امروز:
شنبه 1 مهر 1396
بازدید :
667
تفسيرالميزان : سوره صافات آيات 182- 1


سورة الصافات مكية و هي مائة و اثنان و ثمانون آية 182



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :120


سورة الصافات‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ الصفَّتِ صفًّا(1) فَالزَّجِرَتِ زَجْراً(2) فَالتَّلِيَتِ ذِكْراً(3) إِنَّ إِلَهَكمْ لَوَحِدٌ(4) رَّب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنهُمَا وَ رَب الْمَشرِقِ‏(5) إِنَّا زَيَّنَّا السمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ‏(6) وَ حِفْظاً مِّن كلّ‏ِ شيْطنٍ مَّارِدٍ(7) لا يَسمَّعُونَ إِلى الْمَلا الأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِن كلّ‏ِ جَانِبٍ‏(8) دُحُوراًوَ لهَُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ‏(9) إِلا مَنْ خَطِف الخَْطفَةَ فَأَتْبَعَهُ شهَابٌ ثَاقِبٌ‏(10) فَاستَفْتهِمْ أَ هُمْ أَشدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَاإِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن طِينٍ لازِبِ‏(11)


بيان


في السورة احتجاج على التوحيد ، و إنذار للمشركين و تبشير للمخلصين من المؤمنين ، و بيان ما يئول إليه حال كل من الفريقين ثم ذكر عدة من عباده المؤمنين ممن من الله عليهم و قضى أن ينصرهم على عدوهم ، و في خاتمة السورة ما هو بمنزلة محصل الغرض منها و هو تنزيهه و السلام على عباده المرسلين و تحميده تعالى فيما فعل و السورة مكية بشهادة سياقها .


قوله تعالى : « و الصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا» الصافات - على ما قيل - جمع صافة و هي جمع صاف ، و المراد بها على أي حال الجماعة التي تصطف أفرادها و الزاجرات من الزجر و هو الصرف عن الشي‏ء بالتخويف بذم أو عقاب و التاليات من التلاوة بمعنى القراءة .


و قد أقسم الله تعالى بهذه الطوائف الثلاث : الصافات و الزاجرات و التاليات و قد اختلفت كلماتهم في المراد بها : فأما الصافات فقيل : إن المراد بها الملائكة تصف أنفسها في السماء صفوفا كصفوف المؤمنين في الصلاة ، و قيل : إنها الملائكة تصف أجنحتها في الهواء إذا أرادت النزول إلى الأرض واقفة في انتظار أمر الله تعالى ، و قيل : إنهاالجماعة من المؤمنين يقومون في الصلاة أو في الجهاد مصطفين .


و أما الزاجرات فقيل : إنها الملائكة تزجر العباد عن المعاصي فيوصله الله إلى قلوب الناس في صورة الخطرات كما يوصل وساوس الشياطين ، و قيل : إنها الملائكة الموكلة بالسحاب تزجرها و تسوقها إلى حيث أراد الله سبحانه ، و قيل : هي زواجر


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :121


القرآن و هي آياته الناهية عن القبائح ، و قيل : هم المؤمنون يرفعون أصواتهم بالقرآن عند قراءته فيزجرون الناس عن المنهيات .


و أما التاليات فقيل : هم الملائكة يتلون الوحي على النبيالموحى إليه ، و قيل : هي الملائكة تتلو الكتاب الذي كتبه الله و فيها ذكر الحوادث ، و قيل : جماعة قراء القرآن يتلونه في الصلاة .


و يحتمل - و الله العالم - أن يكون المراد بالطوائف الثلاث المذكورة في الآيات طوائف الملائكة النازلين بالوحي المأمورين بتأمين الطريق و دفع الشياطين عن المداخلة فيه و إيصاله إلى النبي مطلقا أو خصوص محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كما يستفاد من قوله تعالى : « عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم و أحاط بما لديهم :» الجن : - 28 .


و عليه فالمعنى أقسم بالملائكة الذين يصفون في طريق الوحي صفا فبالذين يزجرون الشياطين و يمنعونهم عن المداخلة في الوحي فبالذين يتلون على النبي الذكر و هو مطلق الوحي أو خصوص القرآن كما يؤيده التعبير عنه بتلاوة الذكر .


و يؤيد ما ذكرنا وقوع حديث رمي الشياطين بالشهب بعد هذه الآيات ، و كذا قوله بعد : « فاستفتهم أ هم أشد خلقا أم من خلقنا» الآية كما سنشير إليه .


و لا ينافي ذلك إسناد النزول بالقرآن إلى جبرئيل وحده في قوله : « من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك :» البقرة : - 97 و قوله : « نزل به الروح الأمين على قلبك :» الشعراء : - 194 لأن الملائكة المذكورين أعوان جبرئيل فنزولهم به نزوله به و قد قال تعالى : « في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة :» عبس : - 16 ، و قال حكاية عنهم : « و ما نتنزل إلا بأمر ربك :» مريم : - 64 ، و قال : « و إنا لنحن الصافون و إنا لنحن المسبحون :» الصافات : - 166 و هذا كنسبة التوفي إلى الرسل من الملائكة في قوله : « حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا :» الأنعام : - 61 و إلى ملك الموت و هو رئيسهم في قوله : « قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم :» السجدة : - 11 .


و لا ضير في التعبير عن الملائكة بلفظ الإناث : الصافات و الزاجرات و التاليات


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :122


لأن موصوفها الجماعة ، و التأنيث لفظي .


و هذه أول سورة في القرآن صدرت بالقسم و قد أقسم الله سبحانه في كلامه بكثير من خلقه كالسماء و الأرض و الشمس و القمر و النجم و الليل و النهار و الملائكة و الناس و البلاد و الأثمار ، و ليس ذلك إلا لما فيها من الشرف باستناد خلقها إليه تعالى و هو قيومها المنبع لكل شرف و بهاء .


قوله تعالى : « إن إلهكم لواحد» الخطاب لعامة الناس و هو مقسم به ، و هو كلام مسوق بدليل كما سيأتي .


قوله تعالى : « رب السماوات و الأرض و ما بينهما و رب المشارق» خبر بعد خبر لأن ، أو خبر لمبتدإ محذوف و التقدير هو رب السماوات « إلخ» أو بدل من واحد .


و في سوق الأوصاف إشعار بعلة كون الإله واحدا كما أن خصوصية القسم مشعر بعلة كونه رب السماوات و الأرض و ما بينهما .


كأنه قيل إن إلهكم لواحد لأن الملاك في ألوهية الإله و هي كونه معبودا بالحق أن يكون ربا يدبر الأمر على ما تعترفون و هو سبحانه رب السماوات و الأرض و ما بينهما الذي يدبر أمرها و يتصرف في جميعها .


و كيف لا ؟ و هو تعالى يوحي إلى نبيه فيتصرف في السماء و سكانها بإرسال ملائكة يصطفون بينها و بين الأرض و هناك مجال الشياطين فيزجرونهم و هو تصرف منه فيما بين السماء و الأرض و في الشياطين ثم يتلون الذكر على نبيه و فيه تكميل للناس و تربية لهم سواء صدقوا أم كذبوا ففي الوحي تصرف منه في السماوات و الأرض و ما بينهما فهو على وحدانيته رب الجميع المدبر لأمرها و الإله الواحد .


و قوله : « و رب المشارق » أي مشارق الشمس باختلاف الفصول أو المراد مشارق مطلق النجوم أو مطلق المشارق ، و في تخصيص المشارق بالذكر مناسبة لطلوع الوحي بملائكته من السماء و قد قال تعالى : « و لقد رآه بالأفق المبين :» التكوير - 23 ، و قال : « و هو بالأفق الأعلى :» النجم : - 7 .


قوله تعالى : « إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب» المراد بالزينة ما يزين به،


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :123


و الكواكب بيان أو بدل من الزينة و قد تكرر حديث تزيين السماء الدنيا بزينة الكواكب في كلامه كقوله : « و زينا السماء الدنيا بمصابيح :» حم السجدة : - 12 و قوله : « و لقد زينا السماء الدنيا بمصابيح :» الملك : - 5 ، و قوله : « أ و لم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها و زيناها :» ق : - 6 .


و لا يخلو من ظهور في كون السماء الدنيا من السماوات السبع التي يذكرها القرآن هو عالم الكواكب فوق الأرض و إن وجهه بعضهم بما يوافق مقتضى الهيئة القديمة أو الجديدة .


قوله تعالى : « و حفظا من كل شيطان مارد» حفظا مفعول مطلق لفعل محذوف و التقدير و حفظناها حفظا من كل شيطان مارد ، و المراد بالشيطان الشرير من الجن و المارد الخبيث العاري من الخير .


قوله تعالى : « لا يسمعون إلى الملإ الأعلى و يقذفون من كل جانب» أصل « لا يسمعون» لا يتسمعون و التسمع الإصغاء ، و هو كناية عنكونهم ممنوعين مدحورين و بهذه العناية صار وصفا لكل شيطان و لو كان بمعنى الإصغاء صريحا أفاد لغوا من الفعل إذ لو كانوا لا يصغون لم يكن وجه لقذفهم .


و الملأ من الناس الأشراف منهم الذين يملئون العيون ، و الملأ الأعلى هم الذين يريد الشياطين التسمع إليهم و هم الملائكة الكرام الذين هم سكنة السماوات العلى على ما يدل عليه كلامه تعالى كقوله : « لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا :» الإسراء : - 95 .


و قصدهم من التسمع إلى الملإ الأعلى الاطلاع على أخبار الغيب المستوردة عن هذا العالم الأرضي كالحوادث المستقبلة و الأسرار المكنونة كما يشير إليه قوله تعالى : « و ما تنزلت به الشياطين و ما ينبغي لهم و ما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون :» الشعراء : - 212 ، و قوله حكاية عن الجن : « و أنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا و شهبا و أنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا :» الجن : - 9 .


و قوله : « و يقذفون من كل جانب» القذف الرمي و الجانب الجهة .


قوله تعالى : « دحورا و لهم عذاب واصب» الدحور الطرد و الدفع ، و هو مصدر بمعنى المفعول منصوب حالا أي مدحورين أو مفعول له أو مفعول مطلق ، و الواصب الواجب اللازم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :124


قوله تعالى : « إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب» الخطفة الاختلاس و الاستلاب ، و الشهاب ما يرى في الجو كالكوكب المنقض ، و الثقوب الركوز و سمي الشهاب ثاقبا لأنه لا يخطى‏ء هدفه و غرضه .


و المراد بالخطفة اختلاس السمع و قد عبر عنه في موضع آخر باستراق السمع قال تعالى : « إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين :» الحجر : - 18 ، و الاستثناء من ضمير الفاعل في قوله : « لا يسمعون» و جوز بعضهم كون الاستثناء منقطعا .


و معنى الآيات الخمس : أنا زينا السماء التي هي أقرب السماوات منكم - أو السماء السفلى بزينة و هي الكواكب ، و حفظناها حفظا من كل شيطان خبيث عار من الخير ممنوعين من الإصغاء إلى الملإ الأعلى - للاطلاع إلى ما يلقون بين أنفسهم من أخبار الغيب - و يرمون من كل جهة حال كونهم مطرودين و لهم عذاب لازم لا يفارقهم إلا من اختلس من أخبارهم الاختلاسة فأتبعه شهاب ثاقب لا يخطى‏ء غرضه .


كلام في معنى الشهب


أورد المفسرون أنواعا من التوجيه لتصوير استراق السمع من الشياطين و رميهم بالشهب و هي مبنية على ما يسبق إلى الذهن من ظاهر الآيات و الأخبار أن هناك أفلاكا محيطة بالأرض تسكنها جماعات الملائكة و لها أبواب لا يلج فيها شي‏ء إلا منها و أن في السماء الأولى جمعا من الملائكة بأيديهم الشهب يرصدون المسترقين للسمع من الشياطين فيقذفونهم بالشهب .


و قد اتضح اليوم اتضاح عيان بطلان هذه الآراء و يتفرع على ذلك بطلان الوجوه التي أوردوها في تفسير الشهب و هي وجوه كثيرة أودعوها في المطولات كالتفسير الكبير ، للرازي و روح المعاني ، للآلوسي و غيرهما .


و يحتمل - و الله العالم أن هذه البيانات في كلامه تعالى من قبيل الأمثال المضروبة تصور بها الحقائق الخارجة عن الحس في صورة المحسوس لتقريبها من الحس و هو القائل عز و جل : « و تلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون :» العنكبوت : - 43 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :125


و هو كثير في كلامه تعالى و منه العرش و الكرسي و اللوح و الكتاب و قد تقدمت الإشارة إليها و سيجي‏ء بعض منها .


و على هذا يكون المراد من السماء التي تسكنها الملائكة عالما ملكوتيا ذا أفق أعلى نسبته إلى هذا العالم المشهود نسبة السماء المحسوسة بأجرامها إلى الأرض ، و المراد باقتراب الشياطين من السماء و استراقهم السمع و قذفهم بالشهب اقترابهم من عالم الملائكة للاطلاع على أسرار الخلقة و الحوادث المستقبلة و رميهم بما لا يطيقونه من نور الملكوت ، أو كرتهم على الحق لتلبيسه و رمي الملائكة إياهم بالحق الذي يبطل أباطيلهم .


و إيراده تعالى قصة استراق الشياطين للسمع و رميهم بالشهب عقيب الإقسام بملائكة الوحي و حفظهم إياه عن مداخلة الشياطين لا يخلو من تأييد لما ذكرناه و الله أعلم .


قوله تعالى : « فاستفتهم أ هم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب» اللازب الملتزق بعضه ببعض بحيث يلزمه ما جاوره ، و قال في مجمع البيان ، : اللازب و اللازم بمعنى .


انتهى .


و المراد بقوله : « من خلقنا» إما الملائكة المشار إليهم في الآيات السابقة و هم حفظة الوحي و رماة الشهب ، و إما غير الناس من الخلق العظيم كالسماوات و الأرض و الملائكة ، و التعبير بلفظ أولي العقل للتغليب .


و المعنى : فإذا كان الله هو رب السماوات و الأرض و ما بينهما و الملائكة فاسألهم أن يفتوا أ هم أشد خلقا أم غيرهم ممن خلقنا فهم أضعف خلقا لأنا خلقناهم من طين ملتزق فليسوا بمعجزين لنا .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و الصافات صفا» قال : الملائكة و الأنبياء .


و فيه ، عن أبيه و يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قال أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) : إن هذه النجوم التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الأرض .


الحديث .


و فيه ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : « عذاب واصب»


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :126


أي دائم موجع قد وصل إلى قلوبهم .


و فيه ، عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في حديث المعراج : قال : فصعد جبرئيل و صعدت معه إلى سماء الدنيا و عليها ملك يقال له : إسماعيل و هو صاحب الخطفة التي قال الله عز و جل : «إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب» و تحته سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألف ملك .


الحديث .


أقول : و الروايات في هذا الباب كثيرة أوردنا بعضا منها في تفسير قوله تعالى : « إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين :» الحجر : - 18 و سيأتي بعضها في تفسير سورتي الملك و الجن إن شاء الله تعالى .


و في نهج البلاغة ، : ثم جمع سبحانه من حزن الأرض و سهلها و عذبها و سبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت و لاطها بالبلة حتى لزبت .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :127


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :128


بَلْ عَجِبْت وَ يَسخَرُونَ‏(12) وَ إِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ‏(13) وَ إِذَا رَأَوْا ءَايَةً يَستَسخِرُونَ‏(14) وَ قَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُّبِينٌ‏(15) أَ ءِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظماً أَ ءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ‏(16) أَ وَ ءَابَاؤُنَا الأَوَّلُونَ‏(17) قُلْ نَعَمْ وَ أَنتُمْ دَخِرُونَ‏(18) فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظرُونَ‏(19) وَ قَالُوا يَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ‏(20) هَذَا يَوْمُ الْفَصلِ الَّذِى كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ‏(21) × احْشرُوا الَّذِينَ ظلَمُوا وَ أَزْوَجَهُمْ وَ مَا كانُوا يَعْبُدُونَ‏(22) مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِرَطِ الجَْحِيمِ‏(23) وَ قِفُوهُمْإِنهُم مَّسئُولُونَ‏(24) مَا لَكمْ لا تَنَاصرُونَ‏(25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُستَسلِمُونَ‏(26) وَ أَقْبَلَ بَعْضهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ‏(27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ‏(28) قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏(29) وَ مَا كانَ لَنَا عَلَيْكم مِّن سلْطنِبَلْ كُنتُمْ قَوْماً طغِينَ‏(30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَاإِنَّا لَذَائقُونَ‏(31) فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَّا غَوِينَ‏(32) فَإِنهُمْ يَوْمَئذٍ فى الْعَذَابِ مُشترِكُونَ‏(33) إِنَّا كَذَلِك نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ‏(34) إِنهُمْ كانُوا إِذَا قِيلَ لهَُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَستَكْبرُونَ‏(35) وَ يَقُولُونَ أَ ئنَّا لَتَارِكُوا ءَالِهَتِنَا لِشاعِرٍ مجْنُونِ‏(36) بَلْ جَاءَ بِالحَْقّ‏ِ وَ صدَّقَ الْمُرْسلِينَ‏(37) إِنَّكمْ لَذَائقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ‏(38) وَ مَا تجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏(39) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏(40) أُولَئك لهَُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ‏(41) فَوَكِهُوَ هُم مُّكْرَمُونَ‏(42) فى جَنَّتِ النَّعِيمِ‏(43) عَلى سرُرٍ مُّتَقَبِلِينَ‏(44) يُطاف عَلَيهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينِ‏(45) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِّلشرِبِينَ‏(46) لا فِيهَا غَوْلٌ وَ لا هُمْ عَنهَا يُنزَفُونَ‏(47) وَ عِندَهُمْ قَصِرَت الطرْفِ عِينٌ‏(48) كَأَنهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ‏(49) فَأَقْبَلَ بَعْضهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ‏(50) قَالَ قَائلٌ مِّنهُمْ إِنى كانَ لى قَرِينٌ‏(51) يَقُولُ أَ ءِنَّك لَمِنَ الْمُصدِّقِينَ‏(52) أَ ءِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظماً أَ ءِنَّا لَمَدِينُونَ‏(53) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطلِعُونَ‏(54) فَاطلَعَ فَرَءَاهُ فى سوَاءِ الجَْحِيمِ‏(55) قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدت لَترْدِينِ‏(56) وَ لَوْ لا نِعْمَةُ رَبى لَكُنت مِنَ الْمُحْضرِينَ‏(57) أَ فَمَا نحْنُ بِمَيِّتِينَ‏(58) إِلا مَوْتَتَنَا الأُولى وَ مَا نحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏(59) إِنَّ هَذَا لهَُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏(60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ‏(61) أَ ذَلِك خَيرٌ نُّزُلاً أَمْ شجَرَةُ الزَّقُّومِ‏(62) إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةً لِّلظلِمِينَ‏(63) إِنَّهَا شجَرَةٌ تخْرُجُ فى أَصلِ الجَْحِيمِ‏(64) طلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوس الشيَطِينِ‏(65) فَإِنهُمْ لاَكلُونَ مِنهَا فَمَالِئُونَ مِنهَا الْبُطونَ‏(66) ثمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشوْباً مِّنْ حَمِيمٍ‏(67) ثمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لالى الجَْحِيمِ‏(68) إِنهُمْ أَلْفَوْا ءَابَاءَهُمْ ضالِّينَ‏(69) فَهُمْ عَلى ءَاثَرِهِمْ يهْرَعُونَ‏(70)



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :129


بيان


حكاية استهزائهم بآيات الله و بعض أقاويلهم المبنية على الكفر و إنكار المعاد و الرد عليهم بتقرير أمر البعث و ما يجري عليهم فيه من الشدة و ألوان العذاب و ما يكرم الله به عباده المخلصين من النعمة و الكرامة .


و فيها ذكر تخاصم أهل النار يوم القيامة ، و ذكر محادثة بين أهل الجنة و أخرى بين بعضهم و بعض أهل النار .


قوله تعالى : « بل عجبت و يسخرون و إذا ذكروا لا يذكرون» أي بل عجبت يا محمد من تكذيبهم إياك مع دعوتك إياهم إلى كلمة الحق ، و هم يسخرون و يهزءون من تعجبك منهم أو من دعائك إياهم إلى الحق ، و إذا ذكروا بآيات الله الدالة على التوحيد و دين الحق لا يذكرون و لا يتنبهون .


قوله تعالى : « و إذا رأوا آية يستسخرون» في مجمع البيان ، : سخر و استسخر بمعنى واحد .


انتهى .


و المعنى : و إذا رأوا هؤلاء المشركون أية معجزة من آيات الله المعجزة كالقرآن و شق القمر يستهزءون بها .


قوله تعالى : « و قالوا إن هذا إلا سحر مبين» في إشارتهم إلى الآية بلفظة هذا إشعار منهم أنهم لا يفقهون منها إلا أنها شي‏ء ما من غير زيادة و هو من أقوى الإهانة و الاستسخار .


قوله تعالى : « أ إذا متنا و كنا ترابا و عظاما أ إنا لمبعوثون أ و آباؤنا الأولون» إنكار منهم للبعث مبني على الاستبعاد فمن المستبعد عند الوهم أن يموت الإنسان فيتلاشى بدنه و يعود ترابا و عظاما ثم يعود إلى صورته الأولى .


و من الدليل على أن الكلام مسوق لإفادة الاستبعاد تكرارهم الاستفهام الإنكاري


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :130


بالنسبة إلى آبائهم الأولين فإن استبعاد الوهم لبعثهم و قد انمحت رسومهم و لم يبق منهم إلا أحاديث أشد و أقوى من استبعاده بعثهم أنفسهم .


و لو كان إنكارهم البعث مبنيا على أنهم ينعدمون بالموت فتستحيل إعادتهم كان الحكم فيهم و في آبائهم على نهج واحد و لم يحتج إلى تجديد استفهام بالنسبة إلى آبائهم .


قوله تعالى : « قل نعم و أنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون» أمر تعالى نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنيجيبهم بأنهم مبعوثون .


و قوله : « و أنتم داخرون» أي صاغرون مهانون أذلاء ، و هذا في الحقيقة احتجاج بعموم القدرة و نفوذ الإرادة من غير مهلة ، فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون و لذا عقبه بقوله : « فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون» و قد قال تعالى : « و لله غيب السماوات و الأرض و ما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شي‏ء قدير :» النحل - 77 .


و قوله : « فإنما هي زجرة واحدة» إلخ الفاء لإفادة التعليل و الجملة تعليل لقوله : « و أنتم داخرون» و في التعبير بزجرة إشعار باستذلالهم .


قوله تعالى : « و قالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون» معطوف على قوله : « ينظرون» المشعر بأنهم مبهوتون مدهوشون متفكرون ثم يتنبهون بكونه يوم البعث فيه الدين و الجزاء و هم يحذرون منه بما كفروا و كذبوا و لذا قالوا : يوم الدين ، و لم يقولوا يوم البعث ، و التعبير بالماضي لتحقق الوقوع .


و قوله : « هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون» قيل هو كلام بعضهم لبعض و قيل : كلام الملائكة أو كلامه تعالى لهم ، و يؤيده الآية التالية ، و الفصل هو التمييز بين الشيئين و سمي يوم الفصل لكونه يوم التمييز بين الحق و الباطل بقضائه و حكمه تعالى أو التمييز بين المجرمين و المتقين قال تعالى : « و امتازوا اليوم أيها المجرمون :» يس : - 59 .


قوله تعالى : « احشروا الذين ظلموا و أزواجهم و ما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم» من كلامه تعالى للملائكة و المعنى و قلنا للملائكة : احشروهم و قيل : هو من كلام الملائكة بعضهم لبعض .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :131


و الحشر - على ما ذكره الراغب - إخراج الجماعة عن مقرهم و إزعاجهم عنه إلى الحرب و نحوها .


و المراد بالذين ظلموا على ما يؤيده آخر الآية المشركون و لا كل المشركين بل المعاندون للحق الصادون عنه منهم قال تعالى : « فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا و هم بالآخرة كافرون :» الأعراف : - 45 44 ، و التعبير بالماضي في المقام يفيد فائدة الوصف فليس المراد بالذين ظلموا من تحقق منه ظلم ما و لو مرة واحدة بل تعريف لهم بحاصل ما اكتسبوا في حياتهم الدنيا كما لو قيل : ما ذا فعل فلان في حياته فيقال ظلم ، فالفعل يفيد فائدة الوصف ، و في كلامه تعالى من ذلك شي‏ء كثير كقوله تعالى : « و سيق الذين اتقوا إلى الجنة زمرا :» الزمر : - 73 : « و قوله و سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا :» الزمر : - 71 و قوله : « للذين أحسنوا الحسنى و زيادة :» يونس - 26 .


و قوله : « و أزواجهم» الظاهر أن المراد به قرناؤهم من الشياطين قال تعالى : « و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين - إلى أن قال - حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين :» الزخرف : - 38 .


و قيل : المراد بالأزواج الأشباه و النظائر فأصحاب الزنا يحشرون مع أصحاب الزنا و أصحاب الخمر مع أصحاب الخمر و هكذا .


و فيه أن لازمه أن يراد بالذين ظلموا طائفة خاصة من أصحاب كل معصية و اللفظ لا يساعد عليه على أن ذيل الآية لا يناسبه .


و قيل : المراد بالأزواج نساؤهم الكافرات و هو ضعيف كسابقه .


و قوله : « و ما كانوا يعبدون من دون الله» الظاهر أن المراد به الأصنام التي يعبدونها نظرا إلى ظاهر لفظة « ما» فالآية نظيرة قوله : « إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم :» الأنبياء : - 98 .


و يمكن أن يكون المراد بلفظة « ما» ما يعم أولي العقل من المعبودين كالفراعنة و النماردة ، و أما الملائكة المعبودون و المسيح (عليه‏السلام‏) فيخرجهم من العموم قوله


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :132


تعالى : « إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون :» الأنبياء : - 101 .


و قوله : « فاهدوهم إلى صراط الجحيم» الجحيم من أسماء جهنم في القرآن و هو من الجحمة بمعنى شدة تأجج النار على ما ذكره الراغب .


و المراد بهدايتهم إلى صراطها إيصالهم إليه و إيقاعهم فيه بالسوق ، و قيل : تسمية ذلك بالهداية من الاستهزاء ، و قال في مجمع البيان ، : إنما عبر عن ذلك بالهداية من حيث كان بدلا من الهداية إلى الجنة كقوله : « فبشرهم بعذاب أليم» من حيث إن هذه البشارة وقعت لهم بدلا من البشارة بالنعيم .


انتهى .


قوله تعالى : « و قفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون» قال في المجمع ، يقال : وقفت أنا و وقفت غيري - أي يعدى و لا يعدى - و بعض بني تميم يقول : أوقفت الدابة و الدار .


انتهى .


فقوله : « و قفوهم إنهم مسئولون» أي احبسوهم لأنهم مسئولون أي حتى يسأل عنهم .


و السياق يعطي أن هذا الأمر بالوقوف و السؤال إنما يقع في صراط الجحيم .


و اختلفت كلماتهم فيما هو السؤال عنه فقيل : يسألون عن قول لا إله إلا الله ، و قيل : عن شرب الماء البارد استهزاء بهم ، و قيل : عن ولاية علي (عليه‏السلام‏) .


و هذه الوجوه لو صحت فإنما تشير إلى مصاديق ما يسأل عنه و السياق يشهد أن السؤال هو ما يشتمل عليه قوله : « ما لكم لا تناصرون» أي لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم تفعلونه في الدنيا فتستعينون به على حوائجكم و مقاصدكم ، و ما يتلوه من قوله : « بل هم اليوم مستسلمون» أي مسلمون لا يستكبرون يدل على أن المراد بقوله : « ما لكم لا تناصرون» السؤال عن استكبارهم عن طاعة الحق كما كانوا يستكبرون في الدنيا .


فالسؤال عن عدم تناصرهم سؤال عن سبب الاستكبار الذي كانوا عليه في الدنيا فقد تبين به أن المسئول عنه هو كل حق أعرضوا عنه في الدنيا من اعتقاد حق أو عمل صالح استكبارا على الحق تظاهرا بالتناصر .


قوله تعالى : « و أقبل بعضهم على بعض يتساءلون - إلى قوله - إنا كنا غاوين» تخاصم واقع بين الأتباع و المتبوعين يوم القيامة ، و التعبير عنه بالتساؤل لأنه في معنى


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :133


سؤال بعضهم بعضا تلاوما و تعاتبا يقول التابعون لمتبوعيهم : لم أضللتمونا ؟ فيقول المتبوعون : لم قبلتم منا و لا سلطان لنا عليكم ؟ .


فقوله : « و أقبل بعضهم على بعض يتساءلون» البعض الأول هم المعترضون و البعضالثاني المعترض عليهم كما يعطيه سياق التساؤل و تساؤلهم تخاصمهم .


و قوله : « قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين» أي من جهة الخير و السعادة فاستعمال اليمين فيها شائع كثير كقوله : « و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين :» الواقعة : - 27 و المعنى أنكم كنتم تأتوننا من جهة الخير و السعادة فتقطعون الطريق و تحولون بيننا و بين الخير و السعادة و تضلوننا .


و قيل : المراد باليمين الدين و هو قريب من الوجه السابق ، و قيل : المراد باليمين القهر و القوة كما في قوله تعالى : « فراغ عليهم ضربا باليمين :» الصافات : - 93 و لا يخلو من وجه نظرا إلى جواب المتبوعين .


و قوله : « قالوا بل لم تكونوا مؤمنين و ما كان لنا عليكم من سلطان - إلى قوله - غاوين» جواب المتبوعين بتبرئة أنفسهم من إشقاء التابعين و أن جرمهم مستند إلى سوء اختيار أنفسهم .


فقالوا : بل لم تكونوا مؤمنين أي لم نكن نحن السبب الموجب لإجرامكم و هلاككم بخلوكم عن الإيمان بل لم تكونوا مؤمنين لا أنا جردناكم من الإيمان .


ثم قالوا : « و ما كان لنا عليكم من سلطان» و هو في معنى الجواب على فرض التسليم كأنه قيل : و لو فرض أنه كان لكم إيمان فما كان لنا عليكم من سلطان حتى نسلبه منكم و نجردكم منه .


على أن سلطان المتبوعين إنما هو بالتابعين فهم الذين يعطونهم السلطة و القوة فيتسلطون عليهم أنفسهم .


ثم قالوا : « بل كنتم قوما طاغين» و الطغيان هو التجاوز عن الحد و هو إضراب عن قوله : « لم تكونوا مؤمنين» كأنه قيل : و لم يكن سبب هلاككم مجرد الخلو من الإيمان بل كنتم قوما طاغين كما كنا مستكبرين طاغين فتعاضدنا جميعا على ترك سبيل الرشد و اتخاذ سبيل الغي فحق علينا كلمة العذاب التي قضى بها الله سبحانه قال تعالى :


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :134


«إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا : »النبأ : - 22 و قال : « فأما من طغى و آثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى :» النازعات : - 39 .


و لهذا المعنى عقب قوله : « بل كنتم قوما طاغين» بقوله : « فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون» أي لذائقون العذاب .


ثم قالوا : « فأغويناكم إنا كنا غاوين» و هو متفرع على ثبوت كلمة العذاب و آخر الأسباب لهلاكهم فإن الطغيان يستتبع الغواية ثم نار جهنم ، قال تعالى لإبليس « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين و إن جهنم لموعدهم أجمعين :» الحجر : - 43 .


فكأنه قيل : فلما تلبستم بالطغيان حل بكم الغواية بأيدينا من غير سلطان لنا عليكم إلا اتباعكم لنا و اتصالكم بنا فسرى إليكم ما فينا من الصفة و هي الغواية فالغاوي لا يتأتى منه إلا الغواية و الإناء لا يترشح منه إلا ما فيه ، و بالجملة إنكم لم تجبروا و لم تسلبوا الاختيار منذ بدأتم في سلوك سبيل الهلاك إلى أن وقعتم في ورطته و هي الغواية فحق عليكم القول .


قوله تعالى : « فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون - إلى قوله - يستكبرون» ضمير « فإنهم» للتابعين و المتبوعين فهم مشتركون في العذاب لاشتراكهم في الظلم و تعاونهم على الجرم من غير مزية لبعضهم على بعض .


و استظهر بعضهم أن المغوين أشد عذابا و ذلك في مقابلة أوزارهم و أوزار أمثال أوزارهم فالشركة لا تقتضي المساواة و الحق أن الآيات مسوقة لبيان اشتراكهم في الظلم و الجرم و العذاب اللاحق بهم من قبله ، و يمكن مع ذلك أن يلحق بكل من المتبوعين و التابعين ألوان من العذاب ناشئة عن خصوص شأنهم قال تعالى : « و ليحملن أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم :» العنكبوت : - 13 ، و قال : « ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف و لكن لا تعلمون :» الأعراف : - 38 .


و قوله : « إنا كذلك نفعل بالمجرمين» تأكيد لتحقيق العذاب ، و المراد بالمجرمين المشركون بدليل قوله بعد : « إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون» أي إذا


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :135


عرض عليهم التوحيد أن يؤمنوا به أو كلمة الإخلاص أن يقولوها استمروا على استكبارهم و لم يقبلوا .


قوله تعالى : « و يقولون أ إنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق و صدق المرسلين» قولهم هذا إنكار منهم للرسالة بعد استكبارهم عن التوحيد و إنكارهم له .


و قوله : « بل جاء بالحق و صدق المرسلين» رد لقولهم : « لشاعر مجنون» حيث رموه (عليه‏السلام‏) بالشعر و الجنون و فيه رمي لكتاب الله بكونه شعرا و من هفوات الجنون فرد عليهم بأن ما جاء به حق و فيه تصديق الرسل السابقين فليس بباطل من القول كالشعر و هفوة الجنون و ليس ببدع غير مسبوق في معناه .


قوله تعالى : « إنكم لذائقوا العذاب الأليم» تهديد لهم بالعذاب لاستكبارهم و رميهم الحق بالباطل .


قوله تعالى : « و ما تجزون إلا ما كنتم تعملون» أي لا ظلم فيه لأنه نفس عملكم يرد إليكم .


قوله تعالى : « إلا عباد الله المخلصين - إلى قوله - بيض مكنون» استثناء منقطع من ضمير « لذائقوا» أو من ضمير « ما تجزون» و لكل وجه و المعنى على الأوللكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم و ليسوا بذائقي العذاب الأليم و المعنى على الثاني لكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم وراء جزاء عملهم و سيجي‏ء الإشارة إلى معناه .


و احتمال كون الاستثناء متصلا ضعيف لا يخلو من تكلف .


و قد سماهم الله سبحانه عباد الله المخلصين فأثبت لهم عبودية نفسه و العبد هو الذي لا يملك لنفسه شيئا من إرادة و لا عمل فهؤلاء لا يريدون إلا ما أراده الله و لا يعملون إلا له .


ثم أثبت لهم أنهم مخلصون بفتح اللام أي إن الله تعالى أخلصهم لنفسه فلا يشاركه فيهم أحد فلا تعلق لهم بشي‏ء غيره تعالى من زينة الحياة الدنيا و لا من نعم العقبى و ليس في قلوبهم إلا الله سبحانه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :136


و من المعلوم أن من كانت هذه صفته كان التذاذه و تنعمه غير ما يلتذ و يتنعم غيره و ارتزاقه بغير ما يرتزق به سواه و إن شاركهم في ضروريات المأكل و المشرب و من هنا يتأيد أن المراد بقوله : « أولئك لهم رزق معلوم» الإشارة إلى أن رزقهم في الجنة - و هم عباد مخلصون - رزق خاص لا يشبه رزق غيرهم و لا يختلط بما يتمتع به من دونهم و إن اشتركا في الاسم .


فقوله : « أولئك لهم رزق معلوم» أي رزق خاص متعين ممتاز من رزق غيرهم فكونه معلوما كناية عن امتيازه كما في قوله : « و ما منا إلا له مقام معلوم :» الصافات : - 164 و الإشارة بلفظ البعيد للدلالة على علو مقامهم .


و أما ما فسره بعضهم أن المراد بكون رزقهم معلوما كونه معلوم الخصائص مثل كونه غير مقطوع و لا ممنوع حسن المنظر لذيذ الطعم طيب الرائحة ، و كذا ما ذكره آخرون أن المراد أنه معلوم الوقت لقوله : « و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا :» مريم : - 62 و كذا قول القائل : إن المراد به الجنة فهي وجوه غير سديدة .


و من هنا يظهر أن أخذ قوله : « إلا عباد الله المخلصين» استثناء من ضمير « و ما تجزون» لا يخلو من وجه كما تقدمت الإشارة إليه .


و قوله : « فواكه و هم مكرمون في جنات النعيم» الفواكه جمع فاكهة و هي ما يتفكه به من الأثمار بيان لرزقهم المعلوم غير أنه تعالى شفعه بقوله : « و هم مكرمون» للدلالة على امتياز هذا الرزق أعني الفاكهة مما عند غيرهم بأنها مقارنة لإكرام خاص يخصهم قبال اختصاصهم بالله سبحانه و كونه لهم لا يشاركهم فيه شي‏ء .


و في إضافة الجنات إلى النعيم إشارة إلى ذلك فقد تقدم في قوله : « فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم» الآية : النساء : - 69، و قوله : « و أتممت عليكم نعمتي :» المائدة : - 3 و غيرهما أن حقيقة النعمة هي الولاية و هي كونه تعالى هو القائم بأمر عبده .


و قوله : « على سرر متقابلين» السرر جمع سرير و هو معروف و كونهم متقابلين معناه استئناس بعضهم ببعض و استمتاعهم بنظر بعضهم في وجه بعض من غير أن يرى بعضهم قفا بعض .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :137


و قوله : « يطاف عليهم بكأس من معين» الكأس إناء الشراب و نقل عن كثير من اللغويين أن إناء الشراب لا يسمى كأسا إلا و فيه الشراب فإن خلا منه فهو قدح و المعين من الشراب الظاهر منه من عان الماء إذا ظهر و جرى على وجه الأرض ، و المراد بكون الكأس من معين صفاء الشراب فيها و لذا عقبه بقوله : « بيضاء» .


و قوله : « بيضاء لذة للشاربين» أي صافية في بياضها لذيذة للشاربين فاللذة مصدر أريد به الوصف مبالغة أو هي مؤنث لذ بمعنى لذيذ كما قيل .


و قوله : « لا فيها غول و لا هم عنها ينزفون» الغول الإضرار و الإفساد ، قال الراغب : الغول إهلاك الشي‏ء من حيث لا يحس به انتهى .


فنفي الغول عن الخمر نفي مضارها و الإنزاف فسر بالسكر المذهب للعقل و أصله إذهاب الشي‏ء تدريجا .


و محصل المعنى : أنه ليس فيها مضار الخمر التي في الدنيا و لا إسكارها بإذهاب العقل .


و قوله : « و عندهم قاصرات الطرف عين» وصف للحور التي يرزقونها و قصور طرفهن كناية عن نظرهن نظرة الغنج و الدلال و يؤيده ذكر العين بعده و هو جمع عيناء مؤنث أعين و هي الواسعة العين في جمال .


و قيل : المراد بقاصرات الطرف أنهن قصرن طرفهن على أزواجهن لا يردن غيرهم لحبهن لهم ، و بالعين أن أعينهن شديدة في سوادها شديدة في بياضها .


و قوله : « كأنهن بيض مكنون» البيض معروف و هو اسم جنس واحدته بيضة و المكنون هو المستور بالادخار قيل : المراد تشبيههن بالبيض الذي كنه الريش في العش أو غيره في غيره فلم تمسه الأيدي و لم يصبه الغبار ، و قيل : المراد تشبيههن ببطن البيض قبل أن يقشر و قبل أن تمسه الأيدي .


قوله تعالى : « فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون - إلى قوله - فليعمل العاملون» حكاية محادثة تقع بين أهل الجنة فيسأل بعضهم عن أحوال بعض و يحدث بعضهم بما جرى عليه في الدنيا و تنتهي المحادثة إلى تكليمهم بعض أهل النار و هو في سواء الجحيم .


فقوله : « فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» ضمير الجمع لأهل الجنة من عباد الله


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :138


المخلصين و تساؤلهم - كما تقدم - سؤال بعضهم عن بعض و ما جرى عليه .


و قوله : « قال قائل منهم إني كان لي قرين» أي قال قائل من أهل الجنة المتسائلين إني كان لي في الدنيا مصاحب يختص بي من الناس .


كذا يعطي السياق .


و قيل : المراد بالقرين القرين من الشياطين و فيه أن القرآن إنما يثبت قرناء الشياطين في المعرضين عن ذكر الله و المخلصون في عصمة إلهية من قرين الشياطين و كذا من تأثير الشيطان فيهم كما حكى عن إبليس استثناءهم من الإغواء : « فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين :» ص : - 83 نعم ربما أمكن أن يتعرض لهم الشيطانمن غير تأثير فيهم لكنه غير أثر القرين .


و قوله : « يقول أ إنك لمن المصدقين أ إذا متنا و كنا ترابا و عظاما أ إنا لمدينون» ضمير « يقول» للقرين ، و مفعول « المصدقين» البعث للجزاء و قد قام مقامه قوله : « أ إذا متنا» إلخ و المدينون المجزيون .


و المعنى : كأن يقول لي قريني مستبعدا منكرا أ إنك لمن المصدقين للبعث للجزاء أ إذا متنا و كنا ترابا و عظاما فتلاشت أبداننا و تغيرت صورها أ إنا لمجزيون بالإحياء و الإعادة ؟ فهذا مما لا ينبغي أن يصدق .


و قوله : « قال هل أنتم مطلعون» ضمير « قال» للقائل المذكور قبلا، و الاطلاع الإشراف و المعنى ثم قال القائل المذكور مخاطبا لمحادثيه من أهل الجنة : هل أنتم مشرفون على النار حتى تروا قريني و الحال التي هو فيها ؟ .


و قوله : « فاطلع فرآه في سواء الجحيم» السواء الوسط و منه سواء الطريق أي وسطه و المعنى فأشرف القائل المذكور على النار فرآه أي قرينه في وسط الجحيم .


و قوله : « قال تالله إن كدت لتردين» « إن» مخففة من الثقيلة ، و الإرداء السقوط من مكان عال كالشاهق و يكنى به عن الهلاك و المعنى أقسم بالله إنك قربت أن تهلكني و تسقطني فيما سقطت فيه من الجحيم .


و قوله : « و لو لا نعمة ربي لكنت من المحضرين» المراد بالنعمة التوفيق و الهداية


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :139


الإلهية ، و الإحضار الإشخاص للعذاب قال في مجمع البيان ، : و لا يستعمل « أحضر» مطلقا إلا في الشر .


و المعنى و لو لا توفيق ربي و هدايته لكنت من المحضرين للعذاب مثلك .


و قوله : « أ فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى و ما نحن بمعذبين» الاستفهام للتقرير و التعجيب ، و المراد بالموتة الأولى هي الموتة عن الحياة الدنيا و أما الموتة عن البرزخ المدلول عليها بقوله : « ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين :» المؤمن : - 11 فلم يعبأ بها لأن الموت الذي يزعم الزاعم فيه الفناء و البطلان هو الموت الدنيوي .


و المعنى - على ما في الكلام من الحذف و الإيجاز - ثم يرجع القائل المذكور إلى نفسه و أصحابه فيقول متعجبا أ نحن خالدون منعمون فما نحن بميتين إلا الموتة الأولى و ما نحن بمعذبين ؟ .


قال في مجمع البيان ، : و يريدون به التحقيق لا الشك و إنما قالوا هذا القول لأن لهم في ذلك سرورا مجددا و فرحا مضاعفا و إن كان قد عرفوا أنهم سيخلدون في الجنة و هذا كما أن الرجل يعطى المال الكثير فيقول مستعجبا : كل هذا المال لي ؟ و هو يعلم أنذلك له و هذا كقوله : أ بطحاء مكة هذا الذي .


أراه عيانا و هذا أنا ؟ .


قال : و لهذا عقبه بقوله : « إن هذا لهو الفوز العظيم» انتهى .


و قوله : « إن هذا لهو الفوز العظيم» هو من تمام قول القائل المذكور و فيه إعظام لموهبة الخلود و ارتفاع العذاب و شكر للنعمة .


و قوله : « لمثل هذا فليعمل العاملون» ظاهر السياق أنه من قول القائل المذكور و الإشارة بهذا إلى الفوز أو الثواب أي لمثل هذا الفوز أو الثواب فليعمل العاملون في دار التكليف ، و قيل : هو من قول الله سبحانه و قيل : من قول أهل الجنة .


و اعلم أن لهم أقوالا مختلفة في نسبة أكثر الجمل السابقة إلى قول الله تعالى أو قول الملائكة أو قول أهل الجنة غير القائل المذكور و الذي أوردناه هو الذي يساعد عليه السياق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :140


قوله تعالى : « أ ذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم - إلى قوله - يهرعون» مقايسة بين ما هيأه الله نزلا لأهل الجنة مما وصفه من الرزق الكريم و بين ما أعده نزلا لأهل النار من شجرة الزقوم التي طلعها كأنه رءوس الشياطين و شراب من حميم .


فقوله : « أ ذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم» الإشارة بذلك إلى الرزق الكريم المذكورة سابقاالمعد لورود أهل الجنة و النزل بضمتين ما يهيأ لورود الضيف فيقدم إليه إذا ورد من الفواكه و نحوها .


و الزقوم - على ما قيل - اسم شجرة صغيرة الورق مرة كريهة الرائحة ذات لبن إذا أصاب جسد إنسان تورم تكون في تهامة و البلاد المجدبة المجاورة للصحراء سميت به الشجرة الموصوفة بما في الآية من الأوصاف ، و قيل : إن قريشا ما كانت تعرفه و سيأتي ذلك في البحث الروائي .


و لفظة خير في الآية بمعنى الوصف دون التفضيل إذ لا خيرية في الزقوم أصلا فهو كقوله : « ما عند الله خير من اللهو :» الجمعة : - 11 و الآية على ما يعطيه السياقمن كلامه تعالى .


و قوله : « إنا جعلناها فتنة للظالمين» الضمير لشجرة الزقوم ، و الفتنة المحنة و العذاب .


و قوله : « إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم» وصف لشجرة الزقوم ، و أصل الجحيم قعرها ، و لا عجب في نبات شجرة في النار و بقائها فيها فحياة الإنسان و بقاؤه خالدا فيها أعجب و الله يفعل ما يشاء .


و قوله : « طلعها كأنه رءوس الشياطين» الطلع حمل النخلة أو مطلق الشجرة أول ما يبدو ، و تشبيه ثمرة الزقوم برءوس الشياطين بعناية أن الأوهام العامية تصور الشيطان في أقبح صورة كما تصور الملك في أحسن صورة و أجملها قال تعالى : « ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم :» يوسف : - 31 ، و بذلك يندفع ما قيل : إن الشي‏ء إنما يشبه بما يعرف و لا معرفة لأحد برءوس الشياطين .


و قوله : « فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون» الفاء للتعليل يبين به كونها نزلا للظالمين يأكلون منها ، و في قوله : « فمالئون منها البطون» إشارة إلى تسلط جوع


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :141


شديد عليهم يحرصون به على الأكل كيفما كان .


و قوله : « ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم» الشوب المزيج و الخليط ، و الحميم الماء الحار البالغ في حرارته ، و المعنى ثم إن لأولئك الظالمين - زيادة عليها - لخليطا مزيجا من ماء حار بالغ الحرارة يشربونه فيختلط به ما ملئوا منه البطون من الزقوم .


و قوله : « ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم» أي إنهم بعد شرب الحميم يرجعون إلى الجحيم فيستقرون فيها و يعذبون ، و في الآية تلويح إلى أن الحميم خارج الجحيم .


و قوله : « إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون» ألفيت كذا أي وجدته و صادفته ، و الإهراع الإسراع و المعنى أن سبب أكلهم و شربهم ثم رجوعهم إلى الجحيم أنهم صادفوا آباءهم ضالين - و هم مقلدون و أتباع لهم و هم أصلهم و مرجعهم - فهم يسرعون على آثارهم فجوزوا بنزل كذلك و الرجوع إلى الجحيم جزاء وفاقا .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر عن ابن جريح : في قوله تعالى : « بل عجبت» قال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : عجبت بالقرآن حين أنزل و يسخر منه ضلال بني آدم .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « احشروا الذين ظلموا» قال : الذين ظلموا آل محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حقهم « و أزواجهم» قال : أشباههم .


أقول : صدر الرواية من الجري .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و قفوهم إنهم مسئولون» قيل : عن ولاية علي(عليه‏السلام‏) عن أبي سعيد الخدري : . أقول : و رواه الشيخ في الأمالي ، بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و في العيون ، عن علي و عن الرضا (عليه‏السلام‏) عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و في تفسير القمي ، عن الإمام (عليه‏السلام‏) .


و في الخصال ، عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لا تزول قدم


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :142


عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، و شبابه فيما أبلاه ، و عن ماله من أين كسبه و فيما أنفقه ، و عن حبنا أهل البيت : . أقول : و روي في العلل عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مثله .


و في نهج البلاغة ، : اتقوا الله في عباده و بلاده فإنكم مسئولون حتى عن البقاع و البهائم .


و في الدر المنثور ، أخرج البخاري في تأريخه و الترمذي و الدارمي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الحاكم و ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ما من داع دعا إلى شي‏ء إلا كان موقوفا يوم القيامة لازما به لا يفارقه و إن دعا رجل رجلا ثم قرأ « و قفوهم إنهم مسئولون» .


و في روضة الكافي ، بإسناده عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في حديث : و أما قوله : « أولئك لهم رزق معلوم» قال : يعلمه 1 الخدام فيأتون به إلى أولياء الله قبل أن يسألوهم إياه . أما قوله : « فواكه و هم مكرمون» قال : فإنهم لا يشتهون شيئا في الجنة إلا أكرموا به .


و في تفسير القمي ، و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : « فاطلع فرآه في سواء الجحيم» يقول : في وسط الجحيم .


و فيه ، : في قوله تعالى : « أ فما نحن بميتين» : إلخ بإسناده عن أبيه عن علي بن مهزيار و الحسن بن محبوب عن النضر بن سويد عن درست عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة و أهل النار النار جي‏ء بالموت و يذبح كالكبش بين الجنة و النار ثم يقال : خلود فلا موت أبدا فيقول أهل الجنة : « أ فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى و ما نحن بمعذبين - إن هذا لهو الفوز العظيم - لمثل هذا فليعمل العاملون» .


أقول : و حديث ذبح الموت في صورة كبش يوم القيامة من المشهورات رواه الشيعة و أهل السنة ، و هو تمثل الخلود يومئذ .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « شجرة الزقوم» روي أن قريشالما سمعت هذه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :143


الآية قالت : ما نعرف هذه الشجرة قال ابن الزبعري : الزقوم بكلام البربر التمر و الزبد و في رواية بلغة اليمن فقال أبو جهل لجاريته : يا جارية زقمينا فأتته الجارية بتمر و زبد فقال لأصحابه : تزقموا بهذا الذي يخوفكم به محمد فيزعم أن النار تنبت الشجر و النار تحرق الشجر فأنزل الله سبحانه « إنا جعلناها فتنة للظالمين» .


أقول : و هذا المعنى مروي بطرق عديدة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :144


وَ لَقَدْ ضلَّ قَبْلَهُمْ أَكثرُ الأَوَّلِينَ‏(71) وَلَقَدْ أَرْسلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ‏(72) فَانظرْ كيْف كانَ عَقِبَةُ الْمُنذَرِينَ‏(73) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏(74) وَ لَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ‏(75) وَ نجَّيْنَهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ‏(76) وَ جَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ‏(77) وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فى الاَخِرِينَ‏(78) سلَمٌ عَلى نُوحٍ فى الْعَلَمِينَ‏(79) إِنَّا كَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ‏(80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ‏(81) ثمَّ أَغْرَقْنَا الاَخَرِينَ‏(82) × وَ إِنَّ مِن شِيعَتِهِ لابْرَهِيمَ‏(83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سلِيمٍ‏(84) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا ذَا تَعْبُدُونَ‏(85) أَ ئفْكاً ءَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ‏(86) فَمَا ظنُّكم بِرَب الْعَلَمِينَ‏(87) فَنَظرَ نَظرَةً فى النُّجُومِ‏(88) فَقَالَ إِنى سقِيمٌ‏(89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ‏(90) فَرَاغَ إِلى ءَالِهَتهِمْ فَقَالَ أَ لا تَأْكلُونَ‏(91) مَا لَكمْ لا تَنطِقُونَ‏(92) فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضرْبَا بِالْيَمِينِ‏(93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ‏(94) قَالَ أَ تَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ‏(95) وَ اللَّهُ خَلَقَكمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ‏(96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَناً فَأَلْقُوهُ فى الجَْحِيمِ‏(97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فجَعَلْنَهُمُ الأَسفَلِينَ‏(98) وَ قَالَ إِنى ذَاهِبٌ إِلى رَبى سيهْدِينِ‏(99) رَب هَب لى مِنَ الصلِحِينَ‏(100) فَبَشرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ‏(101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعْىَ قَالَ يَبُنىَّ إِنى أَرَى فى الْمَنَامِ أَنى أَذْبحُك فَانظرْ مَا ذَا تَرَىقَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُستَجِدُنى إِن شاءَ اللَّهُ مِنَ الصبرِينَ‏(102) فَلَمَّا أَسلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ‏(103) وَ نَدَيْنَهُ أَن يَإِبْرَهِيمُ‏(104) قَدْ صدَّقْت الرُّءْيَاإِنَّا كَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ‏(105) إِنَّ هَذَا لهَُوَ الْبَلَؤُا الْمُبِينُ‏(106) وَ فَدَيْنَهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ‏(107) وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فى الاَخِرِينَ‏(108) سلَمٌ عَلى إِبْرَهِيمَ‏(109) كَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ‏(110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ‏(111) وَ بَشرْنَهُ بِإِسحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصلِحِينَ‏(112) وَ بَرَكْنَا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسحَقَ وَ مِن ذُرِّيَّتِهِمَا محْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ‏(113)



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :145


بيان


تعقيب لغرض السياق السابق المتعرض لشركهم و تكذيبهم بآيات الله و تهديدهم بأليم العذاب يقول : إن أكثر الأولين ضلوا كضلالهم و كذبوا الرسل المنذرين كتكذيبهم و يستشهد بقصص نوح و إبراهيم و موسى و هارون و إلياس و لوط و يونس (عليهماالسلام‏) و ما في الآيات المنقولة إشارة إلى قصة نوح و خلاصة قصص إبراهيم (عليه‏السلام‏) .


قوله تعالى : « و لقد ضل قبلهم أكثر الأولين - إلى قوله - المخلصين» كلام مسوق لإنذار مشركي هذه الأمة بتنظيرهم للأمم الهالكين من قبلهم فقد ضل أكثرهم كما ضل هؤلاء و أرسل إليهم رسل منذرون كما أرسل منذر إلى هؤلاء فكذبوا فكان عاقبة أمرهم الهلاك إلا المخلصين منهم .


و اللام في « لقد ضل» للقسم و كذا في « لقد أرسلنا» و المنذرين الأول بكسر الذال المعجمة و هم الرسل و الثاني بفتح الذال المعجمة و هم الأمم الأولون ، و « إلا عباد الله» إن كان المراد بهم من في الأمم من المخلصين كان استثناء متصلا و إن عم الأنبياء كان منقطعا إلا بتغليبه غير الأنبياء عليهم و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « و لقد نادانا نوح فلنعم المجيبون» اللامان للقسم و هو يدل على كمال العناية بنداء نوح و إجابته تعالى ، و قد مدح تعالى نفسه في إجابته فإن التقدير فلنعم المجيبون نحن ، و جمع المجيب لإفادة التعظيم و قد كان نداء نوح - على ما يفيده السياق - دعاءه على قومه و استغاثته بربه المنقولين في قوله تعالى : « و قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا :» نوح : - 26 ، و في قوله تعالى : « فدعا ربه أني مغلوب فانتصر :» القمر : - 10 .


قوله تعالى : « و نجيناه و أهله من الكرب العظيم» الكرب - على ما ذكره الراغب - الغم الشديد و المراد به الطوفان أو أذى قومه ، و المراد بأهله أهل بيته و المؤمنون به من قومه و قد قال تعالى في سورة هود : « قلنا احمل فيها من كل زوجين


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :146


اثنين و أهلك إلا من سبق عليه القول و من آمن :» هود : - 40 و الأهل كما يطلق على زوج الرجل و بنيه يطلق على كل من هو من خاصته .


قوله تعالى : « و جعلنا ذريته هم الباقين» أي الباقين من الناس بعد قرنهم و قد بحثنا في هذا المعنى في قصة نوح من سورة هود .


قوله تعالى : « و تركنا عليه في الآخرين» المراد بالترك الإبقاء و بالآخرين الأمم الغابرة غير الأولين ، و قد ذكرت هذه الجملة بعد ذكر إبراهيم (عليه‏السلام‏)أيضا في هذه السورة و قد بدلت في القصة بعينها من سورة الشعراء من قوله : « و اجعل لي لسان صدق في الآخرين :» الشعراء : - 84 و استفدنا منه هناك أن المراد بلسان صدق كذلك أن يبعث الله بعده من يقوم بدعوته و يدعو إلى ملته و هي دين التوحيد .


فيتأيد بذلك أن المراد بالإبقاء في الآخرين هو إحياؤه تعالى دعوة نوح (عليه‏السلام‏) إلى التوحيد و مجاهدته في سبيل الله عصرا بعد عصر و جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة .


قوله تعالى : « سلام على نوح في العالمين » المراد بالعالمين جميعها لكونه جمعا محلى باللام مفيدا للعموم ، و الظاهر أن المراد به عالمو البشر و أممهم و جماعاتهم إلى يوم القيامة فإنه تحية من عند الله مباركة طيبة تهدى إليه من قبل الأمم الإنسانية ما جرى فيها شي‏ء من الخيرات اعتقادا أو عملا فإنه (عليه‏السلام‏) أول من انتهض لدعوة التوحيد و دحض الشرك و ما يتبعه من العمل و قاسى في ذلك أشد المحنة فيما يقرب من ألف سنة لا يشاركه في ذلك أحد فله نصيب من كل خير واقع بينهم إلى يوم القيامة ، و لا يوجد في كلامه تعالى سلام على هذه السعة على أحد ممن دونه .


و قيل : المراد بالعالمين عوالم الملائكة و الثقلين من الجن و الإنس .


قوله تعالى : « إنا كذلك نجزي المحسنين تعليل لما امتن عليه من الكرامة كإجابة ندائه و تنجيته و أهله من الكرب العظيم و إبقاء ذريته و تركه عليه في الآخرين و السلام عليه في العالمين ، و تشبيه جزائه بجزاء عموم المحسنين من حيث أصل الجزاء الحسن لا في خصوصياته فلا يوجب ذلك اشتراك الجميع فيما اختص به (عليه‏السلام‏) و هو ظاهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :147


قوله تعالى : « إنه من عبادنا المؤمنين» تعليل لإحسانه المدلول عليه بالجملة السابقة و ذلك لأنه (عليه‏السلام‏) لكونه عبدا لله بحقيقة معنى الكلمة كان لا يريد و لا يفعل إلا ما يريده الله ، و لكونه من المؤمنين حقا كان لا يرى من الاعتقاد إلا الحق و سرى ذلك إلى جميع أركان وجوده و من كان كذلك لا يصدر منه إلا الحسن الجميل فكان من المحسنين .


قوله تعالى : « ثم أغرقنا الآخرين» ثم للتراخي الكلامي دون الزماني و المراد بالآخرين قومه المشركون .


قوله تعالى : « و إن من شيعته لإبراهيم» الشيعة هم القوم المشايعون لغيرهم الذاهبون على أثرهم و بالجملة كل من وافق غيره في طريقته فهو من شيعته تقدم أو تأخر قال تعالى : « و حيل بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل :» سبأ : - 54 .


و ظاهر السياق أن ضمير « شيعته» لنوح أي إن إبراهيم كان ممن يوافقه في دينه و هو دين التوحيد ، و قيل : الضمير لمحمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لا دليل عليه من جهة اللفظ .


قيل : و من حسن الإرداف في نظم الآيات تعقيب قصة نوح (عليه‏السلام‏) و هو آدم الثاني أبو البشر بقصة إبراهيم (عليه‏السلام‏) و هو أبو الأنبياء إليه تنتهي أنساب جل الأنبياء بعده و على دينه تعتمد أديان التوحيد الحية اليوم كدين موسى و عيسى و محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و أيضا نوح (عليه‏السلام‏) نجاه الله من الغرق و إبراهيم (عليه‏السلام‏) نجاه الله من الحرق .


قوله تعالى : « إذ جاء ربه بقلب سليم» مجيئه ربه كناية عن تصديقه له و إيمانه به ، و يؤيد ذلك أن المراد بسلامة القلب عروه عن كل ما يضر التصديق و الإيمان بالله سبحانه من الشرك الجلي و الخفي و مساوى‏ء الأخلاق و آثار المعاصي و أي تعلق بغيره ينجذب إليه الإنسان و يختل به صفاء توجهه إليه سبحانه .


و بذلك يظهر أن المراد بالقلب السليم ما لا تعلق له بغيره تعالى كما في الحديث و سيجي‏ء إن شاء الله في البحث الروائي الآتي .


و قيل : المراد به السالم من الشرك ، و يمكن أن يوجه بما يرجع إلى الأول و قيل : المراد به القلب الحزين ، و هو كما ترى .


و الظرف في الآية متعلق بقوله سابقا « من شيعته» و الظروف يغتفر فيها ما لا


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :148


يغتفر في غيرها ، و قيل متعلق باذكر المقدر .


قوله تعالى : « إذ قال لأبيه و قومه ما ذا تعبدون» أي أي شي‏ء تعبدون ؟ و إنما سألهم عن معبودهم و هو يرى أنهم يعبدون الأصنام تعجبا و استغرابا .


قوله تعالى : « أ إفكا آلهة دون الله تريدون» أي تقصدون آلهة دون الله إفكا و افتراء ، إنما قدم الإفك و الآلهة لتعلق عنايته بذلك .


قوله تعالى : «فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم» لا شك أن ظاهر الآيتين أن إخباره (عليه‏السلام‏) بأنه سقيم مرتبط بنظرته في النجوم و مبني عليه و نظرته في النجوم إما لتشخيص الساعة و خصوص الوقت كمن به حمى ذات نوبة يعين وقتها بطلوع كوكب أو غروبها أو وضع خاص من النجوم و إما للوقوف على الحوادث المستقبلة التي كان المنجمون يرون أن الأوضاع الفلكية تدل عليها ، و قد كان الصابئون مبالغين فيها و كان في عهده (عليه‏السلام‏) منهم جم غفير .


فعلى الوجه الأول لما أراد أهل المدينة أن يخرجوا كافة إلى عيد لهم نظر إلى النجوم و أخبرهم أنهسقيم ستعتريه العلة فلا يقدر على الخروج معهم .


و على الوجه الثاني نظر (عليه‏السلام‏) حينذاك إلى النجوم نظرة المنجمين فأخبرهم أنها تدل على أنه سيسقم فليس في وسعه الخروج معهم .


و أول الوجهين أنسب لحاله (عليه‏السلام‏) و هو في إخلاص التوحيد بحيث لا يرى لغيره تعالى تأثيرا ، و لا دليل لنا قويا يدل على أنه (عليه‏السلام‏) لم يكن به في تلك الأيام سقم أصلا ، و قد أخبر القرآن بإخباره بأنه سقيم و ذكر سبحانه قبيل ذلك أنه جاء ربه بقلب سليم فلا يجوز عليه كذب و لا لغو من القول .


و لهم في الآيتين وجوه أخر أوجهها أن نظرته في النجوم و إخباره بالسقم من المعاريض في الكلام و المعاريض أن يقول الرجل شيئا يقصد به غيره و يفهم منه غير ما يقصده فلعله نظر (عليه‏السلام‏) في النجوم نظر الموحد في صنعه تعالى يستدل به عليه تعالى و على وحدانيته و هم يحسبون أنه ينظر إليها نظر المنجم فيها ليستدل بها على الحوادث ثم قال : إني سقيم يريد أنه سيعتريه سقم فإن الإنسان لا يخلو في حياته من سقم ما و مرض ما


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :149


كما قال : « و إذا مرضت فهو يشفين :» الشعراء : - 80 و هم يحسبون أنه يخبر عن سقمه يوم يخرجون فيه لعيد لهم ، و المرجح عنده لجميع ذلك ما كان يهتم به من الرواغ إلى أصنامهم و كسرها .


لكن هذا الوجه مبني على أنه كان صحيحا غير سقيم يومئذ ، و قد سمعت أن لا دليل يدل عليه .


على أن المعاريض غير جائزة على الأنبياء لارتفاع الوثوق بذلك عن قولهم .


قوله تعالى : « فتولوا عنه مدبرين» ضمير الجمع للقوم و ضمير الإفراد لإبراهيم (عليه‏السلام‏) أي خرجوا من المدينة و خلفوه .


قوله تعالى : « فراغ إلى آلهتهم فقال أ لا تأكلون ما لكم لا تنطقون» الروغ و الرواغ و الروغان الحياد و الميل ، و قيل أصله الميل في جانب ليخدع من يريده .


و في قوله : « أ لا تأكلون» ؟ تأييد لما ذكروا أن المشركين كانوا يضعون أيام أعيادهم طعاما عند آلهتهم .


و قوله : « أ لا تأكلون ؟ ما لكم لا تنطقون» ؟ تكليم منه لآلهتهم و هي جماد و هو يعلم أنها جماد لا تأكل و لا تنطق لكن الوجد و شدة الغيظ حمله على أن يمثل موقفها موقف العقلاء ثم يؤاخذها مؤاخذة العقلاء كما يفعل بالمجرمين .


فنظر إليها و هي ذوات أبدان كهيئة من يتغذى و يأكل و عندها شي‏ء من الطعام فامتلأ غيظا و جاش وجدا فقال : أ لا تأكلون ؟ فلم يسمع منها جوابا فقال : « ما لكم لا تنطقون» ؟ و أنتم آلهة يزعم عبادكم أنكم عقلاء قادرون مدبرون لأمورهم فلما لم يسمع لها حسا راغ عليها ضربا باليمين .


قوله تعالى : « فراغ عليهم ضربا باليمين» أي تفرع على ذاك الخطاب أن مال على آلهتهم يضربهم ضربا باليد اليمنى أو بقوة بناء على كون المراد باليمين القوة .


و قول بعضهم : إن المراد باليمين القسم و المعنى مال عليهم ضربا بسبب القسم الذي سبق منه و هو قوله : « تالله لأكيدن أصنامكم :» الأنبياء : - 57 بعيد .


قوله تعالى : « فأقبلوا إليه يزفون» الزف و الزفيف الإسراع في المشي أي فجاءوا


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :150


إلى إبراهيم و الحال أنهم يسرعون اهتماما بالحادثة التي يظنون أنه الذي أحدثها .


و في الكلام إيجاز و حذف من خبر رجوعهم إلى المدينة و وقوفهم على ما فعل بالأصنام و تحقيقهم الأمر و ظنهم به (عليه‏السلام‏) مذكور في سورة الأنبياء .


قوله تعالى : « قال أ تعبدون ما تنحتون و الله خلقكم و ما تعملون» فيه إيجاز و حذف من حديث القبض عليه و الإتيان به على أعين الناس و مسألته و غيرها .


و الاستفهام للتوبيخ و فيه مع ذلك احتجاج على بطلان طريقتهم فهو يقول : لا يصلح ما نحته الإنسان بيده أن يكون ربا للإنسان معبودا له و اللهسبحانه خلق الإنسان و ما يعمله و الخلق لا ينفك عن التدبير فهو رب الإنسان و من السفه أن يترك هذا و يعبد ذاك .


و قد بان بذلك أن الأظهر كون ما في قوله : « ما تنحتون» موصولة و التقدير ما تنحتونه ، و كذا في قوله : « و ما تعملون» و جوز بعضهم كون « ما» فيها مصدرية و هو في أولهما بعيد جدا .


و لا ضير في نسبة الخلق إلى ما عمله الإنسان أو إلى عمله لأن ما يريده الإنسان و يعمله من طريق اختياره مراد الله سبحانه من طريق إرادة الإنسان و اختياره و لا يوجب هذا النوع من تعلق الإرادة بالفعل بطلان تأثير إرادة الإنسان و خروج الفعل عن الاختيار و صيرورته مجبرا عليه ، و هو ظاهر .


و لو كان المراد نسبة خلق أعمالهم إلى الله سبحانه بلا واسطة لا من طريق إرادتهم بل بتعلق إرادته بنفس عملهم و أفاد الجبر لكان القول أقرب إلى أن يكون عذرا لهم من أن يكون توبيخا و تقبيحا ، و كانت الحجة لهم لا عليهم .


قوله تعالى : « قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم» البنيان مصدر بنى يبني و المراد به المبني ، و الجحيم النار في شدة تأججها .


قوله تعالى : « فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين» الكيد الحيلة و المراد احتيالهم إلى إهلاكه و إحراقه بالنار .


و قوله : « فجعلناهم الأسفلين» كناية عن جعل إبراهيم فوقهم لا يؤثر فيه كيدهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :151


شيئا إذ قال سبحانه : « يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم :» الأنبياء : - 69 .


و قد اختتم بهذا فصل من قصص إبراهيم (عليه‏السلام‏) و هو انتهاضه أولا على عبادة الأوثان و اختصامه لعبادها و انتهاء أمره إلى إلقائه النار و إبطاله تعالى كيدهم .


قوله تعالى : « و قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين» فصل آخر من قصصه (عليه‏السلام‏) يذكر عزمه على المهاجرة من بين قومه و استيهابه من الله ولدا صالحا و إجابته إلى ذلك و قصة ذبحه و نزول الفداء .


فقوله : « و قال إني ذاهب إلى ربي» إلخ كالإنجاز لما وعدهم به مخاطبا لآزر : « و أعتزلكم و ما تدعون من دون الله و أدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا :» مريم : - 48 و منه يعلم أن مراده بالذهاب إلى ربه الذهاب إلى مكان يتجرد فيه لعبادته تعالى و دعائه و هو الأرض المقدسة .


و قول بعضهم : إن المراد أذهب إلى حيث أمرني ربي لا شاهد عليه .


و كذا قول بعضهم : إن المراد أني ذاهب إلى لقاء ربي حيث يلقونني في النار فأموت و ألقى ربي سيهديني إلى الجنة .


و فيه - كما قيل - إن ذيل الآية لا يناسبه و هو قوله : « رب هب لي من الصالحين» و كذا قوله بعده : « فبشرناه بغلام حليم» .


قوله تعالى : « رب هب لي من الصالحين» حكاية دعاء إبراهيم (عليه‏السلام‏) و مسألته الولد أي قال : رب هب لي « إلخ» و قد قيده بكونه من الصالحين .


قوله تعالى : « فبشرناه بغلام حليم» أي فبشرناه أنا سنرزقه غلاما حليما و فيه إشارة إلى أنه يكون ذكرا و يبلغ حد الغلمان ، و أخذ الغلومة في وصفه مع أنه بلغ مبلغ الرجال للإشارة إلى حاله التي يظهر فيها صفة كماله و صفاء ذاته و هو حلمه الذي مكنه من الصبر في ذات الله إذ قال : « يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين» .


و لم يوصف في القرآن من الأنبياء بالحلم إلا هذا النبي الكريم في هذه الآية و أبوه في قوله تعالى : « إن إبراهيم لحليم أواه منيب :» هود : - 75 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :152


قوله تعالى : « فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى» إلخ الفاء في أول الآية فصيحة تدل على محذوف و التقدير فلما ولد له و نشأ و بلغ معه السعي ، و المراد ببلوغ السعي بلوغه من العمر مبلغا يسعى فيه لحوائج الحياة عادة و هوسن الرهاق ، و المعنى فلما راهق الغلام قال له يا بني « إلخ» .


و قوله : « قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك» هي رؤيا إبراهيم ذبح ابنه ، و قوله : « إني أرى» يدل على تكرر هذه الرؤيا له كما في قوله : « و قال الملك إني أرى» إلخ : يوسف : - 33 .


و قوله : « فانظر ما ذا ترى» هو من الرأي بمعنى الاعتقاد أي فتفكر فيما قلت و عين ما هو رأيك فيه ، و هذه الجملة دليل على أن إبراهيم (عليه‏السلام‏) فهم من منامه أنه أمر له بالذبح مثل له في مثال نتيجة الأمر و لذا طلب من ابنه الرأي فيه و هو يختبره بما ذا يجيبه ؟ .


و قوله : « قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين» جواب ابنه ، و قوله : « يا أبت افعل ما تؤمر» إظهار رضا بالذبح في صورة الأمر و قد قال : افعل ما تؤمر و لم يقل اذبحني إشارة إلى أن أباه مأمور بأمر ليس له إلا ائتماره و طاعته .


و قوله : « ستجدني إن شاء الله من الصابرين» تطييب منه لنفس أبيه أنه لا يجزع منه و لا يأتي بما يهيج وجد الوالد عن ولده المزمل بدمائه ، و قد زاد في كلامه صفاء على صفاء إذ قيد وعده بالصبر بقوله : « إن شاء الله» فأشار إلى أن اتصافه بهذه الصفة الكريمة أعني الصبر ليس له من نفسه و لا أن زمامه بيده بل هو من مواهب الله و مننه إن يشأ تلبس به و له أن لا يشاء فينزعه منه .


قوله تعالى : « فلما أسلما و تله للجبين» الإسلام الرضا و الاستسلام : و التل الصرع و الجبين أحد جانبي الجبهة و اللام في « للجبين» لبيان ما وقع عليه الصراع كقوله : « يخرون للأذقان سجدا :» الإسراء : - 107 ، و المعنى فلما استسلما إبراهيم و ابنه لأمر الله و رضيا به و صرعه إبراهيم على جبينه .


و جواب لما محذوف إيماء إلى شدة المصيبة و مرارة الواقعة .


قوله تعالى : « و ناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا» معطوفعلى جواب


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :153


لما المحذوف ، و قوله : « قد صدقت الرؤيا» أي أوردتها مورد الصدق و جعلتها صادقة و امتثلت الأمر الذي أمرناك فيها أي إن الأمر فيها كان امتحانيا يكفي في امتثاله تهيؤ المأمور للفعل و إشرافه عليه فحسب .


قوله تعالى : « إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين» الإشارة بكذلك إلى قصة الذبح بما أنها محنة شاقة و ابتلاء شديد و الإشارة بهذا إليها أيضا و هو تعليل لشدة الأمر .


و المعنى : إنا على هذه الوتيرة نجزي المحسنين فنمتحنهم امتحانات شاقة صورة هينة معنى فإذا أتموا الابتلاء جزيناهم أحسن الجزاء في الدنيا و الآخرة ، و ذلك لأن الذي ابتلينا به إبراهيم لهو البلاء المبين .


قوله تعالى : « و فديناه بذبح عظيم» أي و فدينا ابنه بذبح عظيم و كان كبشا أتى به جبرئيل من عند الله سبحانه فداء على ما في الأخبار ، و المراد بعظمة الذبح عظمة شأنه بكونه من عند الله سبحانه و هو الذي فدى به الذبيح .


قوله تعالى : « و تركنا عليه في الآخرين» تقدم الكلام فيه .


قوله تعالى : « سلام على إبراهيم» تحية منه تعالى عليه ، و في تنكير سلام تفخيم له .


قوله تعالى : « كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين» تقدم تفسير الآيتين .


قوله تعالى : « و بشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين» الضمير لإبراهيم (عليه‏السلام‏) .


و اعلم أن هذه الآية المتضمنة للبشرى بإسحاق بوقوعها بعد البشرى السابقة بقوله : « فبشرناه بغلام حليم» المتعقبة بقوله : « فلما بلغ معه السعي» إلى آخر القصة ظاهرة كالصريحة أو هي صريحة في أن الذبيح غير إسحاق و هو إسماعيل (عليه‏السلام‏) و قد فصلنا القول في ذلك في قصص إبراهيم (عليه‏السلام‏) من سورة الأنعام .


قوله تعالى : « و باركنا عليه و على إسحاق و من ذريتهما محسن و ظالم لنفسه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :154


مبين» المباركة على شي‏ء جعل الخير و النماء و الثبات فيه أي و جعلنا فيما أعطينا إبراهيم و إسحاق الخير الثابت و النماء .


و يمكن أن يكون قوله : « و من ذريتهما» إلخ قرينة على أن المراد بقوله : « باركنا» إعطاء البركة و الكثرة في أولاده و أولاد إسحاق ، و الباقي ظاهر .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « بقلب سليم» قال : القلب السليم الذي يلقى الله عز و جل و ليس فيه أحد سواه .


و فيه ، قال : القلب السليم من الشك .


و في روضة الكافي ، بإسنادهعن حجر عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال قال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) : عاب آلهتهم فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم . قال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) : و الله ما كان سقيما و ما كذب .


أقول : و في معناه روايات أخر و في بعضها : ما كان إبراهيم سقيما و ما كذب إنما عنى سقيما في دينه مرتادا .


و قد تقدم الروايات في قصة حجاج إبراهيم (عليه‏السلام‏) قومه و كسره الأصنام و إلقائه في النار في تفسير سور الأنعام و مريم و الأنبياء و الشعراء .


و في التوحيد ، عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) في حديث : و قد سأله رجل عما اشتبه عليه من الآيات قال : و قد أعلمتك أن رب شي‏ء من كتاب الله عز و جل تأويله غير تنزيله و لا يشبه كلام البشر و سأنبئك بطرف منه فتكتفي إن شاء الله . من ذلك قول إبراهيم (عليه‏السلام‏) : « إني ذاهب إلى ربي سيهدين» فذهابه إلى ربه توجهه إليه عبادة و اجتهادا و قربة إلى الله عز و جل أ لا ترى أن تأويله غير تنزيله ؟ .


و فيه ، بإسناده عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه‏السلام‏) قال : يا فتح إن لله إرادتين و مشيئتين : إرادة حتم ، و إرادة عزم ينهى و هو يشاء ذلك و يأمر و هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص:155


لا يشاء أ و ما رأيت أنه نهى آدم و زوجته عن أن يأكلا من الشجرة و هو يشاء ذلك ؟ و لو لم يشأ لم يأكلا ، و لو أكلا لغلبت شهوتهما مشيئة الله تعالى ، و أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل (عليه‏السلام‏) و شاء أن لا يذبحه و لو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله عز و جل . قلت : فرجت عني فرج الله عنك .


و عن أمالي الشيخ ، بإسناده إلى سليمان بن يزيد قال : حدثنا علي بن موسى قال : حدثني أبي عن أبيه عن أبي جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم‏السلام‏) قال : الذبيح إسماعيل (عليه‏السلام‏) : أقول : و روي مثله في المجمع ، عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) ، و بهذا المضمون روايات كثيرة أخرى عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) ، و قد وقع في بعض رواياتهم أنه إسحاق و هو مطروح لمخالفة الكتاب .


و عن الفقيه ، : سئل الصادق (عليه‏السلام‏) عن الذبيح من كان ؟ فقال إسماعيل لأن الله تعالى ذكر قصته في كتابه ثم قال : « و بشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين .


أقول : هذا ما تقدم في بيان الآية أن الآية بسياقها ظاهرة بل صريحة في ذلك .


و في المجمع ، عن ابن إسحاق : أن إبراهيم كان إذا زار إسماعيل و هاجر حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة و يروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى إذا بلغ معه السعي رأى في المنام أن 1 يذبحه فقال له : يا بني خذ الحبل و المدية 2 ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب . فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه فقال : يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب و اكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح من دمي شيئا فتراه أمي و اشحذ شفرتك و أسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد فقال له إبراهيم : نعم العون أنت يا بني على أمر الله . ثم ساق القصة و فيها ثم انحنى إليه بالمدية و قلب جبرئيل المدية على قفاها و اجتر


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :156


الكبش من قبل ثبير و اجتر الغلام من تحته و وضع الكبش مكان الغلام ، و نودي من ميسرة مسجد الخيف : يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا .


أقول : و الروايات في القصة كثيرة و لا تخلو من اختلاف .


و فيه ، : روى العياشي بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : كم كان بين بشارة إبراهيم بإسماعيل و بين بشارته بإسحاق (عليه‏السلام‏) ؟ قال : كان بين البشارتين خمس سنين قال الله سبحانه فبشرناه بغلام حليم يعني إسماعيل و هي أول بشارة بشر اللهبه إبراهيم (عليه‏السلام‏) في الولد .


وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَ هَرُونَ‏(114) وَ نجَّيْنَهُمَا وَ قَوْمَهُمَا مِنَ الْكرْبِ الْعَظِيمِ‏(115) وَ نَصرْنَهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغَلِبِينَ‏(116) وَ ءَاتَيْنَهُمَا الْكِتَب الْمُستَبِينَ‏(117) وَ هَدَيْنَهُمَا الصرَط الْمُستَقِيمَ‏(118) وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فى الاَخِرِينَ‏(119) سلَمٌ عَلى مُوسى وَ هَرُونَ‏(120) إِنَّا كذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ‏(121) إِنهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ‏(122) وَ إِنَّ إِلْيَاس لَمِنَ الْمُرْسلِينَ‏(123) إِذْ قَالَلِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ‏(124) أَ تَدْعُونَ بَعْلاً وَ تَذَرُونَ أَحْسنَ الخَْلِقِينَ‏(125) اللَّهَ رَبَّكمْ وَ رَب ءَابَائكُمُ الأَوَّلِينَ‏(126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنهُمْ لَمُحْضرُونَ‏(127) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏(128) وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فى الاَخِرِينَ‏(129) سلَمٌ عَلى إِلْ‏يَاسِينَ‏(130) إِنَّا كَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ‏(131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ‏(132)



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :157


بيان


ملخص قصة موسى و هارون و إشارة إلى قصة إلياس (عليه‏السلام‏) .


و بيان ما أنعم الله عليهم و عذاب مكذبيهم و جانب الرحمة يربو فيها على جانب العذاب و التبشير يزيد على الإنذار .


قوله تعالى : « و لقد مننا على موسى و هارون» المن الإنعام و من المحتمل أن يكون المراد به ما سيعده مما أنعم عليهما و على قومهما من التنجية و النصر و إيتاء الكتاب و الهداية و غيرها فيكون قوله : « و نجيناهما» إلخ من عطف التفسير .


قوله تعالى : « و نجيناهما و قومهما من الكرب العظيم» و هو الغم الشديد من استضعاف فرعون لهم يسومهم سوء العذاب و يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم .


قوله تعالى : « و نصرناهم فكانوا هم الغالبين» و هو الذي أدى إلى خروجهم من مصر و جوازهم البحر و هلاك فرعون و جنوده .


و بذلك يندفع ما توهم أن مقتضى الظاهر أن يذكر النصر قبل التنجية لتوقفها عليه ، و ذلك أن النصر إنما يكون فيما إذا كان للمنصور قوة ما لكنها لا تكفي لدفع الشر فتتم بالنصر و كان لبني إسرائيل عند الخروج من مصر بعض القوة فناسب إطلاق النصر على إعانتهم على ذلك بخلاف أصل تخليصهم من يد فرعون فإنهم كانوا أسراء مستعبدين لا قوة لهم فلا يناسب هذا الاعتبار إلا ذكر التنجية دون النصر .


قوله تعالى : « و آتيناهما الكتاب المستبين» أي يستبين المجهولات الخفية فيبينها و هي التي يحتاج إليها الناس في دنياهم و آخرتهم .


قوله تعالى : « و هديناهما الصراط المستقيم» المراد بها الهداية بتمام معنى الكلمة ، و لذا خصها بهما و لم يشرك فيها معهما قومهما ، و لقد تقدم كلام في معنى الهداية إلى الصراط المستقيم في سورة الفاتحة .


قوله تعالى : « و تركنا عليهما في الآخرين - إلى قوله - المؤمنين» تقدم تفسيرها .


قوله تعالى : « و إن إلياس لمن المرسلين» قيل : إنه (عليه‏السلام‏) من آل هارون كان


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :158


مبعوثا إلى بعلبك 1 و لم يذكر في كلامه ما يستشهد به عليه .


قوله تعالى : « إذ قال لقومه أ لا تتقون أ تدعون بعلا و تذرون أحسن الخالقين - إلى قوله - الأولين» شطر من دعوته (عليه‏السلام‏) يدعو قومه فيها إلى التوحيد و يوبخهم على عبادة بعل - صنم كان لهم - و ترك عبادة الله سبحانه .


و كلامه (عليه‏السلام‏) على ما فيه من التوبيخ و اللوم يتضمن حجة تامة على توحيده تعالى فإن قوله : « و تذرون أحسن الخالقين الله ربكم و رب آبائكم الأولين» يوبخهم أولا على ترك عبادة أحسن الخالقين ، و الخلق و الإيجاد كما يتعلق بذوات الأشياء يتعلق بالنظام الجاري فيها الذي يسمى تدبيرا فكما أن الخلق إليه تعالى فالتدبير أيضا إليه فهو المدبر كما أنه الخالق ، و أشار إلى ذلك بقوله : « الله ربكم» بعد وصفه تعالى بأحسن الخالقين .


ثم أشار إلى أن ربوبيته تعالى لا تختص بقوم دون قوم كالأصنام التي يتخذ كل قوم بعضا منها دون بعض فيكون صنم ربا لقوم دون آخرين بل هو تعالى رب لهم و لآبائهم الأولين لا يختص ببعض دون بعض لعموم خلقه و تدبيره ، و إليه أشار بقوله : « الله ربكم و رب آبائكم الأولين» .


قوله تعالى : « فكذبوه فإنهم لمحضرون» أي مبعوثون ليحضروا العذاب ، و قد تقدم أن الإحضار إذا أطلق أفاد معنى الشر .


قوله تعالى : « إلا عباد الله المخلصين» دليل على أنه كان في قومه جمع منهم .


قوله تعالى : « و تركنا عليه في الآخرين - إلى قوله - المؤمنين» تقدم الكلام في نظائرها .


- بحث روائي -


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « أ تدعون بعلا» قال كان لهم صنم يسمونه بعلا .


و في المعاني ، بإسناده إلى قادح عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :159


(عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « سلام على آل يس» قال : يس محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و نحن آل يس : . أقول : و عن العيون ، عن الرضا (عليه‏السلام‏) مثله ، و هو مبني على قراءة آل يس كما قرأه نافع و ابن عامر و يعقوب و زيد .


كلام في قصة إلياس (عليه‏السلام‏)


1- قصته في القرآن :


لم يذكر اسمه (عليه‏السلام‏) في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع و في سورة الأنعام عند ذكر هداية الأنبياء حيث قال : « و زكريا و يحيى و عيسى و إلياس و كل من الصالحين :» الأنعام : - 85 .


و لم يذكر تعالى من قصته في هذه السورة إلا أنه كان يدعو إلى عبادة الله سبحانه قوما كانوا يعبدون بعلا فآمن بهو أخلص الإيمان قوم منهم و كذبه آخرون و هم جل القوم و إنهم لمحضرون .


و قد أثنى الله سبحانه عليه في سورة الأنعام بما أثنى به على الأنبياء عامة و أثنى عليه في هذه السورة بأنه من عباده المؤمنين المحسنين و حياه بالسلام بناء على القراءة المشهورة « سلام على إل ياسين» .


2 - الأحاديث فيه :


ورد فيه (عليه‏السلام‏) أخبار مختلفة متهافتة كغالب الأخبار الواردة في قصص الأنبياء ، الحاكية للعجائب كالذي روي عن ابن مسعود : أن إلياس هو إدريس و ما عن ابن عباس عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أن الخضر هو إلياس ، وما عن وهب و كعب الأحبار و غيرهما : أن إلياس حي لا يموت إلى النفخة الأولى ، و ما عن وهب : أن إلياس سأل الله أن يريحه من قومه فأرسل الله إليه دابة كهيئة الفرس في لون النار فوثب إليه فانطلق به فكساه الله الريش و النور و قطع عنه لذة المطعم و المشرب فصار في الملائكة ، و ما عن كعب الأحبار : أن إلياس صاحب الجبال و البر و أنه الذي سماه الله بذي النون ، و ما عن الحسن : أن إلياس موكل بالفيافي و الخضر موكل بالجبال ، و ما عن أنس : أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :160


إلياس لاقى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في بعض أسفاره فقعدا يتحدثان ثم نزل عليهما مائدة من السماء فأكلا و أطعماني ثم ودعه و ودعني ثم رأيته مر على السحاب نحو السماء إلى غير ذلك 1 .


و في بعض أخبار الشيعة أنه (عليه‏السلام‏) حي مخلد 2 لكنها ضعاف و ظاهر آيات القصة لا يساعد عليه .


و في البحار ، في قصة إلياس (عليه‏السلام‏) عن قصص الأنبياء ، بالإسناد عن الصدوق بإسناده إلى وهب بن منبه ، و رواه الثعلبي في العرائس ، عن ابن إسحاق و علماء الأخبار أبسط منه و الحديث طويل جدا ، و ملخصه : أنه بعد انشعاب ملك بني إسرائيل و تقسمه بينهم سار سبط منهم إلى بعلبك و كان لهم ملك منهم يعبد صنما اسمه بعل و يحمل الناس على عبادته . و كانت له مرأة فاجرة قد تزوجت قبله بسبعة من الملوك و ولدت تسعين ولدا سوى أبناء الأبناء ، و كان الملك يستخلفها إذ غاب فتقضي بين الناس ، و كان له كاتب مؤمن حكيم قد خلص من يدها ثلاثمائة مؤمن تريد قتلهم ، و كان في جوار قصر الملك رجل مؤمن له بستان و كان الملك يحترم جواره و يكرمه . ففي بعض ما غاب الملك قتلت المرأة الجار المؤمن و غصبت بستانه فلما رجع و علم به عاتبها فاعتذرت إليه و أرضته فآلى الله تعالى على نفسه أن ينتقم منهما إن لم يتوبا فأرسل إليهم إلياس (عليه‏السلام‏) يدعوهم إلى عبادة الله و أخبرهما بما آلى الله فاشتد غضبهم عليه و هموا بتعذيبه و قتله فهرب منهم إلى أصعب جبل هناك فلبث فيه سبع سنين يعيش بنبات الأرض و ثمار الشجر . فأمرض الله ابنا للملك يحبه حبا شديدا فاستشفع ببعل فلم ينفعه فقيل له : إنه غضبان عليك إن لم تقتل إلياس فأرسل إليه فئة من قومه ليخدعوه و يقبضوا عليه فأرسل الله إليهم نارا فأحرقتهم ثم أرسل إليه فئة أخرى من ذوي البأس مع كاتبه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :161


المؤمن فذهب معه إلياس صونا له من غضب الملك لكن الله سبحانه أمات ابنه فشغله حزنه عن إلياس فرجع سالما . ثم لما طال الأمر نزل إلياس من الجبل و استخفى عند أم يونس بن متى في بيتها و يونس طفل رضيع ثم خرج بعد ستة أشهر إلى الجبل ثانيا و اتفق أن مات بعده يونس ثم أحياه الله بدعاء إلياس بعد ما خرجت أمه في طلبه فوجدته فتضرعت إليه . ثم إنه سأل الله أن ينتقم له من بني إسرائيل و يمسك عنهم الأمطار فأجيب و سلط الله عليهم القحط فأجهدوا سنين فندموا فجاءوه فتابوا و أسلموا فدعا الله فأرسل عليهم المطر فسقاهم و أحيا بلادهم . فشكوا إليه هدم الجدران و عدم البذر من الحبوب فأوحى إليه أن يأمرهم أن يبذروا الملح فأنبت لهم الحمص و أن يبذروا الرمل فأنبت لهم منه الدخن . ثم لما كشف الله عنهم الضر نقضوا العهد و عادوا إلى أخبث ما كانوا عليه فأمل ذلك إلياس فدعا الله أن يريحه منهم فأرسل الله إليه فرسا من نار فوثب عليه إلياس فرفعه الله إلى السماء و كساه الريش و النور فكان مع الملائكة . ثم سلط الله على الملك و امرأته عدوا فقصدهما و ظهر عليهما فقتلهما و ألقى جيفتهما في بستان ذلك الرجل المؤمن الذي قتلاه و غصبوا بستانه .


و أنت بالتأمل فيما تقصه الرواية لا ترباب في ضعفها .


وَ إِنَّ لُوطاً لَّمِنَ الْمُرْسلِينَ‏(133) إِذْ نجَّيْنَهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ‏(134) إِلا عجُوزاً فى الْغَبرِينَ‏(135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الاَخَرِينَ‏(136) وَ إِنَّكمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِم مُّصبِحِينَ‏(137) وَ بِالَّيْلِأَ فَلا تَعْقِلُونَ‏(138) وَ إِنَّ يُونُس لَمِنَ الْمُرْسلِينَ‏(139) إِذْ أَبَقَ إِلى الْفُلْكِ الْمَشحُونِ‏(140) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏(141) فَالْتَقَمَهُ الحُْوت وَ هُوَ مُلِيمٌ‏(142) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسبِّحِينَ‏(143) لَلَبِث فى بَطنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏(144) × فَنَبَذْنَهُ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ سقِيمٌ‏(145) وَ أَنبَتْنَا عَلَيْهِ شجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ‏(146) وَ أَرْسلْنَهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ‏(147) فَئَامَنُوا فَمَتَّعْنَهُمْ إِلى حِينٍ‏(148)



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :162


بيان


خلاصة قصة لوط (عليه‏السلام‏) ثم قصة يونس (عليه‏السلام‏) و ابتلاء الله تعالى له بالحوت مأخوذا بما أعرض عن قومه عند ارتفاع العذاب عنهم بعد نزوله و إشرافه عليهم .


قوله تعالى : « و إن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه و أهله أجمعين» و إنما نجاه و أهله من العذاب النازل على قومه و هو الخسف و أمطار حجارة من سجيل على ما ذكره الله تعالى في سائر كلامه .


قوله تعالى : « إلا عجوزا في الغابرين» أي في الباقين في العذاب المهلكين به و هي امرأة لوط .


قوله تعالى : « ثم دمرنا الآخرين» التدمير الإهلاك ، و الآخرين قومه الذين أرسل إليهم .


قوله تعالى : « و إنكم لتمرون عليهم مصبحين و بالليل أ فلا تعقلون» فإنهم على طريق الحجاز إلى الشام ، و المراد بالمرور عليهم المرور على ديارهم الخربة و هي اليوم مستورة بالماء على ما قيل .


قوله تعالى : « و إن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون» أي السفينة


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :163


المملوءة من الناس و الإباق هرب العبد من مولاه .


و المراد بإباقه إلى الفلك خروجه من قومه معرضا عنهم و هو (عليه‏السلام‏) و إن لم يعص في خروجه ذلك ربه و لا كان هناك نهي من ربه عن الخروج لكن خروجه إذ ذاك كان ممثلا لإباق العبد من خدمة مولاه فأخذه الله بذلك ، و قد تقدم بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى : « و ذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه :» الأنبياء : - 87 .


قوله تعالى : « فساهم فكان من المدحضين» المساهمة المقارعة و الإدحاض الغلبة أي فقارع من في السفينة فكان من المغلوبين ، و قد كان عرض لسفينتهم الحوت فاضطروا إلى أن يلقوا واحدا منهم في البحر ليبتلعه و يخلي السفينة فقارعوا فأصابت يونس (عليه‏السلام‏) .


قوله تعالى : « فالتقمه الحوت و هو مليم» الالتقام الابتلاع ، و مليم من ألام أي دخل في اللوم كأحرم إذا دخل في الحرم أو بمعنى صار ذا ملامة .


قوله تعالى : « فلو لا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون» عده من المسبحين و هم الذين تكرر منهم التسبيح و تمكن منهم حتى صار وصفا لهم يدل على دوام تلبسه زمانا بالتسبيح .


قيل : أي من المسبحين قبل التقام الحوت إياه ، و قيل : بل في بطن الحوت ، و قيل : أي كان من المسبحين قبل التقام الحوت و في بطنه .


و الذي حكي من تسبيحه في كلامه تعالى قوله في سورة الأنبياء : « فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين :» الأنبياء : - 87 و لازم ذلك أن يكون من المسبحين في بطن الحوت خاصة أو فيه و فيما قبله فاحتمال كون المراد تسبيحه قبل التقام الحوت مرجوح لا ينبغي أن يصار إليه .


على أن تسبيحه مع اعترافه بالظلم في قوله : « سبحانك إني كنت من الظالمين» - على ما سيجي‏ء - تسبيح له تعالى عما كان يشعر به 1 فعله من ترك قومه و ذهابه على وجهه ، و قوله : « فلو لا أنه كان من المسبحين» إلخ يدل على أن تسبيحه كان هو السبب المستدعي لنجاته ، و لازم ذلك أن يكون إنما ابتلي بما ابتلي به لينزهه تعالى فينجو بذلك من الغم الذي ساقه إليه فعله إلى ساحة العافية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :164


و بذلك يظهر أن العناية في الكلام إنما هي بتسبيحه في بطن الحوت خاصة فخير الأقوال الثلاثة أوسطها .


فالظاهر أن المراد بتسبيحه نداؤه في الظلمات بقوله : « لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» و قد قدم التهليل ليكونكالعلة المبينة لتسبيحه كأنه يقول : لا معبود بالحق يتوجه إليه غيرك فأنت منزه مما كان يشعر به فعلى أني آبق منك معرض عن عبوديتك متوجه إلى سواك إني كنت ظالما لنفسي في فعلي فها أنا متوجه إليك متبرى‏ء مما كان يشعر به فعلى من التوجه عنك إلى غيرك .


فهذا معنى تسبيحه و لو لا ذلك منه لم ينج أبدا إذ كان سبب نجاته منحصرا في التسبيح و التنزيه بالمعنى الذي ذكر .


و بذلك يظهر أن المراد بقوله : « للبث في بطنه إلى يوم يبعثون» تأبيد مكثه في بطنه إلى أن يبعث فيخرج منه كالقبر الذي يقبر فيه الإنسان و يلبث فيه حتى يبعث فيخرجمنه قال تعالى : « منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى :» طه : - 55 .


و لا دلالة في الآية على كونه (عليه‏السلام‏) على تقدير اللبث حيا في بطن الحوت إلى يوم يبعثون أو ميتا و بطنه قبره مع بقاء بدنه و بقاء جسد الحوت على حالهما أو بنحو آخر فلا مساغ لاختلافهم في كونه (عليه‏السلام‏) حيا على هذا التقدير أو ميتا و بطنه قبره ، و أن المراد بيوم يبعثون النفخة الأولى التي فيها يموت الخلائق أو النفخة الثانية أو التأجيل بيوم القيامة كناية عن طول اللبث .


قوله تعالى : « فنبذناه بالعراء و هو سقيم» النبذ طرح الشي‏ء و الرمي به ، و العراء المكان الذي لا سترة فيه يستظل بها من سقف أو خباء أو شجر .


و المعنى على ما يعطيه السياق أنه صار من المسبحين فأخرجناه من بطن الحوت و طرحناه خارج الماء في أرض لا ظل فيها يستظل به و هو سقيم .


قوله تعالى : « و أنبتنا عليه شجرة من يقطين» اليقطين من نوع القرع و يكون ورقه عريضا مستديرا و قد أنبتها الله عليه ليستظل بورقها .


قوله تعالى : « و أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون» أو في مورد الترقي و تفيد معنى بل ، و المراد بهذه الجماعة أهل نينوى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :165


قوله تعالى : « فآمنوا فمتعناهم إلى حين» أي آمنوا به فلم نعذبهم و لم نهلكهم بما أشرف عليهم من العذاب فمتعناهم بالحياة و البقاء إلى أجلهم المقدر لهم .


و الآية في إشعارها برفع العذاب عنهم و تمتيعهم تشير إلى قوله تعالى : « فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا و متعناهم إلى حين :» يونس : - 98 .


و لا يخلو السياق من إشعار - بل دلالة - على أن المراد من إرساله في قوله : « و أرسلناه» أمره بالذهاب ثانيا إلى القوم ، و بإيمانهم في قوله : « فآمنوا» إلخ إيمانهم بتصديقه و اتباعه بعد ما آمنوا و تابوا حين رأوا العذاب .


و من هنا يظهر ضعف ما استدل بعضهم بالآيتين أن إرساله إلى القوم كان بعد خروجه من بطن الحوت و أنه أمر أولا بالذهاب إلى أهل نينوى و دعوتهم إلى الله و كانوا يعبدون الأصنام فاستعظم الأمر و خرج من بيته يسير في الأرض لعل الله يصرف عنه هذا التكليف و ركب البحر فابتلاه الله بالحوت ثم لما نبذ بالعراء كلف ثانيا فأجاب و أطاع و دعاهم فاستجابوا فدفع الله عذابا كان يهددهم إن لم يؤمنوا .


و ذلك أن السياق كما سمعت يدل على كون إرساله بأمر ثان و أن إيمانهم كان إيمانا ثانيا بعد الإيمان و التوبة و أن تمتيعهم إلى حين كان مترتبا على إيمانهم به لا على كشف العذاب عنهم فلم يكن الله سبحانه ليتركهم لو لم يؤمنوا برسوله ثانيا كما آمنوا به و تابوا إليه أولا في غيبته فافهم ذلك .


على أن قوله تعالى : « و ذا النون إذ ذهب مغاضبا :» الأنبياء : - 87 و قوله : « و لا تكن كصاحب الحوت إذ نادى و هو مكظوم :» ن : - 48 لا يلائم ما ذكروه ، و كذا قوله : « إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا :» يونس : - 98 إذ لا يطلق الكشف إلا في عذاب واقع حال أو مشرف .


كلام في قصة يونس (عليه‏السلام‏)


في فصول


1-


لم يتعرض القرآن الكريم إلا لطرف من قصته و قصة قومه فقد تعرض في سورة الصافات لإرساله ثم إباقه و ركوبه الفلك و التقام الحوت له ثم نجاته و إرساله إلى


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :166


القوم و إيمانهم قال تعالى : « و إن يونس لمن المرسلين . إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين . فالتقمه الحوت و هو مليم . فلو لا أنه كان من المسبحين . للبث في بطنه إلى يوم يبعثون . فنبذناه بالعراء و هو سقيم . و أنبتنا عليه شجرة من يقطين . و أرسلناه إلىمائة ألف أو يزيدون . فآمنوا فمتعناهم إلى حين» .


و في سورة الأنبياء : لتسبيحه في بطن الحوت و تنجيته قال تعالى : « و ذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له و نجيناه من الغم و كذلك ننجي المؤمنين :» الأنبياء : - 88 87 .


و في سورة ن : لندائه مكظوما و خروجه من بطنه و اجتبائه قال تعالى : « فاصبر لحكم ربك و لا تكن كصاحب الحوت إذ نادى و هو مكظوم . فلو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء و هو مذموم . فاجتباه ربه فجعله من الصالحين : »ن : - 50 .


و في سورة يونس : لإيمان قومه و كشف العذاب عنهم قال تعالى : « فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا و متعناهم إلى حين :» يونس : - 98 .


و خلاصة ما يستفاد من الآيات بضم بعضها إلى بعض و اعتبار القرائن الحافة بها أن يونس (عليه‏السلام‏) كان من الرسل أرسله الله تعالى إلى قومه و هم جمع كثير يزيدون على مائة ألف فدعاهم فلم يجيبوه إلا بالتكذيب و الرد حتى جاءهم عذاب أوعدهم به يونس ثم خرج من بينهم .


فلما أشرف عليهم العذاب و شاهدوه مشاهدة عيان أجمعوا على الإيمان و التوبة إلى الله سبحانه فكشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا .


ثم إن يونس (عليه‏السلام‏) استخبر عن حالهم فوجد العذاب انكشف عنهم - و كأنه لم يعلم بإيمانهم و توبتهم - فلم يعد إليهم و ذهب لوجهه على ما به من الغضب و السخط عليهم فكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربه مغاضبا عليه ظانا أن لا يقدر عليه و ركب البحر في فلك مشحون .


فعرض لهم حوت عظيم لم يجدوا بدا من أن يلقوا إليه واحدا منهم يبتلعه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :167


و ينجو الفلك بذلك فساهموا و قارعوا فيما بينهم فأصابت يونس (عليه‏السلام‏) فألقوه في البحر فابتلعه الحوت و نجت السفينة .


ثم إن الله سبحانه حفظه حيا سويا في بطنه أياما و ليالي و يونس (عليه‏السلام‏) يعلم أنها بلية ابتلاه الله بها مؤاخذة بما فعل و هو ينادي في بطنه أن « لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» .


فاستجاب الله له فأمر الحوت أن يلفظه فنبذه بالعراء و هو سقيم فأنبت الله سبحانه عليه شجرة من يقطين يستظل بأوراقها ثم لما استقامت حاله أرسله إلى قومه فلبوا دعوته و آمنوا به فمتعهم الله إلى حين .


و الأخبار الواردة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) على كثرتها و بعض الأخبار من طرق أهل السنة مشتركة المتون في قصة يونس (عليه‏السلام‏) على النحو الذي يستفاد من الآيات و إن اختلفت في بعض الخصوصيات الخارجة عن ذلك 1 .


2 - قصته عند أهل الكتاب :


هو (عليه‏السلام‏) مذكور باسم يوناه بن إمتاي في مواضع من العهد القديم و كذا في مواضع من العهد الجديد أشير في بعضها إلى قصة لبثه في بطن الحوت لكن لم تذكر قصته الكاملة في شي‏ء منهما .


و نقل الآلوسي في روح المعاني ، في قصته عند أهل الكتاب و يؤيده ما في بعض كتبهم من إجمال 2 القصة : أن الله أمره بالذهاب إلى دعوة أهل نينوى 3 و كانت إذ ذاك عظيمة جدا لا يقطع إلا في نحو ثلاثة أيام و كانوا قد عظم شرهم و كثر فسادهم ، فاستعظم الأمر و هرب إلى ترسيس 4 فجاء يافا 5 فوجد سفينة يريد أهلها الذهاب بها إلى ترسيس فاستأجر و أعطى


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :168


الأجرة و ركب السفينة فهاجت ريح عظيمة و كثرت الأمواج و أشرفت السفينة على الغرق .


ففزع الملاحون و رموا في البحر بعض الأمتعة لتخف السفينة و عند ذلك نزل يونس إلى بطن السفينة و نام حتى علا نفسه فتقدم إليه الرئيس فقال له : ما بالك نائما ؟ قم و ادع إلهك لعله يخلصنا مما نحن فيه و لا يهلكنا .


و قال بعضهم لبعض : تعالوا نتقارع لنعرف من أصابنا هذا الشر بسببه فتقارعوا فوقعت القرعة على يونس فقالوا له : أخبرنا ما ذا عملت : و من أين جئت ؟ و إلى أين تمضي ؟ و من أي كورة أنت ؟ و من أي شعب أنت ؟ فقال لهم : أنا عبد الرب إله السماء خالق البر و البحر و أخبرهم خبره فخافوا خوفا عظيما و قالوا له : لم صنعت ما صنعت ؟ يلومونه على ذلك .


ثم قالوا له : ما نصنع الآن بك ؟ ليسكن البحر عنا ؟ فقال : ألقوني في البحر يسكن فإنه من أجلي صار هذا الموج العظيم فجهد الرجال أن يردوه إلى البر فلم يستطيعوا فأخذوا يونس و ألقوه في البحر لنجاة جميع من في السفينة فسكن البحر و أمر الله حوتا عظيما فابتلعه فبقي في بطنه ثلاثة أيام و ثلاث ليال و صلى في بطنه إلى ربه و استغاث به فأمر سبحانه الحوت فألقاه إلى اليبس ثم قال له : قم و امض إلى نينوى و ناد في أهلها كما أمرتك من قبل .


فمضى (عليه‏السلام‏) و نادى و قال : يخسف نينوى بعد ثلاثة أيام فآمنت رجال نينوى بالله و نادوا بالصيام و لبسوا المسوح جميعا و وصل الخبر إلى الملك فقام عن كرسيه و نزع حلته و لبس مسحا و جلس على الرماد و نودي أن لا يذق أحد من الناس و البهائم طعاما و لاشرابا و جاروا إلى الله تعالى و رجعوا عن الشر و الظلم فرحمهم الله و لم ينزل بهم العذاب .


فحزن يونس و قال : إلهي من هذا هربت ، فإني علمت أنك الرحيم الرءوف الصبور التواب .


يا رب خذ نفسي فالموت خير لي من الحياة فقال : يا يونس حزنت من هذا جدا ؟ فقال : نعم يا رب .


و خرج يونس و جلس مقابل المدينة و صنع له هناك مظلة و جلس تحتها إلى أن يرى ما يكون في المدينة ؟ فأمر الله يقطينا فصعد على رأسه ليكون ظلا له من كربه ففرح باليقطين فرحا عظيما و أمر الله تعالى دودة فضربت اليقطين فجف ثم هبت ريح


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :169


سموم و أشرقت الشمس على رأس يونس فعظم الأمر عليه و استطاب الموت .


فقال الرب : يا يونس أ حزنت جدا على اليقطين ؟ فقال : نعم يا رب حزنت جدا فقال تعالى : حزنت عليه و أنت لم تتعب فيه و لم تربه بل صار من ليلته و هلك من ليلته فأنا لا أشفق على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس قوم لا يعلمون يمينهم و لا شمالهم و بهائمهم كثيرة انتهى .


و جهات اختلاف القصة مع ما يستفاد من القرآن الكريم ظاهرة كالفرار من الرسالة و عدم رضاه برفع العذاب عنهم مع علمه بإيمانهم و توبتهم .


فإن قلت : نظير ذلك وارد في القرآن الكريم كنسبة الإباق إليه في سورة الصافات و كذا مغاضبته و ظنه أن الله لن يقدر عليه على ما في سورة الأنبياء .


قلت : بين النسبتين فرق فكتبهم المقدسة أعني العهدين لا تأبى عن نسبة المعاصي حتى الكبائر الموبقة إلى الأنبياء (عليهم‏السلام‏) فلا موجب لتوجيه ما نسب من المعاصي إليه بما يخرج به عن كونه معصية بخلاف القرآن الكريم فإنه ينزه ساحتهم عن لوث المعاصي حتى الصغائر فما ورد فيه مما يوهم ذلك يحمل على أحسن الوجوه بهذه القرينة الموجبة و لذا حملنا قوله : « إذ أبق» و قوله : « مغاضبا فظن أن لن نقدر» على حكاية الحال و إيهام فعله .


3 - ثناؤه تعالى عليه :


أثنى الله سبحانه عليه بأنه من المؤمنين « سورة الأنبياء 88» و أنه اجتباه و قد عرفت أن اجتباءه إخلاصه العبد لنفسه خاصة ، و أنه جعله من الصالحين « سورة ن : 50» و عده في سورة الأنعام فيمن عده من الأنبياء و ذكر أنه فضلهم على العالمين و أنه هداهم إلى صراط مستقيم « سورة الأنعام : 87» .


بحث روائي


في الفقيه ، و قال الصادق (عليه‏السلام‏) : ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم إلى الله عز و جل إلا خرج سهم الحق ، و قال : أي قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر إلى الله . أ ليس الله عز و جل يقول : « فساهم فكان من المدحضين» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :170


و في البحار ، عن البصائر بإسناده عن حبة العرني قال : قال أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) : إن الله عرض ولايتي على أهل السماوات و على أهل الأرض أقر بها من أقر و أنكرها من أنكر أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها .


أقول : و في معناه روايات أخر ، و المراد الولاية الكلية الإلهية التي هو (عليه‏السلام‏) أول من فتح بابها من هذه الأمة و هي قيامه تعالى مقام عبده في تدبير أمره فلا يتوجه العبد إلا إليه و لا يريد إلا ما أراده و ذلك بسلوك طريق العبودية التي تنتهي بالعبد إلى أن يخلصه الله لنفسه فلا يشاركه فيه غيره .


و كان ظاهر ما أتى به يونس (عليه‏السلام‏) مما لا يرتضيه الله تعالى فلم يكن قابلا للانتساب إلى إرادته فابتلاه الله بما ابتلاه ليعترف بظلمه على نفسه و أنه تعالى منزه عن إرادة مثله فالبلايا و المحن التي يبتلى بها الأولياء من التربية الإلهية التي يربيهم بها و يكملهم و يرفع درجاتهم بسببها و إن كان بعضها من جهة أخرى مؤاخذة ذات عتاب ، و قد قيل البلاء للولاء .


و يؤيد ذلك ما عنالعلل ، بإسناده عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : لأي علة صرف الله العذاب عن قوم يونس و قد أظلهم و لم يفعل ذلك بغيرهم من الأمم ؟ فقال : لأنه كان في علم الله أنه سيصرفه عنهم لتوبتهم و إنما ترك إخبار يونس بذلك لأنه أراد أن يفرغه لعبادته في بطن الحوت فيستوجب بذلك ثوابه و كرامته .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :171


فَاستَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّك الْبَنَات وَ لَهُمُ الْبَنُونَ‏(149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَئكةَ إِنَثاً وَ هُمْ شهِدُونَ‏(150) أَلا إِنهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ‏(151) وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنهُمْ لَكَذِبُونَ‏(152) أَصطفَى الْبَنَاتِ عَلى الْبَنِينَ‏(153) مَا لَكمْ كَيْف تحْكُمُونَ‏(154) أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏(155) أَمْ لَكمْ سلْطنٌ مُّبِينٌ‏(156) فَأْتُوا بِكِتَبِكمْ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ‏(157) وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَينَ الجِْنَّةِ نَسباًوَ لَقَدْ عَلِمَتِ الجِْنَّةُ إِنهُمْ لَمُحْضرُونَ‏(158) سبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ‏(159) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏(160) فَإِنَّكمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ‏(161) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ‏(162) إِلا مَنْ هُوَ صالِ الجَْحِيمِ‏(163) وَ مَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ‏(164) وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصافُّونَ‏(165) وَ إِنَّا لَنَحْنُ المُْسبِّحُونَ‏(166) وَ إِن كانُوا لَيَقُولُونَ‏(167) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأَوَّلِينَ‏(168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏(169) فَكَفَرُوا بِهِفَسوْف يَعْلَمُونَ‏(170) وَ لَقَدْ سبَقَت كلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسلِينَ‏(171) إِنهُمْ لهَُمُ الْمَنصورُونَ‏(172) وَ إِنَّ جُندَنَا لهَُمُ الْغَلِبُونَ‏(173) فَتَوَلَّ عَنهُمْ حَتى حِينٍ‏(174) وَ أَبْصِرْهُمْ فَسوْف يُبْصِرُونَ‏(175) أَ فَبِعَذَابِنَا يَستَعْجِلُونَ‏(176) فَإِذَا نَزَلَ بِساحَتهِمْ فَساءَ صبَاحُ الْمُنذَرِينَ‏(177) وَ تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتى حِينٍ‏(178) وَ أَبْصِرْ فَسوْف يُبْصِرُونَ‏(179) سبْحَنَ رَبِّك رَب الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ‏(180) وَ سلَمٌ عَلى الْمُرْسلِينَ‏(181) وَ الحَْمْدُ للَّهِ رَب الْعَلَمِينَ‏(182)



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :172


بيان


قدم سبحانه ما بين به أنه رب معبود ، عبده عباد مخلصون كالأنبياء المكرمين و كفر به آخرون فنجى عباده و أخذ الكافرين بأليم العذاب .


ثم تعرض في هذه الآيات لما يعتقدونه في آلهتهم و هم الملائكة و الجن و أن الملائكة بنات الله و بينه و بين الجنة نسبا .


و الوثنية البرهمية و البوذية و الصابئة ما كانوا يقولون بأنوثة جميع الملائكة و إن قالوا بها في بعضهم لكن المنقول عن بعض قبائل العرب الوثنيين كجهينة و سليم و خزاعة و بني مليح القول بأنوثة الملائكة جميعا ، و أما الجن فالقول بانتهاء نسبهم إليه في الجملة منقول عن الجميع .


و بالجملة يشير تعالى في الآيات إلى فساد قولهم ثم يبشر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالنصر و يهددهم بالعذاب ، و يختم السورةبتنزيهه تعالى و التسليم على المرسلين و الحمد لله رب العالمين .


قوله تعالى : « فاستفتهم أ لربك البنات و لهم البنون» حلل سبحانه قولهم : إن الملائكة بنات الله إلى ما يستلزمه من اللوازم و هي أن الملائكة أولاده ، و أنهم بنات ، و أنه تعالى خص نفسه بالبنات و هم مخصوصون بالبنين ثم رد هذه اللوازم واحدا بعد واحد فرد قولهم : إن له البنات و لهم البنين بقوله : « فاستفتهم أ لربك البنات و لهم البنون» و هو استفهام إنكاري لقولهم بما يلزمه من تفضيلهم على الله لما أنهم يفضلون البنين على البنات و يتنزهون منهن و يئدونهن .


قوله تعالى : « أم خلقنا الملائكة إناثا و هم شاهدون» أم منقطعة أي بل أ خلقنا الملائكة إناثا و هم شاهدون يشهدون خلقهم و لم يكونوا شاهدين خلقهم و لا لهم أن يدعوا ذلك ، و الذكورة و الأنوثة مما لا يثبت إلا بنوع من الحس ، و هذا رد لقولهم بأنوثة الملائكة .


قوله تعالى : « ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله و إنهم لكاذبون» رد لقولهم بالولادة بأنه من الإفك أي صرف القول عن وجهه إلى غير وجهه أي من الحق إلى الباطل فيوجهون خلقهم بما يعدونه ولادة و يعبرون عنه بها فهم آفكون كاذبون .


قوله تعالى : « اصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون أ فلا تذكرون»


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :173


كرر الإنكار على اصطفاء البنات من بين لوازم قولهم لشدة شناعته .


ثم وبخهم بقوله : « ما لكم كيف تحكمون» لكون قولهم حكما من غير دليل ثم عقبه بقوله : « أ فلا تذكرون» توبيخا و إشارة إلى أن قولهم ذلك - فضلا عن كونه مما لا دليل عليه - الدليل على خلافه و لو تذكروا لانكشف لهم فقد تنزهت ساحته تعالى عن أن يتجزأ فيلد أو يحتاج فيتخذ ولدا ، و قد احتج عليهم بذلك في مواضع من كلامه .


و الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للدلالة على اشتداد السخط الموجب لتوبيخهم شفاها .


قوله تعالى : « أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين» أم منقطعة و المراد بالسلطان و هو البرهان كتاب نازل من عند الله سبحانه يخبر فيه أن الملائكة بناته على ما يعطيه السياق إذ لما لم يثبت بعقل أو حس بقي أن يثبت بكتاب من عند الله نازل بالوحي فلو كانت دعواهم حقة و هم صادقون فيها كان لهم أن يأتوا بالكتاب .


و إضافة الكتاب إليهم بعناية فرضه دالا على دعواهم .


قوله تعالى : « و جعلوا بينه و بين الجنة نسبا و لقد علمت الجنة إنهم لمحضرون» جعل النسب بينه و بين الجنة قولهم : إن الجنة أولاده و قد تقدم تفصيل قولهم في تفسير سورة هود في الكلام على عبادة الأصنام .


و قوله : « و لقد علمت الجنة إنهم لمحضرون» أي للحساب أو للنار على ما يفيده إطلاق « لمحضرون» و كيف كان فهم يعلمون أنهم مربوبون لله سيحاسبهم و يجازيهم بما عملوا فبينهم و بين الله سبحانه نسبة الربوبية و العبودية لا نسب الولادة و من كان كذلك لا يستحق العبادة .


و من الغريب قول بعضهم : إن المراد بالجنة طائفة من الملائكة يسمون بها و لازمه إرجاع ضمير « إنهم» إلى الكفار دون الجنة .


و هو مما لا شاهد له من كلامه تعالى مضافا إلى بعده من السياق .


قوله تعالى : « سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين» ضمير « يصفون» - نظرا إلى اتصال الآية بما قبلها - راجع إلى الكفار المذكورين قبل ، و الاستثناء منه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :174


منقطع و المعنى هو منزه عن وصفهم - أو عما يصفه الكفار به من الأوصاف كالولادة و النسب و الشركة و نحوها - لكن عباد الله المخلصين يصفونه تعالى وصفا يليق به - أو بما يليق به من الأوصاف - .


و قيل : إنه استثناء منقطع من ضمير « لمحضرون» ، و قيل : من فاعل « جعلوا» و ما بينهما من الجمل المتخللة اعتراض ، و هما وجهان بعيدان .


و للآيتين باستقلالهما معنى أوسع من ذلك و أدق و هو رجوع ضمير « يصفون» إلى الناس ، و الوصف مطلق يشمل كل ما يصفه به واصف ، و الاستثناء متصل و المعنى هو منزه عن كل ما يصفه الواصفون إلا عباد الله المخلصين .


و ذلك أنهم إنما يصفونه بمفاهيم محدودة عندهم و هو سبحانه غير محدود لا يحيط به حد و لا يدركه نعت فكل ما وصف به فهو أجل منه و كل ما توهم أنه هو فهو غيره لكن له سبحانه عباد أخلصهم لنفسه و خصهم بنفسه لا يشاركه فيهم أحد غيره فعرفهم نفسه و أنساهم غيره يعرفونه و يعرفون غيره به فإذا وصفوه في نفوسهم وصفوه بما يليق بساحة كبريائه و إذا وصفوه بألسنتهم - و الألفاظ قاصرة و المعاني محدودة - اعترفوا بقصور البيان و أقروا بكلال اللسان كما قال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو سيد المخلصين : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك 1 فافهم ذلك .


قوله تعالى : « فإنكم و ما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم» تفريع على حكم المستثنى و المستثنى منه أو المستثنى خاصة ، و المعنى لما كان ما وصفتموه ضلالا - و عباد الله المخلصون لا يضلون في وصفهم - فلستم بمضلين به إلا سالكي سبيل النار .


و الظاهر من السياق أن « ما» في « ما تعبدون» موصولة و المراد بها الأصنام فحسب أو الأصنام و آلهة الضلال كشياطين الجن ، و ما في « ما أنتم» نافية ، و ضمير « عليه» لله سبحانه و الظرف متعلق بفاتنين ، و فاتنين اسم فاعل من الفتنة بمعنى الإضلال و « صال» من الصلو بمعنى الاتباع فصالي الجحيم هو المتبع للجحيم السالك سبيل النار ، و الاستثناء مفرغ تقديره ما أنتم بفاتنين أحدا إلا من هو صال الجحيم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :175


و المعنى فإنكم و آلهة الضلال التي تعبدونها لستم جميعا بمضلين أحدا على الله إلا من هو متبع الجحيم .


و قيل : إن « ما» الأولى مصدرية أو موصولة و جملة « فإنكم و ما تعبدون كلام» تام مستقل من قبيل قولهم : أنت و شأنك و المعنى فإنكم و ما تعبدون متقارنان ثم استونف و قيل : « ما أنتم عليه بفاتنين» و « فاتنين» مضمن معنى الحمل و ضمير « عليه» راجع إلى « ما تعبدون» إن كانت ما مصدرية و إلى « ما» بتقدير مضاف إن كانت موصولة و المعنى ما أنتم بحاملين على عبادتكم أو على عبادة ما تعبدونه إلا من هو صال الجيم .


قيل : و يمكن أن يكون « على» بمعنى الباء و الضمير لما تعبدون أو لما أن كانت موصولة و « فاتنين» على ظاهر معناه من غير تضمين ، و المعنى ما أنتم بمضلين أحدا بعبادتكم أو بعبادة ما تعبدونه إلا « إلخ» .


و هذه كلها تكلفات من غير موجب و الكلام فيما في الآية من الالتفات كالكلام فيما سبق منه .


قوله تعالى : « و ما منا إلا له مقام معلوم و إنا لنحن الصافون و إنا لنحن المسبحون» الآيات الثلاث - على ما يعطيه السياق - اعتراض من كلام جبرئيل أو هو و أعوانه من ملائكة الوحي نظير قوله تعالى في سورة مريم : « و ما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا و ما خلفنا و ما بين ذلك» إلخ : مريم : - 64 .


و قيل : هي من كلام الرسول (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يصف نفسه و المؤمنين به للكافرين تبكيتا لهم و تقريعا و هو متصل بقوله : « فاستفتهم» و التقدير فاستفتهم و قل : ما منا معشر المسلمين إلا له مقام معلوم على قدر أعماله يوم القيامة و إنا لنحن الصافون في الصلاة و إنا لنحن المسبحون .


و هو تكلف لا يلائمه السياق .


و الآيات الثلاث مسوقة لرد قولهم بألوهية الملائكة بإيراد نفس اعترافهم بما ينتفي به قول الكفار و هم لا ينفون العبودية عن الملائكة بل يرون أنهم مربوبون لله سبحانه أرباب و آلهة لمن دونهم يستقلون بالتصرف فيما فوض إليهم من أمر العالم من غير أن يرتبط شي‏ء من هذا التدبير إلى الله سبحانه و هذا هو الذي ينفيه الملائكة عن أنفسهم لا كونهم أسبابا متوسطة بينه تعالى و بين خلقه كما قال تعالى « بل عباد مكرمون


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :176


لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون :» الأنبياء : - 27 .


فقوله : « و ما منا إلا له مقام معلوم» أي معين مشخص أقيم فيه ليس له أن يتعداه بأن يفوض إليه أمر فيستقل فيه بل مجبول على طاعة الله فيما يأمر به و عبادته .


و قوله : « و إنا لنحن الصافون» أي نصف عند الله في انتظار أوامره في تدبير العالم لنجريها على ما يريد .


كما قال تعالى : « لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون» هذا ما يفيده السياق ، و ربما قيل : إن المراد إنا نصف للصلاة عند الله و هو بعيد من الفهم لا شاهد عليه .


و قوله : « و إنا لنحن المسبحون» أي المنزهون له تعالى عما لا يليق بساحة كبريائه كما قال تعالى : « يسبحون الليل و النهار لا يفترون :» الأنبياء : - 20 .


فالآيات الثلاث تصف موقف الملائكة في الخلقة و عملهم المناسب لخلقتهم و هو الاصطفاف لتلقي أمره تعالى و التنزيه لساحة كبريائه عن الشريك و كل ما لا يليق بكمال ذاته المتعالية .


قوله تعالى : « و إن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين» رجوع إلى السياق السابق .


و الضمير في قوله : « و إن كانوا ليقولون» لقريش و من يتلوهم ، و « إن» مخففة من الثقيلة ، و المراد بذكر من الأولين كتاب سماوي من جنس الكتب النازلة على الأولين .


و المعنى لو أن عندنا كتابا سماويا من جنس الكتب النازلة قبلنا على الأولين لاهتدينا و كنا عباد الله المخلصين يريدون أنهم معذورون لو كفروا لعدم قيام الحجة عليهم من قبل الله سبحانه .


و هذا في الحقيقة هفوة منهم فإن مذهب الوثنية يحيل النبوة و الرسالة و نزول الكتاب السماوي .


قوله تعالى : « فكفروا به فسوف يعلمون» الفاء فصيحة ، و المعنى فأنزلنا عليهم الذكر و هو القرآن الكريم فكفروا به و لم يفوا بما قالوا فسوف يعلمون وبال كفرهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :177


و هذا تهديد منه تعالى لهم .


قوله تعالى : « و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون» كلمته تعالى لهم قوله الذي قاله فيهم و هو حكمه و قضاؤه في حقهم و سبق الكلمة تقدمها عهدا أو تقدمها بالنفوذ و الغلبة و اللام تفيد معنى النفعأي إنا قضينا قضاء محتوما فيهم إنهم لهم المنصورون و قد أكد الكلام بوجوه من التأكيد .


و قد أطلق النصر من غير تقييده بدنيا أو آخرة أو بنحو آخر بل القرينة على خلافه قال تعالى : « إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد :» المؤمن : - 51 .


فالرسل (عليهم‏السلام‏) منصورون في الحجة لأنهم على الحق و الحق غير مغلوب .


و هم منصورون على أعدائهم إما بإظهارهم عليهم و إما بالانتقام منهم قال تعالى : « و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى - إلى أن قال - حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء و لا يرد بأسنا عن القوم المجرمين :» يوسف : - 110 .


و هم منصورون في الآخرة كما قال تعالى : « يوم لا يخزي الله النبي و الذين آمنوا معه :» التحريم : - 8 ، و قد تقدم آنفا آية في سورة المؤمن في هذا المعنى .


قوله تعالى : « و إن جندنا لهم الغالبون» الجند هو المجتمع الغليظ و لذا يقال للعسكر جند فهو قريب المعنى من الحزب 1 و قد قال تعالى في موضع آخر من كلامه : « و من يتول الله و رسوله و الذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون :» المائدة : - 56 .


و المراد بقوله : « جندنا» هو المجتمع المؤتمر بأمره المجاهد في سبيله و هم المؤمنون خاصة أو الأنبياء و من تبعهم من المؤمنين و في الكلام على التقدير الثاني تعميم بعد التخصيص ، و كيف كان فالمؤمنون منصورون كمتبوعيهم من الأنبياء قال تعالى : « و لا


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :178


تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين :» آل عمران : - 139 و قد مر بعض الآيات الدالة عليه آنفا .


و الحكم أعني النصر و الغلبة حكم اجتماعي منوط على العنوان لا غير أي إن الرسل و هم عباد أرسلهم الله و المؤمنون و هم جند لله يعملون بأمره و يجاهدون في سبيله ما داموا على هذا النعت منصورون غالبون ، و أما إذا لم يبق من الإيمان إلا اسمه و من الانتساب إلا حديثه فلا ينبغي أن يرجى نصر و لا غلبة .


قوله تعالى : « فتول عنهم حتى حين» تفريع على حديث النصر و الغلبة ففيه وعد للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالنصر و الغلبة و إيعاد للمشركين و لقريش خاصة .


و الأمر بالإعراض عنهم ثم جعله مغيا بقوله : « حتى حين» يلوح إلى أن الأمد غير بعيد و كان كذلك فهاجر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بعد قليل و أباد الله صناديد قريش في غزوة بدر و غيرها .


قوله تعالى : « و أبصرهم فسوف يبصرون» الأمر بالإبصار و الإخبار بإبصارهم عاجلا و عطف الكلام على الأمر بالتولي معجلا يفيد بحسب القياس أن المعنى أنظرهم و أبصر ما هم عليه من الجحود و العناد قبال إنذارك و تخويفك فسوف يبصرون وبال جحودهم و استكبارهم .


قوله تعالى : « أ فبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين» توبيخ لهم لاستعجالهم و قولهم : متى هذا الوعد ؟ متى هذا الفتح ؟ و إيذان بأن هذا العذاب مما لا ينبغي أن يستعجل لأنه يعقب يوما بئيسا و صباحا مشئوما .


و نزول العذاب بساحتهم كناية عن نزوله بهم على نحو الشمول و الإحاطة ، و قوله : « فساء صباح المنذرين» أي بئس صباحهم صباحا ، و المنذرون هم المشركون من قريش .


قوله تعالى : « و تول عنهم حتى حين و أبصر فسوف يبصرون» تأكيد لما مر بتكرار الآيتين على ما قيل ، و احتمل بعضهم أن يكون المراد بما تقدم التهديد بعذاب الدنيا و بهذا ، التهديد بعذاب الآخرة .


و لا يخلو من وجه فإن الواقع في الآية « و أبصر»


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :179


من غير مفعول كما في الآية السابقة من قوله : « و أبصرهم» و الحذف يشعر بالعموم و أن المراد إبصار ما عليه عامة الناس من الكفرو الفسوق و يناسبه التهديد بعذاب يوم القيامة .


قوله تعالى : « سبحان ربك رب العزة عما يصفون» تنزيه له تعالى عما يصفه به الكفار المخالفون لدعوة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مما تقدم ذكره في السورة .


و الدليل عليه إضافة التنزيه إلى قوله : « ربك» أي الرب الذي تعبده و تدعو إليه ، و إضافة الرب ثانيا إلى العزة المفيد لاختصاصه تعالى بالعزة فهو منيع الجانب على الإطلاق فلا يذله مذل و لا يغلبه غالب و لا يفوته هارب فالمشركون أعداء الحق المهددون بالعذاب ليسوا له بمعجزين .


قوله تعالى : « و سلام على المرسلين»تسليم على عامة المرسلين و صون لهم من أن يصيبهم من قبله تعالى ما يسوؤهم و يكرهونه .


قوله تعالى : « و الحمد لله رب العالمين» تقدم الكلام فيه في تفسير سورة الفاتحة .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج محمد بن نضر و ابن عساكر عن العلاء بن سعيد : أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال يوما لجلسائه : أطت السماء و حق لها أن تئط ، ليس منها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد . ثم قرأ « و إنا لنحن الصافون و إنا لنحن المسبحون» .


أقول : و روي هذا المعنى عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بغير هذا الطريق .


و فيه ، أخرج ابن مردويه عن أنس : أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان إذا قام إلى الصلاة قال : استووا تقدم يا فلان تأخر يا فلان أقيموا صفوفكم يريد الله بكم هدى الملائكة ثم يتلو : « و إنا لنحن الصافون و إنا لنحن المسبحون» .


و في نهج البلاغة ، : قال (عليه‏السلام‏) في وصف الملائكة : و صافون لا يتزايلون و مسبحون لا يسأمون

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :