امروز:
يکشنبه 2 مهر 1396
بازدید :
659
تفسيرالميزان : سوره روم آيات 60- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :153


30 سورة الروم مكية ، و هي ستون آية 60



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :154


سورة الروم‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم‏(1) غُلِبَتِ الرُّومُ‏(2) فى أَدْنى الأَرْضِ وَ هُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سيَغْلِبُونَ‏(3) فى بِضع سِنِينَللَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَ مِن بَعْدُوَ يَوْمَئذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ‏(4) بِنَصرِ اللَّهِيَنصرُ مَن يَشاءُوَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏(5) وَعْدَ اللَّهِلا يخْلِف اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لَكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏(6) يَعْلَمُونَ ظهِراً مِّنَ الحَْيَوةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ‏(7) أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فى أَنفُسِهِممَّا خَلَقَ اللَّهُ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ مَا بَيْنهُمَا إِلا بِالْحَقّ‏ِ وَ أَجَلٍ مُّسمًّىوَ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاى رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ‏(8) أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فى الأَرْضِ فَيَنظرُوا كَيْف كانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْكانُوا أَشدَّ مِنهُمْ قُوَّةً وَ أَثَارُوا الأَرْض وَ عَمَرُوهَا أَكثرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَ جَاءَتْهُمْ رُسلُهُم بِالْبَيِّنَتِفَمَا كانَ اللَّهُ لِيَظلِمَهُمْ وَ لَكِن كانُوا أَنفُسهُمْ يَظلِمُونَ‏(9) ثُمَّ كانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسئُوا السوأَى أَن كذَّبُوا بِئَايَتِ اللَّهِ وَ كانُوا بهَا يَستَهْزِءُونَ‏(10) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثمَّ يُعِيدُهُ ثمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏(11) وَ يَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يُبْلِس الْمُجْرِمُونَ‏(12) وَ لَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شرَكائهِمْ شفَعَؤُا وَ كانُوا بِشرَكائهِمْ كفِرِينَ‏(13) وَ يَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئذٍ يَتَفَرَّقُونَ‏(14) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ فَهُمْ فى رَوْضةٍ يُحْبرُونَ‏(15) وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِئَايَتِنَا وَ لِقَاى الاَخِرَةِ فَأُولَئك فى الْعَذَابِ محْضرُونَ‏(16) فَسبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسونَ وَ حِينَ تُصبِحُونَ‏(17) وَ لَهُ الْحَمْدُ فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظهِرُونَ‏(18) يخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يخْرِجُ الْمَيِّت مِنَ الْحَىّ‏ِ وَ يحْىِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَاوَ كَذَلِك تخْرَجُونَ‏(19)


بيان


تفتتح السورة بوعد من الله و هو أن الروم ستغلب الفرس في بضع سنين بعد انهزامهم أيام نزول السورة عن الفرس ثم تنتقل منه إلى ذكر ميعاد أكبر و هو الوعد بيوم يرجع الكل فيه إلى الله و تقيم الحجة على المعاد ثم تنعطف إلىذكر آيات الربوبية و تصف صفاته تعالى الخاصة به ثم تختتم السورة بوعد النصر للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تؤكد القول فيه إذ تقول : « فاصبر إن وعد الله حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون» و قد قيل قبيل ذلك : « و كان حقا علينا نصر المؤمنين» .


فغرض السورة هو الوعد القطعي منه تعالى بنصرة دينه و قد قدم عليه نصر الروم على الفرس في بضع سنين من حين النزول ليستدل بإنجاز هذا الوعد على إنجاز ذلك الوعد ، و كذا يحتج به و من طريق العقل على أنه سينجز وعده بيوم القيامة لا ريب فيه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :155


قوله تعالى : « غلبت الروم في أدنى الأرض» الروم جيل من الناس على ساحل البحر الأبيض بالمغرب كانت لهم إمبراطورية وسيعة منبسطة إلى الشامات وقعت بينهم و بين الفرس حرب عوان في بعض نواحي الشام قريبا من الحجاز فغلبت الفرس و انهزمت الروم ، و الظاهر أن المراد بالأرض أرض الحجاز و اللام للعهد .


قوله تعالى : « و هم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين» ضمير الجمع الأول للروم و كذا الثالث و أما الثاني فقد قيل إنه للفرس و المعنى : و الروم من بعد غلبة الفرس سيغلبون ، و يمكن أن يكون الغلب من المصدر المبني للمفعول و الضمير للروم كالضميرين قبلها و بعدها فلا تختلف الضمائر و المعنى : و الروم من بعد مغلوبيتهم سيغلبون .


و البضع من العدد من ثلاثة إلى تسعة .


قوله تعالى : « لله الأمر من قبل و من بعد» قبل و بعد مبنيان على الضم فهناك مضاف إليه مقدر و التقدير لله الأمر من قبل أن غلبت الروم و من بعد أن غلبت يأمر بما يشاء فينصر من يشاء و يخذل من يشاء .


و قيل : المعنى لله الأمر من قبل كونهم غالبين و هو وقت كونهم مغلوبين و من بعد كونهم مغلوبين و هو وقت كونهم غالبين أي وقت كونهم مغلوبين و وقت كونهم غالبين و المعنى الأول أرجح إن لم يكن راجحا متعينا .


قوله تعالى : « و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء و هو العزيز الرحيم» الظرف متعلق بيفرح و كذا قوله « ينصر» و المعنى : و يوم إذ يغلب الروم يفرح المؤمنون بنصر الله الروم ، ثم استأنف و قال : « ينصر من يشاء» تقريرا لقوله : « لله الأمر من قبل و من بعد» .


و قوله : « و هو العزيز الرحيم» أي عزيز يعز بنصره من يشاء رحيم يخص برحمته من يشاء .


و في الآية وجوه أخر ضعيفة ذكروها : منها : أن قوله « و يومئذ» عطف على قوله : « من قبل» و المراد به شمول سلطنته تعالى لجميع الأزمنةالثلاثة : الماضي و المستقبل و الحال كأنه قيل : لله الأمر من قبل و من بعد و يومئذ ثم ابتداء و قيل : يفرح المؤمنون بنصر الله .


و فيه أنه يبطل


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :156


انسجام الآية و ينقطع به آخرها عن أولها .


و منها : أن قوله : « بنصر» متعلق بقوله : « المؤمنون» دون « يفرح» و يدل بالملازمة المقامية أن غلبة الروم بنصر من الله .


و فيه أن لازمه أن يفرح المؤمنون يوم غلبة الفرس و يوم غلبة الروم جميعا فإن في الغلبة نصرا و كل نصر من الله قال تعالى : « و ما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم» : آل عمران : 126 فقصر فرح المؤمنين بالنصر بيوم غلبة الروم ترجيح بلا مرجح فافهمه .


و منها : أن المراد بنصر الله نصر المؤمنين على المشركين يوم بدر دون نصر الروم على الفرس و إن توافق النصران زمانا فكأنه قيل : إن الروم سيغلبون في بضع سنين و يوم يغلبون يغلب المؤمنون المشركين فيفرحون بنصر الله إياهم .


و فيه أن هذا المعنى لا يلائم قوله بعد : « ينصر من يشاء» .


و منها : أن المراد بالنصر نصر المؤمنين بصدق إخبارهم بغلبة الروم ، و قيل : النصر هو استيلاء بعض الكفار على بعض و تفرق كلمتهم و انكسار شوكتهم .


و هذان و ما يشبههما وجوه لا يعبأ بها .


قوله تعالى : « وعد الله لا يخلف الله وعده و لكن أكثر الناس لا يعلمون» « وعد الله» مفعول مطلق محذوف العامل و التقدير وعد الله وعدا و إخلاف الوعد خلاف إنجازه و قوله : « وعد الله» تأكيد و تقرير للوعد السابق في قوله : « سيغلبون» و « يفرح المؤمنون» كما أن قوله : « لا يخلف الله وعده» تأكيد و تقرير لقوله : « وعد الله» .


و قوله : « لا يخلف الله وعده» كقوله : « إن الله لا يخلف الميعاد» : الرعد : 31 و خلف الوعد و إن لم يكن قبيحا بالذات لأنه ربما يحسن عند الاضطرار لكنه سبحانه لا يضطره ضرورة فلا يحسن منه خلف الوعد في حال .


على أن خلف الوعد يلازم النقص دائما و يستحيل النقص عليه تعالى .


على أنه تعالى أخبر في كلامه بأنه لا يخلف الميعاد و هو أصدق الصادقين و هو القائل عز من قائل : « و الحق أقول» : ص : 84 .


و قوله : « و لكن أكثر الناس لا يعلمون» أي هم جهلاء بشئونه تعالى لا يثقون بوعده و يقيسونه إلى أمثالهم ممن يصدق و يكذب و ينجز و يخلف .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :157


قوله تعالى : « يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون» جملة « يعلمون» على ما ذكره في الكشاف ، بدل من قوله : « لا يعلمون» و في هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه و جعله بحيث يقوم مقامه و يسد مسده ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل و بين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا انتهى .


و قيل : الجملة استثنائية لبيان موجب جهلهم بأن وعد الله حق و أن لله الأمر من قبل و من بعد و أنه ينصر المؤمنين على الكافرين .


انتهى و هذا أظهر .


و تنكير « ظاهرا» للتحقير و ظاهر الحياة الدنيا ما يقابل باطنها و هو الذي يناله حواسهم الظاهرة من زينة الحياة فيرشدهم إلى اقتنائها و العكوفعليها و الإخلاد إليها و نسيان ما وراءها من الحياة الآخرة و المعارف المتعلقة بها و الغفلة عما فيه خيرهم و نفعهم بحقيقة معنى الكلمة .


و قيل : الظهور في الآية بمعنى الزوال و استشهد بقوله : و عيرها الواشون أني أحبها .


و تلك شكاة ظاهر عنك عارها .


و المعنى : يعلمون أمرا زائلا لا بقاء له لكنه معنى شاذ الاستعمال .


قوله تعالى : « أ و لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات و الأرض و ما بينهما إلا بالحق و أجل مسمى» إلخ المراد من خلق السماوات و الأرض و ما بينهما - و ذلك جملة العالم المشهود - بالحق أنها لم تخلق عبثا لا غاية لها وراءها بأن يوجد و يعدم ثم يوجد ثم يعدم من غير غرض و غاية فهو تعالى إنما خلقها لغاية تترتب عليها .


ثم إن العالم بأجزائها ليس بدائم الوجود غير منقطع الآخر حتى يحتمل كون كل جزء لاحق غاية للجزء السابق و كل آت خلفا لماضيه بل هو بأجزائه فان بائد فهناك غاية مقصودة من خلق العالم ستظهر بعد فناء العالم و هذا المعنى هو المراد بتقييد قوله : « ما خلق الله السماوات و الأرض و ما بينهما» بقوله : « و أجل مسمى» بعد تقييده بقوله : « إلا بالحق» .


فقوله : « أ و لم يتفكروا في أنفسهم» الاستفهام للتعجيب ، و كونهم في أنفسهم استعارة كنائية عن فراغ البال و حضور الذهن كأنهم عند اشتغالهم بأمور الدنيا و سعيهم للمعيشة و تشوش البال يغيبون عن أنفسهم فيكونون عند حضور الذهن حاضرين مستقرين


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :158


في أنفسهم فيكون تفكرهم حينئذ مجتمعا غير متفرق فيهديهم إلى الحق و يرشدهم إلى الواقع .


و قيل : المراد بتفكرهم في أنفسهم أن يتفكروا في خلق أنفسهم و أن الواحد منهم محدث و المحدث - بالفتح - يحتاج إلى محدث - بالكسر - قديم حي قادر عليم حكيم فلا يخلق ما يخلق عبثا بل لغاية مطلوبة و ليست تعودإليه نفسه لغناء المطلق بل إلى الخلق و هو الثواب و لا يكون إلا لصالح العمل فلا بد من دين مشرع يميز العمل الصالح من السيى‏ء فلا بد من دار يمتحنون فيها و هي الدنيا و دار يثابون فيها و هي الآخرة .


و فيه أن الجملة أعني قوله : « أ و لم يتفكروا في أنفسهم» صالح في نفسه لأن يراد منها هذا المعنى لكن اتصال قوله : « ما خلق الله السماوات» إلخ ، بها يأباه لاستلزامه بطلان الاتصال لعدم الارتباط بين صدر الآية و ذيلها على هذا التقدير .


و قوله : « ما خلق الله السماوات و الأرض و ما بينهما إلا بالحق و أجل مسمى» هو الفكرالذي يجب عليهم أن يمعنوا فيه النظر في أنفسهم و تقريره على ما تقدم أن الله سبحانه ما خلق هذا العالم كلا و لا بعضا إلا خلقا ملابسا للحق أو مصاحبا للحق أي لغاية حقيقية لا عبثا لا غاية له و لا إلى أجل معين فلا يبقى شي‏ء منها إلى ما لا نهاية له بل يفنى و ينقطع و إذا كان كل من أجزائه و المجموع مخلوقا ذا غاية تترتب عليها و ليس شي‏ء منها دائم الوجود كانت غايته مترتبة عليه بعد انقطاع وجوده و فنائه ، و هذا هو الآخرة التي ستظهر بعد انقضاء الدنيا و فنائها .


و قوله : « و إن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون» مسوق سوق التعجيب كما بدأت الآية باستفهام التعجيب ، و المراد بلقاء الله هو الرجوع إليه في المعاد ، و قد عبر عنه باللقاء ليزداد كفرهم به عجبا فكيف يمكن أن يبتدئوا منه ثم لا ينتهوا إليه ، و لذلك أكده بإن إشارة إلى أن الكفر بالمعاد من شأنه في نفسه أن لا يصدق به .


قوله تعالى : « أ و لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم» إلى آخر الآية ، لما ذكر كفر كثير من الناس بالمعاد و ذلك أمر يلغو معه الدين الحق ذكرهم حال الأمم الكافرة و ما انتهت إليه من سوء العذاب لعلهم يعتبرون بها فيرجعوا عما هم عليه من الكفر .


و إثارة الأرض قلبها ظهر البطن للحرث و التعمير و نحو ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :159


و قوله : « و لكن كانوا أنفسهم يظلمون» أي بالكفر و المعاصي .


قوله تعالى : « ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله و كانوا بها يستهزءون» بيان لما انتهى إليه أمر أولئك الظالمين و لذا عبر بثم ، و « عاقبة» بالنصب خبر كان و اسمه « السوآى» قدم الخبر عليه لإفادة الحصر و « أساءوا» مقطوع عن المتعلق بمعنى عملوا السوء ، و السوآى الخلة التي يسوء صاحبها و المراد بها سوء العذاب و « أن كذبوا بآيات الله» بحذف لام التعليل و التقدير لتكذيبهم بآيات الله و استهزائهم بها .


و المعنى : ثم كان سوء العذاب هو الذي انتهى إليه أمر أولئك الذين عملوا السوء لم تكن لهم عاقبة غيرها لتكذيبهم بآيات الله و استهزائهم بها .


و قيل : إن « السوآى» مفعول لقوله : « أساءوا» و خبر كان هو قوله : « أن كذبوا» إلخ ، و المراد أن المعاصي ساقتهم إلى الكفر بتكذيب آيات الله و الاستهزاء بها .


و فيه : أنه في نفسه معنى صحيح لكن المناسب للمقام هو المعنى الأول لأن المقام مقام الاعتبار و الإنذار و المناسب له بيان انتهاء معاصيهم إلى سوء العذاب لا انتهاء معاصيهم المتفرقة إلى التكذيب و الاستهزاء الذي هو أعظمها .


قوله تعالى : « الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون» بعد ما ذكر الحجة و تكذيب كثير من الناس لخص القول في نتيجتها و هو أن البدء و العود بيده سبحانه و سيرجع إليه الجميع ، و المراد بالخلق المخلوقون ، و لذا أرجع إليه ضمير الجمع في ترجعون .


قوله تعالى : « و يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون» ذكر حال المجرمين بعد قيام الساعة و هي ساعة الرجوع إليه تعالى للحساب و الجزاء ، و الإبلاس اليأس من الله و فيه كل الشقاء .


قوله تعالى : «و لم يكن لهم من شركائهم شفعاء و كانوا بشركائهم كافرين» يريد أنهم على يأسهم من الرحمة من ناحية أعمالهم أنفسهم آيسون من آلهتهم الذين اتخذوهم شركاء لله فعبدوهم ليشفعوا لهم عند الله كما كانوا يقولون في الدنيا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله و كانوا بعبادة شركائهم كافرين ساترين .


قوله تعالى : « و يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون - إلى قوله - محضرون » قال


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :160


في المجمع : الروضة البستان المتناهي منظرا و طيبا .


انتهى .


و قال في المفردات : الحبر الأثر المستحسن - إلى أن قال - و قوله عز و جل : « في روضة يحبرون» أي يفرحون حتى يظهر عليهم حبار نعيمهم .


انتهى .


و المراد بتفرق الخلق يومئذ تميز المؤمنين الصالحين من المجرمين و دخول هؤلاء النار و دخول أولئك الجنة على ما يشير إليه الآيتان التاليتان .


و لزوم هذا التميز و التفرق في الوجود هو الذي أخذه الله سبحانه حجة على ثبوت المعاد حيث قال : « أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم ساء ما يحكمون : الجاثية : 21 .


قوله تعالى : « فسبحان الله حين تمسون و حين تصبحون و له الحمد في السماوات و الأرض و عشيا و حين تظهرون» لما ذكر أنه يبدأ الخلق ثم يعيدهم و يرجعهم للقائه فيفرقهم طائفتين : أهل الجنة و النعمة و أهل النار و العذاب ، أما أهل الجنة فهم المؤمنون العاملون للصالحات و أما أهل النار فهم الكفار المكذبون لآيات الله و قد ذكر أنهم كانوا في الدنيا أهل قوة و نعمة لكنهم نسوا الآخرة و كذبوا بآيات الله و استهزءوا بها حتى انتهى بهم الأمر إلى سوء العذاب عذاب الاستئصال جزاء لظلمهم أنفسهم و ما ظلمهم الله و لكن كانوا أنفسهم يظلمون .


فتحصل من ذلك أن في دار الخلقة تدبيرا إلهيا متقنا صالحا جميلا على أجمل ما يكون و أن للإنسان على توالي الأزمنة و الدهور آثاما و خطيئات من العقيدة السيئة في حق ربه و اتخاذ شركاء له و إنكار لقائه إلى سائر المعاصي .


ذيل الكلام بتسبيحه كلما تجدد حين بعد حين و تحميده على صنعه و تدبيره في السماوات و الأرض و هو مجموع العالم المشهود فهو سبحانه منزه عن هذه الاعتقادات الباطلة و الأعمال الردية و محمود في جميع ما خلقه و دبره في السماوات و الأرض .


و من هناك يظهر : أولا : أن التسبيح و التحميد في الآيتين إنشاء تنزيه و ثناء منه تعالى لا من غيره حتى يكون المعنى : قولوا سبحان الله و قولوا الحمد لله فقد تكرر في كلامه تعالى تسبيحه و تحميده لنفسه كقوله : « سبحان ربك رب العزة» : الصافات : 180 و قوله : « الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده» : الفرقان : 1 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :161


و ثانيا : أن المراد بالتسبيح و التحميد معناهما المطلق دون الصلوات اليومية المفروضة كما يقول به أكثر القائلين بكون القول مقدرا .


و المعنى : قولوا سبحان الله و قولوا الحمد لله .


و ثالثا : أن قوله : « و له الحمد في السماوات و الأرض» معترضة واقعة بين المعطوف و المعطوف عليه ، و قوله : « و عشيا و حين تظهرون» معطوفان على محل « حين تمسون» لا على قوله : « في السماوات و الأرض» حتى يختص المساء و الصباح بالتسبيح و السماوات و الأرض و العشي و الظهيرة بالتحميد بل الأوقات و ما فيها للتسبيح و الأمكنة و ما فيها للتحميد .


فالسياق يشير إلى أن ما في السماوات و الأرض من خلق و أمر هو لله يستدعي بحسنه حمدا و ثناء لله سبحانه و أن للإنسان على مر الدهور و تغير الأزمنة و الأوقات من الشرك و المعصية ما يتنزه عنه ساحة قدسه تعالى و تقدس .


نعم هاهنا اعتبار آخر يتداخل فيه التحميد و التسبيح و هو أن الأزمنة و الأوقات على تغيرها و تصرمها من جملة ما في السماوات و الأرض فهي بوجودها يثني على الله تعالى ، ثم كل ما في السماوات و الأرض بفقرها إليه تعالى و ذلتها دونه و نقصها بالنسبة إلى كماله تعالى تسبحه كما قال : « و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده» : إسراء : 44 ، لكن هذا الاعتبار غير منظور إليه في الآيتين اللتين نحن فيهما .


و للمفسرين في الآيتين أقوال أخر متفرقة أشرنا إلى المهم منها في الوجوه التي قدمناها .


و تغيير السياق في قوله : « و عشيا» لكون العشي لم يبن منه فعل من باب الإفعال بخلاف المساء و الصباح و الظهيرة حيث بني منهاالإمساء و الإصباح و الإظهار بمعنى الدخول في المساء و الصباح و الظهيرة كذا قيل .


و الخطاب الذي في الآيتين في قوله : « تمسون و تصبحون و تظهرون» ليس من الالتفات في شي‏ء بل تعميم للخطاب الذي للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) منذ شرعت السورة ، و المعنى :


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :162


فإذا كان الأمر على هذه السبيل فالله منزه حينما دخلتم أنتم معاشر البشر في مساء و حينما دخلتم في صباح و في العشي و حينما دخلتم في ظهيرة و له الثناء الجميل في السماوات و الأرض .


و نظير هذا التعميم ما في قوله سابقا : «ثم إليه ترجعون» و لاحقا في قوله : « و كذلك تخرجون» .


قوله تعالى : « يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي و يحيي الأرض بعد موتها و كذلك تخرجون» ظاهر إخراج الحي من الميت و بالعكس خلق ذوي الحياة من الأرض الميتة ثم تبديل ذوي الحياة أرضا ميتة ، و قد فسر بخلق المؤمن من الكافر و خلق الكافر من المؤمن فإنه يعد المؤمن حيا و الكافر ميتا ، قال تعالى : « أ و من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا» : الأنعام : 122 .


و أما إحياء الأرض بعد موتها فهو انتعاش الأرض و ابتهاجها بالنبات في الربيع و الصيف بعد خمودهافي الخريف و الشتاء ، و قوله : « و كذلك تخرجون» أي تبعثون و تخرجون من قبوركم بإحياء جديد كإحياء الأرض بعد موتها ، و قد تقدم تفسير نظير صدر الآية و ذيلها مرارا .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج أحمد و الترمذي و حسنه و النسائي و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني في الكبير و الحاكم و صححه و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل و الضياء عن ابن عباس : في قوله : « الم غلبت الروم» قال : غلبت و غلبت . قال : كان المشركون يحبون أن يظهر فارس على الروم ، لأنهم أصحاب أوثان ، و كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم علىفارس لأنهم أصحاب كتاب ، فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال له رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أما إنهم سيغلبون فذكره أبو بكر لهم فقالوا : اجعل بيننا و بينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا و كذا و إن ظهرتم كان لكم كذا و كذا فجعل لهم خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : أ لا جعلته أراه قال : دون العشر ، فظهرت الروم بعد ذلك فذلك قوله : الم غلبت الروم فغلبت ثم غلبت بعد .


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :163


يقول الله : « لله الأمر من قبل و من بعد - و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله» قال سفيان : سمعت أنهم قد ظهروا يوم بدر .


أقول : و في هذا المعنى روايات أخر مختلفة المضامين في الجملة ففي بعضها أن المقامرة كانت بين أبي بكر و أبي بن خلف و في بعضها أنها كانت بين المسلمين و المشركين و كان أبو بكر من قبل المسلمين و أبي من قبل المشركين ، و في بعضها أنها كانت بين الطائفتين ، و في بعضها بين أبي بكر و بين المشركين كما في هذه الرواية .


ثم الأجل المضروب في بعضها ثلاث سنين ، و في بعضها خمس ، و في بعضها ست ، و في بعضها سبع سنين .


و في بعضها أن الأجل المضروب أولا انقضى بمكة و هو سبع سنين فمادهم أبو بكر سنتين بأمر من النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فغلبت الروم ، و في بعضها خلافه .


ثم في بعضها أن الأجل الثاني انقضى بمكة و في بعضها أنه انقضى بعد الهجرة و كانت غلبة الروم يوم بدر ، و في بعضها يوم الحديبية .


و في بعضها أن أبا بكر لما قمرهم بغلبة الروم أخذ منهم الخطر و هو مائة قلوص و جاء به إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : إنه سحت تصدق به .


و الذي تتفق فيه الروايات أنه قامرهم فقمرهم و كان القمار بإشارة من النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و وجه ذلك بأنه كان قبل تحريم القمار فإنه حرم مع الخمر في سورة المائدة و قد نزلت في آخر عهد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و قد تحقق بما قدمناه في تفسير آية الخمر و الميسر أن الخمر كانت محرمة من أول البعثة و كان من المعروف من الدين أنه يحرم الخمر و الزنا .


على أن الخمر و الميسر من الإثم بنص آية البقرة : « يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير» الآية : البقرة : 219 . و الإثم محرم بنص آية الأعراف : « قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الإثم و البغي» الآية : الأعراف : 33 ، و الأعراف من العتائق النازلة بمكة فمن الممتنع أن يشير النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالمقامرة .


و على تقدير تأخر الحرمة إلى آخر عهد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يشكل قوله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لأبي بكر لما أتى بالخطر إليه أنه سحت ثم قوله : تصدق به .


فلا سبيل إلى تصحيح شي‏ء من ذلك


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :164


بالموازين الفقهية و قد تكلفوا في توجيه ذلك بما لا يزيد إلا إشكالا .


ثم إن ما في الرواية أن الفرس كانوا عبدة الأوثان لا يوافق ما كان عليه القوم فإنهم و إن كانوا مشركين لكنهم كانوا لا يتخذون أوثانا .


و في تفسير القمي ، : في قوله : « يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا - و هم عن الآخرة هم غافلون» قال : يرون حاضر الدنيا و يتغافلون عن الآخرة .


و في الخصال ، : و سئل الصادق (عليه‏السلام‏) عن قول الله تعالى : « أ و لم يسيروا في الأرض» فقال : أ و لم ينظروا في القرآن .


و في تفسير القمي ، : و قوله عز و جل : « و يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون» قال : إلى الجنة و النار .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :165


وَ مِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشرٌ تَنتَشِرُونَ‏(20) وَ مِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجاً لِّتَسكُنُوا إِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكم مَّوَدَّةً وَ رَحْمَةًإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏(21) وَ مِنْ ءَايَتِهِ خَلْقُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلَف أَلْسِنَتِكمْ وَ أَلْوَنِكمْإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّلْعَلِمِينَ‏(22) وَ مِنْ ءَايَتِهِ مَنَامُكم بِالَّيْلِ وَ النهَارِ وَ ابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضلِهِإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَسمَعُونَ‏(23) وَ مِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكمُ الْبرْقَ خَوْفاً وَ طمَعاً وَ يُنزِّلُ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَيُحْىِ بِهِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتِهَاإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏(24) وَ مِنْ ءَايَتِهِ أَن تَقُومَ السمَاءُ وَ الأَرْض بِأَمْرِهِثمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تخْرُجُونَ‏(25) وَ لَهُ مَن فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِكلٌّ لَّهُ قَنِتُونَ‏(26)


بيان


يذكر في هذا الفصل عدة من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى في الربوبية و الألوهية ، و يشار فيها إلى امتزاج الخلق و التدبير و تداخلهما ليتضح بذلك أن الربوبية بمعنى ملك التدبير و الألوهية بمعنى المعبودية بالحق لا يستحقهما إلا الله الذي خلق الأشياء و أوجدها ، لا كما يزعم الوثني أن الخلق لله وحده و التدبير و العبادة لأرباب الأصنام ليكونوا شفعاء لهم عند الله ، و ليس له سبحانه إلا أنه رب الأرباب و إله الآلهة .


قوله تعالى : « و من آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون» المراد بالخلق من تراب انتهاء خلقة الإنسان إلى الأرض فإن مراتب تكون الإنسان من مضغة أو علقة أو نطفة أو غيرها مركبات أرضية تنتهي إلى العناصر الأرضية .


و قوله : « ثم إذا أنتم بشر تنتشرون»إذا فجائية أي يفاجئكم أنكم أناسي تنتشرون في الأرض أي يخلقكم من تركيبات أرضية المترقب منها كينونة أرضية ميتة أخرى مثلها لكن يفاجئكم دفعة أنه يصير بشرا ذوي حياة و شعور عقلي ينتشرون في الأرض في سبيل تدمير أمر الحياة فقوله : « ثم إذا أنتم بشر تنتشرون» في معنى قوله : « ثم أنشأناه خلقا آخر» : المؤمنون : 14 .


فخلق الإنسان أي جمع أجزائه من الأرض و تأليفها آية و كينونة هذا المجموع إنسانا ذا حياة و شعور عقلي آية أو آيات أخر تدل على صانع حي عليم يدبر الأمر و يجري هذا النظام العجيب .


و قد ظهر بهذا المعنى أن « ثم»للتراخي الرتبي و الجملة معطوفة على قوله : « خلقكم» لا على قوله : « أن خلقكم» .


قوله تعالى : « و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها»


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :166


إلى آخر الآية ، قال الراغب : يقال لكل واحد من القرينين من الذكر و الأنثى من الحيوانات المتزاوجة : زوج و لكل قرينين فيها و في غيرها : زوج ، قال تعالى : « فجعل منه الزوجين الذكر و الأنثى» و قال : « و زوجك الجنة» و زوجة لغة رديئة و جمعها زوجات - إلى أن قال - و جمع الزوج أزواج .


انتهى .


فقوله : « أن خلق لكممن أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها» أي خلق لأجلكم - أو لينفعكم - من جنسكم قرائن و ذلك أن كل واحد من الرجل و المرأة مجهز بجهاز التناسل تجهيزا يتم فعله بمقارنة الآخر و يتم بمجموعهما أمر التوالد و التناسل فكل واحد منهما ناقص في نفسه مفتقر إلى الآخر و يحصل من المجموع واحد تام له أن يلد و ينسل ، و لهذا النقص و الافتقار يتحرك الواحد منهما إلى الآخر حتى إذا اتصل به سكن إليه لأن كل ناقص مشتاق إلى كماله و كل مفتقر مائل إلى ما يزيل فقره و هذا هو الشبق المودع في كل من هذين القرينين .


و قوله : « و جعل بينكم مودة و رحمة»المودة كأنها الحب الظاهر أثره في مقام العمل فنسبة المودة إلى الحب كنسبة الخضوع الظاهر أثره في مقام العمل إلى الخشوع الذي هو نوع تأثر نفساني عن العظمة و الكبرياء .


و الرحمة نوع تأثر نفساني عن مشاهدة حرمان المحروم عن الكمال و حاجته إلى رفع نقيصته يدعو الراحم إلى إنجائه من الحرمان و رفع نقصه .


و من أجل موارد المودة و الرحمة المجتمع المنزلي فإن الزوجين يتلازمان بالمودة و المحبة و هما معا و خاصة الزوجة يرحمان الصغار من الأولاد لما يريان ضعفهم و عجزهم عن القيام بواجب العمل لرفع الحوائج الحيوية فيقومان بواجب العمل في حفظهم و حراستهم و تغذيتهم و كسوتهم و إيوائهم و تربيتهم و لو لا هذه الرحمة لانقطع النسل و لم يعش النوع قط .


و نظير هذه المودة و الرحمة مشهود في المجتمع الكبير المدني بين أفراد المجتمع فالواحد منهم يأنس بغيره بالمودة و يرحم المساكين و العجزة و الضعفاء الذين لا يستطيعون القيام بواجبات الحياة .


و المراد بالمودة و الرحمة في الآية الأوليان على ما يعطيه مناسبة السياق أو الأخيرتان على ما يعطيه إطلاق الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :167


و قوله : « لآيات لقوم يتفكرون» لأنهم إذا تفكروا في الأصول التكوينية التي يبعث الإنسان إلى عقد المجتمع من الذكورة و الأنوثة الداعيتين إلى الاجتماع المنزلي و المودة و الرحمة الباعثتين على الاجتماع المدني ثم ما يترتب على هذا الاجتماع من بقاء النوع و استكمال الإنسان في حياتيه الدنيا و الأخرى عثروا من عجائب الآيات الإلهية في تدبير أمر هذا النوع على ما يبهر به عقولهم و تدهش به أحلامهم .


قوله تعالى : « و من آياته خلق السموات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم» إلى آخر الآية .


الظاهر أن يكون المراد باختلاف الألسن اختلاف اللغات من العربية و الفارسية و الأردوية و غيرها و باختلاف الألوان اختلاف الأمم في ألوانهم كالبياض و السواد و الصفرة و الحمرة .


و يمكن أن يستفاد اختلاف الألسنة من جهة النغم و الأصوات و نحو التكلم و النطق و باختلاف الألوان اختلاف كل فردين من أفراد الإنسان بحسب اللون لو دقق فيه النظر على ما يقول به علماء هذا الشأن .


فالباحثون عن العالم الكبير يعثرون في نظام الخلقة على آيات دقيقة دالة على أن الصنع و الإيجاد مع النظام الجاري فيه لا يقوم إلا بالله و لا ينتهي إلا إليه .


قوله تعالى : « و من آياته منامكم بالليل و النهار و ابتغاؤكم من فضله» إلى آخر الآية ، الفضل الزيادة على مقدار الحاجة و يطلق على العطية لأن المعطي إنما يعطي ما فضل من مقدار حاجته ، و المراد به في الآية الكريمة الرزق فابتغاء الفضل طلب الرزق .


و في خلق الإنسان ذا قوى فعالة تبعثه إلى طلب الرزق و رفع حوائج الحياة للبقاء بالحركة و السعي ثم هدايته إلى الاستراحة و السكون لرفع متاعب السعي و تجديد تجهيز القوى و تخصيص الليل و النهار المتعاقبين للسعي و السكون و التسبيب إلى وجود الليل و النهار بأوضاع سماوية قائمة بالأرض و الشمس لآيات نافعة لمن له سمع واع يعقل ما يسمع فإذا وجده حقا اتبعه .


قال في الكشاف ، في الآية : هذا من باب اللف و ترتيبه : و من آياته منامكم و ابتغاؤكم من فضله بالليل و النهار إلا أنه فصل بين القرينين الأولين بالقرينين الآخرين لأنهما زمانان و الزمان و الواقع فيه كشي‏ء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد و يجوز أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :168


يراد منامكم في الزمانين و ابتغاؤكم فيهما ، و الظاهر هو الأول لتكرره في القرآن و أسد المعاني ما دل عليه القرآن .


انتهى .


و قد ظهر مما تقدم معنى تذييل الآية بقوله : « إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون» .


قوله تعالى : « و منآياته يريكم البرق خوفا و طمعا و ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها» الظاهر أن الفعل نزل منزلة المصدر و لذلك لم يصدر بأن المصدرية كما صدر به قوله : « أن خلقكم» و قوله : « أن خلق لكم» و تنزيل الفعل منزلة المصدر لغة عربية جيدة و عليه يحمل المثل السائر : « و تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» و لا ضير في حمل كلامه تعالى عليه فهو تعالى يأتي في مفتتح هذه الآيات بفنون التعبير كقوله : « منامكم» « يريكم» « أن تقوم» .


و احتمل في قوله : « يريكم» أن يكون بحذف أن المصدرية و التقدير أن يريكم البرق و أيد بقراءة النصب في يريكم .


و احتمل أن يكون من حذف المضاف ، و التقدير : و من آياته آية أن يريكم البرق ، و احتمل أن يكون التقدير و من آياته آية البرق ثم استونف فقيل : يريكم البرق إلخ ، و احتمل أن يكون « من آياته» متعلقا بقوله : « يريكم» ، و التقدير : و يريكم من آياته البرق ، و احتمل أن يكون « من آياته» حالا من البرق ، و التقدير : و يريكم البرق حال كون البرق من آياته .


و هذه وجوه متفرقة لا يخفى عليك بعدها على أن بعضها يخرج الكلام في الآية عن موافقة السياق في الآيات السابقة النظيرة له كالوجهين الأخيرين .


و قوله : « خوفا و طمعا» أي خوفا من الصاعقة و طمعا في المطر ، و قوله : « و ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها» تقدم تفسيره كرارا ، و قوله : « إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون» أي إن أهل التعقل يفقهون أن هناك عناية متعلقه بهذه المصالح فليس مجرد اتفاق و صدفة .


قوله تعالى : « و من آياته أن تقوم السماء و الأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون» القيام مقابل القعود و لما كان أعدل حالات الإنسان حيث يقوى به على عامة أعماله استعير لثبوت الشي‏ء و استقراره على أعدل حالاته كما يستعار


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :169


لتدبير الأمر ، قال تعالى : « أ فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت» : الرعد : 33 .


و المراد بقيام السماء و الأرض بأمر من الله ثبوتهما على حالهما من حركة و سكون و تغير و ثبات بأمره تعالى و قد عرف أمره بقوله : « إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون» : يس : 82 .


و قوله : « ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون» « إذا» الأولى شرطية و « إذا» الثانية فجائية قائمة مقام فاء الجزاء و « من الأرض» متعلق بقوله : « دعوة» و الجملة معطوفة على محل الجملة الأولى لأن المراد بالجملة أعني قوله : « ثم إذا دعاكم» إلخ البعث و الرجوع إلى الله و ليس في عداد الآيات بل الجملة إخبار بأمر احتج عليه سابقا و سيحتج عليه لاحقا .


و أما قول القائل : إن الجملة على تأويل المفرد و هي معطوفة على « أن تقوم» و التقدير و من آياته قيام السماء و الأرض بأمره ثم خروجكم إذا دعاكم دعوة من الأرض .


فلازمه كون البعث معدودا من الآيات و ليس منها على أن البعث أحد الأصول الثلاثة التي يحتج بالآيات عليه ، و لا يحتج به على التوحيد مثلا بل لو احتج فبالتوحيد عليه فافهم ذلك .


و لما كانت الآيات المذكورة من خلقالبشر من تراب و خلقهم أزواجا و اختلاف ألسنتهم و ألوانهم و منامهم و ابتغائهم من فضله و إراءة البرق و تنزيل الماء من السماء كلها آيات راجعة إلى تدبير أمر الإنسان كان المراد بقوله : « أن تقوم السماء و الأرض» بمعونة السياق ثبات السماء و الأرض على وضعهما الطبيعي و حالهما العادية ملائمتين لحياة النوع الإنساني المرتبطة بهما و كان قوله : « ثم إذا دعاكم» إلخ مترتبا على ذلك ترتب التأخير أي إن خروجهم من الأرض متأخر عن هذا القيام مقارن لخرابهما كما ينبى‏ء به آيات كثيرة في مواضع مختلفة من كلامه تعالى .


و يظهر بذلك أيضا أن المراد من قوله السابق « و من آياته خلق السماوات و الأرض» خلقهما من جهة ما يرتبطان بالحياة البشرية و ينفعانها .


و قد رتبت الآيات المذكورة آخذة من بدء خلق الإنسان و تكونه ثم تصنفه صنفين : الذكر و الأنثى ثم ارتباط وجوده بالسماء و الأرض و اختلاف ألسنتهم و ألوانهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :170


ثم السعي في طلب الرزق و سكون المنام ثم إراءة البرق و تنزيل الأمطار حتى تنتهي إلى قيام السماء و الأرض إلى أجل مسمى ليتم لهذا النوم الإنساني ما قدر له من أمد الحياة و يعقب ذلك البعث فهذا بعض ما في ترتيب ذكر هذه الآيات من النكات .


و قد رتبت الفواصل أعني قوله « يتفكرون» « للعالمين» « يسمعون» « يعقلون» على هذا الترتيب لأن الإنسان يتفكر فيصير عالما ثم إذا سمع شيئا من الحقائق وعاه ثم عقله و الله أعلم .


قوله تعالى : « و له من في السماوات و الأرض كل له قانتون» كانت الآيات المذكورة مسوقة لإثبات ربوبيته تعالى و ألوهيته كما تقدمت الإشارة إليه و لما انتهى الكلام إلى ذكر البعث و الرجوع إلى الله عقب ذلك بالبرهان على إمكانه و الحجة مأخوذة من الخلق و التدبير المذكورين في الآيات السابقة .


فقوله : « و له من في السماوات و الأرض» إشارة إلى إحاطة ملكه الحقيقي لجميع من في السماوات و الأرض و هم المحشورون إليه و ذلك لأن وجودهم من جميع الجهات قائم به تعالى قيام فقر و حاجة لا استقلال و لا استغناء لهم عنه بوجه من الوجوه و هذا هو الملك الحقيقي الذي أثره جواز تصرف المالك في ملكه كيف شاء فله تعالى أن يتصرف في مملوكيه بنقلهم من النشأة الدنيا إلى النشأة الآخرة .


و قد أكد ذلك بقوله : « كل له قانتون» و القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع - على ما ذكره الراغب في المفردات - ، و المراد بالطاعة مع الخضوع الطاعة التكوينية - على ما يعطيه السياق - دون التشريعية التي ربما تخلفت .


و ذلك أنهم الملائكة و الجن و الإنس فأما الملائكة فليس عندهم إلا خضوع الطاعة ، و أما الجن و الإنس فهم مطيعون منقادون للعلل و الأسباب الكونية و كلما احتالوا في إلغاء أثر علة من العلل أو سبب من الأسباب الكونية توسلوا إلى علة أخرى و سبب آخر كوني ثم علمهم و إرادتهم كاختيارهم جميعا من الأسباب الكونية فلا يكون إلا ما شاء الله أي الذي تمت علله في الخارج و لا يتحقق مما شاءوا إلا ما أذن فيه و شاءه فهو المالك لهم و لما يملكونه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص:171


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :172


وَ هُوَ الَّذِى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِوَ لَهُ الْمَثَلُ الأَعْلى فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِوَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏(27) ضرَب لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْهَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَت أَيْمَنُكُم مِّن شرَكاءَ فى مَا رَزَقْنَكمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سوَاءٌ تخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكمْ أَنفُسكُمْكذَلِك نُفَصلُ الاَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏(28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيرِ عِلْمٍفَمَن يهْدِى مَنْ أَضلَّ اللَّهُوَ مَا لهَُم مِّن نَّصِرِينَ‏(29) فَأَقِمْ وَجْهَك لِلدِّينِ حَنِيفاًفِطرَت اللَّهِ الَّتى فَطرَ النَّاس عَلَيهَالا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِذَلِك الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏(30) × مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَ اتَّقُوهُ وَ أَقِيمُوا الصلَوةَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشرِكينَ‏(31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاًكلُّ حِزْبِ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ‏(32) وَ إِذَا مَس النَّاس ضرٌّ دَعَوْا رَبهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنهُم بِرَبِّهِمْ يُشرِكُونَ‏(33) لِيَكْفُرُوا بِمَا ءَاتَيْنَهُمْفَتَمَتَّعُوا فَسوْف تَعْلَمُونَ‏(34) أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلْطناً فَهُوَ يَتَكلَّمُ بِمَا كانُوا بِهِ يُشرِكُونَ‏(35) وَ إِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَةً فَرِحُوا بهَاوَ إِن تُصِبْهُمْ سيِّئَةُ بِمَا قَدَّمَت أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطونَ‏(36) أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسط الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ وَ يَقْدِرُإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏(37) فَئَاتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسكِينَ وَ ابْنَ السبِيلِذَلِك خَيرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِوَ أُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏(38) وَ مَا ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيرْبُوَا فى أَمْوَلِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِوَ مَا ءَاتَيْتُم مِّن زَكَوةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئك هُمُ الْمُضعِفُونَ‏(39)


بيان


لما انساق الاحتجاج على الوحدانية و المعاد من طريق عد الآيات الدالة على ذلك بقوله : « و من آياته» إلى قوله : « و له من في السماوات و الأرض» الآية ، و هو من صفات الفعل غير سياق الاحتجاج بالآيات إلى سياق الاحتجاج بصفاته الفعلية و أوردها إلى آخر السورة في أربعة فصول يورد في كل فصل شيئا من صفات الفعل المستوجبة للوحدانية و المعاد و هي قوله : « و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده» إلخ ، و قوله : « الله الذي خلقكم ثم رزقكم» إلخ ، و قوله : « الله الذي يرسل الرياح» إلخ ، و قوله : « الله الذي خلقكم من ضعف» إلخ .


و إنما لم يبدأ الفصل الأول باسم الجلالة كما بدأ به في الفصول الأخر لسبق ذكره في الآية السابقة عليه المتصلة به أعني قوله : « و له من في السماوات و الأرض كل له قانتون» الذي هو كالبرزخ المتوسط بين السياقين ، فقوله : « و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده» فصل في صورة الوصل .


قوله تعالى : « و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده و هو أهون عليه» إلى آخر الآية ، بدء الخلق إنشاؤه ابتداء من غير مثال سابق و الإعادة إنشاء بعد إنشاء .


و قوله : « و هو أهون عليه» الضمير الأول للإعادة المفهوم من قوله : « يعيد» و الضمير الثاني راجع إليه تعالى على ما يتبادر من السياق .


و قد استشكل قوله : « و هو أهون عليه» الدال ظاهرا على كون الإعادة أسهل و أهون عليه من البدء و هو ينافي كون قدرته مطلقة غير محدودة فإن القدرة


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :173


اللامتناهية لا تختلف حالها في تعلقها بشي‏ء دون شي‏ء فتعلقها بالصعب و السهل على السواء فلا معنى لاسم التفضيل هاهنا .


و قد أجيب عنه بوجوه : منها : أن ضمير « عليه» راجع إلى الخلق دونه تعالى و الإعادة أهون على الخلق لأنه مسبوق بالابتداء الذي يسهل الفعل على الفاعل بتحققه منه مرة أو أزيد بخلاف الابتداء الذي لا يسبقه فعل ، فالابتداء أصعب بالطبع بالنسبة إلى الإعادة و الإعادة بالعكس ، فالمعنى : أن الإعادة أهون من البدء بالنسبة إلى الخلق و إذا كان كذلك بالنسبة إلى الخلق فماظنك بالخالق .


و فيه أن رجوع الضمير إلى الخلق خلاف ظاهر الآية .


و منها : أن أفعل هاهنا منسلخ عن معنى التفضيل فأهون عليه بمعنى هين عليه نظير قوله : « ما عند الله خير من اللهو» .


و فيه أنه تحكم ظاهر لا دليل عليه .


و منها : أن التفضيل إنما هو للإعادة في نفسها بالقياس إلى الإنشاء الابتدائي لا بالنسبة إليه تعالى و وقوع التفضيل بين فعل منه و فعل لا بأس به كما في قوله تعالى : « لخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس» : المؤمن : 57 .


و هذا هو الذي يستفاد من كلام الزمخشري إذ يقول : فإن قلت : ما بال الإعادة استعظمت في قوله : « ثم إذا دعاكم» حتى كأنها فضلت على قيام السماوات و الأرض بأمره ثم هونت بعد ذلك ؟ قلت : الإعادة في نفسها عظيمة لكنها هونت بالقياس إلى الإنشاء .


انتهى .


و فيه أن تقييد الوصف بقوله : « عليه» أصدق شاهد على أن القياس الواقع بين الإعادة و الإنشاء إنما هو بالنسبة إليه تعالى لا بين نفس الإعادة و الإنشاء فالإشكال على ما كان .


و منها : أن التفضيل إنما هو بالنظر إلى الأصول الدائرة بين الناس و الموازين المتبعة عندهم لا بالنظر إلى الأمر في نفسه ، لما يرون أن تكرر الوقوع حتى لمرة واحدة يوجب سهولته على الفاعل بالنسبة إلى الفعل غير المسبوق بمثله فكأنه قيل : و الإعادة


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :174


أهون عليه بالنظر إلى أصولكم العلمية المتبعة عندكم و إلا فالإنشاء و الإعادة بالنسبة إليه تعالى على السواء .


و فيه أنه معنى صحيح في نفسه لكن الشأن في استفادته من اللفظ و لا شاهد عليه من جهة لفظ الآية .


و منها : ما ذكره أيضا في الكشاف ، قال : و وجه آخر و هو أن الإنشاء من قبيل التفضل الذي يتخير فيه الفاعل بين أن يفعله و أن لا يفعله و الإعادة من قبيل الواجب الذي لا بد له من فعله لأنها لجزاء الأعمال و جزاؤها واجب و الأفعال إما محال و المحال ممتنع أصلا خارج عن المقدور و أما ما يصرف الحكيم عن فعله صارف و هو القبيح و هو رديف المحال لأن الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنعه الإحالة ، و إما تفضل و التفضل حالة بين بين للفاعل أن يفعله و أن لا يفعله ، و إما واجب لا بد من فعله و لا سبيل إلى الإخلال به .


فكان الواجب أبعد الأفعال من الامتناع و أقربها من الحصول فلما كانت الإعادة من قبيل الواجب كانت أبعد الأفعال من الامتناع و إذا كانت أبعدها من الامتناع كانت أدخلها في التأتي و التسهل فكانت أهون منها و إذا كانت أهون منها كانت أهون من الإنشاء انتهى .


و فيه أولا : أنه مبني على تحقق الأشياء بالأولوية دون الوجوب و قد تحقق في محله بطلانه .


و ثانيا : أن القرب و البعد اللذين ذكرهما تصوير عقلي محض و السهولة و الصعوبة وصفان وجوديان يتصف بهما وجود الشي‏ء من حيث صدوره عن فاعله الموجد له و لا يبتني الوصف الوجودي على الاعتبار العقلي .


و ثالثا : أن الإنشاء أيضا كالإعادة في الابتناء على المصلحة و هي الغاية فما لم يكن الإنشاء ذا مصلحة موجبة لم يتحقق كما أن الإعادة كذلك فهما في القرب و البعد من الامتناع على السواء كما قيل .


و رابعا : أن مقتضى هذا الوجه كون الإعادة أهون من الإنشاء بالنظر إلى أنفسهما فيعود في الحقيقة إلى الوجه الثالث و يتوجه إليه ما توجه إليه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :175


و الذي ينبغي أن يقال أن الجملة أعني قوله : « و هو أهون عليه» معلل بقوله بعده : « و له المثل الأعلى في السماوات و الأرض و هو العزيز الحكيم» فهو الحجة المثبتة لقوله : « و هو أهون عليه» .


و المستفاد من قوله : « و له المثل الأعلى» إلخ ، إن كل وصف كمالي يمثل به شي‏ء في السماوات و الأرض كالحياة و القدرة و العلم و الملكو الجود و الكرم و العظمة و الكبرياء و غيرها فلله سبحانه أعلى ذلك الوصف و أرفعها من مرتبة تلك الموجودات المحدودة كما قال : « و لله الأسماء الحسنى» : الأعراف : 180 .


و ذلك أن كل وصف من أوصاف الكمال اتصف به شي‏ء مما في السماوات و الأرض فله في حد نفسه ما يقابله فإنه مما أفاضه الله عليه و هو في نفسه خال عنه فالحي منها ميت في ذاته و القادر منها عاجز في ذاته و لذلك كان الوصف فيها محدودا مقيدا بشي‏ء دون شي‏ء و حال دون حال ، و هكذا فالعلم فيها مثلا ليس مطلقا غير محدود بل محدود مخلوط بالجهل بما وراءه و كذلك الحياة و القدرة و الملك و العظمة و غيرها .


و الله سبحانه هو المفيض لهذه الصفات من فضله و الذي له من معنى هذه الصفات مطلق غير محدود و صرف غير مخلوط فلا جهل في مقابل علمه و لا ممات يقابل حياته و هكذا فله سبحانه من كل صفة يتصف به الموجودات السماوية و الأرضية - و هي صفات غير ممحضة و لا مطلقة - ما هو أعلاها أي مطلقها و محضها .


فكل صفة توجد فيه تعالى و في غيره من المخلوقات ، فالذي فيه أعلاها و أفضلها و الذي في غيره مفضول بالنسبة إلى ما عنده .


و لما كانت الإعادة متصفة بالهون إذا قيس إلى الإنشاء فيما عند الخلق فهوعنده تعالى أهون أي هون محض غير مخلوط بصعوبة و مشقة بخلاف ما عندنا معاشر الخلق و لا يلزم منه أن يكون في الإنشاء صعوبة و مشقة عليه تعالى لأن المشقة و الصعوبة في الفعل تتبع قدرة الفاعل بالتعاكس فكلما قلت القدرة كثرت المشقة و كلما كثرت قلت حتى إذا كانت القدرة غير متناهية انعدمت المشقة من رأس ، و قدرته تعالى غير متناهية فلا يشق عليه فعل أصلا و هو المستفاد من قوله : « إن الله على كل شي‏ء قدير» فإن القدرة إذا جاز تعلقها بكل شي‏ء لم تكن إلا غير متناهية فافهم ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :176


وقوله : « و له المثل الأعلى في السماوات و الأرض» تقدم أنه في مقام الحجة بالنسبة إلى قوله : « و هو أهون عليه» و محصله أن كل صفة كمالية يتصف به شي‏ء مما في السماوات و الأرض من جمال أو جلال فإن لله سبحانه أعلاها أي مطلقها من غير تقييد و محضها من غير شوب و صرفها من غير خلط .


و قوله : « و هو العزيز الحكيم» في مقام التعليل بالنسبة إلى قوله : « و له المثل الأعلى» إلخ ، أي إنه تعالى عزيز واجد لكل ما يفقده غيره ممتنع من أن يمتنع عليه شي‏ء حكيم لا يعرض فعله فتور ، و لو لم تكن صفة من صفاته مثلا أعلى مما عند غيرهمن الممكنات كانت محدودة غير مطلقة و مخلوطة غير صرفة غير خالية من النقص و القصور فاستذله ذاك القصور فلم يكن عزيزا على الإطلاق و أحدث ذاك النقص في فعله ثلمة و فتورا فلم يكن حكيما على الإطلاق .


قوله تعالى : « ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم» إلخ ، « من» في قوله : « من أنفسكم» لابتداء الغاية أي ضرب لكم مثلا متخذا من أنفسكم منتزعا من الحالات التي لديكم ، و قوله : « هل لكم» شروع في المثل المضروب و الاستفهام للإنكار ، و « ما» في « مما ملكت» للنوع أي من نوع ما ملكت أيمانكم من العبيد و الإماء ، و « من» في « من شركاء» زائدة و هو مبتدأ ، و قوله : « فأنتم فيه سواء» تفريع على الشركة ، و « أنتم» خطاب شامل للمالكين و المملوكين على طريق التغليب ، و قوله : « تخافونهم كخيفتكم أنفسكم» أي تخافون المماليك الشركاء أن تستبدوا في تصرف المال المشترك من غير إذن منهم و رضى كما تخافون أنفسكم من الشركاء الأحرار .


و هذا مثل ضربه الله لبيان بطلان ما يزعمون أن الله سبحانه مما خلق شركاء في الألوهية و الربوبية و قد ألقى المثل في صورة الاستفهام الإنكاري : هل يوجد بين مماليككم من العبيد و الإماء من يكونون شركاء لكم في الأموال التي رزقناكم - و الحال أنهم مماليك لكم تملكونهم و ما في أيديهم - بحيث تخافونهم من التصرف في أموالكم بغير إذن منهم و رضى كما تخافون الشركاء الأحرار من نوع أنفسكم ؟ ! .


لا يكون ذلك أبدا و لا يجوز أن يكون المملوك شريكا لمولاه في ماله و إذا لم


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :177


يجز فكيف يجوز أن يكون بعض من خلقه الله كالملائكة و الجن و هم عبيده المملوكون شركاء له فيما يملك من مخلوقيه و آلهة و أربابا من دونه ؟ .


ثم تمم الكلامبقوله : « كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون» و فيه تمهيد لما يتلوه من الكلام .


قوله تعالى : « بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله و ما لهم من ناصرين» إضراب عما يستفاد من ذيل الآية السابقة و التقدير و هؤلاء المشركون لم يبنوا شركهم على التعقل بل اتبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم .


و كان مقتضى الظاهر أن يقال : بل اتبع الذين أشركوا و إنما بدله من قوله : « بل اتبع الذين ظلموا» فوصفهم بالظلم ليتعلل به ما سيصفهم بالضلال في قوله : « فمن يهدي من أضل الله» فالظلم يستتبع الإضلال الإلهي ، قال تعالى : « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة و يضل الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء» : إبراهيم : 27 .


فقوله : « فمن يهدي من أضل الله» استفهام إنكاري مدلوله الإيئاس من نعمة الهداية للمشركين المتبعين لأهوائهم مع ظهور الحق لهم لمكان ظلمهم الموجب لإضلالهم و قد تكرر في كلامه تعالى : « إن الله لا يهدي القوم الظالمين» .


و قوله : « و ما لهم من ناصرين» نفي لنجاتهم بنصرة الناصرين لهم من غيرهم بعد ما لم ينالوا النجاة من الضلال و تبعاته من عند أنفسهم لإضلال الله لهم و نفي الجمع دليل على أن لغيرهم ناصرين كالشفعاء .


و قول القائل إن معنى نفي الناصرين لهم أنه ليس لواحد منهم ناصر واحد على ما هو المشهور من مقابلة الجمع بالجمع غير مطرد .


و معنى الآية : بل اتبع الذين ظلموا بشركهم أهواءهم بغير علم و تعقل فأضلهم الله بظلمهم و لا هادي يهديهم و ليس لهم ناصرون ينصرونهم .


قوله تعالى : « فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناس لا يعلمون» الكلام متفرع على ما تحصل


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :178


من الآيات السابقة المثبتة للمبدإ و المعاد أي إذا ثبت أن الخلق و التدبير لله وحده لا شريك له و هو سيبعث و يحاسب و لا نجاة لمن أعرض عنه و أقبل على غيره فأقم وجهك للدين و الزمه فإنه الدين الذي تدعو إليه الخلقة الإلهية .


و قيل : الكلام متفرع على معنى التسلية المفهوم من سياق البيان السابق الدال على ما هو الحق و أن المشركين لظلمهم اتبعوا الأهواء و أعرضوا عن التعقل الصحيح فأضلهم الله و لم يأذن لناصر ينصرهم بالهداية و لا لمنقذ ينقذهم من الضلال لا أنت و لا غيرك فاستيئس منهم و اهتم بخاصة نفسك و من تبعك من المؤمنين و أقم وجهك و من تبعك للدين .


فقوله : « فأقم وجهك للدين» المراد بإقامة الوجه للدين الإقبال عليه بالتوجه من غير غفلة منه كالمقبل على الشي‏ء بقصر النظر فيه بحيث لا يلتفت عنه يمينا و شمالا و الظاهر أن اللام في الدين للعهد و المراد به الإسلام .


و قوله : « حنيفا» حال من فاعل أقم و جوز أن يكون حالا من الدين أو حالا من الوجه و الأول أظهر و أنسب للسياق ، و الحنف ميل القدمين إلى الوسط و المراد به الاعتدال .


و قوله : « فطرة الله التي فطر الناس عليها» الفطرة بناء نوع من الفطر بمعنى الإيجاد و الإبداع و « فطرة الله» منصوب على الإغراء أي الزم الفطرة ففيه إشارة إلى أن هذا الدين الذي يجب إقامة الوجه له هو الذي يهتف به الخلقة و يهدي إليه الفطرة الإلهية التي لا تبديل لها .


و ذلك أنه ليس الدين إلا سنة الحياة و السبيل التي يجب على الإنسان أن يسلكها حتى يسعد في حياته فلا غاية للإنسان يتبعها إلا السعادة و قد هدي كل نوع من أنواع الخليقة إلى سعادته التي هي بغية حياته بفطرته و نوع خلقته و جهز في وجوده بما يناسب غايته من التجهيز ، قال تعالى : « ربنا الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى» : طه : 50 ، و قال : « الذي خلق فسوى و الذي قدر فهدى» : الأعلى : 3 .


فالإنسان كسائر الأنواع المخلوقة مفطور بفطرة تهديه إلى تتميم نواقصه و رفع حوائجه و تهتف له بما ينفعه و ما يضره في حياته ، قال تعالى : « و نفس و ما سواها


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :179


فألهمها فجورها و تقواها» : الشمس : 8 ، و هو مع ذلك مجهز بما يتم له به ما يجب له أن يقصده من العمل ، قال تعالى : « ثم السبيل يسره» : عبس : 20 .


فللإنسان فطرة خاصة تهديه إلى سنة خاصة في الحياة و سبيل معينة ذات غاية مشخصة ليس له إلا أن يسلكها خاصة و هو قوله : « فطرة الله التي فطر الناس عليها» و ليس الإنسانالعائش في هذه النشأة إلا نوعا واحدا لا يختلف ما ينفعه و ما يضره بالنظر إلى هذه البنية المؤلفة من روح و بدن فما للإنسان من جهة أنه إنسان إلا سعادة واحدة و شقاء واحد فمن الضروري حينئذ أن يكون تجاه عمله سنة واحدة ثابتة يهديه إليها هاد واحد ثابت .


و ليكن ذاك الهادي هو الفطرة و نوع الخلقة و لذلك عقب قوله « فطرة الله التي فطر الناس عليها» بقوله : « لا تبديل لخلق الله» .


فلو اختلفت سعادة الإنسان باختلاف أفراده لم ينعقد مجتمع واحد صالح يضمن سعادة الأفراد المجتمعين ، و لو اختلفت السعادة باختلاف الأقطار التي تعيش فيها الأمم المختلفة بمعنى أن يكون الأساس الوحيد للسنة الاجتماعية أعني الدين هو ما يقتضيه حكم المنطقة كان الإنسان أنواعا مختلفة باختلاف الأقطار ، و لو اختلفت السعادة باختلاف الأزمنة بمعنى أن تكون الأعصار و القرون هي الأساس الوحيد للسنة الدينية اختلفت نوعية كل قرن و جيل مع من ورثوا من آبائهم أو أخلفوا من أبنائهم و لم يسر الاجتماع الإنساني سير التكامل و لم تكن الإنسانية متوجهة من النقص إلى الكمال إذ لا يتحقق النقص و الكمال إلا مع أمر مشترك ثابت محفوظ بينهما .


و ليس المراد بهذا إنكار أن يكون لاختلاف الأفراد أو الأمكنة أو الأزمنة بعض التأثير في انتظام السنة الدينية في الجملة بل إثبات أن الأساس للسنة الدينية هو البنية الإنسانية التي هي حقيقة واحدة ثابتة مشتركة بين الأفراد ، فللإنسانية سنة واحدة ثابتة بثبات أساسها الذي هو الإنسان و هي التي تدير رحى الإنسانية مع ما يلحق بها من السنن الجزئية المختلفة باختلاف الأفراد أو الأمكنة أو الأزمنة .


و هذا هو الذي يشير إلى قوله بعد : « ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناس لا يعلمون» و سنزيد المقام إيضاحا في بحث مستقل إن شاء الله تعالى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :180


و للقوم في مفردات الآية و معناها أقوال أخر متفرقة : منها : أن المراد بإقامة الوجه تسديد العمل فإن الوجه هو ما يتوجه إليه و هو العمل و إقامته تسديده .


و فيه : أن وجه العمل هو غايته المقصودة منه و هي غير العمل و الذي في الآية هو « فأقم وجهك» و لم يقل فأقم وجه عملك .


و منها : أن « فطرة الله» منصوب بتقدير أعني و الفطرة هي الملة ، و المعنى : اثبت و أدم الاستقامة للدين أعني الملة التي خلق الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله .


و فيه : أنه مبني على اختلاف المراد بالفطرة و هي الملة و « فطر الناس»و هو الخلقة و التفكيك خلاف ظاهر الآية و لو أخذ « فطر الناس» بمعنى الإدانة أي الحمل على الدين و هو التوحيد بقي قوله : « لا تبديل لخلق الله» لا يلائم ما قبله .


على أن فيه خلاف ظاهر آخر و هو حمل الدين على التوحيد ، و لو أخذ الدين بمعنى الإسلام أو مجموع الدين كله و أبقيت الفطرة على معناه المتبادر منها و هو الخلقة لم يستقم تقدير « أعني» فإن الدين بهذا المعنى غير الفطرة بمعنى الخلقة .


و منها : أن « فطرة» بدل من « حنيفا» و الفطرة بمعنى الملة و يرد عليه ما يرد على سابقه .


و منها : أن « فطرة» مفعول مطلقلفعل محذوف مقدر ، و التقدير : فطر الله فطرة فطر الناس عليها و فساده غني عن البيان .


و منها : أن معناه اتبع من الدين ما دلك عليه فطرة الله و هو ما دلك عليه ابتداء خلقه للأشياء لأنه خلقهم و ركبهم و صورهم على وجه يدل على أن لهم صانعا قادرا عالما حيا قديما واحدا لا يشبه شيئا و لا يشبهه شي‏ء .


و فيه أنه مبني على كون « فطرة» منصوبا بتقدير اتبع و قد ذكره أبو السعود و قبله أبو مسلم المفسر فيكون المراد من اتباع الفطرة اتباع دلالة الفطرة بمعنى الخلقة و المراد بعدم تبديل الخلق عدم تغيره في الدلالة على الصانع بماله من الصفات الكريمة ، و هذا قريب من المعنى الذي قدمناه للآية بحمل « فطرة» على الإغراء لكن يبقى عليه أن الآية عامة لا دليل على تخصيصها بالتوحيد .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :181


و منها : أن لا في قوله : « لا تبديل لخلق الله» تفيد النهي أي لا تبدلوا خلق الله أي دينه الذي أمرتم بالتمسك به ، أو لا تبدلوا خلق الله بإنكار دلالته على التوحيد و منه ما نسب إلى ابن عباس أن المراد به النهي عن الخصاء .


و فيه أن لا دليل على أخذ الخلق بمعنى الدين و لا موجب لتسمية الإعراض عن دلالة الخلقة أو إنكارها تبديلا لخلق الله .


و أما ما نسب إلى ابن عباس ففساده ظاهر .


و منها : ما ذكره الرازي في التفسير الكبير ، قال : و يحتمل أن يقال : خلق الله الخلق لعبادته و هم كلهم عبيده لا تبديل لخلق الله أي ليس كونهم عبيدا مثل كون المملوك عبدا للإنسان فإنه ينتقل عنه إلى غيره و يخرج عن ملكه بالعتق بل لا - خروج للخلق عن العبادة و العبودية .


و هذا لبيان فساد قول من يقول : العبادة لتحصيل الكمال و العبد يكمل بالعبادة فلا يبقى عليه تكليف ، و قول المشركين : إن الناقص لا يصلح لعبادة الله و إنما الإنسان عبد الكواكب و الكواكب عبيدالله ، و قول النصارى إن عيسى كان يحل الله فيه و صار إلها فقال : لا تبديل لخلق الله بل كلهم عبيد لا خروج لهم عن ذلك .


انتهى .


و فيه أنه مغالطة بين الملك و العبادة التكوينيين و الملك و العبادة التشريعيين فإن ملكه تعالى الذي لا يقبل الانتقال و البطلان ملك تكويني بمعنى قيام وجود الأشياء به تعالى و العبادة التي بإزائه عبادة تكوينية و هو خضوع ذوات الأشياء له تعالى و لا تقبل التبديل و الترك كما في قوله : « و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده» : إسراء : 44 ، و أما العبادة الدينية التي تقبل التبديل و الترك فهي عبادة تشريعية بإزاء الملك التشريعي المعتبر له تعالى فافهمه .


و لو دل قوله : « لا تبديل لخلق الله» على عدم تبديل الملك و العبادة و العبودية لدل على التكويني منهما و الذي يبدله القائلون بارتفاع التكليف عن الإنسان الكامل أو بعبادة الكواكب أو المسيح فإنما يعني به التشريعي منهما .


قوله تعالى : « منيبين إليه و اتقوه و أقيموا الصلاة و لا تكونوا من المشركين» تعميم للخطاب بعد تخصيصه بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نظير قوله : « يا أيها النبي إذا طلقتم النساء» : الطلاق : 1 ، و قوله : « فاستقم كما أمرت و من تاب معكو لا تطغوا» : هود : 112،


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :182


فيئول المعنى إلى نحو من قولنا : فأقم وجهك للدين حنيفا أنت و من معك منيبين إلى الله ، و الإنابة الرجوع بالتوبة .


و قوله : « و اتقوه و أقيموا الصلاة» التقوى بحسب دلالة المقام يشمل امتثال أوامره و الانتهاء عن نواهيه تعالى فاختصاص إقامة الصلاة من بين سائر العبادات بالذكر للاعتناء بشأنها فهي عمود الدين .


و قوله : « و لا تكونوا من المشركين» القول في اختصاصه من بين المحرمات بالذكر نظير القول في الصلاة فالشرك بالله أكبر الكبائر الموبقة، و قد قال تعالى : « إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء» : النساء : 48 ، إلى غير ذلك من الآيات .


قوله تعالى : « من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون» « من» للتبيين و « من الذين فرقوا دينهم» إلخ ، بيان للمشركين و فيه تعريفهم بأخص صفاتهم في دينهم و هو تفرقهم في دينهم و عودهم شيعة شيعة و حزبا حزبا يفرح و يسر كل شيعة و حزب بما عندهم من الدين و السبب في ذلك ما ذكره قبيل هذا بقوله : « بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله و ما لهم من ناصرين» فبين أنهم بنوا دينهم على أساس الأهواء و أنه لا يهديهم و لا هادي غيره .


و من المعلوم أن هوى النفس لا يتفق في النفوس بل و لا يثبت على حال واحدة دون أن يختلف باختلاف الأحوال و إذا كان هو الأساس للدين لم يلبث دون أن يسير بسير الأهواء و ينزل بنزولها ، و لا فرق في ذلك بين الدين الباطل و الدين الحق المبني على أساس الهوى .


و من هنا يظهر أن النهي عن تفرق الكلمة في الدين نهي في الحقيقة عن بناء الدين على أساس الهوى دون العقل ، و ربما احتمل كون الآية استئنافا من الكلام و هو لا يلائم السياق .


و في الآية ذم للمشركين بما عندهم من صفة التفرق في الكلمة و التحزب في الدين .


قوله تعالى : « و إذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون» التعبير بالمس للدلالة على القلة و الخفة و تنكير ضر


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :183


و رحمة أيضا لذلك و المعنى : إذا أصاب الناس شي‏ء من الضر و لو قليلا كمرض ما و فقر ما و شدة ما دعوا ربهم و هو الله سبحانه حال كونهم راجعين من غيره ثم إذا أذاقهم الله من عنده رحمة إذا فريق من هؤلاء الناس بربهم الذي كانوا يدعونه و يعترفون بربوبيته يشركون باتخاذالأنداد و الشركاء .


أي إنهم كافرون للنعمة طبعا و إن اعترفوا بها عند الضر و قد أخذ لذلك فريقا منهم لأن منهم من ليس كذلك .


قوله تعالى : « ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون» تهديد لأولئك المشركين عند إذاقة الرحمة و اللام في « ليكفروا» للأمر الغائب و قوله : « فتمتعوا» متفرع على سابقه و هو أمر آخر و الأمران جميعا للتهديد ، و الالتفات من الأمر الغائب إلى الأمر الحاضر لثوران الوجد و السخط من تفريطهم في جنب الله و استهانتهم بأمره فقد بلغ منهم ذلك أن يتضرعوا عند الضر و يكفروا إذا كشف .


قوله تعالى : «أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون» « أم» منقطعة و المراد بالإنزال الإعلام أو التعليم مجازا ، و السلطان البرهان ، و المراد بالتكلم الدلالة مجازا فالمعنى بل أعلمناهم برهانا فهو يدل على ما كانوا به يشركون أو بشركهم .


و يمكن أن يراد بالسلطان ذو السلطان و هو الملك فلا مجاز في الإنزال و التكلم و المعنى : بل أ أنزلنا عليهم ملكا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون أو بشركهم .


قوله تعالى : « و إذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون» الإذاقة كالمس تدل على قليل النيل و يسيره ، و القنوط اليأس .


و إذا الأولى شرطية و الثانية فجائية و المقابلة بين « إذا» في إذاقة الرحمة و « إن» في إصابة السيئة لأن الرحمة كثيرة قطعية و السيئة قليلة احتمالية ، و نسبة الرحمة إليه تعالى دون السيئة لأن الرحمة وجودية مفاضة منه تعالى و السيئة عدمية هي عدم الإفاضة و لذا عللها بقوله : « بما قدمت أيديهم» ، و في تعليل السيئة بذلك و عدم التعليل في جانب الرحمة بشي‏ء إشارة إلى أن الرحمة تفضل .


و التعبير في الرحمة بقوله : « فرحوا» و في السيئة بقوله : « إذا هم يقنطون» للدلالة على حدوث القنوط و لم يكن بمترقب فإن الرحمة و السيئة بيد الله و الرحمة واسعة


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :184


و لهذا عبر بالمضارع الدال على الحال لتمثيل حالهم .


و المراد بالآية بيان أن الناس لا يعدو نظرهم ظاهر ما يشاهدونه من النعمة و النقمة إذا وجدوا فرحوا بها من غير أن يتبصروا و يعقلوا أن الأمر بيد غيرهم و بمشية من ربهم إذا لم يشأ لم يكن ، و إذا فقدوا قنطوا كان ليس ذلك بإذن من ربهم و إذا لم يشأ لم يأذن و فتح باب النعمة فهم ظاهريون سطحيون .


و بهذا يتضح أن لا تدافع بين هذه الآية و بين قوله السابق : « و إذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه» الآية و ذلك أن مدلول هذه الآية أن أفهامهم سطحية إذا وجدوا فرحوا و إذا فقدوا قنطوا و مدلول تلك أنهم إذا وجدوا فرحوا و إذا فقدوا دعوا الله و هم قانطون من الشي‏ء و أسبابه منيبين راجعين إلى الله سبحانه فلا تدافع .


و ربما أجيب بأن المراد بالناس في هذه الآية فريق آخر غير الفريق المراد بالناس في الآية السابقة و لو فرض اتحادهما كان ما ذكر من دعائهم في حال و قنوطهم في حال أخرى .


و أجيب عنه أيضا بأن الدعاء لساني جار على العادة و لا ينافي القنوط الذي هو أمر قلبي و أنت خبير بمافي كل من الجوابين من الفتور .


و أجيب أيضا أن المراد بقنوطهم فعلهم فعل القانطين كالاهتمام بجمع الذخائر أيام الغلاء .


و فيه مضافا إلى عدم الدليل على ذلك أنه لا يلائم معنى المفاجأة في القنوط .


قوله تعالى : « أ و لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون» بيان لخطئهم في المبادرة إلى الفرح و القنوط عند إذاقة الرحمة و إصابة السيئة فإن الرزق في سعته و ضيقه تابع لمشية الله فعلى الإنسان أن يعلم أن الرحمة التي ذاقها و السيئة التي أصابته ممكنة الزوال بمشية الله سبحانه و لا موجب للفرح بما لا يؤمن فقده و لا للقنوط مما يرجى زواله .


و أما أنه أمر ظاهر للإنسان مقطوع به كأنه يراه فلأن الرزق الذي يناله الإنسان أو يكتسبه متوقف الوجود على ألوف و ألوف من الأسباب و الشرائط ليس الإنسان الذي يراه لنفسه إلا أحد تلك الأسباب و لا السبب الذي يركن إليه و يطيب به نفسا إلا بعض تلك الأسباب و عامة الأسباب منتهية إليه سبحانه فهو الذي يعطي و يمنع و هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص : 185


الذي يبسط و يقدر أي يوسع و يضيق ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « فآت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل» إلخ ، ذو القربى صاحب القرابة من الأرحام و المسكين أسوأ حالا من الفقير و ابن السبيل المسافر ذو الحاجة ، و إضافة الحق إلى الضمير تدل على أن لذي القربى حقا ثابتا ، و الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، فظاهر الآية بما تحتف به من القرائن أن المراد بها الخمس و التكليف للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و يتبعه غيره ممن كلف بالخمس ، و القرابة على أي حال قرابة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كما في آية الخمس ، هذا كله على تقدير كون الآية مدنية و أما على تقدير كونها مكية كسائر آيات السورة فالمراد مطلق الإحسان للقرابة و المسكين و ابن السبيل .


و لعموم الآية معنى عمم ذكره أثره الجميل فقال : « ذلك خير للذين يريدون وجه الله و أولئك هم المفلحون» .


قوله تعالى : « و ما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ، و ما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون» الربا نماء المال ، و قوله : « ليربوا» إلخ ، يشير إلى وجه التسمية ، فالمراد أن المال الذي تؤتونه الناس ليزيد في أموالهم لا إرادة لوجه الله - بقرينة ذكر إرادة الوجه في مقابله - فليس يزيد و ينمو عند الله أي لا تثابون عليه لعدم قصد الوجه .


و قوله : « و ما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون» المراد بالزكاة مطلق الصدقة أي إعطاء المال لوجه الله من غير تبذير ، و المضعف ذو الضعف ، و المعنى : و ما أعطيتم من المال صدقة تريدون وجه الله فأولئك هم الذين يضاعف لهم مالهم أو ثوابهم .


فالمراد بالربا و الزكاة بقرينة المقابلة و ما احتف بهما من الشواهد ، الربا الحلال و هو العطية من غير قربة ، و الصدقة و هي إعطاء المال مع قصد القربة .


هذا كله على تقدير كون الآية مكية و أما على تقدير كونها مدنية فالمراد بالربا الربا المحرم و بالزكاة هي الزكاة المفروضة .


و هذه الآية و التي قبلها أشبه بالمدنيات منهما بالمكيات و لا اعتبار بما يدعى من الرواية أو الإجماع المنقول .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :186


بحث روائي


في العيون ، عن عبيد الله بن عباس قال : قام رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فينا خطيبا فقال في آخر خطبته : نحن كلمة التقوى و سبيل الهدى و المثل الأعلى و الحجة العظمى و العروة الوثقى .


الحديث .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « ضرب لكم مثلا من أنفسكم» الآية أن سبب نزولها أن قريشا كانوا يحجون البيت بحج إبراهيم (عليه‏السلام‏) و يلبون تلبيته : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك . فجاءهم إبليس في صورة شيخ فغير تلبيتهم إلى قول : لبيك اللهم لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك . فكانت قريش تلبي هذه التلبية حتى بعث رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأنكر عليهم ذلك و قال : إنه شرك . فأنزل الله عز و جل : « ضرب لكم مثلا من أنفسكم - هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم - فأنتم فيه سواء» أي أ ترضون أنتم فيما تملكون أن يكون لكم فيه شريك ؟ فكيف ترضون أن تجعلوا لي شريكا فيما أملك ؟ .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « فأقم وجهك للدين حنيفا» قال : هي الولاية .


و فيه ، بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قلت : « فطرة الله التي فطر الناس عليها» قال : التوحيد : أقول : و رواه أيضا عن الحلبي و زرارة عنه (عليه‏السلام‏) و رواه الصدوق في التوحيد ، عن العلاء بن فضيل و زرارة و بكير عنه (عليه‏السلام‏) .


و في روضة الكافي ، بإسناده عن إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : كانت شريعة نوح (عليه‏السلام‏) أن يعبد الله بالتوحيد و الإخلاص و خلع الأنداد ، و هو الفطرة التي فطر الناس عليها .


و في تفسير القمي ، بإسناده عن الهيثم الرماني عن الرضا عن أبيه عن جده عن أبيه محمد بن علي (عليهماالسلام‏) : في قوله عز و جل : « فطرة الله التي فطر الناس عليها» قال :


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :187


هو لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ولي الله إلى هاهنا التوحيد .


أقول : و روى هذا المعنى في بصائر الدرجات ، عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) ، و رواه في التوحيد ، عن عبد الرحمن مولى أبي جعفرعنه (عليه‏السلام‏) .


و معنى كون الفطرة هي الشهادات الثلاث أن الإنسان مفطور على الاعتراف بالله لا شريك له بما يجد من الحاجة إلى الأسباب المحتاجة إلى ما وراءها و هو التوحيد و بما يجد من النقص المحوج إلى دين يدين به ليكمله و هو النبوة ، و بما يجد من الحاجة إلى الدخول في ولاية الله بتنظيم العمل بالدين و هو الولاية و الفاتح لها في الإسلام هو علي (عليه‏السلام‏) ، و ليس معناه أن كل إنسان حتى الإنسان الأولي يدين بفطرته بخصوص الشهادات الثلاث .


و إلى هذا يئول معنى الرواية السابقة أنها الولاية فإنها تستلزم التوحيد و النبوة و كذا ما مر من تفسيره الفطرة بالتوحيد فإن التوحيد هو القول بوحدانية الله تعالى المستجمع لصفات الكمال المستلزمة للمعاد و النبوة و الولاية فالمال في تفسيرها بالشهادات الثلاث و التوحيد و الولاية واحد .


و في المحاسن ، بإسناده عن زرارة قال : سألت أبا جعفر (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل « فطرة الله التي فطر الناس عليها» قال : فطرهم على معرفة أنه ربهم و لو لا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم و من رازقهم ؟ .


و في الكافي ، بإسناده عن الحسين بن نعيم الصحاف عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) في حديث قال : فقال (عليه‏السلام‏) : إن الله عز و جل خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون إيمانا بشريعة و لا كفرا بجحود ثم بعث الله عز و جل الرسل يدعو العباد إلى الإيمان به فمنهم من هدى الله و منهم من لم يهده .


أقول : و في هذا المعنى روايات أخر واردة في تفسير قوله تعالى : « كان الناس أمة واحدة» : البقرة : 213 و المراد فيها بالإنسان الفطري الإنسان الساذج الذي يعيش على الفطرة الإنسانية الذي لم يفسده الأوهام الفكرية و الأهواء النفسانية فإنه بالقوة القريبة من الفعل بالنسبة إلى أصول العقائد الحقة و كليات الشرائع الإلهية فإنه يعيش ببعث و تحريك من فطرته و خصوص خلقته .


و أما الاهتداء إلى خصوص العقائد الحقة


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :188


و تفاصيل الشرائع الإلهية فيتوقف على هداية خاصة إلهية من طريق النبوة من الجزء الثاني من الكتاب .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن حماد بن عمرو الصفار قال : سألت قتادة عن قوله تعالى : « فطرة الله التي فطر الناس عليها» فقال : حدثني أنس بن مالك قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « فطرة الله التي فطر الناس عليها» قال : دين الله .


و فيه ، أخرج البخاري و مسلم و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم « فطرة الله التي فطر الناس عليها» الآية .


أقول : و رواه أيضا عن مالك و أبي داود و ابن مردويه عن أبي هريرة عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لفظه : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء .


و رواه أيضا في الكافي ، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في حديث قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : كل مولود يولد على الفطرة يعني على المعرفة بأن الله خالقه .


الحديث .


و في التوحيد ، بإسناده عن عمر قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لا تضربوا أطفالكم على بكائهم فإن بكاءهم أربعة أشهر شهادة أن لا إله إلا الله ، و أربعة أشهر الصلاة على النبي و أربعة أشهر الدعاء لوالديه .


أقول : هو حديث لطيف و معناه : أن الطفل في الأربعة أشهر الأولى لا يعرف أحدا و إنمايحس بالحاجة فيطلب بالبكاء رفعها و الرافع لها هو الله سبحانه فهو يتضرع إليه و يشهد له بالوحدانية .


و في الأربعة أشهر الثانية يعرف من والديه واسطة ما بينه و بين رافع حاجته من غير أن يعرفهما بشخصيهما و الواسطة بينه و بين ربه هو النبي فبكاؤه طلب الرحمة من ربه للنبي حتى يصل بتوسطه إليه .


و في الأربعة أشهر الثالثة يميز والديه بشخصيهما عن غيرهما فبكاؤه دعاء منه لهما و طلب جريان الرحمة من طريقهما إليه .


ففي الحديث ألطف الإشارة إلى كيفية جريان


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :189


الفيض من مجرى الوسائط فافهم ذلك .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و آت ذا القربى حقه» : و روى أبو سعيد الخدري و غيره : أنه لما نزلت هذه الآية على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أعطى فاطمة (عليهاالسلام‏) فدكا و سلمه إليها و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) .


و في الكافي ، بإسناده عن إبراهيم اليماني عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : الربا رباءان : ربا يؤكل و ربا لا يؤكل ، فأما الذي يؤكل فهديتك إلى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها فذلك الربا الذي يؤكل ، و هو قول الله عز و جل : « و ما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله» و أما الذي لا يؤكل فهو الذي نهى الله عنه و أوعد عليه النار : أقول : و رواه أيضا في التهذيب ، عن إبراهيم بن عمر عنه (عليه‏السلام‏) ، و في تفسير القمي ، عن حفص بن غياث عنه (عليه‏السلام‏) ، و في المجمع ، مرسلا عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « فأولئك هم المضعفون» قال أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) : فرض الله الصلاة تنزيها عن الكبر ، و الزكاة تسبيبا للرزق ، و الصيام ابتلاء لإخلاص الخلق ، و صلة الأرحام منماة للعدد .


و في الفقيه ، : خطبة للزهراء (عليهاالسلام‏) و فيها : ففرض الله الإيمان تطهيرا من الشرك و الصلاة تنزيها عن الكبر و الزكاة زيادة في الرزق .


كلام في معنى كون الدين فطريا ، في فصول


1- إذا تأملنا هذه الأنواع الموجودة التي تتكون و تتكامل تدريجا سواء كانت ذوات حياة و شعور كأنواع الحيوان أو ذات حياة فقط كأنواع النبات أو ميتة غير ذي حياة كسائر الأنواع الطبيعية - على ما يظهر لنا - وجدنا كل نوع منها يسير في وجوده سيرا تكوينيا معينا ذا مراحل مختلفة بعضها قبل بعض و بعضها بعد بعض يرد النوع في كل منها بعد المرور بالبعض الذي قبله و قبل الوصول إلى ما بعده و لا يزال يستكمل بطي هذه المنازل حتى ينتهي إلى آخرها و هو نهاية كماله .


نجد هذه المراتب المطوية بحركة النوع يلازم كل منها مقامه الخاص به لا يستقدم و لا يستأخر من لدن حركة النوع في وجوده إلى أن تنتهي إلى كماله فبينها


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :190


رابطة تكوينية يربط بها بعض المراتب ببعض بحيث لا يتجافى و لا ينتقل إلى غير مكانه و من هنا يستنتج أن للنوع غاية تكوينية يتوجه إليها من أول وجوده حتى يبلغها .


فالجوزة الواحدة مثلا إذا استقرت في الأرض استقرارا يهيئها للنمو على اجتماع مما يتوقف عليه النمو من العلل و الشرائط كالرطوبة و الحرارة و غيرهما أخذ لبها في النمو و شق القشر و شرع في ازدياد من أقطار جسمه و لم يزل يزيد و ينمو حتى يصل إلى حد يعود فيه شجرة قوية خضراء مثمرة و لا يختلف حاله في مسيره هذا التكويني و هو في أول وجوده قاصدا قاصدا تكوينيا إلى غايته التكوينية التي هي مرتبة الشجرة الكاملة المثمرة .


و كذا الواحد من نوع الحيوان كالواحدة من الضأن مثلا لا نشك في أنها في أول تكونها جنينا متوجهة إلى غايتها النوعية التي هي مرتبة الضأنة الكاملة التي لها خواصها فلا تضل عن سبيلها التكوينية الخاصة بها إلى سبيل غيرها و لا تنسى غايتها يوما فتسير إلى غير غايتها كغاية الفيلة مثلا أو غاية شجرة الجوز مثلا فكل نوع من الأنواع التكوينية له مسير خاص في استكمال الوجود ذو مراتب خاصة مترتبة بعضها على بعض تنتهي إلى مرتبة هي غاية النوع ذاتا يطلبها طلبا تكوينيا بحركته التكوينية و النوع في وجوده مجهز بما هو وسيلة حركته و بلوغه إلى غايته .


و هذا التوجه التكويني لاستناده إلى الله يسمى هداية عامة إلهية و هي كما عرفت لا تضل و لا تخطى‏ء في تسيير كل نوع مسيره التكويني و سوقه إلى غايته الوجودية بالاستكمال التدريجي و بإعمال قواه و أدواته التي جهز بها لتسهيل مسيره إلى غايته ، قال تعالى : « ربنا الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى» : طه : 50 ، و قال : « الذي خلق فسوى و الذي قدر فهدى و الذي أخرج المرعى فجعله غثاء أهوى» : الأعلى : 5 .


2 - نوع الإنسان غير مستثنى من كلية الحكم المذكور أعني شمول الهداية العامة له فنحن نعلم أن النطفة الإنسانية من حين تشرع في التكون متوجهة إلى مرتبة إنسان تام كامل له آثاره و خواصه قد قطع في مسيره مراحل الجنينية و الطفولية و المراهقة و الشباب و الكهولة و الشيب .



الميزان في تفسير القرآن ج:16 ص :191


غير أن الإنسان يفارق سائر الأنواع الحيوانية و النباتية و غيرها فيما نعلم في أمر و هو أنه لسعة حاجته التكوينية و كثرة نواقصه الوجودية لا يقدر على تتميم نواقصه الوجودية و رفع حوائجه الحيوية وحده بمعنى أن الواحد من الإنسان لا تتم له حياته الإنسانية و هو وحده بل يحتاج إلى اجتماع منزلي ثم اجتماع مدني يجتمع فيه مع غيره بالازدواج و التعاون و التعاضد فيسعى الكل بجميع قواهم التي جهزوا بها للكل ثم يقسم الحاصل من عملهم بين الكل فيذهب كل بنصيبه على قدر زنته الاجتماعية .


و قد عرفت في سابق مباحث هذا الكتاب أن المدنية ليست بطبيعية للإنسان بمعنى أن ينبعث إليه من ناحية طبيعته الإنسانية ابتداء بل له طبيعة مستخدمة لغيره لنفع نفسه ما وجد إليه سبيلا فهو يستخدم الأمور الطبيعية ثم أقسام النبات و الحيوان في سبيل مقاصده الحيوية فهو باستخدام فرد مثله أو أفراد أمثاله أجرأ لكنه يجد سائر الأفراد أمثاله في الأميال و المقاصد و في الجهازات و القوى فيضطر إلى المسالمة و أن يسلم لهم حقوقا مثل ما يراه لنفسه .


و ينتهي هذا التضارب بين المنافع أن يشارك البعض البعض في العمل التعاوني ثم يقسم الحاصل من الأعمال بين الجميع و يعطى منه لكل ما يستحقه .


و كيف كان فالمجتمع الإنساني لا يتم انعقاده و لا يعمر إلا بأصول علميه و قوانين اجتماعية يحترمها الكل و حافظ يحفظها من الضيعة و يجريها في المجتمع و عند ذلك تطيب لهم العيشة و تشرف عليهم السعادة .


أما الأصول العلمية فهي معرفته إجمالا بما عليه نشأة الوجود من الحقيقة و ما عليه الإنسان من حيث البداية و النهاية فإن المذاهب المختلفة مؤثرة في خصوص السنن المعمول بها في المجتمعات فالمعتقدون في الإنسان أنه مادي محض ليس له من الحياة إلا الحياة المعجلة المؤجلة بالموت و أن ليس في دار الوجود إلا السبب المادي الكائن الفاسدة ينظمون سنن اجتماعهم ، بحيث تؤديهم إلى اللذائذ المحسوسة و الكمالات المادية ما وراءها شي‏ء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :192


و المعتقدون بصانع وراء المادة كالوثنية يبنون سننهم و قوانينهم على إرضاء الآلهة ليسعدوهم في حياتهم الدنيوية و المعتقدون بالمبدإ و المعاد يبنون حياتهم على أساس يسعدهم في الحياة الدنيوية ثم في الحياة المؤبدة التي بعد الموت فصور الحياة الاجتماعية تختلف باختلاف الأصول الاعتقادية في حقيقة العالم و الإنسان الذي هو جزء من أجزائه .


و أما القوانين و السننالاجتماعية فلو لا وجود قوانين و سنن مشتركة يحترمها المجتمعون جميعهم أو أكثرهم و يتسلمونها تفرق الجمع و انحل المجتمع .


و هذه السنن و القوانين قضايا كلية عملية صورها : يجب أن يفعل كذا عند كذا أو يحرم أو يجوز و هي أيا ما كانت معتبرة في العمل لغايات مصلحة للاجتماع و المجتمع تترتب عليها تسمى مصالح الأعمال و مفاسدها .


3 - قد عرفت أن الإنسان إنما ينال ما قدر له من كمال و سعادة بعقد مجتمع صالح يحكم فيه سنن و قوانين صالحة تضمن بلوغه و نيله سعادته التي تليق به و هذه السعادة أمر أو أمور كمالية تكوينية تلحق الإنسان الناقص الذي هو أيضا موجود تكويني فتجعله إنسانا كاملا في نوعه تاما في وجوده .


فهذه السنن و القوانين - و هي قضايا عملية اعتبارية - واقعة بين نقص الإنسان و كماله متوسطة كالعبرة بين المنزلتين و هي كما عرفت تابعة للمصالح التي هي كمال أو كمالات إنسانية ، و هذه الكمالات أمور حقيقية مسانخة ملائمة للنواقص التي هي مصاديق حوائج الإنسان الحقيقية .


فحوائج الإنسان الحقيقية هي التي وضعت هذه القضايا العملية و اعتبرت هذه النواميس الاعتبارية ، و المراد بالحوائج هي ما تطلبه النفس الإنسانية بأميالها و عزائمها و يصدقه العقل الذي هو القوة الوحيدة التي تميز بين الخير و النافع و بين الشر و الضار دون ما تطلبه الأهواء النفسانية مما لا يصدقه العقل فإنه كمال حيواني غير إنساني .


فأصول هذه السنن و القوانين يجب أن تكون الحوائج الحقيقة التي هي بحسب الواقع حوائج لا بحسب تشخيص الأهواء النفسانية .


و قد عرفت أن الصنع و الإيجاد قد جهز كل نوع من الأنواع - و منها الإنسان -


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :193


من القوى و الأدوات بما يرتفع بفعاليته حوائجه و يسلك به سبيل الكمال و منه يستنتج أن للجهازات التكوينية التي جهز بها الإنسان اقتضاءات للقضايا العملية المسماة بالسنين و القوانين التي بالعمل بها يستقر الإنسان في مقر كماله مثل السنن و القوانين الراجعة إلى التغذي المعتبرة بما أن الإنسان مجهز بجهاز التغذي و الراجعة إلى النكاح بما أن الإنسان مجهز بجهاز التوالد و التناسل .


فتبين أن من الواجب أن يتخذ الدين - أي الأصول العلمية و السنن و القوانين العملية التي تضمن باتخاذها و العمل بها سعادة الإنسان الحقيقية - من اقتضاءات الخلقة الإنسانية و ينطبق التشريع على الفطرة و التكوين ، و هذا هو المراد بكون الدين فطريا و هو قوله تعالى : « فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم» .


4 - قد عرفت معنى كون الدين فطريا فالإسلام يسمى دين الفطرة لما أن الفطرة الإنسانية تقتضيه و تهدي إليه .


و يسمى إسلاما لما أن فيه تسليم العبد لإرادة الله سبحانه منه ، و مصداق الإرادة و هي صفة الفعل تجمع العلل المؤلفة من خصوص خلقة الإنسان و ما يحتف به من مقتضيات الكون العام على اقتضاء الفعل أو الترك قال تعالى : « إن الدين عند الله الإسلام» .


و يسمى دين الله لأنه الذي يريده الله من عباده من فعل أو ترك ، بما مر من معنى الإرادة .


و يسمى سبيل الله لما أنه السبيل التي أرادها الله أن يسلكها الإنسان لتنتهي به إلى كماله و سعادته ، قال تعالى : « الذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا» : الأعراف : 45 .


و أما أن الدين الحق يجب أن يؤخذ من طريق الوحي و النبوة و لا يكفي فيه العقل فقد تقدم بيانه في مباحث النبوة و غيرها من مباحث الكتاب .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :194


اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكمْ ثُمَّ يحْيِيكُمْهَلْ مِن شرَكائكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شىْ‏ءٍسبْحَنَهُ وَتَعَلى عَمَّا يُشرِكُونَ‏(40) ظهَرَ الْفَسادُ فى الْبرِّ وَ الْبَحْرِ بِمَا كَسبَت أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْض الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏(41) قُلْ سِيرُوا فى الأَرْضِ فَانظرُوا كَيْف كانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُكانَ أَكثرُهُم مُّشرِكِينَ‏(42) فَأَقِمْ وَجْهَك لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتىَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِيَوْمَئذٍ يَصدَّعُونَ‏(43) مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُوَ مَنْ عَمِلَ صلِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ‏(44) لِيَجْزِى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ مِن فَضلِهِإِنَّهُ لا يحِب الْكَفِرِينَ‏(45) وَ مِنْ ءَايَتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشرَتٍ وَ لِيُذِيقَكم مِّن رَّحْمَتِهِ وَ لِتَجْرِى الْفُلْك بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضلِهِ وَ لَعَلَّكمْ تَشكُرُونَ‏(46) وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا مِن قَبْلِك رُسلاً إِلى قَوْمِهِمْ فجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواوَ كانَ حَقاًّ عَلَيْنَا نَصرُ الْمُؤْمِنِينَ‏(47)


بيان


هذا هو الفصل الثاني من الفصول الأربعة التي يحتج فيها بالأفعال الخاصة به و إن شئت فقل : بأسماء الأفعال على إبطال الشركاء و نفي ربوبيتهم و ألوهيتهم و على إثبات المعاد .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :195


قوله تعالى : « الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شي‏ء» إلخ ، اسم الجلالة مبتدأ و « الذي خلقكم» خبره ، و كذا قوله : « من يفعل» إلخ مبتدأ خبره « من شركائكم» المقدم عليه و الاستفهام إنكاري و قد ذكر في تركيب الآية احتمالات أخر .


و المعنى : أن الله سبحانه هو الذي اتصف بكذا و كذا وصفا من أوصاف الألوهية و الربوبية فهل من الآلهة الذينتدعون أنهم آلهة من يفعل شيئا من ذلكم يعني من الخلق و الرزق و الإماتة و الإحياء و إذ ليس منهم من يفعل شيئا من ذلكم فالله سبحانه هو إلهكم و ربكم لا إله إلا هو .


و لعل الوجه في ذكر الخلق مع الرزق و الإحياء و الإماتة مع تكرر تقدم ذكره في سلك الاحتجاجات السابقة الإشارة إلى أن الرزق لا ينفك عن الخلق بمعنى أن بعض الخلق يسمى بالقياس إلى بعض آخر يديم بقاءه به رزقا فالرزق في الحقيقة من الخلق فالذي يخلق الخلق هو الذي يرزق الرزق .


فليس لهم أن يقولوا : إن الرازق و كذا المحيي و المميت بعض آلهتنا كما ربما يدعيه بعضهمأن مدبر عالم الإنسان بعض الآلهة و مدبر كل شأن من شئون العالم من الخيرات و الشرور بعضهم لكنهم لا يختلفون أن الخلق و الإيجاد منه تعالى لا يشاركه في ذلك أحد فإذا سلم ذلك و من المسلم أن الرزق مثلا خلق و كذا سائر الشئون لا تنفك عن الخلق رجع الأمر كالخلق إليه تعالى و لم يبق لآلهتهم شأن من الشئون .


ثم نزه سبحانه نفسه عن شركهم فقال : « سبحانه و تعالى عما يشركون» .


قوله تعالى : « ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون» الآية بظاهر لفظها عامة لا تختص بزمان دون زمان أو بمكان أو بواقعة خاصة ، فالمراد بالبر و البحر معناهما المعروف و يستوعبان سطح الكرة الأرضية .


و المراد بالفساد الظاهر المصائب و البلايا الظاهرة فيهما الشاملة لمنطقة من مناطق الأرض من الزلازل و قطع الأمطار و السنين و الأمراض السارية و الحروب و الغارات و ارتفاع الأمن و بالجملة كل ما يفسد النظام الصالح الجاري في العالم الأرضي سواء كان


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :196


مستندا إلى اختيار الناس أو غير مستند إليه .


فكل ذلك فساد ظاهر في البر أو البحر مخل بطيب العيش الإنساني .


و قوله : « بما كسبت أيدي الناس» أي بسبب أعمالهم التي يعملونها من شرك أو معصية و قد تقدم في تفسير قوله تعالى : « و لو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض» الآية : الأعراف : 96 ، و أيضا في مباحث النبوة من الجزء الثاني من الكتاب أن بين أعمال الناس و الحوادث الكونية رابطة مستقيمة يتأثر إحداهما من صلاح الأخرى و فسادها .


و قوله : « ليذيقهم بعض الذي عملوا» اللام للغاية ، أي ظهر ما ظهر لأجل أن يذيقهم الله وبال بعض أعمالهم السيئة بل ليذيقهم نفس ما عملوا و قد ظهر في صورة الوبال و إنما كان بعض ما عملوا لأنالله سبحانه برحمته يعفو عن بعض كما قال : « و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفوا عن كثير» : الشورى : 30 .


و الآية ناظرة إلى الوبال الدنيوي و إذاقة بعضه لأكله من غير نظر إلى وبال الأعمال الأخروي فما قيل : إن المراد إذاقة الوبال الدنيوي و تأخير الوبال الأخروي إلى يوم القيامة لا دليل عليه و لعله جعل تقدير الكلام : « ليذيقهم بعض جزاء ما عملوا مع أن التقدير « ليذيقهم جزاء بعض ما عملوا» ، لأن الذي يحوجنا إلى تقدير المضاف - لو أحوجنا - هو أن الراجع إليهم ثانيا في صورة الفساد هو جزاء أعمالهم لا نفس أعمالهم فالذي أذيقوا هو جزاء بعض ما عملوا لا بعض جزاء ما عملوا .


و قوله : « لعلهم يرجعون» أي يذيقهم ما يذيقهم رجاء أن يرجعوا من شركهم و معاصيهم إلى التوحيد و الطاعة .


و وجه اتصال الآية بما قبلها أنه لما احتج في الآية السابقة على التوحيد و نزهه عن شركهم أشار في هذه الآية إلى ما يستتبع الشرك - و هو معصية - من الفساد في الأرض و إذاقة وبال السيئات فبين ذلك بيان عام .


و لهم في الآية تفاسير مختلفة عجيبة كقول بعضهم المراد بالأرض أرض مكة و قول بعضهم : المراد بالبر القفار التي لا يجري فيها نهر و بالبحر كل قرية على شاطى‏ء نهر عظيم ، و قول بعضهم : البر الفيافي و مواضع القبائل و البحر السواحل و المدن التي عند


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :197


البحر و النهر ، و قول بعضهم : البر البرية و البحر المواضع المخصبة الخضرة ، و قول بعضهم : إن هناك مضافا محذوفا و التقدير في البر و مدن البحر ، و لعل الذي دعاهم إلى هذه الأقاويل ما ورد أن الآية ناظرة إلى القحط الذي وقع بمكة إثر دعاء النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على قريش لما لجوا في كفرهم و داموا على عنادهم فأرادوا تطبيق الآية على سبب النزول فوقعوا فيما وقعوا من التكلف .


و قول بعضهم : إن المراد بالفساد في البر قتل ابن آدم أخاه و في البحر أخذ كل سفينة غصبا و هو كما ترى .


قوله تعالى : « قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين» أمر للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يأمرهم أن يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار الذين كانوا من قبل حيث خربت ديارهم و عفت آثارهم و بادوا عن آخرهم و انقطع دابرهم بأنواع من النوائب و البلايا كان أكثرهم مشركين فأذاقهم الله بعض ما عملوا ليعتبر به المعتبرون فيرجعوا إلى التوحيد ، فالآية في مقام الاستشهاد لمضمون الآية السابقة .


قوله تعالى : « فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون» تفريع على ما تقدمه أي إذا كان الشرك و الكفر بالحق بهذه المثابة و له وبال سيلحق بالمتلبس به فأقم وجهك للدين القيم .


و قوله : « من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله» متعلق بقوله : « فأقم» و المرد مصدر ميمي بمعنى الرد و هو بمعنى الراد و اليوم الذي لا مرد له من الله يوم القيامة .


و قوله : « يومئذ يصدعون» أصله يتصدعون ، و التصدع في الأصل تفرق أجزاء الأواني ثم استعمل في مطلق التفرق كما قيل ، و المراد به - كما قيل - تفرقهم يومئذ إلى الجنة و النار .


و قيل : المراد تفرق الناس بأشخاصهم كما يشير إليه قوله تعالى : « يوم يكون الناس كالفراش المبثوث» : القارعة : 4 . و لكل وجه ، و لعل الأظهر امتياز الفريقين كما سيأتي .


قوله تعالى : « من كفر فعليه كفره و من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون» الظاهر أنه تفسير لقوله في الآية السابقة : « يتفرقون» و قوله : « من كفر فعليه كفره» أي وبال


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :198


كفره بتقدير المضاف أو نفس كفره الذي سينقلب عليه نارا يخلد فيها و هذا أحد الفريقين .


و قوله : « و من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون» مهد الفراش بسطه و إيطاؤه ، و هؤلاء الفريق الآخر الذين آمنوا و عملوا الصالحات ، و قد جي‏ء بالجزاء « فلأنفسهم يمهدون» جمعا نظرا إلى المعنى ، كما أنه جي‏ء به مفردا في الشرطية السابقة « فعليه كفره» نظرا إلى اللفظ ، و اكتفى في الشرط بذكر العمل الصالح و لم يذكر الإيمان معه لأن العمل إنما يصلح بالإيمان على أنه مذكور في الآية التالية .


و المعنى : و الذين عملوا عملا صالحا - بعد الإيمان - فلأنفسهم يوطئون ما يعيشون به و يستقرون عليه .


قوله تعالى : « ليجزي الذين آمنوا و عملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين» قال الراغب : الجزاء الغناء و الكفاية ، قال الله تعالى : « لا تجزي نفس عن نفس شيئا» ، و قال : « لا يجزي والد عن ولده و لا مولود هو جاز عن والده شيئا» و الجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرا فخير و إن شرا فشر ، يقال : جزيته كذا و بكذا .


انتهى .


و قوله : « ليجزي الذين آمنوا و عملوا الصالحات من فضله» اللام للغاية و لا ينافي عد ما يؤتيهم جزاء - و فيه معنى المقابلة - عده من فضله و فيه معنى عدم الاستحقاق و ذلك لأنهم بأعيانهم و ما يصدر عنهم من أعمالهم ملك طلق لله سبحانه فلا يملكون لأنفسهم شيئا حتى يستحقوا به أجرا ، و أين العبودية من الملك و الاستحقاق فما يؤتونه من الجزاء فضل من غير استحقاق .


لكنه سبحانه بفضله و رحمته اعتبر لهم ملكا لأعمالهم في عين أنه يملكهم و يملك أعمالهم فجعل لهم بذلك حقا يستحقونه ، و جعل ما ينالونه من الجنة و الزلفى أجرا مقابلا لأعمالهم و هذا الحق المجعول أيضا فضل آخر منه سبحانه .


و منشأ ذلك حبه تعالى لهم لأنهم لما أحبوا ربهم أقاموا وجوههم للدين القيم و اتبعوا الرسول فيما دعا إليه فأحبهم الله كما قال : « قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله» : آل عمران : 31 .


و لذا كانت الآية تعد ما يؤتيهم الله من الثواب جزاء و فيه معنى المقابلة و المبادلة


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :199


و تعد ذلك من فضله نظرا إلى أن نفس هذه المقابلة و المبادلة فضل منه سبحانه و منشؤه حبه تعالى لهم كما يومى‏ء إليه تذييل الآية بقوله : « إنه لا يحب الكافرين» .


و من هنا يظهر أن قوله : « إنه لا يحب الكافرين» ، يفيد التعليل بالنسبة إلى جانبي النفي و الإثبات جميعا أي أنه تعالى يخص المؤمنين العاملين للصالحات بهذا الفضل و يحرم الكافرين منه لأنه يحب هؤلاء و لا يحب هؤلاء .


قوله تعالى : « و من آياته أن يرسل الرياح مبشرات و ليذيقكم من رحمته و لتجري الفلك بأمره و لتبتغوا من فضله و لعلكم تشكرون» ، المراد بكون الرياح مبشرات تبشيرها بالمطر حيث تهب قبيل نزوله .


و قوله : « و ليذيقكم من رحمته» عطف على موضع مبشرات لما فيه من معنى التعليل و التقدير يرسل الرياح لتبشركم و ليذيقكم من رحمته و المراد بإذاقة الرحمة إصابة أنواع النعم المترتبة على جريان الرياح كتلقيح الأشجار و دفع العفونات و تصفية الأجواء و غير ذلك مما يشمله إطلاق الجملة .


و قوله : « و لتجري الفلك بأمره» أيلجريان الرياح و هبوبها .


و قوله : « و لتبتغوا من فضله» أي لتطلبوا من رزقه الذي هو من فضله .


و قوله : « و لعلكم تشكرون» ، غاية معنوية كما أن الغايات المذكورة من قبل غايات صورية ، و الشكر هو استعمال النعمة بنحو ينبى‏ء عن إنعام منعمه أو الثناء اللفظي عليه بذكر إنعامه ، و ينطبق بالأخرة على عبادته و لذلك جي‏ء بلعل المفيدة للرجاء فإن الغايات المعنوية الاعتبارية ربما تخلفت .


قوله تعالى : « و لقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا و كان حقا علينا نصر المؤمنين» قال الراغب : أصل الجرم - بالفتح فالسكون - قطع الثمرة عن الشجر - إلى أن قال - و أجرم صار ذا جرم نحو أثمر و أتمر و ألبن و استعير ذلك لكل اكتساب مكروه ، و لا يكاد يقال في عامة كلامهم للكيس المحمود انتهى .


و الآية كالمعترضة و كأنها مسوقة لبيان أن للمؤمنين حقا على ربهم و هو نصرهم في الدنيا و الآخرة و منه الانتقام من المجرمين ، و هذا الحق مجعول من قبله تعالى لهم على


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :200


نفسه فلا يرد عليه محذور لزوم كونه تعالى مغلوبا في نفسه مقهورا محكوما لغيره .


و قوله : « فانتقمنا من الذين أجرموا» الفاء فصيحة أي فآمن بعضهم و أجرم آخرون فانتقمنا من المجرمين و كان حقا علينا نصر المؤمنين بإنجائهم من العذاب و إهلاك مخالفيهم ، و في الآية بعض الإشعار بأن الانتقام من المجرمين لأجل المؤمنين فإنه من النصر .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس» قال : في البر فساد الحيوان إذا لم يمطر و كذلك هلاك دواب البحر بذلك .


و قال الصادق (عليه‏السلام‏) : حياة دواب البحر بالمطر فإذا كف المطر ظهر الفساد في البر و البحر ، و ذلك إذا كثرت الذنوب و المعاصي .


أقول : و هو من الجري .


و في روضة الكافي ، بإسناده عن أبي الربيع الشامي قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « قل سيروا في الأرض - فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل» فقال : عنى بذلك أي انظروا في القرآن فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم» .


و في المجمع ، : في قوله : « و من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون» : روى منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : إن العمل الصالح ليسبق صاحبه إلى الجنة فيمهد له كما يمهد لأحدهم خادمه فراشه .


و فيه ، و جاءت الرواية عن أم الدرداء أنها قالت : سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : ما من امرى‏ء يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ثم قرأ : « و كان حقا علينا نصر المؤمنين» : أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه عن أبي الدرداء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :201


اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ فَتُثِيرُ سحَاباً فَيَبْسطهُ فى السمَاءِ كَيْف يَشاءُ وَ يجْعَلُهُ كِسفاً فَترَى الْوَدْقَ يخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِفَإِذَا أَصاب بِهِ مَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَستَبْشِرُونَ‏(48) وَ إِن كانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ‏(49) فَانظرْ إِلى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كيْف يحْىِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَاإِنَّ ذَلِك لَمُحْىِ الْمَوْتىوَ هُوَ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ قَدِيرٌ(50) وَ لَئنْ أَرْسلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصفَرًّا لَّظلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ‏(51) فَإِنَّك لا تُسمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسمِعُ الصمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ‏(52) وَ مَا أَنت بِهَدِ الْعُمْىِ عَن ضلَلَتِهِمْإِن تُسمِعُ إِلا مَن يُؤْمِنُ بِئَايَتِنَا فَهُم مُّسلِمُونَ‏(53)


بيان


هذا هو الفصل الثالث من الآيات المحتجة من طريق أفعاله تعالى و إن شئت فقل : أسماء أفعاله و عمدة غرضها الاحتجاج على المعاد ، و لما كان عمدة إنكارهم و جحودهم متوجها إلى المعاد و بإنكاره يلغو الأحكام و الشرائع فيلغو التوحيد عقب الاحتجاج بإيئاس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أمره بأن يشتغل بدعوة في نفسه استعداد الإيمان و صلاحية الإسلام و التسليم للحق .


قوله تعالى : « الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء» إلى آخر الآية ، الإثارة التحريك و النشر و السحاب الغمام و السماء جهة العلو فكل ما علاك و أظلك فهو سماء و الكسف بالكسر فالفتح جمع كسفة و هي القطعة و الودق


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :202


القطر من المطر و الخلال جمع خلة و هي الفرجة .


و المعنى : الله الذي يرسل الرياح فتحرك و تنشر سحابا و يبسط ذلك السحاب في جهة العلو من الجو كيف يشاء سبحانه و يجعله قطعات متراكبة متراكمة فترى قطر المطر يخرج من فرجه فإذا أصاب بذلك المطر من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون لأنه مادة حياتهم و حياة الحيوان و النبات .


قوله تعالى : « و إن كانوامن قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين» الإبلاس : اليأس و القنوط .


و ضمير « ينزل» للمطر و كذا ضمير « من قبله» على ما قيل ، و عليه يكون « من قبله» تأكيدا لقوله : « من قبل أن ينزل عليهم» و فائدة التأكيد - على ما قيل - الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من اليأس إلى الاستبشار ، و ذلك أن قوله : « من قبل أن ينزل عليهم» يحتمل الفسحة في الزمان فجاء « من قبله» للدلالة على الاتصال و دفع ذلك الاحتمال .


و في الكشاف ، أن قوله : « من قبله» من باب التكرير و التوكيد كقوله تعالى : « فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها» و معنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول و بعد فاستحكم يأسهم و تمادى إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك .


انتهى .


و ربما قيل : إن ضمير « من قبله» لإرسال الرياح ، و المعنى : و إن كانوا من قبل أن ينزل عليهم المطر من قبل إرسال الرياح لآيسين قانطين .


قوله تعالى : « فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى و هو على كل شي‏ء قدير» الآثار جمع الأثر و هو ما يبقى بعد الشي‏ء فيدل عليه كأثر القدم و أثر البناء و استعير لكل ما يتفرع على شي‏ء ، و المراد برحمة الله المطر النازل من السحاب الذي بسطته الرياح ، و آثارها ما يترتب على نزول المطر من النبات و الأشجار و الأثمار و هي بعينها آثار حياة الأرض بعد موتها .


و لذا قال : « فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها» فجعل آثار الرحمة التي هي المطر كيفية إحياء الأرض بعد موتها ، فحياة الأرض بعد موتها


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :203


من آثار الرحمة و النبات و الأشجار و الأثمار من آثار حياتها و هي أيضا من آثار الرحمة و التدبير تدبير إلهي يتفرع على خلقة الرياح و السحاب و المطر .


و قوله : «إن ذلك لمحيي الموتى» الإشارة بذلك إليه تعالى بما له من الرحمة التي من آثارها إحياء الأرض بعد موتها ، و في الإشارة البعيدة تعظيم ، و المراد بالموتى موتى الإنسان أو الإنسان و غيره من ذوي الحياة .


و المراد بقوله : « إن ذلك لمحيي الموتى» الدلالة على المماثلة بين إحياء الأرض الميتة و إحياء الموتى إذ في كل منهما موت هو سقوط آثار الحياة من شي‏ء محفوظ و حياة هي تجدد تلك الآثار بعد سقوطها ، و قد تحقق الإحياء في الأرض و النبات و حياة الإنسان و غيره من ذوي الحياة مثلها و حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد ، فإذا جاز الإحياء في بعض هذه الأمثال و هو الأرض و النبات فليجز في البعض الآخر .


و قوله : « و هو على كل شي‏ء قدير» تقرير للإحياء المذكور ببيان آخر و هو عموم القدرة فإن القدرة غير محدودة و لا متناهية فيشمل الإحياء بعد الموت و إلا لزم تقيدها و قد فرضت مطلقة غير محدودة .


قوله تعالى : « و لئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون» ضمير « فرأوه» للنبات المفهوم من السياق ، و قوله « لظلوا» جواب للقسم قائم مقام الجزاء ، و المعنى : و أقسم لئن أرسلنا ريحا باردة فضربت زروعهم و أشجارهم بالصفار و رأوه لظلوا بعده كافرين بنعمه .


ففي الآية توبيخهم بالتقلب السريع في النعمة و النقمة ، فإذا لاحت لهم النعمة بادروا إلى الاستبشار ، و إذا أخذ بعض ما أنعم الله به من فضله لم يلبثوا دون أن يكفروا بالمسلمات من النعم .


و قيل : ضمير « فرأوه» للسحاب لأن السحاب إذا كان أصفر لم يمطر ، و قيل : للريح فإنه يذكر و يؤنث ، و القولان بعيدان .


قوله تعالى : « فإنك لا تسمع الموتى - إلى قوله - فهم مسلمون» تعليل لما يفهم من السياق السابق كأنه قيل : لا تشتغل و لا تحزن بهؤلاء الذين تتبدل بهم الأحوال من إبلاس و استبشار و كفر و من عدم الإيمان بآياتنا و عدم تعقلها فإنهم موتى و صم و عمي


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :204


و أنت لا تقدر على إسماعهم و هدايتهم و إنما تسمع و تهدي من يؤمن بآياتنا أي يعقل هذه الحجج و يصدقها فهم مسلمون .


و قد تقدم تفسير الآيتين في سورة النمل .


اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضعْفاً وَ شيْبَةًيخْلُقُ مَا يَشاءُوَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ(54) وَ يَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيرَ ساعَةٍكَذَلِك كانُوا يُؤْفَكُونَ‏(55) وَ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الايمَنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فى كِتَبِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِفَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَ لَكِنَّكمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏(56) فَيَوْمَئذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَ لا هُمْ يُستَعْتَبُونَ‏(57) وَ لَقَدْ ضرَبْنَا لِلنَّاسِ فى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كلّ‏ِ مَثَلٍوَ لَئن جِئْتَهُم بِئَايَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ‏(58) كَذَلِك يَطبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏(59) فَاصبرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّوَ لا يَستَخِفَّنَّك الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ‏(60)


بيان


هذا هو الفصل الرابع من الآيات و هو كسابقه و فيها ختام السورة .


قوله تعالى : « الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا و شيبة» إلخ ، الضعف و القوة متقابلان ، و « من» في قوله : « من


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :205


ضعف للابتداء أي ابتداء خلقكم من ضعف أي ابتدأكم ضعفاء ، و مصداقه على ما تفيده المقابلة أول الطفولية و إن أمكن صدقه على النطفة .


و المراد بالقوة بعد الضعف بلوغ الأشد و بالضعف بعد القوة الشيخوخة و لذا عطف عليه « شيبة» عطف تفسير ، و تنكير « ضعف» و « قوة» للدلالة على الإبهام و عدم تعين المقدار لاختلاف الأفراد في ذلك .


و قوله : « يخلق ما يشاء» أي كما شاء الضعف فخلقه ثم القوة بعده فخلقها ثم الضعف بعدها فخلقه و في ذلك أتم الإشارة إلى أن تتالي هذه الأحوال من الخلق و إذ كان هذا النقل من حال إلى حال في عين أنه تدبير خلقا فهو لله الخالق للأشياء فليس لقائل منهم أن يقول : إن ذلك من التدبير الراجع إلى إله الإنسان ، مثلا كما يقوله الوثنية .


ثم تمم الكلام بالعلم و القدرة فقال : « و هو العليم القدير» .


قوله تعالى : « و يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون» ، هذه الآيات كالذنابة للآيات السابقة العادة للآيات و الحجج على وحدانيته تعالى و البعث ، و كالتمهيد و التوطئة للآية التي تختتم بها السورة فإنه لما عد شيئا من الآيات و الحجج و أشار إلى أنهم ليسوا ممن يترقب منهم الإيمان أو يطمع في إيمانهم أراد أن يبين أنهم في جهل من الحق يتلقون الحديث الحق باطلا و الآيات الصريحة الدلالة منعزلة عن دلالتها و كذلك يؤفكون و لا عذر لهم يعتذرون به .


و هذا الإفك و التقلب من الحق إلى الباطل يدوم عليهم و يلازمهم حتى قيام الساعة فيظنون أنهم لم يلبثوا في قبورهم فيما بين الموت و البعث غير ساعة من نهار فاشتبه عليهم أمر البعث كما اشتبه عليهم كل حق فظنوه باطلا .


فقوله : « و يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة» ، يحكي عنهم اشتباه الأمر عليهم في أمر الفصل بين الدنيا و يوم البعث حتى ظنوه ساعة من ساعات الدنيا .


و قوله : « كذلك كانوا يؤفكون» أي يصرفون من الحق إلى الباطل فيدعون إلى الحق و يقام عليه الحجج و الآيات فيظنونه باطلا من القول و خرافة من الرأي .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :206


قوله تعالى : « و قال الذين أوتوا العلم و الإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث» إلخ ، رد منهم لقول المجرمين : « ما لبثوا غير ساعة» فإن المجرمين لإخلادهم إلى الأرض و توغلهم في نشأة الدنيا يرون يوم البعث و الفصل بينه و بين الدنيا محكوما بنظام الدنيا فقدروا الفصل بساعة و هو مقدار قليل من الزمان كأنهم ظنوا أنهم بعد في الدنيا لأنه مبلغ علمهم .


فرد عليهم أهل العلم و الإيمان أن اللبث مقدر بالفصل بين الدنيا و يوم البعث و هو الفصل الذي يشير إليه قوله : « و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون» : المؤمنون : 100 .


فاستنتجوا منه أن اليوم يوم البعث و لكن المجرمين لما كانوا في ريب من البعث و لم يكن لهم يقين بغير الدنيا ظنوا أنهم لم يمر بهم إلا ساعة من ساعات الدنيا و هذا معنى قولهم : « لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث و لكنكم كنتم لا تعلمون» ، أي كنتم جاهلين مرتابين لا يقين لكم بهذا اليوم و لذلك اشتبه عليكم أمر اللبث .


و من هنا يظهر أن المراد بقوله : « أوتوا العلم و الإيمان» ، اليقين و الالتزام بمقتضاه و أن العلم بمعنى اليقين بالله و بآياته و الإيمان بمعنى الالتزام بمقتضى اليقين من الموهبة الإلهية ، و من هنا يظهر أيضا أن المراد بكتاب الله الكتب السماوية أو خصوص القرآن لا غيره و قول بعضهم : إن في الآية تقديما و تأخيرا و التقدير و قال الذين أوتوا العلم و الإيمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث لا يعتد به .


قوله تعالى : « فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم و لا هم يستعتبون» الاستعتاب طلب العتبى ، و العتبى إزالة العتاب أي لا ينفعهم المعذرة عن ظلمهم و لا يطلب منهم أن يزيلوا العتاب عن أنفسهم .


قوله تعالى : « و لقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل» إلخ ، إشارة


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :207


إلى كونهم مأفوكين مصروفين عن الحق حيث لا ينفعهم مثل يقرب الحق من قلوبهم لأنها مطبوع عليها ، و لذا عقبه بقوله : « و لئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون» أي جاءون بالباطل و هذا القول منهم لأنهم مصروفون عن الحق يرون كل حق باطلا ، و وضع الموصول و الصلة موضع الضمير للدلالة على سبب القول .


قوله تعالى : « كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون» ، أي يجهلون بالله و آياته و منها البعث و هم يصرون على جهلهم و ارتيابهم .


قوله تعالى : « فاصبر إن وعد الله حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون» ، أي فاصبر على ما يواجهونك به من قولهم : « إن أنتم إلا مبطلون» و سائر تهكماتهم ، إن وعد الله أنه ينصرك حق كما أومأ إليه بقوله : « و كان حقا علينا نصر المؤمنين» ، و لا يستخفنك الذين لا يوقنون بوعد الله سبحانه .


و قول بعضهم : إن المعنى لا يوقنون بما تتلو عليهم من الآيات البينات بتكذيبهم لها و إيذائهم لك بأباطيلهم ، ليس بشي‏ء و قد بدأت السورة بالوعد و ختمت بالوعد و الوعدان جميعا بالنصرة.

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :