امروز:
سه شنبه 4 مهر 1396
بازدید :
700
تفسيرالميزان : سوره نمل آيات 93- 45


وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا إِلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صلِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يخْتَصِمُونَ‏(45) قَالَ يَقَوْمِ لِمَ تَستَعْجِلُونَ بِالسيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسنَةِلَوْ لا تَستَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكمْ تُرْحَمُونَ‏(46) قَالُوا اطيرْنَا بِك وَ بِمَن مَّعَكقَالَ طئرُكُمْ عِندَ اللَّهِبَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ‏(47) وَ كانَ فى الْمَدِينَةِ تِسعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فى الأَرْضِ وَ لا يُصلِحُونَ‏(48) قَالُوا تَقَاسمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شهِدْنَا مَهْلِك أَهْلِهِ وَ إِنَّا لَصدِقُونَ‏(49) وَ مَكَرُوا مَكراً وَ مَكَرْنَا مَكراً وَ هُمْ لا يَشعُرُونَ‏(50) فَانظرْ كَيْف كانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ‏(51) فَتِلْك بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةَ بِمَا ظلَمُواإِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏(52) وَ أَنجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ‏(53)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :372


بيان


إجمال من قصة صالح النبي (عليه‏السلام‏) و قومه ، و جانب الإنذار في الآيات يغلب على جانب التبشير كما تقدمت الإشارة إليه .


قوله تعالى : « و لقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا » - إلى قوله - - يختصمون » الاختصام و التخاصم التنازع و توصيف التثنية بالجمع أعني قوله : « فريقان » بقوله : « يختصمون » لكون المراد بالفريقين مجموع الأمة و « إذا » فجائية .


و المعنى : و أقسم لقد أرسلنا إلى قوم ثمود أخاهم و نسيبهم صالحا و كان المرجو أن يجتمعوا على الإيمان لكن فاجأهم أن تفرقوا فريقين مؤمن و كافر يختصمون و يتنازعون في الحق كل يقول : الحق معي ، و لعل المراد باختصامهم ما حكاه الله عنهم في موضع آخر بقوله : « قال الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أ تعلمون


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :373


أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون » : الأعراف : 76 .


و من هنا يظهر أن أحد الفريقين جمع من المستضعفين آمنوا به و الآخر المستكبرون و باقي المستضعفين ممن اتبعوا كبارهم .


قوله تعالى : « قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة » إلخ الاستعجال بالسيئة قبل الحسنة المبادرة إلى سؤال العذاب قبل الرحمة التي سببها الإيمان و الاستغفار .


و به يظهر أن صالحا (عليه‏السلام‏) إنماوبخهم بقوله هذا بعد ما عقروا الناقة و قالوا له : يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فيكون قوله : « لو لا تستغفرون الله لعلكم ترحمون » تحضيضا إلى الإيمان و التوبة لعل الله يرحمهم فيرفع عنهم ما وعدهم من العذاب وعدا غير مكذوب .


قوله تعالى : « قالوا اطيرنا بك و بمن معك قال طائركم عند الله » إلخ التطير هو التشؤم ، و كانوا يتشأمون كثيرا بالطير و لذا سموا التشؤم تطيرا و نصيب الإنسان من الشر طائرا كما قيل .


فقولهم خطابا لصالح : « اطيرنا بك و بمن معك » أي تشأمنا بك و بمن معك ممن آمن بك و لزمك لما أن قيامك بالدعوة و إيمانهم بك قارن ما ابتلينا به من المحن و البلايا فلسنا نؤمن بك .


و قوله خطابا للقوم : « طائركم عند الله » أي نصيبكم من الشر و هو الذي تستوجبه أعمالكم من العذاب عند الله سبحانه .


و لذا أضرب عن قوله : « طائركم عند الله » بقوله : « بل أنتم قوم تفتنون » أي تختبرون بالخير و الشر ليمتاز مؤمنكم من كافركم و مطيعكم من عاصيكم .


و معنى الآية : قال القوم : تطيرنا بك يا صالح و بمن معك فلن نؤمن و لن نستغفر قال صالح : طائركم الذي فيه نصيبكم من الشر عند الله و هو كتاب أعمالكم و لست أنا و من معي ذوي أثر فيكم حتى نسوق إليكم هذه الابتلاءات بل أنتم قوم تختبرون و تمتحنون بهذه الأمور ليمتاز مؤمنكم من كافركم و مطيعكم من عاصيكم .


و ربما قيل : إن الطائر هو السبب الذي منه يصيب الإنسان ما يصيبه من الخير


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :374


و الشر ، فإنهم كما كانوا يتشأمون بالطير كانوا أيضا يتيمنون به و الطائر عندهم الأمر الذي يستقبل الإنسان بالخير و الشر كما في قوله تعالى : « و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيامة كتابا » : إسراء : 13 ، و إذ كان ما يستقبل الإنسان من خير أو شر هو بقضاء من الله سبحانه مكتوب في كتاب فالطائر هو الكتاب المحفوظ فيه ما قدر للإنسان .


و فيه أن ظاهر ذيل آية الإسراء أن المراد بالطائر هو كتاب الأعمال دون كتاب القضاء كما يدل عليه قوله : « اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا » .


و قيل : معنى « بل أنتم قوم تفتنون » أي تعذبون ، و ما ذكرناه أولا أنسب .


قوله تعالى : « و كان في المدينة تسعة رهط » إلخ قال الراغب : الرهط العصابة دون العشرة و قيل إلى الأربعين انتهى ، و قيل : الفرق بين الرهط و النفر أن الرهط من الثلاثة أو السبعة إلى العشرة و النفر من الثلاثة إلى التسعة انتهى .


قيل : المراد بالرهط الأشخاص و لذا وقع تمييزا للتسعة لكونه في معنى الجمع فقد كان المتقاسمون تسعة رجال .


قوله تعالى : « قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه و أهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله و إنا لصادقون » التقاسم المشاركة في القسم ، و التبييت القصد بالسوء ليلا ، و أهل الرجل من يجمعه و إياهم بيت أو نسب أو دين ، و لعل المراد بأهله زوجه و ولده بقرينة قوله بعد : « ثم لنقولن لوليه ما شهدنا » ، و قوله : « و إنا لصادقون » معطوف على قوله : « ما شهدنا » فيكون من مقول القول .


و المعنى : قال الرهط المفسدون و قد تقاسموا بالله : لنقتلنه و أهله بالليل ثم نقول لوليه إذا عقبنا و طلب الثأر ما شهدنا هلاك أهله و إنا لصادقون في هذا القول ، و نفي مشاهدة مهلك أهله نفي لمشاهدة مهلك نفسه بالملازمة أو الأولوية ، على ما قيل .


و ربما قيل : إن قوله : « و إنا لصادقون » حال من فاعل نقول أي نقول لوليه كذا و الحال أنا صادقون في هذا القول لأنا شهدنا مهلكه و أهله جميعا لا مهلك أهله فقط .


و لا يخفى ما فيه من التكلف و قد وجه بوجوه أخر أشد تكلفا منه و لا ملزم لأصل الحالية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :375


قوله تعالى : «و مكروا مكرا و مكرنا مكرا و هم لا يشعرون » أما مكرهم فهو التواطى‏ء على تبييته و أهله و التقاسم بشهادة السياق السابق و أما مكره تعالى فهو تقديره هلاكهم جميعا بشهادة السياق اللاحق .


قوله تعالى : « فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم و قومهم أجمعين » التدمير الإهلاك ، و ضمائر الجمع للرهط ، و كون عاقبة مكرهم هو إهلاكهم و قومهم من جهة أن مكرهم استدعى المكر الإلهي على سبيل المجازاة ، و استوجب ذلك إهلاكهم و قومهم .


قوله تعالى : « فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا » إلخ ، الخاوية الخالية من الخواء بمعنى الخلاء، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « و أنجينا الذين آمنوا و كانوا يتقون » فيه تبشير للمؤمنين بالإنجاء ، و قد أردفه بقوله : « و كانوا يتقون » إذ التقوى كالمجن للإيمان و قد قال تعالى : « و العاقبة للمتقين » : الأعراف : 128 ، و قال : « و العاقبة للتقوى » : طه : 132 .


وَ لُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفَحِشةَ وَ أَنتُمْ تُبْصِرُونَ‏(54) أَ ئنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شهْوَةً مِّن دُونِ النِّساءِبَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تجْهَلُونَ‏(55) × فَمَا كانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا ءَالَلُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْإِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطهَّرُونَ‏(56) فَأَنجَيْنَهُ وَ أَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَهَا مِنَ الْغَبرِينَ‏(57) وَ أَمْطرْنَا عَلَيْهِم مَّطراًفَساءَ مَطرُ الْمُنذَرِينَ‏(58)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :376


بيان


إجمال قصة لوط (عليه‏السلام‏) و هي كسابقتها في غلبة جانب الإنذار على جانب التبشير .


قوله تعالى : « و لوطا إذ قال لقومه أ تأتون الفاحشة و أنتم تبصرون » معطوف على موضع « أرسلنا » في القصة السابقة بفعل مضمر و التقدير و لقد أرسلنا لوطا .


كذا قيل ، و يمكن أن يكون معطوفا على أصل القصة بتقدير اذكر و الفاحشة هي الخصلة البالغة في الشناعة و المراد بها اللواط .


و قوله : « و أنتم تبصرون » أي و أنتم في حال يرى بعضكم بعضا و ينظر بعضكم إلى بعض حين الفحشاء فهو على حد قوله في موضع آخر : « و تأتون في ناديكم المنكر : العنكبوت : 29 ، و قيل : المراد إبصار القلب و محصله العلم بالشناعة و هو بعيد .


قوله تعالى : « أ ئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون » الاستفهام للإنكار ، و دخول أداتي التأكيد - إن و اللام - على الجملة الاستفهامية للدلالة على أن مضمون الجملة من الاستبعاد بحيث لا يصدقه أحد و الجملة على أي حال في محل التفسير للفحشاء .


و قوله : « بل أنتم قوم تجهلون » أي مستمرون على الجهل لا فائدة في توبيخكم و الإنكار عليكم فلستم بمرتدعين ، و وضع « تجهلون » بصيغة الخطاب موضع « يجهلون » من وضع المسبب موضع السبب كأنه قيل : « بل أنتم قوم يجهلون فأنتم تجهلون » .


قوله تعالى : « فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون » أي يتنزهون عن هذا العمل و هو وارد مورد الاستهزاء .


قوله تعالى : « فأنجيناه و أهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين » المراد بأهله أهل بيته لقوله تعالى : « فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين » : الذاريات : 36 ، و قوله : « قدرناها من الغابرين » أي جعلناها من الباقين في العذاب .


قوله تعالى : « و أمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين » المراد بالمطر الحجارة من سجيل لقوله تعالى : « و أمطرنا عليهم حجارة من سجيل » : الحجر : 74 ، فقوله : « مطرا » يدل بتنكيره على النوعية أي أنزلنا عليهم مطرا له نبأ عظيم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :377


قُلِ الحَْمْدُ للَّهِ وَ سلَمٌ عَلى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصطفَىءَاللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشرِكُونَ‏(59) أَمَّنْ خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ أَنزَلَ لَكم مِّنَ السمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائقَ ذَات بَهْجَةٍ مَّا كانَ لَكمْ أَن تُنبِتُوا شجَرَهَاأَ ءِلَهٌ مَّعَ اللَّهِبَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏(60) أَمَّن جَعَلَ الأَرْض قَرَاراً وَ جَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَراً وَ جَعَلَ لهََا رَوَسىَ وَ جَعَلَ بَينَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاًأَ ءِلَهٌ مَّعَ اللَّهِبَلْ أَكثرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏(61) أَمَّن يجِيب الْمُضطرَّ إِذَا دَعَاهُ وَ يَكْشِف السوءَ وَ يَجْعَلُكمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِأَ ءِلَهٌ مَّعَ اللَّهِقَلِيلاً مَّا تَذَكرُونَ‏(62) أَمَّن يَهْدِيكمْ فى ظلُمَتِ الْبرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَن يُرْسِلُ الرِّيَحَ بُشرَا بَينَ يَدَى رَحْمَتِهِأَ ءِلَهٌ مَّعَ اللَّهِتَعَلى اللَّهُ عَمَّا يُشرِكونَ‏(63) أَمَّن يَبْدَؤُا الخَْلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ مَن يَرْزُقُكم مِّنَ السمَاءِ وَ الأَرْضِأَ ءِلَهٌ مَّعَ اللَّهِقُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ‏(64) قُل لا يَعْلَمُ مَن فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ الْغَيْب إِلا اللَّهُوَ مَا يَشعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ‏(65) بَلِ ادَّرَك عِلْمُهُمْ فى الاَخِرَةِبَلْ هُمْ فى شكٍ مِّنهَابَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ‏(66) وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ ءِذَا كُنَّا تُرَباً وَ ءَابَاؤُنَا أَ ئنَّا لَمُخْرَجُونَ‏(67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نحْنُ وَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسطِيرُ الأَوَّلِينَ‏(68) قُلْ سِيرُوا فى الأَرْضِ فَانظرُوا كيْف كانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ‏(69) وَ لا تحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُن فى ضيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ‏(70) وَ يَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ‏(71) قُلْ عَسى أَن يَكُونَ رَدِف لَكُم بَعْض الَّذِى تَستَعْجِلُونَ‏(72) وَ إِنَّ رَبَّك لَذُو فَضلٍ عَلى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكثرَهُمْ لا يَشكُرُونَ‏(73) وَ إِنَّ رَبَّك لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صدُورُهُمْ وَ مَا يُعْلِنُونَ‏(74) وَ مَا مِنْ غَائبَةٍ فى السمَاءِ وَ الأَرْضِ إِلا فى كِتَبٍ مُّبِينٍ‏(75) إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُص عَلى بَنى إِسرءِيلَ أَكثرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يخْتَلِفُونَ‏(76) وَ إِنَّهُ لهَُدًى وَ رَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ‏(77) إِنَّ رَبَّك يَقْضى بَيْنهُم بحُكْمِهِوَ هُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ‏(78) فَتَوَكلْ عَلى اللَّهِإِنَّك عَلى الْحَقّ‏ِ الْمُبِينِ‏(79) إِنَّك لا تُسمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسمِعُ الصمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ‏(80) وَ مَا أَنت بهَدِى الْعُمْىِ عَن ضلَلَتِهِمْإِن تُسمِعُ إِلا مَن يُؤْمِنُ بِئَايَتِنَا فَهُم مُّسلِمُونَ‏(81)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :378


بيان


انتقال من القصص التي قصها سبحانه و هي نماذج من سنته الجارية في النوع الإنساني من حيث هدايته و إراءته لهم طريق سعادتهم في الحياة و إكرامه من اهتدى منهم إلى الصراط المستقيم بالاصطفاء و عظيم الآلاء وأخذه من أشرك به و أعرض عن ذكره و مكر به بعذاب الاستئصال و أليم النكال .


إلى حمده و السلام على عباده المصطفين و تقرير أنه هو المستحق للعبودية دون غيره مما يشركون ثم سرد الحديث في التوحيد و إثبات المعاد و ما يناسب ذلك من


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :379


متفرقات المعارف الحقة فسياق آيات السورة شبيه بما في سورة مريم من السياق على ما مر .


قوله تعالى : « قل الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى ء آلله خير أما يشركون » لما قص من قصص الأنبياء و أممهم ما قص و فيها بيان سنته الجارية في الأمم الماضين و ما فعل بالمؤمنين منهم من الاصطفاء و مزيد الإحسان كما في الأنبياء منهم و ما فعل بالكافرين من العذاب و التدمير - و لم يفعل إلا الخير الجميل و لا جرت سنته إلا على الحكمة البالغة - انتقل منها إلى أمر نبيه بأن يحمده و يثني عليه و أن يسلم على المصطفين من عباده و قرر أنه تعالى هو المتعين للعبادة .


فهو انتقال من القصص إلى التحميد و التسليم و التوحيد و ليس باستنتاج و إن كان في حكمه و إلا قيل : فقل الحمد لله « إلخ » أو فالله خير « إلخ » .


فقوله : « قل الحمد لله » أمر بتحميده و فيه إرجاع كل حمد إليه تعالى لما تقرر بالآيات السابقة أن مرجع كل خلق و تدبير إليه و هو المفيض كل خير بحكمته و الفاعل لكل جميل بقدرته .


و قوله : « و سلام على عباده الذين اصطفى » معطوف على ما قبله من مقول القول و في التسليم لأولئك العباد المصطفين نفي كل ما في نفس المسلم من جهات التمانع و التضاد لما عندهم من الهداية الإلهية و آثارها الجميلة - على ما يقتضيه معنى السلام - ففي الأمر بالسلام أمر ضمني بالتهيؤ لقبول ما عندهم من الهدى و آثاره فهو بوجه في معنى قوله تعالى : « أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده » : الأنعام : 90 ، فافهمه .


و قوله : «ء آلله خير أما يشركون » من تمام الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الاستفهام للتقرير و محصل المراد أنه إذا كان الثناء كله لله و هو المصطفى لعباده المصطفين فهو خير من آلهتهم الذين يعبدونهم و لا خلق و لا تدبير لهم يحمدون عليه و لا خير بأيديهم يفيضونه على عبادهم .


قوله تعالى : « أمن خلق السماوات و الأرض و أنزل لكم من السماء ماء » إلى آخر الآية ، الحدائق جمع حديقة و هي البستان المحدود المحوط بالحيطان و ذات بهجة صفة حدائق ، قال في مجمع البيان : ، ذات بهجة أي ذات منظر حسن يبتهج به من رآه و لم يقل : ذوات بهجة لأنه أراد تأنيث الجماعة و لو أراد تأنيث الأعيان لقال :


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :380


ذوات .


انتهى .


و أم في الآية منقطعة تفيد معنى الإضراب ، و « من » مبتدأ خبره محذوف و كذا الشق الآخر من الترديد و الاستفهام للتقرير و حملهم على الإقرار بالحق و التقدير على ما يدل عليه السياق بل أمن خلق السماوات و الأرض « إلخ » خير أم ما يشركون .


و الأمر على هذا القياس في الآيات الأربع التالية .


و معنى الآية : بل أمن خلق السماوات و الأرض و أنزل لكم أي لنفعكم من السماء و هي جهة العلو ماء و هو المطر فأنبتنا به أي بذلك الماء بساتين ذات بهجة و نضارة ما كان لكم أي لا تملكون و ليس في قدرتكم أن تنبتوا شجرها أ إله آخر مع الله سبحانه - و هو إنكار و توبيخ .


و في الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب بالنسبة إلى المشركين و النكتة فيه تشديد التوبيخ بتبديل الغيبة حضورا فإن مقام الآيات السابقة على هذه الآية مقام التكلم ممن يخاطب أحد خواصه بحضرة من عبيده المتمردين المعرضين عن عبوديته يبث إليه الشكوى و هو يسمعهم حتى إذا تمت الحجة و قامت البينة كما في قوله : « ء آلله خير أما يشركون » هاج به الوجد و الأسف فتوجه إليهمبعد الإعراض فأخذ في حملهم على الإقرار بالحق بذكر آية بعد آية و إنكار شركهم و توبيخهم عليه بعدولهم عنه إلى غيره و عدم علم أكثرهم و قلة تذكرهم مع تعاليه عن شركهم و عدم برهان منهم على ما يدعون .


و قوله : « بل هم قوم يعدلون » أي عن الحق إلى الباطل و عن الله سبحانه إلى غيره و قيل : أي يعدلون بالله غيره و يساوون بينهما .


و في الجملة التفات من الخطاب إلى الغيبة بالنسبة إلى المشركين و رجوع إلى خطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الإضراب فيه لبيان أن لا جدوى للسير في حملهم على الحق فإنهم عادلون عنه .


قوله تعالى : « أمن جعل الأرض قرارا » إلى آخر الآية ، القرار مصدر بمعنى اسم الفاعل أي القار المستقر ، و الخلال جمع خلل بفتحتين و هو الفرجة بين الشيئين ، و الرواسي جمع راسية و هي الثابتة و المراد بها الجبال الثابتات ، و الحاجز هو المانع


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :381


المتخلل بين الشيئين .


و المعنى : بل أمن جعل الأرض مستقرة لا تميد بكم ، و جعل في فرجها التي في جوفها أنهارا و جعل لها جبالا ثابتة و جعل بين البحرين مانعا من اختلاطهما و امتزاجهما هو خير أم ما يشركون ؟ و الكلام في قوله : « أ ءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون » كالكلام في نظيره من الآية السابقة .


قوله تعالى : « أمن يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء و يجعلكم خلفاء الأرض أ ءله مع الله قليلا ما تذكرون » المراد بإجابة المضطر إذا دعاه استجابة دعاء الداعين و قضاء حوائجهم و إنما أخذ وصف الاضطرار ليتحقق بذلك من الداعي حقيقة الدعاء و المسألة إذ ما لم يقع الإنسان في مضيقة الاضطرار و كان في مندوحة من المطلوب لم يتمحض منه الطلب و هو ظاهر .


ثم قيده بقوله : « إذا دعاه » للدلالة على أن المدعو يجب أن يكون هو الله سبحانه و إنما يكون ذلك عند ما ينقطع الداعي عن عامة الأسباب الظاهرية و يتعلق قلبه بربه وحده و أما من تعلق قلبه بالأسباب الظاهرية فقط أو بالمجموع من ربه و منها فليس يدعو ربه و إنما يدعو غيره .


فإذا صدق في الدعاء و كان مدعوه ربه وحده فإنه تعالى يجيبه و يكشف السوء الذي اضطره إلى المسألة كما قال تعالى : « ادعوني أستجب لكم » : المؤمن : 60 ، فلم يشترط للاستجابة إلا أن يكون هناك دعاء حقيقة و أن يكون ذلك الدعاء متعلقا به وحده ، و قال أيضا : « و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان » : البقرة : 186 ، و قد فصلنا القول في معنى الدعاء في الجزء الثاني من الكتاب في ذيل الآية .


و بما مر من البيان يظهر فساد قول بعضهم إن اللام في « المضطر » للجنس دون الاستغراق فكم من مضطر يدعو فلا يجاب فالمراد إجابة دعاء المضطر في الجملة لا بالجملة .


وجه الفساد أن مثل قوله : « ادعوني أستجب لكم » و قوله : « فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان » يأبى تخلف الدعاء عن الاستجابة ، و قوله : كم من مضطر يدعو


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :382


فلا يجاب ، غير مسلم إذا كان دعاء حقيقة لله سبحانه وحده كما تقدم بيانه .


على أن هناك آيات كثيرة تدل على أن الإنسان يتوجه عند الاضطرار كركوب السفينة نحو ربه فيدعوه بالإخلاص فيستجاب له كقوله تعالى : « و إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما الآية ، : يونس : 12 ، و قوله : « حتى إذا كنتم في الفلك إلى قوله و ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين » : يونس : 22 ، و كيف يتصور تعلق النفس بتوجهها الغريزي الفطري بأمر لا اطمئنان لها به فما قضاء الفطرة في ذلك إلا كقضائها عند إدراك حاجتها الوجودية إلى من يوجدها و يدبر أمرها أن هناك أمرا يرفع حاجتها و هو الله سبحانه .


فإن قلت : نحن كثيرا ما نتوسل في حوائجنا من الأسباب الظاهرية بما لا نقطع بفعلية تأثيره في رفع حاجتنا و إنما نتعلق به رجاء أن ينفعنا إن نفع .


قلت : هذا توسل فكري مبدؤه الطمع و الرجاء و هو غير التوسل الغريزي الفطري نعم في ضمنه نوع من التوجه الغريزي الفطري و هو التسبب بمطلق السبب و مطلق السبب لا يتخلف ، فافهم .


و ظهر أيضا فساد قول من قال : المراد بالمضطر إذا دعاه المذنب إذا استغفره فإن الله يغفر له و هو إجابته .


و فيه أن إشكال الاستغراق بحاله فما كل استغفار يستتبع المغفرة و لا كل مستغفر يغفر له .


على أنه لا دليل على تقييد إطلاق المضطر بالمذنب العاصي .


و ذكر بعضهم : أن الاستغراق بحاله لكن ينبغي تقييد الإجابة بالمشية كما وقع ذلك في قوله تعالى : « فيكشف ما تدعون إليه إن شاء » : الأنعام : 41 .


و فيه أن الآية واقعة في سياق لا تصلح معه لتقييد الإجابة في آية المضطر و هو قوله تعالى : « قل أ رأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أ غير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء » فالساعة من القضاء المحتوم لا يتعلق بكشفها طلب حقيقي ، و أما العذاب الإلهي فإن طلب كشفه بتوبة و إيمان حقيقي فإن الله يكشفه كما كشف عن قوم يونس و إن لم يكن كذلك بل احتيالا للنجاة منه فلا لعدم كونه طلبا حقيقيا بل مكرا في صورة الطلب كما حكاه الله عن فرعون لما


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :383


أدركه الغرق « قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل و أنا من المسلمين ء الآن و قد عصيت قبل و كنت من المفسدين : يونس » : 91 ، و حكى عن أقوام آخرين أخذهم بالعذاب : « قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين » : الأنبياء : 15 .


و بالجملة فمورد قوله : « فيكشف ما تدعون إليه إن شاء » لما كان مما يمكن أن يكون الطلب فيه حقيقيا أو غير حقيقي كان من اللازم تقييد الكشف و الإجابة فيه بالمشية فيكشف الله عنهم إن شاء و ذلك في مورد حقيقة الطلب و الإيمان و لا يكشف إن لم يشأ و هذا غير مورد آية المضطر و سائر آيات إجابة الدعوة الذي يتضمن حقيقة الدعاء من الله سبحانه وحده .


و قوله : « و يجعلكم خلفاء الأرض » الذي يعطيه السياق أن يكون المراد بالخلافة الخلافة الأرضية التي جعلها الله للإنسان يتصرف بها في الأرض و ما فيها من الخليقة كيف يشاء كما قال تعالى : « و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة » : البقرة : 30 .


و ذلك أن تصرفاته التي يتصرف بها في الأرض و ما فيها بخلافته أمور مرتبطة بحياته متعلقة بمعاشه فالسوء الذي يوقعه موقع الاضطرار و يسأل الله كشفه لا محالة شي‏ء من الأشياء التي تمنعه التصرف أو بعض التصرف فيها و تغلق عليه باب الحياة و البقاء و ما يتعلق بذلك أو بعض أبوابها ففي كشف السوء عنه تتميم لخلافته .


و يتضح هذا المعنى مزيد اتضاح لو حمل الدعاء و المسألة في قوله : « إذا دعاه » على الأعم من الدعاء اللساني كما هو الظاهر من قوله تعالى : « و آتاكم من كل ما سألتموه و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها » : إبراهيم : 34 ، و قوله : « يسألهمن في السماوات و الأرض » : الرحمن : 29 ، إذ يكون على هذا جميع ما أوتي الإنسان و رزقه من التصرفات من مصاديق كشف السوء عن المضطر المحتاج إثر دعائه فجعله خليفة يتبع إجابة دعائه و كشف السوء الذي اضطره عنه .


و قيل : المعنى و يجعلكم خلفاء من قبلكم من الأمم في الأرض تسكنون مساكنهم و تتصرفون فيها بعدهم هذا .


و ما قدمناه من المعنى أنسب منه للسياق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :384


و قيل : المعنى : و يجعلكم خلفاء من الكفار بنزول بلادهم و طاعة الله تعالى بعد شركهم و عنادهم .


و فيه أن الخطاب في الآية كسائر الآيات الخمس التي قبلها للكفار لا للمؤمنين كما عليه بناء الوجه .


و قوله : « قليلا ما تذكرون » خطاب توبيخي للكفار و قرى‏ء « يذكرون » بالياء للغيبة و هو أرجح لموافقته ما في ذيل سائر الآيات الخمس كقوله : « بل هم قوم يعدلون » « بل أكثرهم لا يعلمون » و غيرهما ، فإن الخطاب فيها جميعا للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بطريق الالتفات كما مر بيانه .


قوله تعالى : « أمن يهديكم في ظلمات البر و البحر و من يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته » إلخ ، و المراد بظلمات البر و البحر ظلمات الليالي في البر و البحر ففيهمجاز عقلي ، و المراد بإرسال الرياح بشرا إرسالها مبشرات بالمطر قبيل نزوله و الرحمة المطر ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « أمن يبدأ الخلق ثم يعيده و من يرزقكم من السماء و الأرض » إلخ ، بدء الخلق إيجاده ابتداء لأول مرة و إعادته إرجاعه إليه بالبعث و تبكيت المشركين بالبدء و الإعادة مع إنكارهم البعث كما سيذكره بقوله : « و قال الذين كفروا » إلخ ، بناء على ثبوت المعاد بالأدلة القاطعة في كلامه فأخذ كالمسلم ثم استدرك إنكارهم له أو شكهم فيه في الآيات التالية .


و قيل : المراد ببدء الخلق ثم إعادته إيجاد الواحد من نوعه ثم إهلاكه و إيجاد نظيره بعده و بالجملة إيجاد المثل بعد المثل فلا يرد أن المشركين منكرون للمعاد فكيف يحتج به عليهم .


هذا و هو بعيد من ظاهر الآية .


و ما تتضمنه الآية من لطائف الحقائق القرآنية يفيد أن لا بطلان في الوجود مطلقا بل ما أوجده الله تعالى بالبدء سيرجع إليه بالإعادة و ما نشاهده من الهلاك فيها فقدان منا له بعد وجدانه .


و أما ما أجمع عليه المتكلمون من امتناع إعادة المعدوم في بعض الموجودات كالأعراض و اختلفوا في جواز إعادة بعض آخر كالجواهر ، لا ارتباط له بمسألة البعث على ما تقرره الآية ، فإن البعث ليس من باب إعادة المعدوم حتى يمتنع بامتناع إعادته


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :385


لو امتنعت بل البعث عود الخلق و رجوعه و هو خلق من غير بطلان إلى ربه المبدى‏ء له .


و قوله : « و من يرزقكم من السماء و الأرض » إشارة إلى ما وقع من تدبيره لأمرهم بين البدء و العود و هو رزقهم بأسباب سماوية كالأمطار و أسبابها و الأرضية كعامة ما يتغذى به الإنسان من الأرضيات .


و قوله : « قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين » لما ذكر سبحانه فصولا مشتملة على عامة الخلق و التدبير مع الإشارة إلى ارتباط التدبير بعضه ببعض وارتباط الجميع إلى الخلق و عاد الخلق و التدبير بذلك أمرا واحدا منتسبا إليه قائما به تعالى و أثبت بذلك أنه تعالى هو رب كل شي‏ء وحده لا شريك له و كان لازم ذلك إبطال ألوهية الآلهة التي يدعونها من دون الله .


- و ذلك أن الألوهية و هي استحقاق العبادة تتبع الربوبية التي هي تدبير عن ملك فالعبادة على ما يتداولونها إما لتكون شكرا للنعمة أو اتقاء للنقمة و على أي حال ترتبط بالتدبير الذي هو من شئون الربوبية - .


- و كان إبطال ألوهية الآلهة من دون الله هو الغرض من الفصول الموردة في هذه الآيات كما يدل على ذلك قوله بعد إيراد كل واحد من الفصول : « أ ءله مع الله » .


أمر نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بقوله : « قل هاتوا برهانكم » أن يطالبهم بالبرهان على ما يدعونه من ألوهية آلهتهم ليظهر بانقطاعهم أنهم مجازفون في دعواهم إذ لو استدلوا على ألوهيتها بشي‏ء كان من الواجب أن ينسبوا إليها شيئا من تدبير العالم و الحال أن جميع الخلق و التدبير له تعالى وحده .


قوله تعالى : « قل لا يعلم من في السماوات و الأرض الغيب إلا الله و ما يشعرون أيان يبعثون » لما أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بعد إبطال ألوهية آلهتهم بانتساب الخلق و التدبيرإليه تعالى وحده أن يطالبهم بالبرهان على ما يدعونه أمره ثانيا أن يواجههم ببرهان آخر على بطلان ألوهية آلهتهم و هو عدم علمهم بالغيب و عدم شعورهم بالساعة و أنهم أيان يبعثون مع أنه لا يعلم أحد ممن في السماوات و الأرض - و منهم آلهتهم الذين هم الملائكة


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :386


و الجن و قديسو البشر - الغيب و ما يشعرون أيان يبعثون ، و لو كانوا آلهة لهم تدبير أمر الخلق - و من التدبير الجزاء يوم البعث - لعلموا بالساعة .


و قد ظهر بهذا البيان أن قوله : « لا يعلم من في السماوات و الأرض الغيب إلا الله » برهان مستقل على بطلان ألوهية آلهتهم و اختصاص الألوهية به تعالى وحده و أن قوله : « و ما يشعرون أيان يبعثون » من عطف أوضح أفراد الغيب عليه و أهمها علما بالنسبة إلى أمر التدبير .


و ظهر أيضا أن ضميري الجمع في « و ما يشعرون أيان يبعثون » لمن في السماوات لعدم تمام البيان بدونه .


فقول بعضهم : إن الضمير للمشركين و إن كان عدم الشعور بما ذكر عاما لئلا يلزم التفكيك بينه و بين الضمائر الآتية الراجعة إليهم قطعا .


فيه أنه ينافي ما سيقت له الآية الكريمة من البيان كما قدمنا الإشارة إليه و التفكيك بين الضمائر معوجود القرينة لا بأس به .


قوله تعالى : « بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون » ادارك في الأصل تدارك و التدارك تتابع أجزاء الشي‏ء بعضها بعد بعض حتى تنقطع و لا يبقى منها شي‏ء ، و معنى تدارك علمهم في الآخرة أنهم صرفوا ما عندهم من العلم في غيرها حتى نفد علمهم فلم يبق منه شي‏ء يدركون به أمر الآخرة على حد قوله تعالى : « فأعرض عمن تولى عن ذكرنا و لم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم » : النجم : 30 و « عمون » جمع عمي .


لما انتهى احتجاجه تعالى إلى ذكر عدم شعور أحد غيره تعالى بوقت البعث و تبكيت المشركين بذلك رجع إلى نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و ذكره أنهم في معزل عن الخطاب بذلك إذ لا خبر لهم عن شي‏ء عن أمور الآخرة فضلا عن وقت قيام الساعة و ذلك أنهم صرفوا ما عندهم من العلم في جهات الحياة الدنيا فهم في جهل مطلق بالنسبة إلى أمور الآخرة بل هم في شك من الآخرة يرتابون في أمرها كما يظهر من احتجاجاتهم على نفيها المبنية على الاستبعاد بل هم منها عمون و الله أعمى قلوبهم عن التصديق بها و الاعتقاد بوجودها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :387


و قد ظهر بهذا البيان أن تكرر كلمة الإضراب لبيان مراتب الحرمان من العلم بالآخرة و أنهم في أعلاها ، فقوله : « بل ادارك علمهم في الآخرة » أي لا علم لهم بها كأنها لم تقرع سمعهم ، و قوله : « بل هم في شك منها » أي أنه قرع سمعهم خبرها و ورد قلوبهم لكنهم ارتابوا و لم يصدقوا بها ، و قوله : « بل هم منها عمون » أي إنهم لم ينقطعوا عن الاعتقاد بها من عند أنفسهم و باختيار منهم بل الله سبحانه أعمى أبصار قلوبهم فصاروا عمين فهيهات أن يدركوا من أمرها شيئا .


و قيل : المراد بتدارك علمهم تكامله و بلوغه حد اليقين لتكامل الحجج الدالة على حقية البعث و الجملة مسوقة للتهكم ، و فيه أنه لا يلائم ما يتبعه من الإضراب بالشك و العمى .


قوله تعالى : « و قال الذين كفروا أ إذا كنا ترابا و آباؤنا أ إنا لمخرجون - إلى قوله - الأولين » حكاية حجة منهم لنفي البعث مبنية على الاستبعاد أي كيف يمكن أن نخرج من الأرض بشرا تامين كما نحن اليوم و قد متنا و كنا ترابا نحن و آباؤنا كذلك ؟ .


و قوله : « لقد وعدنا هذا نحن و آباؤنا من قبل » حجة أخرى منهم مبنية على الاستبعاد أي لقد وعدنا هذا و هو البعث بعد الموت نحن و آباؤنا وعدوه قبل أن يعدنا هذا النبي و الذين وعدوا قبلا هم الأنبياء الماضون فهو وعدقديم لم نزل نوعد به و لو كان خبرا صادقا و وعدا حقا لوقع إلى هذا اليوم و إذ لم يقع فهو من الخرافات التي اختلقها الأولون و كانوا مولعين باختلاق الأوهام و الخرافات و الإصغاء إليها .


قوله تعالى : « قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين » إنذار و تخويف لهم على إنكارهم وعد الأنبياء بالبعث بأمرهم أن يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة المجرمين المكذبين للأنبياء المنذرين لهم بالبعث فإن في النظر إلى عاقبة أمرهم على ما تدل عليه مساكنهم الخربة و ديارهم الخالية كفاية للمعتبرين من أولي الأبصار ، و في التعبير عن المكذبين بالمجرمين لطف بالمؤمنين في ترك الجرائم .


كذا قيل .


و يمكن أن تقرر الآية حجة تدل على المعاد و تقريبها أن انتهاء عاقبة أمر المجرمين


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :388


إلى عذاب الاستئصال دليل على أن الإجرام و الظلم من شأنه أن يؤاخذ عليه و أن العمل إحسانا كان أو إجراما محفوظ على عامله سيحاسب عليه و إذ لم تقع عامة هذا الحساب و الجزاء - و خاصة على الأعمال الصالحة - في الدنيا فذلك لا محالة في نشأة أخرى و هي الدار الآخرة .


فتكون الآية في معنى قوله تعالى : « أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار » : ص : 28 ، و يؤيد هذا التقرير قوله : « عاقبة المجرمين » و لو كان المراد تهديد مكذبي الرسل و تخويفهم كان الأنسب أن يقال : عاقبة المكذبين ، كما تقدمت الإشارة إليه .


قوله تعالى : « و لا تحزن عليهم و لا تكن في ضيق مما يمكرون » أي لا يحزنك إصرارهم على الكفر و الجحود و لا يضق صدرك من مكرهم لإبطال دعوتك و صدهم الناس عن سبيل الله فإنهم بعين الله و ليسوا بمعجزيه و سيجزيهم بأعمالهم .


فالآية مسوقة لتطييب نفس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و قوله : « و لا تكن في ضيق » إلخ ، معطوف على ما قبله عطف التفسير .


قوله تعالى : « و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين » الظاهر أن المراد بالوعد الوعد بعذاب المجازاة أعم من الدنيا و الآخرة ، و السياق يؤيد ذلك و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون » قالوا : إن اللام في « ردف لكم » مزيدة للتأكيد ، كالباء في قوله : « و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » : البقرة : 198 ، و المعنى تبعكم و لحق بكم ، و قيل : إن ردف مضمن معنى فعل يعدى باللام .


و المراد ببعض الذي يستعجلونه هو عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة فإنهم كانوا يستعجلون إنجاز ما وعدهم الله من الحكم الفصل ، و هو ملازم لعذابهم ، و عذابهم في الدنيا بعض العذاب الذي يستعجلونه باستنجاز الوعد ، و لعل مراد الآية به عذاب يوم بدر كما قيل .


قالوا : إن « عسى و لعل » من الله تعالى واجب لأن حقيقة الترجي مبنية على


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :389


الجهل و لا يجوز عليه تعالى ذلك فمعنى قوله : « عسى أن يكون ردف لكم » سيردفكم و يأتيكم العذاب محققا .


و فيه أن معنى الترجي و التمني و نحوهما كما جاز أن يقوم بنفس المتكلم يجوز أن يقوم بالمقام أو بالسامع أو غيرهما و هو في كلامه تعالى قائم بغير المتكلم من المقام و غيره و ما في الآية من الجواب لما أرجع إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان الرجاء المدلول عليه بكلمة عسى قائما بنفسه الشريفة و المعنى : قل أرجو أن يكون ردف لكم العذاب .


و في تفسير أبي السعود : ، و عسى و لعل و سوف في مواعيد الملوك بمنزلة الجزم بها ، و إنما يطلقونها إظهارا للوقار ، و إشعارا بأن الرمز من أمثالهم كالتصريح ممن عداهم و على ذلك مجرى وعد الله تعالى و وعيده انتهى و هو وجه وجيه .


و معنى الآية : قل لهؤلاء السائلين عن وقت الوعد : أرجو أن يكون تبعكم بعض الوعد الذي تستعجلونه و هو عذاب الدنيا الذي يقربكم من عذاب الآخرة و يؤديكم إليه ، و في التعبير بقوله : « ردف لكم » إيماء إلى قربه .


قوله تعالى : « و إن ربك لذو فضل على الناس و لكن أكثرهم لا يشكرون » معنى الآية في نفسها ظاهر و وقوعها في سياق التهديد و التخويف يفيد أن تأخيره تعالى العذاب عنهم مع استحقاقهم ذلك إنما هو فضل منه عليهم يجب عليهم شكره عليه لكنهم لا يشكرونه و يسألون تعجيله .


قوله تعالى : « و إن ربك ليعلم ما تكن صدورهم و ما يعلنون » أي إن تأخير العذاب ليس عن جهل منه تعالى بحالهم و ما يستحقونه بالكفر و الجحود فإنه يعلم ما تستره و تخفيه صدورهم و ما يظهرونه .


ثم أكد ذلك بأن كل غائبة - و هي ما من شأنه أن يغيب و يخفى في أي جهة من جهات العالم كان - مكتوب محفوظ عنده تعالى و هو قوله : « و ما من غائبة في السماء و الأرض إلا في كتاب مبين » .


قوله تعالى : « إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل » - إلى قوله - العزيز العليم » تطييب لنفس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تمهيد لما سيذكره من حقية دعوته و تقوية لإيمان المؤمنين به ، و بهذا الوجه يتصل بقوله قبلا : « و لا تحزن عليهم » إلخ المشعر بحقية دعوته .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :390


فقوله : « إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون » يشير إلى ما يقصه القرآن من قصص الأنبياء و يبين الحق فيما اختلفوا فيه من أمرهم و منه أمر المسيح (عليه‏السلام‏) و يبين الحق فيما اختلفوا فيه من المعارف و الأحكام .


و قوله : « و إنه لهدى و رحمة للمؤمنين » يشير إلى أنه يهدي المؤمنين بما قصه على بني إسرائيل إلى الحق و أنه رحمة لهم تطمئن به قلوبهم و يثبت الإيمان بذلك في نفوسهم .


و قوله : « إن ربك يقضي بينهم بحكمه و هو العزيزالعليم » إشارة إلى أن القضاء بينهم إلى الله فهو ربه العزيز الذي لا يغلب في أمره العليم لا يجهل و لا يخطى‏ء في حكمه فهو القاضي بينهم بحكمه فلترض نفس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بربه العزيز العليم قاضيا حكما و لترجع الأمر إليه كما ينبغي أن تفعل مثل ذلك في حق المشركين و لا تحزن عليهم و لا تكون في ضيق مما يمكرون .


قوله تعالى : « فتوكل على الله إنك على الحق المبين » تفريع على مجموع ما أمر به قبال كفر المشركين و اختلاف بني إسرائيل أي إن أمرهم جميعا إلى الله لا إليك فاتخذه وكيلا فهو كافيك و لا تخافن شيئا إنك في أمن من الحق .


قوله تعالى : « إنك لا تسمع الموتى - إلى قوله - فهم مسلمون » تعليل للأمر بالتوكل أي إنما أمرناك بالتوكل على الله في أمر إيمانهم و كفرهم لأنهم موتى و ليس في وسعك أن تسمع الموتى دعوتك و إنهم صم لا يسمعون و عمي ضالون لا تقدر على إسماع الصم إذا ولوا مدبرين - و لعله قيد عدم إسماع الصم بقوله : « إذا ولوا مدبرين » لأنهم لو لم يكونوا مدبرين لأمكن تفهيمهم بنوع من الإشارة - و لا على هداية العمي عن ضلالتهم ، و إنما الذي تقدر عليه هو أن تسمع من يؤمن بآياتنا الدالة علينا و تهديهم فإنهم لإذعانهم بتلك الحجج الحقة مسلمون لنا مصدقون بما تدل عليه .


و قد تبين بهذا البيان أولا أن المراد بالإسماع الهداية .


و ثانيا : أن المراد بالآيات الحجج الدالة على التوحيد و ما يتبعه من المعارف الحقة .


و ثالثا : أن من تعقل الحجج الحقة من آيات الآفاق و الأنفس بسلامة من العقل ثم استسلم لها بالإيمان و الانقياد ليس هو من الموتى و لا ممن ختم الله على سمعه و بصره .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :391


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و سلام على عباده الذين اصطفى » قال : هم آل محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) . : أقول : و رواه أيضا في جمع الجوامع ، عنهم (عليهم‏السلام‏) مرسلا مضمرا ، و قد عرفت فيما تقدم من البيان في ذيل الآية أن الذي يعطيه السياق أن المراد بهم بحسب مورد الآية الأنبياء المنعمون بنعمة الاصطفاء و قد قص الله قصص جمع منهم فقوله (عليه‏السلام‏) - لو صحت الرواية - هم آل محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من قبيل الجري و الانطباق .


و نظيرها ما رواه في الدر المنثور ، عن عدة من أصحاب الكتب عن ابن عباس ، : في الآية قال : هم أصحاب محمد فهو - لو صحت الرواية - إجراء منه و تطبيق .


و منه يظهر ما فيما رواه أيضا عن عبد بن حميد و ابن جرير عن سفيان الثوري : في الآية قال : نزلت في أصحاب محمد خاصة ، فلا نزول و لا اختصاص .


و في تفسير القمي ، أيضا : في قوله تعالى : « بل هم قوم يعدلون » قال : عن الحق .


و فيه ، : في قوله تعالى : « أمن يجيب المضطر إذا دعاه » الآية ، : حدثني أبي عن الحسن بن علي بن فضال عن صالح بن عقبة عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : نزلت في القائم من آل محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) هو و الله المضطر إذا صلى في المقام ركعتين و دعا إلى الله عز و جل فأجابه و يكشف السوء و يجعله خليفة في الأرض .


أقول : و الرواية أيضا من الجري و الآية عامة .


و في الدر المنثور ، أخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : من فارق الجماعة فهو في النار على وجهه لأن الله تعالى يقول : « أمن يجيب المضطر إذا دعاه - و يكشف السوء و يجعلكم خلفاء الأرض » فالخلافة من الله عز و جل فإن كان خيرا فهو يذهب به و إن كان شرا فهو يؤخذ به ، عليك أنت بالطاعة فيما أمر الله به .


أقول : الرواية لا تخلو من شي‏ء فقد تقدم أن المراد بالخلافة في الآية - على ما يشهد به السياق - الخلافة الأرضية المقدرة لكل إنسان و هو السلطة على ما في الأرض بأنواع التصرف دون الخلافة بمعنى الحكومة على الأمة بإدارة رحى مجتمعهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :392


و مع الغض عن ذلك فمتن الرواية لا يخلو عن تدافع فإن كان المراد بكون الخلافة من الله تعالى أن سلطانه على الناس بتقدير من الله و بعبارة أخرى انتسابها التكويني إلى الله سبحانه كما ورد في ملك نمرود من قوله تعالى : « أن آتاه الله الملك » : البقرة : 258 ، و قوله حكاية عن فرعون : « أ ليس لي ملك مصر » : الزخرف : 51 ، فمن البين أن الخلافة بهذا المعنى لا تستتبع وجوب الطاعة و حرمة المخالفة و إلا كان نقضا لأصل الدعوة الدينية و إيجابا لطاعة أمثال نمرود و فرعون و كم لها من نظير ، و إن كان المراد به الجعل الوضعي الديني و بعبارة أخرى انتسابها التشريعي إلى الله تعالى ثم وجبت طاعته فيما يأمر به و إن كان معصية كان ذلك نقضا صريحا للأحكام ، و إن كان الواجب طاعته في غير معصية الله لقوله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » جازت مفارقة الجماعة في الجملة و هو يناقض صدر الرواية .


و نظير الإشكال يجري في قوله ذيلا : « عليك أنت بالطاعة فيما أمر الله به » فلو كان المراد مما أمر الله به طاعته مقام الخلافة و إن كان في معصية كان نقضا صريحا لتشريع الأحكام و إن كان المراد به طاعة الله و إن استلزم معصية مقام الخلافة كان ناقضا لصدر الرواية .


و قد اتضح اليوم بالأبحاث الاجتماعية أن إمضاء حكومة من لا يحترم القوانين المقدسة الجارية لا يرضى به مجتمع عاقل رشيد فمن الواجب تنزيه ساحة مشرع الدين عن ذلك ، و القول بأن مصلحة حفظ وحدة الكلمة و اتفاق الأمة أهم من حفظ بعض الأحكام بالمفارقة معناه جواز هدم حقيقة الدين لحفظ اسمه .


و في الدر المنثور ، أيضا أخرج الطيالسي و سعيد بن منصور و أحمد و عبد بن حميد و البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه و البيهقي في الأسماء و الصفات عن مسروق قال : كنت متكئا عند عائشة فقالت عائشة : ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية . قلت : و ما هن ؟ قالت : من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال : و كنت متكئا فجلست و قلت : يا أم المؤمنين أنظريني و لا تعجلي علي أ لم يقل الله : « و لقد رآه بالأفق المبين » « و لقد رآه نزلة أخرى » ؟


الميزان في تفسير القرآن ج :15ص:393


فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل هذا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : جبرئيل . لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض . قالت : أ لم تسمع الله عز و جل يقول : « لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار - و هو اللطيف الخبير » ؟ أ و لم تسمع الله يقول : « و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا إلى قوله علي حكيم » . و من زعم أن محمدا كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية و الله جل ذكره يقول : « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس » . قالت : و من زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية و الله تعالى يقول : « قل لا يعلم من في السماوات و الأرض الغيب إلا الله . أقول : و في متن الرواية شي‏ء أما آيات الرؤية فإنما تنفي رؤية الحس دون رؤية القلب و هي من الرؤية وراء الإيمان الذي هو الاعتقاد و قد أشبعنا الكلام فيها في الموارد المناسبة له .


و أما قوله تعالى : « يا أيها الرسول بلغ » الآية فقد أوضحنا في تفسير الآية أنها خاصة غير عامة و لو فرضت عامة فإنما تدل على أن كل ما أنزل إليه مما فيه رسالة وجب عليه تبليغه و من الجائز أن ينزل إليه ما يختص علمه به (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيكتمه عن غيره .


و أما قوله : « قل لا يعلم من في السماوات و الأرض الغيب إلا الله » فلا يدل إلا على اختصاص علم الغيب بالذات به تعالى كسائر آيات اختصاص الغيب به ، و لا ينفي علم الغير به بتعليم منه تعالى كما يشير إليه قوله : « عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول » : الجن : 27 ، و قد حكى الله سبحانه نحوا من هذا الإخبار عن المسيح (عليه‏السلام‏) إذ قال : « و أنبئكم بما تأكلون وما تدخرون » : آل عمران : 49 ، و من المعلوم أن القائل إن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يخبر الناس بما يكون في غد لا ينفي كون ذلك بتعليم من الله له .


و قد تواترت الأخبار على تفرقها و تنوعها من طرق الفريقين على إخباره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بكثير من الحوادث المستقبلة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :394


وَ إِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنَا لهَُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاس كانُوا بِئَايَتِنَا لا يُوقِنُونَ‏(82) وَ يَوْمَ نحْشرُ مِن كلّ‏ِ أُمَّةٍفَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّب بِئَايَتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ‏(83) حَتى إِذَا جَاءُو قَالَ أَ كذَّبْتُم بِئَايَتى وَ لَمْ تحِيطوا بهَا عِلْماً أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏(84) وَ وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِم بِمَا ظلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ‏(85) أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسكُنُوا فِيهِ وَ النَّهَارَ مُبْصِراًإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏(86) وَ يَوْمَ يُنفَخُ فى الصورِ فَفَزِعَ مَن فى السمَوَتِ وَ مَن فى الأَرْضِ إِلا مَن شاءَ اللَّهُوَ كلٌّ أَتَوْهُ دَخِرِينَ‏(87) وَ تَرَى الجِْبَالَ تحْسبهَا جَامِدَةً وَ هِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحَابِصنْعَ اللَّهِ الَّذِى أَتْقَنَ كلَّ شىْ‏ءٍإِنَّهُ خَبِيرُ بِمَا تَفْعَلُونَ‏(88) مَن جَاءَ بِالْحَسنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِّنهَا وَ هُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئذٍ ءَامِنُونَ‏(89) وَ مَن جَاءَ بِالسيِّئَةِ فَكُبَّت وُجُوهُهُمْ فى النَّارِ هَلْ تجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏(90) إِنَّمَا أُمِرْت أَنْ أَعْبُدَ رَب هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَ لَهُ كلُّ شىْ‏ءٍوَ أُمِرْت أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسلِمِينَ‏(91) وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْءَانَفَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يهْتَدِى لِنَفْسِهِوَ مَن ضلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ‏(92) وَ قُلِ الحَْمْدُ للَّهِ سيرِيكمْ ءَايَتِهِ فَتَعْرِفُونهَاوَ مَا رَبُّك بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏(93)



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :395


بيان


هي من تمام الفصل السابق من الآيات تشير إلى البعث و بعض ما يلحق به من الأمور الواقعة فيه و بعض أشراطه و تختم السورة بما يرجع إلى مفتتحها من الإنذار و التبشير .


قوله تعالى « و إذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناسكانوا بآياتنا لا يوقنون » مقتضى السياق - بما أن الآية متصلة بما قبلها من الآيات الباحثة عن أمر المشركين المعاصرين للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو خصوص أهل مكة من قريش و قد كانوا أشد الناس عداوة للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و دعوته - أن ضمائر « عليهم » و « لهم » و « تكلمهم » للمشركين المحدث عنهم لكن لا لخصوصهم بل بما أنهم ناس معنيون بالدعوة فالمراد بالحقيقة عامة الناس من هذه الأمة من حيث وحدتهم فيلحق بأولهم من الحكم ما يلحق بآخرهم و هذا النوع من العناية كثير الورود في كلامه تعالى .


و المراد بوقوع القول عليهم تحقق مصداق القول فيهم و تعينهم لصدقه عليهم كما في الآية التالية : « و وقع القول عليهم بما ظلموا » أي حق عليهم العذاب ، فالجملة في معنى « حق عليهم القول » و قد كثر وروده في كلامه تعالى ، و الفرق بين التعبيرين أن العناية في « وقع القول عليهم » بتعينهم مصداقا للقول و في « حق عليهم القول » باستقرار القول و ثبوته فيهم بحيث لا يزول .


و أما ما هو هذا القول الواقع عليهم فالذي يصلح من كلامه تعالى لأن يفسر به قوله : « سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق : حم السجدة : 53 ، فإن المراد بهذه الآيات التي سيريهم غير الآيات السماوية و الأرضية التي هي بمرآهم و مسمعهم دائما قطعا بل بعض آيات خارقة للعادة تخضع لها و تضطر للإيمان بها أنفسهم في حين لا يوقنون بشي‏ء من آيات السماء و الأرض التي هي تجاه أعينهم و تحت مشاهدتهم .


و بهذا يظهر أن قوله : أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون تعليل لوقوع القول عليهم و التقدير لأن الناس ، و قوله : كانوا لإفادة استقرار عدم الإيقان فيهم و المراد بالآيات الآيات المشهودة من السماء و الأرض غير الآيات الخارقة ، و قرى‏ء إن بكسر


الميزان في تفسير القرآن ج :15ص:396


الهمزة و هي أرجح من قراءة الفتح فيؤيد ما ذكرناه و تكون الجملة بلفظها تعليلا من دون تقدير اللام .


و قوله : أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم بيان لآية خارقة من الآيات الموعودة في قوله : سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق و في كونه وصفا لأمر خارق للعادة دلالة على أن المراد بالإخراج من الأرض إما الإحياء و البعث بعد الموت و إما أمر يقرب منه ، و أما كونها دابة تكلمهم فالدابة ما يدب في الأرض من ذوات الحياة إنسانا كان أو حيوانا غيره فإن كان إنسانا كان تكليمه الناس على العادة و إن كان حيوانا أعجم كان تكليمه كخروجه من الأرض خرقا للعادة .


و لا نجد في كلامه تعالى ما يصلح لتفسير هذه الآية و أن هذه الدابة التي سيخرجها لهم من الأرض فتكلمهم ما هي ؟ و ما صفتها ؟ و كيف تخرج ؟ و ما ذا تتكلم به ؟ بل سياق الآية نعم الدليل على أن القصد إلى الإبهام فهو كلام مرموز فيه .


و محصل المعنى : أنه إذا آل أمر الناس - و سوف يئول - إلى أن كانوا لا يوقنون بآياتنا المشهودة لهم و بطل استعدادهم للإيمان بنا بالتعقل و الاعتبار آن وقت أن نريهم ما وعدنا إراءته لهم من الآيات الخارقة للعادة المبينة لهم الحق بحيث يضطرون إلى الاعتراف بالحق فأخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم .


هذا ما يعطيه السياق و يهدي إليه التدبر في الآية من معناها ، و قد أغرب المفسرون حيث أمعنوا في الاختلاف في معاني مفردات الآية و جملها و المحصل منها و في حقيقة هذه الدابة و صفتها و معنى تكليمها و كيفية خروجها و زمان خروجها و عدد خروجها و المكان الذي تخرج منه في أقوال كثيرة لا معول فيها إلا على التحكم ، و لذا أضربنا عن نقلها و البحث عنها ، و من أراد الوقوف عليها فعليه بالمطولات .


قوله تعالى : و يوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون الفوج كما ذكره الراغب - الجماعة المارة المسرعة ، و الإيزاع إيقاف القوم و حبسهم بحيث يرد أولهم على آخرهم .


و قوله : و يوم نحشر منصوب على الظرفية لمقدر و التقدير و اذكر يوم نحشر و المراد بالحشر هو الجمع بعد الموت لأن المحشورين فوج من كل أمة و لا اجتماع لجميع


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :397


الأمم في زمان واحد و هم أحياء ، و من في قوله : من كل أمة للتبعيض ، و في قوله : ممن يكذب للتبيين أو للتبعيض .


و المراد بالآيات في قوله : يكذب بآياتنا مطلق الآيات الدالة على المبدإ و المعاد و منها الأنبياء و الأئمة و الكتب السماوية دون الساعة و ما يقع فيها و عند قيامها و دون الآيات القرآنية فقط لأن الحشر ليس مقصورا على الأمة الإسلامية بل أفواج من أمم شتى .


و من العجيب إصرار بعضهم على أن الكلام نص في أن المراد بالآيات هاهنا و في الآية التالية هي الآيات القرآنية قال : لأنها هي المنطوية على دلائل الصدق التي لم يحيطوا بها مع وجوب أن يتأملوا و يتدبروا فيها لا مثل الساعة و ما فيها انتهى .


و فساده ظاهر لأن عدم كون أمثال الساعة و ما فيها مرادة لا يستلزم إرادة الآيات القرآنية مع ظهور أن المحشورين أفواج من جميع الأمم و ليس القرآن إلا كتابا لفوج واحد منهم .


و ظاهر الآية أن هذا الحشر في غير يوم القيامة لأنه حشر للبعض من كل أمة لا لجميعهم و قد قال الله تعالى في صفة الحشر يوم القيامة : و حشرناهم فلم نغادر منهم أحدا : الكهف : 47 .


و قيل : المراد بهذا الحشر هو الحشر للعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لجميع الخلق فهو حشر بعد حشر .


و فيه أنه لو كان المراد الحشر إلى العذاب لزم ذكر هذه الغاية دفعا للإبهام كما في قوله تعالى : و يوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاءوها : حم السجدة : 20 مع أنه لم يذكر في ما بعد هذه الآية إلا العتاب و الحكم الفصل دون العذاب و الآية كما ترى مطلقة لم يشر فيها إلى شي‏ء يلوح إلى هذا الحشر الخاص المذكور و يزيدها إطلاقا قوله بعدها : حتى إذا جاءوا فلم يقل : حتى إذا جاءوا العذاب أو النار أو غيرها .


و يؤيد ذلك أيضا وقوع الآية و الآيتين بعدها بعد نبإ دابة الأرض و هي من أشراط الساعة و قبل قوله : و يوم ينفخ في الصور إلى آخر الآيات الواصفة لوقائع يوم القيامة ، و لا معنى لتقديم ذكر واقعة من وقائع يوم القيامة على ذكر شروعه و وقوع عامة ما يقع فيه فإن الترتيب الوقوعي يقتضي ذكر حشر فوج من كل أمة لو كان من وقائع يوم القيامة بعد ذكر نفخ الصور و إتيانهم إليه داخرين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :398


و قد تنبه لهذا الإشكال بعض من حمل الآية على الحشر يوم القيامة فقال : لعل تقديم ذكر هذه الواقعة على نفخ الصور و وقوع الواقعة للإيذان بأن كلا مما تضمنه هذا و ذاك من الأحوال طامة كبرى و داهية دهياء حقيقة بالتذكير على حيالها و لو روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل داهية واحدة .


و أنت خبير بأنه وجه مختلق غير مقنع ، و لو كان كما ذكر لكان دفع توهم كون الحشر المذكور في الآية في غير يوم القيامة بوضع الآية بعد آية نفخ الصور مع ذكر ما يرتفع به الإبهام المذكور أولى بالرعاية من دفع هذا التوهم الذي توهمه .


فقد بان أن الآية ظاهرة في كون هذا الحشر المذكور فيها قبل يوم القيامة و إن لم تكن نصا لا يقبل التأويل .


قوله تعالى : حتى إذا جاءوا قال أ كذبتم بآياتي و لم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون المراد بالمجي‏ء - بإعانة من السياق - هو الحضور في موطن الخطاب المدلول عليه بقوله : قال أ كذبتم إلخ و المراد بالآيات - كما تقدم في الآية السابقة - مطلق الآيات الدالة على الحق ، و قوله : و لم تحيطوا بها علما جملة حالية أي كذبتم بها حال كونكم لا علم لكم بها لإعراضكم عنها فكيف كذبتم بما لا تعلمون أي رميتموها بالكذب و عدم الدلالة من غير علم ، و قوله : أما ذا كنتم تعملون أي غير التكذيب .


و المعنى : حتى إذا حضروا في موطن الخطاب قال الله سبحانه لهم : أ كذبتم بآياتي حال كونكم لم تحيطوا بها علما أم أي شي‏ء كنتم تعملون غير التكذيب ، و في ذلك عتابهم بأنهم لم يشتغلوا بشي‏ء غير تكذيبهم بآيات الله من غير أن يشغلهم عنه شاغل معذر .


قوله تعالى : و وقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون الباء في بما ظلموا للسببية و ما مصدرية أي وقع القول عليهم بسبب كونهم ظالمين ، و قوله : فهم لا ينطقون تفريع على وقوع القول عليهم .


و بذلك يتأيد أن المراد بالقول الذي يقع عليهم قوله تعالى : إن الله لا يهدي القوم الظالمين : الأنعام : 144 ، و المعنى : و لكونهم ظالمين في تكذيبهم بالآيات لم يهتدوا إلى ما يعتذرون به فانقطعوا عن الكلام فهم لا ينطقون .


و ربما فسر وقوع القول عليهم بوجوب العذاب عليهم و الأنسب على هذا أن يكون المراد بالقول الواقع عليهم قضاؤه تعالى بالعذاب في حق الظالمين في مثل قوله :


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :399


ألا إن الظالمين في عذاب مقيم : الشورى : 45 ، و المعنى : و لكونهم ظالمين قضي فيهم بالعذاب فلم يكن عندهم ما ينطقون به ، و الوجه السابق أوجه .


و أما تفسير وقوع القول بحلول العذاب و دخول النار فبعيد من السياق لعدم ملاءمته التفريع في قوله : فهم لا ينطقون .


قوله تعالى : أ لم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه و النهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون لما وصف في الآيات السابقة أن كثيرا من الناس في صمم و عمي من استماع كلمة الحق و النظر في آيات الله و الاعتبار بهما ، ثم ذكر دابة الأرض و أنه سيخرجها آية خارقة للعادة تكلمهم، ثم ذكر أنه سيحشر فوجا من كل أمة من المكذبين فيعاتبهم فتتم عليهم الحجة بقولهم بغير علم بالآيات لإعراضهم عنها وبخهم في هذه الآية و لامهم على تكذيبها بالآيات مع الجهل أنهم كانوا يرون الليل الذي يسكنون فيه بالطبع و أن هناك نهارا مبصرا يظهر لهم بها آيات السماء و الأرض فلم لم يتبصروا ؟ .


و قوله : إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون أي في جعل الليل سكنا يسكنون فيه و النهار مبصرا يبصرون فيه آيات السماء و الأرض آيات لقوم فيهم خاصة الإذعان و التصديق للحق اللائح لهم .


و المراد بالآيات العلامات و الجهات الدالة فيهما على التوحيد و ما يتبعه من حقائق المعارف ، و من جملة ذلك دلالتهما على أن الإنسان عليه أن يسكن فيما من شأنه أن يسكن فيه ، و هو الليل الذي يضرب بحجاب ظلمته على الأبصار ، و يتحرك فيما من شأنه أن يتحرك فيه و هو النهار المبصر الذي يظهر به الأشياء التي تتضمن منافع الحياة للأبصار .


فعلى الإنسان أن يسكت عما حجبته عنه ظلمة الجهل و لا يقول بغير علم و لا يكذب بما لا يحيط به علما و أن يقول و يؤمن بما تجليه له بينات الآيات التي هي كالنهر المبصرة .


قوله تعالى : و يوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات و من في الأرض إلا من شاء الله و كل أتوه داخرين النفخ في الصور كناية عن إعلام الجماعة الكثيرين كالعسكر بما يجب عليهم أن يعملوا به جمعا كالحضور و الارتحال و غير ذلك ، و الفزع كما قال الراغب انقباض و نفار يعتري الإنسان من الشي‏ء المخيف و هو من جنس الجزع ، و الدخور الذلة و الصغار .



الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :400


قيل : المراد بهذا النفخ النفخة الثانية للصور التي بها تنفخ الحياة في الأجساد فيبعثون لفصل القضاء ، و يؤيده قوله في ذيل الآية : و كل أتوه داخرين و المراد به حضورهم عند الله سبحانه ، و يؤيده أيضا استثناؤه من شاء الله من حكم الفزع ثم قوله فيمن جاء بالحسنة : و هم من فزع يومئذ آمنون حيث يدل على أن الفزع المذكور هو الفزع في النفخة الثانية .


و قيل : المراد به النفخة الأولى التي يموت بها الأحياء بدليل قوله : و نفخ في الصور فصعق من في السماوات و من في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون : الزمر : 68 ، فإن الصعقة من الفزع و قد رتب على النفخة الأولى و على هذا يكون المراد بقوله : « و كل أتوه داخرين رجوعهم إلى الله سبحانه بالموت .


و لا يبعد أن يكون المراد بالنفخ في الصور يومئذ مطلق النفخ أعم مما يميت أو يحيي فإن النفخ كيفما كان من مختصات الساعة ، و يكون ما ذكر من فزع بعضهم و أمن بعضهم من الفزع و سير الجبال من خواص النفخة الأولى و ما ذكر من إتيانهم داخرين من خواص النفخة الثانية و يندفع بذلك ما يورد على كل واحد من الوجهين السابقين .


و قد استثنى سبحانه جمعا من عباده من حكم الفزع العام الشامل لمن في السماوات و الأرض ، و سيجي‏ء كلام في معنى هذا الاستثناء في الكلام على قوله الآتي : و هم من فزع يومئذ آمنون .


و الظاهر أن المراد بقوله : و كل أتوه داخرين رجوع جميع من في السماوات و الأرض حتى المستثنين من حكم الفزع و حضورهم عنده تعالى ، و أما قوله : فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين : الصافات : 127 ، فالظاهر أن المراد نفي إحضارهم في الجمع للحساب و السؤال لا نفي بعثهم و رجوعهم إلى الله و حضورهم عنده فآيات القيامة ناصة على عموم البعث لجميع الخلائق بحيث لا يشذ منهم شاذ .


و نسبة الدخور و الذلة إلى أوليائه تعالى لا تنافي ما لهم من العزة عند الله فإن عزة العبد عند الله ذلته عنده و غناه بالله فقره إليه نعم ذلة أعدائه بما يرون لأنفسهم من العزة الكاذبة ذلة هوان .


قوله تعالى : و ترى الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب صنع الله الذي


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :401


أتقن كل شي‏ء إنه خبير بما تفعلون الآية بما أنها واقعة في سياق آيات القيامة محفوفة بها تصف بعض ما يقع يومئذ من الآيات و هو سير الجبال و قد قال تعالى في هذا المعنى أيضا : و سيرت الجبال فكانت سرابا : النبأ : 20 ، إلى غير ذلك .


فقوله : و ترى الجبال الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المراد به تمثيل الواقعة ، كما في قوله : و ترى الناس سكارى : الحج : 2 ، أي هذا حالها المشهودة في هذا اليوم تشاهدها لو كنت مشاهدا ، و قوله : تحسبها جامدة أي تظنها الآن و لم تقم القيامة بعد جامدة غير متحركة ، و الجملة معترضة أو حالية .


و قوله : و هي تمر مر السحاب حال من الجبال و عاملها ترى أي تراها إذا نفخ في الصور حال كونها تسير سير السحاب في السماء .


و قوله : صنع الله الذي أتقن كل شي‏ء مفعول مطلق لمقدر أي صنعه صنعا و في الجملة تلويح إلى أن هذا الصنع و الفعل منه تعالى تخريب للدنيا و هدم للعالم ، لكنه في الحقيقة تكميل لها و إتقان لنظامها لما يترتب عليه من إنهاء كل شي‏ء إلى غايته و إيصاله إلى وجهته التي هو موليها من سعادة أو شقاوة لأن ذلك صنع الله الذي أتقنكل شي‏ء فهو سبحانه لا يسلب الإتقان عما أتقنه و لا يسلط الفساد على ما أصلحه ففي تخريب الدنيا تعمير الآخرة .


و قوله : « إنه خبير بما تفعلون قيل : إنه تعليل لكون ما ذكر من النفخ في الصور و ما بعده صنعا محكما له تعالى فإن علمه بظواهر أفعال المكلفين و بواطنها مما يستدعي إظهارها و بيان كيفياتها على ما هي عليه من الحسن و السوء و ترتيب آثارها من الثواب و العقاب عليها بعد البعث و الحشر و تسيير الجبال .


و أنت ترى ما فيه من التكلف و أن السياق بعد ذلك كله لا يقبله .


و قيل : إن قوله : إنه خبير بما تفعلون استئناف في حكم الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : فما ذا يكون بعد هذه القوارع فقيل إن الله خبير بعمل العاملين فيجازيهم على أعمالهم و فصل بقوله : من جاء بالحسنة فله خير منها إلى آخر الآيتين .


و هاهنا وجه آخر مستفاد من الإمعان في سياق الآيات السابقة فإن الله سبحانه أمر فيها نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يتوكل عليه و يرجع أمر المشركين و بني إسرائيل إليه فإنه إنما


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :402


يستطيع هداية المؤمنين بآياته المستسلمين للحق و أما المشركون في جحودهم و بنو إسرائيل في اختلافهم فإنهم موتى لا يسمعون و صم عمي لا يسمعون و لا يهتدون إلى الحق بالنظر في آيات السماء و الأرض و الاعتبار بها باختيار منهم .


ثم ذكر ما سيواجههم به - و حالهم هذه الحال لا يؤثر فيهم الآيات - و أنه سيخرج لهم دابة من الأرض تكلمهم و هي آية خارقة تضطرهم إلى قبول الحق و أنه يحشر من كل أمة فوجا من المكذبين فيتم عليهم الحجة ، و بالآخرة هو خبير بأفعالهم سيجزي من جاء بحسنة أو سيئة بعمله يوم ينفخ في الصور ففزعوا و أتوه داخرين .


و بالتأمل في هذا السياق يظهر أن الأنسب كون يوم ينفخ ظرفا لقوله : إنه خبير بما يفعلون و قراءة يفعلون بياء الغيبة أرجح من القراءة المتداولة على الخطاب .


و المعنى : و إنه تعالى خبير بما يفعله أهل السماوات و الأرض يوم ينفخ في الصور و يأتونه داخرين يجزي من جاء بالحسنة بخير منها و من جاء بالسيئة بكب وجوههم في النار كل مجزي بعمله ، و على هذا تكون الآية في معنى قوله تعالى : « أ فلا يعلم إذا بعثر ما في القبور و حصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير : العاديات : 11 ، و قوله : يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شي‏ء : المؤمن : 16 ، و يكون قوله : من جاء بالحسنة إلخ ، تفصيلا لقوله : إنه خبير بما يفعلون من حيث لازم الخبرة و هو الجزاء بما فعل و عمل كما أشار إليه ذيلا بقوله : هل تجزون إلا ما كنتم تعملون و الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله : هل تجزون إلخ ، لتشديد التقريع و التأنيب .


و في الآية أعني قوله : و ترى الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب إلخ ، قولان آخران : أحدهما : حملها على الحركة الجوهرية و أن الأشياء كالجبال تتحرك بجوهرها إلى غاية وجودها و هي حشرها و رجوعها إلى الله سبحانه .


و هذا المعنى أنسب بالنظر إلى ما في قوله : تحسبها جامدة من التلويح إلى أنها اليوم متحركة و لما تقم القيامة ، و أما جعل يوم القيامة ظرفا لحسبان الجمود و للمرور كالسحاب جميعا فمما لا يلتفت إليه .


و ثانيهما : حملها على حركة الأرض الانتقالية و هو بالنظر إلى الآية في نفسها معنى


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :403


جيد إلا أنه أولا : يوجب انقطاع الآية عما قبلها و ما بعدها من آيات القيامة و ثانيا : ينقطع بذلك اتصال قوله : إنه خبير بما يفعلون بما قبله .


قوله تعالى : من جاء بالحسنة فله خير منها و هم من فزع يومئذ آمنون هذه الآية و ما بعدها - كما تقدمت الإشارة إليه - تفصيل لقوله : إنه خبير بما يفعلون من حيث أثره الذي هو الجزاء و المراد بقوله : من جاء بالحسنة فله خير منها أن له جزاء هو خير مما جاء به من الحسنة و ذلك لأن العمل أيا ما كان مقدمة للجزاء مقصود لأجله و الغرض و الغاية على أي حال أفضل من المقدمة .


و قوله : و هم من فزع يومئذ آمنون ظاهر السياق أن هذا الفزع هو الفزع بعد نفخ الصور الثاني دون الأول فيكون في معنى قوله : لا يحزنهم الفزع الأكبر و تتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون : الأنبياء : 103 .


قوله تعالى : و من جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون يقال : كبه على وجهه فانكب أي ألقاه على وجهه فوقع عليه فنسبة الكب إلى وجوههم من المجاز العقلي و الأصل فكبوا على وجوههم .


و قوله : هل تجزون إلا ما كنتم تعملون الاستفهام للإنكار ، و المعنى ليس جزاؤكم هذا إلا نفس العمل الذي عملتموه ظهر لكم فلزمكم فلا ظلم في الجزاء و لا جور في الحكم .


و الآيتان في مقام بيان ما في طبع الحسنة و السيئة من الجزاء ففيهما حكم من جاء بالحسنة فقط و من أحاطت به الخطيئة و استغرقته السيئة و أما من حمل حسنة و سيئة فيعلم بذلك حكمه إجمالا و أما التفصيل ففي غير هذا الموضع .


قوله تعالى : إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها و له كل شي‏ء الآيات الثلاث - من هنا إلى آخر السورة - ختام السورة يبين فيها أن هذه الدعوة الحقة تبشير و إنذار فيه إتمام للحجة من غير أن يرجع إليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من أمرهم شي‏ء و إنما الأمر إلى الله و سيريهم آياته فيعرفونها ليس بغافل عن أعمالهم .


و في قوله : إنما أمرت إلخ ، تكلم عن لسان النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فهو في معنى : قل إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة ، و المشار إليها بهذه الإشارة مكة المشرفة ، و في الكلام تشريفها من وجهين : إضافة الرب إليها ، و توصيفها بالحرمة حيث قال :


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :404


رب هذه البلدة الذي حرمها .


و فيه تعريض لهم حيث كفروا بهذه النعمة نعمة حرمة بلدتهم و لم يشكروا الله بعبادته بل عدلوا إلى عبادة الأصنام .


و قوله : و له كل شي‏ء إشارة إلى سعة ملكه تعالى دفعا لما يمكن أن يتوهم أنه إنما يملك مكة التي هو ربها فيكون حاله حال سائر الأصنام يملك الواحد منها على عقيدتهم جزء من أجزاء العالم كالسماء و الأرض و بلدة كذا و قوم كذا و أسرة كذا ، فيكون تعالى معبودا كأحد الآلهة واقعا في صفهم و في عرضهم .


و قوله : و أمرت أن أكون من المسلمين أي من الذين أسلموا له فيما أراد و لا يريد إلا ما يهدي إليه الخلقة و يهتف به الفطرة و هو الدين الحنيف الفطري الذي هو ملة إبراهيم .


قوله تعالى : و أن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه و من ضل فقل إنما أنا من المنذرين معطوف على قوله : أن أعبد أي أمرت أن أقرأ القرآن و المراد تلاوته عليهم بدليل تفريع قوله : فمن اهتدى إلخ ، عليه .


و قوله : فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه أي فمن اهتدى بهذا القرآن فالذي ينتفع به هو نفسه و لا يعود نفعه إلي .


و قوله : و من ضل فقل إنما أنا من المنذرين أي و من لم يهتد به بالإعراض عنذكر ربه و هو الضلال فعليه ضلاله و وبال كفره لا علي لأني لست إلا منذرا مأمورا بذلك و لست عليه وكيلا و الله هو الوكيل عليه .


فالعدول عن مثل قولنا : و من ضل فإنما أنا من المنذرين و هو الذي كان يقتضيه الظاهر إلى قوله : فقل إنما أنا من المنذرين لتذكيره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بما تقدم من العهد إليه أنه ليس إلا منذرا و ليس إليه من أمرهم شي‏ء فعليه أن يتوكل على ربه و يرجع أمرهم إليه كما قال : فتوكل على الله إنك على الحق المبين إنك لا تسمع الموتى إلخ ، فكأنه قيل : و من ضل فقل له قد سمعت أن ربي لم يجعل علي إلا الإنذار فلست بمسئول عن ضلال من ضل .


قوله تعالى : و قل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها و ما ربك بغافل عما تعملون معطوف على قوله : فقل إنما أنا من المنذرين و فيه انعطاف إلى ما ذكره بعد أمر نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالتوكل عليه في أمرهم من أنه سيجعل للمشركين عاقبة سوء


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :405


و يقضي بين بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه و يريهم من آياته ما يضطرون إلى تصديقه ثم يجزيهم بأعمالهم .


و محصل المعنى : و قل الثناء الجميل لله تعالى فيما يجريه في ملكه حيث دعا الناس إلى ما فيه خيرهم و سعادتهم و هدى الذين آمنوا بآياته و أسلموا له و أما المكذبون فأمات قلوبهم و أصم آذانهم و أعمى أبصارهم فضلوا و كذبوا بآياته .


و قوله : سيريكم آياته فتعرفونها إشارة إلى ما تقدم من قوله : و إذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض و ما بعده ، و ظهور قوله : آياته في العموم دليل على شموله لجميع الآيات التي تضطرهم إلى قبول الحق مما يظهر لهم قبل قيام الساعة و بعده .


و قوله : و ما ربك بغافل عما تعملون الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو بمنزلة التعليل لما تقدمه أي إن أعمالكم معاشر العبادبعين ربك فلا يفوته شي‏ء مما تقتضيه الحكمة قبال أعمالكم من الدعوة و الهداية و الإضلال و إراءة الآيات ثم جزاء المحسنين منكم و المسيئين يوم القيامة .


و قرى‏ء عما يعملون بياء الغيبة و لعلها أرجح و مفادها تهديد المكذبين و في قوله : ربك بإضافة الرب إلى الكاف تطييب لنفس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تقوية لجانبه .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : و إذا وقع القول عليهم الآية : حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : انتهى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) و هو نائم في المسجد قد جمع رملا و وضع رأسه عليه فحركه برجله ثم قال : قم يا دابة الأرض فقال رجل من أصحابه : يا رسول الله أ يسمي بعضنا بعضا بهذا الاسم ؟ فقال : لا و الله ما هو إلا له خاصة و هو الدابة الذي ذكره الله في كتابه فقال : و إذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض - تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون . ثم قال : يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة و معك ميسم تسم به أعداءك .


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص : 406


فقال رجل لأبي عبد الله(عليه‏السلام‏) : إن العامة يقولون : إن هذه الآية إنما تكلمهم فقال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : كلمهم الله في نار جهنم إنما هو تكلمهم من الكلام .


أقول : و الروايات في هذا المعنى كثيرة من طرق الشيعة .


و في المجمع ، و روى محمد بن كعب القرطي قال : سئل علي عن الدابة فقال : أما و الله ما لها ذنب و إن لها للحية .


أقول : و هناك روايات كثيرة تصف خلقتها تتضمن عجائب و هي مع ذلك متعارضة من أرادها فليراجع جوامع الحديث كالدر المنثور أو مطولات التفاسير كروح المعاني .


و في تفسير القمي ، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : ما يقول الناس في هذه الآية يوم نحشر من كل أمة فوجا ؟ قلت : يقولون إنه في القيامة . قال : ليس كما يقولون إنها في الرجعة أ يحشر الله في القيامة من كل أمة فوجا و يدع الباقين ؟ إنما آية القيامة و حشرناهم فلم نغادر منهم أحدا .


أقول : و أخبار الرجعة من طرق الشيعة كثيرة جدا .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : و نفخ في الصور : و اختلف في معنى الصور إلى أن قال و قيل : هو قرن ينفخ فيه شبه البوق و قد ورد ذلك في الحديث .


و فيه ، : في قوله تعالى : إلا من شاء الله قيل : يعني الشهداء فإنهم لا يفزعون في ذلك اليوم و روي ذلك في خبر مرفوع .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : صنع الله الذي أتقن كل شي‏ء قال : فعل الله الذي أحكم كل شي‏ء .


و فيه ، : في قوله تعالى : من جاء بالحسنة فله خير منها - و هم من فزع يومئذ آمنون - و من جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار قال : الحسنة و الله ولاية أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) و السيئة و الله عداوته .


أقول : و هو من الجري و ليس بتفسير و هناك روايات كثيرة في هذا المضمون ربما أمكن حملها على ما سيأتي .


و في الخصال ، عن يونس بن ظبيان قال : قالالصادق جعفر بن محمد (عليهماالسلام‏) : إن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه : فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء


الميزان في تفسير القرآن ج : 15ص :407


و هو الطمع ، و آخرون يعبدونه فرقا من النار فتلك عبادة العبيد و هي الرهبة ، و لكني أعبده حبا له فتلك عبادة الكرام و هو الأمن لقوله تعالى : و هم من فزع يومئذ آمنون » ، و لقوله : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني - يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم فمن أحب الله أحبه الله و من أحبه الله كان من الآمنين .


أقول : لازم ما فيه من الاستدلال تفسير الحسنة فيالآية بالولاية التي هي عبادته تعالى من طريق المحبة الموجبة لفناء إرادة العبد في إرادته و توليه تعالى بنفسه أمر عبده و تصرفه فيه و هذا أحد معنيي ولاية علي (عليه‏السلام‏) فهو (عليه‏السلام‏) صاحب الولاية و أول فاتح لهذا الباب من الأمة و به يمكن أن يفسر أكثر الروايات الواردة في أن المراد بالحسنة في الآية ولاية علي (عليه‏السلام‏) .


و في الدر المنثور ، أخرج أبو الشيخ و ابن مردويه و الديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قول الله : من جاء بالحسنة فله خير منها يعني بها شهادة أن لا إله إلا الله ، و من جاء بالسيئة يعني بها الشرك يقال : هذه تنجي و هذه تردي .


أقول : و هذا المعنى مروي عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بألفاظ مختلفة من طرق شتى و ينبغي تقييد تفسير الحسنة بلا إله إلا الله بسائر الأحكام الشرعية التي هي من لوازم التوحيد و إلا لغا تشريعها و هو ظاهر .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها قال : مكة .


و فيه ، عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حريز عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : لما قدم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مكة يوم افتتحها فتح باب الكعبة فأمر بصور في الكعبة فطمست فأخذ بعضادتي الباب فقال : ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات و الأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لا ينفر صيدها و لا يعضد شجرها و لا يختلى خلالها و لا تحل لقطتها إلا لمنشد . فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه للقبر و البيوت فقال رسول الله إلا الإذخر : أقول : و هو مروي من طرق أهل السنة أيضا .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : ما كان في القرآن و ما الله بغافل عما تعملون بالتاء ، و ما كان و ما ربك بغافل عما يعملون بالياء .


تم و الحمد لله .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :