إلى آخر الآية .


الملك بكسر


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :175


الميم و فتحها قيام شي‏ء بشي‏ء بحيث يتصرف فيه كيف شاء سواء كان قيام رقبته به كقيام رقبة المال بمالكه بحيث كان له أنواع التصرف فيه أو قيامهبه باستيلائه عليه بالتصرف بالأمر و النهي و أنواع الحكم كاستيلاء الملك على الناس من رعيته و ما في أيديهم ، و يطلق على القسم الثاني الملك بضم الميم .


فالملك بكسر الميم أعم من الملك بضمها كما قال الراغب الملك بفتح الميم و كسر اللام - هو المتصرف بالأمر و النهي في الجمهور ، و ذلك يختص بسياسة الناطقين ، و لهذا يقال : ملك الناس و لا يقال : ملك الأشياء - إلى أن قال - فالملك بالضم - ضبط الشي‏ء المتصرف فيه بالحكم ، و الملك - بالكسر - كالجنس للملك فكل ملك - بالضم - ملك بالكسر - و ليس كل ملك - بالكسر - ملكا - بالضم - انتهى .


و ربما يخص الملك بالكسر بما يتعلق بالرقبة ، و الملك بالضم بغيره .


فقوله تعالى : « الذي له ملك السماوات و الأرض » و اللام للاختصاص - يفيد أن السماوات و الأرض مملوكة له غير مستقلة بنفسها في جهة من جهاتها و لا مستغنية عن التصرف فيها بالحكم و أن الحكم فيها و إدارة رحاها يختص به تعالى فهو المليك المتصرف بالحكم فيها على الإطلاق .


و بذلك يظهر ترتب قوله : « و لم يتخذ ولدا » على ما تقدمه فإن الملك على الإطلاق لا يدع حاجة إلى اتخاذ الولد إذ اتخاذ الولد لأحد أمرين إما لكون الشخص لا يقوى على إدارة رحى جميع أموره و لا يملك تدبيرها جميعا فيتخذ الولد ليستعين به على بعض حوائجه و الله سبحانه يملك كل شي‏ء و يقوى على ما أراد ، و إما لكون الشخص محدود البقاء لا يملك ما يملك إلا في أمد محدود فيتخذ الولد ليخلفه فيقوم على أموره بعده و الله سبحانه يملك كل شي‏ء سرمدا و لا يعتريه فناء و زوال فلا حاجة له إلى اتخاذ الولد البتة و فيه رد على المشركين و النصارى .


و كذا قوله تعالى بعده : « و لم يكن له شريك في الملك » فإن الحاجة إلى الشريك إنما هي فيما إذا لم يستوعب الملك الأمور كلها و ملكه تعالى عام لجميع الأشياء محيط بجميعجهاتها لا يشذ منه شاذ ، و فيه رد على المشركين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :176


و قوله تعالى : « و خلق كل شي‏ء فقدره تقديرا » بيان لرجوع تدبير عامة الأمور إليه تعالى وحده بالخلق و التقدير فهو رب العالمين لا رب سواه .


بيان ذلك أن الخلقة لما كانت بتوسيط الأسباب المتقدمة على الشي‏ء و المقارنة له استلزم ذلك ارتباط وجودات الأشياء بعضها ببعض فيتقدر وجود كل شي‏ء و آثار وجوده حسب ما تقدره العلل و العوامل المتقدمة عليه و المقارنة له فالحوادث الجارية في العالم على النظام المشهود مختلطة بالخلقة تابعة للعلل و العوامل المتقدمة و المقارنة و إذ لا خالق غير الله سبحانه فلا مدبر للأمر غيره فلا رب يملك الأشياء و يدبر أمرها غيره .


فكونه تعالى له ملك السماوات و الأرض حاكما متصرفا فيها على الإطلاق يستلزم قيام الخلقة به إذ لو قامت بغيره كان الملك لذلك الغير ، و قيام الخلقة به يستلزم قيام التقدير به ، لكون التقدير متفرعا على الخلقة ، و قيام التقدير به يستلزم قيام التدبير به فله الملك و التدبير فهو الرب عز شأنه .


و ملكه تعالى للسماوات و الأرض و إن استلزم استناد الخلق و التقدير إليه لكن لما كان الوثنيون مع تسليمهم عموم ملكه يرون أن ملكه للجميع و ربوبيته للكل لا ينافي ملك آلهتهم و ربوبيتهم للبعض بتفويضه تعالى ذلك إليهم فكل من الآلهة مليك في صقع ألوهيته رب لمربوبيته و الله سبحانه ملك الملوك و رب الأرباب و إله الآلهة .


فلذلك لم يكف قوله : « الذي له ملك السماوات و الأرض » لإثبات اختصاص الربوبية به تعالى قبالهم بل احتج إلى الإتيان بقوله : « و خلق كل شي‏ء فقدره تقديرا » .


فكأن قائلا يقول : هب أن ملكه للسماوات و الأرض يغنيه عن اتخاذ الولد و الشريك الموجب لسلب ملكه عن بعض الأشياء لكن لم لا يجوز أن يتخذ بعض خلقه شريكالنفسه بتفويض بعض أمور العالم إليه مع كونه مالكا له و لما فوضه إليه و هذا هو الذي كانت يراه المشركون فقد كانوا يقولون في تلبية الحج لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك .


فأجيب عنه بأن الخلق له سبحانه و التقدير يلازمه و إذا اجتمعا لزمهما التدبير فله سبحانه تدبير كل شي‏ء فليس مع ملكه ملك و لا مع ربوبيته ربوبية .


فقد تحصل أن قوله : « الذي له ملك السماوات و الأرض و لم يتخذ ولدا و لم يكن


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :177


له شريك في الملك » مسوق لتوحيد الربوبية و نفي الولد و الشريك من طريق إثبات الملك المطلق ، و أن قوله : « و خلق كل شي‏ء فقدره تقديرا » تقرير و بيان لمعنى عموم الملك و أنه ملك متقوم بالخلق و التقدير موجب لتصديه تعالى لكل حكم و تدبير من غير أن يفوض شيئا من الأمر إلى أحد من الخلق .


و في الآية و التي قبلها لهم أقوال أخر أغمضنا عن إيرادها لخلوها عن الجدوى .


قوله تعالى : « و اتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا و هم يخلقون » إلخ ، لما نعت نفسه بأنه خالق كل شي‏ء و مقدره و أن له ملك السماوات و الأرض و هكذا كان يجب أن يكون الإله المعبود ، أشار إلى ضلالة المشركين حيث عبدوا أصناما ليست بخالقة شيئا بل هي مخلوقة مصنوعة لهم و لا مالكة شيئا لأنفسهم و لا لغيرهم .


و ضمير « و اتخذوا » للمشركين على ما يفيده السياق و إن لم يسبق لهم ذكر و مثل هذا التعبير يفيد التحقير و الاستهانة .


و قوله : « من دونه آلهة لا يخلقون شيئا و هم يخلقون » يريد به أصنامهم التي صنعوها بأيديهم بنحت أو نحوه ، و توصيفها بالآلهة مع تعقيبها بمثل قوله : « لا يخلقون شيئا و هم يخلقون » إشارة إلى أن ليس لها من الألوهية إلا اسم سموها به من غير أن تتحقق من حقيقتها بشي‏ء كما قال تعالى : « إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم » : النجم : 23 .


و وضع النكرة في قوله : « لا يخلقون شيئا » في سياق النفي مبالغة في تقريعهم حيث أعرضوا عن الله سبحانه و هو خالق كل شي‏ء و تعلقوا بأصنام لا يخلقون و لا شيئا من الأشياء بل هم أردأ حالا من ذلك حيث إنهم مصنوعون لعبادهم مخلوقون لأوهامهم ، و نظير الكلام جار في قوله : « ضرا و لا نفعا » و قوله : « موتا و لا حياة و لا نشورا » .


و قوله : « و لا يملكون لأنفسهم ضرا و لا نفعا » نفي للملك عنهم و هو ضروري في الإله إذ كان عبادهم إنما يعبدونهم ليدفعوا عنهم الضر و يجلبوا إليهم النفع و إذ كانوا لا يملكون ضرا و لا نفعا حتى لأنفسهم لم تكن عبادتهم إلا خبلا و ضلالا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :178


و بذلك يظهر أن في وقوع « لأنفسهم » في السياق زيادة تقريع و الكلام في معنى الترقي أي لا يملكون لأنفسهم ضرا حتى يدفعوه و لا نفعا حتى يجلبوه فكيف لغيرهم ؟ و قد قدم الضر على النفع لكون دفع الضرر أهم من جلب النفع .


و قوله : « و لا يملكون موتا و لا حياة و لا نشورا » أي لا يملكون موتا حتى يدفعوه عن عبادهم أو عمن شاءوا و لا حياة حتى يسلبوها عمن شاءوا أو يفيضوها على من شاءوا و لا نشورا حتى يبعثوا الناس فيجازوهم على أعمالهم ، و ملك هذه الأمور من لوازم الألوهية .


بحث روائي


في الكافي ، بإسناده عن ابن سنان عمن ذكره قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن القرآن و الفرقان هما شيئان أو شي‏ء واحد ؟ فقال : القرآن جملة الكتاب و الفرقان المحكم الواجب العمل به و في الاختصاص ، للمفيد : ، في حديث عبد الله بن سلام لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : فأخبرني هل أنزل الله عليك كتابا ؟ قال : نعم ، قال : و أي كتاب هو ، قال : الفرقان : قال و لم سماه ربك فرقانا ؟ قال : لأنه متفرق الآيات و السور أنزل في غير الألواحو غيره من الصحف و التوراة و الإنجيل و الزبور أنزلت كلها جملة في الألواح و الأوراق . قال : صدقت يا محمد .


أقول : كل من الروايتين ناظرة إلى واحد من معنيي الفرقان المتقدمين .


وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْترَاهُ وَ أَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَفَقَدْ جَاءُو ظلْماً وَ زُوراً(4) وَ قَالُوا أَسطِيرُ الأَوَّلِينَ اكتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكرَةً وَ أَصِيلاً(5) قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السرَّ فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِإِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَّحِيماً(6) وَ قَالُوا مَا لِ هَذَا الرَّسولِ يَأْكلُ الطعَامَ وَ يَمْشى فى الأَسوَاقِلَوْ لا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً(7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكلُ مِنْهَاوَ قَالَ الظلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَّسحُوراً(8) انظرْ كيْف ضرَبُوا لَك الأَمْثَلَ فَضلُّوا فَلا يَستَطِيعُونَ سبِيلاً(9) تَبَارَك الَّذِى إِن شاءَ جَعَلَ لَك خَيراً مِّن ذَلِك جَنَّتٍ تجْرِى مِن تحْتِهَا الأَنْهَرُ وَ يجْعَل لَّك قُصورَا(10) بَلْ كَذَّبُوا بِالساعَةِوَ أَعْتَدْنَا لِمَن كذَّب بِالساعَةِ سعِيراً(11) إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكانِ بَعِيدٍ سمِعُوا لهََا تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً(12) وَ إِذَا أُلْقُوا مِنهَا مَكاناً ضيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِك ثُبُوراً(13) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَحِداً وَ ادْعُوا ثُبُوراً كثِيراً(14) قُلْ أَ ذَلِك خَيرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتى وُعِدَ الْمُتَّقُونَكانَت لهَُمْ جَزَاءً وَ مَصِيراً(15) لهَُّمْ فِيهَا مَا يَشاءُونَ خَلِدِينَكانَ عَلى رَبِّك وَعْداً مَّسئُولاً(16) وَ يَوْمَ يَحْشرُهُمْ وَ مَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَ أَنتُمْ أَضلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضلُّوا السبِيلَ‏(17) قَالُوا سبْحَنَك مَا كانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِك مِنْ أَوْلِيَاءَ وَ لَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَ ءَابَاءَهُمْ حَتى نَسوا الذِّكرَ وَ كانُوا قَوْمَا بُوراً(18) فَقَدْ كذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَستَطِيعُونَ صرْفاً وَ لا نَصراًوَ مَن يَظلِم مِّنكمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كبِيراً(19) وَ مَا أَرْسلْنَا قَبْلَك مِنَ الْمُرْسلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكلُونَ الطعَامَ وَ يَمْشونَ فى الأَسوَاقِوَ جَعَلْنَا بَعْضكمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصبرُونَوَ كانَ رَبُّك بَصِيراً(20)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :179


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :180


بيان


تحكي الآيات عن المشركين ما طعنوا به في القرآن الكريم في النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تجيب عنه .


قوله تعالى : « قال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه و أعانه عليه قوم آخرون » إلخ في التعبير بمثل قوله : « و قال الذين كفروا » من غير أن يقال : و قالوا ، مع تقدم ذكر الكفار في قوله « و اتخذوا من دونه آلهة » تلويح إلى أن القائلين بهذا القول هم كفار العرب دون مطلق المشركين .


و المشار إليه بقولهم : « إن هذا » القرآن الكريم ، و إنما اكتفوا بالإشارة دون أن يذكروه باسمه أو بشي‏ء من أوصافه إزراء به و حطا لقدره .


و الإفك هو الكلام المصروف عن وجهه ، و مرادهم بكونه إفكا افتراء كونه كذبا اختلقه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و نسبه إلى الله سبحانه .


و السياق لا يخلو من إيماء إلى أن المراد بالقوم الآخرين بعض أهل الكتاب و قد ورد في بعض الآثار أن القوم الآخرين هم عداس مولى حويطب بن عبد العزى و يسار مولى العلاء بن الحضرمي و جبر مولى عامر كانوا من أهل الكتاب يقرءون التوراة أسلموا و كان النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يتعهدهم فقيل ما قيل .


و قوله : « فقد جاءوا ظلما و زورا » قال في مجمع البيان : ، إن جاء و أتى ربما كانا بمعنى فعل فيتعديان مثله فمعنى الآية فقد فعلوا ظلما و كذبا ، و قيل إن ظلما منصوب بنزع الخافض و التقدير فقد جاءوا بظلم ، و قيل : حال و التقدير فقد جاءوا ظالمين و هو سخيف .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :181


و فيه ، أيضا : و متى قيل : كيف اكتفى بهذا القدر في جوابهم ؟ قلنا : لما تقدم التحدي و عجزهم عن الإتيان بمثله اكتفى هاهنا بالتنبيه علىذلك انتهى و الظاهر أن الجواب عن قولهم : « إن هذا إلا إفك افتراه » إلخ ، و قولهم : « أساطير الأولين اكتتبها » إلخ ، جميعا هو قوله تعالى : « قل أنزله الذي يعلم السر » إلخ ، على ما سنبين و الجملة أعني قوله : « فقد جاءوا ظلما و زورا » رد مطلق لقولهم و هو في معنى المنع مع السند و سنده الآيات المشتملة على التحدي .


و بالجملة معنى الآية : و قال الذين كفروا من العرب ليس هذا القرآن إلا كلاما مصروفا عن وجهه - حيث إنه كلام محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قد نسبه إلى الله - افترى به على الله و أعانه على هذا الكلامقوم آخرون و هم بعض أهل الكتاب فقد فعل هؤلاء الذين كفروا بقولهم هذا ظلما و كذبا .


قوله تعالى : « و قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة و أصيلا » الأساطير جمع أسطورة بمعنى الخبر المكتوب و يغلب استعماله في الأخبار الخرافية و الاكتتاب هو الكتابة و نسبته إليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مع كونه أميا لا يكتب إنما هي بنوع من التجوز ككونه مكتوبا باستدعاء منه كما يقول الأمير كتبت إلى فلان كذا و كذا و إنما كتبه كاتبه بأمره ، و الدليل على ذلك قوله بعد : « فهي تملى عليه بكرة و أصيلا » إذ لو كان هو الكاتبلم يكن معنى للإملاء ، و قيل : الاكتتاب بمعنى الاستكتاب .


و الإملاء إلقاء الكلام إلى المخاطب بلفظه ليحفظه و يعيه أو إلى الكاتب ليكتبه و المراد به في الآية هو المعنى الأول على ما يعطيه سياق « اكتتبها فهي تملى عليه » إذ ظاهره تحقق الاكتتاب دفعة و الإملاء تدريجا على نحو الاستمرار فهي مكتوبة مجموعة عنده تقرأ عليه وقتا بعد وقت و هو يعيها فيقرأ على الناس ما وعاه و حفظه .


و البكرة و الأصيل الغداة و العشي ، و هو كناية عن الوقت بعد الوقت ، و قيل المراد أول النهار قبل خروج الناس من منازلهم و آخر النهار بعد دخولهمفي منازلهم و هو كناية عن أنها تملى عليه خفية .


و الآية بمنزلة التفسير للآية السابقة فكأنهم يوضحون قولهم : إنه إفك افتراه و أعانه عليه قوم آخرون بأنهم كتبوا له أساطير الأولين ثم يملونها عليه وقتا بعد وقت


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :182


بقراءة شي‏ء بعد شي‏ء عليه ، و هو يقرؤها على الناس و ينسبها إلى الله سبحانه .


فالآية بتمامها من كلام الذين كفروا و ربما قيل : إن قوله « اكتتبها فهي تملى عليه » إلى آخر الآية من كلام الله سبحانه لا من تمام كلامهم ، و هو استفهام إنكاري لقولهم : أساطير الأولين والسياق لا يساعد عليه .


قوله تعالى : « قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات و الأرض إنه كان غفورا رحيما » أمر للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) برد قولهم و تكذيبهم فيما رموا به القرآن أنه إفك مفترى و أنه أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه وقتا بعد وقت .


و توصيفه تعالى بأنه يعلم السر أي خفيات الأمور و بواطنها في السماوات و الأرض للإيذان بأن هذا الكتاب الذي أنزله منطو على أسرار مطوية عن عقول البشر ، و فيه تعريض بمجازاتهم على جناياتهم التي منها رميهم القرآن بأنه إفك مفترى و أنه من الأساطير و هو مما يعلمه تعالى .


و قوله : « إنه كان غفورا رحيما » تعليل لما هو المشاهد من إمهالهم و تأخير عقوبتهم على جناياتهم و تكذيبهم للحق و جرأتهم على الله سبحانه .


و المعنى : قل إن القرآن ليس إفكا مفترى و لا من الأساطير كما يقولون بل كتاب منزل من عند الله سبحانه ضمنه أسرارا خفية لا تصل إلى كنهها عقولكم و لا تحيط بها أحلامكم ، و رميكم إياه بالإفك و الأساطير و تكذيبكم لحقائقه جناية عظيمة تستحقون بها العقوبة غير أن الله سبحانه أمهلكم و أخر عقوبة جنايتكم لأنه متصف بالمغفرة و الرحمة و ذلك يستتبع تأخير العذاب ، هذا ملخص ما ذكروهفي معنى الآية .


و فيه أن السياق لا يساعد عليه فإن محصل معنى الآية على ما فسروه يرجع إلى رد دعوى الكفار كون القرآن إفكا مفترى و من الأساطير بدعوى أنه منزل من عند الله منطو على أسرار خفية لا سبيل لهم إلى الوقوف عليها لا مساغ في مقام المخاصمة لرد الدعوى بدعوى أخرى مثلها أو هي أخفى منها .


على أن التعليل بقوله : « إنه كان غفورا رحيما » إنما يناسب انتفاء العقوبة من أصلها دون الإمهال و التأخير و إنما المناسب للإمهال و التأخير من الأسماء هو مثل الحليم و العليم و الحكيم دون الغفور الرحيم .



الميزان في تفسيرالقرآن ج : 15ص :183


و الأوفق لمقام المخاصمة و الدفاع بإبانة الحق و التعليل بالمغفرة و الرحمة أن يكون قوله « : إنه كان غفورا رحيما » تعليلا لإنزال الكتاب و قد ذكر قبل ذلك أنه أنزله على عبده ليكون للعالمين نذيرا و هذه هي النبوة ، و يكون حينئذ وصفه تعالى بعلم السر في السماوات و الأرض للإيماء إلى أن في سرهم ما يستدعي شمول المغفرة و الرحمة الإلهيتين لحالهم و هو طلبهم بفطرتهم و جبلتهم للسعادة و العاقبة الحسنى التي ليست حقيقتها إلا السعادة الإنسانية بشمول المغفرة و الرحمة و إن أخطأ كثير منهم في تطبيقها على التمتع بالحياة الدنيا و زينتها الداثرة فيكون حجة برهانية على حقية الدعوة النبوية المشتملة عليها القرآن ، و بطلان دعوى كونه إفكا من أساطير الأولين .


و تقرير الحجة أن الله سبحانه يعلم السر في السماوات و الأرض و هو يعلم أن في سركم المستقر في سرائركم المجبولة عليه فطرتكم حبا للسعادة و طلبا و انتزاعا للعاقبة الحسنى و حقيقتها فوز الدنيا و الآخرة ، و كان سبحانه غفورا رحيما و مقتضى ذلك أن يجيبكم إلى ما تسألونه في سركم و بلسان فطرتكم فيهديكم إلى سبيله التي تضمن لكم السعادة .


و هذا كتاب ينطق عليكم بسبيله فليس إفكا مفترى على الله و لا من قبيل الأساطير بل هو كتاب يتضمن ما تسألونه بفطرتكم و تستدعونه في سركم فإن استجبتم لداعيه شملتكم المغفرة و الرحمة و إن توليتم حرمتم ذلك فهو كتاب منزل من عند الله و لو لم يكن نازلا من عنده كما يخبر عنه لم يهد إلى حقيقة السعادة و لم يدع إلى محض الحق و لاختلفت بياناته فدعاكم تارة إلى ما فيه خيركم و نفعكم و هو الذي يجلب إليكم المغفرة و الرحمة ، و تارة إلى ما هو شر لكم و ضار و هو الذي يثير عليكم السخط الإلهي و يستوجب لكم العقوبة .


قوله تعالى : « و قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها » هذه حكاية ما طعنوا به في الرسول بعد ما حكى طعنهم في القرآن بقوله : « و قال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه » إلخ .


و تعبيرهم عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بقولهم : « هذا الرسول » مع تكذيبهم برسالته مبني على التهكم و الاستهزاء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :184


و قولهم : « ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق » استفهام للتعجيب و الوجه فيه أن الوثنيين يرون أن البشر لا يسوغ له الاتصال بالغيب و هو متعلق الوجود بالمادة منغمر في ظلماتها ، و متلوث بقذاراتها ، و لذا يتوسلون في التوجه إلى اللاهوت بالملائكة فيعبدونهم ليشفعوا لهم عند الله و يقربوهم من الله زلفى فالملائكة هم المقربون عند الله المتصلون بالغيب المتعينون للرسالة لو كانت هناك رسالة ، و ليس للبشر شي‏ء من ذلك .


و من هنا يظهر معنى قولهم : « ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق » و أن المراد أن الرسالة لا تجامع أكل الطعام و المشي في الأسواق لاكتساب المعاش فإنها اتصال غيبي لا يجامع التعلقات المادية ، و ليست إلا من شئون الملائكة و لذا قالوا في غير موضع على ما حكاه الله تعالى : « لو شاء الله لأنزل ملائكة » : المؤمنون : 24 أو ما في معناه .


و من هنا يظهر أيضا أن قولهم : « لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا » تنزل من المشركين في الاقتراح أي كيف يكون هذا المدعي للرسالة رسولا و هو يأكل الطعام و يمشي في الأسواق و الرسول لا يكون إلا ملكا منزها عن هذه الخصال المادية فإن ، تنزلنا و سلمنا رسالته و هو بشر فلينزل إليه ملك يكون معه نذيرا ليتصل الإنذار و تبليغ الرسالة بالغيب بتوسط الملك .


و كذا قولهم : « أو يلقى إليه كنز » تنزل عما قبله من الاقتراحأي إن لم ينزل إليه ملك و استقل بالرسالة و هو بشر فليلق إليه من السماء كنز حتى يصرف منه في وجوه حوائجه المادية و لا يكدح في الأسواق في اكتساب ما يعيش به ، و نزول الكنز إليه أسهل من نزول الملك إليه ليعينه في تبليغ الرسالة .


و كذا قولهم : « أو تكون له جنة يأكل منها » تنزل عما قبله في الاقتراح ، و المعنى : و إن لم يلق إليه كنز فليكن له جنة يأكل منها و لا يحتج إلى كسب المعاش و هذا أسهل من إلقاء الكنز إليه .


قوله تعالى : « و قال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا » المراد بالظالمين هم المقترحون السابقو الذكر - كما قيل - فهو من وضع الظاهر موضع المضمر و وصفهم بالظلم للدلالة على بلوغهم في الظلم و الاجتراء على الله و رسوله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :185


و قولهم : « إن تتبعون » إلخ ، خطاب منهم للمؤمنين تعييرا لهم و إغواء عن طريق الحق ، و مرادهم بالرجل المسحور النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يريدون أنه مسحور سحره بعض السحرة فصار يخيل إليه أنه رسول يأتيه ملك الوحي بالرسالة و الكتاب .


قوله تعالى : « انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا » الأمثال الأشباه و ربما قيل : إن المثل هنا بمعنى الوصف على حد قوله تعالى : « مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن » : سورة محمد : 15 ، و المحصل : انظر كيف وصفوك فضلوا فيك ضلالا لا يرجى معه اهتداؤهم إلى الحق كقولهم إنه يأكل الطعام و يمشي في الأسواق فلا يصلح للرسالة لأن الرسول يجب أن يكون شخصا غيبيا لا تعلق له بالمادة و لا أقل من عدم احتياجه إلى الأسباب العادية في تحصيل المعاش ، و كقولهم : إنه رجل مسحور .


و قوله : « فضلوا فلا يستطيعون سبيلا » أي تفرع على هذه الأمثال التي ضربوها لك أنهم ضلوا ضلالا لا يستطيعون معه أن يردوا سبيل الحق و لايرجى لهم معه الاهتداء فإن من أخطأ الطريق ربما أخطأها بانحراف يسير يرجى معه ركوبها ثانيا ، و ربما استدبرها فصار كلما أمعن في مسيره زاد منها بعدا ، و من سمى كتاب الله بالأساطير و وصف رسوله بالمسحور و لم يزل يزيد تعنتا و لجاجا و استهزاء بالحق كيف يرجى اهتداؤه و حاله هذه ؟ .


قوله تعالى : « تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار و يجعل لك قصورا » الإشارة في قوله : « من ذلك » إلى ما اقترحوه من قولهم : « أو تكون له جنة يأكل منها » أو إلى مجموع ما ذكروه من الكنز و الجنة .


و القصور جمع قصر و هو البيت المشيد العالي ، و تنكير « قصورا » للدلالة على التعظيم و التفخيم .


و الآية بمنزلة الجواب عن طعنهم بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و اقتراحهم أن ينزل إليه ملك أو يلقى إليه كنز أو يكون له جنة غير أن فيها التفاتا من التكلم إلى الغيبة فلم يقل : قل إن شاء ربي جعل لي كذا و كذا بل عدل إلى قوله : « تبارك الذي إن شاء جعل لك » إلخ .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :186


و فيه تلويح إلى أنهم لا يستحقون جوابا و لا يصلحون لأن يخاطبوا لأنهم على علم بفساد ما اقترحوا به عليه فالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لم يذكر لهم إلا أنه بشر مثلهم يوحى إليه ، و لم يدع أن له قدرة غيبية و سلطنة إلهية على كل ما يريد أو يراد منه ، كما قال تعالى بعد ما حكى بعض اقتراحاتهم في سورة الإسراء ، « قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا » : إسراء : 93 .


فأعرض سبحانه عن مخاطبتهم و عن الجواب عما اقترحوه ، و إنما ذكر لنبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن ربه الذي اتخذه رسولا و أنزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيرا قادر على أعظم مما يقترحونه فإن شاء جعل له خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ، و يجعل له قصورا لا يبلغ وصفها واصف و ذلك خير من أن يكون له جنة يأكل منها أو يلقى إليه كنز ليصرفه في حوائجه .


و بهذا المقدار يتحصل جوابهم فيما اقترحوه من الكنز و الجنة ، و أما نزول الملك إليه ليشاركه في الإنذار و يعينه على التبليغ فلم يذكر جواب عنه لظهور بطلانه ، و قد أجاب تعالى عنه في مواضع من كلامه بأجوبة مختلفة كقوله : « و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون » : الأنعام : 9 ، و قوله : « قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا » : إسراء : 95 ، و قوله : « ما ننزل الملائكة إلا بالحقو ما كانوا إذا منظرين » : الحجر : 8 ، و قد تقدم تقرير حجة كل من الآيات في ضمن تفسيرها .


و من هنا يظهر أن المراد بجعل الجنات و القصور له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جعله في الدنيا على ما يقتضيه مقام المخاصمة و رد قولهم فإن المحصل من السياق أنهم يقترحون عليك كيت و كيت و هم يريدون تعجيزك و تبكيتك و إن ربك قادر على أعظم من ذلك فإن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار إلخ و هي لا محالة في الدنيا و إلا لم ينقطع به الخصام .


و بذلك يتبين فساد ما نقل عن بعضهم أن المراد جنات الآخرة و قصورها و أفسد منه قول آخرين إن المراد جعل جنات تجري من تحتها الأنهار في الدنيا و جعل القصور في الآخرة ، و ربما استونس لذلك بأن التعبير في الجنات بقوله : « إن شاء جعل » و هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :187


صيغة ماض مفيدة للتحقق مناسبة للدنيا و في القصور بقوله : « يجعل » و هو صيغة مستقبل مناسبة للآخرة هذا مع أن الفعل الواقع في حيز الشرط منسلخ عن الزمان ، و الاختلاف في التعبير تفنن فيه و تجديد لصورة الكلام و الله العالم .


قوله تعالى : « بل كذبوا بالساعة و أعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا » ، إضراب عن طعنهم فيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و اعتراضهم عليه بأكل الطعام و المشي في الأسواق بما يتضمن معنى التكذيب أي ما كذبوك و ردوا نبوتك لأنك تأكل الطعام و تمشي في الأسواق فإنما هو كلام منهم صوري بل السبب الأصلي في إنكارهم نبوتك و طعنهم فيك أنهم كذبوا بالساعة و أنكروا المعاد ، و من المعلوم أن لا وقع للنبوة مع إنكار الساعة و لا معنى للدين و الشريعة لو لا المحاسبة و المجازاة .


فالإشارة إلى السبب الأصلي بعد ذكر الاعتراض و الاقتراح و الجواب هاهنا نظير ما وقع في سورة الإسراء بعد ذكر الاقتراحات ثم الجواب من ذكر السبب الأصلي فيقوله : « قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا و ما منع الناس أن يؤمنوا إلا أن قالوا أ بعث الله بشرا رسولا .


و ذكر جمع من المفسرين أن قوله : « بل كذبوا بالساعة » حكاية لبعض آخر من أباطيلهم كما حكى بعضا آخر منها متعلقا بالتوحيد و الكتاب و الرسالة في قوله : « و اتخذوا من دونه آلهة » و قوله : « و قال الذين كفروا إن هذا إلا إفك » إلخ ، و قوله : « و قالوا ما لهذا الرسول يأكل » إلخ .


ثم تشعبوا في نكتة الإضراب ، فذكر بعضهم أن الوجه فيه كون المعاد لا ريب فيه ، و قال بعضهم : إن إنكاره أعظم ، و قال بعضهم : إنه أعجبإلى غير ذلك .


و الحق أن السياق لا يساعد عليه فإن السياق المتعرض لطعنهم في الرسول (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الجواب عنه لم يتم بعد بشهادة قوله بعد : « و ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام و يمشون في الأسواق » إلخ ، و ما يتلوه من الآيات فلا معنى لاعتراض حكاية تكذيبهم بالساعة بين الآيات الحاكية لتكذيبهم بالرسول و المجيبة عنه ، و هو ظاهر .


و قوله تعالى : « و أعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا » وضع الموصول و الصلة مكان


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :188


الضمير الراجع للدلالة على أن الجزاء بالسعير ثابت في حق كل من كذب بالساعة هم و غيرهم فيه سواء ، و على أن سبب إعتاد السعير عليه فيهم تكذيبهم بالساعة .


و وضع الساعة ثانيا موضع ضميرها ليكون أنص و أصرح فهو المناسب لمقام التهديد ، و السعير النار المشتعلة الملتهبة .


قوله تعالى : « إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا و زفيرا » في المفردات، .


الغيظ أشد غضب إلى أن قال و التغيظ هو إظهار الغيظ ، و قد يكون ذلك مع صوت مسموع كما قال : « سمعوا لها تغيظا و زفيرا » انتهى ، و فيه أيضا : الزفير تردد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه ، انتهى .


و الآيةتمثل حال النار بالنسبة إليهم إذا برزوا لها يوم الجزاء أنها تشتد إذا ظهروا لها كالأسد يزأر إذا رأى فريسته .


قوله تعالى : « و إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا » « مكانا » منصوب بتقدير في ، و الثبور الويل و الهلاك .


و التقرين التصفيد بالأغلال و السلاسل و قيل : هو جعلهم مع قرناء الشياطين و هو بعيد من اللفظ .


و المعنى و إذا ألقوا يوم الجزاء في مكان ضيق من النار و هم مصفدون بالأغلال دعوا هنالك ثبورا لا يوصف و هو قولهم : وا ثبوراه .


قوله تعالى : « لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا و ادعوا ثبورا كثيرا » الاستغاثة بالويل و الثبور نوع احتيال للتخلص من الشدة و إذ كان اليوم يوم الجزاء فحسب لا ينفع فيه عمل و لا يجدي فيه سبب البتة لم ينفعهم الدعاء بالثبور أصلا و لذا قال تعالى : « لا تدعوا اليوم » إلخ ، فهو كناية عن أن الثبور لا ينفعكم اليوم سواء استقللتم منه أو استكثرتم .


فهو في معنى قوله تعالى : « اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم » : الطور : 16 ، و قوله حكاية عنهم : « سواء علينا أ جزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص » : إبراهيم : 21 .


و قيل : المراد أن عذابكم طويل مؤبد لا ينقطع بثبور واحد بل يحتاج إلى ثبورات كثيرة .


و هو بعيد .


قوله تعالى : « قل أ ذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون - إلى قوله -


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :189


«مسئولا » الإشارة إلى السعير بما له من الوصف ، أمر نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يسألهم أيهما أرجح السعير أم جنة الخلد ؟ و السؤال سؤال في أمر بديهي لا يتوقف في جوابه عاقل و هو دائر في المناظرة و المخاصمة يردد الخصم بين أمرين أحدهما بديهي الصحة و الآخر بديهي البطلان فيكلف أن يختار أحدهما : فإن اختار الحق فقد اعترف بما كان ينكره ، و إن اختار الباطل افتضح .


و قوله : « أم جنة الخلد » إضافة الجنة إلى الخلد و هو الدوام للدلالة على كونها في نفسها خالدة لا تفنى كما أن قوله بعد : « خالدين » للدلالة على أن أهلها خالدون فيها لا سبيل للفناء إليهم .


و قوله : « وعد المتقون » تقديره وعدها المتقون لأن وعد يتعدى لمفعولين و المتقون مفعول ثان ناب مناب الفاعل .


و قوله : « كانت لهم جزاء و مصيرا » أي جزاء لتقواهم و منقلبا ينقلبون إليه بما هم متقون كما قال تعالى : « إن المتقين في جنات و عيون إلى أن قال - و ما هم منها بمخرجين » : الحجر : 48 : و هو من الأقضية التي قضاها يوم خلق آدم و أمر الملائكة و إبليس بالسجود له ، و يتعين به جزاء المتقين و مصيرهم كما تقدم في تفسير سورة الحجر .


و قوله : « لهم فيها ما يشاءون خالدين » أي إنهم يملكون فيها بتمليك من الله لهم كل ما تتعلق به مشيتهم ، و لا تتعلق مشيتهم إلا بما يحبونه و يشتهونه على خلاف أهل النار كما قال تعالى فيهم : « و حيل بينهم و بين ما يشتهون » : سبأ : 54 ، و لا يحبون و لا يشتهون إلا ما من شأنه أن يتعلق به الحب واقعا و هو الذي يحبه الله لهم و هو ما يستحقونه من الخير و السعادة مما يستكملون به و لا يستضرون به لا هم و لا غيرهم فافهم ذلك .


و بهذا البيان يظهر أن لهم إطلاق المشية يعطون ما شاءوا و أرادوا غير أنهم لا يشاءون إلا ما فيه رضا ربهم ، و يندفع به ما استشكل على الآيات الناطقة بإطلاق المشية كهذه الآية أن لازم إطلاق المشية أن يجوز لهم أن يريدوا بعض المعاصي و القبائح و الشنائع و اللغو ، و أن يريدوا بعض ما يسوء سائر أهل الجنة ، و أن يريدوا نجاة بعض المخلدين في النار ، و أن يريدوا مقامات الأنبياء و المخلصين من الأولياء ممن هم فوقهم درجة إلى غير ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :190


كيف ؟ و قد قال تعالى : « يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي » : الفجر : 27 - 30 فهم راضون بما رضي به الله و مرضيون لا يريدون إلا ما يرتضيه فلا يريدون معصية و لا قبيحا و لا شنيعا و لا لغوا و لا كذابا ، و لا يريدون ما لا يرتضيه غيرهم من أهل الجنة ، و لا يريدون ارتفاع العذاب ممن يريد ربهم عذابه ، و لا يشاءون و لا يتمنون مقام من هو أرفع درجة منهم لأن الذي خصهم بها هو ربهم و قد رضوا بما فعل و أحبوا ما أحبه .


و قوله تعالى : « كان على ربك وعدا مسئولا » أي كان هذا الوعد الذي وعده المتقون وعدا على ربكيجب عليه أن يفي به ، و إنما أوجبه هو تعالى على نفسه حيث قضى بذلك أول يوم ، و أخبر عن ذلك بمثل قوله : « و إن للمتقين لحسن مآب جنات عدن - إلى أن قال - هذا ما توعدون ليوم الحساب » : ص : 53 .


و وجه اتصاف هذا الوعد بكونه مسئولا أن المتقين سألوا ربهم ذلك بلسان حالهم و استعدادهم ، أو سألوه ذلك في دعائم ، أو الملائكة سألوا ذلك كما فيما يحكيه الله عنهم : « ربنا و أدخلهم جنات عدن إلخ » : المؤمن : 8 أو جميع هذه الأسئلة .


و ذكر الطبرسي « ره » في الآية أن قوله : « كانت لهم جزاء و مصيرا » حال من ضمير الجنة المقدر في «وعد المتقون » و أن قوله : « لهم فيها ما يشاءون » حال من « المتقون » و هو أقرب إلى الذهن من قول غيره إن الجملتين استينافان في موضع التعليل كالجواب لسؤال مقدر .


قوله تعالى : « و يوم يحشرهم و ما يعبدون من دون الله » إلى آخر الآية ضمائر الجمع الأربعة عائدة إلى الكفار ، و المراد بما يعبدون الملائكة و المعبودون من البشر و الأصنام إن كان « ما » أعم من غير أولي العقل ، و إلا فالأصنام فقط .


و المشار إليهم المعنيون بقوله : « عبادي هؤلاء » الكفار و معنى الآية ظاهر .


قوله تعالى : « قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء » إلخ ، جواب المعبودين عن قوله : « ء أنتم أضللتم عبادي هؤلاء » إلخ و قد بدءوا بالتسبيح على ما هو من أدب العبودية في موارد يذكر فيها شرك أهل الشرك أو ما يوهم ذلك بوجه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :191


و قوله : « ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء » أي ما صح و ما استقام لنا أن نتجاوزك إلى غيرك فنتخذ من دونك من أولياء و هم الذين عبدونا و اتخذونا أولياء من دونك ، و قوله : « و لكن متعتهم و آباءهم حتى نسوا الذكر و كانوا قوما بورا » البور جمع بائر و هو الهالك و قيل : الفاسد .


لما نفى المعبودون المسئولون عن سبب ضلال عبادهم نسبة الإضلال إلى أنفسهم أخذوا في نسبته إلى الكفار أنفسهم مع بيان السبب الذي أضلهم و هو أنهم كانوا قوما هالكين أو فاسدين و قد متعتهم و آباءهم من أمتعة الحياة الدنيا و نعمها حتى طال عليهم التمتيع امتحانا و ابتلاء فتمتعوا منها و اشتغلوا بها حتى نسوا الذكر الذي جاءت به الرسل فعدلوا عن التوحيد إلى الشرك .


فكونهم قوما هالكين أو فاسدين بسبب انكبابهم على الدنيا و انهماكهم في الشهوات هو السبب في استغراقهم في التمتع و انصراف هممهم إلى الاشتغال بالأسباب و هو السبب لنسيانهم الذكر و العدول عن التوحيد إلى الشرك .


فتبين بذلك أن قوله : « و كانوا قوما بورا » من تمام الجواب و أما من جعل الجملة اعتراضا تذييليا مقررا لمضمون ما قبله و استفاد منه أن السبب الأصلي في ضلالهم أنهم كانوا بحسب ذواتهم أشقياء هالكين ، و ليس ذلك إلا بقضاء حتم منه تعالى في سابق علمه فهو المضل لهم حقيقة ، و إنما نسب إلى أنفسهم أدبا .


ففيه أولا : أنه إفساد لمعنى الآية إذ لا موجب حينئذ لإيراد الاستدراك بقوله : « و لكن متعتهم و آباءهم حتى نسوا الذكر » لكونه فضلا لا حاجة إليه .


و ثانيا : أن نسبة البوار و الشقاء إلى ذوات الأشياء ينافي ما أطبق عليه العقلاء بفطرتهم من تأثير التعليم و التربية ، و الحس و التجربة يؤيدان ذلك و هو يناقض القول بالاختيار و الجبر معا ، أما مناقضة القول بالاختيار فظاهر ، و أما مناقضة القول بالجبر فلأن الجبري يقصر العلية في الواجب تعالى و ينفيه عن غيره و يناقضه نسبة الاقتضاء الضروري إلى ذوات الأشياء و ماهياتها .


و ثالثا : أن فيه خلطا في معنى القضاء من حيث متعلقه فكون القضاء حتما لا يوجب خروج الفعل الذي تعلق به من الاختيار إلى الإجبار فإن القضاء إنما تعلق


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :192


بالفعل بحدوده و هو صدوره عن اختيار الفاعل من حيث إنه صادر عن اختياره فتعلقه يوجب تأكد كونه اختياريا لا أنه يزيل عنه وصف الاختيار .


و رابعا : أن قولهم : إن المضل بالحقيقة هو الله و إنما نسبوا الضلال إلى الكفار أنفسهم تأدبا و بمثله صرحوا في نسبة المعاصي و الأعمال القبيحة الشنيعة و الفجائع الفظيعة إلى فواعلها أنها في عين أنها من أفعاله تعالى إنما تنسب إلى غيره تأدبا كلام متهافت فإن الأدب - كما تقدم تفصيل القول فيه في الجزء السادس من الكتاب - هو الهيئة الحسنة التي ينبغي أن يقع عليها فعل ما ، و بعبارة أخرى ظرافة الفعل ، و إذ كان الحق الصريح في الفعل غير الجميل أنه فعل الله سبحانه و لا يشاركه في فعله غيره بأي وجه فرض كانت نسبته إلى غيره تعالى نسبة باطلة غير حق و كذبا و فرية لا تطابق الواقع فليت شعري أي أدب جميل في إماطة حق صريح و إحياء باطل ؟ و أي ظرافة و لطف في الكذب و الفرية بإسناد الفعل إلى غير فاعله ؟ و الله سبحانه أجل من أن يعظم بباطل أو بالستر على بعض أفعاله أو بالكذب و الفرية بإسناد بعض ما يفعله إلى غيره ، و إذ كان جميلا لا يفعل إلا الجميل فما معنى التأدب بنفي بعض أفعاله عنه ؟ .


قوله تعالى : « فقد كذبوكم بما تقولون فلا تستطيعون صرفا و لا نصرا » إلى آخر الآية ، كلام له تعالى يلقيه إلى المشركين بعد براءة المعبودين منهم ، و أما كلام المعبودين فقد تم في قوله : « و كانوا قوما بورا » .


و المعنى : فقد كذبكم المعبودون بما تقولون في حقهم إنهم آلهة من دون الله يصرفون عن عبدتهم السوء و ينصرونهم ، و إذ كذبوكم و نفوا عن أنفسهم الألوهية و الولاية فلا تستطيعون أنتم أيها العبدة أن تصرفوا عن أنفسكم العذاب بسبب عبادتهم ، و لا تستطيعون نصرا لأنفسكم بسببهم .


و الترديد بين الصرف و النصر كأنه باعتبار استقلال المعبودين في دفع العذاب عنهم و هو الصرف .


و عدم استقلالهم بأن يكونوا جزء السبب و هو النصر .


و قرأ غير عاصم من طريق حفص « يستطيعون » بالياء المثناة من تحت و هي قراءة حسنة ملائمة لمقتضى السياق ، و المعنى : فقد كذبكم المعبودون بما تقولون إنهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :193


آلهة يصرفون عنكم السوء أو ينصرونكم و يتفرع على ذلك أنهم لا يستطيعون لكم صرفا و لا نصرا .


و قوله : « و من يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا » المراد بالظلم مطلق الظلم و المعصية و إن كان مورد الآيات السابقة خصوص الظلم الذي هو الشرك ، فقوله : « و من يظلم منكم » إلخ ، من قبيل وضع القانون العام موضع الحكم الخاص ، و لو كان المراد به الحكم الخاص بهم لكان من حق الكلام أن يقال : « و نذيقكم بما ظلمتم عذابا كثيرا لأنهم كلهم ظالمون ظلم الشرك .


و النكتة فيه الإشارة إلى أن الحكم الإلهي نافذ جار لا مانع منه و لا معقب له كأنه قيل : و إن كذبكم المعبودون و ما استطاعوا صرفا و لا نصرا فالحكم العام الإلهي « من يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا على نفوذه و جريانه لا مانع منه و لا معقب له فأنتم ذائقون العذاب البتة .


قوله تعالى : « و ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام و يمشون في الأسواق » إلى آخر الآية .


أجاب تعالى عن قولهم : « ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق » إلخ ، أولا بقوله : « تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك » إلخ ، مع ما يلحقه من قوله : « بل كذبوا بالساعة » إلخ ، و هذا جواب ثان محصله أن هذا الرسول ليس بأول رسول أرسل إلى الناس بل أرسل الله قبله جما غفيرا من المرسلين و قد كانوا على العادة البشرية الجارية بين الناس يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق و لم يخلق لهم جنة يأكلون منها و لا ألقي إليهم كنز و لا أنزلمعهم ملك ، و هذا الرسول إنما هو كأحدهم و لم يأت بأمر بدع حتى يتوقع منه ما لا يتوقع من غيره .


فالآية في معنى قوله : « قل ما كنت بدعا من الرسل و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي » : الأحقاف : 9 ، و قريبة المعنى من قوله : « قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي » : الكهف : 110 .


فإن قيل : هذا في الحقيقة دفع للاعتراض عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خاصة و توجيهه إلى عامة


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :194


الرسل فلهم أن يعترضوا على عامة الرسل كما وجهه سابقوهم و قد حكى الله عنهم ذلك قال : قالوا أ بشر يهدوننا : التغابن : 6 ، و قال : « قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا » : إبراهيم : 10 ، و قال : « ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه و يشرب مما تشربون » : المؤمنون : 33 .


قلنا : الجواب مطابق للاعتراض فإن قولهم : « ما لهذا الرسول يأكل » إلخ ، يعطي الخصوصية بلا إشكال و أما تعميم الاعتراض لو عمم فيدفعه قوله تعالى : « بل كذبوا بالساعة » إلخ ، و قوله قبل ذلك : « قل أنزله الذي يعلم السر » إلخ ، على ما تقدم من التقرير .


و من عجيب القول ما عن بعض المفسرين أن الآية تسلية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كأنه قيل : إن الرسل من قبلك كانوا على الحال التي أنت عليها فلك فيهم أسوة حسنة ، و أما كونه جوابا عن تعنتهم فالنظم لا يساعد عليه إذ قد أجيب عنه بقوله : « انظر كيف ضربوا لك الأمثال » هذا و هو خطأ .


و قوله تعالى : « و جعلنا بعضكم لبعض فتنة أ تصبرون » متمم للجواب السابق بمنزلة التعليل لكون الرسل كسائر الناس في الخواص البشرية من غير أن تتميز حياتهم أو دعوتهم بخواص سماوية تورث القطع بكونهم حاملين للرسالة الإلهية كإنزال ملك عليهم أو إلقاء كنز إليهم أو خلق جنة لهم فكأنه قيل : و السبب في كون الرسل جارين فيحياتهم على ما يجري عليه الناس أنا جعلنا بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها فالرسل فتنة لسائر الناس يمتحنون بهم فيتميز بهم أهل الريب من أهل الإيمان و المتبعون للأهواء الذين لا يصبرون على مر الحق من طلاب الحق الصابرين في طاعة الله و سلوك سبيله .


و بما مر يتبين أولا : أن المراد بالصبر هو الصبر بأقسامه و هي الصبر على طاعة الله ، و الصبر عن معصيته ، و الصبر عند المصائب .


و ثانيا : أن قوله : « و جعلنا بعضكم لبعض فتنة » من وضع الحكم العام موضع الخاص ، و المطلوب الإشارة إلى جعل الرسل - و حالهم هذه الحال - فتنة لسائر الناس .


و قوله تعالى : « و كان ربك بصيرا » أي عالما بالصواب في الأمور فيضع كل أمر


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :195


في الموضع المناسب له و يجري بذلك أتم النظام فهدف النظام الإنساني كمال كل فرد بقطعه طريق السعادة أو الشقاوة على حسب ما يستعد له و يستحقه و لازمه بسط نظام الامتحان بينهم و لازمه ارتفاع التمايز بين الرسل و غيرهم .


و في الجملة التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة ، و النكتة فيه نظيرة ما في قوله السابق : « تبارك الذي إن شاء » إلخ، .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن إسحاق و ابن جرير و ابن المنذر عن ابن عباس : أن عتبة و شيبة ابني ربيعة و أبا سفيان بن حرب و النضر بن الحارث و أبا البختري و الأسود بن المطلب و زمعة بن الأسود و الوليد بن المغيرة و أبا جهل بن هشام و عبد الله بن أمية و أمية بن خلف و العاصي بن وائل و نبيه بن الحجاج اجتمعوا فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه و خاصموه حتى تعذروا منه ، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك . قال : فجاءهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالوا له : يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا ، و إن كنت تطلب الشرف فنحن نسودك ، و إن كنت تطلب ملكا ملكناك . فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ما بي مما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ، و لا الشرف فيكم ، و لا الملك عليكم و لكن الله بعثني إليكم رسولا ، و أنزل علي كتابا ، و أمرني أن أكون لكم بشيرا و نذيرا فبلغتكم رسالة ربي و نصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا و الآخرة و إن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني و بينكم . قالوا : يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا عرضناه عليك فسل لنفسك و سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول و يراجعنا عنك و سله أن يجعل لك جنانا و قصورا من ذهب و فضة يغنيك عما تبتغي فإنك تقوم بالأسواق و تلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك و منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم .


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :196


فقال لهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ما أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، و ما بعثت إليكم بهذا و لكن الله بعثني بشيرا و نذيرا . فأنزل الله في قولهم ذلك « و قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام » إلى قوله و جعلنا بعضكم لبعض فتنة . أ تصبرون و كان ربك بصيرا » أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا ، و لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا تخالفوه لفعلت .


و فيه ، أخرج الطبراني و ابن مردويه من طريق مكحول عن أبي أمامة قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعدا من بين عيني جهنم . قالوا : يا رسول الله و هل لجهنم من عين ؟ قال : أ ما سمعتم الله يقول : « إذا رأتهم من مكان بعيد » فهل تراهم إلا بعينين ؟ : أقول : و رواه أيضا عن رجل من الصحابة ، و في حجة الخبر خفاء .


و فيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي أسيد : أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) سئل عن قول الله : « و إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين » قال : و الذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط .


وَ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْ لا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَئكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَالَقَدِ استَكْبرُوا فى أَنفُسِهِمْ وَ عَتَوْ عُتُوًّا كَبِيراً(21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئكَةَ لا بُشرَى يَوْمَئذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَ يَقُولُونَ حِجْراً محْجُوراً(22) وَ قَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَاءً مَّنثُوراً(23) أَصحَب الْجَنَّةِ يَوْمَئذٍ خَيرٌ مُّستَقَرًّا وَ أَحْسنُ مَقِيلاً(24) وَ يَوْمَ تَشقَّقُ السمَاءُ بِالْغَمَمِ وَ نُزِّلَ المَْلَئكَةُ تَنزِيلاً(25) الْمُلْك يَوْمَئذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِوَ كانَ يَوْماً عَلى الْكَفِرِينَ عَسِيراً(26) وَ يَوْمَ يَعَض الظالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنى اتخَذْت مَعَ الرَّسولِ سبِيلاً(27) يَوَيْلَتى لَيْتَنى لَمْ أَتخِذْ فُلاناً خَلِيلاً(28) لَّقَدْ أَضلَّنى عَنِ الذِّكرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنىوَ كانَ الشيْطنُ لِلانسنِ خَذُولاً(29) وَ قَالَ الرَّسولُ يَرَب إِنَّ قَوْمِى اتخَذُوا هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُوراً(30) وَ كَذَلِك جَعَلْنَا لِكلّ‏ِ نَبىٍ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَوَ كَفَى بِرَبِّك هَادِياً وَ نَصِيراً(31)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :197



تحكي الآيات اعتراضا آخر من المشركين على رسالة الرسول يردون به عليه محصله أنه لو جاز أن يكون من البشر بما هو بشر رسول تنزل عليه الملائكة بالوحي من الله سبحانه أو يراه تعالى فيكلمه وحيا لكان الرسول و سائر البشر سواء في هذه الخصيصة فإن كان ما يدعيه من الرسالة حقا لكنا أو كان البعض منا يرى ما يدعي رؤيته و يجد من نفسه ما يجده .


و هذا الاعتراض مما سبقهم إليه أمم الأنبياء الماضين كما حكاه الله : « قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا » : إبراهيم : 10 ، و قد مر تقريبه مرارا .


و هذا مع ما تقدم من اعتراضهم بقولهم : « ما لهذا الرسول يأكل الطعام » إلخ ، بمنزلة حجة واحدة تلزم الخصم بأحد محذورين و محصل تقريره أن الرسالة التي يدعيها هذا الرسول إن كانت موهبة سماوية و اتصالا غيبيا لا حظ فيها للبشر بما هو بشر فلينزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو يجعل له جنة يأكل منها ، و إن كانت خاصة من شأن البشر بما هو بشر أن ينالها يتصف بها فما بالنا لا نجدها في أنفسنا ؟ فلو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا .


و قد أجاب الله سبحانه عن الشق الأول بما تقدم تقريره ، و عن الثاني بأنهم سيرون الملائكة لكن في نشأة غير هذه النشأة الدنيوية ، و الجواب في معنى قوله : « ما


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :198


ننزل الملائكة إلا بالحق و ما كانوا إذا منظرين » : الحجر : 8 و سيجي‏ء تقريره ، و في الآيات إشارة إلى ما بعد الموت و يوم القيامة .


قوله تعالى : « و قال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنالقد استكبروا في أنفسهم و عتوا عتوا كبيرا » قال في مجمع البيان : ، الرجاء ترقب الخير الذي يقوى في النفس وقوعه و مثله الطمع و الأمل ، و اللقاء المصير إلى الشي‏ء من غير حائل ، و العتو الخروج إلى أفحش الظلم .


انتهى .


المراد باللقاء الرجوع إلى الله يوم القيامة سمي به لبروزهم إليه تعالى بحيث لا يبقى في البين حائل جهل أو غفلة لظهور العظمة الإلهية كما قال تعالى : « و يعلمون أن الله هو الحق المبين » .


فالمراد بعدم رجائهم اللقاء إنكارهم للمعاد و تكذيبهم بالساعة و لم يعبر عنه بتكذيب الساعة و نحوه كما عبر في الآيات السابقة لمكان ذكرهم مشاهدة الملائكة و رؤية الرب تعالى و تقدس ففيه إشارة إلى أنهم إنما قالوا ما قالوا و طلبوا إنزال الملائكة أو رؤية الرب ليأسهم من اللقاء و زعمهم استحالة ذلك فقد ألزموا بما هو مستحيل على زعمهم .


فقولهم : « لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا » اعتراض منهم على رسالة الرسول أوردوه في صورة التحضيض كقولهم في موضع آخر : « لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين » : الحجر : 7 ، و تقرير الحجة كما تقدمت الإشارة إليه أنه لو كانت الرسالة - و هي نزول الملائكة بالوحي أو تكليمه تعالى البشر بالمشافهة - مما يتيسر للبشر نيله و نحن بشر أمثال هذا المدعي للرسالة فما بالنا لا ينزل علينا الملائكة و لا نرى ربنا ؟ فهلا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا .


و يؤيد ما ذكرناه من التقرير إطلاق إنزال الملائكة و رؤية الرب من غير أن يقولوا : لو لا أنزل علينا الملائكة فيصدقوك أو نرى ربنا فيصدقك .


على أنهم ذكروا في اعتراضهم السابق نزول الملك ليكون معه نذيرا و فيه تصديقه .


و في التعبير عنه تعالى بلفظ ربنا نوع تهكم منهم فإن المشركين ما كانوا يرونه تعالى ربا لهم بل كان عندهم أن أربابهم ما كانوا يعبدونهم و الله سبحانه رب الأرباب


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :199


فكأنهم قالوا للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إنك ترى أن الله ربك و قد حن إليك فخصك بالمشافهة و التكليم ، و أنه ربنا ، فليحن إلينا و ليشافهنا بالرؤية كما فعل بك .


على أنهم إنما عدلوا عن عبادة أرباب الأصنام و هم الملائكة و روحانيات الكواكب و نحوهم إلى عبادة الأصنام و التماثيل لتكون محسوسة غير غائبة عن المشاهدة عند العبادة و التقرب بالقرابين .


و قوله تعالى : « لقد استكبروا في أنفسهم و عتوا عتوا كبيرا » أي أقسم لقد طلبوا الكبر لأنفسهم بغير حق و طغوا طغيانا عظيما .


قوله تعالى : « يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين و يقولون حجرا محجورا » في المفردات : ، الحجر الممنوع منه بتحريمه قال تعالى : « و قالوا هذه أنعام و حرث حجر » « و يقولون حجرا محجورا » كان الرجل إذا لقي من يخاف يقول ذلك فذكر تعالى أن الكفار إذا رأوا الملائكة قالوا ذلك ظنا إن ذلك ينفعهم .


انتهى .


و عن الخليل كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في الأشهر الحرم فيقول : حجرا محجورا أي حرام عليك التعرض لي في هذا الشهر فلا يبدؤه بشر و عن أبي عبيدة : هي عوذة للعرب يقولها من يخاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه و بينهما ترة .


فقوله : « يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين » « يوم » على ما قيل ظرف لقوله : « لا بشرى » و قوله : « يومئذ » تأكيد له ، و المراد بقوله : « لا بشرى » نفي للجنس ، و المراد بالمجرمين كل متصف بالإجرام غير أن مورد الكلام إجرام الشرك و المجرمون هم الذين لا يرجون اللقاء ، و قد تقدم ذكرهم و المعنى : يوم يرى هؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا الملائكة لا بشرى - على طريق نفي الجنس - يومئذ للمجرمين و هم منهم .


و قوله : « و يقولون حجرا محجورا » فاعل يقولون هم المشركون أي يقول المشركون يومئذ للملائكة و هم قاصدوهم بالعذاب : حجرا محجورا أي لنكن في معاذ منكم ، و قيل : ضمير الجمع للملائكة ، و المعنى : و يقول الملائكة للمشركين حراما محرما عليكم سماع البشرى ، أو حراما محرما عليكم أن تدخلوا الجنة أو حراما محرما


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :200


عليكم أن تتعوذوا من العذاب إلى شي‏ء فلا معاذ لكم هذا ، و المعنى : الأول أقرب إلى السياق .


و الآية في موضع الجواب عن قولهم : « لو لا أنزل علينا الملائكة » و قد أعرضت عن جواب قولهم : « أو نرى ربنا » فإن الرؤية التي كانوا يقصدونها بقولهم هي الرؤية البصرية التي تستلزم التجسم و المادية تعالى عن ذلك ، و أما الرؤية بعين اليقين و هي الرؤية القلبية فلم يكونوا ممن يفقه ذلك و على تقديره ما كانوا يقصدونه .


و أما توضيح الجواب عن أمر إنزال الملائكة و رؤيتهم فقد أخذ أصل الرؤية مفروغا منه مسلما أن هناك يوما يرون فيه الملائكة غير أنه وضع الإخبار عن وصفهم يوم الرؤية موضع الإخبار عن أصل رؤيتهم للإشارة إلى أن طلبهم لرؤية الملائكة ليس يجري على نفعهم فإنهم لا يرون الملائكة إلا يوم يشافهون عذاب النار و ذلك بعد تبدل النشأة الدنيوية من النشأة الأخرى كما أشار إليه في موضع آخر بقوله : « ما ننزل الملائكة إلا بالحق و ما كانوا إذا منظرين » : الحجر : 8 ، فهم في مسألتهم هذه يستعجلون بالعذاب و هم يحسبون أنهم يعجزون الله و رسوله بالحجة .


و أما ما هو هذا اليوم الذي أشير إليه بقوله : « يوم يرون الملائكة » فقد ذكر المفسرون أنه يوم القيامة لكن الذي يعطيه السياق مع ما ينضم إليه من الآيات الواصفة ليوم الموت و ما بعده كقوله : « و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون » الآية ، : الأنعام : 93، و قوله : « إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا أ لم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها » : النساء : 97 إلى غير ذلك من الآيات .


أن المراد به الموت و هو المسمى في عرف القرآن برزخا فإن في الآيات دلالة قاطعة على أنهم يرون الملائكة و يشافهونهم بعد الموت قبل يوم القيامة ، و المتعين - على ما يقتضيه طبع المخاصمة - في جواب من يجحد رؤية الملائكة أن يذكر له أول يوم يراهم بما يسوؤه و هو يوم الموت لا أن يخاصم بذكر رؤيتهم يوم القيامة و قوله لهم : حجرا محجورا ، و قد رآهم قبل ذلك و عذب بأيديهم أمدا بعيدا و هو ظاهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :201


فالظاهر أن الآية و الآيتين التاليتين ناظرة إلى حالهم في البرزخ تصف رؤيتهم للملائكة فيه ، و إحباط أعمالهم فيه ، و حال أهل الجنة التي فيه .


قوله تعالى : « و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا » قال الراغب في المفردات : ، العمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد فهو أخص من الفعل لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد و قد ينسب إلى الجمادات ، و العمل قلما ينسب إلى ذلك ، و لم يستعمل العمل في الحيوانات إلا في قولهم : البقر العوامل .


انتهى .


و قال : الهباء دقاق التراب و ما انبث في الهواء فلا يبدو إلا في أثناء ضوء الشمس في الكوة .


انتهى .


و النثر التفريق .


و المعنى : و أقبلنا إلى كل عمل عملوه - و العمل هو الذي يعيش به الإنسان بعد الموت - ففرقناه تفريقا لا ينتفعون به كالهباء المنثور ، و الكلام مبني على التمثيل مثل به استيلاء القهر الإلهي على جميع أعمالهم التي عملوها لسعادة الحياة و إبطالها بحيث لا يؤثر في سعادة حياتهم المؤبدة شيئا بتشبيهه بسلطان غلب عدوه فحل داره بعد ما ظهر عليه فخرب الدارو هدم الآثار و أحرق المتاع و الأثاث فأفنى منه كل عين و أثر .


و لا منافاة بين ما تدل عليه الآية من حبط الأعمال يومئذ و بين ما تدل عليه آيات أخر أن أعمالهم أحبطت حينما عملوها في الدنيا بكفرهم و إجرامهم فإن معنى الإحباط بعد الموت ظهور الحبط لهم بعد ما كان خفيا في الدنيا عليهم و قد تقدم كلام مشبع في معنى الحبط في الجزء الثاني من الكتاب فراجع .


قوله تعالى : « أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا و أحسن مقيلا » المراد بأصحاب الجنة المتقون فقد تقدم قوله قبل آيات : « قل أ ذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون » ، و المستقر و المقيل اسما مكان من الاستقرار و معناه ظاهر و من القيلولة و هي الاستراحة في منتصف النهار سواء كان معها نوم أم لا - على ما قيل - و الجنة لا نوم فيه .


و كلمتا « خير » و « أحسن » منسلخان عن معنى التفضيل كما في قوله تعالى : « و هو أهون عليه » : الروم : 27 ، و قوله : « ما عند الله خير من اللهو » : الجمعة : 11 كذا قيل ، و ليس يبعد أن يقال : إن « أفعل » أو ما هو في معناه كخير بناء على ما


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :202


رجحنا أنه صفة مشبهة تدل على التفضيل بمادته لا بهيئته في مثل هذه الموارد غير منسلخ عن معنى التفضيل و العناية في ذلك أنهم لما اختاروا الشرك و الإجرام و استحسنوا ذلك و لازمه النار في الآخرة فقد أثبتوا لها خيرية و حسنا فقوبلوا بأن الجنة و ما فيها خير و أحسن حتى على لازم قولهم فعليهم أن يختاروها على النار و أن يختاروا الإيمان على الكفر على أي حال ، و قيل : إن التفضيل مبني على التهكم .


قوله تعالى : « و يوم تشقق السماء بالغمام و نزل الملائكة تنزيلا » الظاهر أن الظرف منصوب بفعل مقدر ، و المعنى و اذكر يوم كذا و كذا فإنهم يرون الملائكة فيه أيضا و هذا اليوم هو يوم القيامة بدليل قوله بعد : «الملك يومئذ الحق للرحمن » ، و قيل في متعلق الظرف وجوه أخر لا فائدة في نقلها .


و « تشقق » أصله تتشقق من باب التفعل من الشق بمعنى الخرم و التشقق التفتح ، و الغمام السحاب سمي به لستره ضوء الشمس مأخوذ من الغم بمعنى الستر .


و الباء في قوله : « تشقق السماء بالغمام » إما للملابسة و المعنى تتفتح السماء متلبسة بالغمام أي متغيمة ، و إما بمعنى عن و المعنى تتفتح عن الغمام أي من قبل الغمام أو تشققه .


و كيف كان فظاهر الآية أن السماء تنشق يوم القيامة بما عليها من الغمام الساتر لها و نزل منها الملائكة الذين هم سكانها فيشاهدونهم فالآية قريبة المعنى من قوله في موضع آخر : « و انشقت السماء فهي يومئذ واهية و الملك على أرجائها » : الحاقة : 17 .


و ليس من البعيد أن يكون الكلام كناية عن انكشاف غمة الجهل و بروز عالم السماء و هو من الغيب و بروز سكانها و هم الملائكة و نزولهم إلى العالم الأرضي موطن الإنسان .


و قيل : المراد أن السماء يشقها الغمام و هو الذي يذكره في قوله : « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام و الملائكة و قضي الأمر و إلى الله ترجع الأمور » : البقرة : 210 ، و قد مر كلام في تفسير الآية .


و التعبير عن الواقعة بالتشقق دون التفتح و ما يماثله للتهويل ، و كذا التنوين في قوله : « تنزيلا » للدلالة على التفخيم .


قوله تعالى : « الملك يومئذ الحق للرحمن و كان يوما على الكافرين عسيرا » أي


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :203


الملك المطلق يومئذ حق ثابت للرحمن و ذلك لبطلان الأسباب و زوال ما بينها و بين مسبباتها من الروابط المتنوعة ، و قد تقدم غير مرة أن المراد بذلك في يوم القيامة هو ظهور أن الملك و الحكم لله و الأمر إليه وحده ، و أن لا استقلال في شي‏ء من الأسباب على خلاف ما كان يتراءى من ظاهر حالها في نشأة الدنيا قبل قيام الساعة و رجوع كل شي‏ء إليه تعالى .


و قوله : « و كان يوما على الكافرين عسيرا » الوجه فيه ركونهم إلى ظواهر الأسباب و إخلادهم إلى الحياة الأرضية البائدة الداثرة و انقطاعهم عن السبب الحقيقي الذي هو مالك الملك بالحقيقة و عن حياتهم الباقية المؤبدة فيصبحون اليوم و لا ملاذ لهم و لا معاذ .


فعلى هذا يكون الملك مبتدأ و الحق خبره عرف لإفادة الحصر ، و يومئذ ظرف لثبوت الخبر للمبتدإ ، و فائدة التقييد الدلالة على ظهور حقيقة الأمر يومئذ فإن حقيقة الملك لله سبحانه دائما ، و إنما يختلف يوم القيامة مع غيره بزوال الملك الصوري عن الأشياء فيه و ثبوته لها في غيره .


و قال بعضهم : الملك بمعنى المالكية و يومئذ متعلق به و الحق خبر الملك ، و قيل : يومئذ متعلق بمحذوف هو صفة للحق ، و قيل : المراد بيومئذ هو يوم الله ، و قيل : يومئذ هو الخبر للملك و الحق صفة للمبتدإ ، و هذه أقوال ردية لا جدوى لها .


قوله تعالى : « و يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا » قال الراغب في المفردات : ، العض أزم بالأسنان ، قال تعالى : « عضوا عليكم الأنامل » و « و يوم يعض الظالم » و ذلك عبارة عن الندم لما جرى به عادة الناس أن يفعلوه عند ذلك .


انتهى .


و لذلك يتمنى عنده ما فات من واجب العمل كما حكى الله تعالى عنهم قولهم : « يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا » .


و الظاهر أن المراد بالظالم جنسه و هو كل من لم يهتد بهدى الرسول ، و كذا المراد بالرسول جنسه و إن انطبق الظالم بحسب المورد على ظالمي هذه الأمة و الرسول على محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و المعنى : و اذكر يوم يندم الظالم ندما شديدا قائلا من فرط ندمه يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ما إلى الهدى أي سبيل كانت .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :204


قوله تعالى : « يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا » تتمة تمني الظالم النادم على ظلمه ، و فلان كناية عن العلم المذكر و فلانة عن العلم المؤنث قال الراغب : فلان و فلانة كنايتان عن الإنسان و الفلان و الفلانة - باللام - كنايتان عن الحيوانات .


انتهى .


و المعنى : يا ويلتى - يا هلاكي - ليتني لم أتخذ فلانا - و هو من اتخذه صديقا يشاوره و يسمع منه و يقلده - خليلا .


و ذكر بعضهم : أن فلانا في الآية كناية عن الشيطان ، و كأنه نظرا إلى ما في الآية التالية من حديث خذلان الشيطان للإنسان غير أن السياق لا يساعد عليه .


و من لطيف التعبير قوله في الآية السابقة : « يا ليتني اتخذت » إلخ و في هذه الآية : « يا ويلتى ليتني لم أتخذ » إلخ فإن في ذلك تدرجا لطيفا في النداء و الاستغاثة فحذف المنادى في الآية السابقة يلوح إلى أنه يريد أي منج ينجيه مما هو فيه من الشقاء و ذكر الويل بعد ذلك - في هذه الآية يدل على أنه بان له أن لا يخلصه من العذاب شي‏ء قط إلا الهلاك و الفناء ، و لذلك نادى الويل .


قوله تعالى : « لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني و كان الشيطان للإنسان خذولا » تعليل للتمني السابق و المراد بالذكر مطلق ما جاءت به الرسل أو خصوص الكتب السماوية و ينطبق بحسب المورد على القرآن .


و قوله : « و كان الشيطان للإنسان خذولا » من كلامه تعالى و يمكن أن يكون تتمة لكلام الظالم ذكره تأسفا و تحسرا .


و الخذلان بضم الخاء ترك من يظن به أن ينصر نصرته ، و خذلانه أنه يعد الإنسان أن ينصره على كل مكروه إن تمسك بالأسباب و نسي ربه فلما تقطعت الأسباب بظهور القهر الإلهي يوم الموت جزئيا و يوم القيامة كليا خذله و سلمه إلى الشقاء ، قال تعالى : « كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بري‏ء منك » : الحشر : 16 و قال فيما يحكي عن الشيطان يوم القيامة : « ما أنا بمصرخكم و ما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل » : إبراهيم : 22 .


و في هذه الآيات الثلاث إشعار بل دلالة على أن السبب العمدة في ضلال أهل الضلال ولاية أهل الأهواء و أولياء الشيطان ، و المشاهدة يؤيد ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :205


قوله تعالى : « و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا » المراد بالرسول محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بقرينة ذكر القرآن ، و عبر عنه بالرسول تسجيلا لرسالته و إرغاما لأولئك القادحين في رسالته و كتابه و الهجر بالفتح فالسكون الترك .


و ظاهر السياق أن قوله : « و قال الرسول » إلخ معطوف على « يعض الظالم » و القول مما يقوله الرسول يوم القيامة لربه على طريق البث و الشكوى و على هذا فالتعبير بالماضي بعناية تحقق الوقوع و المراد بالقوم عامة العرب بل عامة الأمة باعتبار كفرتهم و عصاتهم .


و أما كونه استئنافا أو عطفا على قوله : « و قال الذين لا يرجون لقاءنا » و كون ما وقع بينهما اعتراضا فبعيد من السياق و عليه فلفظة قال على ظاهر معناها و المراد بالقوم هم القادحون في رسالته الطاعنون في كتابه .


و نظيره في الضعف قول بعضهم : إن المهجور من الهجربمعنى : الهذيان .


و هو ظاهر .


قوله تعالى : « و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين و كفى بربك هاديا و نصيرا » أي كما جعلنا هؤلاء المجرمين عدوا لك كذلك جعلنا لكل نبي عدوا منهم أي هذه من سنتنا الجارية في الأنبياء و أممهم فلا يسوأنك ما تلقى من عداوتهم و لا يشقن عليك ذلك ، ففيه تسلية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و معنى : جعل العدو من المجرمين أن الله جازاهم على معاصيهم بالختم على قلوبهم فعاندوا الحق و أبغضوا الداعي إليه و هو النبي فلعداوتهم نسبة إليه تعالى بالمجازاة .


و قوله : « و كفى بربك هادياو نصيرا » معناه - على ما يعطيه السياق - لا يهولنك أمر عنادهم و عداوتهم و لا تخافنهم على اهتداء الناس و نفوذ دينك فيهم و بينهم فحسبك ربك كفى به هاديا يهدي من استحق من الناس الهداية و استعد له و إن كفر هؤلاء و عتوا فليس اهتداء الناس منوطا باهتدائهم و كفى به نصيرا ينصرك و ينصر دينك الذي بعثك به و إن هجره هؤلاء و لم ينصروك و لا دينك فالجملة مسوقة لإظهار الاستغناء عنهم .


فظهر أن صدر الآية مسوق لتسلي النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و ذيله للاستغناء عن المجرمين من


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :206


قومه ، و في قوله : « و كفى بربك » حيث أخذ بصفة الربوبية : مضافة إلى ضمير الخطاب و لم يقل : و كفى بالله تأييد له .


بحث روائي


في تفسير البرهان ، عن كتاب الجنة و النار بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في حديث يذكر فيه قبض روح الكافر قال : فإذا بلغت الحلقوم ضربت الملائكة وجهه و دبره و قيل : « أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق - و كنتم عن آياته تستكبرون » و ذلك قوله : « يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين - و يقولون حجرا محجورا » فيقولونحراما عليكم الجنة محرما . و في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق و الفاريابي و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال : الهباء ريح الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شي‏ء فجعل الله أعمالهم كذلك . و فيه ، أخرج سمويه في فوائده عن سالم مولى أبي حذيفة قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ليجاء يوم القيامة بقوم معهم حسنات مثال جبال تهامة حتى إذا جي‏ء بهم جعل الله تعالى أعمالهم هباء ثم قذفهم في النار . قال سالم : بأبي و أمي يا رسول الله حل لنا هؤلاء القوم ، قال : كانوا يصلون و يصومون و يأخذون سنة من الليل و لكن كانوا إذا عرض عليهم شي‏ء من الحرام وثبوا عليه فأدحض الله تعالى أعمالهم و في الكافي ، بإسناده عن سليمان بن خالد قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا » قال : أما و الله لقد كانت أعمالهم أشد بياضا من القباطي و لكن كانوا إذا عرض لهم حرام لم يدعوه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :207


أقول : و هذا المعنى مروي فيه و في غيره عنه و عن أبيه (عليه‏السلام‏) بغير واحد من الطرق .


و في الكافي ، أيضا بإسناده عن عبد الأعلى و بإسناد آخر عن سويد بن غفلة قال : قال أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) : في حديث وضع المؤمن في قبره . ثم يفسحان يعني الملكين في قبره مد بصره ثم يفتحان له بابا إلى الجنة و يقولان له : نم قرير العين نوم الشاب الناعم فإن الله يقول : « أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا و أحسن مقيلا » .


أقول : و الرواية - كما ترى - تجعل الآية من آيات البرزخ ، و تشير بقوله : و يقال له : نم « إلخ » إلى نكتة التعبير في الآية بالمقيل فليتنبه .


و في الدر المنثور ، أخرج أبو نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا إليه أهل مكة كلهم و كان يكثر مجالسة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و يعجبه حديثه و غلب عليه الشقاء . فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما ثم دعا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى طعامه فقال : ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله فقال : أطعم يا ابن أخي . قال : ما أنا بالذي أفعل حتى تقول ، فشهد بذلك و طعم من طعامه . فبلغ ذلك أبي بن خلف فأتاه فقال أ صبوت يا عقبة ؟ . و كان خليله فقال : لا و الله ما صبوت و لكن دخل علي رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم فشهدت له فطعم ، فقال : ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبزق في وجهه ففعل عقبة فقال له رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبرا و لم يقتل من الأسارى يومئذ غيره .


أقول : و قد ورد في غير واحد من الروايات في قوله تعالى : « يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا » ، أن السبيل هو علي (عليه‏السلام‏) و هو من بطن القرآن أو من قبيل الجري و ليس من التفسير في شي‏ء.

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :