امروز:
پنج شنبه 30 شهريور 1396
بازدید :
1254
تفسيرالميزان : سوره شعراء آيات 227- 105


كَذَّبَت قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسلِينَ‏(105) إِذْ قَالَ لهَُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏(106) إِنى لَكُمْ رَسولٌ أَمِينٌ‏(107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏(108) وَ مَا أَسئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍإِنْ أَجْرِى إِلا عَلى رَب الْعَلَمِينَ‏(109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏(110) × قَالُوا أَ نُؤْمِنُ لَك وَ اتَّبَعَك الأَرْذَلُونَ‏(111) قَالَ وَ مَا عِلْمِى بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ‏(112) إِنْ حِسابهُمْ إِلا عَلى رَبىلَوْ تَشعُرُونَ‏(113) وَ مَا أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ‏(114) إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏(115) قَالُوا لَئن لَّمْ تَنتَهِ يَنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ‏(116) قَالَ رَب إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ‏(117) فَافْتَحْ بَيْنى وَ بَيْنَهُمْ فَتْحاً وَ نجِّنى وَ مَن مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏(118) فَأَنجَيْنَهُ وَ مَن مَّعَهُ فى الْفُلْكِ الْمَشحُونِ‏(119) ثمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ‏(120) إِنَّ فى ذَلِك لاَيَةًوَ مَا كانَ أَكْثرُهُم مُّؤْمِنِينَ‏(121) وَ إِنَّ رَبَّك لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏(122)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :295


بيان


تشير الآيات بعد الفراغ عن قصتي موسى و إبراهيم (عليهماالسلام‏) و هما من أولي العزم إلى قصة نوح (عليه‏السلام‏) و هو أول أولي العزم سادة الأنبياء ، و إجمال ما جرى بينه و بين قومه فلم يؤمن به أكثرهم فأغرقهم الله و أنجىنوحا و من معه من المؤمنين .


قوله تعالى : « كذبت قوم نوح المرسلين » قال في المفردات : ، القوم جماعة الرجال في الأصل دون النساء ، و لذلك قال : « لا يسخر قوم من قوم » الآية ، قال الشاعر : أ قوم آل حصن أم نساء، .


و في عامة القرآن أريدوا به و النساء جميعا .


انتهى .


و لفظ القوم قيل : مذكر و تأنيث الفعل المسند إليه بتأويل الجماعة و قيل : مؤنث و قال في المصباح : يذكر و يؤنث .


و عد القوم مكذبين للمرسلين مع أنهم لم يكذبوا إلا واحدا منهم و هو نوح (عليه‏السلام‏) إنما هو من جهة أن دعوتهم واحدة و كلمتهم متفقةعلى التوحيد فيكون المكذب للواحد منهم مكذبا للجميع و لذا عد الله سبحانه الإيمان ببعض رسله دون بعض كفرا بالجميع قال تعالى : « إن الذين يكفرون بالله و رسله و يريدون أن يفرقوا بين الله و رسله و يقولون نؤمن ببعض و نكفر ببعض و يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا » : النساء : 151 .


و قيل : هو من قبيل قولهم فلان يركب الدواب و يلبس البرود و ليس له إلا دابة واحدة و بردة واحدة فيكون الجمع كناية عن الجنس ، و الأول أوجه و نظير الوجهين جار في قوله الآتي : « كذبت عاد المرسلين » « كذبت ثمود المرسلين » وغيرهما .


قوله تعالى : « إذ قال لهم أخوهم نوح أ لا تتقون » المراد بالأخ النسيب كقولهم : أخو تميم و أخو كليب و الاستفهام للتوبيخ .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :296


قوله تعالى : « إني لكم رسول أمين » أي رسول من الله سبحانه أمين على ما حملته من الرسالة لا أبلغكم إلا ما أمرني ربي و أراده منكم ، و لذا فرع عليه قوله : « فاتقوا الله و أطيعون » فأمرهم بطاعته لأن طاعته طاعة الله .


قوله تعالى : « و ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين » مسوق لنفي الطمع الدنيوي بنفي سؤال الأجر فيثبت بذلك أنه ناصح لهم فيما يدعوهم إليه لا يخونهم و لا يغشهم فعليهم أن يطيعوه فيما يأمرهم ، و لذا فرع عليه ثانيا قوله : « فاتقوا الله و أطيعون » .


و العدول في قوله : « إن أجري إلا على رب العالمين » عن اسم الجلالة إلى « رب العالمين » للدلالة على صريح التوحيد فإنهم كانوا يرون أنه تعالى إله عالم الآلهة و كانوا يرون لكل عالم إلها آخر يعبدونه من دون الله فإثباته تعالى ربا للعالمين جميعا تصريح بتوحيد العبادة و نفي الآلهة من دون الله مطلقا .


قوله تعالى : « فاتقوا الله و أطيعون » قد تقدم وجه تكرار الآية فهو يفيد أن كلامن الأمانة و عدم سؤال الأجر سبب مستقل في إيجاب طاعته عليهم .


قوله تعالى : « قالوا أ نؤمن لك و اتبعك الأرذلون » الأرذلون جمع أرذل على الصحة و هو اسم تفضيل من الرذالة و الرذالة الخسة و الدناءة ، و مرادهم بكون متبعيه أراذل أنهم ذوو أعمال رذيلة و مشاغل خسيسة و لذا أجاب ع عنه بمثل قوله : « و ما علمي بما كانوا يعملون » .


و الظاهر أنهم كانوا يرون الشرف و الكرامة في الأموال و الجموع من البنين و الأتباع كما يستفاد من دعاء نوح (عليه‏السلام‏) إذ يقول : « رب إنهم عصوني و اتبعوا من لم يزده ماله و ولده إلا خسارا » : ، نوح : 21 .


فمرادهم بالأرذلين من يعدهم الأشراف و المترفون سفلة يتجنبون معاشرتهم من العبيد و الفقراء و أرباب الحرف الدنية .


قوله تعالى : « قال و ما علمي بما كانوا يعملون » الضمير لنوح (عليه‏السلام‏) ، و « ما » استفهامية و قيل : نافية و عليه فالخبر محذوف لدلالة السياق عليه ، و المراد على أي حال نفي علمه بأعمالهم قبل إيمانهم به لمكان قوله : « كانوا يعملون » .


قوله تعالى : « إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون » المراد بقوله : « ربي » رب


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :297


العالمين فإنه الذي كان يختص نوح بالدعوة إليه من بينهم ، و قوله : « لو تشعرون » مقطوع عن العمل أي لو كان لكم شعور ، و قيل : المعنى لو تشعرون بشي‏ء لعلمتم ذلك و هو كما ترى .


و المعنى : بالنظر إلى الحصر الذي في صدر الآية أنه لا علم لي بسابق أعمالهم و ليس علي حسابهم حتى أتجسس و أبحث عن أعمالهم و إنما حسابهم على ربي « لو تشعرون » فيجازيهم حسب أعمالهم .


قوله تعالى : « و ما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين » الآية الثانية بمنزلة التعليل للأولى و المجموع متمم للبيان السابق و المعنى : لا شأن لي إلا الإنذار و الدعوة فلست أطرد من أقبل علي و آمن بي و لست أتفحص عن سابق أعمالهم لأحاسبهم عليها فحسابهم على ربي و هو رب العالمين لا علي .


قوله تعالى : « قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين » المراد بالانتهاء ترك الدعوة ، و الرجم هو الرمي بالحجارة ، و قيل : المراد به الشتم و هو بعيد ، و هذا مما قالوه في آخر العهد من دعوتهم يهددونه (عليه‏السلام‏) بقول جازم كما يشهد به ما في الكلام من وجوه التأكيد .


قوله تعالى : « قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني و بينهم فتحا » إلخ ، هذا استفتاح منه (عليه‏السلام‏) و قد قدم له قوله : « رب إن قومي كذبون » على سبيل التوطئة أي تحقق منهم التكذيب المطلق الذي لا مطمع في تصديقهم بعده كما يستفاد من دعائه عليهم إذ يقول : « رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا إلا فاجرا كفارا » : نوح : 27 .


و قوله : « فافتح بيني و بينهم فتحا » كناية عن القضاء بينه و بين قومه كما قال تعالى : « و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط و هم لا يظلمون » : يونس : 47 .


و أصله من الاستعارة بالكناية كأنه و أتباعه و الكفار من قومه اختلطوا و اجتمعوا من غير تميز فسأل ربه أن يفتح بينهم بإيجاد فسحة بينه و بين قومه يبتعد بذلك أحد القبيلين من الآخر و ذلك كناية عن نزول العذاب و ليس يهلك إلا القوم الفاسقين و الدليل عليه قوله بعد : « و نجني و من معي من المؤمنين » .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :298


و قيل : الفتح بمعنى الحكم و القضاء من الفتاحة بمعنى الحكومة .


قوله تعالى : « فأنجيناه و من معه في الفلك المشحون » أي المملوء منهم و من كل زوجين اثنين كما ذكره في سورة هود .


قوله تعالى : « ثم أغرقنا بعد الباقين » أي أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه .


قوله تعالى : « إن في ذلك لآية - إلى قوله - العزيز الرحيم » تقدم الكلام في معنى الآيتين .


بحث روائي


في كتاب كمال الدين ، و روضة الكافي ، مسندا عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في حديث : فمكث نوح ألف سنة إلا خمسين عاما لم يشاركه في نبوته أحد و لكنه قدم على قوم مكذبين للأنبياء الذين كانوا بينه و بين آدم و ذلك قوله عز و جل : كذبت قوم نوح المرسلين » يعني من كان بينه و بين آدم إلى أن انتهى إلى قوله : « و إن ربك لهو العزيز الرحيم » و قال فيه ، أيضا : فكان بينه و بين آدم عشرة آباء كلهم أنبياء ، و في تفسير القمي : في قوله تعالى : « و اتبعكالأرذلون » قال : الفقراء .


و فيه ، و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « الفلك المشحون » المجهز الذي قد فرغ منه و لم يبق إلا دفعه .


كَذَّبَت عَادٌ الْمُرْسلِينَ‏(123) إِذْ قَالَ لهَُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏(124) إِنى لَكمْ رَسولٌ أَمِينٌ‏(125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏(126) وَ مَا أَسئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍإِنْ أَجْرِى إِلا عَلى رَب الْعَلَمِينَ‏(127) أَ تَبْنُونَ بِكلّ‏ِ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ‏(128) وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تخْلُدُونَ‏(129) وَ إِذَا بَطشتُم بَطشتُمْ جَبَّارِينَ‏(130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏(131) وَ اتَّقُوا الَّذِى أَمَدَّكم بِمَا تَعْلَمُونَ‏(132) أَمَدَّكم بِأَنْعَمٍ وَ بَنِينَ‏(133) وَ جَنَّتٍ وَ عُيُونٍ‏(134) إِنى أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْمٍ عَظِيمٍ‏(135) قَالُوا سوَاءٌ عَلَيْنَا أَ وَعَظت أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَعِظِينَ‏(136) إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ‏(137) وَ مَا نحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏(138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَهُمْإِنَّ فى ذَلِك لاَيَةًوَ مَا كانَ أَكْثرُهُم مُّؤْمِنِينَ‏(139) وَ إِنَّ رَبَّك لهَُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏(140)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :299


بيان


تشير الآيات إلى قصة هود (عليه‏السلام‏) و قومه و هو قوم عاد .


قوله تعالى : « كذبت عاد المرسلين » قوم عاد من العرب العاربة الأولى كانوا يسكنون الأحقاف من جزيرة العرب لهم مدنية راقية و أراض خصبة و ديار معمورة فكذبوا الرسل و كفروا بأنعم الله و أطغوا فأهلكهم الله بالريح العقيم و خرب ديارهم و عفا آثارهم .


و عاد فيما يقال اسم أبيهم فتسميتهم بعاد من قبيل تسمية القوم باسم أبيهم كما يقال تميم و بكر و تغلب و يراد بنو تميم و بنو بكر و بنو تغلب .


و قد تقدم في نظير الآية من قصة نوح وجه عد القوم مكذبين للمرسلين و لم يكذبوا ظاهرا إلا واحدا منهم .


قوله تعالى : « إني لكم رسول أمين - إلى قوله - رب العالمين » تقدم الكلام فيها في نظائرها من قصة نوح (عليه‏السلام‏) .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :300


و ذكر بعض المفسرين أن تصدير هذه القصص الخمس بذكر أمانة الرسل و عدم سؤالهم أجرا على رسالتهم و أمرهم الناس بالتقوى و الطاعة للتنبيه على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق و الطاعة فيما يقرب المدعو من الثواب و يبعده من العقاب و أن الأنبياء (عليهم‏السلام‏) مجتمعون على ذلك و إن اختلفوا في بعض فروع الشرائع المختلفة باختلاف الأزمنة و الأعصار ، و أنهم منزهون عن المطامع الدنيوية بالكلية انتهى .


و نظيره الكلام في ختم جميع القصص السبع الموردة في السورة بقوله : « إن في ذلك لآية و ما كان أكثرهم مؤمنين و إن ربك لهو العزيز الرحيم » ففيه دلالة على أن أكثر الأمم و الأقوام معرضون عن آيات الله ، و أن الله سبحانه عزيز يجازيهم على تكذيبهم رحيم ينجي المؤمنين برحمته ، و قد تقدمت الإشارة إلى ذلك في الكلام على غرض السورة .


قوله تعالى : « أ تبنون بكل ريع آية تعبثون » الريع هو المرتفع من الأرض و الآية العلامة و العبث الفعل الذي لا غاية له ، و كأنهم كانوا يبنون على قلل الجبال و كل مرتفع من الأرض أبنية كالأعلام يتنزهون فيها و يفاخرون بها من غير ضرورة تدعوهم إلى ذلك بل لهوا و اتباعا للهوى فوبخهم عليه .


و قد ذكر للآية معان أخر لا دليل عليها من جهة اللفظ و لا ملاءمة للسياق أضربنا عنها .


قوله تعالى : « و تتخذون مصانع لعلكم تخلدون » ، المصانع على ما قيل : الحصون المنيعة و القصور المشيدة و الأبنية العالية واحدها مصنع .


و قوله : «لعلكم تخلدون » في مقام التعليل لما قبله أي تتخذون هذه المصانع بسبب أنكم ترجون الخلود و لو لا رجاء الخلود ما عملتم مثل هذه الأعمال التي من طبعها أن تدوم دهرا طويلا لا يفي به أطول الأعمار الإنسانية ، و قيل في معنى الآية و مفرداتها وجوه أخرى أغمضنا عنها .


قوله تعالى : « و إذا بطشتم بطشتم جبارين » قال في المجمع : ، البطش العسف قتلا بالسيف و ضربا بالسوط ، و الجبار العالي على غيره بعظيم سلطانه .


و هو في صفة الله سبحانه مدح و في صفة غيره ذم لأن معناه في العبد أنه يتكلف الجبرية .


انتهى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :301


فالمعنى : و إذا أظهرتم شدة في العمل و بأسا بالغتم في ذلك كما يبالغ الجبابرة في الشدة .


و محصل الآيات الثلاث أنكم مسرفون في جانبي الشهوة و الغضب متعدون حد الاعتدال خارجون عن طور العبودية .


قوله تعالى : « فاتقوا الله و أطيعون » تفريع على إسرافهم في جانبي الشهوة و الغضب و خروجهم عن طور العبودية فليتقوا الله و ليطيعوه فيما يأمرهم به من ترك الإتراف و الاستكبار .


قوله تعالى : « و اتقوا الذي أمدكم بما تعلمون » - إلى قوله - و عيون » قال الراغب : أصل المد الجر ، قال : و أمددت الجيشبمدود و الإنسان بطعام قال : و أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب و المد في المكروه ، قال تعالى : « و أمددناهم بفاكهة » « و نمد له من العذاب مدا » انتهى ملخصا .


و قوله : « و اتقوا الذي أمدكم » إلخ ، في معنى تعليق الحكم بالوصف المشعر بالعلية أي اتقوا الله الذي يمدكم بنعمه لأنه يمدكم بها فيجب عليكم أن تشكروه بوضع نعمه في موضعها من غير إتراف و استكبار فإن كفران النعمة يستعقب السخط و العذاب قال تعالى : « لئن شكرتم لأزيدنكم و لئن كفرتم إن عذابي لشديد » : إبراهيم : 7 .


و قد ذكر النعم إجمالا بقوله أولا : « أمدكم بما تعلمون » ثم فصلها بقوله ثانيا : « أمدكم بأنعام و بنين و جنات و عيون » .


و في قوله : « أمدكم بما تعلمون » نكتة أخرى هي أنكم تعلمون أن هذه النعم من إمداده تعالى و صنعه لا يشاركه في إيجادها و الإمداد بها غيره فهو الذي يجب لكم أن تتقوه بالشكر و العبادة دون الأوثان و الأصنام فالكلام متضمن للحجة .


قوله تعالى : « إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم » تعليل للأمر بالتقوى أي إني آمركم بالتقوى شكرا لأني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم أن تكفروا و لم تشكروا ، و الظاهر أن المراد باليوم العظيم يوم القيامة و إن جوز بعضهم أن يكون المراد به يوم عذاب الاستئصال .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :302


قوله تعالى : « قالوا سواء علينا أ وعظت أم لم تكن من الواعظين » نفي لأثر كلامه و إياس له من إيمانهم بالكلية .


قيل : الكلام لا يخلو من مبالغة فقد كان مقتضى الترديد أن يقال : أ وعظت أم لم تعظ ففي العدول عنه إلى قوله : « أم لم تكن من الواعظين » النافي لأصل كونه واعظا ما لا يخفى من المبالغة .


قوله تعالى : « إن هذا إلا خلق الأولين » الخلق بضم الخاء و اللام أو سكونها قال الراغب : الخلق و الخلق - أي بفتح الخاء و ضمها - في الأصل واحد كالشرب و الشرب و الصرم و الصرم لكن خص الخلق - بفتح الخاء - بالهيئات و الأشكال و الصور المدركة بالبصر ، و خص الخلق - بضم الخاء - بالقوى و السجايا المدركة بالبصيرة ، قال تعالى : « إنك لعلى خلق عظيم » و قرى‏ء « إن هذا إلا خلق الأولين » انتهى .


و الإشارة بهذا إلى ما جاء به هود و قد سموه وعظا و المعنى : ليس ما تلبست به من الدعوة إلى التوحيد و الموعظة إلا عادة البشر الأولين الماضين من أهل الأساطير و الخرافات ، و هذا كقولهم : إن هذا إلا أساطير الأولين .


و يمكن أن تكون الإشارة بهذا إلى ما هم فيه من الشرك و عبادة الآلهة من دون الله اقتداء بآبائهم الأولين كقولهم : « وجدنا آباءنا كذلك يفعلون » .


و احتمل بعضهم أن يكون المراد ما خلقنا هذا إلا خلق الأولين نحيا كما حيوا و نموت كما ماتوا و لا بعث و لا حساب و لا عذاب .


و هو بعيد من السياق .


قوله تعالى : « و ما نحن بمعذبين » إنكار للمعاد بناء على كون المراد باليوم العظيم في كلام هود (عليه‏السلام‏) يوم القيامة .


قوله تعالى : « فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية - إلى قوله - الرحيم » معناه ظاهر مما تقدم .


بحث روائي


في كتاب كمال الدين ، و روضة الكافي ، مسندا عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر محمد


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :303


بن علي الباقر (عليهماالسلام‏) في حديث : و قال نوح إن الله تبارك و تعالى باعث نبيا يقال له هود و إنه يدعو قومه إلى الله عز و جل فيكذبونه و إن الله عز و جل يهلكهم بالريح فمن أدركه منكم فليؤمن به و ليتبعه فإن الله تبارك و تعالى ينجيه من عذاب الريح . و أمر نوح ابنه سام أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة و يكون يوم عيد لهم فيتعاهدون فيه بعث هود و زمانه الذي يخرج فيه . فلما بعث الله تبارك و تعالى هودا نظروا فيما عندهم من العلم و الإيمان و ميراث العلم و الاسم الأكبر و آثار علم النبوة فوجدوا هودا نبيا و قد بشرهم أبوهم نوح به فآمنوا به و صدقوه و اتبعوه فنجوا من عذاب الريح ، و هو قول الله عز و جل : « و إلى عاد أخاهم هودا » و قوله : « كذبت عاد المرسلين - إذ قال لهم أخوهم هود أ لا تتقون » و في المجمع ، : في قوله تعالى : « آية تعبثون » أي ما لا تحتاجون إليه لسكناكم و إنما تريدون العبث بذلك و اللعب و اللهو كأنه جعل بناءهم ما يستغنون عنه عبثا منهم عن ابن عباس في رواية عطاء ، و يؤيده الخبر المأثور عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خرج فرأى قبة فقال : ما هذه ؟ فقالوا له أصحابه : هذا لرجل من الأنصار فمكث حتى إذا جاء صاحبها فسلم في الناس أعرض عنه صنع ذلك مرارا حتى عرف الرجل الغضب به و الإعراض عنه . فشكا ذلك إلى أصحابه و قال : و الله إني لأنكر نظر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما أدري ما حدث في و ما صنعت ؟ قالوا خرج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فرأى قبتك فقال : لمن هذه ؟ فأخبرناه فرجع إلى قبته فسواها بالأرض فخرج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ذات يوم فلم ير القبة فقال : ما فعلت القبة التي كانت هاهنا ؟ قالوا : شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها . فقال : إن كل ما يبنى وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما لا بد منه .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و إذا بطشتم بطشتم جبارين » قال : تقتلون بالغضب من غير استحقاق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :304


كَذَّبَت ثَمُودُ الْمُرْسلِينَ‏(141) إِذْ قَالَ لهَُمْ أَخُوهُمْ صلِحٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏(142) إِنى لَكُمْ رَسولٌ أَمِينٌ‏(143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏(144) وَ مَا أَسئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍإِنْ أَجْرِى إِلا عَلى رَب الْعَلَمِينَ‏(145) أَ تُترَكُونَ فى مَا هَهُنَا ءَامِنِينَ‏(146) فى جَنَّتٍ وَ عُيُونٍ‏(147) وَ زُرُوعٍ وَ نخْلٍ طلْعُهَا هَضِيمٌ‏(148) وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَرِهِينَ‏(149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏(150) وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسرِفِينَ‏(151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فى الأَرْضِ وَ لا يُصلِحُونَ‏(152) قَالُوا إِنَّمَا أَنت مِنَ الْمُسحَّرِينَ‏(153) مَا أَنت إِلا بَشرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِئَايَةٍ إِن كُنت مِنَ الصدِقِينَ‏(154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لهََّا شِرْبٌ وَ لَكمْ شِرْب يَوْمٍ مَّعْلُومٍ‏(155) وَ لا تَمَسوهَا بِسوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَاب يَوْمٍ عَظِيمٍ‏(156) فَعَقَرُوهَا فَأَصبَحُوا نَدِمِينَ‏(157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابإِنَّ فى ذَلِك لاَيَةًوَ مَا كانَ أَكثرُهُم مُّؤْمِنِينَ‏(158) وَ إِنَّ رَبَّك لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏(159)


بيان


تشير الآيات إلى إجمال قصة صالح (عليه‏السلام‏) و قومه و هو من أنبياء العرب و يذكر في القرآن بعد هود (عليه‏السلام‏) .


قوله تعالى : « كذبت ثمود المرسلين - إلى قوله - على رب العالمين » قد اتضح معناها مما تقدم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :305


قوله تعالى : « أ تتركون فيما هاهنا آمنين » الظاهر أن الاستفهام للإنكار و « ما » موصولة و المراد بها النعم التي يفصلها بعد قوله : « في جنات و عيون » إلخ ، و « هاهنا » إشارة إلى المكان الحاضر القريب و هو أرض ثمود و « آمنين » حال من نائب فاعل « تتركون » .


و المعنى : لا تتركون في هذه النعم التي أحاطت بكم في أرضكم هذه و أنتم مطلقو العنان لا تسألون عما تفعلون آمنون من أي مؤاخذة إلهية .


قوله تعالى : « في جنات و عيون و زروع و نخل طلعها هضيم » بيان تفصيلي لقوله : « فيما هاهنا » ، و قد خص النخل بالذكر مع دخوله في الجنات لاهتمامهم به ، و الطلع في النخل كالنور في سائر الأشجار و الهضيم - على ما قيل - المتداخل المنضم بعضه إلى بعض .


قوله تعالى : « و تنحتون من الجبال بيوتا فارهين » قال الراغب : الفره - بالفتح فالكسر صفة مشبهة - الأشر ، و قوله تعالى : « و تنحتون من الجبال بيوتا فارهين » أي حاذقين و قيل : معناه أشرين .


انتهى ملخصا ، و على ما اختاره تكون الآية من بيان النعمة ، و على المعنى الآخر تكون مسوقة لإنكار أشرهم و بطرهم .


و الآية على أي حال في حيز الاستفهام .


قوله تعالى : « فاتقوا الله و أطيعون » تفريع على ما تقدم من الإنكار الذي في معنى المنفي .


قوله تعالى : « و لا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون » الظاهر أن المراد بالأمر ما يقابل النهي بقرينة النهي عن طاعته و إن جوز بعضهم كون الأمر بمعنى الشأن و عليه يكون المراد بطاعة أمرهم تقليد العامة و اتباعهم لهم في أعمالهم و سلوكهم السبل التي يستحبون لهم سلوكها .


و المراد بالمسرفين على أي حال أشراف القوم و عظماؤهم المتبوعون و الخطاب للعامة التابعين لهم و أما السادة الأشراف فقد كانوا مأيوسا من إيمانهم و اتباعهم للحق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :306


و يمكن أن يكون الخطاب للجميع من جهة أن الأشراف منهم أيضا كانوا يقلدون آباءهم و يطيعون أمرهم كما قالوا لصالح (عليه‏السلام‏) : « أ تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا » : هود : 62 ، فقد كانوا جميعا يطيعون أمر المسرفين فنهوا عنه .


و قد فسر المسرفين و هم المتعدون عن الحق الخارجون عن حد الاعتدال بتوصيفهم بقوله : « الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون » إشارة إلى علة الحكم الحقيقية فالمعنى اتقوا الله و لا تطيعوا أمر المسرفين لأنهم مفسدون في الأرض غير مصلحين و الإفساد لا يؤمن معه العذاب الإلهي و هو عزيز ذو انتقام .


و ذلك أن الكون على ما بين أجزائه من التضاد و التزاحم مؤلف تأليفا خاصا يتلاءم معه أجزاؤه بعضها مع بعض في النتائج و الآثار كالأمر في كفتي الميزان فإنهما على اضطرابها و اختلافها الشديد بالارتفاع و الانخفاض متوافقتان في تعيين وزن المتاع الموزون و هو الغاية و العالم الإنساني الذي هو جزء من الكون كذلك ثم الفرد من الإنسان بما له من القوى و الأدوات المختلفة المتضادة مفطور على تعديل أفعاله و أعماله بحيث تنال كل قوة من قواه حظها المقدر لها و قد جهز بعقل يميز بين الخير و الشر و يعطي كل ذي حق حقه .


فالكون يسير بالنظام الجاري فيه إلى غايات صالحة مقصودة و هو بما بين أجزائه من الارتباط التام يخط لكل من أجزائه سبيلا خاصا يسير فيها بأعمال خاصة من غير أن يميل عن حاق وسطها إلى يمين أو يسار أو ينحرف بإفراط أو تفريط فإن في الميل و الانحراف إفسادا للنظام المرسوم ، و يتبعه إفساد غايته و غاية الكل ، و من الضروري أن خروج بعض الأجزاء عن خطه المخطوط له و إفساد النظم المفروض له و لغيره يستعقب منازعة بقية الأجزاء له فإن استطاعت أن تقيمه و ترده إلى وسط الاعتدال فهو و إلا أفنته و عفت آثاره حفظا لصلاح الكون و استبقاء لقوامه .


و الإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون غير مستثنى من هذه الكلية فإن جرى على ما يهديه إليه الفطرة فاز بالسعادة المقدرة له و إن تعدى حدود فطرته و أفسد في الأرض أخذه الله سبحانه بالسنين و المثلات و أنواع النكال و النقمة لعله يرجع إلى الصلاح و السداد قال تعالى : « ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :307


بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون » : الروم : 41 .


و إن أقاموا مع ذلك على الفساد لرسوخه في نفوسهم أخذهم الله بعذاب الاستئصال و طهر الأرض من قذارة فسادهم قال تعالى : « و لو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض و لكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون » : الأعراف : 96 .


و قال : « و ما كان ربك ليهلك القرى بظلم و أهلها مصلحون » : هود : 117 ، و قال : « أن الأرض يرثها عبادي الصالحون » : الأنبياء : 105 ، و ذلك أنهم إذا صلحوا صلحت أعمالهم و إذا صلحت أعمالهم وافقت النظام العام و صلحت بها الأرض لحياتهم الأرضية .


فقد تبين بما مر أولا أن حقيقة دعوة النبوة هي إصلاح الحياة الإنسانية الأرضية قال تعالى : حكاية عن شعيب : « إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت » : هود : 88 .


و ثانيا : أن قوله : « و لا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون » إلخ ، على سذاجة بيانه معتمد على حجة برهانية .


و لعل في قوله : « و لا يصلحون » بعد قوله : « الذين يفسدون في الأرض » إشارة إلى أنه كان المتوقع منهم بما أنهم بشر ذوو فطرة إنسانية أن يصلحوا في الأرض لكنهم انحرفوا عن الفطرة و بدلوا الإصلاح إفسادا .


قوله تعالى : « قالوا إنما أنت من المسحرين » أي ممن سحر مرة بعد مرة حتى غلب على عقله ، و قيل : إن السحر أعلى البطن و المسحر من له جوف فيكون كناية عن أنك بشر مثلنا تأكل و تشرب فيكون قوله بعده : « و ما أنت إلا بشر مثلنا » تأكيدا له ، و قيل : المسحر من له سحر أي رئة كأن مرادهم أنك متنفس بشر مثلنا .


قوله تعالى : « و ما أنت إلا بشر مثلنا - إلى قوله - عذاب يوم عظيم » الشرب بكسر الشين النصيب من الماء ، و الباقي ظاهر و قد تقدمت تفصيل القصة في سورة هود .


قوله تعالى : « فعقروها فأصبحوا نادمين » نسبة العقر إلى الجمع - و لم يعقرها إلا واحد منهم - لرضاهم بفعله ، و في نهج البلاغة ، : أيها الناس إنما يجمع الناس الرضا و السخط و إنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا فقال سبحانه : « فعقروها فأصبحوا نادمين » .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :308


و قوله : « فأصبحوا نادمين » لعل ندمهم إنما كان عند مشاهدتهم ظهور آثار العذاب و إن قالوا له بعد العقر تعجيزا و استهزاء : « يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين » : الأعراف : 77 .


قوله تعالى : « فأخذهم العذاب - إلى قوله - العزيز الرحيم » اللام للعهد أي أخذهم العذاب الموعود فإن صالحا وعدهم نزول العذاب بعد ثلاثة أيام كما في سورة هود ، و الباقي ظاهر .


كَذَّبَت قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسلِينَ‏(160) إِذْ قَالَ لهَُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏(161) إِنى لَكُمْ رَسولٌ أَمِينٌ‏(162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏(163) وَ مَا أَسئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍإِنْ أَجْرِى إِلا عَلى رَب الْعَلَمِينَ‏(164) أَ تَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ‏(165) وَ تَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَجِكُمبَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ‏(166) قَالُوا لَئن لَّمْ تَنتَهِ يَلُوط لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ‏(167) قَالَ إِنى لِعَمَلِكم مِّنَ الْقَالِينَ‏(168) رَب نجِّنى وَ أَهْلى مِمَّا يَعْمَلُونَ‏(169) فَنَجَّيْنَهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ‏(170) إِلا عَجُوزاً فى الْغَبرِينَ‏(171) ثمَّ دَمَّرْنَا الاَخَرِينَ‏(172) وَ أَمْطرْنَا عَلَيْهِم مَّطراًفَساءَ مَطرُ الْمُنذَرِينَ‏(173) إِنَّ فى ذَلِك لاَيَةًوَ مَا كانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ‏(174) وَ إِنَّ رَبَّك لهَُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏(175)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :309


بيان


تشير الآيات إلى قصة لوط النبي (عليه‏السلام‏) و هو بعد صالح (عليه‏السلام‏) .


قوله تعالى : « كذبت قوم لوط المرسلين » - إلى قوله - « رب العالمين » ، تقدم تفسيره .


قوله تعالى : « أ تأتون الذكران من العالمين » الاستفهام للإنكار و التوبيخ و الذكران جمع ذكر مقابل الأنثى و إتيانهم كناية عن اللواط و قد كان شاع فيما بينهم ، و العالمين جمع عالم و هو الجماعة من الناس .


و قوله : « من العالمين » يمكن أن يكون متصلا بضمير الفاعل في « تأتون » و المراد أ تأتون أنتم من بين العالمين هذا العمل الشنيع ؟ فيكون في معنى قوله في موضع آخر : « ما سبقكم بها من أحد من العالمين » : الأعراف : 80 ، العنكبوت - 28 .


و يمكن أن يكون متصلا بقوله : « الذكران » و المعنى على هذا أ تنكحون من بين العالمين - على كثرتهم و اشتمالهم على النساء - الرجال فقط ؟ .


قوله تعالى : « و تذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم » إلخ « تذرون » بمعنى تتركون و لا ماضي له من مادته .


و المتأمل في خلق الإنسان و انقسام أفراده إلى صنفي الذكر و الأنثى و ما جهز به كل من الصنفين من الأعضاء و الأدوات و ما يختص به من الخلقة لا يرتاب في أن غرض الصنع و الإيجاد من هذا التصوير المختلف و إلقاء غريزة الشهوة في القبيلين و تفريق أمرهما بالفعل و الانفعال أن يجمع بينهما بالنكاح ليتوسل بذلك إلى التناسل الحافظ لبقاء النوع حتى حين .


فالرجل منالإنسان بما هو رجل مخلوق للمرأة منه لا لرجل مثله و المرأة من الإنسان بما هي امرأة مخلوقة للرجل منه لا لامرأة مثلها و ما يختص به الرجل في خلقته للمرأة و ما تختص به المرأة في خلقتها للرجل و هذه هي الزوجية الطبيعية التي عقدها الصنع و الإيجاد بين الرجل و المرأة من الإنسان فجعلهما زوجين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :310


ثم الأغراض و الغايات الاجتماعية أو الدينية سنت بين الناس سنة النكاح الاجتماعي الاعتباري الذي فيه نوع من الاختصاص بين الزوجين و قسم من التحديد للزوجية الطبيعية المذكورة فالفطرة الإنسانية و الخلقة الخاصة تهديه إلى ازدواج الرجال بالنساء دون الرجال و ازدواج النساء بالرجال دون النساء ، و أن الازدواج مبني على أصل التوالد و التناسل دون الاشتراك في مطلق الحياة .


و من هنا يظهر أن الأقرب أن يكون المراد بقوله : « ما خلق لكم ربكم » العضو المباح للرجال من النساء بالازدواج و اللام للملك الطبيعي ، و أن من في قوله : « من أزواجكم » للتبعيض و الزوجية هي الزوجية الطبيعية و إن أمكن أن يراد بها الزوجية الاجتماعية الاعتبارية بوجه .


و أما تجويز بعضهم أن يراد بلفظة « ما » النساء و يكون قوله : « من أزواجكم » بيانا له فبعيد .


و قوله : « بل أنتم قوم عادون » أي متجاوزون خارجون عن الحد الذي خطته لكم الفطرة و الخلقة فهو في معنى قوله : « إنكم لتأتون الرجال و تقطعون السبيل » : العنكبوت : 29 .


و قد ظهر من جميع ما مر أن كلامه (عليه‏السلام‏) مبني على حجة برهانية أشير إليها .


قوله تعالى : « قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين » أي المبعدين المنفيين من قريتنا كما نقل عنهم في موضع آخر : « أخرجوا آل لوط من قريتكم » .


قوله تعالى : « قال إني لعملكم من القالين » المراد بعملهم - على ما يعطيه السياق - إتيانالذكران و ترك الإناث .


و القالي المبغض ، و مقابلة تهديدهم بالنفي بمثل هذا الكلام من غير تعرض للجواب عن تهديدهم يفيد من المعنى أني لا أخاف الخروج من قريتكم و لا أكترث به بل مبغض لعملكم راغب في النجاة من وباله النازل بكم لا محالة ، و لذا أتبعه بقوله : « رب نجني و أهلي مما يعملون » .


قوله تعالى : « رب نجني و أهلي مما يعملون » أي من أصل عملهم الذي يأتون به بمرأى و مسمع منه فهو منزجر منه أو من وبال عملهم و العذاب الذي سيتبعه لا محالة .


و إنما لم يذكر إلا نفسه و أهله إذ لم يكن آمن به من أهل القرية أحد ، قال تعالى


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :311


في ذلك : « فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين » : الذاريات : 36 .


قوله تعالى : « فنجيناه و أهله أجمعين - إلى قوله - الآخرين » الغابر كما قيل الباقي بعد ذهاب من كان معه ، و التدمير الإهلاك ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « و أمطرنا عليهم مطرا » إلخ ، و هو السجيل كما قال تعالى : « و أمطرنا عليهم حجارة من سجيل » : الحجر : 74 .


قوله تعالى : « إن في ذلك لآية - إلى قوله - العزيز الرحيم » تقدم تفسيره .


كَذَّب أَصحَب لْئَيْكَةِ الْمُرْسلِينَ‏(176) إِذْ قَالَ لهَُمْ شعَيْبٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏(177) إِنى لَكُمْ رَسولٌ أَمِينٌ‏(178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏(179) وَ مَا أَسئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍإِنْ أَجْرِى إِلا عَلى رَب الْعَلَمِينَ‏(180) × أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ‏(181) وَ زِنُوا بِالْقِسطاسِ الْمُستَقِيمِ‏(182) وَ لا تَبْخَسوا النَّاس أَشيَاءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏(183) وَ اتَّقُوا الَّذِى خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ‏(184) قَالُوا إِنَّمَا أَنت مِنَ الْمُسحَّرِينَ‏(185) وَ مَا أَنت إِلا بَشرٌ مِّثْلُنَا وَ إِن نَّظنُّك لَمِنَ الْكَذِبِينَ‏(186) فَأَسقِط عَلَيْنَا كِسفاً مِّنَ السمَاءِ إِن كُنت مِنَ الصدِقِينَ‏(187) قَالَ رَبى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ‏(188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَاب يَوْمِ الظلَّةِإِنَّهُ كانَ عَذَاب يَوْمٍ عَظِيمٍ‏(189) إِنَّ فى ذَلِك لاَيَةًوَ مَا كانَ أَكْثرُهُم مُّؤْمِنِينَ‏(190) وَ إِنَّ رَبَّك لهَُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏(191)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :312


بيان


إجمال قصة شعيب (عليه‏السلام‏) و هو من أنبياء العرب ، و هي آخر القصص السبع الموردة في السورة .


قوله تعالى : « كذب أصحاب الأيكة المرسلين - إلى قوله - رب العالمين » الأيكة الغيضة الملتف شجرها .


قيل : إنها كانت غيضة بقرب مدين يسكنها طائفة و كانوا ممن بعث إليهم شعيب (عليه‏السلام‏) ، و كان أجنبيا منهم و لذلك قيل : « إذ قال لهم شعيب » و لم يقل : أخوهم شعيب بخلاف هود و صالح فقد كانا نسيبين إلى قومهما و كذا لوط فقد كان نسيبا إلى قومه بالمصاهرة و لذا عبر عنهم بقوله : « أخوهم هود » « أخوهم صالح » « أخوهم لوط » .


و قد تقدم تفسير باقي الآيات .


قوله تعالى : « أوفوا الكيل و لا تكونوا من المخسرين و زنوا بالقسطاس المستقيم » الكيل ما يقدر به المتاع من جهة حجمه و إيفاؤه أن لا ينقص الحجم ، و القسطاس الميزان الذي يقدر به من جهة وزنه و استقامته أن يزن بالعدل ، و الآيتان تأمران بالعدل في الأخذ و الإعطاء بالكيل و الوزن .


قوله تعالى : « و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين » البخس النقص في الوزن و التقدير كما أن الإخسار النقص في رأس المال .


و ظاهر السياق أن قوله : « و لا تبخسوا الناس أشياءهم » أي سلعهم و أمتعتهم قيد متمم لقوله : « و زنوا بالقسطاس المستقيم » كما أن قوله : «و لا تكونوا من المخسرين » قيد متمم لقوله : « أوفوا الكيل » و قوله : « و لا تعثوا في الأرض مفسدين » تأكيد للنهيين جميعا أعني قوله : « لا تكونوا من المخسرين » و قوله : « لا تبخسوا » و بيان لتبعة التطفيف السيئة المشئومة .


و قوله : « و لا تعثوا في الأرض مفسدين » العثي و العيث الإفساد ، فقوله : « مفسدين » حال مؤكد و قد تقدم في قصة شعيب من سورة هود و في قوله : « و زنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير و أحسن تأويلا » : الآية - 35 من سورة الإسراء كلام في كيفية


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :313


إفساد التطفيف المجتمع الإنساني ، فراجع .


قوله تعالى : « و اتقوا الذي خلقكم و الجبلة الأولين » قال في المجمع : ، الجبلة الخليقة التي طبع عليها الشي‏ء .


انتهى .


فالمراد بالجبلة ذوو الجبلة أي اتقوا الله الذي خلقكم و آباءكم الأولين الذين فطرهم و قرر في جبلتهم تقبيح الفساد و الاعتراف بشؤمه .


و لعل هذا الذي أشرنا إليه من المعنى هو الموجب لتخصيص الجبلة بالذكر ، و في الآية على أي حال دعوة إلى توحيد العبادة فإنهم لم يكونوا يتقون الخالق الذي هو رب العالمين .


قوله تعالى : « قالوا إنما أنت من المسحرين » - إلى قوله : وإن نظنك لمن الكاذبين » تقدم تفسير الصدر ، و : « إن في قوله : « إن نظنك » مخففة من الثقيلة .


قوله تعالى : « فأسقط علينا كسفا من السماء » إلخ ، الكسف بالكسر فالفتح - على ما قيل - جمع كسفة و هي القطعة ، و الأمر مبني على التعجيز و الاستهزاء .


قوله تعالى : « قال ربي أعلم بما تعملون » جواب شعيب عن قولهم و اقتراحهم منه إتيان العذاب ، و هو كناية عن أنه ليس له من الأمر شي‏ء و إنما الأمر إلى الله لأنه أعلم بما يعملون و أن عملهم هل يستوجب عذابا ؟ و ما هو العذاب الذي يستوجبه إذا استوجب ؟ فهو كقول هود لقومه : « إنما العلم عند الله و أبلغكم ما أرسلت به » : الأحقاف : 23 .


قوله تعالى : « فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة » إلخ ، يوم الظلة يوم عذب فيه قوم شعيب بظلة من الغمام ، و قد تقدم تفصيل قصتهم في سورة هود .


قوله تعالى : « إن في ذلك لآية - إلى قوله - العزيز الرحيم » : تقدم تفسيره .


بحث روائي


في جوامع الجامع ، : في قوله تعالى : « إذ قال لهم شعيب » و في الحديث أن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم و إلى أصحاب الأيكة .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و اتقوا الذي خلقكم و الجبلة الأولين » قال :


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :314


الخلق الأولين ، و قوله : « فكذبوه » قال : قوم شعيب « فأخذهم عذاب يوم الظلة » قال : يوم حر و سمائم .


وَ إِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَب الْعَلَمِينَ‏(192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ‏(193) عَلى قَلْبِك لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ‏(194) بِلِسانٍ عَرَبىّ‏ٍ مُّبِينٍ‏(195) وَ إِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الأَوَّلِينَ‏(196) أَ وَ لَمْ يَكُن لهَُّمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَؤُا بَنى إِسرءِيلَ‏(197) وَ لَوْ نَزَّلْنَهُ عَلى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ‏(198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ‏(199) كَذَلِك سلَكْنَهُ فى قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ‏(200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتى يَرَوُا الْعَذَاب الأَلِيمَ‏(201) فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشعُرُونَ‏(202) فَيَقُولُوا هَلْ نحْنُ مُنظرُونَ‏(203) أَ فَبِعَذَابِنَا يَستَعْجِلُونَ‏(204) أَ فَرَءَيْت إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ‏(205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كانُوا يُوعَدُونَ‏(206) مَا أَغْنى عَنهُم مَّا كانُوا يُمَتَّعُونَ‏(207) وَ مَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلا لهََا مُنذِرُونَ‏(208) ذِكْرَى وَ مَا كنَّا ظلِمِينَ‏(209) وَ مَا تَنزَّلَت بِهِ الشيَطِينُ‏(210) وَ مَا يَنبَغِى لهَُمْ وَ مَا يَستَطِيعُونَ‏(211) إِنَّهُمْ عَنِ السمْع لَمَعْزُولُونَ‏(212) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ‏(213) وَ أَنذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ‏(214) وَ اخْفِض جَنَاحَك لِمَنِ اتَّبَعَك مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏(215) فَإِنْ عَصوْك فَقُلْ إِنى بَرِى‏ءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ‏(216) وَ تَوَكلْ عَلى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ‏(217) الَّذِى يَرَاك حِينَ تَقُومُ‏(218) وَ تَقَلُّبَك فى السجِدِينَ‏(219) إِنَّهُ هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ‏(220) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَن تَنزَّلُ الشيَطِينُ‏(221) تَنزَّلُ عَلى كلّ‏ِ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏(222) يُلْقُونَ السمْعَ وَ أَكثرُهُمْ كَذِبُونَ‏(223) وَ الشعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ‏(224) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فى كلّ‏ِ وَادٍ يَهِيمُونَ‏(225) وَ أَنهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ‏(226) إِلا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انتَصرُوا مِن بَعْدِ مَا ظلِمُواوَ سيَعْلَمُ الَّذِينَ ظلَمُوا أَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ‏(227)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :315


بيان


تشيرالآيات إلى ما هو كالنتيجة المستخرجة من القصص السبع السابقة و يتضمن التوبيخ و التهديد لكفار الأمة .


و فيها دفاع عن نبوة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالاحتجاج عليه بذكره في زبر الأولين و علم علماء بني إسرائيل به ، و دفاع عن كتابه بالاحتجاج على أنه ليس من إلقاءات الشياطين و لا من أقاويل الشعراء .


قوله تعالى : « و إنه لتنزيل رب العالمين » الضمير للقرآن ، و فيه رجوع إلى ما في صدر السورة من قوله : « تلك آيات الكتاب المبين » و تعقيب لحديث كفرهم به كما في قوله بعد ذلك : « و ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ، فقد كذبوا به » الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :316


و التنزيل و الإنزال بمعنى واحد ، غير أن الغالب على باب الإفعال الدفعة و على باب التفعيل التدريج ، و أصل النزول في الأجسام انتقال الجسم من مكان عال إلى ما هو دونه و في غير الأجسام بما يناسبه .


و تنزيله تعالى إخراجه الشي‏ء من عنده إلى موطن الخلق و التقدير و قد سمى نفسه بالعلي العظيم و الكبير المتعال و رفيع الدرجات و القاهر فوق عباده فيكون خروج الشي‏ء بإيجاده من عنده إلى عالم الخلق و التقدير - و إن شئت فقل : إخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة - تنزيلا منه تعالى له .


و قد استعمل الإنزال و التنزيل في كلامه تعالى في أشياء بهذه العناية كقوله تعالى : « يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم » : الأعراف : 26 ، و قوله : « و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج » : الزمر : 6 ، و قوله : « و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد » : الحديد : 25 ، و قوله : « ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب و لا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم » : البقرة : 105 ، و قد أطلق القول في قوله : « و إن من شي‏ء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم » : الحجر : 21 .


و من الآيات الدالة على اعتبار هذا المعنى في خصوص القرآن قوله تعالى : « إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون و إنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم » : الزخرف : 4 .


و قد أضيف التنزيل إلى رب العالمين للدلالة على توحيد الرب تعالى لما تكرر مرارا أن المشركين إنما كانوا يعترفون به تعالى بما أنه رب الأرباب و لا يرون أنه رب العالمين .


قوله تعالى : « نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين » المراد بالروح الأمين هو جبرئيل ملك الوحي بدليل قوله : « من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله » : البقرة : 97 و قد سماه في موضع آخر بروح القدس : « قل نزله روح القدس من ربك بالحق » : النحل : 102 ، و قد تقدم في تفسير سورتي النحل و الإسراء ما يتعلق بمعنى الروح من الكلام .


و قد وصف الروح بالأمين للدلالة على أنه مأمون في رسالته منه تعالى إلى نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لا يغير شيئا من كلامه تعالى بتبديل أو تحريف بعمد أو سهو أو نسيان كما أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :317


توصيفه في آية أخرى بالقدس يشير إلى ذلك .


و قوله : « نزل به الروح » الباء للتعدية أي نزلهالروح الأمين و أما قول من قال : إن الباء للمصاحبة و المعنى نزل معه الروح فلا يلتفت إليه لأن العناية في المقام بنزول القرآن لا بنزول الروح مع القرآن .


و الضمير في « نزل به » للقرآن بما أنه كلام مؤلف من ألفاظ لها معانيها الحقة فإن ألفاظ القرآن نازلة من عنده تعالى كما أن معانيها نازلة من عنده على ما هو ظاهر قوله : « فإذا قرأناه فاتبع قرآنه » : القيامة : 18 ، و قوله : « تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق » : آل عمران : 108 ، الجاثية : 6 ، إلى غير ذلك .


فلا يعبأ بقول من قال : إن الذي نزل به الروح الأمين إنما هو معاني القرآن الكريم ثم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يعبر عنها بما يطابقها و يحكيها من الألفاظ بلسان عربي .


و أسخف منه قول من قال : إن القرآن بلفظه و معناه من منشئات النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ألقته مرتبة من نفسه الشريفة تسمى الروح الأمين إلى مرتبة منها تسمى القلب .


و المراد بالقلب المنسوب إليه الإدراك و الشعور في كلامه تعالى هو النفس الإنسانية التي لها الإدراك و إليها تنتهي أنواع الشعور و الإرادة دون اللحم الصنوبري المعلق عن يسار الصدر الذي هو أحد الأعضاء الرئيسة كما يستفاد من مواضع فيكلامه تعالى ، كقوله : « و بلغت القلوب الحناجر » : الأحزاب : 10 ، أي الأرواح ، و قوله : « فإنه آثم قلبه » : البقرة : 283 ، أي نفسه إذ لا معنى لنسبة الإثم إلى العضو الخاص .


و لعل الوجه في قوله : « نزل به الروح الأمين على قلبك » دون أن يقول : عليك هو الإشارة إلى كيفية تلقيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) القرآن النازل عليه ، و أن الذي كان يتلقاه من الروح هو نفسه الشريفة من غير مشاركة الحواس الظاهرة التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية .


فكان (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يرى و يسمع حينما كان يوحى إليه من غير أن يستعمل حاستي البصر و السمع كما روي أنه كان يأخذه شبه إغماء يسمى برجاء الوحي .


فكان (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يرى الشخص و يسمع الصوت مثل ما نرى الشخص و نسمع الصوت غير أنه ما كان يستخدم حاستي بصره و سمعه الماديتين في ذلك كما نستخدمهما .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :318


و لو كان رؤيته و سمعه بالبصر و السمع الماديين لكان ما يجده مشتركا بينه و بين غيره فكان سائر الناس يرون ما يراه و يسمعون ما يسمعه و النقل القطعي يكذب ذلك فكثيرا ما كان يأخذه برجاء الوحي و هو بين الناس فيوحى إليهو من حوله لا يشعرون بشي‏ء و لا يشاهدون شخصا يكلمه و لا كلاما يلقى إليه .


و القول بأن من الجائز أن يصرف الله تعالى حواس غيره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من الناس عن بعض ما كانت تناله حواسه و هي الأمور الغيبية المستورة عنا .


هدم لبنيان التصديق العلمي إذ لو جاز مثل هذا الخطإ العظيم على الحواس و هي مفتاح العلوم الضرورية و التصديقات البديهية و غيرها لم يبق وثوق على شي‏ء من العلوم و التصديقات .


على أن هذا الكلام مبني على أصالة الحس و أن لا وجود إلا لمحسوس و هو من أفحش الخطإ و قد تقدم في تفسير سورة مريم كلام في معنى تمثل الملك نافع في المقام .


و ربما قيل في وجه تخصيص القلب بالإنزال إنه لكونه هو المدرك المكلف دون الجسد و إن كان يتلقى الوحي بتوسيط الأدوات البدنية من السمع و البصر ، و قد عرفت ما فيه .


و ربما قيل : لما كان للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جهتان : جهة ملكية يستفيض بها ، و جهة بشرية يفيض بها ، جعل الإنزال على روحه لأنها المتصفة بالصفات الملكية التي يستفيض بها من الروح الأمين ، و للإشارة إلى ذلك قيل .


«على قلبك » و لم يقل : عليك مع كونه أخصر .


انتهى .


و هذا أيضا مبني على مشاركة الحواس و القوى البدنية في تلقي الوحي فيرد عليه ما قدمناه .


و ذكر جمع من المفسرين أن المراد بالقلب هو العضو الخاص البدني و أن الإدراك كيفما كان من خواصه .


فمنهم من قال : إن جعل القلب متعلق الإنزال مبني على التوسع لأن الله تعالى يسمع القرآن جبرئيل بخلق الصوت فيحفظه و ينزل به على الرسول (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و يقرؤه عليه فيعيه و يحفظه بقلبه فكأنه نزل به على قلبه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :319


و منهم من قال : إن تخصيص القلب بالإنزال لأن المعاني الروحانية تنزل أولا على الروح ثم تنتقل منها إلىالقلب لما بينهما من التعلق ثم تنتقل منه إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة .


و منهم من قال : إن تخصيصه به للإشارة إلى كمال تعقله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حيث لم يعتبر الوسائط من سمع و بصر و غيرهما .


و منهم من قال : إن ذلك للإشارة إلى صلاح قلبه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تقدسه حيث كان منزلا لكلامه تعالى ليعلم به صلاح سائر أجزائه و أعضائه فإن القلب رئيس سائر الأعضاء و ملكها و إذا صلح الملك صلحت رعيته .


و منهم من قال : إن ذلك لأن الله تعالى جعل لقلب رسوله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) سمعا و بصرا مخصوصين يسمع و يبصر بهما تمييزا لشأنه من غيره كما يشعر به قوله تعالى : « ما كذب الفؤاد ما رأى » : النجم : 11 .


و هذه الوجوه مضافا على اشتمال أكثرها على المجازفة مبنية على قياس هذه الأمور الغيبية على ما عندنا من الحوادث المادية و إجراء حكمها فيها و قد بلغ من تعسف بعضهم أن قال : إن معنى إنزال الملك القرآن أن الله ألهمه كلامه و هو في السماء و علمه قراءته ثم الملك أداه في الأرض و هو يهبط في المكان و في ذلك طريقتان : إحداهما أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية فأخذه من الملك ، و ثانيتهما أن الملك انخلع إلى صورة البشرية حتى يأخذه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الأولى أصعب الحالين .


انتهى .


و ليت شعري ما الذي تصوره من انخلاع الإنسان من صورته إلى صورة الملكية و صيرورته ملكا ثم عوده إنسانا و من انخلاع الملك إلى صورة الإنسانية و قد فرض لكل منهما هوية مغايرة للآخر لا رابطة بين أحدهما و الآخر ذاتا و أثرا و في كلامه مواضع أخرى للنظر غير خفية على من تأمل فيه .


و للبحث تتمة لعل الله سبحانه يوفقنا لاستيفائها بإيراد كلام جامع في الملك و آخر في الوحي .


و قوله : « لتكون من المنذرين » أي من الداعين إلى الله سبحانه بالتخويف من عذابه و هو المراد بالإنذار في عرف القرآن دون النبي أو الرسول بالخصوص ، قال


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :320


تعالى في مؤمني الجن : « و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين » : الأحقاف : 29 ، و قال في المتفقهين من المؤمنين : « ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم » : براءة : 122 .


و إنما ذكر إنذاره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) غاية لإنزال القرآن دون نبوته أو رسالته لأن سياقآيات السورة سياق التخويف و التهديد .


و قوله « بلسان عربي مبين » أي ظاهر في عربيته أو مبين للمقاصد تمام البيان و الجار و المجرور متعلق بنزل أي أنزله بلسان عربي مبين .


و جوز بعضهم أن يكون متعلقا بقوله : « منذرين » و المعنى أنزله على قلبك لتدخل في زمرة الأنبياء من العرب و قد ذكر منهم في القرآن هود و صالح و إسماعيل و شعيب (عليهماالسلام‏) و أول الوجهين أحسنهما .


قوله تعالى : « و إنه لفي زبر الأولين » الضمير للقرآن أو نزوله على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الزبر جمع زبور و هو الكتاب و المعنى و إن خبر القرآن أو خبر نزوله عليك في كتب الماضين من الأنبياء .


و قيل : الضمير لما في القرآن من المعارف الكلية أي إن المعارف القرآنية موجودة مذكورة في كتب الأنبياء الماضين .


و فيه أولا : أن المشركين ما كانوا يؤمنون بالأنبياء و كتبهم حتى يحتج عليهم بما فيها من التوحيد و المعاد و غيرهما ، و هذا بخلاف ذكر خبر القرآن و نزوله على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في كتب الأولين فإنه حينئذ يكون ملحمة تضطر النفوس إلى قبولها .


و ثانيا : أنه لا يلائم الآية التالية .


قوله تعالى : « أ و لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل » ضمير « أن يعلمه » لخبر القرآن أو خبر نزوله على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أي أ و لم يكن علم علماء بني إسرائيل بخبر القرآن أو نزوله عليك على سبيل البشارة في كتب الأنبياء الماضين آية للمشركين على صحة نبوتك و كانت اليهود تبشر بذلك و تستفتح على العرب به كما مر في قوله تعالى : « و كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا » : البقرة : 89 .


و قد أسلم عدة من علماء اليهود في عهد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و اعترفوا بأنه مبشر به في


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :321


كتبهم و السورةمن أوائل السور المكية النازلة قبل الهجرة و لم تبلغ عداوة اليهود للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مبلغها بعد الهجرة و كان من المرجو أن ينطقوا ببعض ما عندهم من الحق و لو بوجه كلي .


قوله تعالى : « و لو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين » قال في المفردات : ، العجمة خلاف الإبانة و الإعجام الإبهام - إلى أن قال - و العجم خلاف العرب و العجمي منسوب إليهم ، و الأعجم من في لسانه عجمة عربيا كان أو غير عربي اعتبارا بقلة فهمهم عن العجم ، و منه قيل للبهيمة عجماء و الأعجمي منسوب إليه قوله تعالى : «و لو نزلناه على بعض الأعجمين » على حذف الياءات انتهى .


و مقتضى ما ذكره - كما ترى - أن أصل الأعجمين الأعجميين ثم حذفت ياء النسبة و به صرح بعض آخر ، و ذكر بعضهم أن الوجه أن أعجم مؤنثه عجماء و أفعل فعلاء لا يجمع جمع السلامة لكن الكوفيين من النحاة يجوزون ذلك و ظاهر اللفظ يؤيد قولهم فلا موجب للقول بالحذف .


و كيف كان فظاهر السياق اتصال الآيتين بقوله : « بلسان عربي مبين » فتكونان في مقام التعليل له و يكون المعنى : نزلناه عليك بلسان عربي ظاهر العربية واضح الدلالة ليؤمنوا به و لا يتعللوا بعدم فهمهم مقاصده و لو نزلناه على بعض الأعجمين بلسان أعجمي ما كانوا به مؤمنين و ردوه بعدم فهم مقاصده .


فيكون المراد بنزوله على بعض الأعجمين نزوله أعجميا و بلسانه ، و الآيتان و التي بعدهما في معنى قوله تعالى : « و لو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياته أعجمي و عربي قل هو للذين آمنوا هدى و شفاء و الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر و هو عليهم عمى » : حم السجدة : 44 .


و قال بعضهم : إن المعنى و لو نزلناه قرآنا عربيا كما هو بنظمه الرائق المعجز على بعض الأعجمين الذين لا يقدرون على التكلم بالعربية فقرأه عليهم قراءة صحيحة خارقة للعادات ما كانوا به مؤمنين مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم و شدة شكيمتهم في المكابرة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :322


قال : و أما قول بعضهم : إن المعنى و لو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين فليس بذاك فإنه بمعزل من المناسبة لمقام بيان تماديهم في المكابرة و العناد .


انتهى ملخصا .


و فيه أن اتصال الآيتين بقوله : « بلسان عربي مبين » أقرب إليهما من اتصالهما بسياق تمادي الكفار في كفرهم و جحودهم و قد عرفت توضيحه .


و يمكن أن يورد على الوجه السابق أن الضمير في قوله : « و لو نزلناه على بعض الأعجمين » راجع إلى هذا القرآن الذي هو عربي فلو كان المراد تنزيله بلسان أعجمي لكان المعنى و لو نزلنا العربي غير عربي و لا محصل له .


و يرده أنه من قبيل قوله تعالى : « إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون » : الزخرف : 3 ، و لا معنى لقولنا : إنا جعلنا العربي عربيا فالمراد بالقرآن على أي حال الكتاب المقروء .


قوله تعالى : « كذلك سلكناه في قلوب المجرمين » الإشارة بقوله : « كذلك » إلى الحال التي عليها القرآن عند المشركين و قد ذكرت في الآيات السابقة و هي أنهم معرضونعنه لا يؤمنون به و إن كان تنزيلا من رب العالمين و كان عربيا مبينا غير أعجمي و كان مذكورا في زبر الأولين يعلمه علماء بني إسرائيل .


و السلوك الإدخال في الطريق و الإمرار ، و المراد بالمجرمين هم الكفار و المشركون و ذكرهم بوصف الإجرام للإشارة إلى علة الحكم و هو سلوكه في قلوبهم على هذه الحال المبغوضة و المنفورة و أن ذلك مجازاة إلهية جازاهم بها عن إجرامهم و ليعم الحكم بعموم العلة .


و المعنى على هذه الحال - و هي أن يكون بحيث يعرض عنه و لا يؤمن به - ندخل القرآن في قلوب هؤلاء المشركين و نمره في نفوسهم جزاء لإجرامهم و كذلك كل مجرم .


و قيل : الإشارة إلى ما ذكر من أوصاف القرآن الكريمة و المعنى : ندخل القرآن و نمره في قلوب المجرمين بمثل ما بينا له الأوصاف فيرون أنه كتاب سماوي ذو نظم معجز خارج عن طوق البشر و أنه مبشر به في زبر الأولين يعلمه علماء بني إسرائيل و تتم الحجة به عليهم و هو بعيد من السياق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :323


و قيل : الضمير في « سلكناه » للتكذيب بالقرآن و الكفر به المدلول عليه بقوله : « ما كانوا به مؤمنين » هذا و هو قريب من الوجه الأول لكن الوجه الأول ألطف و أدق ، و قد ذكره في الكشاف ، .


و قد تبين بما تقدم أن المراد بالمجرمين مشركو مكة غير أن عموم وصف الإجرام يعمم الحكم ، و قال بعضهم : إن المراد بالمجرمين غير مشركي مكة من معاصريهم و من يأتي بعدهم ، و المعنى : كما سلكناه في قلوب مشركي مكة نسلكه في قلوب غيرهم من المجرمين .


و لعل الذي دعاه إلى اختيار هذا الوجه إشكال اتحاد المشبه و المشبه به على الوجه الأول مع لزوم المغايرة بينهما فاعتبر المشار إليه بقوله : « كذلك » السلوك في قلوب مشركي مكة و هو المشبه به و جعل المشبه غيرهم من المجرمين و فيه أن تشبيه الكلي ببعض أفراده للدلالة على سراية حكمه في جميع الأفراد طريقة شائعة .


و من هنا يظهر أن هناك وجها آخر و هو أن يكون المراد بالمجرمين ما يعم مشركي مكة و غيرهم بجعل اللام فيه لغير العهد و لعل الوجه الأول أقرب من السياق .


قوله تعالى : « لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم - إلى قوله - منظرون » تفسير و بيان لقوله : « كذلك سلكناه » إلخ هذا على الوجه الأول و الثالث من الوجوه المذكورة في الآية السابقة و أما على الوجه الثاني فهو استئناف غير مرتبط بما قبله .


و قوله : « حتى يروا العذاب الأليم » أي حتى يشاهدوا العذاب الأليم فيلجئهم إلى الإيمان الاضطراري الذي لا ينفعهم ، و الظاهر أن المراد بالعذاب الأليم ما يشاهدونه عند الموت و احتمل بعضهم أن يكون المراد به ما أصابهم يوم بدر من القتل ، لكن عموم الحكم في الآية السابقة لمشركي مكة و غيرهم لا يلائم ذلك .


و قوله : « فيأتيهم بغتة و هم لا يشعرون » كالتفسير لقوله : « حتى يروا العذاب الأليم » إذ لو لم يأتهم بغتة و علموا به قبل موعده لاستعدوا له و آمنوا باختيار منهم غير ملجئين إليه .


و قوله : « فيقولوا هل نحن منظرون » كلمة تحسر منهم .


قوله تعالى : « أ فبعذابنا يستعجلون » توبيخ و تهديد .



الميزانفي تفسير القرآن ج : 15ص :324


قوله تعالى : « أ فرأيت إن متعناهم سنين - إلى قوله - يمتعون » متصل بقوله : « فيقولوا هل نحن منظرون » و محصل المعنى أن تمني الإمهال و الإنظار تمني أمر لا ينفعهم لو وقع على ما يتمنونه و لم يغن عنهم شيئا لو أجيبوا إلى ما سألوه فإن تمتيعهم أمدا محدودا طال أو قصر لا يرفع العذاب الخالد الذي قضي في حقهم .


و هو قوله : « أ فرأيت إن متعناهم سنين » معدودة ستنقضي : « ثم جاءهم ما كانوا يوعدون » من العذاب بعد انقضاء سني الإنظار و الإمهال « ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون » أي تمتيعهم أمدا محدودا .


قوله تعالى : « و ما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى » إلخ ، الأقرب أن يكون قوله : « لها منذرون » حالا من « قرية » و قوله : « ذكرى » حالا من ضمير الجمع في « منذرون » أو مفعولا مطلقا عامله « منذرون » لكونه في معنى مذكرون و المعنى ظاهر ، و قيل غير ذلك مما لا جدوى في ذكره و إطالة البحث عنه .


و قوله : « و ما كنا ظالمين » ورود النفي على الكون دون أن يقال : و ما ظلمناهم و نحو ذلك يفيد نفي الشأنية أي و ما كان من شأننا و لا المترقب منا أن نظلمهم .


و الجملة في مقام التعليل للحصر السابق و المعنى : ما أهلكنا من قرية إلا في حال لها منذرون مذكرون تتم بهم الحجة عليهم لأنا لو أهلكناهم في غير هذه الحال لكنا ظالمين لهم و ليس من شأننا أن نظلم أحدا فالآية في معنى قوله تعالى : « و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا » : إسراء : 15 .


كلام في معنى نفي الظلم عنه تعالى


من لوازم معنى الظلم المتساوية له فعل الفاعل و تصرفه ما لا يملكه من الفعل و التصرف ، و يقابله العدل و لازمه أنه فعل الفاعل و تصرفه ما يملكه .


و من هنا يظهر أن أفعال الفواعل التكوينية من حيث هي مملوكة لها تكوينا لا يتحقق فيها معنى الظلم لأن فرض صدور الفعل عن فاعله تكوينا مساوق لكونه مملوكا له بمعنى قيام وجوده به قياما لا يستقل دونه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :325


و لله سبحانه ملك مطلق منبسط على الأشياء من جميع جهات وجودها لقيامها به تعالى من غير غنى عنه و استقلال دونه فأي تصرف تصرف به فيها مما يسرها أو يسوؤها أو ينفعها أو يضرها ليس من الظلم في شي‏ء و إن شئت فقل : عدل بمعنى ما ليس بظلم فله أن يفعل ما يشاء و له أن يحكم ما يريد كل ذلك بحسب التكوين .


فله تعالى ملك مطلق بذاته ، و لغيره من الفواعل التكوينية ملك تكويني بالنسبة إلى فعله حسبالإعطاء و الموهبة الإلهية و هو ملك في طول ملكه تعالى و هو المالك لما ملكها و المهيمن على ما عليه سلطها .


و من جملة هذه الفواعل النوع الإنساني بالنسبة إلى أفعاله و خاصة ما نسميها بالأفعال الاختيارية و الاختيار الذي يتعين به هذه الأفعال ، فالواحد منا يجد من نفسه عيانا أنه يملك الاختيار بمعنى إمكان الفعل و الترك معا ، فإن شاء فعل و إن لم يشأ ترك فهو يرى نفسه حرا يملك الفعل و الترك ، أي فعل و ترك كانا ، بمعنى إمكان صدور كل منهما عنه .


ثم إن اضطرار الإنسان إلى الحياة الاجتماعية المدنية اضطر العقل أن يغمض عنبعض ما للإنسان من حرية العمل و يرفع اليد عن بعض الأفعال التي كان يرى أنه يملكها و هي التي يختل بإتيانها أمر المجتمع فيختل نظم حياته نفسه و هذه هي المحرمات و المعاصي التي تنهى عنها القوانين المدنية أو السنن القومية أو الأحكام الملوكية الدائرة في المجتمعات .


و من الضروري لتحكيم هذه القوانين و السنن أن يجعل نوع من الجزاء السيى‏ء على المتخلف عنها - بشرط العلم و تمام الحجة لأنه شرط تحقق التكليف - من ذم أو عقاب ، و نوع من الأجر الجميل للمطيع الذي يحترمها من مدح أو ثواب .


و من الضروري أن ينتصب على المجتمع و القوانين الجارية فيها من يجريها على ما هي عليه و هو مسئول عما نصب له و خاصة بالنسبة إلى أحكام الجزاء ، فلو لم يكن مسئولا و جاز له أن يجازي و أن لا يجازي و يأخذ المحسن و يترك المسي‏ء لغا وضع القوانين و السنن من رأس .


هذه أصول عقلائية جارية في الجملة في المجتمعات الإنسانية منذ استقر هذا النوع على الأرض منبعثة عن فطرتهم الإنسانية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :326


و قد دلت البراهين العقلية و أيدها تواتر الأنبياء و الرسل من قبله تعالى على أن القوانين الاجتماعية و سنن الحياة يجب أن تكون من عنده تعالى و هي أحكام و وظائف إنسانية تهدي إليها الفطرة الإنسانية و تضمن سعادة حياته و تحفظ مصالح مجتمعه .


و هذه الشريعة السماوية الفطرية واضعها هو الله سبحانه و مجريها من حيث الثواب و العقاب - و موطنهما موطن الرجوع إليه تعالى - هو الله سبحانه .


و مقتضى تشريعه تعالى هذه الشرائع السماوية و اعتباره نفسه مجريا لها أنه أوجب على نفسه إيجابا تشريعيا - و ليس بالتكويني - أن لا يناقض نفسه و لا يتخلف بإهمال أو إلغاء جزاء يستوجبه خلاف أو إعمال جزاء لا يستحقه عمل كتعذيب الغافل الجاهل بعذاب المتعمد المعاند ، و أخذ المظلومبإثم الظالم و إلا كان ظلما منه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .


و لعل هذا معنى ما يقال : إن الظلم مقدور له تعالى لكنه ليس بواقع البتة لأنه نقص كمال يتنزه تعالى عنه ففرض الظلم منه تعالى من فرض المحال و ليس بفرض محال ، و هو المستفاد من ظاهر قوله تعالى : « و ما كنا ظالمين » : الآية 209 من السورة ، و قوله : « إن الله لا يظلم الناس شيئا » : يونس : 44 ، و قوله : « و ما ربك بظلام للعبيد » : فصلت : 46 ، و قوله : « لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل » : النساء : 165 ، فظاهرها أنها ليست من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع كما يومى‏ء إليه تفسير من فسرها بأن المعنى أن الله لا يفعل فعلا لو فعله غيره لكان ظالما .


فإن قلت : ما ذكر من وجوب إجراء الجزاء ثوابا أو عقابا يخالف ما هو المسلم عندهم أن ترك عقاب العاصي جائز لأنه من حق المعاقب و من الجائز على صاحب الحق تركه و عدم المطالبة به بخلاف ثواب المطيع لأنه من حق الغير و هو المطيع فلا يجوز تركه و إبطاله .


على أنه قيل : إن الإثابة على الطاعات من الفضل دون الاستحقاق لأن العبد و عمله لمولاه فلا يملك شيئا حتى يعاوضه بشي‏ء .


قلت : ترك عقاب العاصي في الجملة مما لا كلام فيه لأنه من الفضل و أما بالجملة فلا لاستلزامه لغوية التشريع و التقنين و ترتيب الجزاء على العمل .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :327


و أما كون ثواب الأعمال من الفضل بالنظر إلى كون عمل العبد كنفسه لله فلا ينافي فضلا آخر منه تعالى على عبده باعتبار عمله ملكا له ، ثم جعل ما يثيبه عليه أجرا لعمله ، و القرآن ملي‏ء بحديث الأجر على الأعمال الصالحة ، و قد قال تعالى : « إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة » : براءة : 111 .


قوله تعالى : « و ما تنزلت به الشياطين - إلى قوله - لمعزولون » شروع في الجواب عن قول المشركين : إن لمحمد جنا يأتيه بهذا الكلام ، و قولهم : إنه شاعر ، و قدم الجواب عن الأول و قد وجه الكلام أولا إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فبين له أن القرآن ليس من تنزيل الشياطين و طيب بذلك نفسه ثم وجه القول إلى القوم فبينه لهم بما في وسعهم أن يفقهوه .


فقوله : « و ما تنزلت به الشياطين » أي ما نزلته و الآية متصلة بقوله : « و إنه لتنزيل رب العالمين » و وجه الكلام كما سمعت إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بدليل قوله تلوا : « فلا تدع مع الله إلها آخر » إلى آخر الخطابات المختصة به (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) المتفرعة على قوله : « و ما تنزلت به » إلخ ، على ما سيجي‏ء بيانه .


و إنما وجه الكلام إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) دون القوم لأنه معلل بما لا يقبلونه بكفرهم أعني قوله : « إنهم عن السمع لمعزولون » و الشيطان الشرير و جمعه الشياطين و المراد بهم أشرار الجن .


و قوله : « و ما ينبغي لهم » أي للشياطين .


قال في مجمع البيان : ، و معنى قول العرب : ينبغي لك أن تفعل كذا أنه يطلب منك فعله في مقتضى العقل من البغية التي هي الطلب .


انتهى .


و الوجه في أنه لا ينبغي لهم أن يتنزلوا به أنهم خلق شرير لا هم لهم إلا الشر و الفساد و الأخذ بالباطل و تصويره في صورة الحق ليضلوا به عن سبيل الله ، و القرآن كلام حق لا سبيل للباطل إليه فلا يناسب جبلتهم الشيطانية أن يلقوه إلى أحد .


و قوله : « و ما يستطيعون » أي و ما يقدرون على التنزل به لأنه كلام سماوي تتلقاه الملائكة من رب العزة فينزلونه بأمره في حفظ و حراسة منه تعالى كما قال : « فإنه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم و أحاط


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :328


بما لديهم » : الجن : 28 ، و إلى ذلك يشير قوله : « إنهم عن السمع » إلخ .


و قوله : « إنهم عن السمع لمعزولون » أي إن الشياطين عن سمع الأخبار السماوية و الاطلاع على ما يجري في الملإ الأعلى معزولون حيث يقذفون بالشهب الثاقبة لو تسمعوا كما ذكره الله في مواضع من كلامه .


قوله تعالى : « فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين » خطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ينهاه عن الشرك بالله متفرع على قوله : « و ما تنزلت به الشياطين » إلخ ، أي إذا كان هذا القرآن تنزيلا من رب العالمين و لم تنزل به الشياطين و هو ينهى عن الشرك و يوعد عليه العذاب فلا تشرك بالله فينالك العذاب الموعود عليه و تدخل في زمرة المعذبين .


و كونه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) معصوما بعصمة إلهية يستحيل معها صدور المعصية منه لا ينافي نهيه عن الشرك فإن العصمة لا توجب بطلان تعلق الأمر و النهي بالمعصوم و ارتفاع التكليف عنه بما أنه بشر مختار في الفعل و الترك متصور في حقه الطاعة و المعصية بالنظر إلى نفسه ، و قد تكاثرت الآيات في تكليف الأنبياء (عليهم‏السلام‏) في القرآن الكريم كقوله في الأنبياء (عليهم‏السلام‏) : « و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون » : الأنعام : 88 ، و قوله في النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « لئن أشركت ليحبطن عملك » : الزمر : 65 ، و الآيتان في معنى النهي .


و قول بعضهم : إن التكليف للتكميل فيرتفع عند حصول الكمال و تحققه لاستحالة تحصيل الحاصل خطأ فإن الأعمال الصالحة التي يتعلق بها التكاليف من آثار الكمال المطلوب و الكمال النفساني كما يجب أن يكتسب بالإتيان بآثاره و مزاولة الأعمال التي تناسبه و الارتياض بها كذلك يجب أن يستبقى بذلك فما دام الإنسان بشرا له تعلق بالحياة الأرضية لا مناص له عن تحمل أعباء التكليف ، و قد تقدم كلام في هذا المعنى في بعض الأبحاث .


قوله تعالى : « و أنذر عشيرتك الأقربين » في مجمع البيان : ، عشيرة الرجل قرابته سموا بذلك لأنه يعاشرهم و هم يعاشرونه انتهى .


و خص عشيرته و قرابته الأقربين بالذكر بعد نهي نفسه عن الشرك و إنذاره تنبيها على أنه لا استثناء في الدعوة الدينية


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :329


و لا مداهنة و لا مساهلة كما هو معهود في السنن الملوكية فلا فرق في تعلق الإنذار بين النبي و أمته و لا بين الأقارب و الأجانب ، فالجميع عبيد و الله مولاهم .


قوله تعالى : « و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين أي اشتغل بالمؤمنين بك و اجمعهم و ضمهم إليك بالرأفة والرحمة كما يجمع الطير أفراخه إليه بخفض جناحه لها ، و هذا من الاستعارة بالكناية تقدم نظيره في قوله : « و اخفض جناحك للمؤمنين » : الحجر : 88 .


و المراد بالاتباع الطاعة بقرينة قوله في الآية التالية : فإن عصوك فقل إني بري‏ء مما تعملون » فملخص معنى الآيتين : إن آمنوا بك و اتبعوك فاجمعهم إليك بالرأفة و اشتغل بهم بالتربية و إن عصوك فتبرأ من عملهم .


قوله تعالى : « و توكل على العزيز الرحيم » أي ليس لك من أمر طاعتهم و معصيتهم شي‏ء وراء ما كلفناك فكل ما وراء ذلك إلى الله سبحانه فإنه لعزته سيعذب العاصين و برحمته سينجي المؤمنين المتبعين .


و في اختصاص اسمي العزيز و الرحيم إلفات للذهن إلى ما تقدم من القصص ختمت واحدة بعد واحدة بالاسمين الكريمين .


فهو في معنى أن يقال : توكل في أمر المتبعين و العاصين جميعا إلى الله فهو العزيز الرحيم الذي فعل بقوم نوح و هود و صالح و إبراهيم و لوط و شعيب و قوم فرعون ما فعل مما قصصناه فسنته أخذ العاصين و إنجاء المؤمنين .


قوله تعالى : « الذي يراك حين تقوم و تقلبك في الساجدين » ظاهر الآيتين - على ما يسبق إلى الذهن - أن المراد بالساجدين الساجدون في الصلاة من المؤمنين و فيهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في صلاته بهم جماعة ، و المراد بقرينة المقابلة القيام في الصلاة فيكون المعنى : الذي يراك و أنت بعينه في حالتي قيامك و سجودك متقلبا في الساجدين و أنت تصلي مع المؤمنين .


و في معنى الآية روايات من طرق الشيعة و أهل السنة سنتعرض لها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله .


قوله تعالى : « إنه هو السميع العليم » تعليل لقوله : « و توكل على العزيز الرحيم »


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :330


و في الآيات - على ما تقدم من معناها - تسلية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و بشرى للمؤمنينبالنجاة و إيعاد للكفار بالعذاب .


قوله تعالى : « هل أنبئكم على من تنزل الشياطين - إلى قوله - كاذبون » ، تعريف لمن تتنزل عليه الشياطين بما يخصه من الصفة ليعلم أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليس منهم و لا أن القرآن من إلقاء الشياطين ، و الخطاب متوجه إلى المشركين .


فقوله : « هل أنبئكم على من تنزل الشياطين » في معنى هل أعرفكم الذين تتنزل عليهم شياطين الجن بالأخبار ؟ و قوله : « تنزل على كل أفاك أثيم » قال في مجمع البيان : ، الأفاك الكذاب و أصل الإفك القلب و الأفاك الكثير القلب للخبر عن جهة الصدق إلى جهة الكذب ، و الأثيم الفاعل للقبيح يقال : أثم يأثم إثما إذا ارتكب القبيح و تأثم إذا ترك الإثم انتهى .


و ذلك أن الشياطين لا شأن لهم إلا إظهار الباطل في صورة الحق و تزيين القبيح في زي الحسن فلا يتنزلون إلا على أفاك أثيم .


و قوله : « يلقون السمع و أكثرهم كاذبون » الظاهر أن ضميري الجمع في « يلقون » و « أكثرهم » معا للشياطين ، و السمع مصدر بمعنى المسموع و المراد به ما سمعه الشياطين من أخبار السماء و لو ناقصا فإنهم ممنوعون من الاستماع مرميون بالشهب فما استرقوه لا يكون إلا ناقصا غير تام و لا كامل و لذا يتسرب إليه الكذب كثيرا .


و قوله : « و أكثرهم كاذبون » أي أكثر الشياطين كاذبون لا يخبرون بصدق أصلا و هذا هو الكثرة بحسب الأفراد و يمكن أن يكون المراد الكثرة من حيث التنزل أي أكثر المتنزلين منهم كاذبون أي أكثر أخبارهم كاذبة .


و محصل حجة الآيات الثلاث أن الشياطين لابتناء جبلتهم على الشر لا يتنزلون إلا على كل كذاب فاجر و أكثرهم كاذبون في أخبارهم ، و النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليس بأفاك أثيم و لا ما يوحى إليه من الكلام كذبا مختلقا فليس ممن تتنزل عليه الشياطين و لا الذي يتنزل عليه شيطانا ، و لا القرآن النازل عليه من إلقاء الشياطين .


قوله تعالى : « و الشعراء يتبعهم الغاون » - إلى قوله - لا يفعلون » جواب عن رمي المشركين للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بأنه شاعر ، نبه عليه بعد الجواب عن قولهم إن له شيطانا يوحي إليه القرآن .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :331


و هذان أعني قولهم إن من الجن من يأتيه ، و قولهم إنه شاعر ، مما كانوا يكررونه في ألسنتهم بمكة قبل الهجرة يدفعون به الدعوة الحقة ، و هذا مما يؤيد نزول هذه الآيات بمكة خلافا لما قيل إنها نزلت بالمدينة .


على أن الآيات مشتملة على ختام السورة أعني قوله : « و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون » و لا معنى لبقاء سورة هي من أقدم السور المكية سنين على نعت النقص ثم تمامها بالمدينة ، و لا دلالة في الاستثناء على أن المستثنين هم شعراء المؤمنين بعد الهجرة .


و كيف كان فالغي خلاف الرشد الذي هو إصابة الواقع فالرشيد هو الذي لا يهتم إلا بما هو حق واقع و الغوي هو السالك سبيل الباطل و المخطى‏ء طريق الحق ، و الغواية مما يختص به صناعة الشعر المبنية على التخييل و تصوير غير الواقع في صورة الواقع و لذلك لا يهتم به إلا الغوي المشعوف بالتزيينات الخيالية و التصويرات الوهمية الملهية عن الحق الصارفة عن الرشد ، و لا يتبع الشعراء الذين يبتنى صناعتهم على الغي و الغواية إلا الغاوون و ذلك قوله تعالى : « و الشعراء يتبعهم الغاون » .


و قوله : « أ لم تر أنهم في كل واد يهيمون و أنهم يقولون ما لا يفعلون » يقال : هام يهيم هيمانا إذا ذهب على وجهه و المراد بهيمانهم في كل واد استرسالهم في القول من غير أن يقفوا على حد فربما مدحوا الباطل المذموم كما يمدح الحق المحمود و ربما هجوا الجميل كما يهجى القبيح الدميم و ربما دعوا إلى الباطل و صرفوا عن الحق و في ذلك انحراف عن سبيل الفطرة الإنسانية المبنية على الرشد الداعية إلى الحق ، و كذا قولهم ما لا يفعلون من العدول عن صراط الفطرة .


و ملخص حجة الآيات الثلاث أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليس بشاعر لأن الشعراء يتبعهم الغاوون لابتناء صناعتهم على الغواية و خلاف الرشد لكن الذين يتبعونه إنما يتبعونه ابتغاء للرشد و إصابة الواقع و طلبا للحق لابتناء ما عنده من الكلام المشتمل على الدعوة على الحق و الرشد دون الباطل و الغي .


قوله تعالى : « إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و ذكروا الله كثيرا » إلخ ، استثناء من الشعراء المذمومين ، و المستثنون هم شعراء المؤمنينفإن الإيمان و صالحات الأعمال تردع الإنسان بالطبع عن ترك الحق و اتباع الباطل ثم الذكر الكثير لله سبحانه


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :332


يجعل الإنسان على ذكر منه تعالى مقبلا إلى الحق الذي يرتضيه مدبرا عن الباطل الذي لا يحب الاشتغال به فلا يعرض لهؤلاء ما كان يعرض لأولئك .


و بهذا البيان يظهر وجه تقييد المستثنى بالإيمان و عمل الصالحات ثم عطف قوله : « و ذكروا الله كثيرا » على ذلك .


و قوله : « و انتصروا من بعد ما ظلموا » الانتصار الانتقام ، قيل : المراد به رد الشعراء من المؤمنين على المشركين أشعارهم التي هجوا بها النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو طعنوا فيها في الدين و قدحوا في الإسلام و المسلمين ، و هو حسن يؤيده المقام .


و قوله : « و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون » المنقلب اسم مكان أو مصدر ميمي ، و المعنى : و سيعلم الذين ظلموا - و هم المشركون على ما يعطيه السياق - إلى أي مرجع و منصرف يرجعون و ينصرفون و هو النار أو ينقلبون أي انقلاب .


و فيه تهديد للمشركين و رجوع مختتم السورة إلى مفتتحها و قد وقع في أولها قوله : « فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون » .


بحث روائي


في الكافي ، بإسناده عن الحجال عمن ذكره عن أحدهما (عليهماالسلام‏) قال : سألته عن قول الله عز و جل : « بلسان عربي مبين » قال : يبين الألسن و لا تبينه الألسن .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و لو نزلناه على بعض الأعجمين » إلخ ، قال الصادق (عليه‏السلام‏) : لو نزلنا القرآن على العجم ما آمنت به العرب و قد نزل على العرب فآمنت به العجم فهذه فضيلة العجم .


و في الكافي ، بإسناده عن علي بن عيسى القماط عن عمه عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : أرى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في منامه بني أمية يصعدون على منبره من بعده و يضلون الناس عن الصراط القهقرى فأصبح كئيبا حزينا . قال : فهبط جبرئيل فقال : يا رسول الله ما لي أراك كئيبا حزينا ؟ قال :


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :333


يا جبرئيل إني رأيت بني أمية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلون الناس عن الصراط القهقرى ، فقال : و الذي بعثك بالحق نبيا إني ما اطلعت عليه فعرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها . قال : « أ فرأيت إن متعناهم سنين - ثم جاءهم ما كانوا يوعدون - ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون » و أنزل عليه : « إنا أنزلناه في ليلةالقدر - و ما أدراك ما ليلة القدر - ليلة القدر خير من ألف شهر » جعل الله ليلة القدر لنبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خيرا من ألف شهر ملك بني أمية .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جهضم قال : رئي النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كأنه متحير فسألوه عن ذلك فقال : و لم و رأيت عدوي يلون أمر أمتي من بعدي فنزلت « أ فرأيت إن متعناهم سنين - ثم جاءهم ما كانوا يوعدون - ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون » فطابت نفسه .


أقول : و قوله : و لم و رأيت إلخ ، فيه حذف و التقدير و لم لا أكون كذلك و قد رأيت « إلخ » .


و فيه ، أخرج أحمد و عبد بن حميد و البخاري و مسلم و الترمذي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان و في الدلائل عن أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية : « و أنذر عشيرتك الأقربين » دعا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قريشا و عم و خص فقال : يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا و لا نفعا . يا معشر بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا و لا نفعا . يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا و لا نفعا . يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا و لا نفعا . يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا و لا نفعا . يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا و لا نفعا . ألا إن لكم رحما و سأبلها ببلالها .


و فيه ، أخرج عبد بن حميد و ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت « و أنذر عشيرتك الأقربين » جعل يدعوهم قبائل قبائل .


و فيه ، أخرج سعيد بن منصور و البخاري و ابن مردويه و ابن جرير و ابن المنذر


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :334


و ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما نزلت « و أنذر عشيرتك الأقربين و رهطك منهم المخلصين » خرج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حتى صعد على الصفا فنادى يا صباحاه فقالوا : من هذا الذي يهتف ؟ قالوا : محمد ، فاجتمعوا إليه فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو ؟ فجاء أبو لهب و قريش فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أ رأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أ كنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم ما جربنا عليك إلا صدقا . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم أ لهذا جمعتنا ؟ فنزلت : « تبت يدا أبي لهب و تب » .


و فيه ، أخرج الطبراني و ابن مردويه عن أبي أمامة قال : لما نزلت « و أنذر عشيرتك الأقربين » جمع رسول الله بني هاشم فأجلسهم على الباب و جمع نساءه و أهله فأجلسهم في البيت ثم اطلع عليهم فقال : يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من النار و اسعوا في فكاك رقابكم و افتكوها بأنفسكم من الله فإني لا أملك لكم من الله شيئا . ثم أقبل على أهل بيته فقال : يا عائشة بنت أبي بكر و يا حفصة بنت عمر و يا أم سلمة و يا فاطمة بنت محمد و يا أم الزبير عمة رسول الله اشتروا 1 أنفسكم من الله و اسعوا في فكاك رقابكم فإنيلا أملك لكم من الله شيئا و لا أغني ، الحديث .


أقول : و في معنى هذه الروايات بعض روايات أخر و في بعضها أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خص بني عبد مناف بالإنذار فيشمل بني أمية و بني هاشم جميعا .


و الروايات الثلاث الأول لا تنطبق عليها الآية فإنها تعمم الإنذار قريشا عامة و الآية تصرح بالعشيرة الأقربين و هم إما بنو عبد المطلب أو بنو هاشم و أبعد ما يكون من الآية الرواية الثانية حيث تقول : جعل يدعوهم قبائل قبائل .


على أن ما تقدم من معنى الآية و هو نفي أن تكون قرابة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تغنيهم من تقوى الله و في الروايات إشارة إلى ذلك - حيث تقول : لا أغني عنكم من الله


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :335


شيئا - لا يناسب عمومه لغير الخاصة من قرابته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و أما الرواية الرابعة فقوله تعالى : « و أنذر عشيرتك الأقربين » آية مكية في سورة مكية و لم يقل أحد بنزول الآية بالمدينة و أين كانت يوم نزولها عائشة و حفصة و أم سلمة و لم يتزوج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بهن إلا في المدينة فالمعتمد من الروايات ما يدل على أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خص بالإنذار يوم نزول الآية بني هاشم أو بني عبد المطلب ، و من عجيب الكلام قول الآلوسي بعد نقل الروايات : و إذا صح الكل فطريق الجمع أن يقال بتعدد الإنذار .


و في المجمع ، عن تفسير الثعلبي بإسناده عن براء بن عازب قال : لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بني عبد المطلب و هم يومئذ أربعون رجلا الرجل منهم يأكل المسنة و يشرب العس فأمر عليا برجل شاة فأدمها ثم قال : ادنوا بسم الله فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا . ثم دعا بعقب من لبن فجرع منه جرعا ثم قال لهم : اشربوا بسم الله فشربوا حتى رووا فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما سحركم به الرجل فسكت (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يومئذ و لم يتكلم . ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام و الشراب ثم أنذرهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : يا بني عبد المطلب إني أنا النذير إليكم من الله عز و جل فأسلموا و أطيعوني تهتدوا . ثم قال : من يواخيني و يوازرني و يكون وليي و وصيي بعدي و خليفتي في أهلي و يقضي ديني ؟ فسكت القوم فأعادها ثلاثا كل ذلك يسكت القوم و يقول علي أنا فقال في المرة الثالثة : أنت فقام القوم و هم يقولون لأبي طالب : أطع ابنك فقد أمر عليك .


قال الطبرسي ، : و روي عن أبي رافع هذه القصة و أنه جمعهم في الشعب فصنع لهم رجل شاة فأكلوا حتى تضلعوا و سقاهم عسا فشربوا كلهم حتى رووا . ثم قال : إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي و رهطي ، و إن الله لم يبعث نبيا إلا جعل له من أهله أخا و وزيرا و وارثا و وصيا و خليفة في أهله فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي و وارثي و وزيري و وصيي و يكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ فقال علي : أنا فقال : ادن مني ففتح فاه و مج في فيه من ريقه و تفل بين كتفيه و ثدييه فقال أبو لهب : بئس ما


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :336


حبوت به ابن عمك أن أجابك فملأت فاه و وجهه بزاقا فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ملأته حكمة و علما .


أقول : و روى السيوطي في الدر المنثور ، ما في معنى حديث البراء عن ابن إسحاق و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و أبي نعيم و البيهقي في الدلائل من طرق عن علي رضي الله عنه و فيه : ثم تكلم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : يا بني عبد المطلب إني و الله ما أعلم أحدا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة و قد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على أمري هذا ؟ فقلت و أنا أحدثهم سنا : إنه أنا ، فقام القوم يضحكون .


و في علل الشرائع ، بإسناده عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن علي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) قال : لما نزلت « و أنذر عشيرتك الأقربين » أي رهطك المخلصين دعا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بني عبد المطلب و هم إذ ذاك أربعون رجلا يزيدون رجلا و ينقصون رجلا فقال : أيكم يكون أخي و وارثي و وزيري و وصيي و خليفتي فيكم بعدي ، فعرض عليهم ذلك رجلا رجلا كلهم يأبى ذلك حتى أتى علي فقلت : أنا يا رسول الله . فقال : يا بني عبد المطلب هذا وارثي و وزيري و خليفتي فيكم بعدي فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض و يقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع و تطيع لهذا الغلام .


أقول : و من الممكن أن يستفاد من قوله (عليه‏السلام‏) : أي رهطك المخلصين أن ما نسب إلى قراءة أهل البيت « و أنذر عشيرتك الأقربين رهطك منهم المخلصين » و نسب أيضا إلى قرآن أبي بن كعب كان من قبيل التفسير .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و تقلبك في الساجدين » قيل : معناه و تقلبك في الساجدين الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا : عن ابن عباس في رواية عطاء و عكرمة و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قالا : أصلاب النبيين نبي بعدنبي حتى أخرجه من صلب أبيه عن نكاح غير سفاح من لدن آدم : . أقول : و رواه غيره من رواة الشيعة ، و رواه في الدر المنثور ، عن ابن أبي حاتم و ابن مردويه و أبي نعيم و غيرهم عن ابن عباس و غيرهم .


و في المجمع ، روى جابر عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لا


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :337


ترفعوا قبلي و لا تضعوا قبلي فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي ثم تلا هذه الآية .


أقول : يريد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) وضع الجبهة على الأرض و رفعها في السجدة و رواهفي الدر المنثور ، عن ابن عباس و غيره .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة و أحمد عن أبي سعيد قال : بينما نحن نسير مع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لئن يمتلى‏ء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلى‏ء شعرا : . أقول : و هو مروي من طرق الشيعة أيضا عن الصادق (عليه‏السلام‏) عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في تفسير القمي ، قال : يعظون الناس و لا يتعظون و ينهون عن المنكر و لا ينتهون و يأمرون بالمعروف و لا يعملون و هم الذين قال الله فيهم : « ألم تر أنهم في كل واد يهيمون » أي في كل مذهب يذهبون « و أنهم يقولون ما لا يفعلون » و هم الذين غصبوا آل محمد حقهم .


و في اعتقادات الصدوق ، : سئل الصادق (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « و الشعراء يتبعهم الغاون » قال : هم القصاص .


أقول : هم من المصاديق و المعنى الجامع ما تقدم في ذيل الآية .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : إن من الشعر حكما و إن من البيان سحرا .


أقول : و روى الجملة الأولى أيضا عنه عن بريدة و ابن عباس عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أيضا عن ابن مردويه عن أبي هريرة عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لفظه : إن من الشعر حكمة ، و الممدوح من الشعر ما فيه نصرة الحق و لا تشمله الآية .


و في المجمع ، عن الزهري قال : حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك : أن كعب بن مالك قال : يا رسول الله ما ذا تقول في الشعراء ؟ قال : إن المؤمن مجاهد بسيفه و لسانه و الذي نفسي بيده لكأنما تنضخونهم بالنبل .


قال الطبرسي ، : و قال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لحسان بن ثابت : اهجهم أو هاجهم و روح


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :338


القدس معك : رواه البخاري و مسلم في الصحيحين .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و أبو داود في ناسخه و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن أبي الحسن سالم البراد قال : لما نزلت « و الشعراء » الآية جاء عبد الله بن رواحة و كعب بن مالك و حسان بن ثابت و هم يبكون فقالوا يا رسول الله لقد أنزل الله هذه الآية و هو يعلم أنا شعراء أهلكنا ؟ فأنزل الله « إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات » فدعاهم رسول الله فتلاها عليهم .


أقول : هذه الرواية و ما في معناها هي التي دعا بعضهم إلى القول بكون الآيات الخمس من آخر السورة مدنيات و قد عرفت الكلام في ذلك عند تفسير الآيات .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : من أشد ما فرض الله على خلقه ذكر الله كثيرا . ثم قال : لا أعني سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر ، و إن كان منه و لكن ذكر الله عند ما أحل و حرم فإن كان طاعة عمل بها و إن كان معصية تركها .


أقول : فيه تأييد لما تقدم في تفسير الآية.

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :