امروز:
پنج شنبه 27 مهر 1396
بازدید :
707
تفسيرالميزان : سوره احزاب آيات 35-1


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :272


33 سورة الأحزاب مدنية ، و هي ثلاث و سبعون آية 73



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :273


سورة الأحزاب‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَأَيهَا النَّبىُّ اتَّقِ اللَّهَ وَ لا تُطِع الْكَفِرِينَ وَ الْمُنَفِقِينَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً(1) وَ اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْك مِن رَّبِّكإِنَّ اللَّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً(2) وَ تَوَكلْ عَلى اللَّهِوَ كفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً(3) مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَينِ فى جَوْفِهِوَ مَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّئِى تُظهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهَتِكمْوَ مَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَهِكُمْوَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِى السبِيلَ‏(4) ادْعُوهُمْ لاَبَائهِمْ هُوَ أَقْسط عِندَ اللَّهِفَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا ءَابَاءَهُمْ فَإِخْوَنُكمْ فى الدِّينِ وَ مَوَلِيكُمْوَ لَيْس عَلَيْكمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطأْتُم بِهِ وَ لَكِن مَّا تَعَمَّدَت قُلُوبُكُمْوَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً(5) النَّبىُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْوَ أَزْوَجُهُ أُمَّهَتهُمْوَ أُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فى كتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهَجِرِينَ إِلا أَن تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيَائكُم مَّعْرُوفاًكانَ ذَلِك فى الْكتَبِ مَسطوراً(6) وَ إِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَقَهُمْ وَ مِنك وَ مِن نُّوحٍ وَ إِبْرَهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى ابْنِ مَرْيمَوَ أَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَقاً غَلِيظاً(7) لِّيَسئَلَ الصدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْوَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً(8)


بيان


تتضمن السورة تفاريق من المعارف و الأحكام و القصص و العبر و المواعظ و فيها قصة غزوةالخندق و إشارة إلى قصة بني القريظة من اليهود ، و سياق آياتها يشهد بأنها مما نزلت بالمدينة .


قوله تعالى : « يا أيها النبي اتق الله و لا تطع الكافرين و المنافقين إن الله كان عليما حكيما» أمر للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بتقوى الله و فيه تمهيد للنهي الذي بعده « و لا تطع الكافرين و المنافقين» .


و في سياق النهي - و قد جمع فيه بين الكافرين و المنافقين و نهى عن إطاعتهم - كشف عن أن الكافرين كانوا يسألونه أمرا لا يرتضيه الله سبحانه و كان المنافقون يؤيدونهم في مسألتهم و يلحون ، أمرا كان الله سبحانه بعلمه و حكمته قد قضى بخلافه و قد نزل الوحي الإلهي بخلافه ، أمرا خطيرا لا يؤمن مساعدة الأسباب على خلافه إلا أن يشاء الله فحذر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن إجابتهم إلى ملتمسهم و أمر بمتابعة ما أوحى الله إليه و التوكل عليه .


و بهذا يتأيد ما ورد في أسباب النزول أن عدة من صناديد قريش بعد وقعة أحد دخلوا المدينة بأمان من النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و سألوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يتركهم و آلهتهم فيتركوه و إلهه فنزلت الآيات و لم يجبهم النبي إلى ذلك و سيأتي في البحث الروائي التالي .


و بما تقدم ظهر وجه تذييل الآية بقوله : « إن الله كان عليما حكيما» و كذا تعقيب الآية بالآيتين بعدها .


قوله تعالى : « و اتبع ما يوحى إليك من ربك أن الله كان بما تعملون خبيرا»


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :274


الآية عامة في حد نفسها لكنها من حيث وقوعها في سياق النهي تأمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) باتباع ما نزل به الوحي فيما يسأله الكافرون و المنافقون و أتباعه إجراؤه عملا بدليل قوله : « إن الله كان بما تعملون خبيرا» .


قوله تعالى : « و توكل على الله و كفى بالله وكيلا» الآية كالآية السابقة في أنها عامة في حد نفسها ، لكنها لوقوعها في سياق النهي السابق تدل على الأمر بالتوكل على الله فيما يأمره به الوحي و تشعر بأنه أمر صعب المنال بالنظر إلى الأسباب الظاهرية لا يسلم القلب معه من عارضة المخافة و الاضطراب إلا التوكل على الله سبحانه فإنه السبب الوحيد الذي لا يغلبه سبب مخالف .


قوله تعالى : « ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» كناية عن امتناع الجمع بين المتنافيين في الاعتقاد فإن القلب الواحد أي النفس الواحدة لا يسع اعتقادين متنافيين و رأيين متناقضين فإن كان هناك متنافيان فهما لقلبين و ما جعل الله لرجلمن قلبين في جوفه فالرجل الواحد لا يسعه أن يعتقد المتنافيين و يصدق بالمتناقضين و قوله : « في جوفه» يفيد زيادة التقرير كقوله : « و لكن تعمى القلوب التي في الصدور» : الحج : 46 .


قيل : الجملة توطئة و تمهيد كالتعليل لما يتلوها من إلغاء أمر الظهار و التبني فإن في الظهار جعل الزوجة بمنزلة الأم و في التبني و الدعاء جعل ولد الغير ولدا لنفسه و الجمع بين الزوجية و الأمومة و كذا الجمع بين بنوة الغير و بنوة نفسه جمع بين المتنافيين و لا يجتمعان إلا في قلبين و ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه .


و لا يبعد أن تكون الجملة في مقام التعليل لقوله السابق : « لا تطع الكافرين و المنافقين» « و اتبع ما يوحى إليك من ربك» فإن طاعة الله و ولايته و طاعة الكفار و المنافقين و ولايتهم متنافيتان متباينتان كالتوحيد و الشرك لا يجتمعان في القلب الواحد و ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه .


قوله تعالى : « و ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم» كان الرجل في الجاهلية يقول لزوجته أنت مني كظهر أمي أو ظهرك علي كظهر أمي فيشبه ظهرها بظهر أمه و كان يسمى ذلك ظهارا و يعد طلاقا لها ، و قد ألغاه الإسلام .


فمفاد الآية أن الله لم يجعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن بقول ظهرك علي


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :275


كظهر أمي أمهات لكم و إذ لم يجعل ذلك فلا أثر لهذا القول و الجعل تشريعي .


قوله تعالى : « و ما جعل أدعياءكم أبناءكم» الأدعياء جمع دعي و هو المتخذ ولدا المدعو ابنا و قد كان الدعاء و التبني دائرا بينهم في الجاهلية و كذا بين الأمم الراقية يومئذ كالروم و فارس و كانوا يرتبون على الدعي أحكام الولد الصلبي من التوارث و حرمة الازدواج و غيرهما و قد ألغاه الإسلام .


فمفاد الآية أن الله لم يجعل الذين تدعونهم لأنفسكم أبناء لكم بحيث يجريفيهم ما يجري في الأبناء الصلبيين .


قوله تعالى : « ذلكم قولكم بأفواهكم و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل» الإشارة بقوله : « ذلكم» إلى ما تقدم من الظهار و الدعاء أو إلى الدعاء فقط و هو الأظهر و يؤيده اختصاص الآية التالية بحكم الدعاء فحسب .


و قوله : « قولكم بأفواهكم» أي إن نسبة الدعي إلى أنفسكم ليس إلا قولا تقولونه بأفواهكم ليس له أثر وراء ذلك فهو كناية عن انتفاء الأثر كما في قوله : « كلا إنها كلمة هو قائلها» : المؤمنون : 100 .


و قوله : « و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل» معنى كون قوله : هو الحق أنه إن أخبر عن شي‏ء كان الواقع مطابقا لما أخبر به و إن أنشأ حكما ترتب عليه آثاره و طابقته المصلحة الواقعية .


و معنى هدايته السبيل أنه يحمل من هداه على سبيل الحق التي فيها الخير و السعادة و في الجملتين تلويح إلى أن دعوا أقوالكم و خذوا بقوله .


قوله تعالى : « ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله» إلى آخر الآية .


اللام في « لآبائهم» للاختصاص أي ادعوهم و هم مخصوصون بآبائهم أي انسبوهم إلى آبائهم و قوله : « هو أقسط عند الله» ، الضمير إلى المصدر المفهوم من قوله : « ادعوهم» نظير قوله : « اعدلوا هو أقرب للتقوى» و « أقسط» صيغة تفضيل من القسط بمعنى العدل .


و المعنى : انسبوهم إلى آبائهم - إذا دعوتموهم - لأن الدعاء لآبائهم أعدل عند الله .


و قوله : « فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم في الدين و مواليكم» ، المراد بعدم


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :276


علمهم آباءهم عدم معرفتهم بأعيانهم ، و الموالي هم الأولياء ، و المعنى : و إن لم تعرفوا آباءهم فلا تنسبوهم إلى غير آبائهم بل ادعوهم بالإخوة و الولاية الدينية .


و قوله : « ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به و لكن ما تعمدت قلوبكم» أي لا ذنب لكم في الذي أخطأتم به لسهو أو نسيان فدعوتموهم لغير آبائهم و لكن الذي تعمدته قلوبكم ذنب أو و لكن تعمد قلوبكم بذلك فيه الذنب .


و قوله : « و كان الله غفورا رحيما» راجع إلى ما أخطى‏ء به .


قوله تعالى : « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم» أنفس المؤمنين هم المؤمنون فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم أنه أولى بهم منهم : و معنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الأمر بينه و بين ما هو أولى منه فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ و الكلاءة و المحبة و الكرامة و استجابة الدعوة و إنفاذ الإرادة فالنبي أولى بذلك من نفسه ولو دار الأمر بين النبي و بين نفسه في شي‏ء من ذلك كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه .


ففيما إذا توجه شي‏ء من المخاطر إلى نفس النبي فليقه المؤمن بنفسه و يفده نفسه و ليكن النبي أحب إليه من نفسه و أكرم عنده من نفسه و لو دعته نفسه إلى شي‏ء و النبي إلى خلافه أو أرادت نفسه منه شيئا و أراد النبي خلافه كان المتعين استجابة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و طاعته و تقديمه على نفسه .


و كذا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أولى بهم فيما يتعلق بالأمور الدنيوية أو الدينية كل ذلك لمكان الإطلاق في قوله : « النبي أولىبالمؤمنين من أنفسهم» .


و من هنا يظهر ضعف ما قيل : إن المراد أنه أولى بهم في الدعوة فإذا دعاهم إلى شي‏ء و دعتهم أنفسهم إلى خلافه كان عليهم أن يطيعوه و يعصوا أنفسهم ، فتكون الآية في معنى قوله : « و أطيعوا الرسول» : النساء : 59 ، و قوله : « و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله» : النساء : 64 ، و ما أشبه ذلك من الآيات و هو مدفوع بالإطلاق .


و كذا ما قيل إن المراد أن حكمه فيهم أنفذ من حكم بعضهم على بعض كما في قوله : « فسلموا على أنفسكم» : النور : 61 ، و يئول إلى أن ولايته على المؤمنين فوق ولاية بعضهم على بعض المدلول عليه بقوله : « المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض» : براءة : - 71 .


و فيه أن السياق لا يساعد عليه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :277


و قوله : « و أزواجه أمهاتهم» جعل تشريعي أي أنهن منهم بمنزلة أمهاتهم في وجوب تعظيمهن و حرمة نكاحهن بعد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كما سيأتي التصريح به في قوله : « و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا» .


فالتنزيل إنما هو في بعض آثار الأمومة لا في جميع الآثار كالتوارث بينهن و بين المؤمنين و النظر في وجوههن كالأمهات و حرمة بناتهن على المؤمنين لصيرورتهن أخوات لهم و كصيرورة آبائهن و أمهاتهن أجدادا و جدات و إخوتهن و أخواتهن أخوالا و خالات للمؤمنين .


قوله تعالى : « و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين و المهاجرين» إلخ ، الأرحام جمع رحم و هي العضو الذي يحمل النطفة حتى تصير جنينا فيتولد ، و إذ كانت القرابة النسبية لازمة الانتهاء إلى رحم واحدة عبر عن القرابة بالرحم فسمي ذوو القرابة أولي الأرحام .


و المراد بكون أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض ، الأولوية في التوارث ، و قوله : « في كتاب الله» المراد به اللوح المحفوظ أو القرآنأو السورة ، و قوله : « من المؤمنين و المهاجرين» مفضل عليه و المراد بالمؤمنين غير المهاجرين منهم ، و المعنى : و ذوو القرابة بعضهم أولى ببعض من المهاجرين و سائر المؤمنين الذين كانوا يرثون بالمؤاخاة الدينية ، و هذه الأولوية في كتاب الله و ربما احتمل كون قوله : « من المؤمنين و المهاجرين» بيانا لقوله : « و أولوا الأرحام» .


و الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة و الموالاة في الدين .


و قوله : « إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا» الاستثناء منقطع ، و المراد بفعل المعروف إلى الأولياء الوصيةلهم بشي‏ء من التركة ، و قد حد شرعا بثلث المال فما دونه ، و قوله : « كان ذلك في الكتاب مسطورا» أي حكم فعل المعروف بالوصية مسطور في اللوح المحفوظ أو القرآن أو السورة .


قوله تعالى : « و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و إبراهيم و موسى و عيسى بن مريم و أخذنا منهم ميثاقا غليظا» إضافة الميثاق إلى ضمير النبيين دليل على أن المراد بالميثاق ميثاق خاص بهم كما أن ذكرهم بوصف النبوة مشعر بذلك فالميثاق


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :278


المأخوذ من النبيين ميثاق خاص من حيث إنهم نبيون و هو غير الميثاق المأخوذ من عامة البشر الذي يشير إليه في قوله : « و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى» : الأعراف : 172 .


و قد ذكر أخذ الميثاق من النبيين في موضع آخر و هو قوله : « و إذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه قال أ أقررتم و أخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا» : آل عمران : 81 .


و الآية المبحوث عنها و إن لم تبين ما هو الميثاق المأخوذ منهم و إن كانت فيها إشارة إلى أنه أمر متعلق بالنبوة لكن يمكن أن يستفاد من آية آل عمران أن الميثاق مأخوذ على وحدة الكلمة في الدين و عدم الاختلاف فيه كما في قوله : « إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون» : الأنبياء : 92 ، و قوله : « شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا و الذي أوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم و موسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه» : الشورى : 13 .


و قد ذكر النبيين بلفظ عام يشمل الجميع ثم سمى خمسة منهم بأسمائهم بالعطف عليهم فقال : « و منك و من نوح و إبراهيم و موسى و عيسى بن مريم» و معنى العطف إخراجهم من بينهم و تخصيصهم بالذكر كأنه قيل : و إذ أخذناالميثاق منكم أيها الخمسة و من باقي النبيين .


و لم يخصهم بالذكر على هذا النمط إلا لعظمة شأنهم و رفعة مكانهم فإنهم أولوا عزم و أصحاب شرائع و كتب و قد عدهم على ترتيب زمانهم : نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى بن مريم (عليهماالسلام‏) ، لكن قدم ذكر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو آخرهم زمانا لفضله و شرفه و تقدمه على الجميع .


و قوله : « و أخذنا منهم ميثاقا غليظا» تأكيد و تغليظ للميثاق نظير قوله : « فلما جاء أمرنا نجينا هودا و الذين آمنوا معه برحمة منا و نجيناهم من عذاب غليظ» : هود : 58 .


قوله تعالى : «ليسأل الصادقين عن صدقهم و أعد للكافرين عذابا أليما» اللام في « ليسأل» للتعليل أو للغاية و هو متعلق بمحذوف يدل عليه قوله : « و إذ أخذنا» و قوله : « و أعد» معطوف على ذلك المحذوف ، و التقدير فعل ذلك أي أخذ الميثاق


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :279


ليتمهد له سؤال الصادقين عن صدقهم و أعد للكافرين عذابا أليما .


و لم يقل : و ليعد للكافرين عذابا ، إشارة أن عذابهم ليس من العلل الغائية لأخذ الميثاق و إنما النقص من ناحيتهم و الخلف من قبلهم .


و أما سؤال الصادقين عن صدقهم فقيل : المراد بالصادقين الأنبياء و سؤالهم عن صدقهم هو سؤالهم يوم القيامة عما جاءت به أممهم و كأنه مأخوذ من قوله تعالى : « يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم» : المائدة : 109 .


و قيل : المراد سؤال الصادقين في توحيد الله و عدله و الشرائع عن صدقهم أي عما كانوا يقولون فيه ، و قيل : المراد سؤال الصادقين في أقوالهم عن صدقهم في أفعالهم ، و قيل : المراد سؤال الصادقين عما قصدوا بصدقهم أ هو وجه الله أو غيره ؟ إلى غير ذلك من الوجوه و هي كما ترى .


و التأمل فيما يفيده قوله : « ليسأل الصادقين عن صدقهم» يرشد إلى خلاف ما ذكروه ، ففرق بين قولنا : سألت الغني عن غناه و سألت العالم عن علمه ، و بين قولنا : سألت زيدا عن ماله أو عن علمه ، فالمتبادر من الأولين أني طالبته أن يظهر غناه و أن يظهر علمه ، و من الأخيرين أني طالبته أن يخبرني هل له مال أو هل له علم ؟ أو يصف لي ما له من المال أو من العلم .


و على هذا فمعنى سؤال الصادقين عن صدقهم مطالبتهم أن يظهروا ما في باطنهم من الصدق في مرتبة القول و الفعل و هو عملهم الصالح في الدنيا فالمراد بسؤال الصادقين عن صدقهم توجيه التكليف على حسب الميثاق إليهم ليظهر منهم صدقهم المستبطن في نفوسهم و هذا في الدنيا لافي الآخرة فأخذ الميثاق في نشأة أخرى قبل الدنيا كما يدل عليه آيات الذر « و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى» الآيات .


و بالجملة الآيتان من الآيات المنبئة عن عالم الذر المأخوذ فيه الميثاق و تذكر أن أخذ الميثاق من الأنبياء (عليهم‏السلام‏) و ترتب شأنهم و عملهم في الدنيا على ذلك في ضمن ترتب صدق كل صادق على الميثاق المأخوذ منه .


و لمكان هذا التعميم ذكر عاقبة أمر الكافرين مع أنهم ليسوا من قبيل النبيين


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :280


و الكلام في الميثاق المأخوذ منهم فكأنه قيل : أخذنا ميثاقا غليظا من النبيين أن تتفق كلمتهم على دين واحد يبلغونه ليسأل الصادقين و يطالبهم بالتكليف و الهداية إظهار صدقهم في الاعتقاد و العمل ففعلوا فقدر لهم الثواب و أعد للكافرين عذابا أليما .


و من هنا يظهر وجه الالتفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة في قوله : « ليسأل الصادقين» إلخ ، و ذلك لأن الميثاق على عبادته وحده لا شريك له و إن كان أخذه منه تعالى بوساطة من الملائكة المصحح لقوله : « أخذنا» « و أخذنا» فالمطالب لصدق الصادقين و المعد لعذاب الكافرين بالحقيقة هو تعالى وحدهليعبد وحده فتدبر .


بحث روائي


في المجمع ، : في قوله تعالى : « يا أيها النبي اتق الله» الآيات نزلت في أبي سفيان بن حرب و عكرمة بن أبي جهل و أبي الأعور السلمي قدموا المدينة و نزلوا على عبد الله بن أبي بعد غزوة أحد بأمان من رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليكلموه فقاموا و قام معهم عبد الله بن أبي و عبد الله بن سعيد بن أبي سرح و طعمة بن أبيرق فدخلوا على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالوا : يا محمد ارفض ذكر آلهتنا اللات و العزى و مناة و قل : إن لها شفاعة لمن عبدها و ندعك و ربك . فشق ذلك على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) . فقال عمر بن الخطاب : ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم ، فقال : إني أعطيتهم الأمان و أمر فأخرجوا من المدينة و نزلت الآية « و لا تطع الكافرين» من أهل مكة أبا سفيان و أبا الأعور و عكرمة « و المنافقين» ابن أبي و ابن سعيد و طعمة : أقول : و روي إجمال القصة في الدر المنثور ، عن جرير عن ابن عباس ، و روي أسباب أخر لنزول الآيات لكنها أجنبية غير ملائمة لسياق الآيات فأضربنا عنها .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و ما جعل أدعياءكم أبناءكم» : حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : كان سبب ذلك أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لما تزوج بخديجة بنت خويلد خرج إلى سوق عكاظ في تجارة و رأى زيدا يباع و رآه غلاما كيسا حصينا فاشتراه فلما نبى‏ء رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) دعاه إلى الإسلام فأسلم و كان يدعى زيد مولى محمد .


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :281


فلما بلغ حارثة بن شراحيل الكلبي خبر ولده زيد قدم مكة و كان رجلا جليلا فأتى أبا طالب فقال : يا أبا طالب إن ابني وقع عليه السبي و بلغني أنه صار إلى ابن أخيك تسأله إما أن يبيعه و إما أن يفاديه و إما أن يعتقه . فكلم أبو طالب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال رسول الله : هو حر فليذهب حيث شاء فقام حارثة فأخذ بيد زيد فقال له : يا بني الحق بشرفك و حسبك ، فقال زيد : لست أفارق رسول الله ، فقال له أبوه : فتدع حسبك و نسبك و تكون عبدا لقريش ؟ فقال زيد : لست أفارق رسول الله ما دمت حيا ، فغضب أبوه فقال : يا معشر قريش اشهدوا أني قد برئت منه و ليس هو ابني ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : اشهدوا أن زيدا ابني أرثه و يرثني . فكان زيد يدعى ابن محمد و كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يحبه و سماه زيد الحب . فلما هاجر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى المدينة زوجه زينب بنت جحش و أبطأ عنه يوما فأتى رسول الله منزله يسأل عنه فإذا زينب جالسة وسط حجرتها يستحق طيبها بفهر لها فدفع رسول الله الباب و نظر إليها و كانت جميلة حسنة فقال : سبحان الله رب النور و تبارك الله أحسن الخالقين ، ثم رجع رسول الله إلى منزله و وقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا . و جاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله فقال لها زيد : هل لك أن أطلقك حتى يتزوج بك رسول الله ؟ فقالت : أخشى أن تطلقني و لا يتزوجني رسول الله . فجاء زيد إلى رسول الله فقال : بأبي أنت و أمي يا رسول الله أخبرتني زينب بكذا و كذا فهل لك أن أطلقها حتى تتزوجها ؟ فقال له رسول الله : لا اذهب و اتق الله و أمسك عليك زوجك ، ثم حكى الله فقال : « أمسك عليك زوجك و اتق الله - و تخفي في نفسك ما الله مبديه و تخشى الناس - و الله أحق أن تخشاه - فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها إلى قوله و كان أمر الله مفعولا» فزوجه الله من فوق عرشه . فقال المنافقون : يحرم علينا نساء أبنائنا و يزوج امرأة ابنه زيد فأنزل الله في هذا « و ما جعل أدعياءكم أبناءكم إلى قوله يهدي السبيل» .


أقول : و روى قريبا منه مع اختلاف ما في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن ابن عباس .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :282


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و أبو داود و ابن مردويه عن جابر عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنه كان يقول : أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات و ترك دينا فالي ، و من ترك مالا فهو لورثته .


أقول : و في معناه روايات أخر من طرق الشيعة و أهل السنة .


و فيه ، أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و النسائي عن بريدة قال : غزوت مع على اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تغير و قال : يا بريدة أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلت : بلى يا رسول الله . قال : من كنت مولاه فعلي مولاه .


و في الاحتجاج ، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في حديث طويل قال : سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم . من كنت أولى به من نفسه فأنت أولى به من نفسه و علي بين يديه في البيت : أقول : و رواه في الكافي ، بإسناده عن جعفر عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الأحاديث في هذا المعنى من طرق الفريقين فوق حد الإحصاء .


و في الكافي ، بإسناده عن حنان قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : أي شي‏ء للموالي ؟ فقال : ليس لهم من الميراث إلا ما قال الله عز و جل : « إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا» .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قيل : يا رسول الله متى أخذ ميثاقك ؟ قال : و آدم بين الروح و الجسد .


أقول : و هو بلفظه مروي بطرق مختلفة عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و معناه كون الميثاق مأخوذا في نشأة غير هذه النشأة و قبلها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :283


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :284


يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسلْنَا عَلَيهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَاوَ كانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً(9) إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسفَلَ مِنكُمْ وَ إِذْ زَاغَتِ الأَبْصرُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوب الْحَنَاجِرَ وَ تَظنُّونَ بِاللَّهِ الظنُونَا(10) هُنَالِك ابْتُلىَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزَالاً شدِيداً(11) وَ إِذْ يَقُولُالْمُنَفِقُونَ وَ الَّذِينَ فى قُلُوبهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسولُهُ إِلا غُرُوراً(12) وَ إِذْ قَالَت طائفَةٌ مِّنهُمْ يَأَهْلَ يَثرِب لا مُقَامَ لَكمْ فَارْجِعُواوَ يَستَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنهُمُ النَّبىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَ مَا هِىَ بِعَوْرَةٍإِن يُرِيدُونَ إِلا فِرَاراً(13) وَ لَوْ دُخِلَت عَلَيهِم مِّنْ أَقْطارِهَا ثُمَّ سئلُوا الْفِتْنَةَ لاَتَوْهَا وَ مَا تَلَبَّثُوا بهَا إِلا يَسِيراً(14) وَ لَقَدْ كانُوا عَهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَرَوَ كانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسئُولاً(15) قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلاً(16) قُلْ مَن ذَا الَّذِى يَعْصِمُكم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سوءاً أَوْ أَرَادَ بِكمْ رَحْمَةًوَ لا يجِدُونَ لهَُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً(17) × قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكمْ وَ الْقَائلِينَ لاخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَاوَ لا يَأْتُونَ الْبَأْس إِلا قَلِيلاً(18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْفَإِذَا جَاءَ الخَْوْف رَأَيْتَهُمْ يَنظرُونَ إِلَيْك تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالَّذِى يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِفَإِذَا ذَهَب الخَْوْف سلَقُوكم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلى الخَْيرِأُولَئك لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَط اللَّهُ أَعْمَلَهُمْوَ كانَ ذَلِك عَلى اللَّهِ يَسِيراً(19) يحْسبُونَ الأَحْزَاب لَمْ يَذْهَبُواوَ إِن يَأْتِ الأَحْزَاب يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فى الأَعْرَابِ يَسئَلُونَ عَنْ أَنبَائكُمْوَ لَوْ كانُوا فِيكُم مَّا قَتَلُوا إِلا قَلِيلاً(20) لَّقَدْ كانَ لَكُمْ فى رَسولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسنَةٌ لِّمَن كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الاَخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً(21) وَ لَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَاب قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسولُهُ وَ صدَقَ اللَّهُ وَ رَسولُهُوَ مَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَناً وَ تَسلِيماً(22) مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صدَقُوا مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِفَمِنْهُم مَّن قَضى نحْبَهُ وَ مِنهُم مَّن يَنتَظِرُوَ مَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(23) لِّيَجْزِى اللَّهُ الصدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّب الْمُنَفِقِينَ إِن شاءَ أَوْ يَتُوب عَلَيْهِمْإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَّحِيماً(24) وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيراًوَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَوَ كانَ اللَّهُ قَوِياًّ عَزِيزاً(25) وَ أَنزَلَ الَّذِينَ ظهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صيَاصِيهِمْ وَ قَذَف فى قُلُوبِهِمُ الرُّعْب فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً(26) وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضهُمْ وَ دِيَرَهُمْ وَ أَمْوَلهَُمْ وَ أَرْضاً لَّمْ تَطئُوهَاوَ كانَ اللَّهُ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ قَدِيراً(27)


بيان


قصة غزوة الخندق و ما عقبها من أمر بني قريظة و وجه اتصالها بما قبلها ما فيها من ذكر حفظ العهد و نقضه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :285


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود» إلخ ، تذكير للمؤمنين بما أنعم عليهم أيام الخندق بنصرهم و صرف جنود المشركين عنهم و قد كانوا جنودا مجندة من شعوب و قبائل شتى كغطفان و قريش و الأحابيش و كنانة و يهود بني قريظة و النضير أحاطوا بهم من فوقهم و من أسفل منهم فسلط الله عليهم الريح و أنزل ملائكة يخذلونهم .


و هو قوله : « يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ» ظرف للنعمة أو لثبوتها « جاءتكم جنود» من طوائف كل واحدة منهم جند كغطفان و قريش و غيرهما « فأرسلنا» بيان للنعمة و هو الإرسال المتفرع على مجيئهم « عليهم ريحا» و هي الصبا و كانت باردة في ليال شاتية « و جنودا لم تروها» و هي الملائكة لخذلان المشركين « و كان الله بما تعملون بصيرا» .


قوله تعالى : « إذ جاءوكم من فوقكم و من أسفل منكم» إلخ الجاءون من فوقهم و هو الجانب الشرقي للمدينة غطفان و يهود بني قريظة و بني النضير و الجاءون من أسفل منهم و هو الجانب الغربي لها قريش و من انضم إليهم من الأحابيش و كنانة فقوله : « إذ جاءوكم من فوقكم و من أسفل منكم» عطف بيان لقوله : « إذ جاءتكم جنود» .


و قوله : « إذ زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر» ، عطف بيان آخر لقوله : « إذ جاءتكم» إلخ ، و زيغ الأبصار ميلها و القلوب هي الأنفس و الحناجر جمع حنجر و هو جوف الحلقوم .


و الوصفان أعني زيغ الأبصار و بلوغ القلوب الحناجر كنايتان عن كمال غشيان الخوف لهم حتى حولهم إلى حال المحتضر الذي يزيغ بصره و تبلغ روحه الحلقوم .


و قوله : « و تظنون بالله الظنونا» أي يظن المنافقون و الذين في قلوبهم مرض الظنون فبعضهم يقول : إن الكفارسيغلبون و يستولون على المدينة ، و بعضهم يقول : إن الإسلام سينمحق و الدين سيضيع ، و بعضهم يقول : إن الجاهلية ستعود كما كانت ، و بعضهم يقول : إن الله غرهم و رسوله إلى غير ذلك من الظنون .


قوله تعالى : « هنالك ابتلي المؤمنون و زلزلوا زلزالا شديدا» هنالك إشارة بعيدة إلى زمان أو مكان و المراد الإشارة إلى زمان مجي‏ء الجنود و كان شديدا عليهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :286


لغاية بعيدة ، و الابتلاء الامتحان ، و الزلزلة و الزلزال الاضطراب ، و الشدة القوة و تختلفان في أن الغالب على الشدة أن تكون محسوسا بخلاف القوة ، قيل : و لذلك يطلق القوي عليه تعالى دون الشديد .


و المعنى في ذلك الزمان الشديد امتحن المؤمنون و اضطربوا خوفا اضطرابا شديدا .


قوله تعالى : « و إذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله و رسوله إلا غرورا» الذين في قلوبهم مرض هم ضعفاء الإيمان من المؤمنين و هم غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان و يبطنون الكفر ، و إنما سمي المنافقون الرسول لمكان إظهارهم الإسلام .


و الغرور حمل الإنسان على الشر بإراءته في صورة الخير و الاغترار احتماله له .


قال الراغب : يقال : غررت فلانا أصبت غرته و نلت منه ما أريد ، و الغرة - بكسر الغين - غفلة في اليقظة .


انتهى .


و الوعد الذي يعدونه غرورا من الله و رسوله لهم بقرينة المقام هو وعد الفتح و ظهور الإسلام على الدين كله و قد تكرر في كلامه تعالى كما ورد أن المنافقين قالوا : يعدنا محمد أن يفتح مدائن كسرى و قيصر و نحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء .


قوله تعالى : « و إذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا» يثرب اسم المدينة قبل الإسلام ثم غلب عليه اسم مدينة الرسول بعد الهجرة ثم المدينة ، و المقام بضم الميم الإقامة ، و قولهم : لا مقام لكم فارجعوا أي لا وجه لإقامتكم هاهنا قبال جنود المشركين فالغلبة لهم لا محالة فارجعوا ثم أتبعه بحكاية ما قاله آخرون فقال عاطفا على قوله : قالت طائفة : « و يستأذن فريق منهم» أي من المنافقين و الذين في قلوبهم مرض « النبي» في الرجوع « يقولون» استئذانا « إن بيوتنا عورة» أي فيها خلل لا يأمن صاحبها دخول السارق و زحف العدو « و ما هي بعورة إن يريدون» أي ما يريدون بقولهم هذا « إلا فرارا» .


قوله تعالى : « و لو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها و ما تلبثوا بها إلا يسيرا» ضمائر الجمع للمنافقين و المرضى القلوب و الضمير في « دخلت» للبيوت و معنى دخلت عليهم دخل الجنود البيوت حال كونه دخولا عليهم ، و الأقطار جمع قطر و هو الجانب ، و المراد بالفتنة بقرينة المقام الردة و الرجعة من الدين و المراد بسؤالها


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :287


طلبها منهم ، و التلبث التأخر .


و المعنى : و لو دخل جنود المشركين بيوتهم من جوانبها و هم فيها ثم طلبوا منهم أن يرتدوا عن الدين لأعطوهم مسئولهم و ما تأخروا بالردة إلا يسيرا من الزمان بمقدار الطلب و السؤال أي إنهم يقيمون على الدين ما دام الرخاء فإذا هجمت عليهم الشدة و البأسلم يلبثوا دون أن يرجعوا .


قوله تعالى : « و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار و كان عهد الله مسئولا» اللام للقسم ، و قوله : « لا يولون الأدبار» أي لا يفرون عن القتال و هو بيان للعهد و لعل المراد بعهدهم من قبل هو بيعتهم بالإيمان بالله و رسوله و ما جاء به رسوله و مما جاء به : الجهاد الذي يحرم الفرار فيه و معنى الآية ظاهر .


قوله تعالى : « قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل و إذا لا تمتعون إلا قليلا» إذ لا بد لكل نفس من الموت لأجل مقضي محتوم لا يتأخر عنه ساعة و لا يتقدم عليه فالفرار لا يؤثر في تأخير الأجل شيئا .


و قوله : « و إذا لا تمتعون إلا قليلا» أي و إن نفعكم الفرار فمتعتم بتأخر الأجل فرضا لا يكون ذلك التمتيع إلا تمتيعا قليلا أو في زمان قليل لكونه مقطوع الآخر لا محالة .


قوله تعالى : « قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة و لا يجدون لهم من دون الله وليا و لا نصيرا» كانت الآية السابقة تنبيها لهم على أن حياة الإنسان مقضي مؤجل لا ينفع معه فرار من الزحف و في هذه الآية تنبيه - على أن الشر و الخير تابعان لإرادة الله محضا لا يمنع عن نفوذها سبب من الأسباب و لا يعصم الإنسان منها أحد فالحزم إيكال الأمر إلى إرادته تعالى و القرار على أمره بالتوكل عليه .


و لما كانت قلوبهم مرضى أو مشغولة بكفر مستبطن عدل عن أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بتكليمهم إلى تكليم نفسه فقال : « و لا يجدون لهم من دون الله وليا و لا نصيرا» .


قوله تعالى : « قد يعلم الله المعوقين منكم - إلى قوله - يسيرا التعويق التثبيط و الصرف ، و هلم اسم فعل بمعنى أقبل ، و لا يثنى و لا يجمع في لغة الحجاز ، و البأس الشدة و الحرب ، و أشحة جمع شحيح بمعنى البخيل ، و الذي يغشى عليه هو الذي أخذته


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :288


الغشوة فغابت حواسه و أخذت عيناه تدوران ، و السلق بالفتح فالسكون الضرب و الطعن .


و معنى الآيتين : إن الله ليعلم الذين يثبطون منكم الناس و يصرفونهم عن القتال و هم المنافقون و يعلم الذين يقولون من المنافقين لإخوانهم من المنافقين أو ضعفة الإيمان تعالوا و أقبلوا و لا يحضرون الحرب إلا قليلا بخلاء عليكم بنفوسهم .


فإذا جاء الخوف بظهور مخائل القتال تراهم ينظرون إليك من الخوف نظرا لا إرادة لهم فيه و لا استقرار فيه لأعينهم تدور أعينهم كالمغشي عليه من الموت فإذا ذهب الخوف ضربوكم و طعنوكم بألسنة حداد قاطعة حال كونهم بخلاء على الخير الذي نلتموه .


أولئك لم يؤمنوا و لم يستقر الإيمان في قلوبهم و إن أظهروه في ألسنتهم فأبطل الله أعمالهم و أحبطها و كان ذلك على الله يسيرا .


قوله تعالى : « يحسبون الأحزاب لم يذهبوا» إلى آخر الآية ، أي يظنون من شدة الخوف أن الأحزاب - و هم جنود المشركين المتحزبون على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) - لم يذهبوا بعد « و إن يأت الأحزاب» مرة ثانية بعد ذهابهم و تركهم المدينة « يودوا» و يحبوا « أنهم بادون» أي خارجون من المدينة إلى البدو « في الأعراب يسألون عن أنبائكم» و أخباركم « و لو كانوا فيكم» و لم يخرجوا منها بادين « ما قاتلوا إلا قليلا» أي و لا كثير فائدة في لزومهم إياكم و كونهم معكم فإنهم لن يقاتلوا إلا قليلا لا يعتد به .


قوله تعالى : « لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله و اليوم الآخر و ذكر الله كثيرا» الأسوة القدوة و هي الاقتداء و الاتباع ، و قوله : « في رسول الله» أي في مورد رسول الله و الأسوة التي في مورده هي تأسيهم به و اتباعهم له و التعبير بقوله : « لقد كان لكم» الدال على الاستقرار و الاستمرار في الماضي إشارة إلى كونهتكليفا ثابتا مستمرا .


و المعنى : و من حكم رسالة الرسول و إيمانكم به أن تتأسوا به في قوله و فعله و أنتم ترون ما يقاسيه في جنب الله و حضوره في القتال و جهاده في الله حق جهاده .


و في الكشاف : ، فإن قلت : فما حقيقة قوله : « لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» ؟ و قرى‏ء أسوة بالضم .


قلت : فيه وجهان : أحدهما أنه في نفسه أسوة حسنة


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :289


أي قدوة و هو المؤتسى أي المقتدى به كما تقول : في البيضة عشرون منا حديد أي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد .


و الثاني : أن فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها و تتبع و هي المواساة بنفسه انتهى و أول الوجهين قريب مما قدمناه .


و قوله : « لمن كان يرجوا الله و اليوم الآخر و ذكر الله كثيرا» بدل من ضمير الخطاب في « لكم» للدلالة على أن التأسي برسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خصلة جميلة زاكية لا يتصف بها كل من تسمى بالإيمان ، و إنما يتصف بها جمع ممن تلبس بحقيقة الإيمان فكان يرجو الله و اليوم الآخر أي تعلق قلبه بالله فآمن به و تعلق قلبه باليوم الآخر فعمل صالحا و مع ذلك ذكر الله كثيرا فكان لا يغفل عن ربه فتأسى بالنبي في أفعاله و أعماله .


وقيل : قوله : « لمن كان» إلخ ، صلة لقوله : « حسنة» أو صفة له للمنع عن الإبدال من ضمير الخطاب و مآل الوجوه الثلاثة بحسب المعنى واحد .


قوله تعالى : « و لما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله و رسوله و صدق الله و رسوله» ، وصف لحال المؤمنين لما شاهدوا الأحزاب و نزول جيوشهم حول المدينة فكان ذلك سبب رشدهم و تبصرهم في الإيمان و تصديقهم لله و لرسوله على خلاف ما ظهر من المنافقين و الذين في قلوبهم مرض من الارتياب و سيى‏ء القول ، و بذلك يظهر أن المراد بالمؤمنين المخلصون لإيمانهم بالله و رسوله .


و قوله : «قالوا هذا ما وعدنا الله و رسوله» الإشارة بهذا إلى ما شاهدوه مجردا عن سائر الخصوصيات ، كما في قوله : « فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي» ، : الأنعام : 78 .


و الوعد الذي أشاروا إليه قيل : هو ما كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قد وعدهم أن الأحزاب سيتظاهرون عليهم فلما شاهدوهم تبين لهم أن ذلك هو الذي وعدهم .


و قيل : إنهم كانوا قد سمعوا قوله تعالى في سورة البقرة : « أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء و الضراء و زلزلوا حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب» : البقرة : 214 فتحققوا


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :290


أنهم سيصيبهم ما أصاب الأنبياء و المؤمنين بهم من الشدة و المحنة التي تزلزل القلوب و تدهش النفوس فلما رأوا الأحزاب أيقنوا أنه من الوعد الموعود و أن الله سينصرهم على عدوهم .


و الحق هو الجمع بين الوجهين نظرا إلى جمعهم بين الله و رسوله في الوعد إذ قالوا : هذا ما وعدنا الله و رسوله .


و قوله : « و صدق الله و رسوله» شهادة منهم على صدق الوعد ، و قوله : « و ما زادهم إلا إيمانا و تسليما» أي إيمانا بالله و رسوله و تسليما لأمر الله بنصرة دينه و الجهاد في سبيله .


قوله تعالى : « من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا» ، قال الراغب : النحب النذر المحكوم بوجوبه ، يقال : قضى فلان نحبه أي وفى بنذره قال تعالى : « فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر» ، و يعبر بذلك عمن مات كقولهم : قضى أجله و استوفى أكله و قضى من الدنيا حاجته .


انتهى .


و قوله : « صدقوا ما عاهدوا الله عليه» أي حققوا صدقهم فيما عاهدوه أن لا يفروا إذا لاقوا العدو ، و يشهد على أن المراد بالعهد ذلك أن في الآية محاذاة لقوله السابق في المنافقين و الضعفاء الإيمان : « و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار» كما أن في الآية السابقة محاذاة لما ذكر سابقا من ارتياب القوم و عدم تسليمهم لأمر الله .


و قوله : « فمنهم من قضى نحبه» إلخ ، أي منهم من قضى أجله بموت أو قتل في سبيل الله و منهم من ينتظر ذلك و ما بدلوا شيئا مما كانوا عليه من قول أو عهد تبديلا .


قوله تعالى : « ليجزي الله الصادقين بصدقهم و يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما» اللام للغاية و ما تتضمنه الآية غاية لجميع من تقدم ذكرهم من المنافقين و المؤمنين .


فقوله : « ليجزي الله الصادقين بصدقهم» المراد بالصادقين المؤمنين و قد ذكر صدقهم قبل ، و الباء في « بصدقهم» للسببية أي ليجزي المؤمنين الذين صدقوا عهدهم بسبب صدقهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :291


و قوله : « و يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم» أي و ليعذب المنافقين إن شاء تعذيبهم و ذلك فيما لو لم يتوبوا أو يتوب عليهم إن تابوا إن الله كان غفورا رحيما .


و في الآية من حيث كونها بيان غاية نكتة لطيفة هي أن المعاصي ربما كانت مقدمة للسعادة و المغفرة لابما أنها معاص بل لكونها سائقة للنفس من الظلمة و الشقوة إلى حيث تتوحش النفس و تتنبه فتتوب إلى ربها و تنتزع عن معاصيها و ذنوبها فيتوب الله عليها في الغاية .


قوله تعالى : « و رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا و كفى الله المؤمنين القتال و كان الله قويا عزيزا» الغيظ الغم و الحنق و المراد بالخير ما كان يعده الكفار خيرا و هو الظفر بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنين .


و المعنى : و رد الله الذين كفروا مع غمهم و حنقهم و الحال أنهم لم ينالوا ما كانوا يتمنونه و كفى الله المؤمنين القتال فلم يقاتلوا و كان الله قويا على ما يريد عزيزا لا يغلب .


قوله تعالى : « و أنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم - إلى قوله - قديرا» المظاهرة المعاونة ، و الصياصي جمع صيصية و هي الحصن الذي يمتنع به و لعل التعبير بالإنزال دون الإخراج لأن المتحصنين يصعدون بروج الحصون و يشرفون منها و من أعالي الجدران على أعدائهم في خارجها و محاصريهم .


و المعنى : « و أنزل الذين ظاهروهم» أي عاونوا المشركين و هم بنو قريظة « من أهل الكتاب» و هم اليهود « من صياصيهم» و حصونهم « و قذف» و ألقى « في قلوبهم الرعب» و الخوف « فريقا تقتلون» و هم الرجال « و تأسرون فريقا» و هم الذراري و النساء « و أورثكم» أي و ملككم بعدهم « أرضهم و ديارهم و أموالهم و أرضا لم تطئوها» و هي أرض خيبر أو الأرض التي أفاء الله مما لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب ، و أما تفسيرها بأنها كل أرض ستفتح إلى يوم القيامة أو أرض مكة أو أرض الروم و فارس فلا يلائمه سياق الآيتين « و كان الله على كل شي‏ء قديرا» .


بحث روائي


في المجمع ، ذكر محمد بن كعب القرظي و غيره من أصحاب السير قالوا : كان من


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :292


حديث الخندق أن نفرا من اليهودمنهم سلام بن أبي الحقيق و حيي بن أخطب في جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قالوا : إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم . فقالت لهم قريش : يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الأول فديننا خير أم دين محمد ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه فأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله فيهم « أ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت - و يقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا إلى قوله و كفى بجهنم سعيرا» فسر قريشا ما قالوا و نشطوا لما دعوهم إليه فأجمعوا لذلك و اتعدوا له . ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أخبروهم أنهم سيكونون عليه و أن قريشا قد بايعوهم على ذلك فأجابوهم . فخرجت قريش و قائدهم أبو سفيان بن حرب ، و خرجت غطفان و قائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في فزارة و الحارث بن عوف في بني مرة و مسعر بن جبلة الأشجعي فيمن تابعه من الأشجع و كتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل طليحة فيمن اتبعه من بني أسد و هما حليفان أسد و غطفان و كتب قريش إلى رجال من بني سليم فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن اتبعه من بني سليم مددا لقريش . فلما علم بذلك رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ضرب الخندق على المدينة و كان الذي أشار إليه سلمان الفارسي و كان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو يومئذ حر قال : يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا فعمل فيه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المسلمون حتى أحكموه .


فما ظهر من دلائل النبوة في حفر الخندق ما رواه أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن كثير بن عبد الله بن عمر بن عوف المزني قال : حدثني أبي عن أبيه قال : خط رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الخندق عام الأحزاب أربعين ذراعا بين عشرة فاختلف المهاجرون و الأنصار في سلمان الفارسي و كان رجلا قويا فقال الأنصار : سلمان منا ، و قال المهاجرون : سلمان منا ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : سلمان منا أهل البيت . قال عمرو بن عوف : فكنت أنا و سلمان و حذيفة بن اليمان و النعمان بن مقرن


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :293


و ستة من الأنصار نقطع أربعين ذراعا ، فحفرنا حتى إذا بلغنا الثرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة فكسرت حديدنا و شقت علينا فقلنا : يا سلمان ارق إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأخبره عن الصخرة ، فأما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب و إما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه ، فرقي سلمان حتى أتى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو مضروب عليه قبة فقال : يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء من الخندق مدورة فكسرت حديدنا و شقت علينا حتى ما يحك فيها قليل و لا كثير فمرنا فيها بأمرك فهبط رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مع سلمان في الخندق و أخذ المعول و ضرب بها ضربة فلمعت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها يعني لابتي المدينة حتى لكان مصباحا في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تكبيرة فتح فكبر المسلمون ثم ضرب ضربة أخرى فلمعت برقة أخرى ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى . فقال سلمان : بأبي أنت و أمي يا رسول الله ما هذا الذي أرى ؟ فقال : أما الأولى فإن الله عز و جل فتح علي بها اليمن و أما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام و المغرب و أما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق فاستبشر المسلمون بذلك و قالوا : الحمد لله موعد صادق . قال : و طلعت الأحزاب فقال المؤمنون : هذا ما وعدنا الله و رسوله و صدق الله و رسوله ، و قال المنافقون : ألا تعجبون ؟ يحدثكم و يعدكم الباطل و يخبركم أنه يبصر في يثرب قصور الحيرة و مدائن كسرى و أنها تفتح لكم و أنتم تحفرون الخندق و لا تستطيعون أن تبرزوا .


و مما ظهر فيه أيضا من آيات النبوة ما رواه أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال حدثني ، أيمن المخزومي قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدية و هي الجبل فقلنا : يا رسول الله إن كدية عرضت فيه فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) رشوا عليها ماء ثم قام و أتاها و بطنه معصوب الحجر من الجوع فأخذ المعول أو المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :294


أهيل فقلت : ائذن لي يا رسول الله إلى المنزل ففعل فقلت للمرأة هل عندك من شي‏ء ؟ فقالت : عندي صاع من شعير و عناق فطحنت الشعير فعجنته و ذبحت العناق و سلختها و خليت بين المرأة و بين ذلك . ثم أتيت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فجلست عنده ساعة ثم قلت : ائذن لي يا رسول الله ففعل فأتيت المرأة فإذا العجين و اللحم قد أمكنا فرجعت إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقلت : إن عندنا طعيما لنا فقم يا رسول الله أنت و رجلان من أصحابك فقال : و كم هو ؟ فقلت : صاع من شعير و عناق فقال للمسلمين جميعا : قوموا إلى جابر فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله فقلت : جاء بالخلق إلى صاع شعير و عناق . فدخلت على المرأة و قلت قد افتضحت جاءك رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالخلق أجمعين فقالت : هل كان سألك كم طعامك ؟ قلت : نعم . فقالت : الله و رسوله أعلم قد أخبرناه ما عندنا فكشفت عني غما شديدا . فدخل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : خذي و دعيني من اللحم فجعل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يثرد و يفرق اللحم ثم يحم هذا و يحم هذا فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين و يعود التنور و القدر أملأ ما كانا . ثم قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : كلي و أهدي فلم نزل نأكل و نهدي قومنا أجمع أورده البخاري في الصحيح . قالوا : و لما فرغ رسول الله من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بين الجرف و الغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم و من تابعهم من بني كنانة و أهل تهامة ، و أقبلت غطفان و من تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد ، و خرج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هناك عسكره و الخندق بينه و بين القوم و أمر بالذراري و النساء فرفعوا في الآطام


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :295


و خرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة و كان قد وادع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على قومه و عاهده على ذلك فلما سمع كعب صوت ابن أخطب أغلق دونه حصنه . فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه يا كعب افتح لي فقال : ويحك يا حيي إنك رجل مشئوم ، إني قد عاهدت محمدا و لست بناقض ما بيني و بينه ، و لم أر منه إلا وفاء و صدقا . قال : ويحك افتح لي حتى أكلمك . قال : ما أنا بفاعل . قال : إن أغلقت دوني إلا على جشيشة تكره أن آكل منها معك . فأحفظ الرجل ففتح له فقال : ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر و ببحر طام جئتك بقريش على قادتها و سادتها و بغطفان على سادتها و قادتها قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا و من معه . فقال كعب : جئتني و الله بذل الدهر بجهام قد أهراق ماءه يرعد و يبرق و ليس فيه شي‏ء فدعني و محمدا و ما أنا عليه فلم أر من محمد إلا صدقا و وفاء . فلم يزل حيي بكعب يفتل منه في الذروة و الغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا و ميثاقا لئن رجعت قريش و غطفان و لم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب عهده و برى‏ء مما كان عليه فيما بينه و بين رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) . فلما انتهى الخبر إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بعث سعد بن معاذ بن النعمان بن امرى‏ء القيس أحد بني عبد الأشهل و هو يومئذ سيد الأوس و سعد بن عبادة أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج و هو يومئذ سيد الخزرج و معهما عبد الله بن رواحة و خوات بن جبير فقال : انطلقوا حتى تنظروا أ حق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :296


كان حقا فالحنوا لنا لحنا نعرفه و لا تفتوا أعضاد الناس و إن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس . و خرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم عنهم . قالوا : لا عقد بيننا و بين محمد و لا عهد ، فشاتمهم سعد بن عبادة و شاتموه ، و قال سعد بن معاذ : دع عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا و بينهم أعظم من المشاتمة . ثم أقبلوا إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قالوا : عضل و القارة لغدر عضل و القارة بأصحاب رسول الله خبيب بن عدي و أصحابه أصحاب الرجيع فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : الله أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين ، و عظم عند ذلك البلاء و اشتد الخوف و أتاهم عدوهم من فوقهم و من أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن و ظهر النفاق من بعض المنافقين . فأقام رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أقام المشركون عليه بضعا و عشرين ليلة لم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبال إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود أخو بني عامر بن لوي و عكرمة بن أبي جهل و ضرار بن الخطاب و هبيرة بن أبي وهب و نوفل بن عبد الله قد تلبسوا للقتال و خرجوا على خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا : تهيئوا للحرب يا بني كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان ؟ ثم أقبلوا تعنق بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق فقالوا : و الله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ، ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق و سلع و خرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي منها اقتحموا و أقبلت الفرسان نحوهم . و كان عمرو بن عبد ود فارس قريش و كان قد قاتل يوم بدر حتى ارتث و أثبته الجراح و لم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده ، و كان يعد بألف فارس و كان يسمى فارس يليل لأنه أقبل في ركب من قريش حتى إذا كانوا بيليل و هو واد قريب من بدر عرضت لهم بنو بكر في عدد فقال لأصحابه : امضوا فمضوا فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم أن يصلوا إليه فعرف بذلك .


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :297


و كان اسم الموضع الذي حفر فيه الخندق المذاد و كان أول من طفره عمرو و أصحابه فقيل في ذلك . عمرو بن عبد كان أول فارس جزع المذاد و كان فارس يليل . و ذكر ابن إسحاق أن عمرو بن عبد ود - كان ينادي : من يبارز ؟ فقام علي و هو مقنع في الحديد - فقال : أنا له يا نبي الله ، فقال : إنه عمرو اجلس .


و نادى عمرو : أ لا رجل ؟ و هو يؤنبهم و يقول : أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها ؟ و قام علي فقال : أنا له يا رسول الله .


ثم نادى الثالثة فقال : و لقد بححت عن النداء - بجمعكم هل من مبارز ؟ و وقفت إذ جبن المشجع - موقف البطل المناجز إن السماحة و الشجاعة في - الفتى خير الغرائز فقام علي فقال : يا رسول الله أنا له ، فقال : إنه عمرو ، فقال : و إن كان عمرا فاستأذن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأذن له - .


قال ابن إسحاق : فمشى إليه و هو يقول : لا تعجلن فقد أتاك - مجيب صوتك غير عاجز ذو نية و بصيرة - و الصدق منجي كل فائز إني لأرجو أن أقيم - عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يبقى - ذكرها عند الهزاهز قال له عمرو : من أنت ؟ قال : أنا علي .


قال : ابن عبد مناف ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف .


فقال : غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك - فإني أكره أن أهريق دمك .


فقال علي : لكني و الله ما أكره أن أهريق دمك .


فغضب عمرو و نزل و سل سيفه كأنه شعلة نار - ثم أقبل نحو علي مغضبا فاستقبله علي بدرقته فضربه عمرو بالدرقة فقدها - و أثبت فيها السيف و أصاب رأسه فشجه ، و ضربه علي على حبل العاتق فسقط .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :298


و في رواية حذيفة : و تسيف على رجليه بالسيف من أسفل - فوقع على قفاه و ثارت بينهما عجاجة - فسمع علي يكبر فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : قتله و الذي نفسي بيده - فكان أول من ابتدر العجاج عمرو بن الخطاب - و قال : يا رسول الله قتله فجز على رأسه - و أقبل نحو رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و وجهه يتهلل .


قال حذيفة : فقال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أبشر يا علي - فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم - و ذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين - إلا و قد دخله وهن بقتل عمرو ، و لم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا و قد دخله عز بقتل عمرو .


و عن الحاكم أبي القاسم أيضا بالإسناد عن سفيان الثوري عن زبيد الثاني عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال : كان يقرأ « و كفى الله المؤمنين القتال بعلي» . و خرج أصحابه منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق و تبادر المسلمون فوجدوا نوفل بن عبد العزى جوف الخندق فجعلوا يرمونه بالحجارة فقال لهم : قتلة أجمل من هذه ينزل بعضكم أقاتله فقتله الزبير بن العوام ، و ذكر ابن إسحاق : أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق . و بعث المشركون إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال النبي : هو لكم لا نأكل ثمن الموتى ، و ذكر علي أبياتا منها : نصر الحجارة من سفاهة رأيه و نصرت رب محمد بصواب فضربته و تركته متجدلا كالجذع بين دكادك و رواب و عففت عن أثوابه لو أنني كنت المقطر بزني أثوابي قال ابن اسحاق : و رمى حنان بن قيس بن العرفة سعد بن معاذ بسهم و قال : خذها و أنا ابن العرفة فقطع أكحله فقال سعد : عرف الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك و كذبوه و أخرجوه ، و إن كنت وضعت الحرب بيننا و بينهم فاجعله لي شهادة و لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة . قال : و جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت و لم يعلم بي أحد من قومي فمرني بأمرك فقال له النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إنما أنت فينا


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :299


رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإنما الحرب خدعة . فانطلق نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة فقال لهم : إني لكم صديق ، و الله ما أنتم و قريش و غطفان من محمد بمنزلة واحدة إن البلد بلدكم و به أموالكم و أبناؤكم و نساؤكم و إنما قريش و غطفان بلادهم غيرها و إنما جاءوا حتى نزلوا معكم فإن رأوا فرصة انتهزوها و إن رأوا غير ذلك رجعوا إلى بلادهم و خلوا بينكم و بين الرجل و لا طاقة لكم به فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم تستوثقون به أن لا يبرحوا حتى يناجزوا محمدا . فقالوا له : قد أشرت برأي . ثم ذهب فأتى أبا سفيان و أشراف قريش فقال : يا معشر قريش إنكم قد عرفتم ودي إياكم و فراقي محمدا و دينه و إني قد جئتكم بنصيحة فاكتموا علي . فقالوا : نفعل ما أنت عندنا بمتهم . قال : تعلمون أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا بينهم و بين محمد فبعثوا إليه أنه لا يرضيك عنا إلا أن نأخذ من القوم رهنا من أشرافهم و ندفعهم إليك فتضرب أعناقهم ثم نكون معك عليهم حتى نخرجهم من بلادك . فقال : بلى فإن بعثوا إليكم يسألونك نفرا من رجالكم فلا تعطوهم رجلا واحدا و احذروا . ثم جاء غطفان و قال : يا معشر غطفان إني رجل منكم ، ثم قال لهم ما قال لقريش . فلما أصبح أبو سفيان و ذلك يوم السبت في شوال سنة خمس من الهجرة بعث إليهم أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش أن أبا سفيان يقول لكم : يا معشر اليهود إن الكراع و الخف قد هلكا و إنا لسنا بدار مقام فاخرجوا إلى محمد حتى نناجزه . فبعثوا إليه أن اليوم السبت و هو يوم لا نعمل فيه شيئا و لسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم نستوثق بهم لا تذهبوا و تدعونا حتى نناجز محمدا فقال أبو سفيان : و الله لقد حذرنا هذا نعيم فبعث إليهم أبو سفيان : أنا لا نعطيكم رجلا واحدا فإن شئتم أن تخرجوا و تقاتلوا و إن شئتم فاقعدوا ، فقالت اليهود : هذا و الله الذي قال لنا نعيم . فبعثوا إليهم أنا و الله لا نقاتل حتى تعطونا رهنا ، و خذل الله بينهم و بعث سبحانه عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد حتى انصرفوا راجعين .


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :300


قال محمد بن كعب قال حذيفة بن اليمان و الله لقد رأيتنا يوم الخندق و بنا من الجهد و الجوع و الخوف ما لا يعلمه إلا الله و قام رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يصلي ما شاء الله من الليل ثم قال : أ لا رجل يأتينا بخبر القوم يجعله الله رفيقي في الجنة . قال حذيفة : فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الخوف و الجهد و الجوع ، فلما لم يقم أحد دعاني فلم أجد بدا من إجابته . قلت : لبيك قال : اذهب فجى‏ء بخبر القوم و لا تحدثن شيئا حتى ترجع . قال : و أتيت القوم فإذا ريح الله و جنوده تفعل بهم ما تفعل ما يستمسك لهم بناء و لا تثبت لهم نار و لا يطمئن لهم قدر فإني لكذلك إذ خرج أبو سفيان من رحله ثم قال : يا معشر قريش لينظر أحدكم من جليسه ؟ قال حذيفة : فبدأت بالذي عن يميني فقلت : من أنت ؟ قال : أنا فلان . ثم عاد أبو سفيان براحلته فقال : يا معشر قريش و الله ما أنتم بدار مقام هلك الخف و الحافر و أخلفتنا بنو قريظة و هذه الريح لا يستمسك لنا معها شي‏ء ثم عجل فركب راحلته و إنها لمعقولة ما حل عقالها إلا بعد ما ركبها . قال : قلت في نفسي : لو رميت عدو الله و قتلته كنت قد صنعت شيئا فوترت قوسي ثم وضعت السهم في كبد القوس و أنا أريد أن أرميه فأقتله فذكرت قول رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لا تحدثن شيئا حتى ترجع . قال فحططت القوس ثم رجعت إلى رسول الله و هو يصلي فلما سمع حسي فرج بين رجليه فدخلت تحته ، و أرسل على طائفة من مرطة فركع و سجد ثم قال : ما الخبر ؟ فأخبرته . و عن سليمان بن صرد قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حين أجلى عنه الأحزاب : الآن نغزوهم و لا يغزوننا فكان كما قال فلم يغزهم قريش بعد ذلك و كان هو يغزوهم حتى فتح الله عليهم مكة : أقول : هذا ما أورده الطبرسي في مجمع البيان ، من القصة أوردناه ملخصا و روى القمي في تفسيره ، قريبا منه و أورده في الدر المنثور ، في روايات متفرقة .


و في المجمع ، أيضا روى الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال :


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :301


لما انصرف النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن الخندق و وضع عنه اللأمة و اغتسل و استحم تبدى له جبريل فقال : عذيرك من محارب أ لا أراك أن قد وضعت عنك اللأمة و ما وضعناها بعد . فوثب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فزعا فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر حتى يأتوا قريظة فلبس الناس السلاح فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس و اختصم الناس فقال بعضهم : إن رسول الله عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي قريظة فإنما نحن في عزمة رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فليس علينا إثم ، و صلى طائفة من الناس احتسابا و تركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس فصلوها حين جاءوا بني قريظة احتسابا فلم يعنف رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) واحدا من الفريقين . و ذكر عروة أنه بعث علي بن أبي طالب على المقدم و دفع إليه اللواء و أمره أن ينطلق حتى يقف بهم على حصن بني قريظة ففعل و خرج رسول الله على آثارهم فمر على مجلس من الأنصار في بني غنم ينتظرون رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فزعموا أنه قال : مر بكم الفارس آنفا فقالوا : مر بنا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ليس ذلك بدحية و لكنه جبرائيل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم و يقذف في قلوبهم الرعب . قالوا : و سار علي حتى إذا دنا من الحصن سمع منهم مقالة قبيحة لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فرجع حتى لقي رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالطريق فقال : يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث قال : أظنك سمعت لي منهم أذى ؟ فقال : نعم يا رسول الله فقال : لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا ، فلما دنا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من حصونهم قال : يا إخوة القردة و الخنازير ! هل أخزاكم الله و أنزل بكم نقمته ؟ فقالوا : يا أبا لقاسم ما كنت جهولا . و حاصرهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خمسا و عشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار و قذف الله في قلوبهم الرعب ، و كان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت قريش و غطفان فلما أيقنوا أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد : يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون و إني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم قالوا : ما هن ؟ .


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :302


قال : نبايع هذا الرجل و نصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل و أنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دمائكم و أموالكم و نسائكم . قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ، و لا نستبدل به غيره . قال : فإذا أبيتم علي هذا فهلموا فلنقتل أبناءنا و نساءنا ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين بالسيوف و لم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا و بين محمد فإن نهلك نهلك و لم نترك وراءنا نسلا يهمنا و إن نظهر لنجدن النساء و الأبناء . فقالوا : نقتل هؤلاء المساكين ؟ فما خير في العيش بعدهم . قال : فإن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت و عسى أن يكون محمد و أصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا فلعلنا نصيب منهم غرة . فقالوا : نفسد سبتنا ؟ و نحدث فيه ما أحدث من كان قبلنا فأصابهم ما قد علمت من المسخ ؟ فقال : ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما . قال الزهري : و قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حين سألوه أن يحكم فيهم رجلا : اختاروا من شئتم من أصحابي ، فاختاروا سعد بن معاذ فرضي بذلك النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فأمر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بسلاحهم فجعل في قبته و أمر بهم فكتفوا و أوثقوا و جعلوا في دار أسامة ، و بعث رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى سعد بن معاذ فجي‏ء به فحكم فيهم بأن يقتل مقاتلوهم و تسبى ذراريهم و نساؤهم و تغنم أموالهم و أن عقارهم للمهاجرين دون الأنصار و قال للأنصار : إنكم ذو عقار و ليس للمهاجرين عقار ، فكبر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قال لسعد : لقد حكمت فيهم بحكم الله عز و جل ، و في بعض الروايات : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة و أرقعة جمع رقيع اسم سماء الدنيا . فقتل رسول الله مقاتليهم ، و كانوا فيما زعموا : ستمائة مقاتل ، و قيل : قتل منهم أربعمائة و خمسين رجلا و سبى سبعمائة و خمسين ، و روي أنهم قالوا لكعب بن أسد و هم يذهب بهم إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إرسالا : يا كعب ما ترى يصنع بنا ؟ فقال كعب : أ في كل موطن تقولون ؟ أ لا ترون أن الداعي لا ينزع و من يذهب منكم لا يرجع هو و الله القتل .


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :303


و أتي بحيي بن أخطب عدو الله عليه حلة فاختية قد شقها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، فلما بصر برسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : أما و الله ما لمت نفسي على عداوتك و لكنه من يخذل الله يخذل ثم قال : يا أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب الله و قدرة ملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضرب عنقه . ثم قسم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نساءهم و أبناءهم و أموالهم على المسلمين و بعث بسبايا منهم إلى نجد مع سعد بن زيد الأنصاري فابتاع بهم خيلا و سلاحا ، قالوا : فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ فرجعه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد . و روي عن جابر بن عبد الله قال : جاء جبرائيل إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : من هذا العبد الصالح الذي مات فتحت له أبواب السماء و تحرك له العرش فخرج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فإذا سعد بن معاذ قد قبض .


أقول : و روى القصة القمي في تفسيره ، مفصلة و فيه : فأخرج كعب بن أسيد مجموعة يداه إلى عنقه فلما نظر إليه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال له : يا كعب أ ما نفعك وصية ابن الحواس الحبر الذكي الذي قدم عليكم من الشام فقال : تركت الخمر و الخمير و جئت إلى البئوس و التمور لنبي يبعث مخرجه بمكة و مهاجرته في هذه البحيرة يجتزي بالكسيرات و التميرات ، و يركب الحمار العري ، في عينيه حمرة ، و بين كتفيه خاتم النبوة ، يضع سيفه على عاتقه ، لا يبالي من لاقى منكم ، يبلغ سلطانه منقطع الخف و الحافر فقال قد كان ذلك يا محمد و لو لا أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لآمنت بك و صدقتك و لكني على دين اليهود عليه أحيا و عليه أموت . فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : قدموه و اضربوا عنقه فضربت . و فيه أيضا : فقتلهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في البردين بالغداة و العشي في ثلاثة أيام و كان يقول : اسقوهم العذب و أطعموهم الطيب و أحسنوا أساراهم حتى قتلهم كلهم فأنزل الله عز و جل فيهم : « و أنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم» إلى قوله و كان الله على كل شي‏ء قديرا» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :304


و في المجمع ، : روى أبو القاسم الحسكاني عن عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق عن علي (عليه‏السلام‏) قال : فينا نزلت « رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» فأنا و الله المنتظر ما بدلت تبديلا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :305


يَأَيهَا النَّبىُّ قُل لأَزْوَجِك إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَ زِينَتَهَا فَتَعَالَينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسرِّحْكُنَّ سرَاحاً جَمِيلاً(28) وَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسولَهُ وَ الدَّارَ الاَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً(29) يَنِساءَ النَّبىّ‏ِ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَحِشةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضعَف لَهَا الْعَذَاب ضِعْفَينِوَ كانَ ذَلِك عَلى اللَّهِ يَسِيراً(30) × وَ مَن يَقْنُت مِنكُنَّ للَّهِ وَ رَسولِهِ وَ تَعْمَلْ صلِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ وَ أَعْتَدْنَا لهََا رِزْقاً كرِيماً(31) يَنِساءَ النَّبىّ‏ِ لَستنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّساءِإِنِ اتَّقَيْتنَّ فَلا تخْضعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطمَعَ الَّذِى فى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً(32) وَ قَرْنَ فى بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الأُولىوَ أَقِمْنَ الصلَوةَ وَ ءَاتِينَ الزَّكوةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسولَهُإِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِب عَنكمُ الرِّجْس أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطهِّرَكمْ تَطهِيراً(33) وَ اذْكرْنَ مَا يُتْلى فى بُيُوتِكنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَ الحِْكمَةِإِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً(34) إِنَّ الْمُسلِمِينَ وَ الْمُسلِمَتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ وَ الْقَنِتِينَ وَ الْقَنِتَتِ وَ الصدِقِينَ وَ الصدِقَتِ وَ الصبرِينَ وَ الصبرَتِ وَ الْخَشِعِينَ وَ الْخَشِعَتِ وَ الْمُتَصدِّقِينَ وَ الْمُتَصدِّقَتِ وَ الصئمِينَ وَ الصئمَتِ وَ الحَْفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحَفِظتِ وَ الذَّكرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّكرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لهَُم مَّغْفِرَةً وَ أَجْراً عظِيماً(35)


بيان


آيات راجعة إلى أزواج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تأمره أولا : أن ينبئهن أن ليس لهن من الدنيا و زينتها إلا العفاف و الكفاف إن اخترن زوجية النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، ثم تخاطبهن ثانيا : أنهن واقفات في موقف صعب على ما فيه من العلو و الشرف فإن اتقين الله يؤتين أجرهن مرتين و إن أتين بفاحشة مبينة يضاعف لهن العذاب ضعفين و يأمرهن بالعفة و لزوم بيوتهن من غير تبرج و الصلاة و الزكاة و ذكر ما يتلى في بيوتهن من الآيات و الحكمة ثم يعد مطلق الصالحين من الرجال و النساء وعدا بالمغفرة و الأجر العظيم .


قوله تعالى : « يا أيها النبي قل لأزواجك» إلى تمام الآيتين ، سياق الآيتين يلوح أن أزواج النبي أو بعضهن كانت لا ترتضي ما في عيشتهن في بيت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من الضيق و الضنك فاشتكت إليه ذلك و اقترحت عليه أن يسعدهن في الحياة بالتوسعة فيها و إيتائهن من زينتها .


فأمر الله سبحانه نبيه أن يخيرهن بين أن يفارقنه و لهن ما يردن و بين أن يبقين عنده و لهن ما هن عليه من الوضع الموجود .


و قد ردد أمرهن بين أن يردن الحياة الدنيا و زينتها و بين أن يردن الله و رسوله و الدار الآخرة ، و هذا الترديد يدل أولا : أن الجمع بين سعة العيش و صفائها بالتمتع من الحياة و زينتها و زوجية النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و العيشة في بيته مما لا يجتمعان .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :306


و ثانيا : أن كلا من طرفي الترديد مقيد بما يقابل الآخر ، و المراد بإرادة الحياة الدنيا و زينتها جعلها هي الأصل سواء أريدت الآخرة أو لم يرد ، و المراد بإرادة الحياة الآخرة جعلها - هي الأصل في تعلق القلب بها سواء توسعت معها الحياة الدنيا و نيلت الزينة و صفاء العيش أو لم يكن شي‏ء من ذلك .


ثم الجزاء أعني نتيجة اختيارهن كلا من طرفي الترديد مختلف فلهن على تقدير اختيارهن الحياة الدنيا و زينتها بمفارقة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يطلقهن و يمتعهن جمعاء من مال الدنيا ، و على تقدير بقائهن على زوجية النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و اختيار الآخرة على الحياة الدنيا و زينتها الأجر العظيم عند الله لكن لا مطلقا بل بشرط الإحسان و العمل الصالح .


و يتبين بذلك أن ليس لزوجية النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من حيث هي زوجية كرامة عند الله سبحانه و إنما الكرامة لزوجيته المقارنة للإحسان و التقوى و لذلك لما ذكر ثانيا علو منزلتهن قيده أيضا بالتقوى فقال : « لستن كأحد من النساء إن اتقيتن» و هذا كقوله في النبي و أصحابه : « محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا - إلى أن قال - وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات منهم مغفرة و أجرا عظيما» حيث مدحهم عامة بظاهر أعمالهم أولا ثم قيد وعدهم الأجر العظيم بالإيمان و العمل الصالح .


و بالجملة فإطلاق قوله : « إن أكرمكمعند الله أتقاكم» : الحجرات : 10 على حاله غير منتقض بكرامة أخرى بسبب أو نسب أو غير ذلك .


فقوله : « يا أيها النبي قل لأزواجك» أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يبلغ الآيتين أزواجه و لازمه أن يطلقهن و يمتعهن إن اخترن الشق الأول و يبقيهن على زوجيته إن اخترن الله و رسوله و الدار الآخرة .


و قوله : « إن كنتن تردن الحياة الدنيا و زينتها» إرادة الحياة الدنيا و زينتها كناية بقرينة المقابلة عن اختيارها و تعلق القلب بتمتعاتها و الإقبال عليها و الإعراض عن الآخرة .


و قوله : « فتعالين أمتعكن و أسرحكن سراحا جميلا» قال في الكشاف : ، أصل تعال أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطأ ثم كثرت حتى استوت في


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :307


استعماله الأمكنة ، و معنى تعالين أقبلن بإرادتكن و اختياركن لأحد أمرين و لم يرد نهوضهن بأنفسهن كما تقول : أقبل يخاصمني و ذهب يكلمني و قام يهددني .


انتهى .


و التمتيع إعطاؤهن عند التطليق مالا يتمتعن به و التسريح هو التطليق و السراح الجميل هو الطلاق من غير خصومة و مشاجرة بين الزوجين .


و في الآية أبحاث فقهية أوردها المفسرون و الحق أن ما تتضمنه من الأحكام الشخصية خاصة بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لا دليل من جهة لفظها على شموله لغيره و تفصيل القول في الفقه .


و قوله : « و إن كنتن تردن الله و رسوله و الدار الآخرة» فقد تقدم أن المقابلة بين هذه الجملة و بين قوله : « إن كنتن تردن الحياة الدنيا و زينتها» إلخ ، تقيد كلا منهما بخلاف الأخرى و عدمها ، فمعنى الجملة : و إن كنتن تردن و تخترن طاعة الله و رسوله و سعادة الدار الآخرة مع الصبر على ضيق العيش و الحرمان من زينة الحياة الدنيا و هي مع ذلك كناية عن البقاء في زوجية النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الصبر على ضيق العيش و إلا لم يصح اشتراك الإحسان في الأجر الموعود و هو ظاهر .


فالمعنى : و إن كنتن تردن و تخترن البقاء على زوجية النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الصبر على ضيق العيش فإن .


الله هيأ لكن أجرا عظيما بشرط أن تكن محسنات في أعمالكن مضافا إلى إرادتكن الله و رسوله و الدار الآخرة فإن لم تكن محسنات لم يكن لكن إلا خسران الدنيا و الآخرة جميعا .


قوله تعالى : « يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين» إلخ ، عدل عن مخاطبة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيهن إلى مخاطبتهن أنفسهن لتسجيل ما لهن من التكليف و زيادة التوكيد ، و الآية و التي بعدها تقرير و توضيح بنحو لما يستفاد من قوله : « فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما» إثباتا و نفيا .


فقوله : « من يأت منكن بفاحشة مبينة» الفاحشة الفعلة البالغة في الشناعة و القبح و هي الكبيرة كإيذاء النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الافتراء و الغيبة و غير ذلك ، و المبينة هي الظاهرة .


و و قوله : « يضاعف لها العذاب ضعفين» أي حال كونه ضعفين و الضعفان المثلان


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :308


و يؤيد هذا المعنى قوله في جانب الثواب بعد : « نؤتها أجرها مرتين» فلا يعبأ بما قيل إن المراد بمضاعفة العذاب ضعفين تعذيبهم بثلاثة أمثاله بتقريب أن مضاعفة العذاب زيادته و إذا زيد على العذاب ضعفاه صار المجموع ثلاثة أمثاله .


و ختم الآية بقوله : « و كان ذلك على الله يسيرا» للإشارة إلى أنه لا مانع من ذلك من كرامة الزوجية و نحوها إذ لا كرامة إلا للتقوى و زوجية النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إنما تؤثر الأثر الجميل إذا قارن التقوى و أما مع المعصية فلا تزيد إلا بعدا و وبالا .


قوله تعالى : « و من يقنت منكن لله و رسوله و تعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين» إلخ ، القنوت الخضوع ، و قيل : الطاعة و قيل : لزوم الطاعة مع الخضوع ، و الإعتاد التهيئة ، و الرزق الكريم مصداقه الجنة .


و المعنى : و من يخضع منكن لله و رسوله أو لزم طاعة الله و رسوله مع الخضوع و يعمل عملا صالحا نعطها أجرها مرتين أي ضعفين و هيأنا لها رزقا كريما و هي الجنة .


و الالتفات من الغيبة إلى التكلم بالغير في قوله : « نؤتها» و « أعتدنا» للإيذان بالقرب و الكرامة ، خلاف البعد و الخزي المفهوم من قوله : « يضاعف لها العذاب ضعفين» .


قوله تعالى : « يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض» إلخ ، الآية تنفي مساواتهن لسائر النساء إن اتقين و ترفع منزلتهن على غيرهن ثم تذكر أشياء من النهي و الأمر متفرعة على كونهن لسن كسائر النساء كما يدل عليه قوله : فلا تخضعن بالقول و قرن و لا تبرجن إلخ ، و هي خصال مشتركة بين نساء النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و سائر النساء .


فتصدير الكلام بقوله : « لستن كأحد من النساء إن اتقيتن» ثم تفريع هذه التكاليف المشتركة عليه ، يفيد تأكد هذه التكاليف عليهن كأنه قيل : لستن كغيركن فيجب عليكن أن تبالغن في امتثال هذه التكاليف و تحتطن في دين الله أكثر من سائر النساء .


و تؤيد بل تدل على تأكد تكاليفهن مضاعفة جزائهن خيرا و شرا كما دلت عليها الآية السابقة فإن مضاعفة الجزاء لا تنفك عن تأكد التكليف .


و قوله : « فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض» بعد ما بين علو


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :309


منزلتهن و رفعة قدرهن لمكانهن من النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و شرط في ذلك التقوى فبين أن فضيلتهن بالتقوى لا بالاتصال بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نهاهن عن الخضوع في القول و هو ترقيق الكلام و تليينه مع الرجال بحيث يدعو إلى الريبة و تثير الشهوة فيطمع الذي في قلبه مرض و هو فقدان قوة الإيمان التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء .


و قوله : « و قلن قولا معروفا» أي كلاما معمولا مستقيما يعرفه الشرع و العرف الإسلامي و هو القول الذي لا يشير بلحنه إلى أزيد من مدلوله معرى عن الإيماء إلى فساد و ريبة .


قوله تعالى : « و قرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى - إلى قوله - و أطعن الله و رسوله» « قرن» من قر يقر إذا ثبت و أصله اقررن حذفت إحدى الرائين أو من قار يقار إذا اجتمع كناية عن ثباتهن في بيوتهن و لزومهن لها ، و التبرج الظهورللناس كظهور البروج لناظريها .


و الجاهلية الأولى الجاهلية قبل البعثة فالمراد الجاهلية القديمة ، و قول بعضهم : إن المراد به زمان ما بين آدم و نوح (عليهماالسلام‏) ثمان مائة سنة ، و قول آخرين إنها ما بين إدريس و نوح ، و قول آخرين زمان داود و سليمان و قول آخرين إنه زمان ولادة إبراهيم ، و قول آخرين إنه زمان الفترة بين عيسى (عليه‏السلام‏) و محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أقوال لا دليل يدل عليها .


و قوله : « و أقمن الصلاة و آتين الزكاة و أطعن الله و رسوله» أمر بامتثال الأوامر الدينية و قد أفرد الصلاة و الزكاة بالذكر من بينها لكونهما ركنين في العبادات و المعاملات ثم جمع الجميع في قوله : « و أطعن الله و رسوله» .


و طاعة الله هي امتثال تكاليفه الشرعية و طاعة رسوله فيما يأمر به و ينهى بالولاية المجعولة له من عند الله كما قال : « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» .


قوله تعالى : « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا» كلمة « إنما» تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس و التطهير و كلمة أهل البيت سواء كان لمجرد الاختصاص أو مدحا أو نداء يدل على اختصاص إذهاب الرجس و التطهير بالمخاطبين بقوله : « عنكم» ، ففي الآية في الحقيقة قصران قصر الإرادة في إذهاب الرجس و التطهير و قصر إذهاب الرجس و التطهير في أهل البيت .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :310


و ليس المراد بأهل البيت نساء النبي خاصة لمكان الخطاب الذي في قوله : « عنكم» و لم يقل : عنكن فأما أن يكون الخطاب لهن و لغيرهن كما قيل : إن المراد بأهل البيت أهل البيت الحرام و هم المتقون لقوله تعالى : « إن أولياؤه إلا المتقون» أو أهل مسجد رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو أهل بيت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هم الذين يصدق عليهم عرفاأهل بيته من أزواجه و أقربائه و هم آل عباس و آل عقيل و آل جعفر و آل علي أو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أزواجه ، و لعل هذا هو المراد مما نسب إلى عكرمة و عروة أنها في أزواج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خاصة .


أو يكون الخطاب لغيرهن كما قيل : إنهم أقرباء النبي من آل عباس و آل عقيل و آل جعفر و آل علي .


و على أي حال فالمراد بإذهاب الرجس و التطهير مجرد التقوى الديني بالاجتناب عن النواهي و امتثال الأوامر فيكون المعنى أن الله لا ينتفع بتوجيه هذه التكاليف إليكم و إنما يريد إذهاب الرجس عنكم و تطهيركم على حد قوله : « ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج و لكن يريد ليطهركم و يتم نعمته عليكم» : المائدة : 6 ، و هذا المعنى لا يلائم شيئا من معاني أهل البيت السابقة لمنافاته البينة للاختصاص المفهوم من أهل البيت لعمومه لعامة المسلمين المكلفين بأحكام الدين .


و إن كان المراد بإذهاب الرجس و التطهير التقوى الشديد البالغ و يكون المعنى : أن هذا التشديد في التكاليف المتوجهة إليكن أزواج النبي و تضعيف الثواب و العقاب ليس لينتفع الله سبحانه به بل ليذهب عنكم الرجس و يطهركم و يكون من تعميم الخطاب لهن و لغيرهن بعد تخصيصه بهن، فهذا المعنى لا يلائم كون الخطاب خاصا بغيرهن و هو ظاهر و لا عموم الخطاب لهن و لغيرهن فإن الغير لا يشاركهن في تشديد التكليف و تضعيف الثواب و العقاب .


لا يقال : لم لا يجوز أن يكون الخطاب على هذا التقدير متوجها إليهن مع النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تكليفه شديد كتكليفهن .


لأنه يقال : إنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مؤيد بعصمة من الله و هي موهبة إلهية غير مكتسبة بالعمل فلا معنى لجعل تشديد التكليف و تضعيف الجزاء بالنسبة إليه مقدمة أو سببا لحصول


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :311


التقوى الشديد له امتنانا عليه على ما يعطيه سياق الآية و لذلك لم يصرح بكون الخطاب متوجها إليهن مع النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقط أحد من المفسرين و إنما احتملناه لتصحيح قول من قال : إن الآية خاصة بأزواج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و إن كان المراد إذهاب الرجس و التطهير بإرادته تعالى ذلك مطلقا لا بتوجيه مطلق التكليف و لا بتوجيه التكليف الشديد بل إرادة مطلقة لإذهاب الرجس و التطهير لأهل البيت خاصة بما هم أهل البيت كان هذا المعنى منافيا لتقييد كرامتهن بالتقوى سواء كان المراد بالإرادة الإرادة التشريعية أو التكوينية .


و بهذا الذي تقدم يتأيد ما ورد في أسباب النزول أن الآية نزلت في النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و علي و فاطمة و الحسنين (عليهم‏السلام‏) خاصة لا يشاركهم فيها غيرهم .


و هي روايات جمة تزيد على سبعين حديثا يربو ما ورد منها من طرق أهل السنة على ما ورد منها من طرق الشيعة فقد روتها أهل السنة بطرق كثيرة عن أم سلمة و عائشة و أبي سعيد الخدري و سعد و وائلة بن الأسقع و أبي الحمراء و ابن عباس و ثوبان مولى النبي و عبد الله بن جعفر و علي و الحسن بن علي (عليهماالسلام‏) في قريب من أربعين طريقا .


و روتها الشيعة عن علي و السجاد و الباقر و الصادق و الرضا (عليهماالسلام‏) و أم سلمة و أبي ذر و أبي ليلى و أبي الأسود الدؤلي و عمرو بن ميمون الأودي و سعد بن أبي وقاص في بضع و ثلاثين طريقا .


فإن قيل : إن الروايات إنما تدل على شمول الآية لعلي و فاطمة و الحسنين (عليهم‏السلام‏) و لا ينافي ذلك شمولها لأزواج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كما يفيده وقوع الآية في سياق خطابهن .


قلنا : إن كثيرا من هذه الروايات و خاصة ما رويت عن أم سلمة - و في بيتها نزلت الآية - تصرح باختصاصها بهم و عدم شمولها لأزواج النبي و سيجي‏ء الروايات و فيها الصحاح .


فإن قيل : هذا مدفوع بنص الكتاب على شمولها لهن كوقوع الآية في سياق خطابهن .


قلنا : إنما الشأن كل الشأن في اتصال الآية بما قبلها من الآيات فهذه الأحاديث على كثرتها البالغة ناصة في نزول الآية وحدها ، و لم يرد حتى في رواية واحدة نزول هذه الآية في ضمن آيات نساء النبي و لا ذكره أحد حتى القائل باختصاص الآية بأزواج


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :312


النبي كما ينسب إلى عكرمة و عروة ، فالآية لم تكن بحسب النزول جزءا من آيات نساء النبي و لا متصلة بها و إنما وضعت بينها إما بأمر من النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو عند التأليف بعد الرحلة ، و يؤيده أن آية « و قرن في بيوتكن» على انسجامها و اتصالها لو قدر ارتفاع آية التطهير من بين جملها ، فموقع آية التطهير من آية « و قرن في بيوتكن» كموقع آية « اليوم يئس الذين كفروا» من آية محرمات الأكل من سورة المائدة ، و قد تقدم الكلام في ذلك في الجزء الخامس من الكتاب .


و بالبناء على ما تقدم تصير لفظة أهل البيت اسما خاصا - في عرف القرآن - بهؤلاء الخمسة و هم النبي و علي و فاطمة و الحسنان (عليه‏السلام‏) لا يطلق على غيرهم ، و لو كان من أقربائه الأقربين و إن صح بحسب العرف العام إطلاقه عليهم .


و الرجس - بالكسر فالسكون - صفة من الرجاسة و هي القذارة ، و القذارة هيئة في الشي‏ء توجب التجنب و التنفر منها ، و تكون بحسب ظاهر الشي‏ء كرجاسة الخنزير ، قال تعالى : « أو لحم الخنزير فإنه رجس» : الأنعام : 145 ، و بحسب باطنه - و هو الرجاسة و القذارة المعنوية - كالشرك و الكفر و أثر العمل السيى‏ء ، قال تعالى : « و أما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم و ماتوا و هم كافرون» : التوبة : 125 ، و قال : « و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون» : الأنعام : 125 .


و أيا ما كان فهو إدراك نفساني و أثر شعوري من تعلق القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيى‏ء و إذهاب الرجس - و اللام فيه للجنس - إزالة كل هيئة خبيثة في النفس تخطى‏ء حق الاعتقاد و العمل فتنطبق على العصمة الإلهية التي هي صورة علمية نفسانية تحفظ الإنسان من باطل الاعتقاد و سيى‏ء العمل .


على أنك عرفت أن إرادة التقوى أو التشديد في التكاليف لا تلائم اختصاص الخطاب في الآية بأهل البيت ، و عرفت أيضا أن إرادة ذلك لا تناسب مقام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من العصمة .


فمن المتعين حمل إذهاب الرجس في الآية على العصمة و يكون المراد بالتطهير في قوله : « و يطهركم تطهيرا» - و قد أكد بالمصدر - إزالة أثر الرجس بإيراد ما يقابله


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :313


بعد إذهاب أصله ، و من المعلوم أن ما يقابل الاعتقاد الباطل هو الاعتقاد الحق فتطهيرهم هو تجهيزهم بإدراك الحق في الاعتقاد و العمل ، و يكون المراد بالإرادة أيضا غير الإرادة التشريعية لما عرفت أن الإرادة التشريعية التي هي توجيه التكاليف إلى المكلف لا تلائم المقام أصلا .


و المعنى : أن الله سبحانه تستمر إرادته أن يخصكم بموهبة العصمة بإذهاب الاعتقاد الباطل و أثر العمل السيى‏ء عنكم أهل البيت و إيراد ما يزيل أثر ذلك عليكم و هي العصمة .


قوله تعالى : « و اذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله و الحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا» ظاهر السياق أن المراد بالذكر ما يقابل النسيان إذ هو المناسب لسياق التأكيد و التشديد الذي في الآيات فيكون بمنزلة الوصية بعد الوصية بامتثال ما وجه إليهن من التكاليف ، و في قوله في بيوتكن تأكيد آخر .


و المعنى : و احفظن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله و الحكمة و ليكن منكن في بال حتى لا تغفلن و لا تتخطين مما خط لكم من المسير .


و أما قول بعضهم : إن المراد و اشكرن الله إذ صيركن في بيوت يتلى فيهن القرآن و السنة فبعيد من السياق و خاصة بالنظر إلى قوله في ذيل الآية : « إن الله كان لطيفا خبيرا» .


قوله تعالى : « إن المسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات» إلخ ، الإسلام لا يفرق بين الرجال و النساء في التلبس بكرامة الدين و قد أشار سبحانه إلى ذلك إجمالا في مثل قوله : « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» : الحجرات : 13 ، ثم صرح به في مثل قوله : « إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر و أنثى» : آل عمران : 195 ، ثم صرح به تفصيلا في هذه الآية .


فقوله : « إن المسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات» المقابلة بين الإسلام و الإيمان تفيد مغايرتهما نوعا من المغايرة و الذي يستفاد منه نحو مغايرتهما قوله تعالى : « قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :314


- إلى أن قال - إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله» : الحجرات : 15 ، يفيد أولا أن الإسلام هو تسليم الدين بحسب العمل و ظاهر الجوارح و الإيمان أمر قلبي .


و ثانيا : أن الإيمان الذي هو أمر قلبي اعتقاد و إذعان باطني بحيث يترتب عليه العمل بالجوارح .


فالإسلام هو التسليم العملي للدين بإتيان عامة التكاليف و المسلمون و المسلمات هم المسلمون لذلك و الإيمان هو عقد القلب على الدين ، بحيث يترتب عليه العمل بالجوارح و المؤمنون و المؤمنات هم الذين عقدوا قلوبهم على الدين بحيث يترتب عليه العمل بالجوارح فكل مؤمن مسلم و لا عكس .


و قوله : « و القانتين و القانتات» القنوت على ما قيل لزوم الطاعة مع الخضوع و قوله : « و الصادقين و الصادقات» الصدق مطابقة ما يخبر به الإنسان أو يظهره ، للواقع .


فهم صادقون في دعواهم صادقون في قولهم صادقون في وعدهم .


و قوله : « و الصابرين و الصابرات» فهم متلبسون بالصبر عند المصيبة و النائبة و بالصبر على الطاعة و بالصبر عن المعصية ، و قوله : « و الخاشعين و الخاشعات» الخشوع تذلل باطني بالقلب كما أن الخضوع تذلل ظاهري بالجوارح .


و قوله : « و المتصدقين و المتصدقات» و الصدقة إنفاق المال في سبيل الله و منه الزكاة الواجبة ، و قوله : « و الصائمين و الصائمات» بالصوم الواجب و المندوب ، و قوله : « و الحافظين فروجهم و الحافظات» أي لفروجهن و ذلك بالتجنب عن غير ما أحل الله لهم ، و قوله : « و الذاكرين الله كثيرا و الذاكرات» أي الله كثيرا حذف لظهوره و هم الذين يكثرون من ذكر الله بلسانهم و جنانهم و يشمل الصلاة و الحج .


و قوله : « أعد الله لهم مغفرة و أجرا عظيما» التنكير للتعظيم .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « يا أيها النبي قل لأزواجك» كان سبب نزولها أنه لما رجع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من غزوة خيبر و أصاب كنز آل أبي الحقيق قلن أزواجه أعطنا ما أصبت فقال لهن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قسمته بين المسلمين على ما أمر الله عز و جل


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :315


فغضبن من ذلك ، و قلن : لعلك ترى أنك إن طلقتنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجونا ؟ . فأنف الله عز و جل لرسوله فأمره أن يعزلهن فاعتزلهن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في مشربة أم إبراهيم تسعة و عشرين يوما حتى حضن و طهرن ثم أنزل الله عز و جل هذه الآية و هي آية التخيير فقال : « يا أيها النبي قل لأزواجك إلى قوله أجرا عظيما» فقامت أم سلمة أول من قامت فقالت : قد اخترت الله و رسوله فقمن كلهن فعانقنه و قلن مثل ذلك الحديث .


أقول : و روي ما يقرب من ذلك من طرق أهل السنة و فيها أن أول من اختارت الله و رسوله منهن عائشة .


و في الكافي ، بإسناده عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : أن زينب بنت جحش قالت : يرى رسول الله إن خلى سبيلنا أن لا نجد زوجا غيره و قد كان اعتزل نساءه تسعة و عشرين ليلة فلما قالت زينب الذي قالت بعث الله جبرائيل إلى محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : « قل لأزواجك» الآيتين كلتيهما فقلن : بل نختار الله و رسوله و الدارالآخرة .


و فيه ، بإسناده عن عيص بن القاسم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها بانت ؟ قال : لا . إنما هذا شي‏ء كان لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خاصة أمر بذلك ففعل ، و لو اخترن أنفسهن لطلقهن و هو قول الله عز و جل : « قل لأزواجك - إن كنتن تردن الحياة الدنيا و زينتها ، فتعالين أمتعكن و أسرحكن سراحا جميلا» .


و في المجمع ، روى الواحدي بالإسناد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جالسا مع حفصة فتشاجرا بينهما فقال لها : هل لك أن أجعل بيني و بينك رجلا ؟ قالت : نعم . فأرسل إلى عمر فلما أن دخل عليهما قال لها : تكلمي ، فقالت : يا رسول الله تكلم و لا تقل إلا حقا فرفع عمر يده فوجأ وجهها ثم رفع يده فوجأ وجهها . فقال له النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : كف فقال عمر : يا عدوة الله النبي لا يقول إلا حقا و الذي بعثه بالحق ، لو لا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي فقام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فصعد


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :316


إلى غرفة فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من نسائه يتغدى و يتعشى فيها فأنزل الله تعالى هذه الآيات .


و في الخصال ، عن الصادق (عليه‏السلام‏) قال : تزوج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بخمس عشرة امرأة و دخل بثلاث عشر امرأة منهن ، و قبض عن تسع فأما اللتان لم يدخل بهما فعمرة و سنا . و أما الثلاث عشرة اللاتي دخل بهن فأولهن خديجة بنت خويلد ثم سودة بنت زمعة ثم أم سلمة و اسمها هند بنت أبي أمية ثم أم عبد الله عائشة بنت أبي بكر ثم حفصة بنت عمر ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث أم المساكين ، ثم زينب بنت جحش ثم أم حبيب رملة بنت أبي سفيان ثم ميمونة بنت الحارث ثم زينب بنت عميس ثم جويرية بنت الحارث ثم صفية بنت حيي بن أخطب و التي وهبت نفسها للنبي خولة بنت حكيم السلمي . و كان له سريتان يقسم لهما مع أزواجه مارية القبطية و ريحانة الخندفية . و التسع اللاتي قبض عنهن عائشة و حفصة و أم سلمة و زينب بنت جحش و ميمونة بنت الحارث و أم حبيب بنت أبي سفيان و جويرية و سودة و صفية . و أفضلهن خديجة بنت خويلد ثم أم سلمة ثم ميمونة .


و في المجمع ، : في قوله : « يا نساء النبي من يأت منكن» الآيتين : روى محمد بن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن علي بن عبد الله بن الحسين عن أبيه عن علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) : أنه قال رجل إنكم أهلبيت مغفور لكم . قال : فغضب و قال : نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله في أزواج النبي من أن نكون كما تقول إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر و لمسيئنا ضعفين من العذاب .


و في تفسير القمي ، مسندا عن أبي عبد الله عن أبيه (عليه‏السلام‏) : في هذه الآية « و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى» قال : أي ستكون جاهلية أخرى .


أقول : و هو استفادة لطيفة .


و في الدر المنثور ، أخرج الطبراني عن أم سلمة أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : قال لفاطمة : ائتيني بزوجك و ابنيه فجاءت بهم فألقى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عليهم كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم ثم قال : اللهم إن هؤلاء أهل محمد و في لفظ آل محمد فاجعل صلواتك


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :317


و بركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد . قالت أم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي و قال : إنك على خير : أقول : و رواه في غاية المرام ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه بإسناده عن أم سلمة .


و فيه ، أخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - و يطهركم تطهيرا» و في البيت سبعة جبريل و ميكائيل و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و أنا على باب البيت . قلت : يا رسول الله أ لست من أهل البيت ؟ قال : إنك على خير إنك من أزواج النبي .


و فيه ، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه عن أم سلمة زوج النبي : أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان ببيتها على منامة له عليه كساء خيبري فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ادعي زوجك و ابنيك حسنا و حسينا فدعتهم فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - و يطهركم تطهيرا» . فأخذ النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بفضلة إزاره فغشاهم إياها ثم أخرج يده من الكساء و أومأ بها إلى السماء ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي و خاصتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا ، قالها ثلاث مرات . قالت أم سلمة : فأدخلت رأسي في الستر فقلت : يا رسول الله و أنا معكم ؟ فقال : إنك إلى خير مرتين . أقول : و روى الحديث في غاية المرام ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بثلاث طرق عن أم سلمة و كذا عن تفسير الثعلبي .


و فيه ، أخرج ابن مردويه و الخطيب عنأبي سعيد الخدري قال : كان يوم أم سلمة أم المؤمنين فنزل جبريل إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بهذه الآية « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - و يطهركم تطهيرا» قال : فدعا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بحسن و حسين و فاطمة و علي فضمهم إليه و نشر عليهم الثوب ، و الحجاب على أم سلمة مضروب ، ثم


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :318


قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا ، قالت أم سلمة : فأنا معهم يا نبي الله ؟ قال : أنت على مكانك و إنك على خير .


و فيه، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : نزلت هذه الآية في خمسة في و في علي و فاطمة و حسن و حسين « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - و يطهركم تطهيرا» : أقول : و رواه أيضا في غاية المرام ، عن الثعلبي في تفسيره .


و فيه ، أخرج الترمذي و صححه و ابن جرير و ابن المنذر و الحاكم و صححه و ابن مردويه و البيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة قالت : في بيتي نزلت : « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت» و في البيت فاطمة و علي و الحسن و الحسين فجللهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بكساء كان عليه ثم قال : هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا .


و في غاية المرام ، عن الحميدي قال : الرابع و الستون من المتفق عليه من الصحيحين عن البخاري و مسلم من مسند عائشة عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة عن عائشة قالت : خرج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ذات غداة و عليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - و يطهركمتطهيرا : أقول : و الحديث مروي عنها بطرق مختلفة .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : لما دخل علي بفاطمة جاء النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أربعين صباحا إلى بابها يقول : السلام عليكم أهل البيت و رحمة الله و بركاته الصلاة رحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - و يطهركم تطهيرا أنا حرب لمن حاربتم أنا سلم لمن سالمتم .


و فيه ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : شهدنا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول : السلام عليكم و رحمة الله و بركاته أهل البيت « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - و يطهركم تطهيرا» أقول : و رواه أيضا عن الطبراني عن أبي الحمراء و لفظه : رأيت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏)


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :319


يأتي باب علي و فاطمة ستة أشهر فيقول : « إنما يريد الله» الآية .


و أيضا عن ابن جرير و ابن مردويه عن أبي الحمراء و لفظه : حفظت من رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى إلى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب ثم قال : الصلاة الصلاة « إنما يريد الله ليذهب» الآية .


و رواه أيضا عن ابن أبي شيبة و أحمد و الترمذي و حسنه و ابن جرير و ابن المنذر و الطبراني و الحاكم و صححه و ابن مردويه عن أنس و لفظه : أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر و يقول : الصلاة يا أهل البيت الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - و يطهركم تطهيرا .


أقول : و الروايات في هذه المعاني من طرق أهل السنة كثيرة و كذا من طرق الشيعة ، و من أراد الاطلاع عليها فليراجع غاية المرام للبحراني و العبقات .


و في غاية المرام ، عن الحمويني بإسناده عن يزيد بن حيان قال : دخلنا على زيد بن أرقم فقال : خطبنا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : ألا إني تركت فيكم الثقلين أحدهما كتاب الله عز و جل من اتبعه كان على هدى و من تركه كان على ضلالة ، ثم أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاث مرات . قلنا : من أهل بيته نساؤه ؟ قال : لا أهل بيته عصبته الذين حرموا الصدقة بعده آل علي و آل عباس و آل جعفر و آل عقيل .


و فيه ، أيضا عن مسلم في صحيحه بإسناده عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إني تارك فيكم الثقلين أحدهما كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى و من تركه كان على ضلالة ، فقلنا : من أهل بيته نساؤه ؟ قال : لا أيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر ثم الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أهلها و قومها . أهل بيته أصله و عصبته الذين حرموا الصدقة بعده .


أقول : فسر البيت بالنسب كما يطلق عرفا على هذا المعنى ، يقال : بيوتات العرب بمعنى الأنساب ، لكن الروايات السابقة عن أم سلمة و غيرها تدفع هذا المعنى و تفسير أهل البيت بعلي و فاطمة و ابنيهما (عليهم‏السلام‏) .


و في المجمع ، قال مقاتل بن حيان : لما رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :320


زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على نساء رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالت : هل نزل فينا شي‏ء من القرآن ؟ قلن : لا . فأتت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالت : يا رسول الله إن النساء لفي خيبة و خسار ، فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : و مم ذلك ؟ قالت : لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية « إن المسلمين و المسلمات» إلخ .


أقول : و في روايات أخر أن القائلة هي أم سلمة .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :