امروز:
چهار شنبه 26 مهر 1396
بازدید :
690
تفسيرالميزان : سوره فرقان آيات 77- 32


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :208


وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةًكذَلِك لِنُثَبِّت بِهِ فُؤَادَكوَ رَتَّلْنَهُ تَرْتِيلاً(32) وَ لا يَأْتُونَك بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَك بِالْحَقّ‏ِ وَ أَحْسنَ تَفْسِيراً(33) الَّذِينَ يحْشرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُولَئك شرٌّ مَّكاناً وَ أَضلُّ سبِيلاً(34) وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسى الْكتَب وَ جَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيراً(35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَتِنَا فَدَمَّرْنَهُمْ تَدْمِيراً(36) وَ قَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كذَّبُوا الرُّسلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَ جَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةًوَ أَعْتَدْنَا لِلظلِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً(37) وَ عَاداً وَ ثَمُودَا وَ أَصحَب الرَّس وَ قُرُونَا بَينَ ذَلِك كَثِيراً(38) وَ كلاًّ ضرَبْنَا لَهُ الأَمْثَلَوَ كلاًّ تَبرْنَا تَتْبِيراً(39) وَ لَقَدْ أَتَوْا عَلى الْقَرْيَةِ الَّتى أُمْطِرَت مَطرَ السوْءِأَ فَلَمْ يَكونُوا يَرَوْنَهَابَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشوراً(40)


بيان


نقل لطعن آخر مما طعنوا به في القرآن و هو أنه لم ينزل جملة واحدة و الجواب عنه .


قوله تعالى : « و قال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة » المراد بهم مشركو العرب الرادون لدعوة القرآن كما في قدحهم السابق المحكي بقوله : « و قال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه » إلخ .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :209


و قوله « لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة » قد تقدم أن الإنزال و التنزيل إنما يفترقان في أن الإنزال يفيد الدفعة و التنزيل يفيد التدريج لكن ذكر بعضهم أن التنزيل في هذه الآية منسلخ عن معنى التدريج لأدائه إلى التدافع إذ يكون المعنى على تقدير إرادة التدريج : لو لا فرق القرآن جملة واحدة و التفريق ينافي الجملية بل المعنى هلا أنزل القرآن عليه دفعة غير مفرق كما أنزل التوراة و الإنجيل و الزبور .


لكن ينبغي أن يعلم أن نزول التوراة مثلا كما هو الظاهر المستفاد من القرآن كانت دفعة في كتاب مكتوب في ألواح و القرآن إنما كان ينزل عليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالتلقي من عند الله بتوسط الروح الأمين كما يتلقى السامع الكلام من المتكلم ، و الدفعة في إيتاء كتاب مكتوب و تلقيه تستلزم المعية بين أوله و آخره لكنه إذا كان بقراءة و سماع لم يناف التدريج بين أجزائه و أبعاضه بل من الضروري أن يؤتاه القارى‏ء و يتلقاه السامع آخذا من أوله إلى آخره شيئا فشيئا .


و هؤلاء إنما كانوا يقترحون نزول القرآن جملة واحدة على ما كانوا يشاهدون أو يسمعون من كيفية نزول الوحي على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو تلقي الآيات بألفاظها من لسان ملك الوحي فكان اقتراحهم أن الذي يتلوه ملك الوحي على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) سورة بعد سورة و آية بعد آية و يتلقاه هو كذلك فليقرأ جميع ذلك مرة واحدة و ليتلقه هو مرة واحدة و لو دامت القراءة و التلقي مدة من الزمان ، و هذا المعنى أوفق بالتنزيل الدال على التدريج .


و أما كون مرادهم من اقتراح نزوله جملة واحدة أن ينزل كتابا مكتوبا دفعة كما نزلت التوراة و كذا الإنجيل و الزبور على ما هو المعروف عندهم فلا دلالة في الكلام المنقول عنهم على ذلك .


على أنهم ما كانوا مؤمنين بهذه الكتب السماوية حتى يسلموا نزولها دفعة .


و كيف كان فقولهم : « لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة » اعتراض منهم على القرآن من جهة نحو نزوله ، يريدون به أنه ليس بكتاب سماوي نازل من عند الله سبحانه إذ لو كان كتابا سماويا متضمنا لدين سماوي يريده الله من الناس و قد بعث رسولا


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :210


يبلغه الناس لكان الدين المضمن فيه المراد من الناس دينا تامة أجزاؤه معلومة أصوله و فروعه مجموعة فرائضه و سننه و كان الكتاب المشتمل عليه منظمة أجزاؤه ، مركبة بعضه على بعض .


و ليس كذلك بل هو أقوال متفرقة يأتي بها في وقائع مختلفة و حوادث متشتتة ربما وقع واقع فأتى عند ذلك بشي‏ء من الكلام مرتبط به يسمى جملها المنضودة آيات إلهية ينسبها إلى الله و يدعي أنها قرآن منزل إليه من عند الله سبحانه و ليس إلا أنه يتعمل حينا بعد حين عند وقوع وقائع فيختلق قولا يفتريه على الله ، و ليس إلا رجلا صابئا ضل عن السبيل .


هذا تقرير اعتراضهم على ما يستفاد من مجموع الاعتراض و الجواب .


قوله تعالى : « كذلك لنثبت به فؤادك و رتلناه ترتيلا و لا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا » الثبات ضد الزوال ، و الإثبات و التثبيت بمعنى واحد و الفرق بينهما بالدفعة و التدريج ، و الفؤاد القلب و المراد به كما مر غير مرة الأمر المدرك من الإنسان و هو نفسه ، و الترتيل - كما قالوا - الترسيل و الإتيان بالشي‏ء عقيب الشي‏ء ، و التفسير - كما قال الراغب - المبالغة في إظهار المعنى المعقول كما أن الفسر بالفتح فالسكون إظهار المعنى المعقول .


و ظاهر السياق أن قوله : « كذلك » متعلق بفعل مقدر يعلله قوله : « لنثبت » و يعطف عليه قوله : « و رتلناه » و التقدير نزلناه أي القرآن كذلك أي نجوما متفرقة لا جملة واحدة لنثبت به فؤادك ، و قول بعضهم : إن « كذلك » من تمام قول الذين كفروا سخيف جدا .


فقوله : « كذلك لنثبت به فؤادك » بيان تام لسبب تنزيل القرآن نجوما متفرقة و بيان ذلك أن تعليم علم من العلوم و خاصة ما كان منها مرتبطا بالعمل بإلقاء المعلم مسائله واحدة بعد واحدة إلى المتعلم حتى تتم فصوله و أبوابه إنما يفيد حصولا ما لصور مسائله عند المتعلم و كونها مذخورة بوجه ما عنده يراجعها عند مسيس الحاجة إليها ، و أما استقرارها في النفس بحيث تنمو النفس عليها و تترتب عليها آثارها المطلوبة منها فيحتاج إلى مسيس الحاجة و الإشراف على العمل و حضور وقته .


ففرق بين بين أن يلقي الطبيب المعلم مثلا مسألة طبية إلى متعلم الطب إلقاء


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :211


فحسب و بين أن يلقيها إليه و عنده مريض مبتلى بما يبحث عنه من الداء و هو يعالجه فيطابق بين ما يقول و ما يفعل .


و من هنا يظهر أن إلقاء أي نظرة علمية عند مسيس الحاجة و حضور وقت العمل إلى من يراد تعليمه و تربيته أثبت في النفس و أوقع في القلب و أشد استقرارا و أكمل رسوخا في الذهن و خاصة في المعارف التي تهدي إليها الفطرة فإن الفطرة إنما تستعد للقبول و تتهيأ للإذعان إذا أحست بالحاجة .


ثم إن المعارف التي تتضمنها الدعوة الإسلامية الناطق بها القرآن إنما هي شرائع و أحكام عملية و قوانين فردية و اجتماعية تسعد الحياة الإنسانية مبنية على الأخلاق الفاضلة المرتبطة بالمعارف الكلية الإلهية التي تنتهي بالتحليل إلى التوحيد كما أن التوحيد ينتهي بالتركيب إليها ثم إلى الأخلاق و الأحكام العملية .


فأحسن التعليم و أكمل التربية أن تلقى هذه المعارف العالية بالتدريج موزعة على الحوادث الواقعة المتضمنة لمساس أنواع الحاجات مبينة لما يرتبط بها من الاعتقاد الحق و الخلق الفاضل و الحكم العملي المشروع مع ما يتعلق بها من أسباب الاعتبار و الاتعاظ بين قصص الماضين و عاقبة أمر المسرفين و عتو الطاغين و المستكبرين .


و هذه سبيل البيانات القرآنية المودعة في آياته النازلة كما قال تعالى : « و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث و نزلناه تنزيلا » : إسراء : ، 106 و هذا هو المراد بقوله تعالى : « كذلك لنثبت به فؤادك » و الله أعلم .


نعم يبقى عليه شي‏ء و هو أن تفرق أجزاء التعليم و إلقاءها إلى المتعلم على التمهل و التؤدة يفسد غرض التعليم لانقطاع أثر السابق إلى أن يلحق به اللاحق و سقوط الهمة و العزيمة عن ضبط المطالب ففي اتصال أجزاء العلم الواحد بعضها ببعض إمدادا للذهن و تهيئة للفهم على التفقه و الضبط لا يحصل بدونه البتة .


و قد أجاب تعالى عنه بقوله : « و رتلناه ترتيلا » فمعناه على ما يعطيه السياق أن هذه التعليمات على نزولها نجوما متفرقة عقبنا بعضها ببعض و نزلنا بعضها إثر بعض بحيث لا تبطل الروابط و لا تنقطع آثار الأبعاض فلا يفسد بذلك غرض التعليم بل هي سور و آيات نازلة بعضها إثر بعض مترتبة مرتلة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :212


على أن هناك أمرا آخر و هو أن القرآن كتاب بيان و احتجاج يحتج على المؤالف و المخالف فيما أشكل عليهم أو استشكلوه على الحق و الحقيقة بالتشكيك و الاعتراض ، و يبين لهم ما التبس عليهم أمره من المعارف و الحكم الواقعة في الملل و الأديان السابقة و ما فسرها به علماؤهم بتحريف الكلم عن مواضعه كما يظهر بقياس ما كان يعتقده الوثنيون في الله تعالى و الملائكة و الجن و قديسي البشر و ما وقع في العهدين من أخبار الأنبياء و ما بثوه من معارف المبدإ و المعاد ، إلى ما بينه القرآن في ذلك .


و هذا النوع من الاحتجاج و البيان لا يستوفي حقه إلا بالتنزيل التدريجي على حسب ما كان يبدو من شبههم و يرد على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من مسائلهم تدريجا ، و يورد على المؤمنين أو على قومهم من تسويلاتهم شيئا بعد شي‏ء و حينا بعد حين .


و إلى هذا يشير قوله تعالى : « و لا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا » - و المثل الوصف - أي لا يأتونك بوصف فيك أو في غيرك حادوا به عن الحق أو أساءوا تفسيره إلا جئناك بما هو الحق فيه أو ما هو أحسن الوجوهفي تفسيره فإن ما أتوا به إما باطل محض فالحق يدفعه أو حق محرف عن موضعه فالتفسير الأحسن يرده إلى مستواه و يقومه .


فتبين بما تقدم أن قوله : « كذلك لنثبت به فؤادك » - إلى قوله - و أحسن تفسيرا » جواب عن قولهم : « لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة » بوجهين : أحدهما : بيان السبب الراجع إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو تثبيت فؤاده بالتنزيل التدريجي .


و ثانيهما : بيان السبب الراجع إلى الناس و هو بيان الحق فيما يوردون على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من المثل و الوصف الباطل ، و التفسير بأحسن الوجوهفيما يوردون عليه من الحق المغير عن وجهه المحرف عن موضعه .


و يلحق بهذا الجواب قوله تلوا : « الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا و أضل سبيلا » فهو كالمتمم للجواب على ما سيجي‏ء بيانه .


و تبين أيضا أن الآيات الثلاث مسوقة جميعا لغرض واحد و هو الجواب عما


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :213


أوردوه من القدح في القرآن هذا ، و المفسرون فرقوا بين مضامين الآيات الثلاث فجعلوا قوله : « كذلك لنثبت به فؤادك » جوابا عن قولهم : « لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة » ، و قوله : « و رتلناه ترتيلا » خبرا عن ترسيله في النزول أو في القراءة على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من غير ارتباط بما تقدمه .


و جعلوا قوله : « و لا يأتونك بمثل » إلخ ، كالبيان لقوله : « كذلك لنثبت به فؤادك » و إيضاحا لكيفية تثبيت فؤاده (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و جعله بعضهم ناظرا إلى خصوص المثل الذي ضربوه للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و أن الله بين الحق فيه و جاء بأحسن التفسير و قيل غير ذلك ، و جعلوا قوله : « الذين يحشرون » الآية أجنبيا عن غرض الآيتين السابقتين بالكلية .


و التأمل فيما قدمناه في توجيه مضمون الآيتين الأوليين و ما سيأتي من معنى الآية الثالثة يوضح فساد جميع ذلك ، و يظهر أن الآيات الثلاث جميعا ذات غرض واحد و هو الجواب عما أوردوه من الطعن في القرآن من جهة نزوله التدريجي .


و ذكروا أيضا أن الجواب عن قدحهم و اقتراحهم بقوله : « كذلك لنثبت به فؤادك » جواب بذكر بعض ما لتفريق النزول من الفوائد و أن هناك فوائد أخرى غير ما ذكره الله تعالى ، و قد أوردوا فوائد أخرى أضافوها إلى ما وقع في الآية : منها : أن الكتب السماوية السابقة على القرآن إنما أنزلت جملة واحدة لأنها أنزلت على أنبياء يكتبون و يقرءون فنزلت عليهم جملة واحدة مكتوبة و القرآن إنما نزل على نبي أمي لا يكتب و لا يقرأ و لذلك نزل متفرقا .


و منها أن الكتب المتقدمة لم يكن شاهد صحتها و دليل كونها من عند الله تعالى إعجازها ، و أما القرآن فبينة صحته و آية كونه من عند الله تعالى نظمه المعجز الباقي على مر الدهور المتحقق في كل جزء من أجزائه المقدر بمقدار أقصر السور حسبما وقع به التحدي .


و لا ريب أن مدار الإعجاز هو المطابقة لما تقتضيه الأحوال ، و من ضرورة تجددها تجدد ما يطابقها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :214


و منها : أن في القرآن ناسخا و منسوخا و لا يتيسر الجمع بينهما لمكان المضادة و المنافاة ، و فيه ما هو جواب لمسائل سألوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عنها و فيه ما هو إنكار لبعض ما كان ، و فيه ما هو حكاية لبعض ما جرى ، و فيه ما فيه إخبار عما سيأتي في زمن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كالإخبار عن فتح مكة و دخول المسجد الحرام ، و الإخبار عن غلبة الروم على الفرس إلى غير ذلك من الفوائد فاقتضت الحكمة تنزيله متفرقا .


و هذه وجوه ضعيفة لا تقتضي امتناع النزول جملة واحدة : أما الوجه الأول فكون النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أميا لا يقرأ و لا يكتب لايمنع النزول جملة واحدة ، و قد كان معه من يكتبه و يحفظه .


على أن الله سبحانه وعده أن يعصمه من النسيان و يحفظ الذكر النازل عليه كما قال : « سنقرئك فلا تنسى » : الأعلى : 6 ، و قال : « إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون » : الحجر : 9 ، و قال : « إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه » : حم السجدة : 42 ، و قدرته تعالى على حفظ كتابه مع نزوله دفعة أو تدريجا سواء .


و أما الوجه الثاني : فكما أن الكلام المفرق يقارنه أحوال تقتضي في نظمه أمورا إن اشتمل عليها الكلام كان بليغا و إلا فلا ، كذلك الكلام الجملي و إن كان كتابا يقارنه بحسب فصوله و أجزائه أحوال لها اقتضاءات إن طابقها كان بليغا و إلا فلا فالبلاغة غير موقوفة على غير الكتاب النازل دفعة و الكلام المجموع جملة واحدة .


و أما الوجه الثالث فالنسخ ليس إبطالا للحكم السابق و إنما هو بيان انتهاء أمده فمن الممكن الجمع بين الحكمين و المنسوخ و الناسخ بالإشارة إلى أن الحكم الأول محدود موقت إن اقتضت المصلحة ذلك .


و من الممكن أيضا أن يقدم بيان المسائل التي سيسألون عنها حتى لا يحتاجوا فيها إلى سؤال و لو سألوا عن شي‏ء منها أرجعوا إلى سابق البيان ، و كذا من الممكن أن يقدم ذكر ما هو إنكار لما كان أو حكاية لما جرى أو إخبار عن بعض المغيبات فشي‏ء من ذلك لا يمتنع تقديمه كما هو ظاهر .


على أن تفريق النزول لبعض هذه الحكم و المصالح من تثبيت الفؤاد فليست هذه الوجوه المذكورة وجوها على حدتها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :215


فالحق أن البيان الواقع في الآية بيان تام جامع لا حاجة معه إلى شي‏ء من هذه الوجوه البتة .


قوله تعالى : « الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا و أضل سبيلا » اتصال الآية بما قبلها من الآيات على ما لها من السياق يعطي أن هؤلاء القادحين في القرآن استنتجوا من قدحهم ما لا يليق بمقام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فذكروه واصفين له بسوء المكانة و ضلال السبيل فلم يذكره الله تعالى في ضمن ما حكى من قولهم في القرآن صونا لمقام النبوة أن يذكر بسوء ، و إنما أشار إلى ذلك في ما أورد في هذه الآية من الرد عليهم بطريق التكنية .


فقوله : « الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم » كناية عن الذين كفروا القادحين في القرآن الواصفين للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بما وصفوا ، و الكناية أبلغ من التصريح .


فالمراد أن هؤلاء القادحين في القرآن الواصفين لك هم شر مكانا و أضل سبيلا لا أنت فالكلام مبني على قصر القلب ، و لفظتا « شر » و « أضل » منسلختان عن معنى التفضيل أو مفيدتان على التهكم و نحوه .


و قد كنى عنهم بالمحشورين على وجوههم إلى جهنم و هو وصف من أضله الله من المتعنتين المنكرين للمعاد كما قال تعالى : « و من يهد الله فهو المهتد و من يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا و بكما و صما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا » إلخ : إسراء : 98 .


ففي هذه التكنية مضافا إلى كونها أبلغ ، تهديد لهم بشر المكان و أليم العذاب و أيضا هي في معنى الاحتجاج على ضلالهم إذ لا ضلال أضل من أن يسير الإنسان على وجهه و هو لا يشعر بما في قدامه ، و هذا الضلال الذي في حشرهم على وجوههم إلى جهنم ممثل للضلال الذي كان لهم في الدنيا فكأنه قيل : إن هؤلاء هم الضالون فإنهم محشورون على وجوههم ، و لا يبتلي بذلك إلا من كان ضالا في الدنيا .


و قد اختلفت كلماتهم في وجه اتصال الآية بما قبلها فسكت عنه بعضهم ، و ذكر في مجمع البيان ، أنهم قالوا لمحمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنين : إنهم شر خلق الله فقال الله تعالى :


الميزانفي تفسير القرآن ج : 15ص :216


«أولئك شر مكانا و أضل سبيلا » و ذكر بعضهم أنها متصلة بقوله قبل آيات : « أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا و أحسن مقيلا » و قد عرفت ما يلوح من السياق .


و قد اختلفوا أيضا في المراد بحشرهم على وجوههم فقيل : و هو على ظاهره و هو الانتقال مكبوبا ، و قيل : هو السحب .


و قيل : هو الانتقال من مكان إلى مكان منكوسا و هو خلاف المشي على الاستقامة و فيه أن الأولى حينئذ التعبير بالحشر على الرءوس لا على الوجوه ، و قد قال تعالى في موضع آخر و هو كتوصيف ما يجري بعد هذا الحشر : « يوم يسحبون في النار على وجوههم » : القمر : 48 .


و قيل : المراد به فرط الذلة و الهوان و الخزي مجازا .


و فيه أن المجاز إنما يصار إليه إذا لم يمكن حمل اللفظ على الحقيقة .


و قيل : هو من قول العرب : مر فلان على وجهه إذا لم يدر أين ذهب ؟ و فيه أن مرجعه إلى الجهل بالمكان المحشور إليه و لا يناسب ذلك تقييد الحشر في الآية بقوله : « إلى جهنم » .


و قيل : الكلام كناية أو استعارة تمثيلية ، و المراد أنهم يحشرون و قلوبهم متعلقة بالسفليات من الدنيا و زخارفها متوجهة وجوههم إليها .


و أورد عليه أنهم هناك في شغل شاغل عن التوجه إلى الدنيا و تعلق القلوب بها ، و لعل المراد به بقاء آثار ذلك فيهم و عليهم .


و فيه أن مقتضى آيات تجسم الأعمال كون العذاب ممثلا للتعلق بالدنيا و التوجه نحوها فهم في الحقيقة لا شغل لهم يومئذ إلا ذلك .


قوله تعالى : « و لقد آتينا موسى الكتاب و جعلنا معه أخاه هارون وزيرا » استشهاد على رسالة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و نزول الكتاب عليه قبال تكذيب الكفار به و بكتابه برسالة موسى و إيتائه الكتاب و إشراك هارون في أمره للتخلص إلى ذكر تعذيب آل فرعون و إهلاكهم ، و معنى الآية ظاهر .


قوله تعالى : « فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا » قال


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :217


في مجمع البيان ، التدمير الإهلاك لأمر عجيب ، و منه التنكيل يقال : دمر على فلان إذا هجم عليه بالمكروه .


انتهى .


و المراد بالآيات آيات الآفاق و الأنفس الدالة على التوحيد التي كذبوا بها ، و ذكر أبو السعود في تفسيره أن الآيات هي المعجزات التسع المفصلات الظاهرة على يدي موسى (عليه‏السلام‏) و لم يوصف القوم لهما عند إرسالهما إليهم بهذا الوصف ضرورة تأخر تكذيب الآيات عن إظهارها المتأخر عن ذهابهما المتأخر عن الأمر به بل إنما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بيانا لعلة استحقاقهم لما يحكى بعده من التدمير أي فذهبا إليهم فأرياهم آياتنا كلها فكذبوها تكذيبا مستمرا فدمرناهم .


انتهى .


و هو حسن لو تعين حمل الآيات على آيات موسى (عليه‏السلام‏) .


و وجه اتصال الآيتين بما قبلهما هو تهديد القادحين في كتاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و رسالته بتنظير الأمر بأمر موسى حيث آتاه الله الكتاب و أرسله مع أخيه إلى قوم فرعون فكذبوه فدمرهم تدميرا .


و لهذه النكتة قدم ذكر إيتاء الكتاب على إرسالهما إلى القوم و تدميرهم مع أن التوراة إنما نزلت بعد غرق فرعون و جنوده فلم يكن الغرض من القصة إلا الإشارة إلى إيتاء الكتاب و الرسالة لموسى و تدمير القوم بالتكذيب .


و قيل : الآيتان متصلتان بقوله تعالى قبل : « و كفى بربك هاديا و نصيرا » و هو بعيد .


قوله تعالى : « و قوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم و جعلناهم للناس آية و اعتدنا للظالمين عذابا أليما » الظاهر أن قوله : « قوم نوح » منصوب بفعل مقدر يدل عليه قوله : « أغرقناهم » .


و المراد بتكذيبهم الرسل تكذيبهم نوحا فإن تكذيب الواحد من رسل الله تكذيب للجميع لاتفاقهم على كلمة الحق .


على أن هؤلاء الأمم كانوا أقواما وثنيين و هم ينكرون النبوة و يكذبون الرسالة من رأس .


و قوله : « و جعلناهم للناس آية » أي لمن بقي بعدهم من ذراريهم ، و الباقي ظاهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :218


قوله تعالى : « و عادا و ثمود و أصحاب الرس و قرونا بين ذلك كثيرا » قال في مجمع البيان ، : الرس البئر التي لم تطو ذكروا أنهم كانوا قوما بعد ثمود نازلين على بئر أرسل الله إليهم رسولا فكذبوا به فأهلكهم الله ، و قيل هو اسم نهر كانوا على شاطئه و في روايات الشيعة ما يؤيد ذلك .


و قوله : « و عادا » إلخ معطوف على « قوم نوح » و التقدير : و دمرنا أو و أهلكنا عادا و ثمود و أصحاب الرس « إلخ » .


و قوله : « و قرونا بين ذلك كثيرا » القرن أهل عصر واحد و ربما يطلق على نفس العصر و الإشارة بذلك إلى من مر ذكرهم من الأقوام أولهم قوم نوح و آخرهم أصحاب الرس أو قوم فرعون ، و المعنى و دمرنا أو و أهلكنا عادا و هم قوم هود ، و ثمود و هم قوم صالح ، و أصحاب الرس ، و قرونا كثيرا متخللين بين هؤلاء الذين ذكرناهم و هم قوم نوح فمن بعدهم .


قوله تعالى : « و كلا ضربنا له الأمثال و كلا تبرنا تتبيرا » كلا منصوب بفعل يدل عليه قوله : « ضربنا له الأمثال » فإن ضرب الأمثال في معنى التذكير و الموعظة و الإنذار ، و التتبير التفتيت ، و معنى الآية .


قوله تعالى : « و لقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أ فلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا » هذه القرية هي قرية قوم لوط أمطر الله عليهم حجارة من سجيل و قد مر تفصيل قصصهم في السور السابقة .


و قوله : « أ فلم يكونوا يرونها » استفهام توبيخي فإن القرية كانت على طريق أهل الحجاز إلى الشام .


و قوله : « بل كانوا لا يرجون نشورا » أي لا يخافون معادا أو كانوا آيسين من المعاد ، و هذا كقوله تعالى فيما تقدم : « بل كذبوا بالساعة » و المراد به أن المنشأ الأصيل لتكذيبهم بالكتاب و الرسالة و عدم اتعاظهم بهذه المواعظ الشافية و عدم اعتبارهم بما يعتبر به المعتبرون أنهم منكرون للمعاد فلا ينجح فيهم دعوة و لا تقع في قلوبهم حكمة و لا موعظة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :219


بحث روائي


في العيون ، بإسناده عن أبي الصلت الهروي عن الرضا عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) : حديث طويل يذكر فيه قصة أصحاب الرس ، ملخصه أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبرة يقال لها شاه‏درخت كان يافث بن نوح غرسها بعد الطوفان على شفير عين يقال لها : روشن‏آب و كان لهم اثنتا عشرة قرية معمورة على شاطى‏ء نهر يقال له الرس يسمين بأسماء : آبان ، آذر ، دي ، بهمن ، إسفندار ، فروردين ، أرديبهشت خرداد ، مرداد ، تير ، مهر ، شهريور ، و منها اشتق العجم أسماء شهورهم . و قد غرسوا في كل قرية منها من طلع تلك الصنوبرة حبة . أجروا عليها نهرا من العين التي عند الصنوبرة ، و حرموا شرب مائها على أنفسهم و أنعامهم و من شرب منه قتلوه و يقولون : إنه حياة الآلهة فلا ينبغي لأحد أن ينقص حياتها . و قد جعلوا في كل شهر من السنة يوما في كل قرية عيدا يخرجون فيه إلى الصنوبرة التي خارج القرية يقربون إليها القرابين و يذبحون الذبائح ثم يحرقونها في نار أضرموها فيسجدون للشجرة عند ارتفاع دخانها و سطوعه في السماء و يبكون و يتضرعون و الشيطان يكلمهم من الشجرة . و هذا دأبهم في القرى حتى إذا كان يوم عيد قريتهم العظمى التي كان يسكنها ملكهم و اسمها إسفندار اجتمع إليها أهل القرى جميعا و عيدوا اثني عشر يوما ، و جاءوا بأكثر ما يستطيعونه من القرابين و العبادات للشجرة و كلمهم إبليس و هو يعدهم و يمنيهم أكثر مما كان من الشياطين في سائر الأعياد من سائر الشجر . و لما طال منهم الكفر بالله و عبادة الشجرة بعث الله إليهم رسولا من بني إسرائيل من ولد يهودا فدعاهم إلى عبادة الله و ترك الشرك برهة فلم يؤمنوا فدعا على الشجرة فيبست فلما رأوا ذلك ساءهم فقال بعضهم : إن هذا الرجل سحر آلهتنا ، و قال آخرون : إن آلهتنا غضبت علينا بذلك لما رأت هذا الرجل يدعونا إلى الكفر بها فتركناه و شأنه من غير أن نغضب عليه لآلهتنا . فاجتمعت آراؤهم على قتله فحفروا بئرا عميقا و ألقوه فيها و شدوا رأسها فلم


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :220


يزالوا عليها يسمعون أنينه حتى مات فأتبعهم الله بعذاب شديد أهلكهم عن آخرهم .


و في نهج البلاغة ، قال (عليه‏السلام‏) : أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين و أطفئوا سنن المرسلين و أحيوا سنن الجبارين .


و في الكافي ، بإسناده عن محمد بن أبي حمزة و هشام و حفص عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : أنه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق فقال : حدها حد الزاني فقالت المرأة : ما ذكره الله عز و جل في القرآن ، فقال : بلى ، فقالت : و أين هو ؟ قال : هن الرس .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي و البيهقي و ابن عساكر عن جعفر بن محمد بن علي : أن امرأتين سألتاه : هل تجد غشيان المرأة المرأة محرما في كتاب الله ؟ قال : نعم هن اللواتي كن على عهد تبع ، و هن صواحب الرس ، و كل نهر و بئر رس . قال : يقطع لهن جلباب من نار ، و درع من نار ، و نطاق من نار ، و تاج من نار ، و خفان من نار ، و من فوق ذلك ثوب غليظ جاف جاسف منتن من نار . قال جعفر : علموا هذا نساءكم .


أقول : و روى القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير ، عن جميل عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) ما في معناه .


و في تفسير القمي ، بإسناده عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « و كلا تبرنا تتبيرا » يعني «كسرنا تكسيرا » قال : هي لفظة بالنبطية .


و فيه ، و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : و أما القرية التي أمطرت مطر السوء فهي سدوم قرية قوم لوط أمطر الله عليهم حجارة من سجيل يعني من طين .


وَ إِذَا رَأَوْك إِن يَتَّخِذُونَك إِلا هُزُواً أَ هَذَا الَّذِى بَعَث اللَّهُ رَسولاً(41) إِن كادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْ لا أَن صبرْنَا عَلَيْهَاوَ سوْف يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَاب مَنْ أَضلُّ سبِيلاً(42) أَ رَءَيْت مَنِ اتخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَ فَأَنت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكيلاً(43) أَمْ تحْسب أَنَّ أَكثرَهُمْ يَسمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَإِنْ هُمْ إِلا كالأَنْعَمِبَلْ هُمْ أَضلُّ سبِيلاً(44) أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّك كَيْف مَدَّ الظلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشمْس عَلَيْهِ دَلِيلاً(45) ثُمَّ قَبَضنَهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً(46) وَ هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاساً وَ النَّوْمَ سبَاتاً وَ جَعَلَ النهَارَ نُشوراً(47) وَ هُوَ الَّذِى أَرْسلَ الرِّيَحَ بُشرَا بَينَ يَدَى رَحْمَتِهِوَ أَنزَلْنَا مِنَ السمَاءِ مَاءً طهُوراً(48) لِّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَ نُسقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَماً وَ أَنَاسىَّ كثِيراً(49) وَ لَقَدْ صرَّفْنَهُ بَيْنهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكثرُ النَّاسِ إِلا كفُوراً(50) وَ لَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فى كلّ‏ِ قَرْيَةٍ نَّذِيراً(51) فَلا تُطِع الْكفِرِينَ وَ جَهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كبِيراً(52) × وَ هُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَ هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنهُمَا بَرْزَخاً وَ حِجْراً محْجُوراً(53) وَ هُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشراً فَجَعَلَهُ نَسباً وَ صِهْراًوَ كانَ رَبُّك قَدِيراً(54) وَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَ لا يَضرُّهُمْوَ كانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظهِيراً(55) وَ مَا أَرْسلْنَك إِلا مُبَشراً وَ نَذِيراً(56) قُلْ مَا أَسئَلُكمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَن شاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سبِيلاً(57) وَ تَوَكلْ عَلى الْحَىّ‏ِ الَّذِى لا يَمُوت وَ سبِّحْ بحَمْدِهِوَ كفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً(58) الَّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ مَا بَيْنَهُمَا فى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استَوَى عَلى الْعَرْشِالرَّحْمَنُ فَسئَلْ بِهِ خَبِيراً(59) وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَ مَا الرَّحْمَنُ أَ نَسجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَ زَادَهُمْ نُفُوراً (60) تَبَارَك الَّذِى جَعَلَ فى السمَاءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيهَا سِرَجاً وَ قَمَراً مُّنِيراً(61) وَ هُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَ النَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكرَ أَوْ أَرَادَ شكوراً(62)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :221


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :222


بيان


تذكر الآيات بعض صفات أولئك الكفار القادحين في الكتاب و الرسالة و المنكرين للتوحيد و المعاد مما يناسب سنخ اعتراضاتهم و اقتراحاتهم كاستهزائهم الرسول (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و اتباعهم الهوى و عبادتهم لما لا ينفعهم و لا يضرهم و استكبارهم عن السجود لله سبحانه .


قوله تعالى : « و إذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أ هذا الذي بعث الله رسولا » ضمير الجمع للذين كفروا السابق ذكرهم ، و الهزؤ الاستهزاء و السخرية فالمصدر بمعنى المفعول ، و المعنى : و إذا رآك الذين كفروا لا يتخذونك إلا مهزوا به .


و قوله : « أ هذا الذي بعث الله رسولا » بيان لاستهزائهم أي يقولون كذا استهزاء بك .


قوله تعالى : « إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لو لا أن صبرنا عليها » إلخ « إن » مخففة من الثقيلة ، و الإضلال كأنه مضمن معنى الصرف و لذا عدي بعن ، و جواب لو لا محذوف


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :223


يدل عليه ما تقدمه ، و المعنى أنه قرب أن يصرفنا عن آلهتنا مضلا لنا لو لا أن صبرنا على آلهتنا أي على عبادتها لصرفنا عنها .


و قوله : « و سوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا » توعد و تهديد منه تعالى لهم و تنبيه أنهم على غفلة مما سيستقبلهم من معاينة العذاب و اليقين بالضلال و الغي .


قوله تعالى : « أ رأيت من اتخذ إلهه هواه أ فأنت تكون عليه وكيلا » الهوى ميل النفس إلى الشهوة من غير تعديله بالعقل ، و المراد باتخاذ الهوى إلها طاعته و اتباعه من دون الله و قد أكثر الله سبحانه في كلامه ذم اتباع الهوى و عد طاعة الشي‏ء عبادة له في قوله : « أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين و أن اعبدوني » : يس : 61 .


و قوله : « أ فأنت تكون عليه وكيلا » استفهام إنكاري أي لست أنت وكيلا عليه قائما على نفسه و بأموره حتى تهديه إلى سبيل الرشد فليس في مقدرتك ذلك و قد أضله الله و قطع عنه أسباب الهداية و في معناه قوله : « إنك لا تهدي من أحببت » : القصص : 56 ، و قوله : « و ما أنت بمسمع من في القبور » : فاطر : 22 ، و الآية كالإجمال للتفصيل الذي في قوله : « أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه و أضله الله على علم و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله » : الجاثية : 23 .


و يظهر مما تقدم من المعنى أن قوله : « اتخذ إلهه هواه » على نظمه الطبيعي أي إن « اتخذ » فعل متعد إلى مفعولين و « إلهه » مفعوله الأول و « هواه » مفعول ثان له فهذا هو الذي يلائم السياق و ذلك أن الكلام حول شرك المشركين و عدولهم عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام ، و إعراضهم عن طاعة الحق التي هي طاعة الله إلى طاعة الهوى الذي يزين لهم الشرك ، و هؤلاء يسلمون أن لهم إلها مطاعا و قد أصابوا في ذلك ، لكنهم يرون أن هذا المطاع هو الهوى فيتخذونه مطاعا بدلا من أن يتخذوا الحق مطاعا فقد وضعوا الهوى موضع الحق لا أنهم وضعوا المطاع موضع غيره فافهم .


و من هنا يظهر ما في قول عدة من المفسرين أن « هواه » مفعول أول لقوله « اتخذ » و « إلهه » مفعول ثان مقدم ، و إنما قدم للاعتناء به من حيث إنه الذي يدور


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :224


عليه أمر التعجيب في قوله : « أ رأيت من اتخذ » إلخ ، كما قاله بعضهم ، أو إنما قدم للحصر على ما قاله آخرون ، و لهم في ذلك مباحثات طويلة أغمضنا عن إيرادها و فيما ذكرناه كفاية إن شاء الله .


قوله تعالى : « أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا » أم منقطعة ، و الحسبان بمعنى الظن و ضمائر الجمع راجعة إلى الموصول في الآية السابقة باعتبار المعنى .


و الترديد بين السمع و العقل من جهة أن وسيلة الإنسان إلى سعادة الحياة أحد أمرين إما أن يستقل بالتعقل فيعقل الحق فيتبعه أو يرجع إلى قول من يعقله و ينصحه فيتبعه إن لم يستقل بالتعقل فالطريق إلى الرشد سمع أو عقل فالآية في معنى قوله : « و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير » : ، الملك : 10 .


و المعنى : بل أ تظن أن أكثرهم لهم استعداد استماع الحق ليتبعه أو استعداد عقل الحق ليتبعه فترجو اهتداءهم فتبالغ في دعوتهم .


و قوله : « إن هم إلا كالأنعام » بيان للجملة السابقة فإنه في معنى : أن أكثرهم لا يسمعون و لا يعقلون فتنبه أنهم ليسوا إلا كالأنعام و البهائم في أنها لا تعقل و لا تسمع إلا اللفظ دون المعنى .


و قوله : « بل هم أضل سبيلا » أي من الأنعام و ذلك أن الأنعام لا تقتحم على ما يضرها و هؤلاء يرجحون ما يضرهم على ما ينفعهم ، و أيضا الأنعام إن ضلت عن سبيل الحق فإنها لم تجهز في خلقتها بما يهديها إليه و هؤلاء مجهزون و قد ضلوا .


و استدل بعضهم بالآية على أن الأنعام لا علم لها بربها .


و فيه أن الآية لا تنفي عنها و لا عن الكفار أصل العلم بالله و إنما تنفي عن الكفار اتباع الحق الذي يهدي إليه عقل الإنسان الفطري لاحتجابه باتباع الهوى ، و تشبههم في ذلك بالأنعام التي لم تجهز بهذا النوع من الإدراك .


و أما ما أجاب به بعضهم أن الكلام خارج مخرج الظاهر فقول لا سبيل إلى إثباته بالاستدلال .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :225


قوله تعالى : « أ لم تر إلى ربك كيف مد الظل و لو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا » هاتان الآيتان و ما بعدهما إلى تمام تسع آيات في معنى التنظير لما تضمنته الآيتان السابقتان بل الآيات الأربع السابقة من أن الله سبحانه جعل رسالة الرسول لهداية الناس إلى سبيل الرشد و إنقاذهم من الضلال فيهتدي بها بعضهم ممن شاء الله و أما غيرهم ممن اتخذ إلهه هواه فصار لا يسمع و لا يعقل فليس في وسع أحد أن يهديهم من بعد الله .


فهي تبين أن ليس هذا ببدع من الله سبحانه ففي عجائب صنعه و بينات آياته نظائر لذلك ففعله متشابه و هو على صراط مستقيم ، و ذلك كمد الظل و جعل الشمس دليلا عليه تنسخه ، و كجعل الليل لباسا و النوم سباتا و النهار نشورا ، و كجعل الرياح بشرا و إنزال المطر و إحياء الأرض الميتة و إرواء الأنعام و الأناسي به .


ثم ما مثل المؤمن و الكافر في اهتداء هذا و ضلال ذاك - و هم جميعا عباد الله يعيشون في أرض واحدة - إلا كمثل الماءين العذب الفرات و الملح الأجاج مرجهما الله تعالى لكن جعل بينهما برزخا و حجرا محجورا ، و كالماء خلق الله سبحانه منه بشرا ثم جعله نسبا و صهرا فاختلف بذلك المواليد و كان ربك قديرا .


هذا ما يهدي إليه التدبر في مضامين الآيات و خصوصيات نظمها و به يظهر وجه اتصالها بما تقدمها ، و أما ما ذكروه من أن الآيات مسوقة لبيان بعض أدلة التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها و ضلالهم فالسياق لا يساعد عليه و سنزيد ذلك إيضاحا .


فقوله : « أ لم تر إلى ربك كيف مد الظل و لو شاء لجعله ساكنا » تنظير - كما تقدمت الإشارة إليه - لشمول الجهل و الضلال للناس و رفعه تعالى ذلك بالرسالة و الدعوة الحقة كما يشاء و لازم ذلك أن يكون المراد بمد الظل ما يعرض الظل الحادث بعد الزوال من التمدد شيئا فشيئا من المغرب إلى المشرق حسب اقتراب الشمس من الأفق حتى إذا غربت كانت فيه نهاية الامتداد و هو الليل ، و هو في جميع أحواله متحرك و لو شاء الله لجعله ساكنا .


و قوله : « ثم جعلنا الشمس عليه دليلا » و الدليل هي الشمس من حيث دلالتها


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :226


بنورها على أن هناك ظلا و بانبساطه شيئا فشيئا على تمدد الظل شيئا فشيئا و لولاها لم يتنبه لوجود الظل فإن السبب العام لتمييز الإنسان بعض المعاني من بعض تحول الأحوال المختلفة عليه من فقدان و وجدان فإذا فقد شيئا كان يجده تنبه لوجوده و إذا وجد ما كان يفقده تنبه لعدمه ، و أما الأمر الثابت الذي لا تتحول عليه الحال فليس إلى تصوره بالتنبه سبيل .


و قوله : « ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا » أي أزلنا الظل بإشراق الشمس و ارتفاعها شيئا فشيئا حتى ينسخ بالكلية ، و في التعبير عن الإزالة و النسخ بالقبض ، و كونه إليه ، و توصيفه باليسير دلالة على كمال القدرة الإلهية و أنها لا يشق عليها فعل ، و أن فقدان الأشياء بعد وجودها ليس بالانعدام و البطلان بل بالرجوع إليه تعالى .


و ما تقدم من تفسير مد الظل بتمديد الفي‏ء بعد زوال الشمس و إن كان معنى لم يذكره المفسرون لكن السياق - على ما أشرنا إليه - لا يلائم غيره مما ذكره المفسرون كقول بعضهم : إن المراد بالظل الممدود ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، و قول بعض : ما بين غروب الشمس و طلوعها ، و قول بعض : ما يحدث من مقابلة كثيف كجبل أو بناء أو شجر للشمس بعد طلوعها ، و قول بعض - و هو أسخف الأقوال - هو ما كان يوم خلق الله السماء و جعلها كالقبة ثم دحا الأرض من تحتها فألقت ظلها عليها .


و في الآية أعني قوله : « أ لم تر إلى ربك » إلخ ، التفات من سياق التكلم بالغير في الآيات السابقة إلى الغيبة ، و النكتة فيه أن المراد بالآية و ما يتلوها من الآيات بيان أن أمر الهداية إلى الله سبحانه و ليس للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من الأمر شي‏ء و هو تعالى لا يريد هدايتهم و أن الرسالة و الدعوة الحقة في مقابلتها للضلال المنبسط على أهل الضلال و نسخها ما تنسخ منه من شعب السنة العامة الإلهية في بسط الرحمة على خلقه نظير إطلاع الشمس على الأرض و نسخ الظل الممدود فيها بها ، و من المعلوم أن الخطاب المتضمن لهذه الحقيقة مما ينبغي أن يختص به (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و خاصة من جهة سلب القدرة على الهداية عنه ، و أما الكفار المتخذون إلههم هواهم و هم لا يسمعون و لا يعقلون فلا نصيب لهم فيه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :227


و في قوله : « ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا » رجوع إلى السياق السابق ، و في ذلك مع ذلك من إظهار العظمة و الدلالة على الكبرياء ما لا يخفى .


و الكلام في قوله الآتي : « و هو الذي جعل لكم الليل » إلخ ، و قوله : « و هو الذي أرسل الرياح » و قوله : « و هو الذي مرج البحرين » ، و قوله : « و هو الذي خلق من الماء بشرا » كالكلام في قوله : « أ لم تر إلى ربك » ، و الكلامفي قوله : « و أنزلنا من السماء ماء » إلخ ، و قوله : « و لقد صرفناه بينهم » ، و قوله : « و لو شئنا لبعثنا » ، كالكلام في قوله : « ثم جعلنا الشمس » .


قوله تعالى : « و هو الذي جعل لكم الليل لباسا و النوم سباتا و جعل النهار نشورا » كون الليل لباسا إنما هو سترة الإنسان بغشيان الظلمة كما يستر اللباس لابسه .


و قوله : « و النوم سباتا » أي قطعا للعمل ، و قوله : « و جعل النهار نشورا » أي جعل فيه الانتشار و طلب الرزق على ما ذكره الراغب في معنى اللفظتين .


و حال ستره تعالى الناس بلباس الليل و قطعهم به عن العمل و الحركة ثم نشرهم للعمل و السعي بإظهار النهار و بسط النور كحال مد الظل ثم جعل الشمس عليه دليلا و قبض الظل بها إليه .


قوله تعالى : « و هو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته و أنزلنا من السماء ماء طهورا » البشر بالضم فالسكون مخفف بشر بضمتين جمع بشور بمعنى مبشر أي هو الذي أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته و هي المطر .


و قوله : « و أنزلنا من السماء ماء طهورا » أي من جهة العلو و هي جو الأرض ماء طهورا أي بالغا في طهارته فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره يزيل الأوساخ و يذهب بالأرجاس و الأحداث - فالطهور على ما قيل صيغةمبالغة - .


قوله تعالى : « لنحيي به بلدة ميتا و نسقيه مما خلقنا أنعاما و أناسي كثيرا » ، البلدة معروفة قيل : و أريد بها المكان كما في قوله : « و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه » : الأعراف : 58 ، و لذا اتصف بالميت و هو مذكر و المكان الميت ما لا نبات فيه و إحياؤه إنباته ، و الأناسي جمع إنسان ، و معنى الآية ظاهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :228


و حال شمول الموت للأرض و الحاجة إلى الشرب و الري للأنعام و الأناسي ثم إنزاله تعالى من السماء ماء طهورا ليحيي به بلدة ميتا و يسقيه أنعاما و أناسي كثيرا من خلقه كحال مد الظل ثم الدلالة عليه بالشمس و نسخه بها كما تقدم .


قوله تعالى : « و لقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا » ظاهر اتصال الآية بما قبلها أن ضمير « صرفناه » للماء و تصريفه بينهم صرفه عن قوم إلى غيرهم تارة و عن غيرهم إليهم أخرى فلا يدوم في نزوله على قوم فيهلكوا و لا ينقطع عن قوم دائما فيهلكوا بل يدور بينهم حتى ينال كل نصيبه بحسب المصلحة ، و قيل : المراد بالتصريف التحويل من مكان إلى مكان .


و قوله : « ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا » تعليل للتصريف أي و أقسم لقد صرفنا الماء بتقسيمه بينهم ليتذكروا فيشكروا فأبى و امتنع أكثر الناس إلا كفران النعمة .


قوله تعالى : « و لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا » أي لو أردنا أن نبعث في كل قرية نذيرا ينذرهم و رسولا يبلغهم رسالاتنا لبعثنا و لكن بعثناك إلى القرى كلها نذيرا و رسولا لعظيم منزلتك عندنا .


هكذا فسرت الآية و لا تخلو الآية التالية من تأييد لذلك ، و هذا المعنى لما وجهنا به اتصال الآيات أنسب .


أو أن المراد أنا قادرون على أن نبعث في كل قرية رسولا و إنما اخترناك لمصلحة في اختيارك .


قوله تعالى : « فلا تطع الكافرين و جاهدهم به جهادا كبيرا » متفرع على معنى الآية السابقة ، و ضمير « به » للقرآن بشهادة سياق الآيات ، و المجاهدة و الجهاد بذل الجهد و الطاقة في مدافعة العدو و إذ كان بالقرآن فالمراد تلاوته عليهم و بيان حقائقه لهم و إتمام حججه عليهم .


فمحصل مضمون الآية أنه إذا كان مثل الرسالة الإلهية في رفع حجاب الجهل و الغفلة المضروب على قلوب الناس بإظهار الحق لهم و إتمام الحجة عليهم مثل الشمس في الدلالة على الظل الممدود و نسخه بأمر الله ، و مثل النهار بالنسبة إلى الليل و سبته ، و مثل المطر بالنسبة إلى الأرض الميتة و الأنعام و الأناسي الظامئة ، و قد بعثناك لتكون


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :229


نذيرا لأهل القرى فلا تطع الكافرين لأن طاعتهم تبطل هذا الناموس العام المضروب للهداية .


و ابذل مبلغ جهدك و وسعك في تبليغ رسالتك و إتمام حجتك بالقرآن المشتمل على الدعوة الحقة و جاهدهم به مجاهدة كبيرة .


قوله تعالى : « و هو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات و هذا ملح أجاج و جعل بينهما برزخا و حجرا محجورا » المرج الخلط و منه أمر مريج أي مختلط ، و العذب من الماء ما طاب طعمه ، و الفرات منه ما كثر عذوبته ، و الملح هو الماء المتغير طعمه .


و الأجاج شديدالملوحة ، و البرزخ هو الحد الحاجز بين شيئين ، و حجرا محجورا أي حراما محرما أن يختلط أحد الماءين بالآخر .


و قوله : « و جعل بينهما » إلخ قرينة على أن المراد بمرج البحرين إرسال الماءين متقارنين لا الخلط بمعنى ضرب الأجزاء بعضها ببعض .


و الكلام معطوف على ما عطف عليه قوله : « و هو الذي أرسل الرياح » إلخ ، و فيه تنظير لأمر الرسالة من حيث تأديتها إلى تمييز المؤمن من الكافر مع كون الفريقين يعيشان على أرض واحدة مختلطين و هما مع ذلك غير متمازجين كما تقدمت الإشارة إليه في أول الآيات التسع .


قوله تعالى : « و هو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا و كان ربك قديرا » الصهر على ما نقل عن الخليل الختن و أهل بيت المرأة فالنسب هو التحرم من جهة الرجل و الصهر هو التحرم من جهة المرأة - كما قيل - و يؤيده المقابلة بين النسب و الصهر .


و قد قيل : إن كلا من النسب و الصهر بتقدير مضاف و التقدير فجعله ذا نسب و صهر ، و الضمير للبشر ، و المراد بالماء النطفة ، و ربما احتمل أن يكون المراد به مطلق الماء الذي خلق الله منه الأشياء الحية كما قال : « و جعلنا من الماء كل شي‏ء حي » : الأنبياء : 30 .


و المعنى : و هو الذي خلق من النطفة - و هي ماء واحد - بشرا فقسمه قسمين ذا نسب و ذا صهر يعني الرجل و المرأة و هذا تنظير آخر يفيد ما تفيده الآية السابقة أن لله سبحانه أن يحفظ الكثرة في عين الوحدة و التفرق في عين الاتحاد و هكذا يحفظ


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :230


اختلاف النفوس و الآراء بالإيمان و الكفر مع اتحاد المجتمع البشري بما بعث الله الرسل لكشف حجاب الضلال الذي من شأنه غشيانه لو لا الدعوة الحقة .


و قوله : « و كان ربك قديرا » في إضافة الرب إلى ضمير الخطاب من النكتة نظير ما تقدم في قوله : « أ لم تر إلى ربك » .


قوله تعالى : «و يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم و لا يضرهم و كان الكافر على ربه ظهيرا » معطوف على قوله : « و إذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا » .


و الظهير بمعنى المظاهر على ما قيل و المظاهرة المعاونة .


و المعنى : و يعبدون - هؤلاء الكفار المشركون - من دون الله ما لا ينفعهم بإيصال الخير على تقدير العبادة و لا يضرهم بإيصال الشر على تقدير ترك العبادة و كان الكافر معاونا للشيطان على ربه .


و كون هؤلاء المعبودين و هم الأصنام ظاهرا لا ينفعون و لا يضرون لا ينافي كون عبادتهم مضرة فلا يستلزم نفي الضرر عنهم أنفسهم حيث لا يقدرون على شي‏ء نفي الضرر عن عبادتهم المضرة المؤدية للإنسان إلى شقاء لازم و عذاب دائم .


قوله تعالى : « و ما أرسلناك إلا مبشرا و نذيرا » أي لم نجعل لك في رسالتك إلا التبشير و الإنذار و ليس لك وراء ذلك من الأمر شي‏ء فلا عليك إن كانوا معاندين لربهم مظاهرين لعدوه عليه فليسوا بمعجزين لله و ما يمكرون إلا بأنفسهم ، هذا هو الذي يعطيه السياق .


و عليه فقوله : « و ما أرسلناك إلا مبشرا و نذيرا » هذا الفصل من الكلام نظير قوله : « أ فأنت تكون عليه وكيلا » في الفصل السابق .


و منه يظهر أن أخذ بعضهم الآية تسلية منه تعالى لنبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حيث قال و المراد ما أرسلناك إلا مبشرا للمؤمنين و نذيرا للكافرين فلا تحزن على عدم إيمانهم .


غير سديد .


قوله تعالى : « قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا » ضمير « عليه » للقرآن بما أن تلاوته عليهم تبلغ للرسالة كما قال تعالى : « إن هذه


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :231


تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا » : المزمل : 19 ، الدهر : 29 ، و قال : « قل ما أسألكم عليه أجرا و ما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين : ص : 87 .


و قوله : « إلا من شاءأن يتخذ إلى ربه سبيلا » استثناء منقطع في معنى المتصل فإنه في معنى إلا أن يتخذ إلى ربه سبيلا من شاء ذلك على حد قوله تعالى : « يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم » : الشعراء : 89 ، أي إلا أن يأتي الله بقلب سليم من أتاه به .


ففيه وضع الفاعل و هو من اتخذ السبيل موضع فعله و هو اتخاذ السبيل شكرا له ففي الكلام عد اتخاذهم سبيلا إلى الله سبحانه باستجابة الدعوة أجرا لنفسه ففيه تلويح إلى نهاية استغنائه عن أجر مالي أو جاهي منهم ، و أنه لا يريد منهم وراء استجابتهم للدعوة و اتباعهم للحق شيئا آخر من مال أو جاه أو أي أجر مفروض فليطيبوا نفسا و لا يتهموه في نصيحته .


و قد علق اتخاذ السبيل على مشيتهم للدلالة على حريتهم الكاملة عن قبله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فلا إكراه و لا إجبار إذ لا وظيفة له عن قبل ربه وراء التبشير و الإنذار و ليس عليهم بوكيل بل الأمر إلى الله يحكم فيهم ما يشاء .


فقوله : « قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ » إلخ بعد ما سجل لنبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن ليس له إلا الرسالة بالتبشير و الإنذار يأمره أن يبلغهم أن لا بغية له في دعوتهم إلا أن يستجيبوا له و يتخذوا إلى ربهم سبيلا من غير غرض زائد من الأجر أيا ما كان ، و أن لهم الخيرة في أمرهم من غير أي إجبار و إكراه فهم و الدعوة إن شاءوا فليؤمنوا و إن شاءوا فليكفروا .


هذا ما يرجع إليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو تبليغ الرسالة فحسب من غير طمع في أجر و لا تحميل عليهم بإكراه أو انتقام منهم بنكال ، و أما ما وراء ذلك فهو لله فليرجعه إليه و ليتوكل عليه كما أشار إليه في الآية التالية : « و توكل على الحي الذي لا يموت » .


و ذكر جمهور المفسرين أن الاستثناء منقطع ، و المعنى لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا أي بالإنفاق القائم مقامالأجر كالصدقة و الإنفاق في سبيل الله فليفعل ، و هو ضعيف لا دليل عليه لا من جهة لفظ الجملة و لا من جهة السياق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :232


و قال بعضهم : إنه متصل و الكلام بحذف مضاف و التقدير إلا فعل من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بالإيمان و الطاعة حسبما أدعو إليهما .


و فيه أخذ استجابتهم له أجرا لنفسه و قطعا لشائبة الطمع بالكلية و تطييبا لأنفسهم ، و يرجع هذا الوجه بحسب المعنى إلى ما قدمناه و يمتاز منه بتقدير مضاف و التقدير خلاف الأصل .


و قال آخرون : إنه متصل بتقدير مضاف و التقدير لا أسألكم عليه من أجر إلا أجر من شاء « إلخ » أي إلا الأجر الحاصل لي من إيمانه فإن الدال على الخير كفاعله .


و فيه أن مقتضى هذا المعنى أن يقال : إلا من اتخذ إلى ربه سبيلا فلا حاجة إلى تعليق الاتخاذ بالمشية و الأجر إنما يترتب على العمل دون مشيته .


قوله تعالى : « و توكل على الحي الذي لا يموت و سبح بحمده و كفى به بذنوب عباده خبيرا » لما سجل على نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن ليس له من أمرهم شي‏ء إلا الرسالة و أمره أن يبلغهم أن لا بغية له في دعوتهم إلا الاستجابة لها و أنهم على خيرة من أمرهم إن شاءوا آمنوا و إن شاءوا كفروا تمم ذلك بأمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يتخذه تعالى وكيلا في أمرهم فهو تعالى عليهم و على كل شي‏ء وكيل و بذنوب عباده خبير .


فقوله : « و توكل على الحي الذي لا يموت » أي اتخذه وكيلا في أمرهم يحكم فيهم ما يشاء و يفعل بهم ما يريد فإنه الوكيل عليهم و على كل شي‏ء و قد عدل عن تعليق التوكل بالله إلى تعليقه بالحي الذي لا يموت ليفيد التعليل فإن الحي الذي لا يموت لا يفوته فائت فهو المتعين لأن يكون وكيلا .


و قوله : « و سبح بحمده » أي نزهه عن العجز و الجهل و كل ما لا يليق بساحة قدسه مقارنا ذلك للثناء عليه بالجميل فإن أمهلهم و استدرجهم بنعمه فليس عن عجز فعل بهم ذلك و لا عن جهل بذنوبهم و إن أخذهم بذنوبهم فبحكمة اقتضته و باستحقاق منهم استدعى ذلك فسبحانه و بحمده .


و قوله : « و كفى به بذنوب عباده خبيرا » مسوق للدلالة على توحيده في فعله و صفته فهو الوكيل المتصرف في أمور عباده وحده و هو خبير بذنوبهم و حاكم فيهم وحده من غير حاجة إلى من يعينه في علمه أو في حكمه .


و من هنا يظهر أن الآية التالية : « الذي خلق السماوات و الأرض » متممة لقوله :


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :233


«و توكل على الحي الذي لا يموت » إلخ ، لاشتمالها على توحيده في ملكه و تصرفه كما يشتمل قوله : « و كفى به » إلخ على علمه و خبرته و بالحياة و الملك و العلم معا يتم معنى الوكالة و سنشير إليه .


قوله تعالى : « الذي خلق السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا » ظاهر السياق أن الموصول صفة لقوله في الآية السابقة : « الحي الذي لا يموت » و بهذه الآية يتم البيان في قوله : « و توكل على الحي الذي لا يموت » فإن الوكالة كما تتوقف على حياة الوكيل تتوقف على العلم ، و قد ذكره في قوله : « و كفى به بذنوب عباده خبيرا » و تتوقف على السلطنة على الحكم و التصرف و هو الذي تتضمنه هذه الآية بما فيها من حديث خلق السماوات و الأرض و الاستواء على العرش .


و قد تقدم تفسير صدر الآية في مواضع من السور السابقة ، و أما قوله : « الرحمن فاسأل به خبيرا » فالذي يعطيه السياق و يهدي إليه النظم أن يكون الرحمن خبرا لمبتدإ محذوف و التقدير هو الرحمن ، و قوله : « فاسأل » متفرعا عليه و الفاء للتفريع ، و الباء في قوله : « به » للتعدية مع تضمين السؤال معنى الاعتناء .


و قوله : « خبيرا » حال من الضمير .


و المعنى : هو الرحمن - الذي استوى على عرش الملك و الذي برحمته و إفاضته يقوم الخلق و الأمر و منه يبتدى‏ء كل شي‏ء و إليه يرجع - فاسأله عن حقيقة الحال يخبرك بها فإنه خبير .


فقوله : « فاسأل به خبيرا » كناية عن أن الذي أخبر به حقيقة الأمر التي لا معدل عنها و هذا كما يقول من سئل عن أمر : سلني أجبك إن كذا و كذا و من هذا الباب قولهم : على الخبير سقطت .


و لهم في قوله : « الرحمن فاسأل به خبيرا » أقوال أخرى كثيرة : فقيل : إن الرحمن مرفوع على القطع للمدح ، و قيل : مبتدأ خبره قوله : « فاسأل به » و قيل : خبر مبتدؤه « الذي » في صدر الآية ، و قيل : بدل من الضمير المستكن في « استوى » .


و قيل في « فاسأل به » إنه خبر للرحمن كما تقدم و الفاء فصيحة ، و قيل : جملة


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :234


مستقلة متفرعة على ما قبلها و الفاء للتفريع ثم الباء في « به » للصلة أو بمعنى عن و الضمير راجع إليه تعالى أو إلى ما تقدم من الخلق و الاستواء .


و قيل « خبيرا » حال عن الضمير و هو راجع إليه تعالى ، و المعنى فاسأل الله حال كونه خبيرا ، و قيل : مفعول فاسأل و الباء بمعنى عن و المعنى فاسأل عن الرحمن أو عن حديث الخلق و الاستواء خبيرا ، و المراد بالخبير هو الله سبحانه ، و قيل جبرئيل و قيل : محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و قيل : من قرأ الكتب السماوية القديمة و وقف على صفاته و أفعاله تعالى و كيفية الخلق و الإيجاد ، و قيل : كل من كان له وقوف على هذه الحقائق .


و هذه الوجوه المتشتتة جلها أو كلها لا تلائم ما يعطيه سياق الآيات الكريمة و لا موجب للتكلم عليها و الغور فيها .


قوله تعالى : « و إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا و ما الرحمن أ نسجد لما تأمرنا و زادهم نفورا » هذا فصل آخر من معاملتهم السوء مع الرسول و دعوته الحقة يذكر فيه استكبارهم عن السجود لله سبحانهإذا دعوا إليه و نفورهم منه و للآية اتصال خاص بما قبلها من حيث ذكر الرحمن فيها و قد وصف في الآية السابقة بما وصف و لعل اللام فيه للعهد .


فقوله : « و إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن » الضمير للكفار ، و القائل هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بدليل قوله بعد : « أ نسجد لما تأمرنا » و لم يذكر اسمه ليتوجه استكبارهم إلى الله سبحانه وحده .


و قوله : « قالوا و ما الرحمن » سؤال منهم عن هويته و مائيته مبالغة منهم في التجاهل به استكبارا منهم على الله و لو لا ذلك لقالوا : و من الرحمن ، و هذا كقول فرعون لموسى لما دعاه إلى رب العالمين : « و ما رب العالمين » : الشعراء : 23 ، و قول إبراهيم لقومه : « ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون » : الأنبياء : 52 ، و مراد السائل في مثل هذا السؤال أنه لا معرفة له من المسئول عنه بشي‏ء أزيد من اسمه كقول هود لقومه : « أ تجادلونني في أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم » : الأعراف : 71 .


و قوله حكاية عنهم : « أ نسجد لما تأمرنا » في تكرار التعبير عنه تعالى بما إصرار على الاستكبار ، و التعبير عن طلبه عنهم السجدة بالأمر لا يخلو من تهكم و استهزاء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :235


وقوله : « و زادهم نفورا » معطوف على جواب إذا و المعنى : و إذا قيل لهم اسجدوا استكبروا و زادهم ذلك نفورا ففاعل زادهم ضمير راجع إلى القول المفهوم من سابق الكلام .


و قول بعضهم : إن الفاعل ضمير راجع إلى السجود بناء على ما رووا أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أصحابه سجدوا فتباعدوا عنهم مستهزءين ليس بسديد فإن وقوع واقعة ما لا يؤثر في دلالة اللفظ ما لم يتعرض له لفظا .


و لا تعرض في الآية لهذه القصة أصلا .


قوله تعالى : « تبارك الذي جعل في السماء بروجا و جعل فيها سراجا و قمرا منيرا » الظاهر أن المراد بالبروج منازل الشمس و القمر من السماء أو الكواكب التي عليها كما تقدم في قوله : « و لقد جعلنا في السماء بروجا و زيناها للناظرين و حفظناها من كل شيطان رجيم » : الحجر : 17 ، و إنما خصت بالذكر في الآية للإشارة إلى الحفظ و الرجم المذكورين .


و المراد بالسراج الشمس بدليل قوله : « و جعل القمر فيهن نورا و جعل الشمس سراجا : نوح : 16 .


و قد قرروا الآية أنها احتجاج بوحدة التدبير العجيب السماوي و الأرضي على وحدة المدبر فيجب التوجه بالعبادات إليه و صرف الوجه عن غيره .


و التدبر في اتصال الآيتين بما قبلهما و سياق الآيات لا يساعد عليه لأن مضمون الآية السابقة من استكبارهم على الرحمن إذا أمروا بالسجود له و استهزائهم بالرسول لا نسبة كافية بينه و بين الاحتجاج على توحيد الربوبية حتى يعقب به ، و إنما المناسب لهذا المعنى إظهار العزة و الغنى و أنهم غير معجزين لله بفعالهم هذا و لا خارجين عن ملكه و سلطانه .


و الذي يعطيه التدبر أن قوله : « تبارك الذي جعل في السماء بروجا » إلخ ، مسوق سوق التعزز و الاستغناء ، و أنهم غير معجزين باستكبارهم على الله و استهزائهم بالرسول بل هؤلاء ممنوعون عن الاقتراب من حضرة قربه و الصعود إلى سماء جواره و المعارف الإلهية مضيئة مع ذلك لأهله و عباده بما نورها الله سبحانه بنور هدايته و هو نور الرسالة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :236


و على هذا فقد أثنى الله سبحانه على نفسه بذكر تباركه بجعل البروج المحفوظة الراجمة للشياطين بالشهب في السماء المحسوسة و جعل الشمس المضيئة و القمر المنير فيها لإضاءة العالم المحسوس ، و أشار بذلك إلى ما يناظره في الحقيقة من إضاءة العالم الإنساني بنور الهداية من الرسالة ليتبصر به عباده ، كما يذكر حالهم بعد هذه الآيات و دفع أولياء الشياطين عن الصعود إليه بما هيأ لدفعهم من بروجمحفوظة راجمة .


هذا ما يعطيه السياق و على هذا النمط من البيان سيقت هذه الآيات و التي قبلها كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله : « أ لم تر إلى ربك كيف مد الظل » فليس ما ذكرناه من التأويل بمعنى صرف الآيات عن ظاهرها .


قوله تعالى : « و هو الذي جعل الليل و النهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا » الخلفة هي الشي‏ء يسد مسد شي‏ء آخر و بالعكس و كأنه بناء نوع أريد به معنى الوصف فكون الليل و النهار خلفة أن كلا منهما يخلف الآخر ، و تقييد الخلفة بقوله : « لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا » للدلالة على نيابة كل منهما عن الآخر في التذكر و الشكر .


و المقابلة بين التذكر و الشكر يعطي أن المراد بالتذكر الرجوع إلى ما يعرفه الإنسان بفطرته من الحجج الدالة على توحيد ربه و ما يليق به تعالى من الصفات و الأسماء و غايته الإيمان بالله ، و بالشكور القول أو الفعل الذي ينبى‏ء عن الثناء عليه بجميل ما أنعم ، و ينطبق على عبادته و ما يلحق بها من صالح العمل .


و على هذا فالآية اعتزاز أو امتنان بجعله تعالى الليل و النهار بحيث يخلف كل صاحبه فمن فاته الإيمان به في هذه البرهة من الزمان تداركه في البرهة الأخرى منه ، و من لم يوفق لعبادة أولأي عمل صالح في شي‏ء منهما أتى به في الآخر .


هذا ما تفيده الآية و لها مع ذلك ارتباط بقوله في الآية السابقة : « و جعل فيها سراجا و قمرا منيرا » ففيه إشارة إلى أن الله سبحانه و إن دفع أولئك المستكبرين عن الصعود إلى ساحة قربه لكنه لم يمنع عباده عن التقرب إليه و الاستضاءة بنوره فجعل نهارا ذا شمس طالعة و ليلا ذا قمر منير و هما ذوا خلفة من فاته ذكر أو شكر في أحدهما أتى به في الآخر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :237


و فسر بعضهم التذكر بصلاة الفريضة و الشكور بالنافلة و الآية تقبل الانطباق على ذلك و إن لم يتعين حملها عليه .


بحث روائي


في الدر المنثور ، : في قوله تعالى : « أ رأيت من اتخذ إلهه هواه » : أخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع .


و في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « أ لم تر إلى ربك كيف مد الظل » فقال : الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس .


و في المجمع : في قوله تعالى : « و هو الذي خلق من الماء » الآية ، قال ابن سيرين : نزلت فيالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و علي بن أبي طالب زوج فاطمة عليا فهو ابن عمه و زوج ابنته فكان نسبا و صهرا .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن مردويه عن ابن عباس : في قوله : « و كان الكافر على ربه ظهيرا » يعني أبا الحكم الذي سماه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أبا جهل بن هشام .


أقول : و الروايتان بالجري و التطبيق أشبه .


و في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله تبارك و تعالى : « تبارك الذي جعل في السماء بروجا » فالبروج الكواكب و البروج التي للربيع و الصيف الحمل و الثور و الجوزاء و السرطان و الأسد و السنبلة ، و بروج الخريف و الشتاء : الميزان و العقرب و القوس و الجدي و الدلو و الحوت و هي اثنا عشر برجا .


و في الفقيه ، قال الصادق (عليه‏السلام‏) : كلما فاتك بالليل فاقضه بالنهار قال الله تبارك و تعالى : « و هو الذي جعل الليل و النهار خلفة - لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا » يعني أن يقضي الرجل ما فاته بالليل بالنهار و ما فاته بالنهار بالليل .


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :238


وَ عِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشونَ عَلى الأَرْضِ هَوْناً وَ إِذَا خَاطبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُوا سلَماً(63) وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سجَّداً وَ قِيَماً(64) وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرِف عَنَّا عَذَاب جَهَنَّمَإِنَّ عَذَابَهَا كانَ غَرَاماً(65) إِنَّهَا ساءَت مُستَقَرًّا وَ مُقَاماً(66) وَ الَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسرِفُوا وَ لَمْ يَقْترُوا وَ كانَ بَينَ ذَلِك قَوَاماً(67) وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتى حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقّ‏ِ وَ لا يَزْنُونَوَ مَن يَفْعَلْ ذَلِك يَلْقَ أَثَاماً(68) يُضعَف لَهُ الْعَذَاب يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَ يخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً(69) إِلا مَن تَاب وَ ءَامَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صلِحاً فَأُولَئك يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسنَتٍوَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً(70) وَ مَن تَاب وَ عَمِلَ صلِحاً فَإِنَّهُ يَتُوب إِلى اللَّهِ مَتَاباً(71) وَ الَّذِينَ لا يَشهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كرَاماً(72) وَ الَّذِينَ إِذَا ذُكرُوا بِئَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يخِرُّوا عَلَيْهَا صمًّا وَ عُمْيَاناً(73) وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَب لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَ ذُرِّيَّتِنَا قُرَّةَ أَعْينٍ وَ اجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً(74) أُولَئك يجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صبرُوا وَ يُلَقَّوْنَ فِيهَا تحِيَّةً وَ سلَماً(75) خَلِدِينَ فِيهَا حَسنَت مُستَقَرًّا وَ مُقَاماً(76) قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكمْ رَبى لَوْ لا دُعَاؤُكمْفَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسوْف يَكونُ لِزَامَا(77)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :239


بيان


تذكر الآيات من محاسن خصال المؤمنين ما يقابل ما وصف من صفات الكفار السيئة و يجمعها أنهم يدعون ربهم و يصدقون رسوله و الكتاب النازل عليه قبال تكذيب الكفار لذلك و إعراضهم عنه إلى اتباع الهوى ، و لذلك تختتم الآيات بقوله : « قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما » و به تختتم السورة .


قوله تعالى : « و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما » لما ذكر في الآية السابقة استكبارهم على الله سبحانه و إهانتهم بالاسم الكريم : الرحمن ، قابله في هذه الآية بذكر ما يقابل ذلك للمؤمنين و سماهم عبادا و أضافهم إلى نفسه متسميا باسم الرحمن الذي كان يحيد عنه الكفار و ينفرون .


و قد وصفتهم الآية بوصفين من صفاتهم : أحدهما : ما اشتمل عليه قوله : الذين يمشون على الأرض هونا » و الهون على ما ذكره الراغب التذلل ، و الأشبه حينئذ أن يكون المشي على الأرض كناية عن عيشتهم بمخالطة الناس و معاشرتهم فهم في أنفسهم متذللون لربهم و متواضعون للناس لما أنهم عباد الله غير مستكبرين على الله و لا مستعلين على غيرهم بغير حق ، و أما التذلل لأعداء الله ابتغاء ما عندهم من العزة الوهمية فحاشاهم و إن كان الهون بمعنى الرفق و اللين فالمراد أنهم يمشون من غير تكبر و تبختر .


و ثانيهما : ما اشتمل عليه قوله : « و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما » أي إذا خاطبهم الجاهلون خطابا ناشئا عن جهلهم مما يكرهون أن يخاطبوا به أو يثقل عليهم كما يستفاد من تعلق الفعل بالوصف أجابوهم بما هو سالم من القول و قالوا لهم قولا سلاما خاليا عن اللغو و الإثم ، قال تعالى : « لا يسمعون فيها لغوا و لا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما » : الواقعة : 26 ، و يرجع إلى عدم مقابلتهم الجهل بالجهل .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :240


و هذه - كما قيل - صفة نهارهم إذا انتشروا في الناس و أما صفة ليلهم فهي التي تصفها الآية التالية .


قوله تعالى : « و الذين يبيتون لربهمسجدا و قياما » البيتوتة إدراك الليل سواء نام أم لا ، و « لربهم » متعلق بقوله : « سجدا » و السجد و القيام جمعا ساجد و قائم ، و المراد عبادتهم له تعالى بالخرور على الأرض و القيام على السوق ، و من مصاديقه الصلاة .


و المعنى : و هم الذين يدركون الليل حال كونهم ساجدين فيه لربهم و قائمين يتراوحون سجودا و قياما ، و يمكن أن يراد به التهجد بنوافل الليل .


قوله تعالى : « و الذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما » الغرام ما ينوب الإنسان من شدة أو مصيبة فيلزمه و لا يفارقه و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « إنها ساءت مستقرا و مقاما » الضمير لجهنم و المستقر و المقام اسما مكان من الاستقرار و الإقامة ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما » ، الإنفاق بذل المال و صرفه في رفع حوائج نفسه أو غيره ، و الإسراف الخروج عن الحد و لا يكون إلا في جانب الزيادة ، و هو في الإنفاق التعدي عما ينبغي الوقوف عليه في بذل المال ، و القتر بالفتح فالسكون التقليل في الإنفاق و هو بإزاء الإسراف على ما ذكره الراغب ، و القتر و الإقتار و التقتير بمعنى .


و القوام بالفتح الواسط العدل ، و بالكسر ما يقوم به الشي‏ء و قوله : « بين ذلك » متعلق بالقوام ، و المعنى : و كان إنفاقهم وسطا عدلا بين ما ذكر من الإسراف و القتر فقوله : « و كان بين ذلك قواما تنصيص على ما يستفاد من قوله « إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا » ، فصدر الآية ينفي طرفي الإفراط و التفريط في الإنفاق ، و ذيلها يثبت الوسط .


قوله تعالى : « و الذين لا يدعون مع الله إلها آخر » إلى آخر الآية هذا هو الشرك و أصول الوثنية لا تجيز دعاءه تعالى و عبادته أصلا لا وحده و لا مع آلهتهم و إنما توجب دعاء آلهتهم و عبادتهم ليقربوهم إلى الله زلفى و يشفعوا لهم عنده .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :241


فالمراد بدعائهم مع الله إلها آخر إما التلويح إلى أنه تعالى إله مدعو بالفطرة على كل حال فدعاء غيره دعاء لإله آخر معه و إن لم يذكر الله .


أو أنه تعالى ثابت في نفسه سواء دعي غيره أم لا فالمراد بدعاء غيره دعاء إله آخر مع وجوده و بعبارة أخرى تعديه إلى غيره .


أو إشارة إلى ما كان يفعله جهلة مشركي العرب فإنهم كانوا يرون أن دعاء آلهتهم إنما ينفعهم في البر و أما البحر فإنه لله لا يشاركه فيه أحد فالمراد دعاؤه تعالى في مورد كما عند شدائد البحر من طوفان و نحوه و دعاء غيره معه في مورد و هو البر ، و أحسن الوجوه أوسطها .


و قوله : « و لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق » أي لا يقتلون النفس الإنسانية التي حرم الله قتلها في حال من الأحوال إلا حال تلبس القتل بالحق كقتلها قصاصا و حدا .


و قوله تعالى : « و لا يزنون » أي لا يطئون الفرج الحرام و قد كان شائعا بين العرب في الجاهلية ، و كان الإسلام معروفا بتحريم الزنا و الخمر من أول ما ظهرت دعوته .


و قوله : « و من يفعل ذلك يلق أثاما » الإشارة بذلك إلى ما تقدم ذكره و هو الشرك و قتل النفس المحترمة بغير حق و الزنا ، و الأثام الإثم و هو وبال الخطيئة و هو الجزاء بالعذاب الذي سيلقاه يوم القيامة المذكور في الآية التالية .


قوله تعالى : « يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا » بيان للقاء الأثام ، و قوله : « و يخلد فيه مهانا » أي يخلد في العذاب و قد وقعت عليه الإهانة .


و الخلود في العذاب في الشرك لا ريب فيه ، و أما الخلود فيه عند قتل النفس المحترمة و الزنا و هما من الكبائر و قد صرح القرآن بذلك فيهما و كذا في أكل الربا فيمكن أن يحمل على اقتضاء طبع المعصية ذلك كما ربما استفيد من ظاهر قوله : « إن الله لايغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء » .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :242


أو يحمل الخلود على المكث الطويل أعم من المنقطع و المؤبد أو يحمل قوله : « و من يفعل ذلك » على فعل جميع الثلاثة لأن الآيات في الحقيقة تنزه المؤمنين عما كان الكفار مبتلين به و هو الجميع دون البعض .


قوله تعالى : « إلا من تاب و آمن و عمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات و كان الله غفورا رحيما » استثناء من لقي الأثام و الخلود فيه ، و قد أخذ في المستثنى التوبة و الإيمان و إتيان العمل الصالح ، أما التوبة و هي الرجوع عن المعصية و أقل مراتبها الندم فلو لم يتحقق لم ينتزع العبد عن المعصية و لم يزل مقيما عليها ، و أما إتيان العمل الصالح فهو مما تستقر به التوبة و به تكون نصوحا .


و أما أخذ الإيمان فيدل على أن الاستثناء إنما هو من الشرك فتختص الآية بمن أشرك و قتل و زنى أو بمن أشرك سواء أتى معه بشي‏ء من القتل المذكور و الزنا أو لم يأت ، و أما من أتى بشي‏ء من القتل و الزنا من غير شرك فالمتكفل لبيان حكم توبته الآية التالية .


و قوله : « فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات » تفريع على التوبة و الإيمان و العمل الصالح يصف ما يترتب على ذلك من جميل الأثر و هو أن الله يبدل سيئاتهم حسنات .


و قد قيل في معنى ذلك أن الله يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة و يثبت مكانها لواحق طاعاتهم فيبدل الكفر إيمانا و القتل بغير حق جهادا و قتلا بالحق و الزنا عفة و إحصانا .


و قيل : المراد بالسيئات و الحسنات ملكاتهما لا نفسهما فيبدل ملكة السيئة ملكة الحسنة .


و قيل : المراد بهما العقاب و الثواب عليهما لا نفسهما فيبدل عقاب القتل و الزنا مثلا ثواب القتل بالحق و الإحصان .


و أنت خبير بأن هذه الوجوه من صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل يدل عليه .


و الذي يفيد ظاهر قوله : « يبدل الله سيئاتهم حسنات » و قد ذيله بقوله : « و كان الله غفورا رحيما » أن كل سيئة منهم نفسها تتبدل حسنة ، و ليست السيئة هي متن


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :243


الفعل الصادر من فاعله و هو حركات خاصة مشتركة بين السيئة و الحسنة كعمل المواقعة مثلا المشترك بين الزنا و النكاح ، و الأكل المشترك بين أكل المال غصبا و بإذن من مالكه بل صفة الفعل من حيث موافقته لأمر الله و مخالفته له مثلا من حيث إنه يتأثر به الإنسان و يحفظ عليه دون الفعل الذي هو مجموع حركات متصرمة متقضية فانية و كذا عنوانه القائم به الفاني بفنائه .


و هذه الآثار السيئة التي يتبعها العقاب أعني السيئات لازمة للإنسان حتى يؤخذ بها يوم تبلى السرائر .


و لو لا شوب من الشقوة و المساءة في الذات لم يصدر عنها عمل سيى‏ء إذ الذات السعيدة الطاهرة من كل وجه لا يصدر عنها سيئة قذرة فالأعمال السيئة إنما تلحق ذاتا شقية خبيثة بذاتها أو ذاتا فيها شوب من شقاء و خباثة .


و لازم ذلك إذا تطهرت بالتوبة و طابت بالإيمان و العمل الصالح فتبدلت ذاتا سعيدة ما فيها شوب من قذارة الشقاء أن تتبدل آثارها اللازمة التي كانت سيئات قبل ذلك فتناسب الآثار للذات بمغفرةمن الله و رحمة و كان الله غفورا رحيما .


و إلى مثل هذا يمكن أن تكون الإشارة بقوله : « فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات و كان الله غفورا رحيما » .


قوله تعالى : « و من تاب و عمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا » المتاب مصدر ميمي للتوبة ، و سياق الآية يعطي أنها مسوقة لرفع استغراب تبدل السيئات حسنات بتعظيم أمر التوبة و أنها رجوع خاص إلى الله سبحانه فلا بدع في أن يبدل السيئات حسنات و هو الله يفعل ما يشاء .


و في الآية مع ذلك شمول للتوبة من جميع المعاصي سواء قارنت الشرك أم فارقته ، و الآية السابقة - كما تقدمت الإشارة إليه - كانت خفية الدلالة على حال المعاصي إذا تجردت من الشرك .


قوله تعالى : « و الذين لا يشهدون الزور و إذا مروا باللغو مروا كراما » قال في مجمع البيان : ، أصل الزور تمويه الباطل بما يوهم أنه حق .


انتهى .


فيشمل الكذب و كل


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :244


لهو باطل كالغناء و الفحش و الخنا بوجه ، و قال أيضا : يقال : تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه و أكرم نفسه منه انتهى .


فقوله : « و الذين لا يشهدون الزور » إن كان المراد بالزور الكذب فهو قائم مقام المفعول المطلق و التقدير لا يشهدون شهادةالزور ، و إن كان المراد اللهو الباطل كالغناء و نحوه كان مفعولا به و المعنى لا يحضرون مجالس الباطل ، و ذيل الآية يناسب ثاني المعنيين .


و قوله : « و إذا مروا باللغو مروا كراما » اللغو ما لا يعتد به من الأفعال و الأقوال لعدم اشتماله على غرض عقلائي و يعم - كما قيل - جميع المعاصي ، و المراد بالمرور باللغو المرور بأهل اللغو و هم مشتغلون به .


و المعنى : و إذا مروا بأهل اللغو و هم يلغون مروا معرضين عنهم منزهين أنفسهم عن الدخول فيهم و الاختلاط بهم و مجالستهم .


قوله تعالى : « و الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما و عميانا » الخرور على الأرض السقوط عليها و كأنها في الآية كناية عن لزوم الشي‏ء و الانكباب عليه .


و المعنى : و الذين إذا ذكروا بآيات ربهم من حكمة أو موعظة حسنة من قرآن أو وحي لم يسقطوا عليه و هم صم لا يسمعون و عميان لا يبصرون بل تفكروا فيها و تعقلوها فأخذوا بها عن بصيرة فآمنوا بحكمتها و اتعظوا بموعظتها و كانوا على بصيرة من أمرهم و بينة من ربهم .


قوله تعالى : « و الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين و اجعلنا للمتقين إماما » قال الراغب في المفردات ، : قرت عينه تقر سرت قال ، تعالى : « كي تقر عينها » و قيل لمن يسر به قرة عين قال : « قرة عين لي و لك » و قوله تعالى : « هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين » قيل : أصله من القر أي البرد فقرت عينه قيل : معناه بردت فصحت ، و قيل : بل لأن للسرور دمعة باردة قارة و للحزن دمعة حارة و لذلك يقال فيمن يدعى عليه : أسخن الله عينه ، و قيل : هو من القرار و المعنى أعطاه الله ما يسكن به عينه فلا تطمح إلى غيره انتهى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :245


و مرادهم بكون أزواجهم و ذرياتهم قرة أعين لهم أن يسروهم بطاعة الله و التجنب عن معصيته فلا حاجة لهم في غير ذلك و لا إربة و هم أهل حق لا يتبعون الهوى .


و قوله : « و اجعلنا للمتقين إماما » أي متسابقين إلى الخيرات سابقين إلى رحمتك فيتبعنا غيرنا من المتقين كما قال تعالى : « فاستبقوا الخيرات » : البقرة : 148 ، و قال : « سابقوا إلى مغفرة من ربكم و جنة » : الحديد : 21 ، و قال : « و السابقون السابقون أولئك المقربون » : الواقعة : 11 ، و كأن المراد أن يكونوا صفا واحدا متقدما على غيرهم من المتقين و لذا جي‏ء بالإمام بلفظ الإفراد .


و قال بعضهم : إن الإمام مما يطلق على الواحد و الجمع ، و قيل : إن إمام جمع آم بمعنى القاصد كصيام جمع صائم ، و المعنى : اجعلنا قاصدين للمتقين متقيدين بهم ، و في قراءة أهل البيت « و اجعل لنا من المتقين إماما » .


قوله تعالى : « أولئك يجزون الغرفة بما صبروا و يلقون فيها تحية و سلاما خالدين فيها حسنت مستقرا و مقاما » الغرفة - كما قيل - البناء فوق البناء فهو الدرجة العالية من البيت ، و هي كناية عن الدرجة العالية في الجنة ، و المراد بالصبر الصبر على طاعة الله و عن معصيته فهذان القسمان من الصبر هما المذكوران في الآيات السابقة لكن لا ينفك ذلك عن الصبر عند النوائب و الشدائد .


و المعنى : أولئك الموصوفون بما وصفوا يجزون الدرجة الرفيعة من الجنة يلقون فيها أي يتلقاهم الملائكة بالتحية و هو ما يقدم للإنسان مما يسره و بالسلام و هو كل ما ليس فيه ما يخافه و يحذره ، و في تنكير التحية و السلام دلالة على التفخيم و التعظيم ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما » قال في المفردات : ، ما عبأت به أي لم أبال به ، و أصله من العب‏ء أي الثقل كأنه قال : ما أرى له وزنا و قدرا ، قال تعالى : « قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم » و قيل : من عبأت الطيب كأنهقيل : ما يبقيكم لو لا دعاؤكم .


انتهى .


قيل : « دعاؤكم » من إضافة المصدر إلى المفعول و فاعله ضمير راجع إلى « ربي »


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :246


و على هذا فقوله : « فقد كذبتم » من تفريع السبب على المسبب بمعنى انكشافه بمسببه ، و قوله : « فسوف يكون لزاما » أي سوف يكون تكذيبكم ملازما لكم أشد الملازمة فتجزون بشقاء لازم و عذاب دائم .


و المعنى : قل لا قدر و لا منزلة لكم عند ربي فوجودكم و عدمكم عنده سواء لأنكم كذبتم فلا خير يرجى فيكم فسوف يكون هذا التكذيب ملازما لكم أشد الملازمة ، إلا أن اللهيدعوكم ليتم الحجة عليكم أو يدعوكم لعلكم ترجعون عن تكذيبكم .


و هذا معنى حسن .


و قيل : « دعاؤكم » من إضافة المصدر إلى الفاعل ، و المراد به عبادتهم لله سبحانه و المعنى : ما يبالي بكم ربي أو ما يبقيكم ربي لو لا عبادتكم له .


و فيه أن هذا المعنى لا يلائم تفرع قوله : « فقد كذبتم » عليه و كان عليه من حق الكلام أن يقال : و قد كذبتم ! على أن المصدر المضاف إلى فاعله يدل على تحقق الفعل منه و تلبسه به و هم غير متلبسين بدعائه و عبادته تعالى فكان من حق الكلام على هذا التقدير أن يقال لو لا أن تدعوه فافهم .


و الآيةخاتمة السورة و تنعطف إلى غرض السورة و محصل القول فيه و هو الكلام على اعتراض المشركين على الرسول و على القرآن النازل عليه و تكذيبهما .


بحث روائي


في المجمع ، : في قوله تعالى : « الذين يمشون على الأرض هونا » قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : هو الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف و لا يتبختر .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله : « إن عذابها كان غراما » قال : الدائم .


و في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « إن عذابها كان غراما » يقول : ملازما لا ينفك . و قوله عز و جل : « و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا » و الإسراف الإنفاق في المعصية في غير حق « و لم يقتروا » لم يبخلوا


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :247


في حق الله عز و جل « و كان بين ذلك قواما » القوام العدل و الإنفاق فيما أمر الله به .


و في الكافي : ، أحمد بن محمد بن علي عن محمد بن سنان عن أبي الحسن (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « و كان بين ذلك قواما » قال : القوام هو المعروف على الموسع قدره و على المقتر قدره على قدر عياله و مئونتهم التي هي صلاح له و لهم لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها .


و في المجمع ، روي عن معاذ أنه قال : سألت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن ذلك فقال : من أعطى في غير حق فقد أسرف ، و من منع من حق فقد قتر .


أقول : و الأخبار في هذه المعاني كثيرة جدا .


و في الدر المنثور ، أخرج الفاريابي و أحمد و عبد بن حميد و البخاري و مسلم و الترمذي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : سئل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أي الذنب أكبر ؟ قال : أن تجعل لله ندا و هو خلقك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك « و الذين لا يدعون مع الله إلها آخر - و لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق و لا يزنون » .


أقول : لعل المراد الانطباق دون سبب النزول .


و فيه ، أخرج عبد بن حميد عن علي بن الحسين : « يبدل الله سيئاتهم حسنات » قال : في الآخرة ، و قال الحسن : في الدنيا .


و فيه ، أخرج أحمد و هناد و مسلم و الترمذي و ابن جرير و البيهقي في الأسماء و الصفات عن أبي ذر قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه فتعرض عليه صغارها و ينحى عنه كبارها فيقال : عملت يوم كذا و كذا كذا و كذا و هو مقر ليس ينكر و هو مشفق من الكبار أن تجي‏ء فيقال : أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة .


أقول : هو من أخبار تبديل السيئات حسنات يوم القيامة و هي كثيرة مستفيضة من طرق أهل السنة و الشيعة مروية عن النبي و الباقر و الصادق و الرضا عليه و عليهم الصلاة و السلام .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :248


و في روضة الواعظين ، قال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ما جلس قوم يذكرون الله إلا نادى بهم مناد من السماء قوموا فقد بدل الله سيئاتكم حسنات و غفر لكم جميعا .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قوله عز و جل : « لا يشهدون الزور » قال : الغناء : . أقول : و في المجمع ، أنه مروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) و رواه القمي مسندا و مرسلا .


و في العيون ، بإسناده إلى محمد بن أبي عباد و كان مشتهرا بالسماع و يشرب النبيذ قال : سألت الرضا (عليه‏السلام‏) عن السماع فقال : لأهل الحجاز رأي فيه و هو في حيز الباطل و اللهو أ ما سمعت الله عز و جل يقول : « و إذا مروا باللغو مروا كراما » .


و في روضة الكافي ، بإسناده عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « و الذين إذا ذكروا بآيات ربهم - لم يخروا عليها صما و عميانا » قال : مستبصرين ليسوا بشكاك .


و في جوامع الجامع ، عن الصادق (عليه‏السلام‏) : في قوله : « و اجعلنا للمتقين إماما » قال : إيانا عنى .


أقول : و هناك عدة روايات في هذا المعنى و أخرى تتضمن قراءتهم (عليهم‏السلام‏) : « و اجعل لنا من المتقين إماما » .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم و أبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر : في قوله : « أولئك يجزون الغرفة بما صبروا » قال : على الفقر في الدنيا .


و في المجمع ، روى العياشي بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي قال : قلت لأبي جعفر (عليه‏السلام‏) : كثرة القراءة أفضل أو كثرة الدعاء ؟ قال : كثرة الدعاء أفضل و قرأ هذه الآية .


أقول : و في انطباق الآية على ما في الرواية إبهام .


و في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله عز و جل : « قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم » يقول : ما يفعل ربي بكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :