امروز:
جمعه 31 شهريور 1396
بازدید :
643
تفسيرالميزان : سوره احزاب آيات 73- 36


وَ مَا كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضى اللَّهُ وَ رَسولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لهَُمُ الخِْيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْوَ مَن يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسولَهُ فَقَدْ ضلَّ ضلَلاً مُّبِيناً(36) وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْت عَلَيْهِ أَمْسِك عَلَيْك زَوْجَك وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تخْفِى فى نَفْسِك مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تخْشى النَّاس وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَن تخْشاهُفَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِّنهَا وَطراً زَوَّجْنَكَهَا لِكَىْ لا يَكُونَ عَلى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فىأَزْوَج أَدْعِيَائهِمْ إِذَا قَضوْا مِنهُنَّ وَطراًوَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً(37) مَّا كانَ عَلى النَّبىّ‏ِ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَض اللَّهُ لَهُسنَّةَ اللَّهِ فى الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُوَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً(38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسلَتِ اللَّهِ وَ يخْشوْنَهُ وَ لا يخْشوْنَ أَحَداً إِلا اللَّهَوَ كَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً(39) مَّا كانَ محَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَ لَكِن رَّسولَ اللَّهِ وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَوَ كانَ اللَّهُ بِكلّ‏ِ شىْ‏ءٍ عَلِيماً(40)



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :321


بيان


الآيات أعني قوله : « و إذ تقول للذي أنعم الله عليه - إلى قوله - و كان الله بكل شي‏ء عليما» في قصة تزوج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بزوج مولاه زيد الذي كان قد اتخذه ابنا ، و لا يبعد أن تكون الآية الأولى أعني قوله : « و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة» الآية ، مرتبطة بالآيات التالية كالتوطئة لها .


قوله تعالى : « و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم» إلخ ، يشهد السياق على أن المراد بالقضاء هو القضاء التشريعي دون التكويني فقضاء الله تعالى حكمه التشريعي في شي‏ء مما يرجع إلى أعمال العباد أو تصرفه في شأن من شئونهم بواسطة رسول من رسله ، و قضاء رسوله هو الثاني من القسمين و هو التصرف في شأن من شئون الناس بالولاية التي جعلها الله تعالى له بمثل قوله : « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» .


فقضاؤه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قضاء منه بولايته و قضاء من الله سبحانه لأنه الجاعل لولايته المنفذ أمره ، و يشهد سياق قوله : « إذا قضى الله و رسوله أمرا» حيث جعل الأمر الواحد متعلقا لقضاء الله و رسوله معا ، على أن المراد بالقضاء التصرف في شئون الناس دون الجعل التشريعي المختص بالله .


و قوله : « و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة» أي ما صح و لا يحق لأحد من المؤمنين و المؤمنات أن يثبت لهم الاختيار من أمرهم بحيث يختارون ما شاءوا و قوله : « إذا قضى الله و رسوله أمرا» ظرف لنفي الاختيار .


و ضميرا الجمع في قوله : « لهم الخيرة من أمرهم» للمؤمن و المؤمنة المراد بهما جميع المؤمنين و المؤمنات لوقوعهما في حيز النفي و وضع الظاهر موضع المضمر حيث قيل : « من أمرهم» و لم يقل : أن يكون لهم الخيرة فيه للدلالة على منشإ توهم الخيرة و هو انتساب الأمر إليهم .


و المعنى : ليس لأحد من المؤمنين و المؤمنات إذا قضى الله و رسوله بالتصرف في


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :322


أمر من أمورهم أن يثبت لهم الاختيار من جهته لانتسابه إليهم و كونه أمرا من أمورهم فيختاروا منه غير ما قضى الله و رسوله بل عليهم أن يتبعوا إرادة الله و رسوله .


و الآية عامة لكنها لوقوعها في سياق الآيات التالية يمكن أن تكون كالتمهيد لما سيجي‏ء من قوله : « ما كان محمد أبا أحد من رجالكم» الآية ، حيث يلوح منه أن بعضهم كان قد اعترض على تزوج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بزوج زيد و تعييره بأنها كانت زوج ابنه المدعو له بالتبني و سيجي‏ء في البحث الروائي بعض ما يتعلق بالمقام .


قوله تعالى : « و إذ تقول للذي أنعم الله عليه و أنعمت عليه أمسك عليك زوجك و اتق الله» إلى آخر الآية المراد بهذا الذي أنعم الله عليه و أنعم النبي عليه زيد بن حارثة الذي كان عبدا للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ثم حرره و اتخذه ابنا له و كان تحته زينب بنت جحش بنت عمة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أتى زيد النبي فاستشاره في طلاق زينب فنهاه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن الطلاق ثم طلقها زيد فتزوجها النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و نزلت الآيات .


فقوله : « أنعم الله عليه» أي بالهداية إلى الإيمان و تحبيبه إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قوله : « و أنعمت عليه» أي بالإحسان إليه و تحريره و تخصيصه بنفسك ، و قوله : أمسك عليك زوجك و اتق الله» كناية عن الكف عن تطليقها ، و لا يخلو من إشعار بإصرار زيد على تطليقها .


و قوله : « و تخفي في نفسك ما الله مبديه» أي مظهره « و تخشى الناس و الله أحق أن تخشاه» ذيل الآيات أعني قوله : « الذين يبلغون رسالات الله و لا يخشون أحدا إلا الله» دليل على أن خشيته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الناس لم تكن خشية على نفسه بل كان خشية في الله فأخفى في نفسه ما أخفاه استشعارا منه أنه لو أظهره عابه الناس و طعن فيه بعض من في قلبه مرض فأثر ذلك أثرا سيئا في إيمان العامة ، و هذا الخوف - كما ترى ليس خوفا مذموما بل خوف في الله هو في الحقيقة خوف من الله سبحانه .


و قوله : « و تخشى الناس و الله أحق أن تخشاه» الظاهر في نوع من العتاب ردع عن نوع من خشية الله و هي خشيته عن طريق الناس و هداية إلى نوع آخر من خشيته تعالى و أنه كان من الحري أن يخشى الله دون الناس و لا يخفي ما في نفسه ما اللهمبديه و هذا نعم الشاهد على أن الله كان قد فرض له أن يتروج زوج زيد الذي كان تبناه


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :323


ليرتفع بذلك الحرج عن المؤمنين في التزوج بأزواج الأدعياء و هو (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يخفيه في نفسه إلى حين مخافة سوء أثره في الناس فآمنه الله ذلك بعتابه عليه نظير ما تقدم في قوله تعالى : « يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك - إلى قوله - و الله يعصمك من الناس» الآية .


فظاهر العتاب الذي يلوح من قوله : « و تخشى الناس و الله أحق أن تخشاه» مسوق لانتصاره و تأييد أمره قبال طعن الطاعنين ممن في قلوبهم مرض نظير ما تقدم في قوله : « عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين» : التوبة : 43 .


و من الدليل على أنه انتصار و تأييد في صورة العتاب قوله بعد : « فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها» حيث أخبر عن تزويجه إياها كأنه أمر خارج عن إرادة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و اختياره ثم قوله : « و كان أمر الله مفعولا» .


فقوله : « فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها» متفرع على ما تقدم من قوله : و تخفي في نفسك ما الله مبديه» و قضاء الوطر منها كناية عن الدخول و التمتع ، و قوله : « لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا» تعليل للتزويج و مصلحة للحكم ، و قوله : « و كان أمر الله مفعولا» مشير إلى تحقق الوقوع و تأكيد للحكم .


و من ذلك يظهر أن الذي كان النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يخفيه في نفسه هو ما فرض الله له أن يتزوجها لا هواها و حبه الشديد لها و هي بعد مزوجة كما ذكره جمع من المفسرين و اعتذروا عنه بأنها حالة جبلية لا يكاد يسلم منها البشر فإن فيه أولا : منع أن يكون بحيث لا يقوى عليه التربية الإلهية ، و ثانيا : أنه لا معنى حينئذ للعتاب على كتمانه و إخفائه في نفسه فلا مجوز في الإسلام لذكر حلائل الناس و التشبب بهن .


قوله تعالى : « ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له» إلخ ، الفرض هو التعيين و الإسهام يقال : فرض له كذا أي عينه له و أسهمه به ، و قيل : هو في المقام بمعنى الإباحة و التجويز ، و الحرج الكلفة و الضيق ، و المراد بنفي الحرج نفي سببه و هو المنع عما فرض له .


و المعنى : ما كان على النبي من منع فيما عين الله له أو أباح الله له حتى يكون عليه حرج في ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :324


و قوله : « سنة الله في الذين خلوا من قبل» اسم موضوع موضع المصدر فيكون مفعولا مطلقا و التقدير سن الله ذلك سنة ، و المراد بالذين خلوا من قبل هم الأنبياء و الرسل الماضون بقرينة قوله بعد : « الذين يبلغون رسالات الله» إلخ .


و قوله : « و كان أمر الله قدرا مقدورا» أي يقدر من عنده لكل أحد ما يلائم حاله و يناسبها ، و الأنبياء لم يمنعوا مما قدره الله و أباحه لغيرهم حتى يمنع النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من بعض ما قدر و أبيح .


قوله تعالى : « الذين يبلغون رسالات الله و يخشونه و لا يخشون أحدا إلا الله» إلخ ، الموصول بيان للموصول المتقدم أعني قوله : « الذين خلوا من قبل» .


و الخشية هي تأثر خاص للقلب عن المكروه و ربما ينسب إلى السبب الذي يتوقع منه المكروه ، يقال : خشيت أن يفعل بي فلان كذا أو خشيت فلانا أن يفعل بي كذا ، و الأنبياء يخشون الله و لا يخشون أحدا غيره لأنه لا مؤثر في الوجود عندهم إلا الله .


و هذا غير الخوف الذي هو توقع المكروه بحيث يترتب عليه الاتقاء عملا سواء كان معه تأثر قلبي أو لا فإنه أمر عملي ربما ينسب إلى الأنبياء كقوله تعالى حكاية عن موسى (عليه‏السلام‏) : « ففررت منكم لما خفتكم» : الشعراء : 21 ، و قوله في النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « و إما تخافن من قوم خيانة» : الأنفال : 58 ، و هذا هو الأصل في معنى الخوف و الخشية و ربما استعملا كالمترادفين .


و مما تقدم يظهر أن الخشية منفية عن الأنبياء (عليهم‏السلام‏) مطلقا و إن كان سياق قوله : « يبلغون رسالات الله و يخشونه» إلخ ، يلوح إلى أن المنفي هو الخشية في تبليغ الرسالة .


على أن جميع أفعال الأنبياء كأقوالهم من باب التبليغ فالخشية في أمر التبليغ مستوعبة لجميع أعمالهم .


و قوله : « و كفى بالله حسيبا» أي محاسبا يحاسب على الصغيرة و الكبيرة فيجب أن يخشى و لا يخشى غيره .


قوله تعالى :» ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين» إلخ ، لا شك في أن الآية مسوقة لدفع اعتراضهم على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بأنه تزوج زوج ابنه و محصل الدفع أنه ليس أبا زيد و لا أبا أحد من الرجال الموجودين في زمن الخطاب حتى يكون


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :325


تزوجه بزوج أحدهم بعده تزوجا بزوج ابنه فالخطاب في قوله : « من رجالكم» للناس الموجودين في زمن نزول الآية ، و المراد بالرجال ما يقابل النساء و الولدان و نفي الأبوة نفي تكويني لا تشريعي و لا تتضمن الجملة شيئا من التشريع .


و المعنى : ليس محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أبا أحد من هؤلاء الرجال الذين هم رجالكم حتى يكون تزوجه بزوج أحدهم بعده تزوجا منه بزوج ابنه و زيد أحد هؤلاء الرجال فتزوجه بعد تطليقه ليس تزوجا بزوج الابن حقيقة و أما تبنيه زيدا فإنه لا يترتب عليه شي‏ء من آثار الأبوة و البنوة و ما جعل أدعياءكم أبناءكم .


و أما القاسم و الطيب و الطاهر و إبراهيم فإنهم أبناؤه حقيقة لكنهم ماتوا قبل أن يبلغوا فلم يكونوا رجالا حتى ينتقض الآية و كذا الحسن و الحسين و هما ابنا رسول الله فإن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قبض قبل أن يبلغا حد الرجال .


و مما تقدم ظهر أن الآية لا تقتضي نفي أبوته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) للقاسم و الطيب و الطاهر و إبراهيم و كذا للحسنين لما عرفت أنها خاصة بالرجال الموجودين في زمن النزول على نعت الرجولية .


و قوله : « و لكن رسول الله و خاتم النبيين» الخاتم بفتح التاء ما يختم به كالطابع و القالب بمعنى ما يطبع به و ما يقلب به و المراد بكونه خاتم النبيين أن النبوة اختتمت به (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فلا نبي بعده .


و قد عرفت فيما مر معنى الرسالة و النبوة و أن الرسول هو الذي يحمل رسالة من الله إلى الناس و النبي هو الذي يحمل نبأ الغيب الذي هو الدين و حقائقه و لازم ذلك أن يرتفع الرسالة بارتفاع النبوة فإن الرسالة من أنباء الغيب ، فإذا انقطعت هذه الأنباء انقطعت الرسالة .


و من هنا يظهر أن كونه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خاتم النبيين يستلزم كونه خاتما للرسل .


و في الآية إيماء إلى أن ارتباطه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تعلقه بكم تعلق الرسالة و النبوة و أن ما فعله كان بأمر من الله سبحانه .


و قوله : « و كان الله بكل شي‏ء عليما» أي ما بينه لكم إنما كان بعلمه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :326


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : خطب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فاستنكفت منه و قالت : أنا خير منه حسبا و كانت امرأة فيها حدة فأنزل الله « و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة» الآية كلها .


أقول : و في معناها روايات أخر .


و فيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط و كانت أول امرأة هاجرت من النساء فوهبت نفسها للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي و أخوها و قالت إنما أردنا رسول الله فزوجنا عبده فنزلت .


أقول : و الروايتان أشبه بالتطبيق منهما بسبب النزول .


و في العيون ، : في باب مجلس الرضا (عليه‏السلام‏) عند المأمون مع أصحاب الملل في حديث يجيب فيه عن مسألة علي بن الجهم في عصمة الأنبياء : . قال : و أما محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قول الله عز و جل : « و تخفي في نفسك ما الله مبديه - و تخشى الناس و الله أحق أن تخشاه» فإن الله عز و جل عرف نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أسماء أزواجه في دار الدنيا و أسماء أزواجه في الآخرة و أنهن أمهات المؤمنين و أحد من سمي له زينب بنت جحش و هي يومئذ تحت زيد بن حارثة فأخفى (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) اسمها في نفسه و لم يبده لكيلا يقول أحد من المنافقين : أنه قال في امرأة في بيت رجل : إنها أحد أزواجه من أمهات المؤمنين و خشي قول المنافقين . قال الله عز و جل : « و تخشى الناس و الله أحق أن تخشاه» يعني في نفسك الحديث .


أقول : و روي ما يقرب منه فيه عنه (عليه‏السلام‏) في جواب مسألة المأمون عنه في عصمة الأنبياء .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و تخفي في نفسك ما الله مبديه» قيل : إن الذي أخفاه في نفسه هو أن الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه و أن زيدا سيطلقها فلما جاء زيد و قال له : أريد أن أطلق زينب قال له : أمسك عليك زوجك ، فقال


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :327


سبحانه : لم قلت : أمسك عليك زوجك و قد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك ؟ : و روي ذلك عن علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و عبد بن حميد و البخاري و الترمذي و ابن المنذر و الحاكم و ابن مردويه و البيهقي في سننه عن أنس قال : جاء زيد بن حارثة يشكو زينب إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فجعل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : اتق الله و أمسك عليك زوجك فنزلت : « و تخفي في نفسك ما الله مبديه» . قال أنس : فلو كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كاتما شيئا لكتم هذه الآية ، فتزوجها رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الحديث .


أقول : و الروايات كثيرة في المقام و إن كان كثير منها لا يخلو من شي‏ء و في الروايات : ما أولم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على امرأة من نسائه ما أولم على زينب ذبح شاة و أطعم الناس الخبز و اللحم ، و في الروايات أنها كانت تفتخر على سائر نساء النبي بثلاث أن جدها و جد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) واحد فإنها كانت بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أن الذي زوجها منه هو الله سبحانه و أن السفير جبريل .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و لكن رسول الله و خاتم النبيين» : و صح الحديث عن جابر بن عبد الله عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : إنما مثلي في الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها و حسنها إلا موضع لبنة ، فكان من دخلها و نظر إليها فقال : ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة . قال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : فأنا موضع اللبنة ختم بي الأنبياء : أورده البخاري و مسلم في صحيحيهما .


أقول : و روى هذا المعنى غيرهما كالترمذي و النسائي و أحمد و ابن مردويه عن غير جابر كأبي سعيد و أبي هريرة .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : كنت أقرى‏ء الحسن و الحسين فمر بي علي بن أبي طالب و أنا أقرئهما فقال لي : أقرئهما و خاتم النبيين بفتح التاء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :328


يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً(41) وَ سبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً(42) هُوَ الَّذِى يُصلى عَلَيْكُمْ وَ مَلَئكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِّنَ الظلُمَتِ إِلى النُّورِوَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً(43) تحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلَمٌوَ أَعَدَّ لهَُمْ أَجْراً كَرِيماً(44) يَأَيهَا النَّبىُّ إِنَّا أَرْسلْنَك شهِداً وَ مُبَشراً وَ نَذِيراً(45) وَ دَاعِياً إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرَاجاً مُّنِيراً(46) وَ بَشرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لهَُم مِّنَ اللَّهِ فَضلاً كَبِيراً(47) وَ لا تُطِع الْكَفِرِينَ وَ الْمُنَفِقِينَ وَ دَعْ أَذَاهُمْ وَ تَوَكلْ عَلى اللَّهِوَ كَفَى بِاللَّهِ وَكيلاً(48)


بيان


آيات تدعو المؤمنين إلى الذكر و التسبيح و تبشرهم و تعدهم الوعد الجميل و تخاطب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بصفاته الكريمة و تأمره أن يبشر المؤمنين و لا يطيع الكافرين و المنافقين ، و يمكن أن يكون القبيلان مختلفين في النزول زمانا .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا» الذكر ما يقابل النسيان و هو توجيه الإدراك نحو المذكور و أما التلفظ بما يدل عليه من أسمائه و صفاته فهو بعض مصاديق الذكر .


قوله تعالى : « و سبحوه بكرة و أصيلا» التسبيح هو التنزيه و هو مثل الذكر لا يتوقف على اللفظ و إن كان التلفظ بمثل سبحان الله بعض مصاديق التسبيح .


و البكرة أول النهار و الأصيل آخره بعد العصر و تقييد التسبيح بالبكرة و الأصيل


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :329


لما فيهما من تحول الأحوال فيناسب تسبيحه و تنزيهه من التغير و التحول و كل نقص طار ، و يمكن أن يكون البكرة و الأصيل معا كناية عن الدوام كالليل و النهار في قوله : « يسبحون له بالليل و النهار» : حم السجدة : 38 .


قوله تعالى : « هو الذي يصلي عليكم و ملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور» المعنى الجامع للصلاة على ما يستفاد من موارد استعمالها هو الانعطاف فيختلف باختلاف ما نسب إليه و لذلك قيل : إن الصلاة من الله الرحمة و من الملائكة الاستغفار و من الناس الدعاء لكن الذي نسب من الصلاة إلى الله سبحانه في القرآن هو الصلاة بمعنى الرحمة الخاصة بالمؤمنين و هي التي تترتب عليها سعادة العقبى و الفلاح المؤبد و لذلك علل تصليته عليهم بقوله : « ليخرجكم من الظلمات إلى النور و كان بالمؤمنين رحيما» .


و قد رتب سبحانه في كلامه على نسيانهم له نسيانه لهم و على ذكرهم له ذكره لهم فقال : « نسوا الله فنسيهم» : التوبة : 67 ، و قال : « فاذكروني أذكركم» : البقرة : 152 و تصليته عليهم ذكر منه لهم بالرحمة فإن ذكروه كثيرا و سبحوه بكرة و أصيلا صلى عليهم كثيرا و غشيهم بالنور و أبعدهم من الظلمات .


و من هنا يظهر أن قوله : « هو الذي يصلي عليكم» إلخ ، في مقام التعليل لقوله : « يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا» و تفيد التعليل أنكم إن ذكرتم الله كثيرا ذكركم برحمته كثيرا و بالغ في إخراجكم من الظلمات إلى النور و يستفاد منه أن الظلمات إنما هي ظلمات النسيان و الغفلة و النور نور الذكر .


و قوله : « و كان بالمؤمنين رحيما» وضع الظاهر موضع المضمر ، أعني قوله : « بالمؤمنين» و لم يقل : و كان بكم رحيما ، ليدل به على سبب الرحمة و هو وصف الإيمان .


قوله تعالى : « تحيتهم يوم يلقونه سلام و أعد لهم أجرا كريما» ظاهر السياق أن « تحيتهم» مصدر مضاف إلى المفعول أي إنهم يحيون - بالبناء للمفعول - يوم يلقون ربهم من عند ربهم و من ملائكته بالسلام أي إنهم يوم اللقاء في أمن و سلام لا يصيبهم مكروه و لا يمسهم عذاب .


و قوله : « و أعد لهم أجرا كريما» أي و هيأ الله لهم ثوابا جزيلا .


قوله تعالى : « يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا» شهادته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏)


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :330


على الأعمال أن يتحملها في هذه النشأة و يؤديها يوم القيامة و قد تقدم في قوله : « لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا» : البقرة : 112 ، و غيره من آيات الشهادة أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) شهيد الشهداء .


و كونه مبشرا و نذيرا تبشيره المؤمنين المطيعين لله و رسوله بثواب الله و الجنة و إنذاره الكافرين و العاصين بعذاب الله و النار .


قوله تعالى : « و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا» دعوته إلى الله هي دعوته الناس إلى الإيمان بالله وحده ، و لازمه الإيمان بدين الله و تقيد الدعوة بإذن الله يجعلها مساوقة للبعثة .


و كونه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) سراجا منيرا هو كونه بحيث يهتدي به الناس إلى سعادتهم و ينجون من ظلمات الشقاء و الضلالة فهو من الاستعارة ، و قول بعضهم : إن المراد بالسراج المنير القرآن و التقدير ذا سراج منير تكلف من غير موجب .


قوله تعالى : « و بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا» ، الفضل من العطاء ما كان من غير استحقاق ممن يأخذه و قد وصف الله عطاءه فقال : « من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» : الأنعام : 160 ، و قال : « لهم ما يشاءون فيها و لدينا مزيد» : ق : 35 ، فبين أنه يعطي من الثواب ما لا يقابل العمل و هو الفضل و لا دليل في الآية يدل على اختصاصه بالآخرة .


قوله تعالى : « و لا تطع الكافرين و المنافقين و دع أذاهم و توكل على الله» إلخ ، تقدم معنى طاعة الكافرين و المنافقين في أول السورة .


و قوله : « و دع أذاهم» أي اترك ما يؤذونك بالإعراض عنه و عدم الاشتغال به و الدليل على هذا المعنى قوله : « و توكل على الله» أي لا تستقل بنفسك في دفع أذاهم بل اجعل الله وكيلا في ذلك و كفى بالله وكيلا .


بحث روائي


في الكافي ، بإسناده عن ابن القداح عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : ما من شي‏ء إلا


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :331


و له حد ينتهي إليه إلا الذكر فليس له حد ينتهي إليه فرض الله عز و جل الفرائض فمن أداهن فهو حدهن و شهر رمضان فمن صامه فهو حده و الحج فمن حج فهو حده إلا الذكر فإن الله عز و جل لم يرض منه بالقليل و لم يجعل له حدا ينتهي إليه ثم تلا : « يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا - و سبحوه بكرة و أصيلا» فقال : لم يجعل الله له حدا ينتهي إليه . قال : و كان أبي كثير الذكر لقد كنت أمشي معه و إنه ليذكر الله و آكل معه الطعام و إنه ليذكر الله و لقد كان يحدث القوم ما يشغله ذلك عن ذكر الله و كنت أرى لسانا لازقا بحنكه يقول : لا إله إلا الله . و كان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس و يأمر بالقراءة من كان يقرأ منا و من كان لا يقرأ منا أمره بالذكر ، و البيت الذي يقرأ فيه القرآن و يذكر الله عز و جل فيه يكثر بركته و يحضره الملائكة و يهجره الشياطين و يضي‏ء لأهل السماء كما يضي‏ء الكوكب لأهل الأرض و البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن و لا يذكر الله يقل بركته و يهجره الملائكة و يحضره الشياطين . و قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أ لا أخبركم بخير أعمالكم أرفعها في درجاتكم و أزكاها عند مليككم و خير لكم من الدينار و الدرهم و خير لكم من أن تلقوا عدوكم فتقتلوهم و يقتلوكم ؟ فقالوا : بلى . قال : ذكر الله عز و جل كثيرا . ثم قال : جاء رجل إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : من خير أهل المسجد ؟ فقال : أكثرهم لله ذكرا . و قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : من أعطي لسانا ذاكرا فلقد أعطي خير الدنيا و الآخرة . و قال في قوله تعالى : « و لا تمنن تستكثر» قال : لا تستكثر ما عملت من خير لله . و فيه ، بإسناده عن أبي المعزى رفعه قال : قال أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) : من ذكر الله في السر فقد ذكر الله كثيرا إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانية و لا يذكرونه في السر فقال الله عز و جل : « يراءون الناس و لا يذكرون الله إلا قليلا» . أقول : و هو استفادة لطيفة .


و في الخصال ، عن زيد الشحام قال : قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : ما ابتلي المؤمن


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :332


بشي‏ء أشد عليه من ثلاث خصال يحرمها . قيل : و ما هي ؟ قال : المواساة في ذات يده ، و الإنصاف من نفسه ، و ذكر الله كثيرا . أما إني لا أقول : سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر و إن كان منه و لكن ذكر الله عند ما أحل له و ذكر الله عند ما حرم عليه .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و الترمذي و البيهقي عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) سئل أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة ؟ قال : الذاكرون الله كثيرا . قلت : يا رسول الله و من الغازي في سبيل الله ؟ قال : لو ضرب بسيفه في الكفار و المشركين حتى ينكسر و يختضب دما لكان الذاكرون الله أفضل درجة منه .


و في العلل ، بإسناده عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده الحسن بن علي (عليهماالسلام‏) قال : جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فسأله أعلمهم فيما سأله فقال : لأي شي‏ء سميت محمدا و أحمد و أبا القاسم و بشيرا و نذيرا و داعيا ؟ فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أما الداعي فإني أدعو الناس إلى دين ربي عز و جل ، و أما النذير فإني أنذر بالنار من عصاني ، و أما البشير فإني أبشر بالجنة من أطاعني .


الحديث .


و في تفسير القمي ، : في قوله : « يا أيها النبي إنا أرسلناك إلى قوله و دع أذاهم و توكل على الله و كفى بالله وكيلا» أنها نزلت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :333


334


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :334


يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونهَافَمَتِّعُوهُنَّ وَ سرِّحُوهُنَّ سرَاحاً جَمِيلاً(49) يَأَيُّهَا النَّبىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَجَك الَّتى ءَاتَيْت أُجُورَهُنَّ وَ مَا مَلَكَت يَمِينُك مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْك وَ بَنَاتِ عَمِّك وَ بَنَاتِ عَمَّتِك وَ بَنَاتِ خَالِك وَ بَنَاتِ خَلَتِك الَّتى هَاجَرْنَ مَعَك وَ امْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَت نَفْسهَا لِلنَّبىّ‏ِ إِنْ أَرَادَ النَّبىُّ أَن يَستَنكِحَهَا خَالِصةً لَّك مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَقَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضنَا عَلَيْهِمْ فى أَزْوَجِهِمْ وَ مَا مَلَكت أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْك حَرَجٌوَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً(50) × تُرْجِى مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وَ تُئْوِى إِلَيْك مَن تَشاءُوَ مَنِ ابْتَغَيْت مِمَّنْ عَزَلْت فَلا جُنَاحَ عَلَيْكذَلِك أَدْنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنهُنَّ وَ لا يحْزَنَّ وَ يَرْضينَ بِمَا ءَاتَيْتَهُنَّ كلُّهُنَّوَ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا فى قُلُوبِكُمْوَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً(51) لا يحِلُّ لَك النِّساءُ مِن بَعْدُ وَ لا أَن تَبَدَّلَ بهِنَّ مِنْ أَزْوَجٍ وَ لَوْ أَعْجَبَك حُسنهُنَّ إِلا مَا مَلَكَت يَمِينُكوَ كانَ اللَّهُ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ رَّقِيباً(52) يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوت النَّبىّ‏ِ إِلا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طعَامٍ غَيرَ نَظِرِينَ إِنَاهُ وَ لَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَ لا مُستَئْنِسِينَ لحَِدِيثٍإِنَّ ذَلِكُمْ كانَ يُؤْذِى النَّبىَّ فَيَستَحْىِ مِنكمْوَ اللَّهُ لا يَستَحْىِ مِنَ الْحَقّ‏ِوَ إِذَا سأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعاً فَسئَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍذَلِكمْ أَطهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّوَ مَا كانَ لَكمْ أَن تُؤْذُوا رَسولَ اللَّهِ وَ لا أَن تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداًإِنَّ ذَلِكُمْ كانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً(53) إِن تُبْدُوا شيْئاً أَوْ تخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكلّ‏ِ شىْ‏ءٍ عَلِيماً(54) لا جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فى ءَابَائهِنَّ وَ لا أَبْنَائهِنَّ وَ لا إِخْوَنهِنَّ وَ لا أَبْنَاءِ إِخْوَنهِنَّ وَ لا أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَ لا نِسائهِنَّ وَ لا مَا مَلَكت أَيْمَنهُنَّوَ اتَّقِينَ اللَّهَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ شهِيداً(55) إِنَّ اللَّهَ وَ مَلَئكتَهُ يُصلُّونَ عَلى النَّبىّ‏ِيَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صلُّوا عَلَيْهِ وَ سلِّمُوا تَسلِيماً(56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسولَهُ لَعَنهُمُ اللَّهُ فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ أَعَدَّ لهَُمْ عَذَاباً مُّهِيناً(57) وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ بِغَيرِ مَا اكتَسبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَناً وَ إِثْماً مُّبِيناً(58) يَأَيهَا النَّبىُّ قُل لأَزْوَجِك وَ بَنَاتِك وَ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّذَلِك أَدْنى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَوَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً(59) × لَّئن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَفِقُونَ وَ الَّذِينَ فى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّك بِهِمْ ثُمَّ لا يجَاوِرُونَك فِيهَا إِلا قَلِيلاً(60) مَّلْعُونِينَأَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً(61) سنَّةَ اللَّهِ فى الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُوَ لَن تجِدَ لِسنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً(62)


بيان


تتضمن الآيات أحكاما متفرقة بعضها خاصة بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أزواجه و بعضها عامة .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن و سرحوهن سراحا جميلا» المراد بنكاحهن العقد عليهن بالنكاح ، و بالمس الدخول ، و بالتمتيع إعطاؤهن شيئا من المال يناسب شأنهن و حالهن و التسريح بالجميل إطلاقهن من غير خصومة و خشونة .


و المعنى : إذا طلقتم النساء بعد النكاح و قبل الدخول فلا عدة لهن للطلاق و يجب


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :335


تمتيعهن بشي‏ء من المال و السراح الجميل .


و الآية مطلقة تشمل ما إذا فرض لهن فريضة المهر و ما إذا لم يفرض فيقيدها قوله : « و إن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن و قد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم» : البقرة : 237 ، و تبقى حجة فيما لم يفرض لهن فريضة .


قوله تعالى : « يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن» إلى آخر الآية ، يذكر سبحانه لنبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالإحلال سبعة أصناف من النساء : الصنف الأول ما في قوله : « أزواجك اللاتي آتيت أجورهن» و المراد بالأجور المهور ، و الثاني ما في قوله : « و ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك» أي من يملكه من الإماء الراجعة إليه من الغنائم و الأنفال ، و تقييد ملك اليمين بكونه مما أفاء الله عليه كتقييد الأزواج بقوله : « اللاتي آتيت أجورهن» للتوضيح لا للاحتراز .


و الثالث و الرابع ما في قوله : « و بنات عمك و بنات عماتك» قيل : يعني نساء قريش ، و الخامس و السادس ما في قوله : « و بنات خالك و بنات خالاتك» قيل : يعني نساء بني زهرة ، و قوله : « اللاتي هاجرن معك» قال فيالمجمع : ، هذا إنما كان قبل تحليل غير المهاجرات ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل .


و السابع ما في قوله : « و امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها» و هي المرأة المسلمة التي بذلت نفسها للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بمعنى أن ترضى أن يتزوج بها من غير صداق و مهر فإن الله أحلها له إن أراد أن يستنكحها ، و قوله : « خالصة لك من دون المؤمنين» إيذان بأن هذا الحكم - أي حلية المرأة للرجل ببذل النفس - من خصائصه لا يجري في المؤمنين ، و قوله بعده : « قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم و ما ملكت أيمانهم» تقرير لحكم الاختصاص .


و قوله : « لكيلا يكون عليك حرج» تعليل لقوله في صدر الآية : « إنا أحللنا لك» أو لما في ذيلها من حكم الاختصاص و الأول أظهر و قد ختمت الآية بالمغفرة و الرحمة .


قوله تعالى : « ترجي من تشاء منهن و تؤوي إليك من تشاء» إلخ ، الإرجاء التأخير و التبعيد ، و هو كناية عن الرد ، و الإيواء : الإسكان في المكان و هو كناية عن القبول و الضم إليه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :336


و السياق يدل على أن المراد به أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على خيرة من قبول من وهبت نفسها له أو رده .


و قوله : « و من ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك» ، الابتغاء هو الطلب أي و من طلبتها من اللاتي عزلتها و لم تقبلها فلا إثم عليك و لا لؤم أي يجوز لك أن تضم إليك من عزلتها و رددتها من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لك بعد العزل و الرد .


و يمكن أن يكون إشارة إلى أن له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يقسم بين نسائه و أن يترك القسم فيؤخر من يشاء منهن و يقدم من يشاء و يعزل بعضهن من القسم فلا يقسم لها أو يبتغيها فيقسم لها بعد العزل و هو أوفق لقوله بعده : « و من ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى - أي أقرب - أن تقر أعينهن - أي يسررن - و لا يحزن و يرضين بما آتيتهن كلهن و الله يعلم ما في قلوبكم» و ذلك لسرور المتقدمة بما قسمت له و رجاء المتأخرة أن تتقدم بعد .


و قوله : « و كان الله عليما حليما» أي يعلم مصالح عباده و لا يعاجل في العقوبة .


و في الآية أقوال مختلفة أخر و الذي أوردناه هو الأوفق لوقوعها في سياق سابقتها متصلة بها و به وردت الأخبار عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) كما سيجي‏ء .


قوله تعالى : « لا يحل لك النساء من بعد و لا أن تبدل بهن من أزواج و لو أعجبك حسنهن» إلخ ، ظاهر الآية لو فرضت مستقلة في نفسها غير متصلة بما قبلها تحريم النساء له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلا من خيرهن فاخترن الله و نفي جواز التبدل بهن يؤيد ذلك .


لكن لو فرضت متصلة بما قبلها و هو قوله : « إنا أحللنا لك» إلخ ، كان مدلولها تحريم ما عدا المعدودات و هي الأصناف الستة التي تقدمت .


و في بعض الروايات عن بعض أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) أن المراد بالآية محرمات النساء المعدودة في قوله : « حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم» الآية : النساء : 23 .


فقوله : « لا يحل لك النساء من بعد» أي من بعد اللاتي اخترن الله و رسوله و هي التسعة على المعنى الأول أو من بعد من عددناه في قولنا : « إنا أحللنا لك» على المعنى الثاني أو من بعد المحللات و هي المحرمات على المعنى الثالث .


و قوله : « و لا أن تبدل بهن من أزواج» أي أن تطلق بعضهن و تزوج مكانها


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :337


من غيرهن ، و قوله : « إلا ما ملكت يمينك» يعني الإماء و هو استثناء من قوله في صدر الآية « لا يحل لك النساء» .


و قوله : « و كان الله على كل شي‏ء رقيبا» معناه ظاهر و فيه تحذير عن المخالفة .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذنلكم - إلى قوله - من الحق» بيان لأدب الدخول في بيوت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و قوله : « إلا أن يؤذن لكم» استثناء من النهي ، و قوله : « إلى طعام» متعلق بالإذن ، و قوله : « غير ناظرين إناه» أي غير منتظرين لورود إناء الطعام بأن تدخلوا من قبل فتطيلوا المكث في انتظار الطعام و يبينه قوله : « و لكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم - أي أكلتم - فانتشروا» ، و قوله : « و لا مستأنسين لحديث» عطف على قوله : « غير ناظرين إناه» و هو حال بعد حال ، أي غير ماكثين في حال انتظار الإناء قبل الطعام و لا في حال الاستئناس لحديث بعد الطعام .


و قوله : « إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم» تعليل للنهي أي لا تمكثوا كذلك لأن مكثكم ذلك كان يتأذى منه النبي فيستحيي منكم أن يسألكم الخروج و قوله : « و الله لا يستحيي من الحق» أي من بيان الحق لكم و هو ذكر تأذيه و التأديب بالأدب اللائق .


قوله تعالى : « و إذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم و قلوبهن» ، ضمير « هن» لأزواج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و سؤالهن متاعا كناية عن تكليمهن لحاجة أي إذا مست الحاجة إلى تكليمكم أزواج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فكلموهن من وراء حجاب ، و قوله : « ذلكم أطهر لقلوبكم و قلوبهن» بيان لمصلحة الحكم .


قوله تعالى : « و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا» إلخ ، أي ليس لكم إيذاؤه بمخالفة ما أمرتم في نسائه و في غير ذلك و ليس لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم أي نكاحكم أزواجه من بعده كان عند الله عظيما ، و في الآية إشعار بأن بعضهم ذكر ما يشير إلى نكاحهم أزواجه بعده و هو كذلك كما سيأتي في البحث الروائي الآتي .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :338


قوله تعالى : « إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شي‏ء عليما» معناه ظاهر و هو في الحقيقة تنبيه تهديدي لمن كان يؤذي النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو يذكر نكاح أزواجه من بعده .


قوله تعالى : « لا جناح عليهن في آبائهن» إلى آخر الآية ضمير « عليهن» لنساء النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و الآية في معنى الاستثناء من عموم حكم الحجاب و قد استثنى الآباء و الأبناء و الإخوان و أبناء الإخوان و أبناء الأخوات و هؤلاء محارم ، قيل : و لم يذكر الأعمام و الأخوال لأنهم من الممكن أن يصفوهن لأبنائهم .


و استثنى أيضا نساءهن و إضافة النساء إلى ضمير هن يلوح إلى أن المراد النساء المؤمنات دون الكوافر كما مر في قوله تعالى : « أو نسائهن» : النور : 31 ، و استثنى أيضا ما ملكت أيمانهن من العبيد و الإماء .


و قوله : « و اتقين الله إن الله كان على كل شي‏ء شهيدا» فيه تأكيد الحكم و خاصة من جهة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في « اتقين الله» .


قوله تعالى : « إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما» قد تقدم أن أصل الصلاة الانعطاف فصلاته تعالى انعطافه عليه بالرحمة انعطافا مطلقا لم يقيد في الآية بشي‏ء دون شي‏ء و كذلك صلاة الملائكة عليه انعطاف عليه بالتزكية و الاستغفار و هي من المؤمنين الدعاء بالرحمة .


و في ذكر صلاته تعالى و صلاة ملائكته عليه قبل أمر المؤمنين بالصلاة عليه دلالة على أن في صلاة المؤمنين له اتباعا لله سبحانه و ملائكته و تأكيدا للنهي الآتي .


و قد استفاضت الروايات من طرق الشيعة و أهل السنة أن طريق صلاة المؤمنين أن يسألوا الله تعالى أن يصلي عليه و آله .


قوله تعالى : « إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا» من المعلوم أن الله سبحانه منزه من أن يناله الأذى و كل ما فيه وصمة النقص و الهوان فذكره مع الرسول و تشريكه في إيذائه تشريف للرسول و إشارة إلى أن من قصد رسوله بسوء فقد قصده أيضا بالسوء إذ ليس للرسول بما أنه رسول إلا ربه فمن قصده فقد قصد ربه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :339


و قد أوعدهم باللعن في الدنيا و الآخرة و اللعن هو الإبعاد من الرحمة و الرحمة الخاصة بالمؤمنين هي الهداية إلى الاعتقاد الحق و حقيقة الإيمان ، و يتبعه العمل الصالح فالإبعاد من الرحمة في الدنيا تحريمه عليه جزاء لعمله فيرجع إلى طبع القلوب كما قال : « لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية» : المائدة : 13 ، و قال : « و لكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا» : النساء : 46 ، و قال : « أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم و أعمى أبصارهم» : سورة محمد : 23 .


و أما اللعن في الآخرة فهو الإبعاد من رحمة القرب فيها و قد قال تعالى : « كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون» : المطففين : 15 .


ثم أوعدهم بأنه أعد لهم - أي في الآخرة - عذابا مهينا و وصف العذاب بالمهين لأنهم يقصدون باستكبارهم في الدنيا إهانة الله و رسوله فقوبلوا في الآخرة بعذاب يهينهم .


قوله تعالى : « و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا» تقييد إيذائهم بغير ما اكتسبوا لأن إيذاءهم بما اكتسبوا كما في القصاص و الحد و التعزير لا إثم فيه .


و أما إيذاؤهم بغير ما اكتسبوا و من دون استحقاق فيعده سبحانه احتمالا للبهتان و الإثم المبين ، و البهتان هو الكذب على الغير يواجهه به ، و وجه كون الإيذاء من غير اكتساب بهتانا أن المؤذي إنما يؤذي لسبب عنده يعده جرما له يقول : لم قال كذا ؟ لم فعل كذا ؟ و ليس بجرم فيبهته عند الإيذاء بنسبة الجرم إليه مواجهة و ليس بجرم .


و كونه إثما مبينا لأن الافتراء و البهتان مما يدرك العقل كونه إثما من غير حاجة إلى ورود النهي عنهما شرعا .


قوله تعالى : « يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن» إلخ ، الجلابيب جمع جلباب و هو ثوب تشتمل به المرأة فيغطي جميع بدنها أو الخمار الذي تغطي به رأسها و وجهها .


و قوله : « يدنين عليهن من جلابيبهن» أي يتسترن بها فلا تظهر جيوبهن و صدورهن للناظرين .


و قوله : « ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين» أي ستر جميع البدن أقرب إلى أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :340


يعرفن أنهن أهل الستر و الصلاح فلا يؤذين أي لايؤذيهن أهل الفسق بالتعرض لهن .


و قيل : المعنى ذلك أقرب من أن يعرفن أنهن مسلمات حرائر فلا يتعرض لهن بحسبان أنهن إماء أو من غير المسلمات من الكتابيات أو غيرهن و الأول أقرب .


قوله تعالى : « لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض و المرجفون في المدينة لنغرينك بهم» إلخ ، الانتهاء عن الشي‏ء الامتناع و الكف عنه ، و الإرجاف إشاعة الباطل للاغتمام به و إلقاء الاضطراب بسببه ، و الإغراء بالفعل التحريض عليه .


و المعنى : أقسم لئن لم يكف المنافقون و الذين في قلوبهم مرض عن الإفساد و الذين يشيعون الأخبار الكاذبة في المدينة لإلقاء الاضطراب بين المسلمين لنحرضنك عليهم ثم يجاورونك في المدينة بسبب نفيهم عنها إلا زمانا قليلا و هو ما بين صدور الأمر و فعلية إجرائه .


قوله تعالى : « ملعونين أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا تقتيلا» الثقف إدراك الشي‏ء و الظفر به ، و الجملة حال من المنافقين و من عطف عليهم أي حال كونهم ملعونين أينما وجدوا أخذوا و بولغ في قتلهم فعمهم القتل .


قوله تعالى : « سنة الله في في الذين خلوا من قبل و لن تجد لسنة الله تبديلا» السنة هي الطريقة المعمولة التي تجري بطبعها غالبا أو دائما .


يقول سبحانه هذا النكال الذي أوعدنا به المنافقين و من يحذو حذوهم من النفي و القتل الذريع هي سنة الله التي جرت في الماضين فكلما بالغ قوم في الإفساد و إلقاء الاضطراب بين الناس و تمادوا و طغوا في ذلك أخذناهم كذلك و لن تجد لسنة الله تبديلا فتجري فيكم كما جرت في الأمم من قبلكم .


بحث روائي


في الفقيه ، روى عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن - فما لكم عليهن من عدة تعتدونها - فمتعوهن و سرحوهن سراحا جميلا» قال : متعوهن أي أجملوهن بما قدرتم عليه من معروف


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :341


فإنهن يرجعن بكآبة و وحشة و هم عظيم و شماتة من أعدائهن فإن الله كريم يستحيي و يحب أهل الحياء إن أكرمكم أشدكم إكراما لحلائلهم .


و في الكافي ، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها . قال : عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا و إن لم يكن فرض لها فليمتعها على نحو ما يمتع به مثلها من النساء .


أقول : و الروايات في هذا المعنى كثيرة و هي مبنية على تخصيص الآية بآية البقرة كما تقدم في تفسير الآية .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد عن حبيب بن ثابت قال : جاء رجل إلى علي بن الحسين فسأله عن رجل قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق قال : ليس بشي‏ء بدأ الله بالنكاح قبل الطلاق فقال : « يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن» : أقول : و رواه في المجمع ، عن حبيب بن ثابت عنه (عليه‏السلام‏) .


و فيه ، أخرج ابن ماجة و ابن مردويه عن المسور بن مخرمة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : لا طلاق قبل نكاح و لا عتق قبل ملك : أقول : و روي مثله عن جابر و عائشة عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في الكافي ، بإسناده عن الحضرمي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) و بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك» كم أحل له من النساء ؟ قال : ما شاء من شي‏ء .


و فيه ، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قلت : « لا يحل لك النساء من بعد و لا أن تبدل بهن من أزواج» ؟ فقال : لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن ينكح ما شاء من بنات عمه و بنات عماته و بنات خاله و بنات خالاته و أزواجه اللاتي هاجرن معه . و أحل له أن ينكح من عرض المؤمنين بغير مهر و هي الهبة و لا تحل الهبة إلا لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأما لغير رسول الله فلا يصلح نكاح إلا بمهر و ذلك معنى قوله تعالى : « و امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي» و في الدر المنثور ، أخرج ابن سعد و ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و الطبراني عن علي بن الحسين : في قوله : « و امرأة مؤمنة» هي أم شريك الأزدية التي وهبت نفسها للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :342


أقول : و روي أنها خولة بنت الحكيم و أنها ليلى بنت الخطيم و أنها ميمونة ، و الظاهر أن الواهبة نفسها عدة من النساء .


و في الكافي ، مسندا عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالت : يا رسول الله إن المرأة لا تخطب الزوج و أنا امرأة أيم لا زوج لي منذ دهر و لا ولد فهل لك من حاجة ؟ فإن تك فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني . فقال لها رسول الله خيرا و دعا لها . ثم قال : يا أخت الأنصار جزاكم الله عن رسول الله خيرا فقد نصرني رجالكم و رغبت في نساؤكم . فقالت لها حفصة : ما أقل حياءك و أجرأك و أنهمك للرجال . فقال رسول الله : كفي عنها يا حفصة فإنها خيرمنك رغبت في رسول الله و لمتها و عبتها . ثم قال للمرأة : انصرفي رحمك الله فقد أوجب الله لك الجنة لرغبتك في و تعرضك لمحبتي و سروري و سيأتيك أمري إن شاء الله ، فأنزل الله عز و جل « و امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي - إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين» قال : فأحل الله عز و جل هبة المرأة نفسها للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لا يحل ذلك لغيره .


و في المجمع ، و قيل : إنها لما وهبت نفسها للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قالت عائشة : ما بال النساء يبذلن أنفسهن بلا مهر ؟ فنزلت الآية ، فقالت عائشة : ما أرى الله إلا يسارع في هواك ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : فإنك إن أطعت الله سارع في هواك .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « ترجي من تشاء منهن و تؤوي إليك من تشاء» قال أبو جعفر و أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) . من أرجى لم ينكح و من آوى فقد نكح .


و في الكافي ، بإسناده عن الحضرمي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « لا يحل لك النساء من بعد» فقال : إنما عنى به لا يحل لك النساء التي حرم الله عليك في هذه الآية « حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم - و أخواتكم و عماتكم و خالاتكم» إلى آخرها . و لو كان الأمر كما يقولون كان قد أحل لكم ما لم يحل له لأن أحدكم يستبدل كلما أراد و لكن الأمر ليس كما يقولون إن الله عز و جل أحل لنبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن ينكح من النساء ما أراد إلا ما حرم في هذه الآية في سورة النساء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :343


و في الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم من طريق علي بن زيد عن الحسن : في قوله : « و لا أن تبدل بهن من أزواج» قال : قصره الله على نسائه التسع اللاتي مات عنهن . قال علي فأخبرت علي بن الحسين فقال : لو شاء تزوج غيرهن . و لفظ عبد بن حميد فقال : بل كان له أيضا أن يتزوج غيرهن .


و في تفسير القمي ، : و أما قوله عز و جل يا أيها الذين آمنوا - لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم» فإنه لما أن تزوج رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بزينب بنت جحش و كان يحبها فأولم و دعا أصحابه فكان أصحابه إذا أكلوا يحبون أن يتحدثوا عند رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و كان يحب أن يخلو مع زينب فأنزل الله عز و جل . « يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم» و ذلك أنهم كانوا يدخلون بلا إذن فقالعز و جل : « إلا أن يؤذن لكم إلى قوله - من وراء حجاب» : أقول : و روي تفصيل القصة عن أنس بطرق مختلفة .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن سعد عن صالح بن كيسان قال : نزل حجاب رسول الله على نسائه في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة .


أقول : و رواها أيضا ابن سعد عن أنس و فيه : أن السنة كانت مبتنى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بزينب .


و فيه ، : في قوله تعالى : « و ما كان لكم أن تؤذوا» الآية : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال : أ يحجبنا محمد عن بنات عمنا و يتزوج نساءنا من بعدنا؟ لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده فنزلت الآية .


أقول : و قد وردت بذلك عدة من الروايات و في بعضها أنه كان يريد عائشة و أم سلمة .


و في ثواب الأعمال ، عن أبي المعزى عن أبي الحسن (عليه‏السلام‏) في حديث قال : قلت : ما معنى صلاة الله و صلاة ملائكته و صلاة المؤمن ؟ قال : صلاة الله رحمة من الله ، و صلاة الملائكة تزكية منهم له ، و صلاة المؤمنين دعاء منهم له .


و في الخصال ، عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) في حديث الأربعمائة قال : صلوا على محمد


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :344


و آل محمد فإن الله تعالى يقبل دعاءكم عند ذكر محمد و دعاءكم و حفظكم إياه إذا قرأتم « إن الله و ملائكته يصلون على النبي» فصلوا عليه في الصلاة كنتم أو في غيرها .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق و ابن أبي شيبة و أحمد و عبد بن حميد و البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن مردويه عن كعب بن عجرة قال : قال رجل : يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمناه فكيف الصلاة عليك ؟ قال : قل : اللهم صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد .


أقول : و قد أورد ثماني عشرة حديثا غير هذه الرواية تدل على تشريك آل النبي معه في الصلاة روتها أصحاب السنن و الجوامع عن عدة من الصحابة منهم ابن عباس و طلحة و أبو سعيد الخدري و أبو هريرة و أبو مسعود الأنصاري و بريدة و ابن مسعود و كعب بن عجرة و علي (عليه‏السلام‏) و أما روايات الشيعة فهي فوق حد الإحصاء .


و فيه ، أخرج أحمد و الترمذي عن الحسن بن علي أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : «يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين - يدنين عليهن من جلابيبهن» فإنه كان سبب نزولها أن النساء كن يخرجن إلى المسجد و يصلين خلف رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فإذا كان الليل و خرجن إلى صلاة المغرب و العشاء الآخرة يقعد الشباب لهن في طريقهن فيؤذونهن و يتعرضون لهن فأنزل الله : « يا أيها النبي» الآية .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق و عبد بن حميد و أبو داود و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن أم سلمة قالت : لما نزلت هذه الآية « يدنين عليهن من جلابيبهن» خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « لئن لم ينته المنافقون» نزلت في قوم منافقين كانوا في المدينة يرجفون برسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذا خرج في بعض غزواته يقولون : قتل و أسر فيغتم المسلمون لذلك و يشكون إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأنزل الله عز و جل في ذلك « لئن لم ينته إلى قوله إلا قليلا» أي نأمرك بإخراجهم من المدينة إلا قليلا .


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :345


«ملعونين أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا تقتيلا» و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : « ملعونين» فوجبت عليهم اللعنة بعد اللعنة بقول الله .


يَسئَلُك النَّاس عَنِ الساعَةِقُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِوَ مَا يُدْرِيك لَعَلَّ الساعَةَ تَكُونُ قَرِيباً(63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَ أَعَدَّ لهَُمْ سعِيراً(64) خَلِدِينَ فِيهَا أَبَداًلا يجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً(65) يَوْمَ تُقَلَّب وُجُوهُهُمْ فى النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطعْنَا اللَّهَ وَ أَطعْنَا الرَّسولا(66) وَ قَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطعْنَا سادَتَنَا وَ كُبرَاءَنَا فَأَضلُّونَا السبِيلا(67) رَبَّنَا ءَاتهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ وَ الْعَنهُمْ لَعْناً كَبِيراً(68) يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسى فَبرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواوَ كانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً(69) يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سدِيداً(70) يُصلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْوَ مَن يُطِع اللَّهَ وَ رَسولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً(71) إِنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ الْجِبَالِ فَأَبَينَ أَن يحْمِلْنهَا وَ أَشفَقْنَ مِنهَا وَ حَمَلَهَا الانسنُإِنَّهُ كانَ ظلُوماً جَهُولاً(72) لِّيُعَذِّب اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَ الْمُنَفِقَتِ وَ الْمُشرِكينَ وَ الْمُشرِكَتِ وَ يَتُوب اللَّهُ عَلى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِوَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيمَا(73)



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :346


بيان


آيات تذكر شأن الساعة و بعض ما يجري على الكفار من عذابها و تأمر المؤمنين بالقول السديد و تعدهم عليه وعدا جميلا ثم تختتم السورة بذكر الأمانة .


قوله تعالى : « يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله و ما يدريك لعل الساعة تكون قريبا» تذكر الآية سؤال الناس عن الساعة و إنما كانوا يريدون أن يقدر لهم زمن وقوعها و أنها قريبة أو بعيدة كما يومى‏ء إليه التعبير عنها بالساعة فأمر أن يجيبهم بقصر العلم بها في الله سبحانه و على ذلك جرت الحال كلما ذكرت في القرآن .


و قوله : « و ما يدريك لعل الساعة تكون قريبا» زيادة في الإبهام و ليعلموا أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مثل غيره في عدم العلم بها و ليس من الستر الذي أسره إليه و ستره من الناس .


قوله تعالى : « إن الله لعن الكافرين و أعد لهم سعيرا» لعن الكفار إبعادهم من الرحمة ، و الإعداد التهيئة ، و السعير النار التي أشعلت فالتهبت ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا و لا نصيرا» الفرق بين الولي و النصير أن الولي يلي بنفسه تمام الأمر و المولى عليه بمعزل ، و النصير يعين المنصور على بعض الأمر و هو إتمامه فالولي يتولى الأمر كله و النصير يتصدى بعضه ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله و أطعنا الرسولا» تقلب وجوههم في النار تحولها لحال بعد حال فتصفر و تسود و تكون كالحة أو انتقالها من جهة إلى جهة لتكون أبلغ في مس العذاب كما يفعل باللحم المشوي .


و قولهم : « يا ليتنا أطعنا الله و أطعنا الرسولا» كلام منهم على وجه التحسر و التمني .


قوله تعالى : « و قالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا و كبراءنا فأضلونا السبيلا» السادة جمع سيد و هو - على ما في المجمع ، - المالك المعظم الذي يملك تدبير السواد الأعظم و هو الجمع الأكثر ، و الكبراء جمع كبير و لعل المراد به الكبير سنا فالعامة تطيع و تقلد أحد رجلين إما سيد القوم و إما أسنهم .


قوله تعالى : « ربنا آتهم ضعفين من العذاب و العنهم لعنا كبيرا» الضعفان المثلان


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :347


و إنما سألوا لهم ضعفي العذاب لأنهم ضلوا في أنفسهم و أضلوا غيرهم ، و لذلك أيضا سألوا لهم اللعن الكبير .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا و كان عند الله وجيها» نهي عن أن يكونوا كبعض بني إسرائيل فيعاملوا نبيهم بمثل ما عامل به بنو إسرائيل من الإيذاء و ليس المراد مطلق الإيذاء بقول أو فعل و إن كان منهيا عنه بل قوله : « فبرأه الله» يشهد بأنه كان إيذاء من قبيل التهمة و الافتراء المحوج في رفعه إلى التبرئة و التنزيه .


و لعل السكوت عن ذكر ما آذوا به موسى (عليه‏السلام‏) يؤيد ما ورد في الحديث أنهم قالوا : ليس لموسى ما للرجال فبرأه الله من قولهم و سيوافيك .


و أوجه ما قيل في إيذائهم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنه إشارة إلى قصة زيد و زينب ، و إن يكن كذلك فمن إيذائه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما في كثير من روايات القصة من سردها على نحو لا يناسب ساحة قدسه .


و قوله : « و كان عند الله وجيها» أي ذا جاه و منزلة و الجملة مضافا إلى اشتمالها على التبرئة إجمالا تعلل تبرئته تعالى له و للآية و ما بعدها نوع اتصال بالآيات الناهية عن إيذاء النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا» ، السديد من السداد و هو الإصابة و الرشاد فالسديد من القول ما يجتمع فيه مطابقة الواقع و عدم كونه لغوا أو ذا فائدة غير مشروعة كالنميمة و غير ذلك فعلى المؤمن أن يختبر صدق ما يتكلم به و أن لا يكون لغوا أو يفسد به إصلاح .


قوله تعالى : « يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما» رتب على ملازمة القول السديد إصلاح الأعمال و مغفرة الذنوب و ذلك أن النفس إذا لازمت القول السديد انقطعت عن كذب القول و لغو الحديث و الكلام الذي يترتب عليه فساد ، و برسوخ هذه الصفة فيها تنقطع طبعا عن الفحشاء و المنكر و اللغو في الفعل و عند ذلك يصلح أعمال الإنسان فيندم بالطبع على ما ضيعه من عمره في موبقات الذنوب إن كان قد ابتلي بشي‏ء من ذلك و كفى بالندم توبة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :348


و يحفظه الله فيما بقي من عمره عن اقتحام المهلكات و إن رام شيئا من صغائر الذنوب غفر الله له فقد قال الله تعالى : « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم» : النساء : 31 ، فملازمة القول السديد تسوق الإنسان إلى صلاح الأعمال و مغفرة الذنوب بإذن الله .


و قوله : « و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما» وعد جميل على الإتيان بجميع الأعمال الصالحة و الاجتناب عن جميع المناهي بترتيب الفوز العظيم على طاعة الله و رسوله .


و بذلك تختتم السورة في معناها في الحقيقة لأن طاعة الله و رسوله هي الكلمة الجامعة بين جميع الأحكام السابقة ، من واجبات و محرمات و الآيتان التاليتان كالمتمم لمعنى هذه الآية .


قوله تعالى : « إنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا - إلى قوله - غفورا رحيما» الأمانة - أيا ما كانت - شي‏ء يودع عند الغير ليحتفظ عليه ثم يرده إلى من أودعه ، فهذه الأمانة المذكورة في الآية شي‏ء ائتمن الله الإنسان عليه ليحفظ على سلامته و استقامته ثم يرده إليه سبحانه كما أودعه .


و يستفاد من قوله : « ليعذب الله المنافقين و المنافقات» إلخ ، أنه أمر يترتب على حمله النفاق و الشرك و الإيمان ، فينقسم حاملوه باختلاف كيفية حملهم إلى منافق و مشرك و مؤمن .


فهو لا محالة أمر مرتبط بالدين الحق الذي يحصل بالتلبس به و عدم التلبس به النفاق و الشرك و الإيمان .


فهل هو الاعتقاد الحق و الشهادة على توحده تعالى أو مجموع الاعتقاد و العمل بمعنى أخذ الدين الحق بتفاصيله مع الغض عن العمل به ، أو التلبس بالعمل به أو الكمال الحاصل للإنسان من جهة التلبس بواحد من هذه الأمور .


و ليست هي الأول أعني التوحيد فإن السماوات و الأرض و غيرهما من شي‏ء توحده تعالى و تسبح بحمده ، و قد قال تعالى : « و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده» : إسراء : 44 ، و الآية تصرح بإبائها عنه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :349


و ليست هي الثاني أعني الدين الحق بتفاصيله فإن الآية تصرح بحمل الإنسان كائنا من كان من مؤمن و غيره له و من البين أن أكثر من لا يؤمن لا يحمله و لا علم له به ، و بهذا يظهر أنها ليست بالثالث و هو التلبس بالعمل بالدين الحق تفصيلا .


و ليست هي الكمال الحاصل له بالتلبس بالتوحيد فإن السماوات و الأرض و غيرهما ناطقة بالتوحيد فعلا متلبسة به .


و ليست هي الكمال الحاصل من أخذ دين الحق و العلم به إذ لا يترتب على نفس الاعتقاد الحق و العلم بالتكاليف الدينية نفاق و لا شرك و لا إيمان و لا يستعقب سعادة و لا شقاء و إنما يترتب الأثر على الالتزام بالاعتقاد الحق و التلبس بالعمل .


فبقي أنها الكمال الحاصل له من جهة التلبس بالاعتقاد و العمل الصالح و سلوك سبيل الكمال بالارتقاء من حضيض المادة إلى أوج الإخلاص الذي هو أن يخلصه الله لنفسه فلا يشاركه فيه غيره فيتولى هو سبحانه تدبير أمره و هو الولاية الإلهية .


فالمراد بالأمانة الولاية الإلهية و بعرضها على هذه الأشياء اعتبارها مقيسة إليها و المراد بحملها و الإباء عنه وجود استعدادها و صلاحية التلبس بها و عدمه ، و هذا المعنى هو القابل لأن ينطبق على الآية فالسماوات و الأرض و الجبال على ما فيها من العظمة و الشدة و القوة فاقدة لاستعداد حصولها فيها و هو المراد بإبائهن عن حملها و إشفاقهن منها .


لكن الإنسان الظلوم الجهول لم يأب و لم يشفق من ثقلها و عظم خطرها فحملها على ما بها من الثقل و عظم الخطر فتعقب ذلك أن انقسم الإنسان من جهة حفظ الأمانة و عدمه بالخيانة إلى منافق و مشرك و مؤمن بخلاف السماوات و الأرض و الجبال فما منها إلا مؤمن مطيع .


فإن قلت : ما بال الحكيم العليم حمل على هذا المخلوق الظلوم الجهول حملا لا يتحمله لثقله و عظم خطره السماوات و الأرض و الجبال على عظمتها و شدتها و قوتها و هو يعلم أنه أضعف من أن يطيق حمله و إنما حمله على قبولها ظلمه و جهله و أجرأه عليه غروره و غفلته عن عواقب الأمور فما تحميله الأمانة باستدعائه لها ظلما و جهلا إلا كتقليد مجنون ولاية عامة يأبى قبولها العقلاء و يشفقون منها يستدعيها المجنون لفساد عقله و عدم استقامة فكره .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :350


قلت : الظلم و الجهل في الإنسان و إن كانا بوجه ملاك اللوم و العتاب فهما بعينهما مصحح حمله الأمانة و الولاية الإلهية فإن الظلم و الجهل إنما يتصف بهما من كان من شأنه الاتصاف بالعدل و العلم فالجبال مثلا لا تتصف بالظلم و الجهل فلا يقال : جبل ظالم أو جاهل لعدم صحة اتصافه بالعدل و العلم و كذلك السماوات و الأرض لا يحمل عليها الظلم و الجهل لعدم صحة اتصافها بالعدل و العلم بخلاف الإنسان .


و الأمانة المذكورة في الآية و هي الولاية الإلهية و كمال صفة العبودية إنما تتحصل بالعلم بالله و العمل الصالح الذي هو العدل و إنما يتصف بهذين الوصفين أعني العلم و العدل الموضوع القابل للجهل و الظلم فكون الإنسان في حد نفسه و بحسب طبعه ظلوما جهولا هو المصحح لحمل الأمانة الإلهية فافهم ذلك .


فمعنى الآيتين يناظر بوجه معنى قوله تعالى : « لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون» : التين : 6 .


فقوله تعالى : « إنا عرضنا الأمانة» أي الولاية الإلهية و الاستكمال بحقائق الدين الحق علما و عملا و عرضها هو اعتبارها مقيسة إلى هذه الأشياء .


و قوله : « على السماوات و الأرض و الجبال» أي هذه المخلوقات العظيمة التي خلقها أعظم من خلق الإنسان كما قال : « لخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس» : المؤمن : 57 ، و قوله : « فأبين أن يحملنها و أشفقن منها» إباؤها عن حملها و إشفاقها منها عدم اشتمالها على صلاحية التلبس و تجافيها عن قبولها و في التعبير بالحمل إيماء إلى أنها ثقيلة ثقلا لا يحتملها السماوات و الأرض و الجبال .


و قوله : « و حملها الإنسان» أي اشتمل على صلاحيتها و التهيؤ للتلبس بها على ضعفه و صغر حجمه « إنه كان ظلوما جهولا» أي ظالما لنفسه جاهلا بما تعقبه هذه الأمانة لو خانها من وخيم العاقبة و الهلاك الدائم .


و بمعنى أدق لكون الإنسان خاليا بحسب نفسه عن العدل و العلم قابلا للتلبس بما


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :351


يفاض عليه من ذلك و الارتقاء من حضيض الظلم و الجهل إلى أوج العدل والعلم .


و الظلوم و الجهول وصفان من الظلم و الجهل معناهما من كان من شأنه الظلم و الجهل نظير قولنا : فرس شموس و دابة جموح و ماء طهور أي من شأنها ذلك كما قاله الرازي أو معناهما المبالغة في الظلم و الجهل كما ذكر غيره ، و المعنى مستقيم كيفما كانا .


و قوله : « ليعذب الله المنافقين و المنافقات و المشركين و المشركات» اللام للغاية أي كانت عاقبة هذا الحمل أن يعذب الله المنافقين و المنافقات و المشركين و المشركات و ذلك أن الخائن للأمانة يتظاهر في الأغلب بالصلاح و الأمانة و هو النفاق و قليلا ما يتظاهر بالخيانة لهاو لعل اعتبار هذا المعنى هو الموجب لتقديم المنافقين و المنافقات في الآية على المشركين و المشركات .


و قوله : « و يتوب الله على المؤمنين و المؤمنات و كان الله غفورا رحيما» عطف على « يعذب» أي و كان عاقبة ذلك أن يتوب الله على المؤمنين و المؤمنات ، و التوبة من الله هي رجوعه إلى عبده بالرحمة فيرجع إلى الإنسان إذا آمن به و لم يخن بالرحمة و يتولى أمره و هو ولي المؤمنين فيهديه إليه بالستر على ظلمه و جهله و تحليته بالعلم النافع و العمل الصالح لأنه غفور رحيم .


فإن قلت : ما هو المانع من جعل الأمانة بمعنى التكليف و هو الدين الحق و كون الحمل بمعنى الاستعداد و الصلاحية و الإباء هو فقده و العرض هو اعتبار القياس فيجري فيه حينئذ جميع ما تقدم في بيان الانطباق على الآية .


قلت : نعم لكن التكليف إنما هو مطلوب لكونه مقدمة لحصول الولاية الإلهية و تحقق صفة العبودية الكاملة فهي المعروضة بالحقيقة و المطلوبة لنفسها .


و الالتفات في قوله : « ليعذب الله» من التكلم إلى الغيبة و الإتيان باسم الجلالة للدلالة على أن عواقب الأمور إلى الله سبحانه لأنه الله .


و وضع الظاهر موضع المضمر في قوله : « و يتوب الله على المؤمنين و المؤمنات» للإشعار بكمال العناية في حقهم و الاهتمام بأمرهم .


و لهم في تفسير الأمانة المذكورة في الآية أقوال مختلفة : فقيل : المراد بها التكاليف الموجبة طاعتها دخول الجنة و معصيتها دخول النار و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال اعتبارها بالنسبة إلى استعدادها و إباؤهن


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :352


عن حملها و إشفاقهن منها عدم استعدادهن لها ، و حمل الإنسان لها استعداده ، و الكلام جار مجرى التمثيل .


و قيل : المراد بها العقل الذي هو ملاك التكليف و مناط الثواب و العقاب .


و قيل : هي قول لا إله إلا الله .


و قيل : هي الأعضاء فالعين أمانة من الله يجب حفظها و عدم استعمالها إلا فيما يرتضيه الله تعالى ، و كذلك السمع و اليد و الرجل و الفرج و اللسان .


و قيل : المراد بها أمانات الناس و الوفاء بالعهود .


و قيل : المراد بها معرفة الله بما فيها و هذا أقرب الأقوال من الحق يرجع بتقريب ما إلى ما قدمنا .


و كذلك اختلف في معنى عرض الأمانة عليها على أقوال : منها : أن العرض بمعناه الحقيقي غير أن المراد بالسماوات و الأرض و الجبال أهلها فعرضت على أهل السماء من الملائكة و بين لهم أن في خيانتها الإثم العظيم فأبوها و خافوا حملها و عرض على الإنسان فلم يمتنع .


و منها : أنه بمعناه الحقيقي و ذلك أن الله لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهما و قال لها : إني فرضت فريضة و خلقت جنة لمن أطاعني فيها و نارا لمن عصاني فيها فقلن : نحن مسخرات لما خلقتنا لا نحتمل فريضة و لا نبغي ثوابا و لا عقابا و لما خلق آدم عرض عليه ذلك فاحتمله و كان ظلوما لنفسه جهولا بوخامة عاقبته .


و منها : أن المراد بالعرض المعارضة و المقابلة ، و محصل الكلام أنا قابلنا بهذه الأمانة السماوات و الأرض و الجبال فكانت هذه أرجح و أثقل منها .


و منها أن الكلام جار مجرى الفرض و التقدير و المعنى : أنا لو قدرنا أن السماوات و الأرض و الجبال فهما ، و عرضنا عليها هذه الأمانة لأبين حملها و أشفقن منها لكن الإنسان تحملها .


و بالمراجعة إلى ما قدمناه يظهر ما في كل من هذه الأقوال من جهات الضعف و الوهن فلا تغفل .



الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :353


بحث روائي


في الكافي ، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في حديث قال : و لا يلعن الله مؤمنا قال الله عز و جل : « إن الله لعن الكافرين و أعد لهم سعيرا - خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا و لا نصيرا» .


و في تفسير القمي ، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : أن بني إسرائيل كانوا يقولون : ليس لموسى ما للرجال ، و كان موسى إذا أراد الاغتسال ذهب إلى موضع لا يراه فيه أحد فكان يوما يغتسل على شط نهر و قد وضع ثيابه على صخرة فأمر الله الصخرة فتباعدت عنه حتى نظر بنو إسرائيل إليه فعلموا أن ليس كما قالوا فأنزل الله « يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى» الآية . و في المجمع ، : و اختلفوا فيما أوذي به موسى على أقوال : أحدها : أن موسى و هارون صعدا الجبل فمات هارون فقالت بنو إسرائيل : أنت قتلته فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل و تكلمت الملائكة بموته حتى عرفوا أنه قد مات و برأه الله من ذلك عن علي و ابن عباس . و ثانيها : أن موسى كان حييا ستيرا يغتسل وحده فقالوا : ما يستتر منا إلا لعيب في جلده إما برص و أما أدرة فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر فمر الحجر بثوبه فطلبه موسى فرآه بنو إسرائيل عريانا كأحسن الرجال خلقا فبرأه الله مما قالوا . رواه أبو هريرة مرفوعا .


أقول : و روى الرواية الأولى في الدر المنثور ، أيضا عن ابن مسعود و الثانية أيضا عن أنس و ابن عباس .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر و ابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي قال : ما جلس رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على هذا المنبر قط إلا تلا هذه الآية : « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا» .


الميزان في تفسير القرآن ج : 16ص :354


أقول : و روي ما يقرب منه أيضا عن عائشة و أبي موسى الأشعري و عروة .


و في نهج البلاغة ، : ثم أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها إنها عرضت على السماوات المبنية و الأرض المدحوة و الجبال ذات الطول المنصوبة فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم منها و لو امتنع شي‏ء بطول أو عرض أو قوة أو عز لأمتنعن و لكن أشفقن من العقوبة ، و عقلن ما جهل من هو أضعف منهن و هو الإنسان إنه كان ظلوما جهولا .


و في الكافي ، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن رجل عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « إنا عرضنا الأمانة» الآية ، قال : هي ولاية أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) .


أقول : المراد بولاية أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) ما كان هو أول فاتح لبابه من هذه الأمة و هو كون الإنسان ، بحيث يتولى الله سبحانه أمره بمجاهدته فيه بإخلاص العبودية له دون الولاية بمعنى المحبة أو بمعنى الإمامة و إن كان ظاهر بعض الروايات ذلك بنوع من الجري و الانطباق .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :