امروز:
چهار شنبه 29 شهريور 1396
بازدید :
599
تفسيرالميزان : سوره زمر آيات 37- 1


39 سورة الزمر مكية و هي خمس و سبعون آية 75



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :231


سورة الزمر


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحَْكِيمِ‏(1) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْك الْكتَب بِالْحَقّ‏ِ فَاعْبُدِ اللَّهَ مخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ‏(2) أَلا للَّهِ الدِّينُ الخَْالِصوَ الَّذِينَ اتخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يحْكُمُ بَيْنَهُمْ فى مَا هُمْ فِيهِ يخْتَلِفُونَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبٌ كفَّارٌ(3) لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفَى مِمَّا يخْلُقُ مَا يَشاءُسبْحَنَهُهُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ(4) خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض بِالْحَقّ‏ِيُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلى النهَارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلى الَّيْلِوَ سخَّرَ الشمْس وَ الْقَمَرَكلٌّ يجْرِى لأَجَلٍ مُّسمًّىأَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّرُ(5) خَلَقَكم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنهَا زَوْجَهَا وَ أَنزَلَ لَكم مِّنَ الأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٍيخْلُقُكُمْ فى بُطونِ أُمَّهَتِكمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فى ظلُمَتٍ ثَلَثٍذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكلا إِلَهَ إِلا هُوَفَأَنى تُصرَفُونَ‏(6) إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنىٌّ عَنكُمْوَ لا يَرْضى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَوَ إِن تَشكُرُوا يَرْضهُ لَكُمْوَ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىثمَّ إِلى رَبِّكم مَّرْجِعُكمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَإِنَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصدُورِ(7) × وَ إِذَا مَس الانسنَ ضرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسىَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَ جَعَلَ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سبِيلِهِقُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِك قَلِيلاًإِنَّك مِنْ أَصحَبِ النَّارِ(8) أَمَّنْ هُوَ قَنِتٌ ءَانَاءَ الَّيْلِ ساجِداً وَ قَائماً يحْذَرُ الاَخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِقُلْ هَلْ يَستَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَإِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَبِ‏(9) قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْلِلَّذِينَ أَحْسنُوا فى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسنَةٌوَ أَرْض اللَّهِ وَسِعَةٌإِنَّمَا يُوَفى الصبرُونَ أَجْرَهُم بِغَيرِ حِسابٍ‏(10)


بيان


يظهر من خلال آيات السورة أن المشركين من قومه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) سألوه أن ينصرف عما هو عليه من التوحيد و الدعوة إليه و التعرض لآلهتهم و خوفوه بآلهتهم فنزلت السورة - و هي قرينة سورة ص بوجه - و هي تؤكد الأمر بأن يخلص دينه لله سبحانه و لا يعبأ بآلهتهم و أن يعلمهم أنه مأمور بالتوحيد و إخلاص الدين الذي تواترت الآيات من طريق الوحي و العقل جميعا عليه .


و لذلك نراه سبحانه يعطف الكلام عليه في خلال السورة مرة بعد مرة كقوله في مفتتح السورة : « فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص» ثم يرجع إليه و يقول :


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :232


«قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين» - إلى قوله - « قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه» .


ثم يقول : « إنك ميت و إنهم ميتون» إلخ ثم يقول : « أ ليس الله بكاف عبده و يخوفونك بالذين من دونه» ثم يقول : « قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل» ثم يقول : « قل أ فغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون» إلى غير ذلك من الإشارات .


ثم عمم الاحتجاج على توحده تعالى في الربوبية و الألوهية من الوحي و من طريق البرهان و قايس بين المؤمنين و المشركين مقايسات لطيفة فوصف المؤمنين بأجمل أوصافهم و بشرهم بما سيثيبهم في الآخرة مرة بعد مرة و ذكر المشركين و أنذرهم بما سيلحقهم من الخسران و عذاب الآخرة مضافا إلى ما يصيبهم في الدنيا من وبال أمرهم كما أصاب الذين كذبوا من الأمم الدارجة من عذاب الخزي في الحياة الدنيا و لعذاب الآخرة أكبر .


و من ثم وصفت السورة يوم البعث و خاصة في مختتمها بأوضح الوصف و أتمه .


و السورة مكية لشهادة سياق آياتها بذلك و كأنها نزلت دفعة واحدة لما بين آياتها من الاتصال .


و الآيات العشر المنقولة تجمع الدعوة من طريق الوحي و الحجة العقلية بادئة بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


قوله تعالى : « تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم» « تنزيل الكتاب» خبر لمبتدإ محذوف ، و هو مصدر بمعنى المفعول فيكون إضافته إلى الكتاب من إضافة الصفة إلى موصوفها و « من الله» متعلق بتنزيل و المعنى هذا كتاب منزل من الله العزيز الحكيم .


و قيل : « تنزيل الكتاب» مبتدأ و « من الله» خبره و لعل الأول أقرب إلى الذهن .


قوله تعالى : « إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين» عبر بالإنزال دون التنزيل كما في الآية السابقة لأن القصد إلى بيان كونه بالحق و هو يناسب مجموع ما نزل إليه من ربه .


و قوله : « بالحق» الباء فيه للملابسة أي أنزلناه إليك متلبسا بالحق فما فيه من الأمر بعبادة الله وحده حق ، و على هذا المعنى فرع عليه قوله : « فاعبد الله مخلصا له


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :233


الدين» و المعنى فإذا كان بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين لأن فيه ذلك .


و المراد بالدين - على ما يعطيه السياق - العبادة و يمكن أن يراد به سنة الحياة و هي الطريقة المسلوكة في الحياة في المجتمع الإنساني ، و يراد بالعبادة تمثيل العبودية بسلوك الطريق التي شرعها الله سبحانه و المعنى فأظهر العبودية لله في جميع شئون حياتك باتباع ماشرعه لك فيها و الحال أنك مخلص له دينك لا تتبع غير ما شرعه لك .


قوله تعالى : « ألا لله الدين الخالص» إظهار و إعلان لما أضمر و أجمل في قوله : « بالحق» و تعميم لما خصص في قوله : « فاعبد الله مخلصا له الدين» أي إن الذي أوحيناه إليك من إخلاص الدين لله واجب على كل من سمع هذا النداء ، و لكون الجملة نداء مستقلا أظهر اسم الجلالة و كان مقتضى الظاهر أن يضمر و يقال : له الدين الخالص .


و معنى كون الدين الخالص له أنه لا يقبل العبادة ممن لا يعبده وحده سواء عبده و غيره أو عبد غيره وحده .


قوله تعالى : « و الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» إلى آخر الآية تقدم أن الوثنية يرون أن الله سبحانه أجل من أن يحيط به الإدراك الإنساني من عقل أو وهم أو حس فيتنزه تعالى عن أن يقع عليه توجه عبادي منا .


فمن الواجب أن نتقرب إليه بالتقرب إلى مقربيه من خلقه و هم الذين فوض إليهم تدبير شئون العالم فنتخذهم أربابا من دون الله ثم آلهة نعبدهم و نتقرب إليهم ليشفعوا لنا عند الله و يقربونا إليه زلفى و هؤلاء هم الملائكة و الجن و قديسو البشر و هؤلاء هم الأرباب و الآلهة بالحقيقة .


أما الأصنام المصنوعة المنصوبة في الهياكل و المعابد فإنما هي تماثيل للأرباب و الآلهة و ليست في نفسها أربابا و لا آلهة غير أن الجهلة من عامتهم ربما لم يفرقوا بين الأصنام و أرباب الأصنام فعبدوا الأصنام كما يعبد الأرباب و الآلهة و كذلك كانت عرب الجاهلية و كذلك الجهلة من عامة الصابئين ربما لم يفرقوا بين أصنام الكواكب و الكواكب التي هي أيضا أصنام لأرواحها الموكلة عليها و بين أرواحها التي هي الأرباب و الآلهة بالحقيقة عند خاصتهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :234


و كيف كان فالأرباب و الآلهة هم المعبودون عندهم و هم موجودات ممكنة مخلوقة لله مقربة عنده مفوضة إليهم تدبير أمر العالم لكل بحسب منزلته و أما الله سبحانه فليس له إلا الخلق و الإيجاد و هو رب الأرباب و إله الآلهة .


إذا تذكرت ما مر ظهر أن المراد بقوله : « و الذين اتخذوا من دونه أولياء» اتخاذهم أربابا يدبرون الأمر بأن يسندوا الربوبية و أمر التدبير إليهم لا إلى الله فهم المدبرون للأمر عندهم و يتفرع عليه أن يخضع لهم و يعبدوا لأن العبادة لجلب النفع أو لدفع الضرر أو شكر النعم و كل ذلك إليهم لتصديهم أمر التدبير دون الله سبحانه .


فالمراد باتخاذهم أولياء اتخاذهم أربابا 1 ، و لذا عقباتخاذ الأولياء بذكر العبادة « ما نعبدهم إلا ليقربونا» فقوله : « و الذين اتخذوا من دونه أولياء» مبتدأ خبره « إن الله يحكم» إلخ و المراد بهم المشركون القائلون بربوبية الشركاء و ألوهيتهم دون الله إلا ما ذهب إليه جهلتهم من كونه تعالى شريكا لهم في المعبودية .


و قوله : « ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» تفسير لمعنى اتخاذ الأولياء من دون الله و هو حكاية لقولهم أو بتقدير القول أي يقولون : ما نعبدهم هؤلاء إلا ليقربونا بسبب عبادتنا لهم إلى الله تقريبا فهم عادلون منه تعالى إلى غيره ، و إنما سموا مشركين لأنهم يشركون به تعالى غيره حيث يقولون بكونهم أربابا و آلهة للعالم و كونه تعالى ربا و إلها لأولئك الأرباب و الآلهة ، و أما الشركة في الخلق و الإيجاد فلم يقل به لا مشرك و لا موحد .


و قوله : « إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون» قيل : ضمير الجمع للمشركين و أوليائهم أي إن الله يحكم بين المشركين و بين أوليائهم فيما هم فيه يختلفون ، و قيل : الضميران راجعان إلى المشركين و خصمائهم من أهل الإخلاص في الدين المفهوم من السياق ، و المعنى إن الله يحكم بينهم و بين المخلصين للدين .


و قوله : « إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار» الكفار كثير الكفران لنعم الله


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :235


أو كثير الستر للحق ، و في الجملة إشعار بل دلالة على أن الحكم يوم القيامة على المشركين لا لهم و أنهم مسيرون إلى العذاب ، و المراد بالهداية الإيصال إلى حسن العاقبة .


قوله تعالى : « لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار» احتجاج على نفي قولهم : إن الله اتخذ ولدا ، و قول بعضهم : الملائكة بنات الله .


و القول بالولد دائر بين عامة الوثنية على اختلاف مذاهبهم و قد قالت النصارى : المسيح ابن الله ، و قالت اليهود على ما حكاه القرآن عنهم : عزير ابن الله و كأنها بنوة تشريفية .


و البنوة كيفما كانت تقتضي شركة ما بين الابن و الأب و الولد و الوالد فإن كانت بنوة حقيقية و هي اشتقاق شي‏ء من شي‏ء و انفصاله منه اقتضت الشركة في حقيقة الذات و الخواص و الآثار المنبعثة من الذات كبنوة إنسان لإنسان المقتضية لشركة الابن لأبيه في الإنسانية و لوازمها ، و إن كانت بنوة اعتبارية كالبنوة الاجتماعية و هو التبني اقتضت الاشتراك في الشئونات الخاصة بالأب كالسؤدد و الملك و الشرف و التقدم و الوراثة و بعض أحكام النسب ، و الحجة المسوقة في الآية تدل على استحالة اتخاذ الولد عليه تعالى بكلا المعنيين .


فقوله : « لو أراد الله أن يتخذ ولدا» شرط صدر بلو الدال على الامتناع للامتناع ، و قوله : « لاصطفى مما يخلق ما يشاء» أي لاختار لذلك مما يخلق ما يتعلق به مشيئته على ما يفيده السياق و كونه مما يخلق لكون ما عداه سبحانه خلقا له .


و قوله : « سبحانه» تنزيه له سبحانه ، و قوله : « هو الله الواحد القهار» بيان لاستحالة الشرط و هو إرادة اتخاذ الولد ليترتب عليه استحالة الجزاء و هو اصطفاء ما يشاء مما يخلق و ذلك لأنه سبحانه واحد في ذاته المتعالية لا يشاركه فيها شي‏ء و لا يماثله فيها أحد لأدلة التوحيد ، و واحد في صفاته الذاتية التي هي عين ذاته كالحياة و العلم و القدرة ، و واحد في شئونه التي هي من لوازم ذاته كالخلق و الملك و العزة و الكبرياء لا يشاركه فيها أحد .


و هو سبحانه قهار يقهر كل شي‏ء بذاته و صفاته فلا يستقل قبال ذاته و وجوده شي‏ء في ذاته و وجوده و لا يستغني عنه شي‏ء في صفاته و آثار وجوده فالكل أذلاء داخرون بالنسبة إليه مملوكون له فقراء إليه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :236


فمحصل حجة الآية قياس استثنائي ساذج يستثنى فيه نقيض المقدم لينتج نقيض التالي و هو نحو من قولنا : لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى لذلك بعض من يشاء من خلقه لكن إرادته اتخاذ الولد ممتنعة لكونه واحدا قهارا فاصطفاؤه لذلك بعض من يشاء من خلقه ممتنع .


و قد أغرب بعضهم في تقريب حجة الآية فقال : حاصل المعنى لو أراد سبحانه اتخاذ الولد لامتنعت تلك الإرادة لتعلقها بالممتنع أعني الاتخاذ لكن لا يجوز للباري إرادة ممتنعة لأنها ترجح بعض الممكنات على بعض .


و أصل الكلام لو اتخذ الولد لامتنع لاستلزامه ما ينافي الألوهية فعدل إلى لو أراد الاتخاذ لامتنع أن يريده ليكون أبلغ و أبلغ ثم حذف هذا الجواب و جي‏ء بدله لاصطفى تنبيها على أن الممكن هذا لا الأول و أنه لو كان هذا من اتخاذ الولد في شي‏ء لجاز اتخاذ الولد عليه سبحانه و تعالى شأنه عن ذلك فقد تحقق التلازم و حق نفي اللازم و إثبات الملزوم دون صعوبة .


انتهى .


و كأنه مأخوذ من قول الزمخشري في الكشاف ، في تفسير الآية حيث قال : يعني لو أراد اتخاذ الولد لامتنع و لم يصح لكونه محالا و لم يتأت إلا أن يصطفي من خلقه بعضه و يختصهم و يقربهم كما يختص الرجل ولده و يقربه و قد فعل ذلك بالملائكة فافتتنتم به و غركم اختصاصه إياهم فزعمتم أنهمأولاده جهلا منكم به و بحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام و الأعراض كأنه قال : لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه و هم الملائكة لكنكم لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولادا ثم تماديتم في جهلكم و سفهكم فجعلتموهم بنات فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء على الله و ملائكته غالين في الكفر انتهى .


و أنت خبير أن سياق الآية لا يلائم هذا البيان .


على أنه لا يدفع قول القائل بالتبني التشريفي كقول اليهود عزير ابن الله فإنهم لا يريدون بالتبني إلا اصطفاء من يشاء من خلقه .


و هناك بعضتقريبات أخر منهم لا جدوى فيه تركنا إيراده .


قوله تعالى : « خلق السموات و الأرض بالحق» لا يبعد أن يكون ما فيه من


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :237


الإشارة إلى الخلق و التدبير بيانا لقهاريته تعالى لكن اتصال الآيتين و ارتباطهما مضمونا و انتهاء الثانية إلى قوله : « ذلكم الله ربكم» إلخ كالصريح في أن ذلك استئناف بيان للاحتجاج على توحيد الربوبية .


فالآية و التي تليها مسوقتان لتوحيد الربوبية و قد جمع فيهما بين الخلق و التدبير لما مر مرارا أن إثبات وحدة الخالق لا يستلزم عند الوثني نفي تعدد الأربابو الآلهة لأنهم لا ينكرون انحصار الخلق و الإيجاد فيه تعالى لكنه سبحانه فيما يحتج على توحده في الربوبية و الألوهية في كلامه يجمع بين الخلق و التدبير إشارة إلى أن التدبير غير خارج من الخلق بل هو خلق بوجه كما أن الخلق تدبير بوجه و عند ذلك يتم الاحتجاج على رجوع التدبير إليه تعالى و انحصاره فيه برجوع الخلق إليه .


و قوله : « خلق السموات و الأرض بالحق» إشارة إلى الخلقة ، و في قوله : « بالحق» - و الباء للملابسة - إشارة إلى البعث فإن كون الخلقة حقا غير باطل يلازم كونها لغاية تقصدها و تنساق إليها و هي البعث قال تعالى : « و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما باطلا :» ص : - 27 .


و قوله : « يكور الليل على النهار و يكور النهار على الليل» قال في المجمع ، التكوير طرح الشي‏ء بعضه على بعض .


انتهى فالمراد طرح الليل على النهار و طرح النهار على الليل فيكون من الاستعارة بالكناية قريب المعنى من قوله : « يغشي الليل النهار :» الأعراف : - 54 و المراد استمرار توالي الليل و النهار بظهور هذا على ذاك ثم ذاك على هذا و هكذا ، و هو من التدبير .


و قوله : « و سخر الشمس و القمر كل يجري لأجل مسمى» أي سخر الشمس و القمر فأجراهما للنظام الجاري في العالم الأرضي إلى أجل مسمى معين لا يتجاوزانه .


و قوله : « ألا هو العزيز الغفار» يمكن أن يكون في ذكر الاسمين إشارة إلى ما يحتج به على توحده تعالى في الربوبية و الألوهية فإن العزيز الذي لا يعتريه ذلة إن كان فهو الله و هو المتعين للعبادة لا غيره الذي تغشاه الذلة و تغمره الفاقة و كذا الغفار للذنوب إذا قيس إلى من ليس من شأنه ذلك .


و يمكن أن يكون ذكرهما تحضيضا على التوحيد و الإيمان بالله الواحد و المعنى


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :238


أنبهكم أنه هو العزيز فآمنوا به و اعتزوا بعزته، الغفار فآمنوا به يغفر لكم .


قوله تعالى : « خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها» إلخ الخطاب لعامة البشر ، و المراد بالنفس الواحدة - على ما تؤيده نظائره من الآيات - آدم أبو البشر ، و المراد بزوجها امرأته التي هي من نوعها و تماثلها في الإنسانية ، و « ثم» للتراخي بحسب رتبة الكلام .


و المراد أنه تعالى خلق هذا النوع و كثر أفراده من نفس واحدة و زوجها .


و قوله : « و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج» الأنعام هي الإبل و البقر و الضأن و المعز ، و كونها ثمانية أزواج باعتبار انقسامها إلى الذكر و الأنثى .


وتسمية خلق الأنعام في الأرض إنزالا لها باعتبار أنه تعالى يسمي ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم يكن إنزالا لها من خزائنه التي هي عنده و من الغيب إلى الشهادة قال تعالى : « و إن من شي‏ء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم :» الحجر : - 21 .


و قوله : « يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث» بيان لكيفية خلق من تقدم ذكره من البشر و الأنعام ، و في الخطاب تغليب أولي العقل على غيرهم ، و الخلق من بعد الخلق التوالي و التوارد كخلق النطفة علقة و خلق العلقة مضغة و هكذا ، و الظلمات الثلاث هي ظلمة البطن و الرحم و المشيمة كما قيل و رواه في المجمع ، عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) .


و قيل : المراد بها ظلمة الصلب و الرحم و المشيمة و هو خطأ فإن قوله : « في بطون أمهاتكم» صريح في أن المراد بالظلمات الثلاث ما في بطون النساء دون أصلاب الرجال .


و قوله : « ذلكم الله ربكم» أي الذي وصف لكم في الآيتين بالخلق و التدبير هو ربكم دون غيره لأن الرب هو المالك الذي يدبر أمر ما ملكه و إذ كان خالقا لكم و لكل شي‏ء دونكم و للنظام الجاري فيكم فهو الذي يملككم و يدبر أمركم فهو ربكم لا غير .


و قوله : « له الملك» أي على جميع المخلوقات في الدنيا و الآخرة فهو المليك على الإطلاق» و تقديم الظرف يفيد الحصر ، و الجملة خبر بعد خبر لقوله : « ذلكم الله» كما أن قوله : « لا إله إلا هو ، كذلك ، و انحصار الألوهية فيه تعالى فرع انحصار الربوبية فيه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :239


لأن الإله إنما يعبد لأنه رب مدبر فيعبد إما خوفا منه أو رجاء فيه أو شكرا له .


و قوله : « فأنى تصرفون» أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره و هو ربكم الذي خلقكم و دبر أمركم و هو المليك عليكم .


قوله تعالى : « إن تكفروا فإن الله غني عنكم و لا يرضىلعباده الكفر» إلى آخر الآية .


مسوق لبيان أن الدعوة إلى التوحيد و إخلاص الدين لله سبحانه ليست لحاجة منه تعالى إلى إقبالهم إليه بالانصراف عن عبادة غيره بل لعناية منه تعالى بهم فيدعوهم إلى سعادتهم اعتناء بها كما يعتني برزقهم فيفيض النعم عليهم و كما يعتني بحفظهم فيلهمهم أن يدفعوا الآفات عن أنفسهم .


فقوله : « إن تكفروا فإن الله غني عنكم» الخطاب لعامة المكلفين أي إن تكفروا بالله فلم توحدوه فإنه غني عنكم لذاته لا ينتفع بإيمانكم و طاعتكم و لا يتضرر بكفركم و معصيتكم فالنفع و الضرر إنما يتحققان في مجال الإمكانو الحاجة و أما الواجب الغني بذاته فلا يتصور في حقه انتفاع و لا تضرر .


و قوله : « و لا يرضى لعباده الكفر» دفع لما ربما يمكن أن يتوهم من قوله : « فإن الله غني عنكم» إنه إذا لم يتضرر بكفر و لم ينتفع بإيمان فلا موجب له أن يريد منا الإيمان و الشكر فدفعه بأن تعلق العناية الإلهية بكم يقتضي أن لا يرضى بكفركم و أنتم عباده .


و المراد بالكفر كفر النعمة الذي هو ترك الشكر بقرينة مقابلة قوله : « و إن تشكروا يرضه لكم» و بذلك يظهر أن التعبير بقوله : « لعباده» دون أن يقول : لكم للدلالة على علة الحكم أعني سبب عدم الرضا .


و المحصل أنكم عباد مملوكون لله سبحانه منغمرون في نعمه و رابطة المولوية و العبودية و هي نسبة المالكية و المملوكية لا تلائمه أن يكفر العبد بنعمة سيده فينسى ولاية مولاه و يتخذ لنفسه أولياء من دونه و يعصي المولى و يطيع عدوه و هو عبد عليه طابع العبودية لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا .


و قوله : « و إن تشكروا يرضه لكم» الضمير للشكر نظير قوله تعالى : « اعدلوا هو أقرب للتقوى :» المائدة : - 8 و المعنى و إن تشكروا الله بالجري على مقتضى العبودية


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :240


و إخلاص الدين له يرض الشكر لكم و أنتم عباده ، و الشكر و الكفر المقابل له ينطبقان على الإيمان و الكفر المقابل له .


و مما تقدم يظهر أن العباد في قوله : « و لا يرضى لعباده الكفر» عام يشمل الجميع فقول بعضهم : إنه خاص أريد به من عناهم في قوله : « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين :» الحجر : - 42 و هم المخلصون - أو المعصومون على ما فسره الزمخشري - و لازمه أن الله سبحانه رضي الإيمان لمن آمن و رضي الكفر لمن كفر إلا المعصومين فإنه أراد منهم الإيمان ، و صانهم عن الكفر سخيف جدا ، و السياق يأباه كل الإباء ، إذ الكلام مشعر حينئذ برضاه الكفر للكافر فيؤول معنى الكلام إلى نحو من قولنا : إن تكفروا فإن الله غني عنكم و لا يرضى للأنبياء مثلا الكفر لرضاه لهم الإيمان و إن تشكروا أنتم يرضه لكم و إن تكفروا يرضه لكم و هذا - كما ترى - معنى ردي‏ء ساقط و خاصة من حيث وقوعه في سياق الدعوة .


على أن الأنبياء مثلا داخلون فيمن شكر و قد رضي لهم الشكر و الإيمان و لم يرض لهم الكفر فلا موجب لإفرادهم بالذكر و قد ذكر الرضا عمن شكر .


و قوله : « و لا تزر وازرة وزر أخرى» أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى أي لا يؤاخذ بالذنب إلا من ارتكبه .


و قوله : « ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور» أي هذا في الدنيا من كفر أو شكر ثم يبعثكم الله فيظهر لكم حقيقة أعمالكم و يحاسبكم على ما في قلوبكم و قد تكرر الكلام في معاني هذه الجمل فيما تقدم .


كلام في معنى الرضا و السخط من الله


الرضا من المعاني التي يتصف بها أولو الشعور و الإرادة و يقابله السخط و كلاهما وصفان وجوديان .


ثم الرضا يتعلق بالمعاني من الأوصاف و الأفعال دون الذوات يقال : رضي له كذا و رضي بكذا قال تعالى : « و لو أنهم رضوا ما آتاهم الله و رسوله :» التوبة : - 59 و قال :


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :241


و رضوا بالحياة الدنيا :» يونس : - 7 و ما ربما يتعلق بالذوات فإنما هو بعناية ما و يؤول بالآخرة إلى المعنى كقوله : « و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى :» البقرة : - 120 .


و ليس الرضا هو الإرادة بعينها و إن كان كلما تعلقت به الإرادة فقد تعلق به الرضا بعد وقوعه بوجه .


و ذلك لأن الإرادة - كما قيل - تتعلق بأمر غير واقع و الرضا إنما يتعلق بالأمر بعد وقوعه أو فرض وقوعه فإذن كون الإنسان راضيا بفعل كذا كونه بحيث يلائم ذلك الفعل و لا ينافره ، و هو وصف قائم بالراضي دون المرضي .


ثم الرضا لكونه متعلقا بالأمر بعد وقوعه كان متحققا بتحقق المرضي حادثا بحدوثه فيمتنع أن يكون صفة من الصفات القائمة بذاته لتنزهه تعالى عن أن يكون محلا للحوادث فما نسب إليه تعالى من الرضا صفة فعل قائم بفعله منتزع عنه كالرحمة و الغضب و الإرادة و الكراهة قال تعالى : « رضي الله عنهم و رضوا عنه :» البينة : - 8 و قال : « و أن أعمل صالحا ترضاه :» النمل : - 19 ، و قال : « و رضيت لكم الإسلام دينا :» المائدة : - 3 .


فرضاه تعالى عن أمر من الأمور ملائمة فعله تعالى له ، و إذ كان فعله قسمين تكويني و تشريعي انقسم الرضا منه أيضا إلى تكويني و تشريعي فكل أمر تكويني و هو الذي أراد الله و أوجده فهو مرضي له رضا تكوينيا بمعنى كون فعله و هو إيجاده عن مشية ملائما لما أوجده ، و كل أمر تشريعي و هو الذي تعلق به التكليف من اعتقاد أو عمل كالإيمان و العمل الصالح فهو مرضي له رضا تشريعيا بمعنى ملاءمة تشريعه للمأتي به .


و أما ما يقابل هذه الأمور المأمور بها مما تعلق به نهي فلا يتعلق بها رضا البتة لعدم ملاءمة التشريع لها كالكفر و الفسوق كما قال تعالى : « إن تكفروا فإن الله غني عنكم و لا يرضى لعباده الكفر :» الزمر : - 7، و قال : « فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين :» التوبة : - 96 .


قوله تعالى : « و إذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه» إلى آخر الآية الإنابة الرجوع ، و التخويل العطية العظيمة على وجه الهبة و هي المنحة .


على ما في المجمع، .


لما مر في الآية السابقة ذكر من كفر النعمة و أن الله سبحانه على غناه من الناس


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :242


لا يرضى لهم ذلك نبه في هذه الآية على أن الإنسان كفور بالطبع مع أنه يعرف ربه بالفطرة و لا يلبث عند الاضطرار دون أن يرجع إليه فيسأله كشف ضره كما قال : « و كان الإنسان كفورا :» الإسراء : - 67 ، و قال : « إن الإنسان لظلوم كفار :» إبراهيم : - 34 .


فقوله : « و إذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه» أي إذا أصاب الإنسان ضر من شدة أو مرض أو قحط و نحوه دعا ربه - و هو الله يعترف عند ذلك بربوبيته - راجعا إليه معرضا عمن سواه يسأله كشف الضر عنه .


و قوله : « ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل» أي و إذا أعطاه ربه سبحانه بعد كشف الضر نعمة منه اشتغل به مستغرقا و نسي الضر الذي كان يدعو إليه أي إلى كشفه من قبل إعطاء النعمة .


فما في قوله : «ما كان يدعوا إليه» موصولة و المراد به الضر و ضمير « إليه» له و قيل : مصدرية و الضمير للرب سبحانه و المعنى نسي دعاءه إلى ربه من قبل الإعطاء ، و قيل : موصولة و المراد به الله سبحانه و هو أبعد الوجوه .


و قوله : « و جعل لله أندادا ليضل عن سبيله» الأنداد الأمثال و المراد بها - على ما قيل - الأصنام و أربابها ، و اللام في « ليضل عن سبيله» للعاقبة ، و المعنى و اتخذ الله أمثالا يشاركونه في الربوبية و الألوهية على مزعمته لينتهي به ذلك إلى إضلال الناس عن سبيل الله لأن الناس مطبوعون على التقليد يتشبه بعضهم ببعضو في الفعل دعوة كالقول .


و لا يبعد أن يراد بالأنداد مطلق الأسباب التي يعتمد عليها الإنسان و يطمئن إليها و من جملتها أرباب الأصنام عند الوثني و ذلك لأن الآية تصف الإنسان و هو أعم من المشرك نعم مورد الآية هو الكافر .


و قوله : « قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار» أي تمتع تمتعا قليلا لا يدوم لك لأنك من أصحاب النار مصيرك إليها ، و هو أمر تهديدي في معنى الإخبار أي إنك إلى النار و لا يدفعها عنك تمتعك بالكفر أياما قلائل .


قوله تعالى : « أمن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما يحذر الآخرة و يرجوا رحمة ربه»الآية لا تخلو عن مناسبة و اتصال بقوله السابق : « و لا تزر وازرة وزر أخرى»


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :243


فإن فحواه أن الكافر و الشاكر لا يستويان و لا يختلطان فأوضح ذلك في هذه الآية بأن القانت الذي يخاف العذاب و يرجو رحمة لا يساوي غيره .


فقوله : « أمن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما يحذر الآخرة و يرجوا رحمة ربه» أحد شقي الترديد محذوف و التقدير أ هذا الذي ذكرناه خير أم من هو قانت إلخ ؟ .


و القنوت - على ما ذكره الراغب - لزوم الطاعة مع الخضوع ، و الآناء جمع أنى و هو الوقت ، و « يحذر الآخرة» أي عذاب الله في الآخرة قال تعالى : « إن عذاب ربك كان محذورا :» الإسراء : - 57 ، و قوله : « يرجوا رحمة ربه» هو و ما قبله يجمعان خوف العذاب و رجاء الرحمة ، و لم يقيد الرحمة بالآخرة فإن رحمة الآخرة ربما وسعت الدنيا .


و المعنى أ هذا الكافر الذي هو من أصحاب النار خير أم من هو لازم للطاعة و الخضوع لربه في أوقات الليل إذا جن عليه ساجدا في صلاته تارة قائما فيها أخرى يحذر عذاب الآخرة و يرجو رحمة ربه ؟ أي لا يستويان .


و قوله : « قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون» العلم و عدمه مطلقان لكن المراد بهما بحسب ما ينطبق على مورد الآية العلم بالله و عدمه فإن ذلك هو الذي يكمل به الإنسان و ينتفع بحقيقة معنى الكلمة و يتضرر بعدمه ، و غيره من العلم كالمال ينتفع به في الحياة الدنيا و يفنى بفنائها .


و قوله : « إنما يتذكر أولوا الألباب» أي ذوو العقول و هو في مقام التعليل لعدم تساوي الفريقين بأن أحد الفريقين يتذكر حقائق الأمور دون الفريق الآخر فلا يستويان بل يترجح الذين يعلمون على غيرهم .


قوله تعالى : « قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة» إلى آخر الآية ، الجار و المجرور « في هذه الدنيا» متعلق بقوله : « أحسنوا» فالمراد بالجملة وعد الذين أحسنوا أي لزموا الأعمال الحسنة أن لهم حسنة لا يقدر وصفها بقدر .


و قد أطلق الحسنة فلم يقيدها بدنيا أو آخرة و ظاهرها ما يعلم الدنيا فللمؤمنين المحسنين في هذه الدنيا طيب النفس و سلامة الروح و صون النفوس عما يتقلب فيه الكفار من تشوش البال و تقسم القلب و غل الصدر و الخضوع للأسباب الظاهرية و فقد من يرجى


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :244


في كل نائبة و ينصر عند طروق الطارقة و يطمأن إليه في كل نازلة و في الآخرة سعادة دائمة و نعيم مقيم .


و قيل : «في هذه الدنيا» متعلق بحسنة .


و ليس بذاك .


و قوله : « و أرض الله واسعة» حث و ترغيب لهم في الهجرة من مكة إذ كان التوقف فيها صعبا على المؤمنين بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المشركون يزيدون كل يوم في التشديد عليهم و فتنتهم ، و الآية بحسب لفظها عامة .


و قيل : المراد بأرض الله الجنة أي إن الجنة واسعة لا تزاحم فيها فاكتسبوها بالطاعة و العبادة .


و هو بعيد .


و قوله : « إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» توفية الأجر إعطاؤه تاما كاملا ، و السياق يفيد أن القصر في الكلام متوجه إلى قوله : « بغير حساب» فالجار و المجرور متعلق بقوله : « يوفى» صفة لمصدر يدل عليه و المعنى لا يعطى الصابرون أجرهم إلا إعطاء بغير حساب ، فالصابرون لا يحاسبون على أعمالهم و لا ينشر لهم ديوان و لا يقدر أجرهم بزنة عملهم .


و قد أطلق الصابرون في الآية و لم يقيد بكون الصبر على الطاعة أو عن المعصية أو عند المصيبة و إن كان الذي ينطبق على مورد الآية هو الصبر على مصائب الدنيا و خاصة ما يصيب من جهة أهل الكفر و السوق من آمن بالله و أخلص له دينه و اتقاه .


و قيل : « بغير حساب» حال من « أجرهم» و يفيد كثرة الأجر الذي يوفونه ، و الوجه السابق أقرب .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي : أن رجلا قال : يا رسول الله إنا نعطي أموالنا التماس الذكر فهل لنا في ذلك من أجر ؟ فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إن الله لا يقبل إلا ممن أخلص له . ثم تلا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) هذه الآية « ألا لله الدين الخالص» .


و فيه ، أخرج ابن جرير من طريق جويبر عن ابن عباس : « و الذين اتخذوا من دونه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :245


أولياء» الآية قال : أنزلت في ثلاثة أحياء : عامر و كنانة و بني سلمة كانوا يعبدون الأوثان و يقولون : الملائكة بناته فقالوا : « ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» .


أقول : الآية مطلقة تشمل عامة الوثنيين ، و قول : « ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» قول جميعهم ، و كذا القول بالولد و لا تصريح في الآية بالقول بكون الملائكة بنات فالحق أن الخبر من التطبيق .


و في الكافي ، و العلل ، بإسنادهما عن زرارة عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : قلت : « آناء الليل ساجدا و قائما» إلخ قال : يعني صلاة الليل .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله عز و جل : « هليستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون - إنما يتذكر أولوا الألباب» قال نحن الذين يعلمون ، و عدونا الذين لا يعلمون ، و شيعتنا أولو الألباب .


أقول : و هذا المعنى مروي بطرق كثيرة عن الباقر و الصادق (عليهماالسلام‏) و هو جري و ليس من التفسير في شي‏ء .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن سعد في طبقاته و ابن مردويه عن ابن عباس : في قوله : « أمن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما» قال : نزلت في عمار بن ياسر : . أقول : و روي مثله عن جويبر عن عكرمة ، و روي عن جويبر عن ابن عباس أيضا : أنها نزلت في ابن مسعود و عمار و سالم مولى أبي حذيفة : . و روي عن أبي نعيم و ابن عساكر عن ابن عمر أنه عثمان و قيل غير ذلك ، و الجميع من التطبيق و ليس من النزول بالمعنى المصطلح عليه ، و السورة نازلة دفعة .


و في المجمع ، روى العياشي بالإسناد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إذا نشرت الدواوين و نصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان و لم ينشر لهم ديوان . ثم تلا هذه الآية « إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» .


أقول : و روي ما في معناه في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن أنس بن مالك عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في حديث .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :246


قُلْ إِنى أُمِرْت أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ‏(11) وَ أُمِرْت لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسلِمِينَ‏(12) قُلْ إِنى أَخَاف إِنْ عَصيْت رَبى عَذَاب يَوْمٍ عَظِيمٍ‏(13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مخْلِصاً لَّهُ دِينى‏(14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِقُلْ إِنَّ الخَْسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِأَلا ذَلِك هُوَ الخُْسرَانُ الْمُبِينُ‏(15) لهَُم مِّن فَوْقِهِمْ ظلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَ مِن تحْتهِمْ ظلَلٌذَلِك يخَوِّف اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُيَعِبَادِ فَاتَّقُونِ‏(16) وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطغُوت أَن يَعْبُدُوهَا وَ أَنَابُوا إِلى اللَّهِ لهَُمُ الْبُشرَىفَبَشرْ عِبَادِ(17) الَّذِينَ يَستَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسنَهُأُولَئك الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُوَ أُولَئك هُمْ أُولُوا الأَلْبَبِ‏(18) أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كلِمَةُ الْعَذَابِ أَ فَأَنت تُنقِذُ مَن فى النَّارِ(19) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبهُمْ لهَُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُوَعْدَ اللَّهِلا يخْلِف اللَّهُ الْمِيعَادَ(20)


بيان


في الآيات نوع رجوع إلى أول الكلام و أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يبلغهم أن الذي يدعوهم إليه من التوحيد و إخلاص الدين لله هو مأمور به كأحدهم و يزيد أنه مأمور أن يكون


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :247


أول مسلم لما يدعو إليه أي يكون بحيث يدعو إلى ما قد أسلم له و آمن به قبل ، سواء أجابوا إلى دعوته أو ردوها .


فعليهم أن لا يطمعوا فيه أن يخالف فعله قوله و سيرته دعوته فإنه مجيب لربه مسلم له متصلب في دينه خائف منه أن يعصيه ثم تنذر الكافرين و تبشر المؤمنين بما أعد الله سبحانه لكل من الفريقين من عذاب أو نعمة .


قوله تعالى : « قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين - إلى قوله - أول المسلمين» نحو رجوع إلى قوله تعالى في مفتتح السورة : « إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين» بداعي أن يؤيسهم من نفسه ، فلا يطمعوا فيه أن يترك دعوتهم و يوافقهم على الإشراك بالله كما يشير إليه أول سورة ص و آيات أخر .


فكأنه يقول : قل لهم إن الذي تلوت عليكم من أمره تعالى بعبادته بإخلاص الدين - و قد وجه به الخطاب إلي - ليس المراد به مجرد دعوتكم إلى ذلك بإقامتي في الخطاب مقام السامع فيكون من قبيل « إياك أعني و اسمعي يا جارة» بل أنا كأحدكم مأمور بعبادته مخلصا له الدين ، و لا ذلك فحسب ، بل مأمور بأن أكون أول المسلمين لما ينزل إلي من الوحي فأسلم له أولا ثم أبلغه لغيري - فأنا أخاف ربي و أعبده بالإخلاص آمنتم به أو كفرتم فلا تطمعوا في .


فقوله : « قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين» إشارة إلى أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يشارك غيره في الأمر بدون الإخلاص .


و قوله : « و أمرت لأن أكون أول المسلمين» إشارة إلى أن في الأمر المتوجه إلي زيادة على ما توجه إليكم من التكليف و هو أني أمرت بما أمرت و قد توجه الخطاب إلي قبلكم و الغرض منه أن أكون أول من أسلم لهذا الأمر و آمن به .


قيل : اللام في قوله : « لأن أكون» للتعليل و المعنى و أمرت بذلك لأجل أن أكون أول المسلمين ، و قيل : اللام زائدة كما تركت اللام في قوله تعالى : « قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم :» الأنعام : - 14 .


و مآل الوجهين واحد بحسب المعنى فإن كونه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أول المسلمين يعطي عنوانا


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :248


لإسلامه و عنوان الفعل يصح أن يجعل غاية للأمر بالفعل و أن يجعل متعلقا للأمر فيؤمر به يقال : اضربه للتأديب ، و يقال : أدبه بالضرب .


قال في الكشاف ، : و في معناه أوجه : أن أكون أول من أسلم في زماني و من قومي لأنه أول من خالف دين آبائه و خلع الأصنام و حطمها ، و أن أكون أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاما ، و أن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا غيره لأكون مقتدى بي في قولي و فعلي جميعا و لا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون ، و أن أفعل ما استحق به الأولية من أعمال السابقين دلالة على السبب بالمسبب .


انتهى .


و أنت خبير بأن الأنسب لسياق الآيات هو الوجه الثالث و هو الذي قدمناه و يلزمه سائر الوجوه .


قوله تعالى : « قال إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم» المراد بمعصية ربه بشهادة السياق مخالفة أمره بعبادته مخلصا له الدين ، و باليوم العظيم يوم القيامة و الآية كالتوطئة لمضمون الآية التالية .


قوله تعالى : « قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه» تصريح بأنه ممتثل لأمر ربه مطيع له بعد التكنية عنه في الآية السابقة ، و إياس لهم أن يطمعوا فيه أن يخالف أمر ربه .


و تقديم المفعول فيقوله : « قل الله أعبد» يفيد الحصر ، و قوله : « مخلصا له ديني» يؤكد معنى الحصر ، و قوله : « فاعبدوا ما شئتم من دونه» أمر تهديدي بمعنى أنهم لا ينفعهم ذلك فإنهم مصيبهم وبال إعراضهم عن عبادة الله بالإخلاص كما يشير إليه ذيل الآية « قل إن الخاسرين» إلخ .


قوله تعالى : « قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم و أهليهم يوم القيامة» إلخ الخسر و الخسران ذهاب رأس المال إما كلا أو بعضا و الخسران أبلغ من الخسر ، و خسران النفس هو إيرادها مورد الهلكة و الشقاء بحيث يبطل منها استعداد الكمال فيفوتها السعادة بحيث لا يطمع فيها و كذا خسارة الأهل .


و في الآية تعريض للمشركين المخاطبين بقوله : « فاعبدوا ما شئتم من دونه» كأنه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :249


يقول : فأيا ما عبدتم فإنكم تخسرون أنفسكم بإيرادها بالكفر مورد الهلكة و أهليكم و هم خاصتكم بحملهم على الكفر و الشرك و هي الخسران بالحقيقة .


و قوله : « ألا ذلك هو الخسران المبين» و ذلك لأن الخسران المتعلق بالدنيا - و هو الخسران في مال أو جاه - سريع الزوال منقطع الآخر بخلاف خسران يوم القيامة الدائم الخالد فإنه لا زوال له و لا انقطاع .


على أن المال أو الجاه إذازال بالخسران أمكن أن يخلفه آخر مثله أو خير منه بخلاف النفس إذا خسرت .


هذا على تقدير كون المراد بالأهل خاصة الإنسان في الدنيا ، و قيل : المراد بالأهل من أعده الله في الجنة للإنسان لو آمن و اتقى من أزواج و خدم و غيرهم و هو أوجه و أنسب للمقام فإن النسب و كل رابطة من الروابط الدنيوية الاجتماعية مقطوعة يوم القيامة قال تعالى : « فلا أنساب بينهم يومئذ :» المؤمنون : - 101 و قال : « يوم لا تملك نفس لنفس شيئا :» الانفطار : - 19 إلى غير ذلك من الآيات .


و يؤيده أيضا قوله تعالى : « فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا و ينقلب إلى أهله مسرورا :» الانشقاق : - 9 .


قوله تعالى : « لهم من فوقهم ظلل من النار و من تحتهم ظلل» إلخ الظلل جمع ظلة و هي - كما قيل - الستر العالي .


و المراد بكونها من فوقهم و من تحتهم إحاطتها بهم فإن المعهود من النار الجهتان و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « و الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها و أنابوا إلى الله لهم البشرى» قال الراغب : الطاغوت عبارة عن كل متعد و كل معبود من دون الله ، و يستعمل في الواحد و الجمع .


انتهى ، و الظاهر أن المراد بها في الآية الأوثان و كل معبود طاغ من دون الله .


و لم يقتصر على مجرد اجتناب عبادة الطاغوت بل أضاف إليه قوله : « و أنابوا إلى الله» إشارة إلى أن مجرد النفي لا يجدي شيئا بل الذي ينفع الإنسان مجموع النفي


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :250


و الإثبات ، عبادة الله و ترك عبادة غيره و هو عبادته مخلصا له الدين .


و قوله : « لهم البشرى» إنشاء بشرى و خبر لقوله : « و الذين اجتنبوا» إلخ .


قوله تعالى : « فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» إلى آخر الآية كان مقتضى الظاهر أن يقال : فبشرهم غير أنه قيل : فبشر عباد و أضيف إلى ضمير التكلم لتشريفهم به و لتوصيفهم بقوله : « الذين يستمعون القول» إلخ .


و المراد بالقول بقرينة ما ذكر من الاتباع ما له نوع ارتباط و مساس بالعمل فأحسن القول أرشده في إصابة الحق و أنصحه للإنسان ، و الإنسان إذا كان ممن يحب الحسن و ينجذب إلى الجمال كان كلما زاد الحسن زاد انجذابا فإذا وجد قبيحا و حسنا مال إلى الحسن ، و إذا وجد حسنا و أحسن قصد ما هو أحسن ، و أما لو لم يمل إلى الأحسن و انجمد على الحسن كشف ذلك عن أنه لا ينجذب إليه من حيث حسنه و إلا زاد الانجذاب بزيادة الحسن .


فتوصيفهم باتباع أحسن القول معناه أنهم مطبوعون على طلب الحق و إرادة الرشد و إصابة الواقع فكلما دار الأمر بين الحق و الباطل و الرشد و الغي اتبعوا الحق و الرشد و تركوا الباطل و الغي و كلما دار الأمر بين الحق و الأحق و الرشد و ما هو أكثر رشدا أخذوا بالأحق الأرشد .


فالحق و الرشد هو مطلوبهم و لذلك يستمعون القول و لا يردون قولا بمجرد ما قرع سمعهم اتباعا لهوى أنفسهم من غير أن يتدبروا فيه و يفقهوه .


فقوله : « الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» مفاده أنهم طالبو الحق و الرشد يستمعون القول رجاء أن يجدوا فيه حقا و خوفا أن يفوتهم شي‏ء منه .


و قيل : المراد باستماع القول و اتباع أحسنه استماع القرآن و غيره و اتباع القرآن ، و قيل : المراد استماع أوامر الله تعالى و اتباع أحسنها كالقصاص و العفو فيتبعون العفو و إبداء الصدقات و إخفائها فيتبعون الإخفاء ، و القولان من قبيل التخصيص من غير مخصص .


و قوله : « أولئك الذين هداهم الله» إشارة إلى أن هذه الصفة هي الهداية الإلهية و هذه الهداية أعني طلب الحق و التهيؤ التام لاتباع الحق أينما وجد هي الهداية الإجمالية


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :251


و إليها تنتهي كل هداية تفصيلية إلى المعارف الإلهية .


و قوله : « و أولئك هم أولوا الألباب» أي ذوو العقول و يستفاد منه أن العقل هو الذي به الاهتداء إلى الحق و آيته صفة اتباع الحق ، و قد تقدم في تفسير قوله : « و من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه :» البقرة : - 130 أنه يستفاد منه أن العقل ما يتبع به دين الله .


قوله تعالى : « أ فمن حق عليه كلمة العذاب أ فأنت تنقذ من في النار» ثبوت كلمة العذاب وجوب دخول النار بالكفر بقوله عند إهباط آدم إلى الأرض : « و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون :» البقرة : - 39 و ما في معناه من الآيات .


و مقتضى السياق أن في الآية إضمارا يدل عليه قوله : « أ فأنت تنقذ من في النار» و التقدير أ فمن حقت عليه كلمة العذاب ينجو منه و هو أولى من تقدير قولنا : خير أم من وجبت عليه الجنة .


و قيل : المعنى أ فمن وجب عليه وعيده تعالى بالعقاب أ فأنت تخلصه من النار فاكتفى بذكر « من في النار» عن ذكر الضمير العائد إلى المبتدإ و جي‏ء بالاستفهام مرتين للتأكيد تنبيها على المعنى .


و قيل : التقدير أ فأنت تنقذ من في النار منهم فحذف الضمير و هو أردأ الوجوه .


قوله تعالى : « لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتهاالأنهار» الغرف جمع غرفة و هي المنزل الرفيع .


قيل : و هذا في مقابلة قوله في الكافرين : « لهم من فوقهم ظلل من النار و من تحتهم ظلل» .


و قوله : « وعد الله» أي وعدهم الله ذلك وعدا فهو مفعول مطلق قائم مقام فعله و قوله : « لا يخلف الله الميعاد» إخبار عن سنته تعالى في مواعيده و فيه تطييب لنفوسهم .


بحث روائي


في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « قل


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :252


إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم و أهليهم» يقول : غبنوا أنفسهم و أهليهم .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و الذين اجتنبوا الطاغوت - أن يعبدوها و أنابوا إلى الله لهم البشرى» : روى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) أنه قال : أنتم هم و من أطاع جبارا فقد عبده .


أقول : و هو من الجري .


و في الكافي ، : بعض أصحابنا رفعه عن هشام بن الحكم قال : قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه‏السلام‏) : يا هشام إن الله تبارك و تعالى بشر أهل العقل و الفهم في كتابه فقال : « فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه - أولئك الذين هداهم الله و أولئك هم أولوا الألباب» .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم : في قوله تعالى : « و الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها» قال : نزلت هاتان الآيتان في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون : لا إله إلا الله ، في زيد بن عمرو بن نفيل و أبي ذر الغفاري و سلمان الفارسي : . أقول : و رواه في المجمع ، عن عبد الله بن زيد ، و روي في الدر المنثور ، أيضا عن ابن مردويه عن ابن عمر : أنها نزلت في سعيد بن زيد و أبي ذر و سلمان ، و روي أيضا عن جويبر عن جابر بن عبد الله : أنها نزلت في رجل من الأنصار أعتق سبعة مماليك لما نزل قوله تعالى : « لها سبعة أبواب» الآية ، و الظاهر أن الجميع من تطبيق القصة على الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :253


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :254


أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَسلَكَهُ يَنَبِيعَ فى الأَرْضِ ثُمَّ يخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مخْتَلِفاً أَلْوَنُهُ ثمَّ يَهِيجُ فَترَاهُ مُصفَرًّا ثُمَّ يجْعَلُهُ حُطماًإِنَّ فى ذَلِك لَذِكْرَى لأُولى الأَلْبَبِ‏(21) أَ فَمَن شرَحَ اللَّهُ صدْرَهُ لِلاسلَمِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِّن رَّبِّهِفَوَيْلٌ لِّلْقَسِيَةِ قُلُوبهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِأُولَئك فى ضلَلٍ مُّبِينٍ‏(22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسنَ الحَْدِيثِ كِتَباً مُّتَشبِهاً مَّثَانىَ تَقْشعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يخْشوْنَ رَبهُمْ ثمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِذَلِك هُدَى اللَّهِ يهْدِى بِهِ مَن يَشاءُوَ مَن يُضلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(23) أَ فَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِوَ قِيلَ لِلظلِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ‏(24) كَذَّب الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَاب مِنْ حَيْث لا يَشعُرُونَ‏(25) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الخِْزْى فى الحَْيَوةِ الدُّنْيَاوَ لَعَذَاب الاَخِرَةِ أَكْبرُلَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏(26) وَ لَقَدْ ضرَبْنَا لِلنَّاسِ فى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كلّ‏ِ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏(27) قُرْءَاناً عَرَبِياًّ غَيرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏(28) ضرَب اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شرَكاءُ مُتَشكِسونَ وَ رَجُلاً سلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَستَوِيَانِ مَثَلاًالحَْمْدُ للَّهِبَلْ أَكْثرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏(29) إِنَّك مَيِّتٌ وَ إِنهُم مَّيِّتُونَ‏(30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تخْتَصِمُونَ‏(31) × فَمَنْ أَظلَمُ مِمَّن كذَب عَلى اللَّهِ وَ كَذَّب بِالصدْقِ إِذْ جَاءَهُأَ لَيْس فى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَفِرِينَ‏(32) وَ الَّذِى جَاءَ بِالصدْقِ وَ صدَّقَ بِهِأُولَئك هُمُ الْمُتَّقُونَ‏(33) لهَُم مَّا يَشاءُونَ عِندَ رَبهِمْذَلِك جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ‏(34) لِيُكفِّرَ اللَّهُ عَنهُمْ أَسوَأَ الَّذِى عَمِلُوا وَ يجْزِيهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسنِ الَّذِى كانُوا يَعْمَلُونَ‏(35) أَ لَيْس اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُوَ يخَوِّفُونَك بِالَّذِينَ مِن دُونِهِوَ مَن يُضلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(36) وَ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍأَ لَيْس اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى انتِقَامٍ‏(37)


بيان


عود إلى بدء من الاحتجاج على ربوبيته تعالى و القول في اهتداء المهتدين و ضلال الضالين و المقايسة بين الفريقين و ما ينتهي إليه عاقبة أمر كل منهما ، و فيها معنى هداية القرآن .


قوله تعالى : « أ لم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض» إلى آخر الآية ، قال في المجمع ، : الينابيع جمع ينبوع و هو الذي ينبع منه الماء يقال نبع الماء من موضع كذا إذا فار منه ، و الزرع ما ينبت على غير ساق و الشجر ما له ساق و أغصان النبات يعم الجميع ، و هاج النبت يهيج هيجا إذا جف و بلغ نهايته في اليبوسة ، و الحطام فتات التبن و الحشيش .


انتهى .


و قوله : « فسلكه ينابيع في الأرض» أي فأدخله في عيون و مجاري في الأرض هي كالعروق في الأبدان تنقل ما تحمله من جانب إلى جانب ، و الباقي ظاهر و الآية - كما ترى - تحتج على توحده تعالى في الربوبية .


قوله تعالى : « أ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله» إلخ لما ذكر في الآيةالسابقة أن فيما ذكره من إنزال الماء و إنبات


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :255


النبات ذكرى لأولي الألباب و هم عباده المتقون و قد ذكر قبل أنهم الذين هداهم الله ذكر في هذه الآية أنهم ليسوا كغيرهم من الضالين و أوضح السبب في ذلك و هو أنهم على نور من ربهم يبصرون به الحق و في قلوبهم لين لا تعصي عن قبول ما يلقى إليهم من أحسن القول .


فقوله : « أ فمن شرح الله صدره» خبره محذوف يدل عليه قوله : « فويل للقاسية قلوبهم» إلخ أي كالقاسية قلوبهم و الاستفهام للإنكار أي لا يستويان .


و شرح الصدر بسطه ليسع ما يلقى إليه من القول و إذ كان ذلك للإسلام و هو التسليم لله فيما أراد و ليس إلا الحق كان معناه كون الإنسان بحيث يقبل ما يلقى إليه من القول الحق و لا يرده ، و ليس قبولا من غير دراية و كيفما كان بل عن بصيرة بالحق و عرفان بالرشد و لذا عقبه بقوله : « فهو على نور من ربه» فجعله بحسب التمثيل راكب نور يسير عليه و يبصر ما يمر به في ساحة صدره الرحب الوسيع من الحق فيبصره و يميزه من الباطل بخلاف الضال الذي لا في صدره شرح فيسع الحق و لا هو راكب نور من ربه فيبصر الحق و يميزه .


و قوله : « فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله» تفريع على الجملة السابقة بما يدل على أن القاسية القلوب - و قساوة القلب و صلابته لازمة عدم شرح الصدر و عدم النور - لا يتذكرون بآيات الله فلا يهتدون إلى ما تدل عليه من الحق ، و لذا عقبه بقوله : « أولئك في ضلال مبين» .


و في الآية تعريف الهداية بلازمها و هو شرح الصدر و جعله على نور من ربه ، و تعريف الضلال بلازمه و هو قساوة القلب من ذكر الله .


و قد تقدم في تفسير قوله : « و من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» الآية : الأنعام : - 125 كلام في معنى الهداية فراجع .


قوله تعالى : « الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني» إلى آخر الآية كالإجمال بعد التفصيل بالنسبة إلى الآية السابقة بالنظر إلى ما يتحصل من الآية في معنى الهداية و إن كانت بيانا لهداية القرآن .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :256


فقوله : « الله نزل أحسن الحديث» هو القرآن الكريم و الحديث هو القول كما في قوله تعالى : « فليأتوا بحديث مثله :» الطور : - 34 ، و قوله : « فبأي حديث بعده يؤمنون :» المرسلات : - 50 فهو أحسن القول لاشتماله على محض الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، و هو كلامه المجيد .


و قوله : « كتابا متشابها» أي يشبه بعض أجزائه بعضا و هذا غير التشابه الذي في المتشابه المقابل للمحكم فإنه صفة بعض آيات الكتاب و هذا صفة الجميع .


و قوله : « مثاني» جمع مثنية بمعنى المعطوف لانعطاف بعض آياته على بعض و رجوعه إليه بتبين بعضها ببعض و تفسير بعضها لبعض من غير اختلاف فيها بحيث يدفع بعضه بعضا و يناقضه كما قال تعالى : « أ فلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا :» النساء : - 82 .


و قوله : « تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم» صفة الكتاب و ليس استئنافا ، و الاقشعرار تقبض الجلد تقبضا شديدا لخشية عارضة عن استماع أمر هائل أو رؤيته ، و ليس ذلك إلا لأنهم على تبصر من موقف نفوسهم قبال عظمة ربهم فإذا سمعوا كلامه توجهوا إلى ساحة العظمة و الكبرياء فغشيت قلوبهم الخشية و أخذت جلودهم في الاقشعرار .


و قوله : « ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر الله» « تلين» مضمنة معنى السكون و الطمأنينة و لذا عدي بإلى و المعنى ثم تسكن و تطمئن جلودهم و قلوبهم إلى ذكر الله لينة تقبله أو تلين له ساكنة إليه .


و لم يذكر القلوب في الجملة السابقة عند ذكر الاقشعرار لأن المراد بالقلوب النفوس و لا اقشعرار لها و إنما لها الخشية .


و قوله : « ذلك هدى الله يهدي به من يشاء» أي ما يأخذهم من اقشعرار الجلود من القرآن ثم سكون جلودهم و قلوبهم إلى ذكر الله هو هدى الله و هذا تعريف آخر للهداية بلازمها .


و قوله : « يهدي به من يشاء» أي يهدي بهداه من يشاء من عباده و هو الذي لن يبطل استعداده للاهتداء و لم يشغل بالموانع عنه كالفسق و الظلم و في السياق


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :257


إشعار بأن الهداية من فضله و ليس بموجب فيها مضطر إليها .


و قيل : المشار إليه بقوله : « ذلك هدى الله» القرآن و هو كما ترى ، و قد استدل بالآيات على أن الهداية من صنع الله لا يشاركه فيها غيره ، و الحق أنها خالية عن الدلالة على ذلك و إن كان الحق هو ذلك بمعنى كونها لله سبحانه أصالة و لمن اختاره من عباده لذلك تبعا كما يستفاد من مثل قوله : « قل إن هدى الله هو الهدى :» البقرة : - 120 و قوله : « إن علينا للهدى :» الليل : - 12 ، و قوله : « و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا :» الأنبياء : - 73 ، و قوله : « و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم :» الشورى : - 52 .


فالهداية كلها لله إما بلا واسطة أو بواسطة الهداة المهديين من خلقه و على هذا فمن أضله من خلقه بأن لم يهده بالواسطة و لا بلا واسطة فلا هادي له و ذلك قوله في ذيل الآية : « و من يضلل الله فما له من هاد» و سيأتي الجملة بعد عدة آيات و هي متكررة في كلامه تعالى .


قوله تعالى : « أ فمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة و قيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون» مقايسة بين أهل العذاب يوم القيامة و الآمنين منه و الفريقان هما أهل الضلال و أهل الهدى و لذا عقب الآية السابقة بهذه الآية .


و الاستفهام للإنكار و خبر « من» محذوف و التقدير كمن هو في أمن منه ، و يوم القيامة متعلق بيتقي ، و المعنى أ فمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة لكون يده التي بها كان يتقي المكاره مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن من العذاب لا يصيبه مكروه .


كذا قيل .


و قيل : الاتقاء بوجهه بالمعنى المذكور لا وجه له لأن الوجه ليس مما يتقى به بل المراد الاتقاء بكليته أو بخصوص وجهه سوء عذاب يوم القيامة و يوم القيامة قيد للعذاب و المراد عكس الوجه السابق ، و المعنى أ فمن يتقي سوء العذاب الذي يوم القيامة في الدنيا بتقوى الله كالمصر على كفره ، و لا يخلو من التكلف .


و قوله : « و قيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون» القول لملائكة النار ، و الظاهر أن الجملة بتقدير قد أو بدونه و الأصل و قيل لهم ذوقوا « إلخ» لكن وضع الظاهر موضع


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :258


الضمير للدلالة على علة الحكم و هي الظلم .


قوله تعالى : « كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون» أي من الجهة التي لا يحتسبون ففوجئوا و أخذوا على غفلة و هو أشد الأخذ ، و في الآية و ما بعدها بيان لما أصاب بعض الكفار من عذاب الخزي ليكون عبرة لغيرهم .


قوله تعالى : « فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا و لعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون» الخزي هو الذل و الصغار ، و قد أذاقهم الله ذلك في ألوان من العذاب أنزلنا عليهم كالغرق و الخسف و الصيحة و الرجفة و المسخ و القتل .


قوله تعالى : « و لقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون» أي ضربنا لهم من كل نوع من الأمثال شيئا لعلهم يتنبهون و يعتبرون و يتعظون بتذكر ما تتضمنه .


قوله تعالى : « قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون» العوج الانحراف و الانعطاف ، « قرآنا عربيا» منصوب على المدح بتقدير أمدح أو أخص و نحوه أو حال معتمد على الوصف .


قوله تعالى : « ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان» إلخ ، قال الراغب : الشكس - بالفتح فالكسر - سيى‏ء الخلق ، و قوله : « شركاء متشاكسون» أي متشاجرون لشكاسة خلقهم .


انتهى و فسروا السلم بالخالص الذي لا يشترك فيه كثيرون .


مثل ضربه الله للمشرك الذي يعبد أربابا و آلهة مختلفين فيشتركون فيه و هم متنازعون فيأمره هذا بما ينهاه عنه الآخر و كل يريد أن يتفرد فيه و يخصه بخدمة نفسه ، و للموحد الذي هو خالص لمخدوم واحد لا يشاركه فيه غيره فيخدمه فيما يريد منه من غير تنازع يؤدي إلى الحيرة فالمشرك هو الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون و الموحد هو الرجل الذي هو سلم لرجل .


لا يستويان بل الذي هو سلم لرجل أحسنحالا من صاحبه .


و هذا مثل ساذج ممكن الفهم لعامة الناس لكنه عند المداقة يرجع إلى قوله


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :259


تعالى : « لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا :» الأنبياء : - 22 و عاد برهانا على نفي تعدد الأرباب و الآلهة .


و قوله : « الحمد لله» ثناء لله بما أن عبوديته خير من عبودية من سواه .


و قوله : « بل أكثرهم لا يعلمون» مزية عبادته على عبادة غيره على ما له من الظهور التام لمن له أدنى بصيرة .


قوله تعالى : « إنك ميت و إنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون» الآية الأولى تمهيد لما يذكر في الثانية من اختصامهم يوم القيامة عند ربهم و الخطاب في « إنكم» للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أمته أو المشركين منهم خاصة و الاختصام - كما في المجمع ، - رد كل واحد من الاثنين ما أتى به الآخر على وجه الإنكار عليه .


و المعنى : إن عاقبتك و عاقبتهم الموت ثم إنكم جميعا يوم القيامة بعد ما حضرتم عند ربكم تختصمون و قد حكى مما يلقيه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا :» الفرقان : - 30 .


و الآيتان عامتان بحسب لفظهما لكن الآيات الأربع التالية تؤيد أن المراد بالاختصام ما يقع بين النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و بين الكافرين من أمته يوم القيامة .


قوله تعالى : « فمن أظلم ممن كذب على الله و كذب بالصدق إذ جاءه أ ليس في جهنم مثوى للكافرين» في الآية و ما بعدها مبادرة إلى ذكر ما ينتهي إليه أمر اختصامهم يوم القيامة و تلويح إلى ما هو نتيجة القضاء بينهم كأنه قيل : و نتيجة ما يقضى به بينكم معلومة اليوم و أنه من هو الناجي منكم ، و من هو الهالك ؟ فإن القضاء يومئذ يدور مدار الظلم و الإحسان و لا أظلم من الكافر و المؤمن متق محسن و الظلم إلى النار و الإحسان إلى الجنة .


هذا ما يعطيه السياق .


فقوله : « فمن أظلم ممن كذب على الله» أي افترى عليه بأن ادعى أن له شركاء و الظلم يعظم بعظم من تعلق به و إذا كان هو الله سبحانه كان أعظم من كل ظلم و مرتكبه أظلم من كل ظالم .


و قوله : « و كذب بالصدق إذ جاءه» المراد بالصدق الصادق من النبإ و هو الدين


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :260


الإلهي الذي جاء به الرسول بقرينة قوله : « إذ جاءه» .


و قوله : « أ ليس في جهنم مثوى للكافرين» المثوى اسم مكان بمعنى المنزل و المقام ، و الاستفهام للتقرير أي إن في جهنم مقام هؤلاء الظالمين لتكبرهم على الحق الموجب لافترائهم على الله و تكذيبهم بصادق النبإ الذي جاء به الرسول .


و الآية خاصة بمشركي عهد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو بمشركي أمته بحسب السياق و عامة لكل من ابتدع بدعة و ترك سنة من سنن الدين .


قوله تعالى : « و الذي جاء بالصدق و صدق به أولئك هم المتقون» المراد بالمجي‏ء بالصدق الإتيان بالدين الحق و المراد بالتصديق به الإيمان به و الذي جاء به النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و قوله : « أولئك هم المتقون» لعل الإشارة إلى الذي جاء به بصيغة الجمع لكونه جمعابحسب المعنى و هو كل نبي جاء بالدين الحق و آمن بما جاء به بل و كل مؤمن آمن بالدين الحق و دعي إليه فإن الدعوة إلى الحق قولا و فعلا من شئون اتباع النبي ، قال تعالى : « قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني :» يوسف : - 108 .


قوله تعالى : « لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين» هذا جزاؤهم عند ربهم و هو أن لهم ما تتعلق به مشيتهم فالمشية هناك هي السبب التام لحصول ما يشاؤه الإنسان أيا ما كان بخلاف ما عليه الأمر في الدنيا فإن حصول شي‏ء من مقاصد الحياة فيها يتوقف - مضافا إلى المشية - على عوامل و أسباب كثيرة منها السعي و العمل المستمد من الاجتماع و التعاون .


فالآية تدل أولا على إقامتهم في دار القرب و جوار رب العالمين ، و ثانيا أن لهم ما يشاءون فهذان جزاء المتقين و هم المحسنون فإحسانهم هو السبب في إيتائهم الأجر المذكور و هذه هي النكتة في إقامة الظاهر مقام الضمير في قوله : « ذلك جزاء المحسنين» و كان مقتضى الظاهر أن يقال : و ذلك جزاؤهم .


و توصيفهم بالإحسان و ظاهره العمل الصالح أو الاعتقاد الحق و العمل الحسن جميعا يشهد أن المراد بالتصديق المذكور هو التصديق قولا و فعلا .


على أن القرآن لا يسمي تارك بعض ما أنزله الله من حكم مصدقا به .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :261


قوله تعالى : « ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا» إلى آخر الآية و من المعلوم أنه إذا كفر أسوأ أعمالهم كفر ما دون ذلك ، و المراد بأسوإ الذي عملوا ما هو كالشرك و الكبائر .


قال في المجمع البيان ، في الآية : أي أسقط الله عنهم عقاب الشرك و المعاصي التي فعلوها قبل ذلك بإيمانهم و إحسانهم و رجوعهم إلى الله تعالى انتهى و هو حسن من جهة تعميم الأعمال السيئة ، و من جهة تقييد التكفير بكونه قبل ذلك بالإيمان و الإحسان و التوبة فإن الآية تبين أثر تصديق الصدق الذي أتاهم و هو تكفير السيئات بالتصديق و الجزاء الحسن في الآخرة .


و قوله : « و يجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون» .


قيل : المراد أنه ينظر إلى أعمالهم فيجازيهم في أحسنها جزاءه اللائق به و في غير الأحسن يجازيهم جزاء الأحسن فالباء للمقابلة نحو بعت هذا بهذا .


و يمكن أن يقال : إن المراد أنه ينظر إلى أرفع أعمالهم درجة فيترفع درجتهم بحسبه فلا يضيع شي‏ء مما هو آخر ما بلغه عملهم من الكمال لكن في جريان نظير الكلام في تكفير الأسوإ خفاء .


و قيل : صيغة التفضيل في الآية « أسوأ» و « أحسن» مستعملة في الزيادة المطلقة من غير نظر إلى مفضل عليه فإن معصية الله كلها أسوأ و طاعته كلها أحسن .


قوله تعالى : « أ ليس الله بكاف عبده و يخوفونك بالذين من دونه» المراد بالذين من دونه آلهتهم من دون الله على ما يستفاد من السياق ، و المراد بالعبد من مدحه الله تعالى في الآيات السابقة و يشمل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) شمولا أوليا .


و الاستفهام للتقرير و المعنى هو يكفيهم ، و فيه تأمين للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قبال تخويفهم إياه بآلهتهم و كناية عن وعده بالكفاية كما صرح به في قوله : « فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم :» البقرة : - 137 .


قوله تعالى : « و من يضلل الله فما له من هاد و من يهد الله فما له من مضل» إلخ جملتان كالمتعاكستين مرسلتان إرسال الضوابط الكلية و لذا جي‏ء فيهما باسم الجلالة


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :262


و كان من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير .


و في تعقيب قوله : « أ ليس الله بكاف» إلخ بقوله : « و من يضلل» إلخ إشارة إلى أن هؤلاء المخوفين لا يهتدون بالإيمان أبدا و لن ينجح مسعاهم و أنهم لن ينالوا بغيتهم و لا أمنيتهم من النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فإن الله لن يضله و قد هداه .


و قوله : « أ ليس الله بعزيز ذي انتقام» استفهام للتقرير أي هو كذلك ، و هو تعليل ظاهر لقوله : « و من يضلل الله» إلخ فإن عزته و كونه ذا انتقام يقتضيان أن ينتقم ممن جحد الحق و أصر على كفره فيضله و لا هادي يهديه لأنه تعالى عزيز لا يغلبه فيما يريد غالب ، و كذا إذا هدى عبدا من عباده لتقواه و إحسانه لم يقدر على إضلاله مضل .


و في التعليل دلالة على أن الإضلال المنسوب إلى الله تعالى هو ما كان على نحو المجازاة و الانتقام دون الضلال الابتدائي و قد مر مرارا .


بحث روائي


عن روضة الواعظين، روي : أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قرأ « أ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه» فقال : إن النور إذا وقع في القلب انفسح له و انشرح . قالوا : يا رسول الله فهل لذلك علامة يعرف بها ؟ قال : التجافي عن دار الغرور ، و الإنابة إلى دار الخلود ، و الاستعداد للموت قبل نزول الموت : . أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود و عن الحكيم الترمذي عن ابن عمر ، و عن ابن جرير و غيره عن قتادة .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « أ فمن شرح الله صدره» الآية قال : نزلت في أميرالمؤمنين (عليه‏السلام‏) .


أقول : و نزول السورة دفعة لا يلائمه كما مر في نظيره .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير عن ابن عباس : قالوا : يا رسول الله لو حدثتنا فنزل : « الله نزل أحسن الحديث» .


أقول : و هو من التطبيق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :263


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « تقشعر منه جلود» الآية : روي عن العباس بن عبد المطلب أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت 1 عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها .


و في الدر المنثور، : في قوله تعالى : « قرآنا عربيا غير ذي عوج» : أخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله : « قرآنا عربيا غير ذي عوج» قال : غير مخلوق .


أقول : الآية تأبى عن الانطباق على الرواية و قد تقدم كلام في معنى الكلام في ذيل قوله تعالى : « تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض :» البقرة : - 253 في الجزء الثاني من الكتاب .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و رجلا سلما لرجل» : روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن علي أنه قال : أنا ذلك الرجل السلم لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : . أقول : و رواه أيضا عن العياشي بإسناده عن أبي خالد عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) و هو من الجري و المثل عام .


و فيه ، : في قوله تعالى : « ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون» قال ابن عمر : كنا نرى أن هذه فينا و في أهل الكتابين و قلنا : كيف نختصم نحن و نبينا واحد و كتابنا واحد ، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعلمت أنها فينا نزلت .


و قال أبو سعيد الخدري : كنا نقول : إن ربنا واحد و نبينا واحد و ديننا واحد فما هذه الخصومة ؟ فلما كان يوم صفين و شد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا : نعم هو هذا : . أقول : و روي في الدر المنثور ، الحديث الأول بطرق مختلفة عن ابن عمر و في ألفاظها اختلاف و المعنى واحد ، و رواه أيضا عن عدة من أصحاب الجوامع عن إبراهيم النخعي ، و روي ما يقرب منه بطريقين عن الزبير بن العوام ، و روي الحديث الثاني عن سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدري .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :264


و الأحاديث تعارض ما روي أن الصحابة مجتهدون مأجورون إن أصابوا و إن أخطئوا .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و الذي جاء بالصدق و صدق به» قيل : الذي جاء بالصدق محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و صدق به علي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) و هو المروي عن أئمة الهدى من آل محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : . أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن أبي هريرة ، و الظاهر أنه من الجري نظرا إلى قوله في ذيل الآية « أولئك هم المتقون» .


و روي من طرقهم : أن الذي صدق به أبو بكر و هو أيضا من تطبيق الراوي ، روي : أن الذي جاء به جبرئيل و الذي صدق به محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو أيضا تطبيق غير أن السياق يدفعه فإن الآيات مسوقة لوصف النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنين و جبرئيل أجنبي عنه لا تعلق للكلام به .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :