امروز:
پنج شنبه 27 مهر 1396
بازدید :
728
تفسيرالميزان : سوره عنكبوت آيات 69- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :97


29 سورة العنكبوت مكية ، و هي تسع و ستون آية 69



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :98


سورة العنكبوت‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم‏(1) أَ حَسِب النَّاس أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏(2) وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْفَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ‏(3) أَمْ حَسِب الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيِّئَاتِ أَن يَسبِقُونَاساءَ مَا يحْكُمُونَ‏(4) مَن كانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لاَتٍوَ هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ‏(5) وَ مَن جَهَدَ فَإِنَّمَا يجَهِدُ لِنَفْسِهِإِنَّ اللَّهَ لَغَنىٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ‏(6) وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سيِّئَاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسنَ الَّذِى كانُوا يَعْمَلُونَ‏(7) وَ وَصيْنَا الانسنَ بِوَلِدَيْهِ حُسناًوَ إِن جَهَدَاك لِتُشرِك بى مَا لَيْس لَك بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَاإِلىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏(8) وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فى الصلِحِينَ‏(9) وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِى فى اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَ لَئن جَاءَ نَصرٌ مِّن رَّبِّك لَيَقُولُنَّ إِنَّا كنَّا مَعَكُمْأَ وَ لَيْس اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فى صدُورِ الْعَلَمِينَ‏(10) وَ لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ‏(11) وَ قَالَ الَّذِينَ كفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّبِعُوا سبِيلَنَا وَ لْنَحْمِلْ خَطيَكُمْ وَ مَا هُم بحَمِلِينَ مِنْ خَطيَهُم مِّن شىْ‏ءٍإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ‏(12) وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهَُمْ وَ أَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالهِِمْوَ لَيُسئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمَّا كانُوا يَفْترُونَ‏(13)


بيان


يلوح من سياق آيات السورة و خاصة ما في صدرها من الآيات أن بعضا ممن آمن بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بمكة قبل الهجرة رجع عنه خوفا من فتنة كانت تهدده من قبل المشركين فإن المشركين كانوا يدعونهم إلى العود إلى ملتهم و يضمنون لهم أن يحملوا خطاياهم إن اتبعوا سبيلهم فإن أبوا فتنوهم و عذبوهم ليعيدوهم إلى ملتهم .


يشير إلى ذلك قوله تعالى : « و قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم» الآية ، و قوله : « و من الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله» الآية .


و كان في هؤلاء الراجعين عن إيمانهم من كان رجوعه بمجاهدة من والديه على أن يرجع و إلحاح منهما عليه في الارتداد كبعض أبناء المشركين على ما يستشم من قوله تعالى : « و وصينا الإنسان بوالديه حسنا و إن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما» الآية ، و قد نزلت السورة في شأن هؤلاء .


فغرض السورة على ما يستفاد من بدئها و ختامها و السياق الجاري فيها أن الذي يريده الله سبحانه من الإيمان ليس هو مجرد قولهم : آمنا بالله بل هو حقيقة الإيمان التي لا تحركها عواصف الفتن و لا تغيرها غير الزمن و هي إنما تتثبت و تستقر بتوارد الفتن و تراكم المحن ، فالناس غير متروكين بمجرد أن يقولوا : آمنا بالله دون أن يفتنوا و يمتحنوا فيظهر ما في نفوسهم من حقيقة الإيمان أو وصمة الكفر فليعلمن الله الذين صدقوا و يعلم الكاذبين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :99


فالفتنة و المحنة سنة إلهية لا معدل عنها تجري في الناس الحاضرين كما جرت في الأمم الماضين كقوم نوح و عاد ثمود و قوم إبراهيم و لوط و شعيب و موسى فاستقام منهم من استقام و هلك منهم من هلك و ما ظلمهم الله و لكن كانوا أنفسهم يظلمون .


فعلى من يقول : آمنت بالله أن يصبر على إيمانه و يعبد الله وحده فإن تعذر عليه القيام بوظائف الدين فليهاجر إلى أرض يستطيع فيها ذلك فأرض الله واسعة و لا يخف عسر المعاش فإن الرزق على الله و كأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها و إياه .


و أما المشركون الذين يفتنون المؤمنين من غير جرم أجرموه إلا أن يقولوا ربنا الله فلا يحسبوا أنهم يعجزون الله و يسبقونه فأما فتنتهم للمؤمنين و إيذاؤهم و تعذيبهم فإنما هي فتنة لهم و للمؤمنين غير خارجة عن علم الله و تقديره ، فهي فتنة و هي محفوظة عليهم إن شاء أخذهم بوبالها في الدنيا و إن شاء أخرهم إلى يوم يرجعون فيه إليه و ما لهم من محيص .


و أما ما لفقوه من الحجة و ركنوا إليه من باطل القول فهو داحض مردود إليهم و الحجة قائمة تامة عليهم .


فهذا محصل غرض السورة و مقتضى ذلك كون السورة كلها مكية ، و قول القائل : إنها مدنية كلها أو معظمها أو بعضها - و سيجي‏ء في البحث الروائي التالي - غير سديد ، فمضامين آيات السورة لا تلائم إلا زمن العسرة و الشدة قبل الهجرة .


قوله تعالى : « الم أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون» الحسبان هو الظن ، و جملة « أن يتركوا» قائمة مقام مفعوليه ، و قوله : « أن يقولوا» بتقدير باء السببية ، و الفتنة الامتحان و ربما تطلق على المصيبة و العذاب ، و الأوفق للسياق هو المعنى الأول ، و الاستفهام للإنكار .


و المعنى : أ ظن الناس أن يتركوا فلا يتعرض لحالهم و لا يمتحنوا بما يظهر به صدقهم أو كذبهم في دعوى الإيمان بمجرد قولهم : آمنا ؟ و قيل : المعنى : أ ظن الناس أن يتركوا فلا يبتلوا ببلية و لا تصيبهم مصيبة لقولهم : آمنا بأن تكون لهم على الله كرامة بسبب الإيمان يسلموا بها من كل مكروه يصيب الإنسان مدى حياته ؟ و لا يخلو من بعد بالنظر إلى سياق الآيات .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :100


قوله تعالى : « و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين» اللامان للقسم، و قوله : « و لقد فتنا الذين من قبلهم» حال من الناس في قوله : « أ حسب الناس» أو من ضمير الجمع في قوله « لا يفتنون» و على الأول فالإنكار و التوبيخ متوجه إلى ظنهم أنهم لا يفتنون مع جريان السنة الإلهية على الفتنة و الامتحان و على الثاني إلى ظنهم الاختلاف في فعله تعالى حيث يفتن قوما و لا يفتن آخرين ، و لعل الوجه الأول أوفق للسياق .


فالظاهر أن المراد بقوله : « و لقد فتنا الذين من قبلهم» أن الفتنة و الامتحان سنة جارية لنا و قد جرت في الذين من قبلهم و هي جارية فيهم و لن تجد لسنة الله تبديلا .


و قوله : « فليعلمن الله الذين صدقوا» إلخ تعليل لما قبله ، و المراد بعلمه تعالى بالذين صدقوا بالكاذبين ظهور آثار صدقهم و كذبهم في مقام العمل بسبب الفتنة و الامتحان الملازم لثبوت الإيمان في قلوبهم حقيقة و عدم ثبوته فيها حقيقة فإن السعادة التي تترتب على الإيمان المدعو إليه و كذا الثواب إنما تترتب على حقيقة الإيمان الذي له آثار ظاهرة من الصبر عند المكاره و الصبر على طاعة الله و الصبر عن معصية الله لا على دعوى الإيمان المجردة .


و يمكن أن يكون المراد بالعلم علمه تعالى الفعلي الذي هو نفس الأمر الخارجي فإن الأمور الخارجية بنفسها من مراتب علمه تعالى ، و أما علمه تعالى الذاتي فلا يتوقف على الامتحان البتة .


و المعنى : أ حسبوا أن يتركوا و لا يفتنوا بمجرد دعوى الإيمان و إظهاره و الحال أن الفتنة سنتنا و قد جرت في الذين من قبلهم فمن الواجب أن يتميز الصادقون من الكاذبين بظهور آثار صدق هؤلاء و آثار كذب أولئك الملازم لاستقرار الإيمان في قلوب هؤلاء و زوال صورته الكاذبة عن قلوب أولئك .


و الالتفات في قوله : « فليعلمن الله» إلى اسم الجلالة قيل : للتهويل و تربية المهابة و الظاهر أنه في أمثال المقام لإفادة نوع من التعليل و ذلك أن الدعوة إلى الإيمان و الهداية إليه و الثواب عليه لما كانت راجعة إلى المسمى بالله الذي منه يبدأ كل شي‏ء و به يقوم كل شي‏ء و إليه ينتهي كل شي‏ء بحقيقته فمن الواجب أن يتميز عنده حقيقة الإيمان من


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :101


دعواه الخالية و يخرج عن حال الإبهام إلى حال الصراحة و لذلك عدل عن مثل قولنا : فلنعلمن إلى قوله : « فليعلمن الله» .


قوله تعالى : « أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون» أم منقطعة ، و المراد بقوله : « الذين يعملون السيئات» المشركون الذين كانوا يفتنون المؤمنين ويصدونهم عن سبيل الله كما أن المراد بالناس في قوله : « أ حسب الناس» هم الذين قالوا : آمنا و هم في معرض الرجوع عن الإيمان خوفا من الفتنة و التعذيب .


و المراد بقوله : « أن يسبقونا» الغلبة و التعجيز بسبب فتنة المؤمنين و صدهم عن سبيل الله - على ما يعطيه السياق .


و قوله : « ساء ما يحكمون» تخطئة لظنهم أنهم يسبقون الله بما يمكرون من فتنة و صد فإن ذلك بعينه فتنة من الله لهم أنفسهم و صد لهم عن سبيل السعادة و لا يحيق المكر السيى‏ء إلا بأهله .


و قيل : مفاد الآية توبيخ العصاة من المؤمنين و هم المراد بقوله : « الذين يعملون السيئات» و المراد بالسيئات المعاصي التي يقترفونها غير الشرك ، و أنت خبير بأن السياق لا يساعد عليه .


و قيل : المراد بعمل السيئات أعم من الشرك و اقتراف سائر المعاصي فالآية عامة لا موجب لتخصيصها بخصوص الشرك أو بخصوص سائر المعاصي دون الشرك .


و فيه أن اعتبار الآية من حيث وقوعها في سياق خاص من السياقات أمر و اعتبارها مستقلة في نفسها أمر آخر و الذي يقتضيه الاعتبار الأول و هو العمدة بالنظر إلى غرض السورة هو ما قدمناه من المعنى ، و أما الاعتبار الثاني : فمقتضاه العموم و لا ضير فيه على ذلك التقدير .


قوله تعالى : « من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت و هو السميع العليم» إلى تمام ثلاث آيات .


لما وبخ سبحانه الناس على استهانتهم بأمر الإيمان و رجوعهم عنه بأي فتنة و إيذاء من المشركين و وبخ المشركين على فتنتهم و إيذائهم المؤمنين و صدهم عن سبيل الله إرادة لإطفاء نور الله و تعجيزا له فيما شاء و خطأ الفريقين فيما ظنوا .


رجع إلى بيان الحق الذي لا معدل عنه و الواجب الذي لا مخلص منه ، فبين في


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :102


هذه الآيات الثلاث أن من يؤمن بالله لتوقع الرجوع إليه و لقائه فليعلم أنه آت لا محالة و أن الله سميع لأقواله عليم بأحواله و أعماله فليأخذ حذره و ليؤمن حق الإيمان الذي لا يصرفه عنه فتنة و لا إيذاء و ليجاهد في الله حق جهاده ، و ليعلم أن الذي ينتفع بجهاده هو نفسه و لا حاجة لله سبحانه إلى إيمانه و لا إلى غيره من العالمين و ليعلم أنه إن آمن و عمل صالحا فإن الله سيكفر عنه سيئاته و يجزيه بأحسن أعماله ، و العلمان الأخيران يؤكدان العلم الأول و يستوجبان لزومه الإيمان و صبره على الفتن و المحن في جنب الله .


فقوله : « من كان يرجوا لقاء الله» رجوع إلى بيان حال من يقول : آمنت فإنه إنمايؤمن لو صدق بعض الصدق لتوقعه الرجوع إلى الله سبحانه يوم القيامة إذ لو لا المعاد لغا الدين من أصله ، فالمراد بقوله : « من كان يرجوا لقاء الله» من كان يؤمن بالله أو من كان يقول : آمنت بالله ، فالجملة من قبيل وضع السبب موضع المسبب .


و المراد بلقاء الله وقوف العبد موقفا لا حجاب بينه و بين ربه كما هو الشأن يوم القيامة الذي هو ظرف ظهور الحقائق ، قال تعالى : « و يعلمون أن الله هو الحق المبين» .


و قيل : المراد بلقاء الله هو البعث ، و قيل : الوصول إلى العاقبة من لقاء ملك الموت و الحساب و الجزاء ، و قيل : المراد ملاقاة جزاء الله من ثواب أو عقاب و قيل : ملاقاة حكمه يوم القيامة ، و الرجاء على بعض هذه الوجوه بمعنى الخوف .


و هذه وجوه مجازية بعيدة لا موجب لها إلا أن يكون من التفسير بلازم المعنى .


و قوله : « فإن أجل الله لآت» الأجل هو الغاية التي ينتهي إليها زمان الدين و نحوه و قد يطلق على مجموع ذلك الزمان و الغالب في استعماله هو المعنى الأول .


و « أجل الله» هو الغاية التي عينها الله تعالى للقائه ، و هو آت لا ريب فيه و قد أكد القول تأكيدا بالغا ، و لازم تحتم إتيان هذا الأجل و هو يوم القيامة أن لا يسامح في أمرهو لا يستهان بأمر الإيمان بالله حق الإيمان و الصبر عليه عند الفتن و المحن من غير رجوع و ارتداد ، و قد زاد في تأكيد القول بتذييله بقوله : « و هو السميع العليم» إذ هو تعالى لما كان سميعا لأقوالهم عليما بأحوالهم فلا ينبغي أن يقول القائل : آمنت بالله إلا عن ظهر القلب و مع الصبر على كل فتنة و محنة .


و من هنا يظهر أن ذيل الآية : « فإن أجل الله لآت» إلخ ، من قبيل وضع


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :103


السبب موضع المسبب كما كان صدرها : « من كان يرجوا لقاء الله» أيضا كذلك ، و الأصل من قال : آمنت بالله .


فليقله مستقيما صابرا عليه مجاهدا في ربه .


و قوله : « و من جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين» المجاهدة و الجهاد مبالغة من الجهد بمعنى بذل الطاقة ، و فيه تنبيه لهم أن مجاهدتهم في الله بلزوم الإيمان و الصبر على المكاره دونه ليست مما يعود نفعه إلى الله سبحانه حتى لا يهمهم و يلغو بالنسبة إليهم أنفسهم بل إنما يعود نفعه إليهم أنفسهم لغناه تعالى عن العالمين فعليهم أن يلزموا الإيمان و يصبروا على المكاره دونه .


فقوله : « و من جاهد فإنما يجاهد لنفسه» تأكيد لحجة الآية السابقة ، و قوله : « إن الله لغني عن العالمين» تعليل لما قبله .


و الالتفات من سياق التكلم بالغير إلى اسم الجلالة في الآيتين نظير ما مر من الالتفات في قوله : « فليعلمن الله الذين صدقوا» الآية .


و قوله : « و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم و لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون» بيان لعاقبة إيمانهم حق الإيمان المقارن للجهاد و يتبين به أن نفع إيمانهم يعود إليهم لا إلى الله سبحانه و أنه عطية من الله و فضل .


و على هذا فالآية لا تخلو من دلالة ما على أن الجهاد في الله هو الإيمان و العمل الصالح فإنها في معنى تبديل قولهفي الآية السابقة : « و من جاهد» من قوله في هذه الآية : « و الذين آمنوا و عملوا الصالحات» .


و تكفير السيئات هو العفو عنها و الأصل في معنى الكفر هو الستر ، و قيل : تكفير السيئات هو تبديل كفرهم السابق إيمانا و معاصيهم السابقة طاعات ، و ليس بذاك .


و جزاؤهم بأحسن الذي كانوا يعملون هو رفع درجتهم إلى ما يناسب أحسن أعمالهم أو عدم المناقشة في أعمالهم عند الحساب إذا كانت فيها جهات رداءة و خسة فيعاملون في كل واحد من أعمالهم معاملة من أتى بأحسن عمل من نوعه فتحتسب صلاتهم أحسن الصلاة و إن اشتملت على بعض جهات الرداءة و هكذا .


قوله تعالى : « و وصينا الإنسان بوالديه حسنا و إن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما» إلخ ، التوصية العهد و هو هاهنا الأمر ، و قوله : « حسنا»


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :104


مصدر في معنى الوصف قائم مقام مفعول مطلق محذوف و التقدير : و وصينا الإنسان بوالديه توصية حسنة أو ذات حسن أي أمرناه أن يحسن إليهما و هذا مثل قوله : « و قولوا للناس حسنا» أي قولا حسنا أو ذا حسن ، و يمكن أن يكون وضع المصدر موضع الوصف للمبالغة نحو زيد عدل ، و ربما وجه بتوجيهات أخر .


و قوله : « و إن جاهداك لتشرك بي» إلخ ، تتميم للتوصية بخطاب شفاهي للإنسان بنهيه عن إطاعة والديه إن دعواه إلى الشرك و الوجه في ذلك أن التوصية في معنى الأمر فكأنه قيل : و قلنا للإنسان أحسن إلى والديك و إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما .


و لم يقل : و أن لا يطيعهما إن جاهداه على أن يشرك إلخ ، لما في الخطاب من الصراحة و ارتفاع الإبهام و لذلك قال أيضا : « لتشرك بي» بضمير المتكلم وحده فافهمه و يئول معنى الجملة إلى أنا نهيناه عن الشرك طاعة لهما و رفعنا عنه كل إبهام .


و في قوله : « ما ليس لك به علم» إشارة إلى علة النهي عن الطاعة فإن دعوتهما إلى الشرك بعبادة إله من دون الله دعوة إلى الجهل و عبادة ما ليس له به علم افتراء على الله و قد نهى الله عن اتباع غير العلم قال : « و لا تقف ما ليس لك به علم» : إسراء : 38 ، و بهذه المناسبة ذيلها بقوله : « إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون» أي سأعلمكم ما معنى أعمالكم و منها عبادتكم الأصنام و شرككم بالله سبحانه .


و معنى الآية : و عهدنا إلى الإنسان في والديه عهدا حسنا - و أمرناه أن أحسن إلى والديك - و إن بذلا جهدهما أن تشرك بي فلا تطعهما لأنه اتباع ما ليس لك به علم .


و في الآية - كما تقدمت الإشارة إليه - توبيخ تعريضي لبعض من كان قد آمن ثم رجع عن إيمانه بمجاهدة من والديه .


قوله تعالى : « و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين» معنى الآية ظاهر ، و في وقوعها بعد الآية السابقة و في سياقها ، دلالة على وعد جميل منه تعالى و تطييب نفس لمن ابتلي من المؤمنين بوالدين مشركين يجاهدانه على الشرك فعصاهما و فارقهما ، يقول سبحانه : إن جاهداه على الشرك فعصاهما و هجرهما ففاتاه لم يكن بذلك بأس فإنا سنرزقه خيرا منهما و ندخله بإيمانه و عمله الصالح في الصالحين و هم العباد


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :105


المنعمون في الجنة ، قال تعالى : « يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي» : الفجر : 30 .


و أما إرادة المجتمع الصالح في الدنيا فبعيد من السياق .


قوله تعالى : « و من الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله» إلى آخر الآية ، لما كان إيمان هؤلاء مقيدا بالعافية و السلامة مغيى بالإيذاء و الابتلاء لم يعده إيمانا بقول مطلق و لم يقل : و من الناس من يؤمن بالله بل قال : « و من الناس من يقول آمنا بالله» فالآية بوجه نظيرة قوله : « و من الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به و إن أصابته فتنة انقلب على وجهه» : الحج : 11 .


و قوله : « فإذا أوذي في الله» أي أوذي لأجل الإيمان بالله بناء على أن في للسببية كما قيل و فيه عناية كلامية لطيفة بجعله تعالى - أي جعل الإيمان بالله - ظرفا للإيذاء و لمن يقع عليه الإيذاء ليفيد أن الإيذاء منتسب إليه تعالى انتساب المظروف إلى ظرفه و ينطبق على معنى السببية و الغرضية و نظيره قوله : « يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله» : الزمر : 56 ، و قوله : « و الذين جاهدوا فينا» : العنكبوت : 69 .


و قيل : معنى الإيذاء في الله هو الإيذاء في سبيل الله و كأنه مبني على تقدير مضاف محذوف .


و فيه أن العناية الكلامية مختلفة فالإيذاء في الله ما كان السبب فيه محض الإيمان بالله و هو قولهم : ربنا الله ، و الإيذاء في سبيل الله ما كان سببه سلوك السبيل التي هي الدين قال تعالى : « فالذين هاجروا و أخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي» : آل عمران : 195 و من الشاهد على تغاير الاعتبارين قوله في آخر السورة : « و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» حيث جعل الجهاد في الله طريقا إلى الاهتداء إلى سبله و لو كانا بمعنى واحد لم يصح ذلك .


و قوله : « جعل فتنة الناس كعذاب الله» أي نزل العذاب و الإيذاء الذي يصيبه من الناس في وجوب التحرز منه منزلة عذاب الله الذي يجب أن يتحرز منه فرجع عن الإيمان إلى الشرك خوفا و جزعا من فتنتهم مع أن عذابهم يسير منقطع الآخر بنجاة أو موت و لا يقاس ذلك بعذاب الله العظيم المؤبد الذي يستتبع الهلاك الدائم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :106


و قوله : « و لئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم» أي لئن أتاكم من قبله تعالى ما فيه فرج و يسر لكم من بعد ما أنتم فيه من الشدة و العسرة من قبل أعداء الله ليقولن هؤلاء إنا كنا معكم فلنا منه نصيب .


و « ليقولن» بضم اللام صيغة جمع ، و الضمير راجع إلى « من» باعتبار المعنى كما أن ضمائر الإفراد الأخر راجعة إليها باعتبار اللفظ .


و قوله : « أ و ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين» استفهام إنكاري فيه رد دعواهم أنهم مؤمنون بأن الله أعلم بما في الصدور و لا تنطوي قلوب هؤلاء على إيمان .


و المراد بالعالمين الجماعات من الإنسان أو الجماعات المختلفة من أولي العقل إنسانا كان أو غيره كالجن و الملك ، و لو كان المراد به جميع المخلوقات من ذوي الشعور و غيرهم كان المراد بالصدور البواطن و هو بعيد .


قوله تعالى : « و ليعلمن الله الذين آمنوا و ليعلمن المنافقين» من تتمة الكلام في الآية السابقة و المحصل أن الله مع ذلك يميز بين المؤمنين و المنافقين بالفتنة و الامتحان .


و في الآية إشارة إلى كون هؤلاء منافقين و ذلك لكون إيمانهم مقيدا بعدم الفتنة و هم يظهرونه مطلقا غير مقيد و الفتنة سنة إلهية جارية لا معدل عنها .


و قد استدل بالآيتين على أن السورة أو خصوص هذه الآيات مدنية و ذلك أن الآية تحدث عن النفاق و النفاق إنما ظهر بالمدينة بعد الهجرة و أما مكة قبل الهجرة فلم يكن للإسلام فيها شوكة و لا للمسلمين فيها إلا الذلة و الإهانة و الشدة و الفتنة و لا للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في المجتمع العربي يومئذ و خاصة عند قريش عزة و لا منزلة فلم يكن لأحد منهم داع يدعوه إلى أن يتظاهر بالإيمان و هو ينوي الكفر .


على أن قوله في الآية : « و لئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم» يخبر عن النصر و هو الفتح و الغنيمة و قد كان ذلك بالمدينة دون مكة .


و نظير الآيتين قوله السابق : « و من جاهد فإنما يجاهد لنفسه» ضرورة إن الجهاد و القتال إنما كان بالمدينة بعد الهجرة .


و هو سخيف : أما حديث النفاق فالذي جعل في الآية ملاكا للنفاق و هو قولهم : آمنا بالله حتى إذا أوذوا في الله راجعوا عن قولهم كان جائز التحقق في مكة كما في


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :107


غيرها و هو ظاهر بل الذي ذكر من الإيذاء و الفتنة إنما كان بمكة فلم تكن في المدينة بعد الهجرة فتنة .


و أما حديث النصر فالنصر غير منحصر في الفتح و الغنيمة فله مصاديق أخر يفرج الله بها عن عباده .


على أن الآية لا تخبر عنه بما يدل على التحقق فقوله : « فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله و لئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم» يدل على تحقق الإيذاء و الفتنة حيث عبر بإذا الدالة على تحقق الوقوع بخلاف مجي‏ء النصر حيث عبر عنه بأن الشرطية الدالة على إمكان الوقوع دون تحققه .


و أما قوله تعالى : « و من جاهد» إلخ فقد اتضح مما تقدم أن المراد به جهاد النفس دون مقاتلة الكفار فالحق أن لا دلالة في شي‏ء من الآيات على كون السورة أو بعضها مدنية .


قوله تعالى : « و قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم و ما هم بحاملين من خطاياهم من شي‏ء إنهم لكاذبون» المراد بالذين كفروا مشركوا مكة الذين أبدوا الكفر أول مرة بالدعوة الحقة ، و بالذين آمنوا المؤمنون بها أول مرة و قولهم لهم : « اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم» نوع استمالة لهم و تطييب لنفوسهم أن لو رجعوا إلى الشرك و اتبعوا سبيلهم لم تكن عليهم تبعة على أي حال : إذ لو لم تكن في ذلك خطيئة فهو ، و إن كانت فهم حاملون لها عنهم ، و لذلك لم يقولوا : و لنحمل خطاياكم لو كانت بل أطلقوا القول من غير تقييد .


فكأنهم قالوا : لنفرض أن اتباعكم لسبيلنا خطيئة فإنا نحملها عنكم و نحمل كل ما يتفرع عليه من الخطايا أو أنا نحمل عنكم خطاياكم عامة و من جملتها هذه الخطيئة .


و قوله : « و ما همبحاملين من خطاياهم من شي‏ء» رد لقولهم : « و لنحمل خطاياكم» و هو رد محفوف بحجة إذ لو كان اتباعهم لسبيلهم و رجوعهم عن الإيمان بالله خطيئة كان خطيئة عند الله لاحقة بالراجعين و انتقالها عن عهدتهم إلى غيرهم يحتاج إلى إذن من الله و رضى فهو الذي يؤاخذهم به و يجازيهم و هو سبحانه يصرح و يقول : « ما هم بحاملين من خطاياهم من شي‏ء» و قد عمم النفي لكل شي‏ء من خطاياهم .


و قوله : « إنهم لكاذبون» تكذيب لهم لما أن قولهم : « و لنحمل خطاياكم» يشتمل على دعوى ضمني أن خطاياهم تنتقل إليهم لو احتملوها و أن الله يجيز لهم ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :108


قوله تعالى : « و ليحملن أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم و ليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون» من تمام القول السابق في ردهم و هو في محل الاستدراك أي إنهم لا يحملون خطاياهم بعينها فهي لازمة لفاعليها لكنهم حاملون أثقالا و أحمالا من الأوزار مثل أوزار فاعليها من غير أن ينقص من فاعليها فيحملونها مضافا إلى أثقال أنفسهم و أحمالها لما أنهم ضالون مضلون .


فالآية في معنى قوله تعالى : « ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة و من أوزار الذين يضلونهم بغير علم» : النحل : 25 .


و قوله : « و ليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون» فشركهم افتراء على الله سبحانه و كذا دعواهم القدرة على إنجاز ما وعدوه و أن الله يجيز لهم ذلك .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن الضريس و النحاس و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس و أيضا ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قالا : نزلت سورة العنكبوت بمكة .


أقول : و قد نقل في روح المعاني ، عن البحر عن ابن عباس أن السورة مدنية .


و في المجمع ، : قيل نزلت الآية يعني قوله تعالى : « أ حسب الناس أن يتركوا» في عمار بن ياسر و كان يعذب في الله . عن ابن جريج .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن الشعبي : في قوله : « الم أ حسب الناس أن يتركوا» الآية ، قال : أنزلت في أناس بمكة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من المدينة لما نزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار و لا إسلام حتى تهاجروا . قال : فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا إليهم أنه نزل فيكم آية كذا و كذا فقالوا : نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل و منهم من نجا فأنزل الله فيهم : « ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا و صبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم»


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :109


و فيه ، أخرج ابن جرير عن قتادة : « و من الناس من يقول آمنا بالله إلى قوله و ليعلمن المنافقين» قال هذه الآيات نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة ، و هذه الآيات العشر مدنية .


و فيه ، أخرج ابن جرير عن الضحاك : في قوله : « و من الناس من يقول آمنا بالله» قال : ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون فإذا أوذوا و أصابهم بلاء من المشركين رجعوا إلى الكفر و الشرك مخافة من يؤذيهم و جعلوا أذى الناس في الدنيا كعذاب الله .


و فيه ، أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : قالت أمي : لا آكل طعاما و لا أشرب شرابا حتى تكفر بمحمد فامتنعت من الطعام و الشراب حتى جعلوا يسجرون فاها بالعصا فنزلت هذه الآية « و وصينا الإنسان بوالديه حسنا» الآية .


و في المجمع ، قال الكلبي : نزل قوله : « و من الناس من يقول» الآية في عياش بن أبي ربيعة المخزومي و ذلك أنه أسلم فخاف أهل بيته فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فحلفت أمه أسماء بنت مخرمة بن أبي جندل التميمي أن لا تأكل و لا تشرب و لا تغسل رأسها و لا تدخل كنا حتى يرجع إليها فلما رأى ابناها أبو جهل و الحارث ابنا هشام و هما أخوا عياش لأمه جزعها ركبا في طلبه حتى أتيا المدينة فلقياه و ذكرا له القصة فلم يزالا به حتى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه و تبعهما و قد كانت أمه صبرت ثلاثة أيام ثم أكلت و شربت . فلما خرجوا من المدينة أخذاه و أوثقاه كتافا و جلده كل واحد منهما مائة جلدة حتى برى‏ء من دين محمد جزعا من الضرب و قال ما لا ينبغي فنزلت الآية و كان الحارث أشدهما عليه فحلف عياش لئن قدر عليه خارجا من الحرم ليضربن عنقه . فلما رجعوا إلى مكة مكثوا حينا ثم هاجر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنون إلى المدينة و هاجر عياش و حسن إسلامه و أسلم الحارث بن هشام و هاجر إلى المدينة و بايع النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على الإسلام و لم يحضر عياش فلقيه عياش يوما بظهر قبا و لم يشعر بإسلامه فضرب عنقه فقيل له : إن الرجل قد أسلم فاسترجع عياش و بكى ثم أتى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأخبره بذلك فنزل : « و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ» الآية .




الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :110


أقول : و أنت ترى اختلاف الروايات في سبب نزول الآيات و قد تقدم أن الذي يعطيه سياق آيات السورة أنها مكية محضة .


و في الكافي ، عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن معمر بن خلاد قال : سمعت أبا الحسن (عليه‏السلام‏) يقول : « الم أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا - و هم لا يفتنون» . ثم قال لي : ما الفتنة ؟ قلت : جعلت فداك الفتنة في الدين فقال : « يفتنون كما يفتن الذهب . ثم قال : يخلصون كما يخلص الذهب .


و في المجمع ، : قيل : إن معنى يفتنون يبتلون في أنفسهم و أموالهم : و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) .


و فيه ، : في قوله تعالى : « أو يلبسكم شيعا» : و في تفسير الكلبي ، : أنه لما نزلت هذه الآية قام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فتوضأ و أسبغ وضوءه ثم قام و صلى فأحسن صلاته ثم سأل الله سبحانه أن لا يبعث عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم أو يلبسهم شيعا و لا يذيق بعضهم بأس بعض . فنزل جبرئيل و لم يجرهم من الخصلتين الأخيرتين فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يا جبرئيل ما بقاء أمتي مع قتل بعضهم بعضا ؟ فقام و عاد إلى الدعاء فنزل : « الم أ حسب الناس أن يتركوا» الآيتان فقال : لا بد من فتنة يبتلى بها الأمة بعد نبيها ليتعين الصادق من الكاذب لأن الوحي انقطع و بقي السيف و افتراق الكلمة إلى يوم القيامة .


و في نهج البلاغة ، : و قام إليه رجل فقال أخبرنا عن الفتنة و هل سألت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عنها ؟ فقال (عليه‏السلام‏) : لما أنزل الله سبحانه قوله : « الم أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون» علمت أن الفتنة لا تنزل بنا و رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بين أظهرنا فقلت : يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها ؟ فقال : يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي .


و في التوحيد ، عن علي (عليه‏السلام‏) في حديث طويل : و قد سأله رجل عن آيات من القرآن و قوله : « من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت» يعني بقوله : من كان يؤمن بأنه مبعوث فإن وعد الله لآت من الثواب و العقاب فاللقاء هاهنا ليس بالرؤية و اللقاء هو البعث فافهم جميع ما في كتاب الله من لقائه فإنه يعني بذلك البعث .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :111


أقول : مراده (عليه‏السلام‏) نفي الرؤية الحسية و التفسير بلازم المعنى .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « من كان يرجوا لقاء الله» الآية قال : من أحب لقاء الله جاءه الأجل « و من جاهد» نفسه عن اللذات و الشهوات و المعاصي « فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين» . « و وصينا الإنسان بوالديه حسنا» قال : هما اللذان ولداه .


و فيه ، : في قوله تعالى : « و قال الذين كفروا للذين آمنوا - اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم» قال : كان الكفار يقولون للمؤمنين : كونوا معنا فإن الذي تخافون أنتم ليس بشي‏ء فإن كان حقا نتحمل عنكم ذنوبكم ، فيعذبهم الله عز و جل مرتين : مرة بذنوبهم و مرة بذنوب غيرهم .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف و ابن المنذر عن ابن الحنفية قال : كان أبو جهل و صناديد قريش يتلقون الناس إذا جاءوا إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يسلمون يقولون : إنه يحرم الخمر و يحرم الزنا و يحرم ما كانت تصنع العرب فارجعوا فنحن نحمل أوزاركم فنزلت هذه الآية : « و ليحملن أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم» و فيه ، أخرج أحمد عن حذيفة قال : سأل رجل على عهد رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأمسك القوم ثم إن رجلا أعطاه فأعطى القوم فقال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : من سن خيرا فاستن به كان له أجره و من أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا ، و من سن شرا فاستن به كان عليه وزره و من أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا .


أقول : و في هذا المعنى روايات أخر و في بعضها تفسير قوله : « و ليحملن أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم» بذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :112


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :113


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :114


وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِث فِيهِمْ أَلْف سنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطوفَانُ وَ هُمْ ظلِمُونَ‏(14) فَأَنجَيْنَهُ وَ أَصحَب السفِينَةِ وَ جَعَلْنَهَا ءَايَةً لِّلْعَلَمِينَ‏(15) وَ إِبْرَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُذَلِكمْ خَيرٌ لَّكُمْ إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ‏(16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَناً وَ تخْلُقُونَ إِفْكاًإِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشكُرُوا لَهُإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏(17) وَ إِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كذَّب أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْوَ مَا عَلى الرَّسولِ إِلا الْبَلَغُ الْمُبِينُ‏(18) أَ وَ لَمْ يَرَوْا كيْف يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُإِنَّ ذَلِك عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ(19) قُلْ سِيرُوا فى الأَرْضِ فَانظرُوا كيْف بَدَأَ الْخَلْقَثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشأَةَ الاَخِرَةَإِنَّ اللَّهَ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ قَدِيرٌ(20) يُعَذِّب مَن يَشاءُ وَ يَرْحَمُ مَن يَشاءُوَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ‏(21) وَ مَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فى الأَرْضِ وَ لا فى السمَاءِوَ مَا لَكم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلىّ‏ٍ وَ لا نَصِيرٍ(22) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَتِ اللَّهِ وَ لِقَائهِ أُولَئك يَئسوا مِن رَّحْمَتى وَ أُولَئك لهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(23) فَمَا كانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏(24) وَ قَالَ إِنَّمَا اتخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فى الْحَيَوةِ الدُّنْيَاثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضكم بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضكم بَعْضاً وَ مَأْوَاكُمُ النَّارُ وَ مَا لَكم مِّن نَّصِرِينَ‏(25) × فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌوَ قَالَ إِنى مُهَاجِرٌ إِلى رَبىإِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ‏(26) وَ وَهَبْنَا لَهُ إِسحَقَ وَ يَعْقُوب وَ جَعَلْنَا فى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَ الْكِتَب وَ ءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فى الدُّنْيَاوَ إِنَّهُ فى الاَخِرَةِ لَمِنَ الصلِحِينَ‏(27) وَ لُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشةَ مَا سبَقَكم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ‏(28) أَ ئنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَ تَقْطعُونَ السبِيلَ وَ تَأْتُونَ فى نَادِيكُمُ الْمُنكرَفَمَا كانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كنت مِنَ الصدِقِينَ‏(29) قَالَ رَب انصرْنى عَلى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ‏(30) وَ لَمَّا جَاءَت رُسلُنَا إِبْرَهِيمَ بِالْبُشرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِإِنَّ أَهْلَهَا كانُوا ظلِمِينَ‏(31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاًقَالُوا نحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَالَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كانَت مِنَ الْغَبرِينَ‏(32) وَ لَمَّا أَن جَاءَت رُسلُنَا لُوطاً سى‏ءَ بهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قَالُوا لا تخَف وَ لا تحْزَنْإِنَّا مُنَجُّوك وَ أَهْلَك إِلا امْرَأَتَك كانَت مِنَ الْغَبرِينَ‏(33) إِنَّا مُنزِلُونَ عَلى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السمَاءِ بِمَا كانُوا يَفْسقُونَ‏(34) وَ لَقَد تَّرَكنَا مِنْهَا ءَايَةَ بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏(35) وَ إِلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شعَيْباً فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الاَخِرَ وَ لا تَعْثَوْا فى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏(36) فَكذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصبَحُوا فى دَارِهِمْ جَثِمِينَ‏(37) وَ عَاداً وَ ثَمُودَا وَ قَد تَّبَينَ لَكم مِّن مَّسكنِهِمْوَ زَيَّنَ لَهُمُ الشيْطنُ أَعْمَلَهُمْ فَصدَّهُمْ عَنِ السبِيلِ وَ كانُوا مُستَبْصِرِينَ‏(38) وَ قَرُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هَمَنَوَ لَقَدْ جَاءَهُم مُّوسى بِالْبَيِّنَتِ فَاستَكبرُوا فى الأَرْضِ وَ مَا كانُوا سبِقِينَ‏(39) فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِفَمِنْهُم مَّنْ أَرْسلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَ مِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيْحَةُ وَ مِنْهُم مَّنْ خَسفْنَا بِهِ الأَرْض وَ مِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَاوَ مَا كانَ اللَّهُ لِيَظلِمَهُمْ وَ لَكِن كانُوا أَنفُسهُمْ يَظلِمُونَ‏(40)


بيان


لما ذكر سبحانه في صدر السورة أن الفتنة سنة إلهية لا معدل عنها و قد جرت في الأمم السابقة عقب ذلك بالإشارة إلى قصص سبعة من الأنبياء الماضين و أممهم و هم : نوح و إبراهيم و لوط و شعيب و هود و صالح و موسى (عليه‏السلام‏) فتنهم الله و امتحنهم فنجا منهم من نجا و هلك ، منهم من هلك و قد ذكر سبحانه في الثلاثة الأول النجاة و الهلاك معا و في الأربعة الأخيرة الهلاك فحسب .


قوله تعالى : « و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان و هم ظالمون» ، في المجمع : ، الطوفان الماء الكثير الغامر لأنه يطوف بكثرته في نواحي الأرض ، انتهى .


و قيل : هو كل ما يطوف بالشي‏ء على كثرة و شدة من السيل و الريح و الظلام و الغالب استعماله في طوفان الماء .


و التعبير بألف سنة إلا خمسين عاما دون أن يقال : تسعمائة و خمسين سنة للتكثير و الآية ظاهرة في أن الألف إلا خمسين مدة دعوة نوح (عليه‏السلام‏) ما بين بعثته إلى أخذ الطوفان فيغاير ما في التوراة الحاضرة أنها مدة عمره (عليه‏السلام‏) و قد تقدمت الإشارة إلى ذلك في قصصه (عليه‏السلام‏) في تفسير سورة هود ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « فأنجيناه و أصحاب السفينة و جعلناها آية للعالمين» أي فأنجينا


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :115


نوحا و أصحاب السفينة الراكبين معه فيها و هم أهله و عدة قليلة من المؤمنين به و لم يكونوا ظالمين .


و قوله : « و جعلناها آية للعالمين» الظاهر أن الضمير للواقعة أو للنجاة و أما رجوعه إلى السفينة فلا يخلو من بعد ، و العالمين الجماعات الكثيرة المختلفة من الأجيال اللاحقة بهم .


قوله تعالى : « و إبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله و اتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون» معطوف على قوله : « نوحا» أي و أرسلنا إبراهيم إلى قومه .


و قوله لقومه : « اعبدوا الله و اتقوه» دعوة إلى التوحيد و إنذاربقرينة الآيات التالية فتفيد الجملة فائدة الحصر .


على أن الوثنية لا يعبدون الله سبحانه و إنما يعبدون غيره زعما منهم أنه تعالى لا يمكن أن يعبد إلا من طريق الأسباب الفعالة في العالم المقربة عنده كالملائكة و الجن و لو عبد لكان معبودا وحده من غير شريك فدعوتهم إلى عبادة الله بقوله : « اعبدوا الله» تفيد الدعوة إليه وحده و إن لم تقيد بأداة الحصر .


قوله تعالى : « إنما تعبدون من دون الله أوثانا و تخلقون إفكا» إلى آخر الآية ، الأوثان جمع وثن بفتحتين و هو الصنم ، و الإفك الأمر المصروف عن وجهه قولا أو فعلا .


و قوله : « إنما تعبدون من دون الله أوثانا» بيان لبطلان عبادة الأوثان و يظهر به كون عبادة الله هي العبادة الحقة و بالجملة انحصار العبادة الحقة فيه تعالى « أوثانا» منكر للدلالة على وهن أمرها و كون ألوهيتها دعوى مجردة لا حقيقة وراءها ، أي لا تعبدون من دون الله إلا أوثانا من أمرها كذا و كذا .


و لذا عقب الجملة بقوله : « و تخلقون إفكا» أي و تفتعلون كذبا بتسميتها آلهة و عبادتها بعد ذلك فهناك إله تجب عبادته لكنه هو الله الواحد دون الأوثان .


و قوله : « إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا» تعليل لما ذكر من افتعالهم الكذب بتسمية الأوثان آلهة و عبادتها و محصله أن هؤلاء الذين تعبدون من دون الله و هم الأوثان بما هم تماثيل المقربين من الملائكة و الجن إنما تعبدونهم لجلب النفع و هو أن يرضوا عنكم فيرزقوكم و يدروا عليكم الرزق لكنهم ليسوا يملكون لكم رزقا


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :116


فإن الله هو الذي يملك رزقكم الذي هو السبب الممد لبقائكم لأنه الذي خلقكم و خلق رزقكم فجعله ممدا لبقائكم و الملك تابع للخلق و الإيجاد .


و لذلك عقبه بقوله : « فابتغوا عند الله الرزق و اعبدوه و اشكروا له» أي فاطلبوا الرزق من عند الله لأنه هو الذي يملكه فلا تعبدوهم بل اعبدوا الله و اشكروا له على ما رزقكم و أنعم عليكم بألوان النعم فمن الواجب شكر المنعم على ما أنعم .


و قوله : « إليه ترجعون» في مقام التعليل لقوله : « و اعبدوه و اشكروا له» و لذا جي‏ء بالفصل من غير عطف ، و في هذا التعليل صرفهم عن عبادة الإله ابتغاء للرزق إلى عبادته للرجوع و الحساب إذ لو لا المعاد لم يكن لعبادة الإله سبب محصل لأن الرزق و ما يجري مجراه له أسباب خاصة كونية غير العبادات و القربات و لا يزيد و لا ينقص بإيمان أو كفر لكن سعادة يوم الحساب تختلف بالإيمان و الكفر و العبادة و الشكر و خلافهما فليكن الرجوع إلى الله هو الباعث إلى العبادة و الشكر دون ابتغاء الرزق .


قوله تعالى : « و إن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم و ما على الرسول إلا البلاغ المبين» الظاهر أنه من تمام كلام إبراهيم (عليه‏السلام‏) ، و ذكر بعضهم أنه خطاب منه تعالى لمشركي قريش و لا يخلو من بعد .


و معنى الشرط و الجزاء في صدر الآية أن التكذيب هو المتوقع منكم لأنه كالسنة الجارية في الأمم المشركة و قد كذب من قبلكم و أنتم منهم و في آخرهم و ليس علي بما أنا رسول إلا البلاغ المبين .


و يمكن أن يكونالمراد أن حالكم في تكذيبكم كحال الأمم من قبلكم لم ينفعهم تكذيبهم شيئا حل بهم عذاب الله و لم يكونوا بمعجزين في الأرض و لا في السماء و لم يكن لهم من دون الله من ولي و لا نصير ، فكذلكم أنتم ، و قوله : « و ما على الرسول» يناسب الوجهين جميعا .


قوله تعالى : « أ و لم يروا كيف يبدى‏ء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير» هذه الآية إلى تمام خمس آيات من كلامه تعالى واقعة في خلال القصة تقيم الحجة على المعاد و ترفع استبعادهم له متعلقه بما تقدم من حيث إن العمدة في تكذيبهم الرسل إنكارهم للمعاد كما يشير إليه قول إبراهيم : « إليه ترجعون و إن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :117


فقوله : « أ و لم يروا» إلخ الضمير فيه للمكذبين من جميع الأمم من سابق و لاحق و المراد بالرؤية النظر العلمي دون الرؤية البصرية ، و قوله : « كيف يبدى‏ء الله الخلق ثم يعيده» في موضع المفعول لقوله : « يروا» بعطف « يعيده» على موضع « يبدى‏ء» خلافا لمن يرى عطفه على « أ و لم يروا» و الاستفهام للتوبيخ .


و المعنى : أ و لم يعلموا كيفية الإبداء ثم الإعادة أي إنهما من سنخ واحد هو إنشاء ما لم يكن ، و قوله : «إن ذلك على الله يسير» الإشارة فيه إلى الإعادة بعد الإبداء و فيه رفع الاستبعاد لأنه إنشاء بعد إنشاء و إذ كانت القدرة المطلقة تتعلق بالإيجاد فهي جائزة التعلق بالإنشاء بعد الإنشاء و هي في الحقيقة نقل للخلق من دار إلى دار و إنزال للسائرين إليه في دار القرار .


و قول بعضهم : إن المراد بالإبداء ثم الإعادة إنشاء الخلق ثم إعادة أمثالهم بعد إفنائهم غير سديد لعدم ملائمة الاحتجاج على المعاد الذي هو إعادة عين ما فنى دون مثله .


قوله تعالى : « قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشى‏ء النشأة الآخرة إنالله على كل شي‏ء قدير» الآية إلى تمام ثلاث آيات أمر للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يخاطبهم بما يتم به الحجة عليهم فيرشدهم إلى السير في الأرض لينظروا إلى كيفية بدء الخلق و إنشائهم على اختلاف طبائعهم و تفاوت ألوانهم و أشكالهم من غير مثال سابق و حصر أو تحديد في عدتهم و عدتهم ففيه دلالة على عدم التحديد في القدرة الإلهية فهو ينشى‏ء النشأة الآخرة كما أنشأ النشأة الأولى فالآية في معنى قوله : « و لقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون» : الواقعة : 62 .


قوله تعالى : « يعذب من يشاء و يرحم من يشاء و إليه تقلبون» من مقول القول ، و الظاهر أنه بيان لقوله : « ينشى‏ء النشأة الآخرة» و قلب الشي‏ء تحويله عن وجهه أو حاله كجعل أسفله أعلاه و جعل باطنه ظاهره و هذا المعنى الأخير يناسب قوله تعالى : « يوم تبلى السرائر» : الطارق : 9 .


و فسروا القلب بالرد قال في المجمع : ، و القلب هو الرجوع و الرد فمعناه أنكم تردون إلى حال الحياة في الآخرة حيث لا يملك فيه النفع و الضر إلا الله .


انتهى و هذا


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :118


معنى لطيف يفسر به معنى الرجوع إلى الله و الرد إليه و هو وقوفهم موقفا تنقطع فيه عنهم الأسباب و لا يحكم فيه إلا الله سبحانه فالآية في معنى قوله : « و ردوا إلى الله مولاهم الحق و ضل عنهم ما كانوا يفترون» : يونس : 30 .


و محصل المعنى : أن النشأة الآخرة هي نشأة يعذب الله فيها من يشاء و هم المجرمون و يرحم من يشاء و هم غيرهم و إليه تردون فلا يحكم فيكم غيره .


قوله تعالى : « و ما أنتم بمعجزين في الأرض و لا في السماء و ما لكم من دون الله من ولي و لا نصير» من مقول القول و توصيف لشأنهم يوم القيامة كما أن الآية السابقة توصيف لشأنه تعالى يومئذ .


فقوله : « و ما أنتم بمعجزين في الأرض و لا في السماء أي أنكم لا تقدرون أن تعجزوه تعالى يومئذ بالفوت منه و الخروج من حكمه و سلطانه بالفرار و الخروج من ملكه و النفوذ من أقطار الأرض و السماء ، فالآية تجري مجرى قوله : « يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات و الأرض فانفذوا» : الرحمن : 33 .


و قيل : الكلام في معنى « من في السماء» فحذف من لدلالة الكلام عليه و التقدير و ما أنتم بمعجزين في الأرض و لا من في السماء بمعجزين في السماء .


و هو بعيد و دلالة الكلام عليه غير مسلمة و لو بني عليه لكفى فيه أن الخطاب للأعم من البشر بتغليب جانب البشر المخاطبين على غيرهم من الجن و الملك و المعنى : و ما أنتم معاشر الخلق بمعجزين في الأرض و لا في السماء .


و قوله : « و ما لكم من دون الله من ولي و لا نصير» أي ليس لكم اليوم ولي من دون الله يتولى أمركم فيغنيكم من الله و لا نصير ينصركم فيقوي جانبكم و يتمم ناقص قوتكم فيظهركم عليه سبحانه .


فالآية - كما ترى - تنفي ظهورهم على الله و تعجيزهم له بالخروج و الامتناع عن حكمه بأقسامه فلا هم يستقلون بذلك و هو قوله : « و ما أنتم بمعجزين» إلخ و لا غيرهم يستقل بذلك و هو قوله : « و ما لكم من دون الله من ولي» و لا المجموع منهم و من غيرهم يعجزه تعالى و هو قوله : « و لا نصير» .


قوله تعالى : « و الذين كفروا بآيات الله و لقائه أولئك يئسوا من رحمتي و أولئك


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :119


لهم عذاب أليم» خطاب مصروف إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خارج من مقول القول السابق « قل سيروا في الأرض» إلخ و المطلوب فيه أن ينبئه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) صريح الحق فيمن يشقى و يهلك يوم القيامة فإنه أبهم ذلك في قوله أولا : « يعذب من يشاء و يرحم من يشاء» .


و من الدليل عليه الخطاب في « أولئك» مرتين و لو كان من كلام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لقيل : أولئكم» .


و يؤيد ذلك أيضا قوله : « من رحمتي» فإن الانتقال من مثل قولنا : أولئك يئسوا من رحمة الله أو من رحمته بسياق الغيبة على ما يقتضيه المقام إلى قوله : « أولئك يئسوا من رحمتي» يفيد التصديق و الاعتراف مضافا إلى أصل الإخبار فيفيد صريح التعيين لأهل العذاب ، و يؤيد ذلك أيضا تكرار الإشارة و ما في السياق من التأكيد .


و كان في تخصيص النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بهذا الإخبار تقوية لنفسه الشريفة و عزلا لهم عن صلاحية السمع لمثله و هم لا يؤمنون .


و المراد بآيات الله - على ما يفيده إطلاق اللفظ - جميع الأدلة الدالة على الوحدانية و النبوة و المعاد من الآيات الكونية و المعجزات النبوية و منها القرآن فالكفر بآيات الله يشمل بعمومه الكفر بالمعاد فذكر الكفر باللقاء و هو المعاد بعد الكفر بالآيات من ذكر الخاص بعد العام و الوجه فيه الإشارة إلى أهمية الإيمان بالمعاد إذ مع إنكار المعاد يلغو أمر الدين الحق من أصله و هو ظاهر .


و المراد بالرحمة ما يقابل العذاب و يلازم الجنة و قد تكرر في كلامه تعالى إطلاق الرحمة عليها بالملازمة كقوله : « فأما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته» : الجاثية : 30 ، و قوله : « يدخل من يشاء في رحمته و الظالمين أعد لهم عذابا أليما» : الإنسان : 31 .


و المراد بإسناد اليأس إليهم إما تلبسهم به حقيقة فإنهم لجحدهم الحياة الآخرة آيسون من السعادة المؤبدة و الجنة الخالدة و إما أنه كناية عن قضائه تعالى المحتوم أن الجنة لا يدخلها كافر .


و المعنى : و الذين جحدوا آيات الله الدالة على الدين الحق و خاصة المعاد أولئك يئسوا من الرحمة و الجنة و أولئك لهم عذاب أليم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :120


قوله تعالى : « فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار» إلخ ، تفريع على قوله في صدر القصة : « و إبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله و اتقوه .


و ظاهر قوله : « قالوا اقتلوه أو حرقوه» أن كلا من طرفي الترديد قول طائفة منهم و المراد بالقتل القتل بالسيف و نحوه فهو قولهم أول ما ائتمروا ليجازوه و إن اتفقوا بعد ذلك على إحراقه كما قال « قالوا حرقوه و انصروا آلهتكم» : الأنبياء : 68 ، و يمكن أن يكون الترديد من الجميع لترددهم في أمره أولا ثم اتفاقهم على إحراقه .


و قوله : « فأنجاه الله من النار» فيه حذف و إيجاز و تقديره ثم اتفقوا على إحراقه فأضرموا نارا فألقوه فيها فأنجاه الله منها ، و قد فصلت القصة في مواضع من كلامه تعالى .


قوله تعالى : « و قال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا» إلى آخر الآية إذ كان لا حجة عقلية لهم على اتخاذ الأوثان لم يبق لهم مما يستنون به إلا الاستنان بسنة من يعظمونه و يحترمون جانبه كالآباء للأبناء و الرؤساء المعظمين لأتباعهم و الأصدقاء لأصدقائهم و بالأخرة الأمة لأفرادها فهذا السبب الرابط هو عمدة ما يحفظ السنن القومية معمولا بها قائمة على ساقها .


فالاستنان بسنة الوثنية بالحقيقةمن آثار الموت الاجتماعية يرى العامة ذلك بعضهم من بعض فتبعثه المودة القومية على تقليده و الاستنان به مثله ثم هذا الاستنان نفسه يحفظ المودة القومية و يقيم الاتحاد و الاتفاق على ساقه .


هذه حال العامة منهم و أما الخاصة فربما ركنوا في ذلك إلى ما يحسبونه حجة و ما هو بحجة كقولهم إن الله سبحانه أجل من أن يحيط به حس أو وهم أو عقل فلا يتعلق به توجهنا العبادي فمن الواجب أن نتقرب إلى بعض من له به عناية كالملائكة و الجن ليقربونا إليه زلفى و يشفعوا لنا عنده .


فقوله : « إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا» خطاب منه (عليه‏السلام‏) لعامة قومه في أمر اتخاذهم الأوثان للمودة القومية ليصلحوا به شأن حياتهم الدنيا الاجتماعية ، و قد أجابوه بذلك حيث سألهم عن شأنهم « إذ قال لأبيه و قومه


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :121


ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين» : الأنبياء : 53 ، « قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون» : الشعراء : 74 .


و من هنا يظهر أن قوله : « مودة بينكم» صالح لأن يكون منصوبا بنزع الخافض بتقدير لام التعليل و المودة على هذا سبب مؤد إلى اتخاذ الأوثان ، و أن يكون مفعولا له ، و المودة غاية مقصودة من اتخاذ الأوثان ، لكن ذيل الآية إنما تلائم الوجه الثاني على ما سيظهر .


ثم عقب (عليه‏السلام‏) بقوله : « إنما اتخذتم» إلخ ، بقوله : « ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض و يلعن بعضكم بعضا» يبين لهم عاقبة اتخاذهم الأوثان للمودة و هو باطن هذه المودة المقصودة الذي سيظهر يوم تبلى السرائر فإنهم توسلوا إلى هذا المتاع القليل بالشرك الذي هو أعظم الظلم و أكبر الكبائر الموبقة و اجتمعوا عليه و توافقوا لكنهم سيبدو لهم حقيقة عملهم ويلحق بهم وباله فيتبرأ بعضهم من بعض و ينكره بعضهم على بعض .


و المراد بكفر بعضهم ببعض كفر آلهتهم بهم و تبريهم منهم ، كما قال تعالى : « سيكفرون بعبادتهم و يكونون عليهم ضدا» : مريم : 82 ، و قال : « و يوم القيامة يكفرون بشرككم» : فاطر : 14 ، و في معناه : تبري المتبوعين من تابعيهم ، كما قال تعالى : « إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و رأوا العذاب و تقطعت بهم الأسباب» : البقرة : 166 ، و المراد بلعن بعضهم بعضا لعن كل بعض صاحبه ، قال تعالى : « كلما دخلت أمة لعنت أختها» : الأعراف : 38 .


ثم عقب ذلك بقوله : «و مأواكم النار و ما لكم من ناصرين» إشارة إلى لحوق الوبال و وقوع الجزاء و هو النار التي فيها الهلاك المؤبد و لا ناصر ينصرهم و يدفع عنهم العذاب فهم إنما توسلوا إلى المودة ليتناصروا و يتعاونوا و يتعاضدوا في الحياة لكنها عادت يوم القيامة معاداة و مضادة و أورثت تبريا و خذلانا .


قوله تعالى : « فآمن له لوط و قال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم» أي آمن به لوط و الإيمان يتعدى باللام كما يتعدى بالباء و المعنى واحد .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :122


و قوله : « و قال إني مهاجر إلى ربي» قيل الضمير راجع إلى لوط ، و قيل : راجع إلى إبراهيم و يؤيده قوله تعالى حكاية عن إبراهيم « و قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين» : الصافات : 99 .


و كأن المراد بالمهاجرة إلى الله هجره وطنه و خروجه من بين قومه المشركين إلى أرض لا يعترضه فيها المشركون و لا يمنعونه من عبادة ربه فعد المهاجرة مهاجرة إلى الله من المجاز العقلي .


و قوله : « إنه هو العزيز الحكيم» أي عزيز لا يذل من نصره حكيم لا يضيع من حفظه .


قوله تعالى : « و وهبنا له إسحاق و يعقوب و جعلنا في ذريته النبوة و الكتاب» معناه ظاهر .


قوله تعالى : « و آتيناهأجره في الدنيا و إنه في الآخرة لمن الصالحين» الأجر هو الجزاء الذي يقابل العمل و يعود إلى عامله و الفرق بينه و بين الأجرة أن الأجرة تختص بالجزاء الدنيوي و الأجر يعم الدنيا و الآخرة ، و الفرق بينه و بين الجزاء أن الأجر لا يقال إلا في الخير و النافع ، و الجزاء يعم الخير و الشر و النافع و الضار .


و الغالب في كلامه تعالى استعمال لفظ الأجر في جزاء العمل العبودي الذي أعده الله سبحانه لعباده المؤمنين في الآخرة من مقامات القرب و درجات الولاية و منها الجنة ، نعم وقع في قوله تعالى حكاية عن يوسف (عليه‏السلام‏) : « أنه من يتق و يصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين» : يوسف : 90 ، و قوله : « و كذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء و لا نضيع أجر المحسنين» : يوسف : 56 إطلاق الأجر على الجزاء الدنيوي الحسن .


فقوله : « و آتيناه أجره في الدنيا» يمكن أن يكون المراد به إيتاء الأجر الدنيوي الحسن و الأنسب على هذا أن يكون « في الدنيا» متعلقا بالأجر لا بالإيتاء و ربما تأيد هذا المعنى بقوله تعالى فيه (عليه‏السلام‏) في موضع آخر : « و آتيناه في الدنيا حسنة و إنه في الآخرة لمن الصالحين» : النحل : 122 ، فإن الظاهر أن المراد بالحسنة الحياة الحسنة أو العيشة الحسنة و إيتاؤها فعلية إعطائها دون تقديرها و كتابتها .


و يمكن أن يكون المراد به تقديم ما أعد لعامة المؤمنين في الآخرة من مقامات


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :123


القرب في حقه (عليه‏السلام‏) و إيتاؤه ذلك في الدنيا و قد تقدم إحصاء ما يذكره القرآن الكريم من مقاماته (عليه‏السلام‏) في قصصه من تفسير سورة الأنعام .


و قوله : « و إنه في الآخرة لمن الصالحين» تقدم الكلام فيه في تفسير قوله تعالى : « و لقد اصطفيناه في الدنيا و إنه في الآخرة لمن الصالحين» : البقرة : 130 في الجزء الأول من الكتاب .


قوله تعالى : « و لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين» أي و أرسلنا لوطا أو و اذكر لوطا إذ قال لقومه ، و قوله : « إنكم لتأتون الفاحشة» إخبار بداعي الاستعجاب و الإنكار ، و المراد بالفاحشة إتيان الذكران .


و قوله : « ما سبقكم بها من أحد من العالمين» استئناف يوضح معنى الفاحشة و يؤكده ، و كأن المراد أن هذا العمل لم يشع في قوم قبلهم هذا الشيوع أو الجملة حال من فاعل « لتأتون» .


قوله تعالى : « أ إنكم لتأتون الرجال و تقطعون السبيل و تأتون في ناديكم المنكر» إلى آخر الآية ، استفهام من أمر من الحري أن لا يصدقه سامع و لا يقبله ذو لب و لذا أكد بالنون و اللام ، و هذا السياق يشهد أن المراد بإتيان الرجل اللواط و بقطع السبيل إهمال طريق التناسل و إلغاؤها و هي إتيان النساء ، فقطع السبيل كناية عن الإعراض عن النساء و ترك نكاحهن ، و بإتيانهم المنكر في ناديهم - و النادي هو المجلس الذي يجتمعون فيه و لا يسمى نادية إلا إذا كان فيه أهله - الإتيان بالفحشاء أو بمقدماتها الشنيعة بمرأى من الجماعة .


و قيل : المراد بقطع السبيل قطع سبيل المارة بديارهم فإنهم كانوا يفعلون هذا الفعل بالمجتازين من ديارهم و كانوا يرمون ابن السبيل بالحجارة بالخذف فأيهم أصابه كان أولى به فيأخذون ماله و ينكحونه و يغرمونه ثلاثة دراهم و كان لهم قاض يقضي بذلك و قيل : بل كانوا يقطعون الطرق ، و قد عرفت أن السياق يقضي بخلاف ذلك .


و قيل : المراد بإتيان المنكر في النادي أن مجالسهم كانت تشتمل على أنواع المنكرات و القبائح مثل الشتم و السخف و القمار و خذف الأحجار على من مر بهم و ضرب المعازف و المزامير و كشف العورات و اللواط و نحو ذلك و قد عرفت ما يقتضيه السياق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :124


و قوله : « فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين» استهزاء و سخرية منهم ، و يظهر من جوابهم أنه كان ينذرهم بعذاب الله و قد قال الله في قصته في موضع آخر : « و لقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر» : القمر : 36 .


قوله تعالى : « قال رب انصرني على القوم المفسدين» سؤال للفتح و دعاء منه عليهم ، و قد عدهم مفسدين لعملهم الذي يفسد الأرض و يقطع النسل و يهدد الإنسانية بالفناء .


قوله تعالى : « و لما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين» إجمال قصة هلاك قوم لوط ، و قد كان ذلك برسل من الملائكة أرسلهم الله أولا إلى إبراهيم (عليه‏السلام‏) فبشروه و بشروا امرأته بإسحاق و يعقوب ثم أخبروه بأنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط ، و القصة مفصلة في سورة هود و غيرها .


و قوله : « قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية» أي قالوا لإبراهيم ، و في الإتيان بلفظ الإشارة القريبة - هذه القرية - دلالة على قربها من الأرض التي كان إبراهيم (عليه‏السلام‏) نازلا بها ، و هي الأرض المقدسة .


و قوله : « إن أهلها كانوا ظالمين» تعليل لإهلاكهم بأنهم ظالمون قد استقرت فيهم رذيلة الظلم ، و قد كان مقتضى الظاهر أن يقال : إنهم كانوا ظالمين فوضع المظهر موضع المضمر للإشارة إلى أن ظلمهم ظلم خاص بهم يستوجب الهلاك و ليس من مطلق الظلم الذي كان الناس مبتلين به يومئذ كأنه قيل : إن أهلها بما أنهم أهلها ظالمون .


قوله تعالى : « قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه و أهله إلا امرأته كانت من الغابرين» ظاهر السياق أنه (عليه‏السلام‏) كان يريد بقوله : « إن فيها لوطا» أن يصرف العذاب بأن فيها لوطا و إهلاك أهلها يشمله فأجابوه بأنهم لا يخفى عليهم ذلك بل معه غيره ممن لا يشمله العذاب وهم أهله إلا امرأته .


لكنه (عليه‏السلام‏) لم يكن ليجهل أن الله سبحانه لا يعذب لوطا و هو نبي مرسل ، و إن شمل العذاب جميع من سواه من أهل قريته و لا أنه يخوفه و يزعره و يفزعه بقهره عليهم بل كان (عليه‏السلام‏) يريد بقوله : « إن فيها لوطا» أن يصرف العذاب عن أهل القرية كرامة للوط لا أن يدفعه عن لوط ، فأجيب بأنهم مأمورون بإنجائه و إخراجه من بين أهل القرية و معه أهله إلا امرأته كانت من الغابرين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :125


و الدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى في سورة هود في هذا الموضع من القصة : « فلما ذهب عن إبراهيم الروع و جاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب ، يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك و إنهم آتيهم عذاب غير مردود» : هود : 76 ، فالآيات أظهر ما يكون في أن إبراهيم (عليه‏السلام‏) كان يدافع عن قوم لوط لا عن لوط نفسه .


فظاهر كلامه (عليه‏السلام‏) في الآية التي نحن فيها الدفاع عن لوط و على ذلك جاراه الرسل فأبقوا كلامه على ظاهره و أجابوا بأنهم ما كانوا ليجهلوا ذلك فهم أعلم بمن فيها و عالمون بأن فيها لوطا و معه أهله ممن لا ينبغي أن يعذب لكنهم سينجونه و أهله إلا امرأته ، لكن الذي أراده إبراهيم (عليه‏السلام‏) بكلامه دفع العذاب عن أهل القرية فأجيب بأنه من الأمر المحتوم على ما تشير إليه آيات سورة هود .


و للقوم في قوله : « إن أهلها كانوا ظالمين» ، و قوله : « قال إن فيها لوطا» مشاجرات طويلة أعرضنا عن التعرض لها لعدم الجدوى ، من أراد الوقوف عليها فليراجع المطولات .


قوله تعالى : « و لما أن جاءت رسلنا لوطا سي‏ء بهم و ضاق بهم ذرعا و قالوا لا تخف و لا تحزن» إلى آخر الآية ، ضميرا الجمع في « سي‏ء بهم و ضاق بهم» للرسل و الباء للسببية أي أخذته المساءة و هي سوء الحال بسببهم و ضاقت طاقته بسببهم لكونهم في صور شبان حسان مرد يخاف عليهم من القوم ثم قصد القوم إياهم بالسوء و ضعف لوط من أن يدفعهم عنهم و هم ضيف له نازلون بداره .


و قوله : « و قالوا لا تخف و لا تحزن» أي لا خطر محتملا يهددك و لا مقطوعا يقع عليك فإن الخوف إنما هو في المكروه الممكن و الحزن في المكروه الواقع .


و قوله : « إنا منجوك و أهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين» أي الباقين في العذاب تعليل لنفي الخوف و الحزن .


قوله تعالى : « إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون» بيان لما يشير إليه قوله : « إنا منجوك و أهلك» من العذاب ، و الرجز العذاب .


قوله تعالى : « و لقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون» ضمير التأنيث للقرية


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :126


و الترك الإبقاء أي أبقينا من القرية علامة واضحة لقوم يعقلون ليعتبروا بها فيتقوا الله و هي الآثار الباقية منها بعد خرابها بنزول العذاب .


و هي اليوم مجهولة المحل لا أثر منها و ربما يقال : إن الماء غمرها بعد و هي بحر لوط ، لكن الآية ظاهرة - كما ترى - أنها كانت ظاهرة معروفة في زمن نزول القرآن و أوضح منها قوله تعالى : « و إنها لبسبيلمقيم» : الحجر : 76 ، و قوله : « و إنكم لتمرون عليهم مصبحين و بالليل أ فلا تعقلون» : الصافات : 138 .


قوله تعالى : « و إلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله و ارجوا اليوم الآخر و لا تعثوا في الأرض مفسدين» يدعوهم إلى عبادة الله و هو التوحيد و إلى رجاء اليوم الآخر و هو الاعتقاد بالمعاد و أن لا يفسدوا في الأرض و كانت عمدة إفسادهم فيها - على ما ذكر في قصتهم في مواضع أخر - نقص الميزان و المكيال .


قوله تعالى : « فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين» الرجفة الاضطراب الشديد على ما ذكره الراغب، و الجثم و الجثوم في المكان القعود فيه أو البروك على الأرض و هو كناية عن الموت و المعنى : فكذبوا شعيبا فأخذهم الاضطراب الشديد أو الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم ميتين لا حراك بهم .


و قال في قصتهم في موضع آخر : « و أخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين» : هود : 94 ، و يستظهر من ذلك أنهم أهلكوا بالصيحة و الرجفة .


قوله تعالى : « و عادا و ثمود و قد تبين لكم من مساكنهم» إلى آخر الآية غير السياق تفننا فبدأ بذكر عاد و ثمود و كذا في الآية التالية بدأ بذكر قارون و فرعون و هامان بخلاف قصص الأمم المذكورين سابقا حيث بدأ بذكر أنبيائهم كنوح و إبراهيم و لوط و شعيب .


و قوله : « و عادا و ثمود» منصوبان بفعل مقدر تقديره و اذكر عادا و ثمود .


و قوله : « و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل و كانوا مستبصرين» تزيين الشيطان لهم أعمالهم كناية استعارية عن تحبيب أعمالهم السيئة إليهم و تأكيد تعلقهم بها و صده إياهم عن السبيل صرفهم عن سبيل الله التي هي سبيل الفطرة ، و لذا قال بعضهم : إن المراد بكونهم مستبصرين أنهم كانوا قبل ذلك على الفطرة الساذجة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :127


لكن الظاهر كما تقدم في تفسير قوله : « كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين» : البقرة : 213 أن عهد الفطرة الساذجة كان قبل بعثة نوح (عليه‏السلام‏) و عاد و ثمود كانوا بعد نوح فكونهم مستبصرين قبل انصدادهم عن السبيل هو كونهم يعيشون على عبادة الله و دين التوحيد و هو دين الفطرة .


قوله تعالى : « و قارون و فرعون و هامان و لقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض و ما كانوا سابقين» السبق استعارة كنائية من الغلبة ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « فكلا أخذنا بذنبه» إلى آخر الآية أي كل واحدة من الأمم المذكورين أخذناها بذنبها ثم أخذ في التفصيل فقال : « فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا» و الحاصب الحجارة و قيل : الريح التي ترمي بالحصى و على الأول فهم قوم لوط ، و على الثاني قوم عاد « و منهم من أخذته الصيحة» و هم قوم ثمود و قوم شعيب « و منهم من خسفنا به الأرض» و هو قارون « و منهم من أغرقنا» و هم قوم نوح و فرعون و هامان و قومهما .


ثم عاد سبحانه إلى كافة القصص المذكورة و ما انتهى إليه أمر تلك الأمم من الأخذ و العذاب فبين ببيان عام أن الذي أوقعهم فيما وقعوا لم يكن بظلم منه سبحانه بل بظلم منهم لأنفسهم فقال : « و ما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» أي فيجازيهم الله على ظلمهم لأن الدار دار الفتنة و الامتحان و هي السنة الإلهية التي لا معدل عنها فمن اهتدى فقد اهتدى لنفسه و من ضل فعليها .


بحث روائي


في الكافي ، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في حديث يذكر فيه معاني الكفر قال : و الوجه الخامس من الكفر كفر البراءة قال تعالى : « و قال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا - مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة - يكفر بعضكم ببعض و يلعن بعضكم بعضا» يعني يتبرأ بعضكم من بعض الحديث .


أقول : و روي هذا المعنى في التوحيد ، عن علي (عليه‏السلام‏) : في حديث طويل يجيب فيه عما سئل عنه من تهافت الآيات و فيه : و الكفر في هذه الآية البراءة يقول : يتبرأ


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :128


بعضهم من بعض ، و نظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان : « إني كفرت بما أشركتمون من قبل» و قول إبراهيم خليل الرحمن : « كفرنا بكم» أي تبرأنا» .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن جابر : أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نهى عن الخذف و هو قول الله : « و تأتون في ناديكم المنكر» .


أقول : و روي هذا المعنى أيضا عن عدة من أصحاب الجوامع عن أم هاني بنت أبي طالب و لفظ الحديث : قالت : سألت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن قول الله : « و تأتون في ناديكم المنكر» قال : كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون ابن السبيل و يسخرون منهم .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي زيد الحماد عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في حديث نزول الملائكة على إبراهيم بالبشرى قال : فقال لهم إبراهيم : لما ذا جئتم ؟ قالوا : في إهلاك قوم لوط . فقال لهم : إن كان فيها مائة من المؤمنين أ تهلكونهم ؟ فقال جبرئيل : لا . قال : فإن كان فيها خمسون ؟ قال : لا . قال : فإن كان فيها ثلاثون ؟ قال : لا . قال : فإن كان فيها عشرون ؟ قال : لا . قال : فإن كان فيها عشرة ؟ قال : لا . قال : فإن كان فيها خمسة ؟ قال : لا . قال : فإن كان فيها واحد ؟ قال : لا . قال : فإن فيها لوطا ؟ قالوا : نحن أعلم بمن فيها لننجينه و أهله إلا امرأته كانت من الغابرين .


قال الحسن بن علي (عليهماالسلام‏) : لا أعلم هذا القول إلا و هو يستبقيهم و هو قول الله عز و جل : « يجادلنا في قوم لوط» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :129


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :130


مَثَلُ الَّذِينَ اتخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكبُوتِ اتخَذَت بَيْتاًوَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْت الْعَنكبُوتِلَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏(41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شىْ‏ءٍوَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكيمُ‏(42) وَ تِلْك الأَمْثَلُ نَضرِبُهَا لِلنَّاسِوَ مَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَلِمُونَ‏(43) خَلَقَ اللَّهُ السمَوَتِ وَ الأَرْض بِالْحَقّ‏ِإِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ‏(44) اتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْك مِنَ الْكِتَبِ وَ أَقِمِ الصلَوةَإِنَّ الصلَوةَ تَنهَى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنكَرِوَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكبرُوَ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصنَعُونَ‏(45) × وَ لا تجَدِلُوا أَهْلَ الْكتَبِ إِلا بِالَّتى هِىَ أَحْسنُ إِلا الَّذِينَ ظلَمُوا مِنْهُمْوَ قُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَ أُنزِلَ إِلَيْكمْ وَ إِلَهُنَا وَ إِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَ نحْنُ لَهُ مُسلِمُونَ‏(46) وَ كَذَلِك أَنزَلْنَا إِلَيْك الْكتَبفَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَب يُؤْمِنُونَ بِهِوَ مِنْ هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِوَ مَا يجْحَدُ بِئَايَتِنَا إِلا الْكفِرُونَ‏(47) وَ مَا كُنت تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَبٍ وَ لا تخُطهُ بِيَمِينِكإِذاً لارْتَاب الْمُبْطِلُونَ‏(48) بَلْ هُوَ ءَايَت بَيِّنَتٌ فى صدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَوَ مَا يجْحَدُ بِئَايَتِنَا إِلا الظلِمُونَ‏(49) وَ قَالُوا لَوْ لا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَتٌ مِّن رَّبِّهِقُلْ إِنَّمَا الاَيَت عِندَ اللَّهِ وَ إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏(50) أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْك الْكتَب يُتْلى عَلَيْهِمْإِنَّ فى ذَلِك لَرَحْمَةً وَ ذِكرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏(51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنى وَ بَيْنَكمْ شهِيداًيَعْلَمُ مَا فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِوَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْبَطِلِ وَ كفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئك هُمُ الْخَسِرُونَ‏(52) وَ يَستَعْجِلُونَك بِالْعَذَابِوَ لَوْ لا أَجَلٌ مُّسمًّى لجََّاءَهُمُ الْعَذَاب وَ لَيَأْتِيَنهُم بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشعُرُونَ‏(53) يَستَعْجِلُونَك بِالْعَذَابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطةُ بِالْكَفِرِينَ‏(54) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذَاب مِن فَوْقِهِمْ وَ مِن تحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَ يَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏(55)


بيان


تتضمن الآيات تذييلا لقصصأولئك الأمم الماضية الهالكة بمثل ضربه الله سبحانه لاتخاذهم أولياء من دون الله فبين فيه أن بناءهم ذلك أوهن البناء ينادي ببطلانه و فساده خلق السماوات و الأرض و أنهم ليس لهم من دونه من ولي كما يذكره هذا الكتاب .


و من هنا ينتقل إلى أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بتلاوة هذا الكتاب الذي أوحي إليه و إقامة الصلاة و دعوة أهل الكتاب بقول لين و مجادلة حسناء و يجيب عن اقتراح المشركين على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يأتيهم بآيات غير القرآن و أن يعجلهم بالعذاب الذي ينذرهم به .


قوله تعالى : « مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا» إلى آخر الآية ، العنكبوت معروف و يطلق على الواحد و الجمع و يذكر و يؤنث .


العناية في قوله : « مثل الذين اتخذوا» إلخ ، باتخاذ الأولياء من دون الله و لذا جي‏ء بالموصول و الصلة كما أن العناية في قوله : « كمثل العنكبوت اتخذت بيتا» إلى اتخاذها البيت فيئول المعنى إلى أن صفة المشركين في اتخاذهم من دون الله أولياء كصفة العنكبوت في اتخاذها بيتا له نبأ ، و هو الوصف الذي يدل عليه تنكير « بيتا» .


و يكون قوله : « إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت» بيانا لصفة البيتالذي أخذته العنكبوت و لم يقل : إن أوهن البيوت لبيتها كما هو مقتضى الظاهر أخذا للجملة بمنزلة المثل السائر الذي لا يتغير .


و المعنى : أن اتخاذهم من دون الله أولياء و هم آلهتهم الذين يتولونهم و يركنون


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :131


إليهم كاتخاذ العنكبوت بيتا هو أوهن البيوت إذ ليس له من آثار البيت إلا اسمه لا يدفع حرا و لا بردا و لا يكن شخصا و لا يقي من مكروه كذلك ليس لولاية أوليائهم إلا الاسم فقط لا ينفعون و لا يضرون و لا يملكون موتا و لا حياة و لا نشورا .


و مورد المثل هو اتخاذ المشركين آلهة من دون الله ، فتبديل الآلهة من الأولياء لكون السبب الداعي لهم إلى اتخاذ الآلهة زعمهم أن لهم ولاية لأمرهم و تدبيرا لشأنهم من جلب الخير إليهم و دفع الشر عنهم و الشفاعة في حقهم .


و الآية - مضافا إلى إيفاء هذه النكتة - تشمل بإطلاقها كل من اتخذ في أمر من الأمور و شأن من الشئون وليا من دون الله يركن إليه و يراه مستقلا في أثره الذي يرجوه منه و إن لم يعد من الأصنام إلا أن يرجع ولايته إلى ولاية الله كولاية الرسول و الأئمة و المؤمنين كما قال تعالى : « و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون» : يوسف : 106 .


و قوله : « لو كانوا يعلمون» أي لو كانوا يعلمون أن مثلهم كمثل العنكبوت ما اتخذوهم أولياء .


كذا قيل .


قوله تعالى : « إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شي‏ء و هو العزيز الحكيم» يمكن أن يكون « ما» في « ما يدعون» موصولة أو نافية أو استفهامية أو مصدرية و « من» في « من شي‏ء» على الاحتمال الثاني زائدة للتأكيد و على الباقي للتبيين و أرجح الاحتمالات الأولان و أرجحهما أولهما .


و المعنى : على الثاني أن الله يعلم أنهم ليسوا يدعون من دونه شيئا أي إن الذي يعبدونه من الآلهة لا حقيقة له فيكون كما قال صاحب الكشاف توكيدا للمثل و زيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئا .


و المعنى : على الأول أن الله يعلم الشي‏ء الذي يدعون من دونه و لا يجهل ذلك فيكون كناية عن أن المثل الذي ضربه في محله ، و ليس لأوليائهم من الولاية إلا اسمها .


و يؤكد هذا المعنى الاسمان الكريمان : العزيز الحكيم في آخر الآية فهو تعالى العزيز الذي لا يغلبه شي‏ء فلا يشاركه في تدبير ملكه أحد كما لا يشاركه في الخلق و الإيجاد أحد ، الحكيم الذي يأتي بالمتقن من الفعل و التدبير فلا يفوض تدبير خلقه إلى أحد ، و هذا كالتمهيد لما سيبين في قوله : « خلق الله السماوات و الأرض بالحق» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :132


قوله تعالى : « و تلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون» يشير إلى أن الأمثال المضروبة في القرآن على أنها عامة تقرع أسماع عامة الناس ، لكن الإشراف على حقيقة معانيها و لب مقاصدها خاصة لأهل العلم ممن يعقل حقائق الأمور و لا ينجمد على ظواهرها .


و الدليل على هذا المعنى قوله : « و ما يعقلها» دون أن يقول : و ما يؤمن بها أو ما في معناه .


فالأمثال المضروبة في كلامه تعالى يختلف الناس في تلقيها باختلاف أفهامهم فمن سامع لا حظ له منها إلا تلقي ألفاظها و تصور مفاهيمها الساذجة من غير تعمق فيها و سبر لأغوارها ، و من سامع يتلقى بسمعه ما يسمعه هؤلاء ثم يغور في مقاصدها العميقة و يعقل حقائقها الأنيقة .


و فيه تنبيه على أن تمثيل اتخاذهم أولياء من دون الله باتخاذ العنكبوت بيتا هو أوهن البيوت ليس مجرد تمثيل شعري و دعوى خالية من البينة بل متك على حجة برهانية و حقيقة حقة ثابتة و هي التي تشير إليه الآية التالية .


قوله تعالى : « خلق الله السماوات و الأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين» المراد بكون خلق السماوات و الأرض بالحق نفي اللعب في خلقها ، كما قال تعالى : « و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق و لكن أكثرهم لا يعلمون» : الدخان : 39 .


فخلق السماوات و الأرض على نظام ثابت لا يتغير و سنة إلهية جارية لا تختلف و لا تتخلف ، و الخلق و التدبير لا يختلفان حقيقة و لا ينفك أحدهما عن الآخر ، و إذ كان الخلق و الصنع ينتهي إليه تعالى انتهاء ضروريا و لا محيص فالتدبير أيضا له و لا محيص و ما من شي‏ء غيره تعالى إلا و هو مخلوقة القائم به المملوك له لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا ، و من المحال قيامه بشي‏ء من تدبير أمر نفسه أو غيره بحيث يستقل به مستغنيا


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :133


في أمره عنه تعالى هذا هو الحق الذي لا لعب فيه و الجد الذي لا هزل فيه .


فلما تولى بعض خلقه أمر بعض لم يكن ذلك منه ولاية حق لكونه لا يملك شيئا بحقيقة معنى الملك بل كان ذلك منه جاريا على اللعب و تفويضه تعالى أمر التدبير إليه لعبا منه تعالى و تقدس إذ ليس إلا فرضا لا حقيقة له و وهما لا واقع له و هو معنى اللعب .


و منه يظهر أن ولاية من يدعون ولايته ليس لها إلا اسم الولاية من غير مسمى كما أن بيت العنكبوت كذلك .


و قوله : « إن في ذلك لآية للمؤمنين» تخصيص المؤمنين بالذكر مع عموم الآية لهم و لغيرهم لكون المنتفعين بها هم المؤمنون دون غيرهم .


قوله تعالى : « اتل ما أوحي إليك من الكتاب و أقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر و لذكر الله أكبر» إلخ ، لما ذكر إجمال قصص الأمم و ما انتهى إليه شركهم و ارتكابهم الفحشاء و المنكر من الشقاء اللازم و الخسران الدائم انتقل من ذلك - مستأنفا للكلام - إلى أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بتلاوة ما أوحي إليه من الكتاب لكونه خير رادع عن الشرك و ارتكاب الفحشاء و المنكر بما فيه من الآيات البينات التي تتضمن حججا نيرة على الحق و تشتمل على القصص و العبر و المواعظ و التبشير و الإنذار و الوعد و الوعيد يرتدع بتلاوة آياته تاليه و من سمعه .


و شفعه بالأمر بإقامة الصلاة التي هي خير العمل و علل ذلك بقوله : « إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر» و السياق يشهد أن المراد بهذا النهي ردع طبيعة العمل عن الفحشاء و المنكر بنحو الاقتضاء دون العلية التامة .


فلطبيعة هذا التوجه العبادي - إذ أتى به العبد و هو يكرره كل يوم خمس مرات و يداوم عليه و خاصة إذا زاول عليه في مجتمع صالح يؤتى فيه بمثل ما أتى به و يهتم فيه بما اهتم - به أن يردعه عن كل معصية كبيرة يستشنعه الذوق الديني كقتل النفس عدوانا و أكل مال اليتيم ظلما و الزنا و اللواط ، و عن كل ما ينكره الطبع السليم و الفطرة المستقيمة ردعا جامعا بين التلقين و العمل .


و ذلك أنه يلقنه أولا بما فيه من الذكر الإيمان بوحدانيته تعالى و الرسالة و جزاء يوم الجزاء و أن يخاطب ربه بإخلاص العبادة و الاستعانة به و سؤال الهداية إلى صراطه


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :134


المستقيم متعوذا من غضبه و من الضلال ، و يحمله ثانيا على أن يتوجه بروحه و بدنه إلى ساحة العظمة و الكبرياء و يذكر ربه بحمده و الثناء عليه و تسبيحه و تكبيره ثم السلام على نفسه و أترابه و جميع الصالحين من عباد الله .


مضافا إلى حمله إياه على التطهر من الحدث و الخبث في بدنه و الطهارة في لباسه و التحرز عن الغصب في لباسه و مكانه و استقبال بيت ربه فالإنسان لو داوم على صلاته مدة يسيرة و استعمل في إقامتها بعض الصدق أثبت ذلك في نفسه ملكة الارتداع عن الفحشاء و المنكر البتة ، و لو أنك وكلت على نفسك من يربيها تربية صالحة تصلح بها لهذا الشأن و تتحلى بأدب العبودية لم يأمرك بأزيد مما تأمرك به الصلاة و لا روضك بأزيد مما تروضك به .


و قد استشكل على الآية بأنا كثيرا ما نجد من المصلين من لا يبالي ارتكاب الكبائر و لا يرتدع عن المنكرات فلا تنهاه صلاته عن الفحشاء و المنكر .


و لذلك ذكر بعضهم أن الصلاة في الآية بمعنى الدعاء و المراد الدعوة إلى أمر الله و المعنى : أقم الدعوة إلى أمر الله فإن ذلك يردع الناس عن الفحشاء و المنكر .


و فيه أنه صرف الكلام عن ظاهره .


و ذكر آخرون أن الصلاة في الآية في معنى النكرة و المعنى أن بعض أنواع الصلاة أو أفرادها يوجب الانتهاء عن الفحشاء و المنكر و هو كذلك و ليس المراد الاستغراق حتى يرد الإشكال .


و ذكر قوم أن المراد نهيها عنالفحشاء و المنكر ما دامت قائمة و المصلي في صلاته كأنه قيل : إن المصلي ما دام مصليا في شغل من معصية الله بإتيان الفحشاء و المنكر .


و قال بعضهم : إن الآية على ظاهرها و الصلاة بمنزلة من ينهى و يقول : لا تفعل كذا و لا تقترف كذا لكن النهي لا يستوجب الانتهاء فليس نهي الصلاة بأعظم من نهيه تعالى كما في قوله : « إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر» : النحل : 90 ، و نهيه تعالى لا يستوجب الانتهاء و ليس الإشكال إلا مبنيا على توهم استلزام النهي للانتهاء و هو توهم باطل .


و عن بعضهم في دفع الإشكال أن الصلاة تقام لذكر الله كما قال تعالى : « أقم


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :135


الصلاة لذكري» و من كان ذاكرا لله تعالى منعه ذلك عن الإتيان بما يكرهه و كل من تراه يصلي و يأتي بالفحشاء و المنكر فهو بحيث لو لم يصل لكان أشد إتيانا فقد أثرت الصلاة في تقليل فحشائه و منكره .


و أنت خبير بأن شيئا من هذه الأجوبة لا يلائم سياق الحكم و التعليل في الآية فإن الذي يعطيه السياق أن الأمر بإقامة الصلاة إنما علل بقوله : « إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر» ليفيد أن الصلاة عمل عبادي يورث إقامته صفة روحية في الإنسان تكون رادعة له عن الفحشاء و المنكر فتتنزه النفس عن الفحشاء و المنكر و تتطهر عن قذارة الذنوب و الآثام .


فالمراد به التوسل إلى ملكة الارتداع التي هي من آثار طبيعة الصلاة بنحو الاقتضاء لا أنها أثر بعض أفراد طبيعة الصلاة كما في الجواب الثاني ، و لا أنها أثر الاشتغال بالصلاة ما دام مشتغلا بها كما في الجواب الثالث ، و لا أن المراد هو التوسل إلى تلقي نهي الصلاة فحسب من غير نظر إلى الانتهاء عن نهيها كأنه قيل أقم الصلاة لتسمع نهيها كما في الجواب الرابع ، و لا أن المراد أقم الصلاة لينهاك الذكر الذي تشتمل عليه عن الفحشاء و المنكر كما في الجواب الخامس .


فالحق في الجواب أن الردع أثر طبيعة الصلاة التي هي توجه خاص عبادي إلى الله سبحانه و هو بنحو الاقتضاء دون الاستيجاب و العلية التامة فربما تخلف عن أثرها لمقارنة بعض الموانع التي تضعف الذكر و تقربه من الغفلة و الانصراف عن حاق الذكر فكلما قوي الذكر و كمل الحضور و الخشوع و تمحض الإخلاص زاد أثر الردع عن الفحشاء و المنكر و كلما ضعف ضعف الأثر .


و أنت إذا تأملت حال بعض من تسمى بالإسلام من الناس و هو تارك الصلاة وجدته يضيع بإضاعة الصلاة فريضة الصوم و الحج و الزكاة و الخمس و عامة الواجبات الدينية و لا يفرق بين طاهر و نجس و حلال و حرام فيذهب لوجهه لا يلوي على شي‏ء ثم إذا قست إليه حال من يأتي بأدنى مراتب الصلاة مما يسقط به التكليف ، وجدته مرتدعا عن كثير مما يقترفه تارك الصلاة غير مكترث به ثم إذا قست إليه من هو فوقه في الاهتمام بأمر الصلاة وجدته أكثر ارتداعا منه و على هذا القياس .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :136


و قوله : « و لذكر الله أكبر» قال الراغب في المفردات : ، الذكر تارة يقال و يراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه منالمعرفة و هو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه و الذكر يقال اعتبارا باستحضاره .


و تارة يقال لحضور الشي‏ء القلب أو القول و لذلك قيل : الذكر ذكران ذكر عن نسيان و ذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ ، و كل قول يقال له ذكر .


انتهى .


و الظاهر أن الأصل في معناه هو المعنى الأول و تسمية اللفظ ذكرا إنما هو لاشتماله على المعنى القلبي و الذكر القلبي بالنسبة إلى اللفظي كالأثر المترتب على سببه و الغاية المقصودة من الفعل .


و الصلاة تسمى ذكرا لاشتمالها على الأذكار القولية من تهليل و تحميد و تنزيه و هي باعتبار آخر مصداق من مصاديق الذكر لأنها بمجموعها ممثل لعبودية العبد لله سبحانه كما قال : « إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله» : الجمعة : 9 ، و هي باعتبار آخر أمر يترتب عليه الذكر ترتب الغاية على ذي الغاية يشير إليه قوله تعالى : « و أقم الصلاة لذكري» : طه : 14 .


و الذكر الذي هو غاية مترتبة على الصلاة أعني الذكر القلبي بمعنى استحضار المذكور في ظرف الإدراك بعد غيبته نسيانا أو إدامة استحضاره ، أفضل عمل يتصور صدوره عن الإنسان و أعلاه كعبا و أعظمه قدرا و أثرا فإنه السعادة الأخيرة التي هيئت للإنسان ومفتاح كل خير .


ثم إن الظاهر من سياق قوله : « و أقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر» إن قوله : « و لذكر الله أكبر» متصل به مبين لأثر آخر للصلاة و هو أكبر مما بين قبله ، فيقع قوله : « و لذكر الله أكبر» موقع الإضراب و الترقي و يكون المراد الذكر القلبي الذي يترتب على الصلاة ترتب الغاية على ذي الغاية فكأنه قيل : أقم الصلاة لتردعك عن الفحشاء و المنكر بل الذي تفيده من ذكر الله الحاصل بها أكبر من ذلك أي من النهي عن الفحشاء و المنكر لأنه أعظم ما يناله الإنسان من الخير و هو مفتاح كل خير و النهي عن الفحشاء و المنكر بعض الخير .


و من المحتمل أن يراد بالذكر ما تشتمل عليه الصلاة من الذكر أو نفس الصلاة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :137


و الجملة أيضا واقعة موقع الإضراب ، و المعنى : بل الذي تشتمل عليه الصلاة من ذكر الله أو نفس الصلاة التي هي ذكر الله أكبر من هذا الأثر الذي هو النهي عن الفحشاء و المنكر لأن النهي أثر من آثارها الحسنة و « ذكر الله» على الاحتمالين جميعا من المصدر المضاف إلى مفعوله و المفضل عليه لقوله : « أكبر» هو النهي عن الفحشاء و المنكر .


و لهم في معنى الذكر و كون المضاف إليه فاعلا أو مفعولا للمصدر و كون المفضل عليه خاصا أو عاما أقوال أخر .


فقيل : معنى الآية : ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لله تعالى و ذلك أن الله تعالى يذكر من ذكره لقوله : « فاذكروني أذكركم» : البقرة : 152 ، و قيل : المعنى : ذكر الله تعالى العبد أكبر من الصلاة ، و قيل : المعنى : لذكر الله العبد أكبر من كل شي‏ء .


و قيل : المعنى : لذكر العبد لله في الصلاة أكبر من سائر أركان الصلاة ، و قيل : المعنى : لذكر العبد لله في الصلاة أكبر من ذكره خارج الصلاة ، و قيل : المعنى : لذكر العبد لله أكبر من سائر أعماله ، و قيل : المعنى : للصلاة أكبر من سائر الطاعات و قيل : المعنى : لذكر العبد لله عند الفحشاء و المنكر و ذكر نهيه عنهما أكبر من زجر الصلاة و ردعها ، و قيل : إن قوله : « أكبر» معرى من معنى التفضيل لا يحتاج إلى مفضل عليه كقوله : « ما عند الله خير من اللهو» .


فهذه أقوال لهم متفرقة أغمضنا عن البحث عما فيها إيثارا للاختصار ، و التدبر في الآية يكفي مئونة البحث على أن التحكم في بعضها ظاهر لا يخفى .


و قوله : « و الله يعلم ما تصنعون» أي ما تفعلونه من خير أو شر فعليكم أن تراقبوه و لا تغفلوا عنه ففيه حث و تحريض على المراقبة و خاصة على القول الأول .


قوله تعالى : « و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم» لما أمر في قوله : « اتل ما أوحي إليك» إلخ ، بالتبليغ و الدعوة من طريق تلاوة الكتاب عقبه ببيان كيفية الدعوة فنهى عن مجادلة أهل الكتاب و هم على ما يقتضيه الإطلاق اليهود و النصارى و يلحق بهم المجوس و الصابئون - إلا بالمجادلة - التي هي أحسن المجادلة .


و المجادلة إنما تحسن إذا لم تتضمن إغلاظا و طعنا و إهانة ، فمن حسنها أن تقارن


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :138


رفقا و لينا في القول لا يتأذى به الخصم و أن يقترب المجادل من خصمه و يدنو منه حتى يتفقا و يتعاضدا لإظهار الحق من غير لجاج و عناد فإذا اجتمع فيها لين الكلام و الاقتراب بوجه زادت حسنا على حسن فكانت أحسن .


و لهذا لما نهى عن مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن استثنى منه الذين ظلموا منهم ، فإن المراد بالظلم بقرينة السياق كون الخصم بحيث لا ينفعه الرفق و اللين و الاقتراب في المطلوب بل يتلقى حسن الجدال نوع مذلة و هوان للمجادل و يعتبره تمويها و احتيالا لصرفه عن معتقده فهؤلاء الظالمون لا ينجح معهم المجادلة بالأحسن .


و لهذا أيضا عقب الكلام ببيان كيفية الاقتراب معهم و بناء المجادلة على كلمة يجتمع فيها الخصمان فيتقاربان معه و يتعاضدان على ظهور الحق فقال : « و قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا و أنزل إليكم و إلهنا و إلهكم واحد و نحن له مسلمون» و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « و كذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به و من هؤلاء من يؤمن به و ما يجحد بآياتنا إلا الكافرون» أي على تلك الصفة و هي الإسلام لله و تصديق كتبه و رسله أنزلنا إليك القرآن .


و قيل : المعنى : مثل ما أنزلنا إلى موسى و عيسى الكتاب أنزلنا إليك الكتاب و هو القرآن .


فقوله : « فالذين آتيناهم الكتاب» إلخ ، تفريع على نحو نزول الكتاب أي لما كان القرآن نازلا في الإسلام لله و تصديق كتبه و رسله فأهل الكتاب يؤمنون به بحسب الطبع لما عندهم من الإيمان بالله و تصديق كتبه و رسله ، و من هؤلاء و هم المشركون من عبدة الأوثان من يؤمن به و ما يجحد بآياتنا و لا ينكرها من أهل الكتاب و هؤلاء المشركين إلا الكافرون و هم الساترون للحق بالباطل .


و قد احتمل أن يكون المراد بالذين آتيناهم الكتاب المسلمين و المشار إليه بهؤلاء أهل الكتاب و هو بعيد ، و مثله في البعد إرجاع الضمير في « يؤمن به» إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في قوله : « و من هؤلاء من يؤمن به» نوع استقلال لمن آمن به من المشركين .


قوله تعالى : « و ما كنت تتلوا من قبله من كتاب و لا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون» التلاوة هي القراءة سواء كانت عن حفظ أو عن كتاب مخطوط و المراد به


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :139


في الآية الثاني بقرينة المقام ، و الخط الكتابة ، و المبطلون جمع مبطل و هو الذي يأتي بالباطل من القول ، و يقال أيضا للذي يبطل الحق أي يدعي بطلانه ، و الأنسب في الآية المعنى الثاني و إن جاز أن يراد المعنى الأول .


و ظاهر التعبير في قوله : « و ما كنت تتلوا» إلخ ، نفي العادة أي لم يكن من عادتك أن تتلو و تخط كما يدل عليه قوله في موضع آخر : « فقد لبثت فيكم عمرا من قبله» : يونس : 16 .


و قيل المراد به نفي القدرة أي ما كنت تقدر أن تتلو و تخط من قبله و الوجه الأول أنسب بالنسبة إلى سياق الحجة و قد أقامها لتثبيت حقية القرآن و نزوله من عنده .


و تقييد قوله : « و لا تخطه» بقوله : « بيمينك» نوع من التمثيل يفيد التأكيد كقول القائل : رأيته بعيني و سمعته بأذني .


و المعنى : و ما كان من عادتك قبل نزول القرآن أن تقرأ كتابا و لا كان من عادتك أن تخط كتابا و تكتبه - أي ما كنت تحسن القراءة و الكتابة لكونك أميا - و لو كان كذلك لارتاب هؤلاء المبطلون الذين يبطلون الحق بدعوى أنه باطل لكن لما لم تحسن القراءة و الكتابة و استمرت على ذلك و عرفوك على هذه الحال لمخالطتك لهم و معاشرتك معهم لم يبق محل ريب لهم في أمر القرآن النازل إليك أنه كلام الله تعالى و ليس تلفيقا لفقته من كتب السابقين و نقلته من أقاصيصهم و غيرهم حتى يرتاب المبطلون و يعتذروا به .


قوله تعالى : « بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم و ما يجحد بآياتنا إلا الظالمون» إضراب عن مقدر يستفاد من الآية السابقة كأنه لما نفى عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) التلاوة و الخط معا تحصل من ذلك أن القرآن ليس بكتاب مؤلف مخطوط فأضرب عن هذا المقدر بقوله : « بل هو - أي القرآن - آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم» .


و قوله : « و ما يجحد بآياتنا إلا الظالمون» المراد بالظلم بقرينة المقام الظلم لآيات الله بتكذيبها و الاستكبار عن قبولها عنادا و تعنتا .


قوله تعالى : « و قالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله و إنما أنا نذير مبين» لما ذكر الكتاب و أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يتلوه و يدعوهم إليه به و أن منهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :140


من يؤمن به و منهم من لا يؤمن به و هم الكافرون الظالمون أشار في هذه الآية و الآيتين بعدها إلى عدم اعتنائهم بالقرآن الذي هو آية النبوة و اقتراحهم على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يأتيهم بآيات غيره و الجواب عنه .


فقوله : « و قالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه» اقتراح منهم أن يأتيهم بآيات غير القرآن تعريضا منهم أنه ليس بآية و زعما منهم أن النبي يجب أن يكون ذا قوة إلهية غيبية يقوى على كل ما يريد ، وفي قولهم : لو لا أنزل عليه ، دون أن يقولوا : لو لا يأتينا بآيات نوع سخرية كقولهم : « يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين» : الحجر : 7 .


و قوله : « قل إنما الآيات عند الله» جواب عن زعمهم أن من يدعي الرسالة يدعي قوة غيبية يقدر بها على كل ما أراد بأن الآيات عند الله ينزلها متى ما أراد و كيفما شاء لا يشاركه في القدرة عليها غيره فليس إلى النبي شي‏ء إلا أن يشاء الله ثم زاده بيانا بقصر شأن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في الإنذار فحسب بقوله : « إنما أنا نذير مبين» .


قوله تعالى : « أ و لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم» إلى آخر الآية توطئة و تمهيد للجواب عن تعريضهم بالقرآن أنه ليس بآية ، و الاستفهام للإنكار و الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أي يكفيهم آية هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك و هو يتلى عليهم فيسمعونه و يعرفون مكانته من الإعجاز و هو مملو رحمة و تذكرة للمؤمنين .


قوله تعالى : « قل كفى بالله بيني و بينكم شهيدا» إلقاء جواب إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليجيبهم به و هو أن الله سبحانه شهيد بيني و بينكم فيما نتخاصم فيه و هو أمر الرسالة فإنه سبحانه يشهد في كلامه الذي أنزله علي برسالتي و هو تعالى يعلم ما في السماوات و الأرض من غير أن يجهل شيئا و كفى بشهادته لي دليلا على دعواي .


و ليس لهم أن يقولوا إنه ليس بكلام الله لمكان تحديه مرة بعد مرة في خلال الآيات و منه يعلم أن قوله : « قل كفى بالله بيني و بينكم شهيدا» ليس دعوى مجردة أو كلاما خطابيا بل هو بيان استدلالي و حجة قاطعة على ما عرفت .


و قوله : « و الذين آمنوا بالباطل و كفروا بالله أولئك هم الخاسرون» قصر الخسران فيهم لعدم إيمانهم بالله بالكفر بكتابه الذي فيه شهادته على الرسالة و همبكفرهم بالله


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :141


الحق يؤمنون بالباطل و لذلك خسروا في إيمانهم .


قوله تعالى : « و يستعجلونك بالعذاب و لو لا أجل مسمى لجاءهم العذاب و ليأتينهم بغتة و هم لا يشعرون» إشارة إلى قولهم كقول متقدميهم : ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ، و قد حكى الله عنهم استعجالهم في قوله : « و لئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه» : هود : 8 .


و المراد بالأجل المسمى هو الذي قضاه لبني آدم حين أهبط آدم إلى الأرض فقال : « و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين» : البقرة : 36 ، و قال : « و لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون» : الأعراف : 34 .


و هذا العذاب الذي يحول بينه و بينهم الأجل المسمى هو الذي يستحقونه لمطلق أعمالهم السيئة كما قال عز من قائل : « و ربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا» : الكهف : 58 ، و لا ينافي ذلك تعجيل العذاب بنزول الآيات المقترحة على الرسول من غير إمهال و إنظار ، قال تعالى : « و ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون» : إسراء : 59 .


قوله تعالى : « يستعجلونكبالعذاب و إن جهنم لمحيطة بالكافرين ، يوم يغشاهم العذاب» إلى آخر الآية ، تكرار « يستعجلونك» للدلالة على كمال جهلهم و فساد فهمهم و أن استعجالهم استعجال لأمر مؤجل لا معجل أولا و استعجال لعذاب واقع لا صارف له عنهم لأنهم مجزيون بأعمالهم التي لا تفارقهم ثانيا .


و الغشاوة و الغشاية التغطية بنحو الإحاطة ، و قوله : « يوم يغشاهم» ظرف لقوله : « محيطة» و الباقي ظاهر .


بحث روائي


في المجمع ، : في قوله تعالى : « و ما يعقلها إلا العالمون» : روى الواحدي بالإسناد عن جابر قال : تلا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) هذه الآية و قال : العالم الذي يعقل عن الله فعمل بطاعته و اجتنب سخطه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :142


و فيه ، : في قوله تعالى : « إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر» : روى أنس بن مالك عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعدا : أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن عمران بن الحصين و ابن مسعود و ابن عباس و ابن عمر عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و رواه القمي في تفسيره مضمرا مرسلا .


و فيه ، و أيضا عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لا صلاة لمن لم تطع الصلاة و طاعة الصلاة أن تنتهي عن الفحشاء و المنكر : أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن ابن مسعود و غيره .


و فيه ، و روى أنس : أن فتى من الأنصار كان يصلي الصلوات مع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و يرتكب الفواحش فوصف ذلك لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : إن صلاته تنهاه يوما ما .


و فيه ، روى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : من أحب أن يعلم قبلت صلاته أم لم تقبل ، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء و المنكر فبقدر ما منعته قبلت صلاته .


و في تفسير القمي، : في قوله تعالى : « و لذكر الله أكبر» : في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله : « و لذكر الله أكبر» يقول : ذكر الله لأهل الصلاة أكبر من ذكرهم إياه أ لا ترى أنه يقول : « اذكروني أذكركم» .


أقول : و هذا أحد المعاني التي تقدم نقلها .


و في نور الثقلين ، عن مجمع البيان ، و روى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : ذكر الله عند ما أحل و حرم .


و فيه ، عن معاذ بن جبل قال : سألت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : أن تموت و لسانك رطب من ذكر اللهعز و جل .


و فيه ، و قال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يا معاذ إن السابقين الذين يسهرون بذكر الله عز و جل و من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله عز و جل .


و في الكافي ، بإسناده عن العبدي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم» قال : هم الأئمة .


أقول : و هذا المعنى مروي في الكافي ، و في بصائر الدرجات ، بعدة طرق : و هو من الجري بمعنى انطباق الآية على أكمل المصاديق بدليل الرواية الآتية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :143


و في البصائر ، بإسناده عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : قلت له : « بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم» فقال : أنتم هم من عسى أن يكونوا ؟ .


و في الدر المنثور ، أخرج الإسماعيلي في معجمه و ابن مردويه من طريق يحيى بن جعدة عن أبي هريرة قال : كان ناس من أصحاب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يكتبون من التوراة فذكروا ذلك لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : إن أحمق الحمق و أضل الضلالة قوم رغبوا عما جاء به نبيهم إلى نبي غير نبيهم و إلى أمة غير أمتهم ثم أنزل الله : « أ ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم » الآية .


و فيه ، أخرج ابن عساكر عن ابن أبي مليكة قال : أهدى عبد الله بن عامر بن كريز إلى عائشة هدية فظنت أنه عبد الله بن عمر فردتها و قالت : يتتبع الكتب و قد قال الله : « أ و لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم» فقيل لها : إنه عبد الله بن عامر فقبلها .


أقول : ظاهر الروايتين و خاصة الأولى الآية في بعض الصحابة و سياق الآيات يأبى ذلك .


يَعِبَادِى الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ أَرْضى وَسِعَةٌ فَإِيَّىَ فَاعْبُدُونِ‏(56) كلُّ نَفْسٍ ذَائقَةُ الْمَوْتِثمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ‏(57) وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الجَْنَّةِ غُرَفاً تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَانِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ‏(58) الَّذِينَ صبرُوا وَ عَلى رَبهِمْ يَتَوَكلُونَ‏(59) وَ كَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لا تحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَ إِيَّاكُمْوَ هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ‏(60)



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :144


بيان


لما استفرغ الكلام في توبيخ من ارتد عن دينه من المؤمنين خوف الفتنة عطف الكلام على بقية المؤمنين ممن استضعفه المشركون بمكة و كانوا يهددونهم بالفتنة و العذاب فأمرهم أن يصبروا و يتوكلوا على ربهم و أن يهاجروا منها إن أشكل عليهم أمر الدين و إقامة فرائضه ، و أن لا يخافوا أمر الرزق فإن الرزق على الله سبحانه و هو يرزقهم إن ارتحلوا و هاجروا كما كان يرزقهم في مقامهم .


قوله تعالى : « يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون» توجيه للخطاب إلى المؤمنين الذين وقعوا في أرض الكفر لا يقدرون على التظاهر بالدين الحق و الاستنان بسنته و يدل على ذلك ذيل الآية .


و قوله : « إن أرضي واسعة» الذي يظهر من السياق أن المراد بالأرض هذه الأرض التي نعيش عليها و إضافتها إلى ضمير التكلم للإشارة إلى أن جميع الأرض لا فرق عنده في أن يعبد في أي قطعة منها كانت ، و وسعة الأرض كناية عن أنه إن امتنع في ناحية من نواحيها أخذ الدين الحق و العمل به فهناك نواح غيرها لا يمتنع فيها ذلك فعبادته تعالى وحده ليست بممتنعة على أي حال .


و قوله : « فإياي فاعبدون» الفاء الأولى للتفريع على سعة الأرض أي إذا كان كذلك فاعبدوني وحدي و الفاء الثانية فاء الجزاء للشرط المحذوف المدلول عليه بالكلام و الظاهر أن تقديم « إياي» لإفادة الحصر فيكون قصر قلب و المعنى : لا تعبدوا غيري بل اعبدوني ، و قوله : « فاعبدون» قائم مقام الجزاء .


و محصل المعنى : أن أرضي واسعة إن امتنع عليكم عبادتي في ناحية منها تسعكم لعبادتي أخرى منها فإذا كان كذلك فاعبدوني وحدي و لا تعبدوا غيري فإن لم يمكنكم عبادتي في قطعة منها فهاجروا إلى غيرها و اعبدوني وحدي فيها .


قوله تعالى : « كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون» الآية تأكيد للأمر السابق في قوله : « فإياي فاعبدون» و كالتوطئة لقوله الآتي : « الذين صبروا» إلخ .


و قوله : « كل نفس ذائقة الموت» من الاستعارة بالكناية و المراد أن كل نفس


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :145


ستموت لا محالة ، و الالتفات في قوله : « ثم إلينا ترجعون» من سياق التكلم وحده إلى سياق التكلم مع الغير للدلالة على العظمة .


و محصل المعنى : أن الحياة الدنيا ليست إلا أياما قلائل و الموت وراءه ثم الرجوع إلينا للحساب فلا يصدنكم زينة الحياة الدنيا - و هي زينة فانية - عن التهيؤ للقاء الله بالإيمان و العمل ففيه السعادة الباقية و في الحرمان منه هلاك مؤبد مخلد .


قوله تعالى : « و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا» إلخ ، بيان لأجر الإيمان و العمل الصالح بعد الموت و الرجوع إلى الله و فيه حث و ترغيب للمؤمنين على الصبر في الله و التوكل على الله ، و التبوئة الإنزال على وجه الإقامة ، و الغرف جمع غرفة و هي في الدار ، العلية العالية .


و قد بين تعالى أولا ثواب الذين آمنوا و عملوا الصالحات ثم سماهم عاملين إذ قال : « نعم أجر العاملين» ثم فسر العاملين بقوله : « الذين صبروا و على ربهم يتوكلون» فعاد بذلك الصبر و التوكل سمة خاصة للمؤمنين فدل بذلك كله أن المؤمن إنما يرضى عن إيمانه إذا صبر في الله و توكل عليه ، فعلى المؤمن أن يصبر في الله على كل أذى و جفوة ما يجد إلى العيشة الدينية سبيلا فإذا تعذرت عليه إقامة مراسم الدين في أرضه فليخرج و ليهاجر إلى أرض غيرها و ليصبر على ما يصيبه من التعب و العناء في الله .


قوله تعالى : « الذين صبروا و على ربهم يتوكلون» وصف للعالمين ، و الصبر أعم من الصبر عند المصيبة و الصبر على الطاعة و الصبر على المعصية ، و إن كان المورد مورد الصبر عند المصيبة فهو المناسب لحال المؤمنين بمكة المأمورين بالهجرة .


قوله تعالى : « و كأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها و إياكم و هو السميع العليم» كأين للتكثير ، و حمل الرزق هو ادخاره كما يفعله الإنسان و النمل و الفأر و النحل من سائر الحيوان .


و في الآية تطييب لنفس المؤمنين و تقوية لقلوبهم أنهم لو هاجروا في الله أتاهم رزقهم أينما كانوا و لا يموتون جوعا فرازقهم ربهم دون أوطانهم ، يقول : و كثير من


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :146


الدواب لا رزق مدخر لها يرزقها الله و يرزقكم معاشر الآدميين الذين يدخرون الأرزاق و هو السميع العليم .


و في تذييل الآية بالاسمين الكريمين السميع العليم إشارة إلى الحجة على مضمونها و هو أن الإنسان و سائر الدواب محتاجون إلى الرزق يسألون الله ذلك بلسان حاجتهمإليه و الله سبحانه سميع للدعاء عليم بحوائج خلقه و مقتضى الاسمين الكريمين أن يرزقهم .


بحث روائي


في تفسير القمي ، و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة» يقول : لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك فإن خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم فإن أرضي واسعة ، و هو يقول : « فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض» فقال : « أ لم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها» .


و في المجمع : ، و قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : معناه إذا عصي الله في أرض أنت بها فاخرج منها إلى غيرها .


و في العيون ، بإسناده إلى الرضا (عليه‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لما نزلت « إنك ميت و إنهم ميتون» قلت : يا رب أ يموت الخلائق كلهم و يبقى الأنبياء ؟ فنزلت « كل نفس ذائقة الموت» : أقول : و رواه أيضا في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن علي ، و لا يخلو متنه عن شي‏ء فإن قوله : « إنك ميت و إنهم ميتون» يخبر عن موته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و موت سائر الناس ، و كان (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يعلم أن الأنبياء المتقدمين عليه ماتوا فلا معنى لقوله : أ يموت الخلائق كلهم و يبقى الأنبياء .


و في الجمع ، عن عطاء عن ابن عمر قال : خرجنا مع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حتى دخلنا بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر و يأكل فقال لي : يا ابن عمر ما لك لا تأكل ؟ فقلت : لا أشتهيه يا رسول الله . قال : أنا أشتهيه و هذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما و لو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى و قيصر فكيف بك يا ابن عمر


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :147


إذا بقيت مع قوم يخبئون رزق سنتهم لضعف اليقين فوالله ما برحنا حتى نزلت « و كأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها و إياكم - و هو السميع العليم» أقول : و قد روى الرواية في الدر المنثور ، و ضعف سندها و هي مع ذلك لا تلائم وقوع الآية في سياق ما تقدمها .


وَ لَئن سأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ سخَّرَ الشمْس وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُفَأَنى يُؤْفَكُونَ‏(61) اللَّهُ يَبْسط الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُإِنَّ اللَّهَ بِكلّ‏ِ شىْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏(62) وَ لَئن سأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُقُلِ الْحَمْدُ للَّهِبَلْ أَكثرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏(63) وَ مَا هَذِهِ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَ لَعِبٌوَ إِنَّ الدَّارَ الاَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُلَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏(64) فَإِذَا رَكبُوا فى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نجَّاهُمْ إِلى الْبرِّ إِذَا هُمْ يُشرِكُونَ‏(65) لِيَكْفُرُوا بِمَا ءَاتَيْنَهُمْ وَ لِيَتَمَتَّعُوافَسوْف يَعْلَمُونَ‏(66) أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً وَ يُتَخَطف النَّاس مِنْ حَوْلِهِمْأَ فَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ‏(67) وَ مَنْ أَظلَمُ مِمَّنِ افْترَى عَلى اللَّهِ كذِباً أَوْ كَذَّب بِالْحَقّ‏ِ لَمَّا جَاءَهُأَ لَيْس فى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكفِرِينَ‏(68) وَ الَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنهْدِيَنهُمْ سبُلَنَاوَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏(69)



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :148


بيان


الآيات تصرف الخطاب عن المؤمنين إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو في المعنى خطاب عام يشمل الجميع و إن كان في اللفظ خاصا به (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لأن الحجج المذكورة فيها مما يناله الجميع .


و الآيات تذكر مناقضات في آراء المشركين فيما ألقي في الفصل السابق على المؤمنين فآمنوا به فإنهم يعترفون أن خالق السماوات و الأرض و مدبر الشمس و القمر - و عليهما مدار الأرزاق - هو الله و أن منزل الماء من السماء و محيي الأرض بعد موتها هو الله سبحانه ثم يدعون غيره ليرزقهم و هم يعبدونه تعالى إذا ركبوا البحر ثم إذا أنجاهم عبدوا غيره و يقيمون في حرم آمن و هو نعمة لهم فيؤمنون بالباطل و يجحدون الحق و يكفرون بنعمة الله .


و ما ختمت به السورة من قوله : « و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» يلائم مافي مفتتح السورة « أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون - إلى أن قال - و من جاهد فإنما يجاهد لنفسه» إلخ .


قوله تعالى : « و لئن سألتهم من خلق السماوات و الأرض و سخر الشمس و القمر ليقولن الله فأنى يؤفكون» .


خلق السماوات و الأرض من الإيجاد و تسخير الشمس و القمر - و ذلك بتحويل حالاتهما بالطلوع و الغروب و القرب و البعد من الأرض - من التدبير الذي يتفرع عليه كينونة أرزاق الإنسان و سائر الحيوان و هذا الخلق و التدبير لا ينفك أحدهما عن الآخر فمن اعترف بأحدهما فليعترف بالآخر .


و إذا كان الله هو الخالق و بيده تدبير السماوات و يتبعه تدبير الأرض و كينونة الأرزاق كان هو الذي يجب أن يدعى للرزق و سائر التدبير فمن العجب حينئذ أن يصرف عنه الإنسان إلى غيره ممن لا يملك شيئا و هو قوله : « فأنى يؤفكون» أي فإذا كان الخلق و تدبير الشمس و القمر إليه تعالى فكيف يصرف هؤلاء إلى دعوة غيره من الأصنام و عبادته .


قوله تعالى : « الله يبسط الرزق لمن يشاء من عبادسرابيةه و يقدر له إن الله بكل شي‏ء


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :149


عليم» في الآية تصريح بما تلوح إليه الآية السابقة ، و القدر التضييق و يقابله البسط و المراد به لازم معناه و هو التوسعة ، و وضع الظاهر موضع المضمر في قوله : « إن الله بكل شي‏ء عليم» للدلالة على تعليل الحكم ، و المعنى : و هو بكل شي‏ء عليم لأنه الله .


و المعنى : الله يوسع الرزق على من يشاء من عباده و يضيقه على من يشاء - و لا يشاء إلا على طبق المصلحة - لأنه بكل شي‏ء عليم لأنه الله الذي هو الذات المستجمع لجميع صفات الكمال .


قوله تعالى : « و لئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها» - إلى قوله - لا يعقلون» المراد بإحياء الأرض بعد موتها إنبات النبات في الربيع .


و قوله : « قل الحمد لله» أي احمد الله على تمام الحجة عليهم باعترافهم بأن الله هو المدبر لأمر خلقه فلزمهم أن يعبدوه دون غيره من الأصنام و أرباب الأصنام .


و قوله : « بل أكثرهم لا يعقلون» أي لا يتدبرون الآيات و لا يحكمون العقول حتى يعرفوا الله و يميزوا الحق من الباطل فهم لا يعقلون حق التعقل .


قوله تعالى : « و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو و لعب و إن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون» اللهو ما يلهيك و يشغلك عما يهمك فالحياة الدنيا من اللهو لأنها تلهي الإنسان و تشغله بزينتها المزوقة الفانية عن الحياة الخالدة الباقية .


و اللعب فعل أو أفعال منتظمة انتظاما خياليا لغاية خيالية كملاعب الصبيان و الحياة الدنيا لعب لأنها فانية سريعة البطلان كلعب الصبيان يجتمعون عليه و يتولعون به ساعة ثم يتفرقون و سرعان ما يتفرقون .


على أن عامة المقاصد التي يتنافس فيها المتنافسون و يتكالب عليه الظالمون أمور وهمية سرابية كالأموال و الأزواج و البنين و أنواع التقدم و التصدر و الرئاسة و المولوية و الخدم و الأنصار و غيرها فالإنسان لا يملك شيئا منها إلا في ظرف الوهم و الخيال .


و أما الحياة الآخرة التي يعيش فيها الإنسان بكماله الواقعي الذي اكتسبه بإيمانه و عمله الصالح فهي المهمة التي لا لهو في الاشتغال بها و الجد الذي لا لعب فيها و لا لغو و لا تأثيم ، و البقاء الذي لا فناء معه ، و اللذة التي لا ألم ، عندها و السعادة التي لا شقاء دونها ، فهي الحياة بحقيقة معنى الكلمة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :150


و هذا معنى قوله سبحانه : « و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو و لعب و إن الدار الآخرة لهي الحيوان» .


و في الآية - كما ترى - قصر الحياة الدنيا في اللهو و اللعب و الإشارة إليها بهذه المفيدة للتحقير و قصر الحياة الآخرة في الحيوان و هو الحياة و تأكيده بأدوات التأكيد كان و اللام و ضمير الفصل و الجملة الاسمية .


و قوله : « لو كانوا يعلمون» أي لو كانوا يعلمون لعلموا أن الأمر كما وصفنا .


قوله تعالى : « فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون» تفريع على ما تحصل من الآيات السابقة من شأنهم و هو أنهم يؤفكون و أن كثيرا منهم لا يعقلون أي لما كانوا يؤفكون و يصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره و أكثرهم لا يعقلون و يناقضون أنفسهم بالاعتراف و الجحد فإذا ركبوا « إلخ» .


و الركوب الاستعلاء بالجلوس علىالشي‏ء المتحرك و هو متعد بنفسه و تعديته في الآية بفي لتضمنه معنى الاستقرار أو ما يشبهه ، و المعنى : فإذا ركبوا مستقرين في الفلك أو استقروا في الفلك راكبين ، و معنى الآية ظاهر و هي تحكي عنهم تناقضا آخر و كفرانا للنعمة .


قوله تعالى : « ليكفروا بما آتيناهم و ليتمتعوا فسوف يعلمون» اللام في « ليكفروا» و « ليتمتعوا» لام الأمر و أمر الآمر بما لا يرتضيه تهديد و إنذار كقولك لمن تهدده : « افعل ما شئت» ، قال تعالى : « اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير» : حم السجدة : 40 .


و احتمل كون اللام للغاية ، و المعنى : أنهم يأتون بهذه الأعمال لتنتهي بهم إلى كفران النعمة التي آتيناهم و إلى التمتع ، و أول الوجهين أوفق لقوله في ذيل الآية : « فسوف يعلمون» ، و يؤيده قوله في موضع آخر : « ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون» : الروم : 34 ، و لذا قرأه من قرأ « و ليتمتعوا» بسكون اللام إذ لا يسكن غير لام الأمر .


قوله تعالى : « أ و لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا و يتخطف الناس من حولهم» الحرم الأمن هو مكة و ما حولها و قد جعله الله مأمنا بدعاء إبراهيم (عليه‏السلام‏) و التخطف


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :151


كالخطف استلاب الشي‏ء بسرعة و اختلاسه و قد كانت العرب يومئذ تعيش في التغاور و التناهب و لا يزالون يغير بعضهم على بعض بالقتل و السبي و النهب لكنهم يحترمون الحرم و لا يتعرضون لمن أقام بها فيها .


و المعنى : أ و لم ينظروا أنا جعلنا حرما آمنا لا يتعرض لمن فيه بقتل أو سبي أو نهب و الحال أن الناس يختلسون من حولهم خارج الحرم .


و قوله : « أ فبالباطل يؤمنون و بنعمة الله يكفرون» توبيخ آخر لهم حيث يقابلون هذه النعمة و هي نعمة عظيمة بالكفران لكنهم يؤمنون بالأصنام و هي باطلة ليس لها إلا الاسم .


قوله تعالى : « و من أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أ ليس في جهنم مثوى للكافرين» تهديد لهم بالنار بتوسيمهم بأشد الظلم و أعظمه و هو افتراء الكذب على الله بالقول بالآلهة و أن الله اتخذهم شركاء لنفسه ، و تكذيب الإنسان بالحق لما جاءه و الوصفان جميعا موجودان فيهم فقد عبدوا الأصنام و كذبوا بالقرآن لما جاءهم فهم كافرون و مثوى الكافرين و محل إقامتهم في الآخرة جهنم .


قوله تعالى : « و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و إن الله لمع المحسنين» الجهد الوسع و الطاقة و المجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو و الجهاد ثلاثة أضرب : مجاهدة العدو الظاهر ، و مجاهدة الشيطان ، و مجاهدة النفس كذا ذكره الراغب .


و قوله : « جاهدوا فينا» أي استقر جهادهم فينا و هو استعارة كنائية عن كون جهده مبذولا فيما يتعلق به تعالى من اعتقاد عمل ، فلا ينصرف عن الإيمان به و الائتمار بأوامره و الانتهاء عن نواهيه بصارف يصرفه .


و قوله : « لنهدينهم سبلنا» أثبت لنفسه سبلا و هي أيا ما كانت تنتهي إليه تعالى فإنما السبيل سبيل لتأديته إلى ذي السبيل و هو غايتها فسبله هي الطرق المقربة منه و الهادية إليه تعالى ، و إذ كانت نفس المجاهدة من الهداية كانت الهداية إلىالسبل هداية على هداية فتنطبق على مثل قوله تعالى : « و الذين اهتدوا زادهم هدى» : محمد : 17 .


و مما تقدم يظهر أن لا حاجة في قوله : « فينا» إلى تقدير مضاف كشأن و التقدير في شأننا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :152


و قوله : « و إن الله لمع المحسنين» قيل أي معية النصرة و المعونة و تقدم الجهاد المحتاج إليهما قرينة قوية على إرادة ذلك .


انتهى .


و هو وجه حسن و أحسن منه أن يفسر بمعية الرحمة و العناية فيشمل معية النصرة و المعونة و غيرهما من أقسام العنايات التي له سبحانه بالمحسنين من عباده لكمال عنايته بهم و شمول رحمته لهم ، و هذه المعية أخص من معية الوجود الذي ينبى‏ء عنه قوله تعالى : « و هو معكم أينما كنتم» : الحديد : 4 .


و قد تقدمت الإشارة إلى أن الآية خاتمة للسورة منعطفة على فاتحتها .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي الدنيا و البيهقي في شعب الإيمان عن أبي جعفر قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الحيوان و هو يسعى لدار الغرور .


و فيه ، أخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنهم قالوا : يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا و العرب أكثر منا فمتى بلغهم أنا قد دخلنا في دينك اختطفنا فكنا أكلة رأس فأنزل الله : « أ و لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا» الآية .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و الذين جاهدوا فينا - لنهدينهم سبلنا و إن الله لمع المحسنين» : في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : هذه الآية لآل محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لأشياعهم.

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :