امروز:
چهار شنبه 29 شهريور 1396
بازدید :
622
تفسيرالميزان : سوره زمر آيات 75- 38


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :265


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :266


وَ لَئن سأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض لَيَقُولُنَّ اللَّهُقُلْ أَ فَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنىَ اللَّهُ بِضرٍ هَلْ هُنَّ كشِفَت ضرِّهِ أَوْ أَرَادَنى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَت رَحْمَتِهِقُلْ حَسبىَ اللَّهُعَلَيْهِ يَتَوَكلُ الْمُتَوَكلُونَ‏(38) قُلْ يَقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكمْ إِنى عَمِلٌفَسوْف تَعْلَمُونَ‏(39) مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يخْزِيهِ وَ يحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ‏(40) إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَب لِلنَّاسِ بِالْحَقّ‏ِفَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِوَ مَن ضلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاوَ مَا أَنت عَلَيهِم بِوَكيلٍ‏(41) اللَّهُ يَتَوَفى الأَنفُس حِينَ مَوْتِهَا وَ الَّتى لَمْ تَمُت فى مَنَامِهَافَيُمْسِك الَّتى قَضى عَلَيهَا الْمَوْت وَ يُرْسِلُ الأُخْرَى إِلى أَجَلٍ مُّسمًّىإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏(42) أَمِ اتخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شفَعَاءَقُلْ أَ وَ لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شيْئاً وَ لا يَعْقِلُونَ‏(43) قُل لِّلَّهِ الشفَعَةُ جَمِيعاًلَّهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏(44) وَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشمَأَزَّت قُلُوب الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِوَ إِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَستَبْشِرُونَ‏(45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَ الشهَدَةِ أَنت تحْكمُ بَينَ عِبَادِك فى مَا كانُوا فِيهِ يخْتَلِفُونَ‏(46) وَ لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظلَمُوا مَا فى الأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِوَ بَدَا لهَُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يحْتَسِبُونَ‏(47) وَ بَدَا لهَُمْ سيِّئَات مَا كسبُوا وَ حَاقَ بِهِم مَّا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ‏(48) فَإِذَا مَس الانسنَ ضرٌّ دَعَانَا ثمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمِبَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَ لَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏(49) قَدْ قَالهََا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنى عَنهُم مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ‏(50) فَأَصابهُمْ سيِّئَات مَا كَسبُواوَ الَّذِينَ ظلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سيُصِيبهُمْ سيِّئَات مَا كَسبُوا وَ مَا هُم بِمُعْجِزِينَ‏(51) أَ وَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسط الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ وَ يَقْدِرُإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏(52)


بيان


في الآيات كرة أخرى على المشركين بالاحتجاج على توحده تعالى في الربوبية و أنه لا يصلح لها شركاؤهم و أن الشفاعة التي يدعونها لشركائهم لا يملكها إلا الله سبحانه و فيها أمور أخر متعلقة بالدعوة من موعظة و إنذار و تبشير .


قوله تعالى : « و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ليقولن الله » إلى آخر الآية شروع في إقامة الحجة و قد قدم لها مقدمة تبتني الحجة عليها و هي مسلمة عند الخصم و هي أن خالق العالم هو الله سبحانه فإن الخصم لا نزاع له في أن الخالق هو الله وحده لا شريك له و إنما يدعي لشركائه التدبير دون الخلق .


و إذا كان الخلق إليه تعالى فما في السماوات و الأرض من عين و لا أثر إلا و ينتهي وجوده إليه تعالى فما يصيب كل شي‏ء من خير أو شر كان وجوده منه تعالى و ليس لأحد أن يمسك خيرا يريده تعالى له أو يكشف شرا يريده تعالى له لأنه من الخلق و الإيجاد و لا شريك له تعالى في الخلق و الإيجاد حتى يزاحمه في خلق شي‏ء أو يمنعه من خلق شي‏ء أو يسبقه إلى خلق شي‏ء و التدبير نظم الأمور و ترتيب بعضها على بعض خلق و إيجاد فالله الخالق لكل شي‏ء كاف في تدبير أمر العالم لأنه الخالق لكل شي‏ء و ليس وراء الخلق شي‏ء حتى يتوهم استناده إلى غيره فهو الله رب كل شي‏ء و إلهه لا رب سواه و لا إله غيره .


فقوله : « قل أ فرأيتم ما تدعون من دون الله» أي أقم الحجة عليهم بانيا لها على هذه المقدمة المسلمة عندهم أن الله خالق كل شي‏ء و قل مفرعا عليه أخبروني عما تدعون من دون الله ، و التعبير عن آلهتهم بلفظة « ما» دون « من» و نحوه يفيد تعميم البيان للأصنام و أربابها جميعا فإن الخواص منهم و إن قصروا العبادة على الأرباب من الملائكة


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :267


و غيرهم و اتخذوا الأصنام قبلة و ذريعة إلى التوجه إلى أربابها لكن عامتهم ربما أخذوا الأصنام نفسها أربابا و آلهة يعبدونها و نتيجة الحجة عامة تشمل الجميع .


و قوله : « إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته» الضر كالمرض و الشدة و نحوهما و ظاهر مقابلته الرحمة عمومه لكل مصيبة ، و إضافة الضر و الرحمة إلى ضميره تعالى في « كاشفات ضره» و « ممسكات رحمته»لحفظ النسبة لأن المانع من كشف الضر و إمساك الرحمة هو نسبتهما إليه تعالى .


و تخصيص الضر و الرحمة به (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من عموم الحجة له و لغيره لكونه المخاصم الأصيل لهم و قد خوفوه بآلهتهم من دون الله .


و إرجاع ضمير الجمع المؤنث إلى ما يدعونه من دون الله لتغليب جانب غير أولي العقل من الأصنام و هو يؤيد ما قدمناه في قوله : « أ فرأيتم ما تدعون من دون الله» أن التعبير بما لتعميم الحجة للأصنام و أربابها .


و قوله : « قل حسبي الله» أمر بالتوكل عليه تعالى كما يدل عليه قوله بعده : « عليه يتوكل المتوكلون» و هو موضوع موضع نتيجة الحجة كأنه قيل : قل لهم : إني اتخذت الله وكيلا لأن أمر تدبيري إليه كما أن أمر خلقي إليه فهو في معنى قولنا : فقد دلت الحجة على ربوبيته و صدقت ذلك عملا باتخاذه وكيلا في أموري .


و قوله : « عليه يتوكل المتوكلون» تقديم الظرف على متعلقه للدلالة على الحصر أي عليه يتوكلون لا على غيره ، و إسناد الفعل إلى الوصف من مادته للدلالة على كون المراد المتوكلين بحقيقة معنى التوكل ففي الجملة ثناء عليه تعالى بأنه الأهل للتوكل عليه يتوكل أهل البصيرة في التوكل فلا لوم علي أن توكلت عليه و قلت : حسبيالله .


قوله تعالى : « قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل - إلى قوله - عذاب مقيم» المكانة هي المنزلة و القدر و هي في المعقولات كالمكان في المحسوسات فأمرهم بأن يعملوا على مكانتهم معناه أمرهم أن يستمروا على الحالة التي هم عليها من الكفر و العناد و الصد عن سبيل الله .


و قوله : « فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» الظاهر أن « من» استفهامية


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :268


لا موصولة لظهور العلم فيما يتعلق بالجملة لا بالمفرد .


و قوله : « و يحل عليه عذاب مقيم» أي دائم و هو المناسب للحلول ، و تفكيك أمر العذابين يشهد أن المراد بالأول عذاب الدنيا و بالثاني عذاب الآخرة ، و في الكلام أشد التهديد .


و المعنى قل مخاطبا للمشركين من قومك : يا قوم اعملوا - مستمرين - على حالتكم التي أنتم عليها من الكفر و العناد إني عامل - كما أومر غير منصرف عنه - فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه و يذله ؟ و هو عذاب الدنيا كما في يوم بدر و يحل عليه و لا يفارقه عذاب دائم و هو عذاب الآخرة .


قوله تعالى : « إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق» إلى آخر الآية .


في مقام التعليل للأمر الذي في الآية السابقة ، و اللام في قوله : «للناس» للتعليل أي لأجل الناس أن تتلوه عليهم و تبلغهم ما فيه ، و الباء في قوله : « بالحق» للملابسة أي ملابسا للحق لا يشوبه باطل .


و قوله : « فمن اهتدى فلنفسه و من ضل فإنما يضل عليها» أي يتفرع على هذا الإنزال أن من اهتدى فإنما يعود نفعه من سعادة الحياة و ثواب الدار الآخرة إلى نفسه ، و من ضل و لم يهتد به فإنما يعود شقاؤه و وباله من عقاب الدار الآخرة إلى نفسه فالله سبحانه أجل من أن ينتفع بهداهم أو يتضرر بضلالهم .


و قوله : « و ما أنت عليهم بوكيل» أي مفوضا إليه أمرهم قائما بتدبير شئونهم حتى توصل ما فيهمن الهدى إلى قلوبهم .


و المعنى إنما أمرناك أن تهددهم بما قلنا لأنا نزلنا عليك الكتاب بالحق لأجل أن تقرأه على الناس لا غير فمن اهتدى منهم فإنما يعود نفعه إلى نفسه و من ضل و لم يهتد به فإنما يعود ضرره إلى نفسه و ما أنت وكيلا من قبلنا عليهم تدبر شئونهم فتوصل الهدى إلى قلوبهم فليس لك من الأمر شي‏ء .


قوله تعالى : « الله يتوفى الأنفس حين موتها» إلى آخر الآية ، قال في المجمع ، : التوفي قبض الشي‏ء على الإيفاء و الإتمام يقال : توفيت حقي من فلان و استوفيته بمعنى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :269


انتهى .


تقديم المسند إليه في الآية يفيد الحصر أي هو تعالى المتوفي لها لا غير و إذا انضمت الآية إلى مثل قوله تعالى : « قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم :» السجدة : - 11 ، و قوله : « حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا :» الأنعام : - 61 أفادت معنى الأصالة و التبعية أي إنه تعالى هو المتوفي بالحقيقة و ملك الموت و الملائكة الذين هم أعوانه أسباب متوسطة يعملون بأمره .


و قوله : « الله يتوفى الأنفس حين موتها» المراد بالأنفس الأرواح المتعلقة بالأبدان لا مجموع الأرواح و الأبدان لأن المجموع غير مقبوض عند الموتو إنما المقبوض هو الروح يقبض من البدن بمعنى قطع تعلقه بالبدن تعلق التصرف و التدبير و المراد بموتها موت أبدانها إما بتقدير المضاف أو بنحو المجاز العقلي ، و كذا المراد بمنامها .


و قوله : « و التي لم تمت في منامها» معطوف على الأنفس في الجملة السابقة ، و الظاهر أن المنام اسم زمان و في منامها متعلق بيتوفى و التقدير و يتوفى الأنفس التي لم تمت في وقت نومها .


ثم فصل تعالى في القول في الأنفس المتوفاة في وقت النوم فقال : « فيمسك التي قضى عليها الموت و يرسل الأخرى إلى أجل مسمى» أي فيحفظ النفس التي قضى عليها الموت كما يحفظ النفس التي توفاها حين موتها و لا يردها إلى بدنها ، و يرسل النفس الأخرى التي لم يقض عليها الموت إلى بدنها إلى أجل مسمى تنتهي إليه الحياة .


و جعل الأجل المسمى غاية للإرسال دليل على أن المراد بالإرسال جنسه بمعنى أنه يرسل بعض الأنفس إرسالا واحدا و بعضها إرسالا بعد إرسال حتى ينتهي إلى الأجل المسمى .


و يستفاد من الآية أولا : أن النفس موجود مغاير للبدن بحيث تفارقه و تستقل عنه و تبقى بحيالها .


و ثانيا : أن الموت و النوم كلاهما توف و إن افترقا في أن الموت توف لا إرسال بعده و النوم توف ربما كان بعدهإرسال .


ثم تمم الآية بقوله : « إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» فيتذكرون أن الله


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :270


سبحانه هو المدبر لأمرهم و أنهم إليه راجعون سيحاسبهم على ما عملوا .


قوله تعالى : « أم اتخذوا من دون الله شفعاء» إلخ « أم » منقطعة أي بل اتخذ المشركون من دون الله شفعاء و هم آلهتهم الذين يعبدونهم ليشفعوا لهم عند الله سبحانه كما قال في أول السورة : « ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» و قال : « يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله :» يونس : - 18 .


و قوله : « قل أ و لو كانوا لا يملكون شيئا و لا يعقلون» أمر بأن يرده عليهم بالمناقشة في إطلاق كلامهم فإن من البديهي أن الشفاعة تتوقف على علم في الشفيع يعلم به ما يريد ؟ و ممن يريد ؟ و لمن يريد ؟ فلا معنى لشفاعة الجهاد الذي لا شعور له و كذا تتوقف على أن يملك الشفيع الشفاعة و يكون له حق أن يشفع و لا ملك لغير الله إلا أن يملكه الله شيئا و يأذن له في التصرف فيه فقولهم بشفاعة أوليائهم مطلقا الشامل لما لا يملكونه و لا علم لهم بإذنه تعالى لهم فيها تخرص .


فالاستفهام في « أ و لو كانوا» إلخ للإنكار و المعنى قل لهم هل تتخذونهم شفعاء لكم و لو كانوا لا يملكون من عند أنفسهم شيئا كالملائكة و لا يعقلون شيئا كالأصنام ؟ فإنه سفه .


قوله تعالى : « قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات و الأرض» إلخ توضيح و تأكيد لما مر من قوله : « قل أ و لو كانوا لا يملكون شيئا» و اللام في « لله» للملك ، و قوله : « له ملك السموات و الأرض» في مقام التعليل للجملة السابقة ، و المعنى كل شفاعة فإنها مملوكة لله فإنه المالك لكل شي‏ء إلا أن يأذن لأحد في شي‏ء منها فيملكه إياها ، و أما استغلال بعض عباده كالملائكة يملك الشفاعة مطلقا كما يقولون فمما لا يكون قال تعالى : « ما من شفيع إلا من بعد إذنه :» يونس : - 3 .


و للآية معنى آخر أدق إذا انضمت إلى مثل قوله تعالى : « ليس لهم من دونه ولي و لا شفيع :» الأنعام : - 51 و هو أن الشفيع بالحقيقة هو الله سبحانه و غيره من الشفعاء لهم الشفاعة بإذن منه فقد تقدم في بحث الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب أن الشفاعة ينتهي إلى توسط بعض صفاته تعالى بينه و بين المشفوع له لإصلاح حاله كتوسط الرحمة و المغفرة بينه و بين عبده المذنب لإنجائه من وبال الذنب و تخليصه من العذاب .


و الفرق بين هذا الملك و ما في الوجه السابق أن المالك لا يتصف بمملوكه في الوجه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :271


السابق كما في ملك زيد للدار بخلاف الملك في هذا الوجه فإن المالك فيه يتصف بمملوكه كملك زيد الشجاع لشجاعته .


و قوله : « ثم إليه ترجعون» تعليل آخر لكونه يملك الشفاعة جميعا الدال على الحصر و ذلك أن الشفاعة إنما يملكها الذي ينتهي إليه أمر المشفوع له إن شاء قبلها و أصلح حال المشفوع له و أما غيره فإنما يملكها إذا رضي بها و أذن فيها و الله سبحانه هو الذي يرجع إليه العباد دون الذين يدعون من دون الله فالله هو المالك للشفاعة جميعا فقولهم بكون أوليائهم شفعاء لهم مطلقا ثم عبادتهم لهم كذلك بناء بلا مبنى يعتمد عليه .


و قيل : قوله : « ثم إليه ترجعون» تهديد لهم كأنه قيل : ثم إليه ترجعون فتعلمون أنهم لا يشفعون لكم و يخيب سعيكم في عبادتهم .


و قيل : يحتمل أن يكون تنصيصا على مالكية الآخرة التي فيها معظم نفع الشفاعة و إيماء إلى انقطاع الملك الصوري عما سواه تعالى ، و الوجه ما قدمناه .


قوله تعالى : « و إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة» إلخ المراد من ذكره تعالى وحده جعله مفردا بالذكر من غير ذكر آلهتهم و من مصاديقه قول لا إله إلا الله ، و الاشمئزاز الانقباض و النفور عن الشي‏ء .


و إنما ذكر من وصفهم عدم إيمانهم بالآخرة لأن ذلك هو الأصل في اشمئزازهم و لو كانوا مؤمنين بالآخرة و أنهم يرجعون إلى الله فيجازيهم بأعمالهم عبدوه دون أوليائهم و لم يرغبوا عن ذكره وحده .


و قوله : « و إذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون» المراد بالذين من دونه آلهتهم ، و الاستبشار سرور القلب بحيث يظهر أثره في الوجه .


قوله تعالى : « قل اللهم فاطر السموات و الأرض عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم» إلخ لما بلغ الكلام مبلغا لا يرجى معه فيهم خير لنسيانهم أمر الآخرة و إنكارهم الرجوع إليه تعالى حتى كانوا يشمئزون من ذكره تعالى وحده أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يذكره تعالى وحده و يذكرهم حكمه بين عباده فيما اختلفوا فيه في صورة الالتجاء إليه تعالى على ما فيه من الإقرار بالبعث و قد وصف الله تعالى بأنه فاطر السماوات و الأرض أي مخرجها من


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :272


كتم العدم إلى ساحة الوجود ، و عالم الغيب و الشهادة فلا يخفى عليه شي‏ء ، و لازمه أن يحكم بالحق و ينفذ حكمه .


قوله تعالى : « و لو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا و مثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة» إلخ المراد بالذين ظلموا هم الذين ظلموا في الدنيا فالفعل يفيد مفاد الوصف ، و الظالمون هم المنكرون للمعاد كما قال : « أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا و هم بالآخرة كافرون :» الأعراف : - 45 .


و المعنى : و لو أن للظالمين المنكرين للمعاد ضعفي ما في الأرض من أموال و ذخائر و كنوز لجعلوه فدية من سوء العذاب .


و قوله : « و بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون» البداء و البدو بمعنى الظهور و الحساب و الحسبان العد ، و الاحتساب الاعتداد بالشي‏ء بمعنى البناء على عده شيئا و كثيرا ما يستعمل الحسبان و الاحتساب بمعنى الظن كما قيل و منه قوله : « ما لم يكونوا يحتسبون» أي ما لم يكونوا يظنون لكن فرق الراغب بين الحسبان و الظن حيث قال : و الحسبان أن يحكم لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله و يكون بعرض أن يعتريه فيه شك ، و يقارب ذلك الظن لكن الظن أن يخطر النقيضين بباله فيغلب أحدهما على الآخر .


انتهى .


و مقتضى سياق الآية أن المراد بيان أنهم سيواجهون يوم القيامة أمورا على صفة هي فوق ما تصوروه و أعظم و أهول مما خطر ببالهم لا أنهم يشاهدون أمورا ما كانوا يعتقدونها و يذعنون بها و بالجملة كانوا يسمعون أن لله حسابا و وزنا للأعمال و قضاء و نارا و ألوانا من العذاب فيقيسون ما سمعوه - على إنكار منهم له - على ما عهدوه من هذه الأمور في الدنيا فلما شاهدوها إذ ظهرت لهم وجدوها أعظم مما كان يخطر ببالهم من صفتها فهذه الآية في وصف عذابه نظير قوله في وصف نعيم أهل الجنة : « فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين :» السجدة : - 17 .


و أيضا مقتضى السياق أن البدو المذكور من قبيل الظهور بعد الخفاء و الانكشاف بعد الاستتار كما يشير إليه قوله تعالى : « لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد :» ق : - 22 .


قوله تعالى : « و بدا لهم سيئات ما كسبوا» إلى آخر الآية أي ظهر لهم سيئات


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :273


أعمالهم بعد ما كانت خفية عليهم فهو كقوله : « يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء :» آل عمران : - 30 .


و قوله : « و حاق بهم ما كانوا به يستهزءون» أي و نزل عليهم و أصابهم ما كانوا يستهزءون به في الدنيا إذا سمعوه من أولياء الدين من شدائد يوم القيامة و أهواله و أنواع عذابه .


قوله تعالى : « فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم» إلخ الآية في مقام التعليل البياني لما تقدم من وصف الظالمين و لذا صدرت بالفاء لتتفرع على ما تقدم تفرع البيان على المبين .


فهو تعالى لما ذكر من حالهم أنهم أعرضوا عن كل آية دالة على الحق و لم يصغوا إلى الحجج المقامة عليهم و لم يسمعوا موعظة و لم يعتدوا بعبرة فجحدوا ربوبيته تعالى و أنكروا البعث و الحساب و بلغ بهم ذلك أن اشمأزت قلوبهم إذا ذكر الله وحده .


بين أن ذلك مما يستدعيه طبع الإنسان المائل إلى اتباع هوى نفسه و الاغترار بما زين له من نعم الدنيا و الأسباب الظاهرية الحافة بها فالإنسان حليف النسيان إذا مسه الضر أقبل إلى ربه و أخلص له و دعاه ثم إذا خوله ربه نعمة نسبه إلى علم نفسه و خبرته و نسي ربه و جهل أنها فتنة فتن بها .


فقوله : « فإذا مس الإنسان ضر» أي مرض أو شدة « دعانا» أي خصنا بالدعاء و انقطع عن غيرنا .


و قوله : « ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم» التخويل الإعطاء على نحو الهبة ، و تقييد النعمة بقوله : « منا» للدلالة على كون وصف النعمة محفوظا لها و المعنى خولناه نعمة ظاهرا كونها نعمة .


و ضمير « أوتيته» للنعمة بما أنه شي‏ء أو مال و العناية في ذلك بالإشارة إلى أنه لا يعترف بكونها نعمة منا بل يقطعها عنا فيسميها شيئا أو مالا و نحوه و لا يسميها نعمة حتى يضطره ذلك إلى الاعتراف بمنعم و الإشارة إليه كما قال : « أوتيته» فصفح عن


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :274


الفاعل لذلك و التعبيران أعني « نعمة منا» « إنما أوتيته» من لطيف تعبير القرآن ، و قد وجهوا تذكير الضمير في « أوتيته» بوجوه أخر غير موجهة من أرادها فليرجع إلى المفصلات .


و الملائم لسياق الآية أن يكون معنى « على علم» على علم مني أي أوتيت هذا الذي أوتيت على علم مني و خبرة بطرق كسب المعاش و اقتناء الثروة و جمع المال .


و قيل : المراد إنما أوتيته على علم من الله بخير عندي أستحق به أن يؤتيني النعمة ، و قيل : المراد على علم مني برضا الله عني ، و أنت خبير بأن ما تقدم من معنى قوله : « ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته» لا يلائم شيئا من القولين .


و قوله : « بل هي فتنة و لكن أكثرهم لا يعلمون» أي بل النعمة التي خولناه منا فتنة أي ابتلاء و امتحان نمتحنه بذلك و لكن أكثرهم لا يعلمون بذلك .


و قيل : معناه بل تلك النعمة عذاب لهم ، و قيل : المعنى بل هذه المقالة فتنة لهم يعاقبون عليها و الوجهان بعيدان سيما الأخير .


قوله تعالى : « قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا» ضمير « قد قالها» راجع إلى القول السابق باعتبار أنه مقالة أو كلمة .


و الآية رد لقولهم و إثبات لكونها فتنة يمتحنون بها بأنهم لو أوتوها على علم منهم و اكتسبوها بحولهم و قوتهم لأغنى عنهم كسبهم و لم يصبهم سيئات ما كسبوا و حفظوها لأنفسهم و تنعموا بها و لم يهلكوا دونها و ليس كذلك فهؤلاء الذين قبلهم قالوا هذه المقالة فما أغنى عنهم كسبهم و أصابهم سيئات ما كسبوا .


و الظاهر أن الآية تشير بقوله : « قد قالها الذين من قبلهم» إلى قارون و أمثاله و قد حكي عنه قول « إنما أوتيته على علم عندي» في قصته من سورة القصص .


قوله تعالى : « و الذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا و ما هم بمعجزين» الإشارة بهؤلاء إلى قومه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا من قومك سبيلهم سبيل من قبلهم سيصيبهم سيئات كسبهم و وبالات عملهم و ما هم بمعجزين لله .


قوله تعالى : « أ و لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر» إلخ جواب آخر


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :275


عن قول القائل منهم : « إنما أوتيته على علم» و قد كان الجوابالأول « قد قالها الذين من قبلهم» إلخ جوابا من طريق النقض و هذا جواب من طريق المعارضة بالإشارة إلى دلالة الدليل على أن الله سبحانه هو الذي يبسط الرزق و يقدر .


بيان ذلك : أن سعي الإنسان عن علم و إرادة لتحصيل الرزق ليس سببا تاما موجبا لحصول الرزق و إلا لم يتخلف و من البين خلافه فكم من طالب رجع آيسا و ساع خاب سعيه .


فهناك علل و شرائط زمانية و مكانية و موانع مختلفة باختلاف الظروف خارجة عن حد الإحصاء إذا اجتمعت و توافقت أنتج ذلك حصول الرزق .


و ليس اجتماع هذه العلل و الشرائط على ما فيها من الاختلاف و التشتت و التفرق من مادة و زمان و مكان و مقتضيات أخر مرتبطة بها مقارنة أو متقدمة و علل العلل و مقدماتها الذاهبة إلى ما لا يحصى ، اجتماعا و توافقا على سبيل الاتفاق فإن الاتفاق لا يكون دائميا و لا أكثريا و قانون ارتزاق المرتزقين الشامل للموجودات الحية بل المنبسط على أقطار العالم المشهود و أرجائه ثابت محفوظ في نظام جار على ما فيه من السعة و الانبساط و لو انقطع لهلكت الأشياء لأول لحظة و من فورها .


و هذا النظام الجاري بوحدته و تناسب أجزائه و تلاؤمها يكشف عن وحدانية ناظمه و فردانية مدبره و مديره الخارج عن أجزاء العالم المحفوظة بنفس النظام الباقية به و هو الله عز اسمه .


على أن النظام من التدبير و التدبير من الخلق كما مر مرارا فخالق العالم مدبره و مدبره رازقه و هو الله تعالى شأنه .


و يشير إلى هذا البرهان في الآية قوله : « لمن يشاء» فإنه إذا كان بسط الرزق و قدره بمشيئته تعالى لم يكن بمشيئة الإنسان الذي يتبجح بعلمه و سعيه و لا بمشيئة شي‏ء من العلل و الأسباب و إيجابه كما هو ظاهر و ليس من قبيل الاتفاق بل هو على نظام جار فهو بمشيئة جاعل النظام و مجريه و هو الله سبحانه .


و قد تقدم كلام في معنى الرزق في ذيل قوله تعالى : «و ترزق من تشاء بغير حساب :» آل عمران : - 27 و سيأتي كلام فيه في تفسير قوله : « فورب السماء و الأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون :» الذاريات : - 23 إن شاء الله تعالى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :276


بحث روائي


في التوحيد ، عن علي (عليه‏السلام‏) في حديث : و قد سأله رجل عما اشتبه عليه من الآيات قال : و أما قوله : « يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم» و قوله : « الله يتوفى الأنفس حين موتها» و قوله : « توفته رسلنا و هم لا يفرطون» و قوله : « الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم» و قوله : « الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم» فإن الله تبارك و تعالى يدبر الأمر كيف يشاء و يوكل من خلقه من يشاء بما يشاء أما ملك الموت فإن الله يوكله بخاصته ممن يشاء من خلقه و يوكل رسله من الملائكة خاصة بمن يشاء من خلقه . و ليس كل العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسره لكل الناس لأن فيهم القوي و الضعيف ، و لأن منه ما يطاق حمله و منه ما لا يطاق حمله إلا أن يسهل الله له حمله و أعانه عليه من خاصة أوليائه . و إنما يكفيك أن تعلم أن الله المحيي المميت ، و أنه يتوفى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكته و غيرهم .


وفي الخصال ، عن علي (عليه‏السلام‏) في حديث الأربعمائة : لا ينام المسلم و هو جنب لا ينام إلا على طهور فإن لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد فإن روح المؤمن ترفع إلى الله تعالى فيقبلها و يبارك عليها فإن كان أجلها قد حضر جعلها في كنوز رحمته و إن لم يكن أجلها قد حضر بعث بها مع أمنائه من ملائكته فيردونها في جسده .


و في المجمع ، : روى العياشي بالإسناد عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن ثابت عن أبي المقدام عن أبيه عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : ما من أحد ينام إلا عرجت نفسه إلى السماء و بقيت روحه في بدنه و صار بينهما سبب كشعاع الشمس فإن أذن الله في قبض الأرواح أجابت الروح النفس و إن أذن الله في رد الروح أجابت النفس الروح و هو قوله سبحانه : « الله يتوفى الأنفس حين موتها» الآية . فمهما رأت في ملكوت السموات فهو مما له تأويل و ما رأت فيما بين السماء و الأرض فهو مما يخيله الشيطان و لا تأويل له .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :277


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن سليم بن عامر أن عمر بن الخطاب قال : العجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشي‏ء لم يخطر له على بال فيكون رؤياه كأخذ باليد و يرى الرجل الرؤيا فلا يكون رؤياه شيئا . فقال علي بن أبي طالب : أ فلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين يقول الله تعالى : « الله يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها - فيمسك التي قضى عليها الموت - و يرسل الأخرى إلى أجل مسمى» فالله يتوفى الأنفس كلها فما رأت و هي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة ، و ما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقيها الشياطين في الهواء فكذبتها و أخبرتها بالأباطيل فعجب عمر من قوله .


أقول : تقدم تفصيل الكلام في الرؤيا في سورة يوسف و الرجوع إليه يعين في فهم معنى الروايتين ، و قد أطلق فيهما السماء على ما اصطلح عليه بعالم المثال الأعظم و ما بين السماء و الأرض على ما اصطلح عليه بعالم المثال الأصغر فتبصر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :278


قُلْ يَعِبَادِى الَّذِينَ أَسرَفُوا عَلى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوب جَمِيعاًإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏(53) وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَ أَسلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَاب ثُمَّ لا تُنصرُونَ‏(54) وَ اتَّبِعُوا أَحْسنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكمُ الْعَذَاب بَغْتَةً وَ أَنتُمْ لا تَشعُرُونَ‏(55) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَحَسرَتى عَلى مَا فَرَّطت فى جَنبِ اللَّهِ وَ إِن كُنت لَمِنَ السخِرِينَ‏(56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَاخ لَكنت مِنَ الْمُتَّقِينَ‏(57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَاب لَوْ أَنَّ لى كرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏(58) بَلى قَدْ جَاءَتْك ءَايَتى فَكَذَّبْت بهَا وَ استَكْبرْت وَ كُنت مِنَ الْكَفِرِينَ‏(59) وَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسوَدَّةٌأَ لَيْس فى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبرِينَ‏(60) وَ يُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسهُمُ السوءُ وَ لا هُمْ يحْزَنُونَ‏(61)


بيان


في الآيات أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يدعوهم إلى الإسلام و اتباع ما أنزل الله و يحذرهم عما يستعقبه إسرافهم على أنفسهم من الحسرة و الندامة يوم لا ينفعهم ذلك مع استكبارهم في الدنيا على الحق و الفوز و النجاة يومئذ للمتقين و النار و الخسران للكافرين ، و في لسان الآيات من الرأفة و الرحمة ما لا يخفى .


قوله تعالى : « قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله» إلخ أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يدعوهم من قبله و يناديهم بلفظة يا عبادي و فيه تذكير بحجة الله سبحانه على دعوتهم إلى عبادتهم و ترغيب لهم إلى استجابة الدعوة أما التذكير بالحجة فلأنه يشير إلى أنهم عباده و هو مولاهم و من حق المولى على عبده أن يطيعه و يعبده فله أن يدعوه إلى طاعته و عبادته ، و أما ترغيبهم إلى استجابة الدعوة فلما فيه من الإضافة إليه تعالى الباعث لهم إلى التمسك بذيل رحمته و مغفرته .


و قوله : « الذين أسرفوا على أنفسهم» الإسراف - على ما ذكره الراغب - تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان و إن كان ذلك في الإنفاق أشهر ، و كان الفعل مضمن معنى الجناية أو ما يقرب منها و لذا عدي بعلى و الإسراف على النفس هو التعدي عليها باقتراف الذنب أعم من الشرك و سائر الذنوب الكبيرة و الصغيرة على ما يعطيه السياق .


و قال جمع : إن المراد بالعباد المؤمنون و قد غلب استعماله فيهم مضافا إليه تعالى


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :279


في القرآن فمعنى يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم أيها المؤمنون المذنبون .


و يدفعه أن قوله : « يا عبادي الذين أسرفوا» إلى تمام سبع آيات ذو سياق واحد متصل يفصح عن دعوتهمو قوله في ذيل الآيات : « بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها و استكبرت» إلخ كالصريح أو هو صريح في شمول العباد للمشركين .


و ما ورد في كلامه تعالى من لفظ « عبادي» و المراد به المؤمنون بضعة عشر موردا جميعها محفوفة بالقرينة و ليس بحيث ينصرف عند الإطلاق إلى المؤمنين كما أن الموارد التي أطلق فيها و أريد به الأعم من المشرك و المؤمن في كلامه كذلك .


و بالجملة شمول « عبادي» في الآية للمشركين لا ينبغي أن يرتاب فيه ، و القول بأن المراد به المشركون خاصة نظرا إلى سياق الآيات كما نقل عن ابن عباس أقرب إلى القبول من تخصيصهبالمؤمنين .


و قوله : « لا تقنطوا من رحمة الله» القنوط اليأس ، و المراد بالرحمة بقرينة خطاب المذنبين و دعوتهم هو الرحمة المتعلقة بالآخرة دون ما هي أعم الشاملة للدنيا و الآخرة و من المعلوم أن الذي يفتقر إليه المذنبون من شئون رحمة الآخرة بلا واسطة هو المغفرة فالمراد بالرحمة المغفرة و لذا علل النهي عن القنوط من الرحمة بقوله : « إن الله يغفر الذنوب جميعا» .


و في الآية التفات من التكلم إلى الغيبة حيث قيل : « إن الله يغفر» و لم يقل : إني أغفر و ذلك للإشارة إلى أنه الله الذي له الأسماء الحسنى و منها أنه غفور رحيم كأنه يقول لا تقنطوا من رحمتي فإني أنا الله أغفر الذنوب جميعا لأن الله هو الغفور الرحيم .


و قوله : « إن الله يغفر الذنوب جميعا تعليل للنهي عن القنوط و إعلام بأن جميع الذنوب قابلة للمغفرة فالمغفرة عامة لكنها تحتاج إلى سبب مخصص و لا تكون جزافا ، و الذي عده القرآن سببا للمغفرة أمران : الشفاعة 1 و التوبة لكن ليس المراد في قوله : « إن الله يغفر الذنوب جميعا» المغفرة الحاصلة بالشفاعة لأن الشفاعة لا تنال


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :280


الشرك بنص القرآن في آيات كثيرة و قد مر أيضا أن قوله : « إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء :» النساء : - 48 ناظر إلى الشفاعة و الآية أعني قوله : « إن الله يغفر الذنوب جميعا» موردها الشرك و سائر الذنوب .


فلا يبقى إلا أن يكون المراد المغفرة الحاصلة بالتوبة و كلامه تعالى صريح في مغفرة الذنوب جميعا حتى الشرك بالتوبة .


على أن الآيات السبع - كما عرفت - كلام واحد ذو سياق واحد متصل ينهى عن القنوط - و هو تمهيد لما يتلوه - و يأمر بالتوبة و الإسلام و العمل الصالح و ليست الآية الأولى كلاما مستقلا منقطعا عما يتلوه حتى يحتمل عدم تقييد عموم المغفرة فيها بالتوبة و أي سبب آخر مفروض للمغفرة .


و الآية أعني قوله : « إن الله يغفر الذنوب جميعا» من معارك الآراء بينهم فقد ذهب قوم إلى تقييد عموم المغفرة فيها بالشرك و سائر الكبائر التي وعد الله عليها النار مع عدم تقييد العموم بالتوبة فالمغفرة لا تنال إلا الصغائر من الذنوب .


و ذهب آخرون إلى إطلاق المغفرة و عدم تقيدها بالتوبة و لا بسبب آخر من أسباب المغفرة غير أنهم قيدوها بالشرك لصراحة قوله : « إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء» الآية فاستنتجوا عموم المغفرة و إن لم يكن هناك سبب مخصص يرجح المذنب المغفور له على غيره في مغفرته كالتوبة و الشفاعة و هي المغفرة الجزافية و قد استدلوا على 1 ذلك بوجوه غير سديدة .


و أنت خبير بأن مورد الآية هو الشرك و سائر الذنوب ، و من المعلوم من كلامه تعالى أن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة فتقيد إطلاق المغفرة في الآية بالتوبة مما لا مفر منه .


قوله تعالى : « و أنيبوا إلى ربكم و أسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون» عطف على قوله : « لا تقنطوا» ، و الإنابة إلى الله الرجوع إليه و هو التوبة ، و قوله :


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :281


«إلى ربكم» من وضع الظاهر موضع المضمر و كان مقتضى الظاهر أن يقال : و أنيبوا إليه و الوجه فيه الإشارة إلى التعليل فإن الملاك في عبادة الله سبحانه صفة ربوبية .


و المراد بالإسلام التسليم لله و الانقياد له فيما يريد ، و إنما قال : « و أسلموا له» و لم يقل : و آمنوا به لأن المذكور قبل الآية و بعدها استكبارهم على الحق و المقابل له الإسلام .


و قوله : « من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون» متعلق بقوله : « أنيبوا و أسلموا» و المراد بالعذاب عذاب الآخرة بقرينة الآيات التالية ، و يمكن على بعد أن يراد مطلق العذاب الذي لا تقبل معه التوبة و منه عذاب الاستئصال قال تعالى : « فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده :» المؤمن : - 85 .


و المراد بقوله : « ثم لا تنصرون» أن المغفرة لا تدرككم بوجه لعدم تحقق سببها فالتوبة مفروضة العدم و الشفاعة لا تشمل الشرك .


قوله تعالى : « و اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة و أنتم لا تشعرون» الخطاب عام للمؤمن و الكافر كالخطابات السابقة و القرآن قد أنزل إلى الفريقين جميعا .


و في الآية أمر باتباع أحسن ما أنزل من الله قيل : المراد به اتباع الأحكام من الحلال و الحرام دون القصص ، و قيل : اتباع ما أمر به و نهي عنه كإتيان الواجب و المستحب و اجتناب الحرام و المكروه دون المباح ، و قيل : الاتباع في العزائم و هي الواجبات و المحرمات ، و قيل : اتباع الناسخ دون المنسوخ ، و قيل : ما أنزل هو جنس الكتب السماوية و أحسنها القرآن فاتباع أحسن ما أنزل و هو اتباع القرآن .


و الإنصاف أن قوله في الآية السابقة : « و أسلموا له» يشمل مضمون كل من هذه الأقوال فحمل قوله : « و اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم» على شي‏ء منها لا يخلو عن تكرار من غير موجب .


و لعل المراد من أحسن ما أنزل الخطابات التي تشير إلى طريق استعمال حق العبودية في امتثال الخطابات الإلهية الاعتقادية و العملية و ذلك كالخطابات الداعية إلى ذكر الله تعالى بالاستغراق و إلى حبه و إلى تقواه حق تقاته و إلى إخلاص الدين له فإن


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :282


اتباع هذه الخطابات يحيي الإنسان حياة طيبة و ينفخ فيه روح الإيمان و يصلح أعماله و يدخله في ولاية الله تعالى و هي الكرامة ليست فوقها كرامة .


و قوله : « من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة و أنتم لا تشعرون» أنسب لهذا المعنى فإن الدعوة إلى عمل بالتخويف من مفاجأة الحرمان و مباغتة المانع إنما تكون غالبا فيما يساهل المدعو في أمره و يطيب نفسه بسوف و لعل ، و هذا المعنى أمس بإصلاح الباطن منه بإصلاح الظاهر و الإتيان بأجساد الأعمال ، و يقرب منه قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه :» الأنفال : - 24 .


قوله تعالى : « أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله» إلخ قال في المجمع ، : التفريط إهمال ما يجب أن يتقدم فيه حتى يفوت وقته ، و قال : التحسر الاغتمام مما فات وقته لانحساره عنه بما لا يمكن استدراكه .


انتهى .


و قال الراغب : الجنب الجارحة .


قال : ثم يستعار في الناحية التي تليها لعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين و الشمال .


انتهى .


فجنب الله جانبه و ناحيته و هي ما يرجع إليه تعالى مما يجب على العبد أن يعامله و مصداق ذلك أن يعبده وحده و لا يعصيه و التفريط في جنب الله التقصير في ذلك .


و قوله : « و إن كنت لمن الساخرين» « إن» مخففة من الثقيلة ، و الساخرين اسم فاعل من سخر بمعنى استهزأ .


و معنى الآية إنما نخاطبكم بهذا الخطاب حذر أن تقول أو لئلا تقول نفس منكم يا حسرتا على ما قصرت في جانب الله و إني كنت من المستهزءين ، و موطن القول يوم القيامة .


قوله تعالى : « أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين» ضمير تقول للنفس ، و المراد بالهداية الإرشاد و إراءة الطريق ، و المعنى ظاهر و هو قطع للعذر .


قوله تعالى : « أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين» لو للتمني و الكرة الرجعة ، و المعنى أو تقول نفس متمنية حين ترى العذاب يوم القيامة : ليت لي رجعة إلى الدنيا فأكون من المحسنين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :283


قوله تعالى : « بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها و استكبرت و كنت من الكافرين» رد لها و جواب لخصوص قولها ثانيا : « لو أن الله هداني لكنت من المتقين» و مواطن الجواب يوم القيامة كما أن موطن القول ذلك و لسياق الجواب شهادة عليه .


و قد فصل بين قولها و جوابه بقوله : « أو تقول حين ترى» إلخ و لم يجب إلا عن قولها : « لو أن الله هداني» إلخ .


و الوجه في الفصل أن الأقوال الثلاثة المنقولة عنها مرتبة على ترتيب صدورها عن المجرمين يوم القيامة فإذا قامت القيامة و رأى المجرمون أن اليوم يوم الجزاء بالأعمال و قد فرطوا فيها و فاتهم وقتها تحسروا على ما فرطوا و نادوا بالحسرة على تفريطهم « يا حسرتا على ما فرطت» قال تعالى : « حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها :» الأنعام : - 31 .


ثم إذا حوسبوا و أمر المتقون بدخول الجنة و قيل : « و امتازوا اليوم أيها المجرمون :» يس : - 59 تعللوا بقولهم : « لو أن الله هداني لكنت من المتقين» .


ثم إذا أمروا بدخول النار فأوقفوا عليها ثم أدخلوا فيها تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليحسنوا فيها فيسعدوا « أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة» قال تعالى : « و لو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد و لا نكذب بآيات ربنا و نكون من المؤمنين :» الأنعام : - 27 ، و قال حاكيا عنهم : « ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون :» المؤمنون : - 107 .


ثم لما نقل الأقوال على ما بينها من الترتيب أخذ في الجواب و لو أخر القول المجاب عنه حتى يتصل بالجواب أو قدم الجواب حتى يتصل به اختل النظم 1 .


و قد خص قولهم الثاني : « لو أن الله هداني» إلخ بالجواب و أمسك عن جواب قولهم الأول و الثالث لأن في الأول حديث استهزائهم بالحق و أهله و في الثالث تمنيهم للرجوع إلى الدنيا و الله سبحانه يزجر هؤلاء يوم القيامة و يمنعهم أن يكلموه و لا يجيب عن كلامهم كما يشير إلى ذلك قوله : « قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا و كنا قوما ضالين ربنا


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :284


أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها و لا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا و ارحمنا و أنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري و كنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا إنهم هم الفائزون :» المؤمنون : - 111 .


قوله تعالى : « و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أ ليس في جهنم مثوى للمتكبرين» الكذب على الله هو القولبأن له شريكا و أن له ولدا و منه البدعة في الدين .


و سواد الوجه آية الذلة و هي جزاء تكبرهم و لذا قال : « أ ليس في جهنم مثوى للمتكبرين» .


قوله تعالى : « و ينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء و لا هم يحزنون» الظاهر أن مفازة مصدر ميمي بمعنى الفوز و هو الظفر بالمراد ، و الباء في « بمفازتهم» للملابسة أو السببية فالفوز الذي يقضيه الله لهم اليوم سبب تنجيتهم .


و قوله : « لا يمسهم» إلخ بيان لتنجيتهم كأنه قيل : ينجيهم لا يمسهم السوء من خارج و لا هم يحزنون في أنفسهم .


و للآية نظر إلى قوله تعالى في ذيل آيات سورة المؤمنون المنقولة آنفا : « إني جزيتهم اليوم بما صبروا إنهم هم الفائزون» فتدبر و لا تغفل .


بحث روائي


في المجمع ، عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) أنه قال : ما في القرآن آية أوسع من : « يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم» الآية : . أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن ابن جرير عن ابن سيرين عنه (عليه‏السلام‏) ، و ستأتي إن شاء الله في تفسير سورة الليل الرواية عنه (عليه‏السلام‏) أن قوله تعالى : « و لسوف يعطيك ربك فترضى» أرجى من هذه الآية .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :285


في شعب الإيمان عن ثوبان قال : سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : ما أحب أن لي الدنيا و ما فيها بهذه الآية « يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم» إلى آخر . الآية فقال رجل : يا رسول الله فمن أشرك» فسكت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ثم قال : إلا من أشرك .


أقول : في الرواية شي‏ء فقد تقدم أن مورد الآية هو الشرك و أن الآية مقيدة بالتوبة .


و فيه ، أخرج ابن أبي شيبة و مسلم عن أبي أيوب الأنصاري قال سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : لو لا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم .


أقول : ما في الحديث من المغفرة لا يأبى التقيد بأسباب المغفرة كالتوبة و الشفاعة .


و في الجميع ، : قيل : هذه الآية يعني قوله : « يا عبادي الذين أسرفوا» إلخ نزلت في وحشي قاتل حمزة حين أراد أن يسلم و خاف أن لا تقبل توبته فلما نزلت الآية أسلم فقيل : يا رسول الله هذه له خاصة أم للمسلمين عامة ؟ فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : بل للمسلمين عامة .


و عن كتاب سعد السعود ، لابن طاووس نقلا عن تفسير الكلبي : بعث وحشي و جماعة إلى النبي(صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنه ما يمنعنا من دينك إلا أننا سمعناك تقرأ في كتابك أن من يدعو مع الله إلها آخر و يقتل النفس و يزني يلق أثاما و يخلد في العذاب و نحن قد فعلنا ذلك كله فبعث إليهم بقوله تعالى « إلا من تاب و آمن و عمل صالحا» فقالوا : نخاف أن لا نعمل صالحا . فبعث إليهم « إن الله لا يغفر أن يشرك به - و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء» فقالوا نخاف أن لا ندخل في المشية . فبعث إليهم « يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم - لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا» فجاءوا و أسلموا . فقال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لوحشي قاتل حمزة : غيب وجهك عني فإني لا أستطيع النظر إليك . قال : فلحق بالشام فمات في الخمر .


أقول : و روي ما يقرب منه في الدر المنثور ، بعدة طرق و في بعضها أن قوله : « يا عبادي الذين أسرفوا» إلخ نزل فيه كما في خبر المجمع ، السابق ، و يضعفه أن السورة مكية و قد أسلم وحشي بعد الهجرة .


على أن ظاهر الخبر عدم تقيد إطلاق المغفرة في


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :286


الآية بالتوبة و قد عرفت أن السياق يأباه .


و قوله : فمات في الخمر لعله بفتح الخاء و تشديد الميم موضع من أعراض المدينة و لعله من غلط الناس و الصحيح الحمص ، و لعل المراد به موته عن شرب الخمر فإنه كان مدمن الخمر و قد جلد في ذلك غير مرة ثم ترك .


و اعلم أن هناك روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) في تطبيق هذه الآيات على شيعتهم و تطبيق جنب الله عليهم و هي جميعا من الجري دون التفسير و لذا تركنا إيرادها هاهنا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :287


اللَّهُ خَلِقُ كلّ‏ِ شىْ‏ءٍوَ هُوَ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ وَكِيلٌ‏(62) لَّهُ مَقَالِيدُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِوَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَتِ اللَّهِ أُولَئك هُمُالْخَسِرُونَ‏(63) قُلْ أَ فَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونى أَعْبُدُ أَيهَا الجَْهِلُونَ‏(64) وَ لَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْك وَ إِلى الَّذِينَ مِن قَبْلِك لَئنْ أَشرَكْت لَيَحْبَطنَّ عَمَلُك وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الخَْسِرِينَ‏(65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَ كُن مِّنَ الشكِرِينَ‏(66) وَ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الأَرْض جَمِيعاً قَبْضتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَ السمَوَت مَطوِيَّت بِيَمِينِهِسبْحَنَهُ وَ تَعَلى عَمَّا يُشرِكُونَ‏(67) وَ نُفِخَ فى الصورِ فَصعِقَ مَن فى السمَوَتِ وَ مَن فى الأَرْضِ إِلا مَن شاءَ اللَّهُثمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظرُونَ‏(68) وَ أَشرَقَتِ الأَرْض بِنُورِ رَبهَا وَ وُضِعَ الْكِتَب وَ جِاى‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشهَدَاءِ وَ قُضىَ بَيْنهُم بِالْحَقّ‏ِ وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ‏(69) وَ وُفِّيَت كلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَت وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ‏(70) وَ سِيقَ الَّذِينَ كفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراًحَتى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَت أَبْوَبُهَا وَ قَالَ لَهُمْ خَزَنَتهَا أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَ يُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَاقَالُوا بَلى وَ لَكِنْ حَقَّت كلِمَةُ الْعَذَابِ عَلى الْكَفِرِينَ‏(71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَب جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَافَبِئْس مَثْوَى الْمُتَكبرِينَ‏(72) وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبهُمْ إِلى الْجَنَّةِ زُمَراًحَتى إِذَا جَاءُوهَا وَ فُتِحَت أَبْوَبُهَا وَ قَالَ لهَُمْ خَزَنَتهَا سلَمٌ عَلَيْكمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِدِينَ‏(73) وَ قَالُوا الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى صدَقَنَا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الأَرْض نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْث نَشاءُفَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ‏(74) وَ تَرَى الْمَلَئكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسبِّحُونَ بحَمْدِ رَبهِمْوَ قُضىَ بَيْنهُم بِالحَْقّ‏ِ وَ قِيلَ الحَْمْدُ للَّهِ رَب الْعَلَمِينَ‏(75)


بيان


فصل من الآيات به تختم السورة يذكر فيه خلاصة ما تنتجه الحجج المذكورة فيها قبل ذلك ثم يؤمر (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يخاطب المشركين أن ما اقترحوا به عليه أن يعبد آلهتهم ليس إلا جهلا بمقامه تعالى و يذكر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما أوحي إليه و إلى الذين من قبله : لئن أشرك ليحبطن عمله .



الميزان في تفسير القرآنج : 17ص :288


ثم يذكر سبحانه أن المشركين ما عرفوه واجب معرفته و إلا لم يرتابوا في ربوبيته لهم و لا عبدوا غيره ثم يذكر تعالى نظام الرجوع إليه و هو تدبير جانب المعاد من الخلقة ببيان جامع كاف لا مزيد عليه و يختم السورة بالحمد .


قوله تعالى : « الله خالق كل شي‏ء» هذا هو الذي ذكر اعتراف المشركين به من قبل في قوله : « و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ليقولن الله» الآية : - 38 من السورة و بنى عليه استناد الأشياء في تدبيرها إليه .


و الجملة في المقام تمهيد لما يذكر بعدها من كون التدبير مستندا إليه لما تقدم مرارا أن الخلق لا ينفك عن التدبير فانتقل في المقام من استناد الخلق إليه إلى اختصاص الملك به و هو قوله : « له مقاليد السموات و الأرض» و من اختصاص الملك به إلى كونه هو الوكيل على كل شي‏ء القائم مقامه في تدبير أمره .


و قد تقدم في ذيل قوله : « ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شي‏ء :» الأنعام : - 102 في الجزء السابع من الكتاب كلام في معنى عموم الخلقة لكل شي‏ء .


قوله تعالى : « و هو على كل شي‏ء وكيل» و ذلك لأن انتهاء خلق كل شي‏ء وجوده إليه يقتضي أن يكون تعالى هو المالك لكل شي‏ء فلا يملك شي‏ء من الأشياء لا نفسه و لا شيئا مما يترشح من نفسه إلا بتمليك الله تعالى ، فهو لفقره مطلقا لا يملك تدبيرا و الله المالك لتدبيره .


و أما تمليكه تعالى له نفسه و عمله فهو أيضا نوع من تدبيره تعالى مؤكد لملكه غير ناف و لا مناف من شئون وكالته تعالى عليهم لا تفويض للأمر و إبطال للوكالة فافهم ذلك .


و بالجملة إذ كان كل شي‏ء من الأشياء لا يملك لنفسه شيئا كان سبحانه هو الوكيل عليه القائم مقامه المدبر لأمره و الأسباب و المسببات في ذلك سواء فالله سبحانه هو ربها وحده .


فقد تبين أن الجملة مسوقة للإشارة إلى توحده في الربوبية وهو المقصود بيانه فقول بعضهم إن ذكر ذلك بعد قوله : « الله خالق كل شي‏ء» للدلالة على أنه هو الغني المطلق و أن المنافع و المضار راجعة إلى العباد ، أو أن المراد أنه تعالى حفيظ على كل شي‏ء


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :289


فيكون إشارة إلى أن الأشياء محتاجة إليه في بقائها كما أنها محتاجة إليه في حدوثها ، أجنبي عن معنى الآية بالمرة .


قوله تعالى : « له مقاليد السموات و الأرض» إلخ المقاليد - كما قيل - بمعنى المفاتيح و لا مفرد له من لفظه .


و مفاتيح السماوات و الأرض مفاتيح خزائنها قال تعالى : « و لله خزائن السموات و الأرض :» المنافقون : - 7 و خزائنها غيبها الذي يظهر منه الأشياء و النظام الجاري فيها فتخرج إلى الشهادة قال تعالى : « و إن من شي‏ء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم :» الحجر : - 21 .


و ملك مقاليد السماوات و الأرض كناية عن ملك خزائنها التي منها وجودات الأشياء و أرزاقها و أعمارها و آجالها و سائر ما يواجهها في مسيرها من حين تبتدى‏ء منه تعالى إلى حين ترجع إليه .


و هو أعني قوله : « له مقاليد» إلخ في مقام التعليل لقوله : « و هو على كل شي‏ء وكيل» و لذا جي‏ء به مفصولا من غير عطف .


و قوله : « و الذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون» قد تقدم أن قوله : « الله خالق كل شي‏ء - إلى قوله - و الأرض» ذكر خلاصة ما تفيده الحجج المذكورة في خلال الآيات السابقة ، و عليه فقوله : « و الذين كفروا بآيات الله» إلخ معطوف على قوله : « الله خالق كل شي‏ء» و المعنى الذي تدل عليه الآيات و الحجج المتقدمة أن الله سبحانه خالق فمالك فوكيل على كل شي‏ء أي متوحد في الربوبية و الألوهية و الذين كفروا بآيات ربهم فلم يوحدوه و لم يعبدوه أولئك هم الخاسرون .


و قد اختلفوا فيما عطف عليه قوله : « و الذين كفروا» إلخفذكروا فيه وجوها مختلفة كثيرة لا جدوى فيها من أرادها فليرجع إلى المطولات .


قوله تعالى : « قل أ فغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون» لما أورد سبحانه خلاصة ما تنطق به الحجج المذكورة في السورة من توحده تعالى بالخلق و الملك و التدبير


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :290


و لازم ذلك توحده تعالى في الربوبية و الألوهية أمر نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يخاطب المشركين المقترحين عليه أن يعبد آلهتهم أنه لا يبقى مع هذه الحجج الباهرة الظاهرة محل لعبادته غير الله و إجابة اقتراحهم و هل هي إلا الجهل .


فقوله : « أ فغير الله تأمروني أعبد» الفاء لتفريع مضمون الجملة على قوله : « الله خالق كل شي‏ء» إلى آخر الآيتين ، و الاستفهام إنكاري ، و « غير الله» مفعول « أعبد» قدم عليه لتعلق العناية به ، و « تأمروني» معترض بين الفعل و مفعوله و أصله تأمرونني أدغمت فيه إحدى النونين في الأخرى .


و قوله : « أيها الجاهلون» خطابهم بصفة الجهل للإشارة إلى أن أمرهم إياه بعبادة غير الله و اقتراحهم بذلك مع ظهور آيات وحدته في الربوبية و الألوهية ليس إلا جهلا منهم .


قوله تعالى : « و لقد أوحي إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك» إلخ فيه تأييد لمدلول الحجج العقلية المذكورة بالوحي كأنه قيل : لا تعبد غير الله فإنه جهل و كيف يسوغ لك أن تعبده و قد دل الوحي على النهي عنه كما دل العقل على ذلك .


فقوله : « و لقد أوحي إليك» اللام للقسم ، و قوله : « لئن أشركت ليحبطن عملك» بيان لما أوحي إليه ، و تقدير الكلام و أقسم لقد أوحي إليك لئن أشركت « إلخ» و إلى الذين من قبلك من الأنبياء و الرسل لئن أشركتم ليحبطن عملكم و لتكونن من الخاسرين .


و خطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و سائر الأنبياء (عليهم‏السلام‏) بالنهي عن الشرك و إنذارهم بحبط العمل و الدخول في زمرة الخاسرين خطاب و إنذار على حقيقة معناهما كيف ؟ و غرض السورة - كما تقدمت الإشارة إليه - بيان أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مأمور بالإيمان بما يدعو المشركين إلى الإيمان به مكلف بما يكلفهم و لا يسعه أن يجيبهم إلى ما يقترحون به عليه من عبادة آلهتهم .


و أما كون الأنبياء معصومين بعصمة إلهية يمتنع معها صدور المعصية عنهم فلا يوجب ذلك سقوط التكليف عنهم و عدم صحة توجهه إليهم و لو كان كذلك لم تتصور في حقهم معصية كسائر من لا تكليف عليه فلم يكن معنى لعصمتهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :291


على أن العصمة - و هي قوة يمتنع معها صدور المعصية - من شئون مقام العلم - كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله تعالى : « و ما يضلون إلا أنفسهم و ما يضرونك من شي‏ء :» النساء : - 113 - لا تنافي ثبوت الاختيار الذي هو من شئون مقام العمل و صحة صدور الفعل و الترك عن الجوارح .


فمنع العلم القطعي بمفسدة شي‏ء منعا قطعيا عن صدوره عن العالم به كمنع العلم بأثر السم عن شربه لا ينافي كون العالم بذلك مختارا في الفعل لصحة صدوره و لا صدوره عن جوارحه فالعصمة لا تنافي بوجه التكليف .


و مما تقدميظهر ضعف ما يستفاد من بعضهم أن نهيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن الشرك و نحوه نهي صوري و المراد به نهي أمته فهو من قبيل « إياك أعني و اسمعي يا جارة» .


و وجه الضعف ظاهر مما تقدم ، و أما قولنا كما ورد في بعض الروايات أن هذه الخطابات القرآنية من قبيل « إياك أعني و اسمعي يا جارة» فمعناه أن التكليف لما كان من ظاهر أمره أن يتعلق بمن يجوز عليه الطاعة و المعصية فلو تعلق بمن ليس منه إلا الطاعة مع مشاركة غيره له كان ذلك تكليفا على وجه أبلغ كالكناية التي هي أبلغ من التصريح .


و قوله : « و لتكونن من الخاسرين» ظهر معناه مما تقدم و يمكن أن يكون اللام في الخاسرين مفيدا للعهد ، و المعنى و لتكونن من الخاسرين الذين كفروا بآيات الله و أعرضوا عن الحجج الدالة على وحدانيته .


قوله تعالى : « بل الله فاعبد و كن من الشاكرين» إضراب عن النهي المفهوم من سابق الكلام كأنه قيل فلا تعبد غير الله بل الله فاعبد ، و تقديم اسم الجلالة للدلالة على الحصر .


و الفاء في « فاعبد» زائدة للتأكيد على ما قيل ، و قيل : هي فاء الجزاء و قد حذف شرطه و التقدير بل إن كنت عابدا أو عاقلا فاعبد الله .


و قوله : « و كن من الشاكرين» أي و كن بعبادتك له من الذين يشكرونه على نعمه الدالة على توحده في الربوبية و الألوهية ، و قد تقدم في تفسير قوله تعالى : « و سيجزي الله الشاكرين :» آل عمران : - 144 و قوله : « و لا تجد أكثرهم شاكرين :» الأعراف : - 17


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :292


أن مصداق الشاكرين بحقيقة معنى الكلمة هم المخلصون بفتح اللام فراجع .


قوله تعالى : « و ما قدروا الله حق قدره» إلى آخر الآية قدر الشي‏ء هو مقداره و كميته من حجم أو عدد أو وزن و ما أشبه ذلك ثم استعير للمعنويات من المكانة و المنزلة .


فقوله : « و ما قدروا الله حق قدره» تمثيل أريد به عدم معرفتهم به تعالى واجب المعرفة إذ لم يعرفوه من حيث المعاد و رجوع الأشياء إليه كما يدل عليه تعقيب الجملة بقوله : « و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة» إلى آخر السورة حيث ذكر فيه انقطاع كل سبب دونه يوم القيامة ، و قبضه الأرض و طيه السماوات و نفخ الصور لإماتة الكل ثم لإحيائهم و إشراق الأرض بنور ربها و وضع الكتاب و المجي‏ء بالنبيين و الشهداء و القضاء و توفية كل نفس ما عملت و سوق المجرمين إلى النار و المتقين إلى الجنة فمن كان شأنه في الملك و التصرف هذا الشأن و عرف بذلك أوجبت هذه المعرفة الإقبال إليه بعبادته وحده و الإعراض عن غيره بالكلية .


لكن المشركين لما لم يؤمنوا بالمعاد و لم يقدروه حق قدره و لم يعرفوه واجب معرفته أعرضوا عن عبادته إلى عبادة من سواه .


و قوله : « و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة» أي الأرض بما فيها من الأجزاء و الأسباب الفعالة بعضها في بعض ، و القبضة مصدر بمعنى المقبوضة ، و القبض على الشي‏ء و كونه في القبضة كناية عن التسلط التام عليه أو انحصار التسلط عليه في القابض و المراد هاهنا المعنى الثاني كما يدل عليه قوله تعالى : « و الأمر يومئذ لله :» الانفطار : - 19 و غيره من الآيات .


و قد مر مرارا أن معنى انحصار الملك و الأمر و الحكم و السلطان و غير ذلك يوم القيامة فيه تعالى ظهور ذلك لأهل الجمع يومئذ و إلا فهي له تعالى دائما فمعنى كون الأرض جميعا قبضته يوم القيامة ظهور ذلك يومئذ للناس لا أصله .


و قوله : « و السموات مطويات بيمينه» يمين الشي‏ء يده اليمنى و جانبه القوي و يكنى بها عن القدرة ، و يستفاد من السياق أن محصل الجملتين أعني قوله : « و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة و السموات مطويات بيمينه» تقطع الأسباب الأرضية و السماوية و سقوطها و ظهور أن لا مؤثر في الوجود إلا الله سبحانه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :293


و قوله : « سبحانه و تعالى عما يشركون» تنزيه له تعالى عما أشركوا غيره في ربوبيته و ألوهيته فنسبوا تدبير العالم إلى آلهتهم و عبدوها .


قوله تعالى : « و نفخ في الصور فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله» إلخ ظاهر ما ورد في كلامه تعالى في معنى نفخ الصور أن النفخ نفختان نفخة للإماتة و نفخة للإحياء ، و هو الذي تدل عليه روايات أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) و بعض ما ورد من طرق أهل السنة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و إن كان بعض آخر من رواياتهم لا يخلو عن إبهام و لذا اختار بعضهم أنها ثلاث نفخات نفخة للإماتة و نفخة للإحياء و البعث و نفخة للفزع و الصعق و قال بعضهم : إنها أربع نفخات و لكن دون إثبات ذلك من ظواهر الآيات خرط القتاد .


و لعل انحصار النفخ في نفختي الإماتة و الإحياء هو الموجب لتفسيرهم الصعق في النفخة الأولى بالموت مع أن المعروف من معنى الصعق الغشية ، قال في الصحاح ، : يقال : صعق الرجل صعقا و تصاعقا أي غشي عليه و أصعقه غيره ، ثم قال : و قوله تعالى : « فصعق من في السموات و من في الأرض» أي مات .


انتهى .


و قوله : « إلا من شاء الله» استثناء من أهل السماوات و الأرض و اختلف في من هم ؟ فقيل : هم جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل سادة الملائكة فإنهم إنما يموتون بعد ذلك ، و قيل : هم هؤلاء الأربعة و حملة العرش ، و قيل : هم رضوان و الحور و مالك و الزبانية ، و قيل : و هو أسخف الأقوال : إن المراد بمن شاء الله هو الله سبحانه .


و أنت خبير بأن شيئا من هذه الأقاويل لا يستند إلى دليل من لفظة الآيات يصح الاستناد إليه .


نعم لو تصور لله سبحانه خلق وراء السماوات و الأرض جاز استثناؤهم من أهلهما استثناء منقطعا أو قيل : إن الموت إنما يلحق الأجساد بانقطاع تعلق الأرواح بها و أما الأرواح فإنها لا تموت فالأرواح هم المستثنون استثناء متصلا و يؤيد هذا الوجه بعض 1 الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :294


و قوله : « ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» ضمير « فيه» للصور ، و « أخرى» صفة محذوف موصوفها أي نفخة أخرى ، و قيام جمع قائم و « ينظرون» أي ينتظرون أو من النظر بمعناه المعروف .


و المعنى : و نفخ في الصور نفخة أخرى فإذا هم قائمون من قبورهم ينتظرون ما يؤمرون أو ينتظرون ما ذا يفعل بهم أو فإذا هم قائمون ينظرون نظر المبهوت المتحير .


و لا ينافي ما في هذه الآية من كونهم بعد النفخ قياما ينظرون ما في قوله : « و نفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون :» يس : - 51 أي يسرعون ، و قوله : « يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا :» النبأ : - 18 ، و قوله : « و يوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات و من في الأرض :» النمل : - 87 فإن فزعهم بالنفخ و إسراعهم في المشي إلى عرصة المحشر و إتيانهم إليها أفواجا كقيامهم ينظرون حوادث متقارنة لا يدفع بعضها بعضا .


قوله تعالى : « و أشرقت الأرض بنور ربها» إلى آخر الآية إشراق الأرض إضاءتها ، و النور معروف المعنى و قد استعمل النور في كلامه تعالى في النور الحسي كثيرا و أطلق أيضا على الإيمان و على القرآن بعناية أن كلا منهما يظهر للمتلبس به ما خفي عليه لولاه قال تعالى : « الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور :» البقرة : - 257 ، و قال : « فآمنوا بالله و رسوله و النور الذي أنزلنا :» التغابن : - 8 .


و قد اختلفوا في معنى إشراق الأرض بنور ربها فقيل : إنها تضي‏ء بنور يخلقه الله بلا واسطة أجسام مضيئة كالشمس و القمر و إضافته إليه تعالى من قبيل روحي و « ناقة الله» .


وفيه أنه لا يستند إلى دليل يعتمد عليه .


و قيل : المراد به تجلي الرب تعالى لفصل القضاء كما ورد في بعض الأخبار من طرق أهل السنة .


و فيه أنه على تقدير صحة الرواية لا يدل على المدعى .


و قيل : المراد به إضاءة الأرض بعدل ربها يوم القيامة لأن نور الأرض بالعدل كما أن نور العلم بالعمل .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :295


و فيه أن صحة استعارة النور للعدل في نفسه لا تستلزم كون المراد بالنور في الآية هو العدل إلا بدليل يدل عليه و لم يأت به .


و في الكشاف ، قد استعار الله عز و جل النور للحق و البرهانفي مواضع من التنزيل و هذا من ذاك ، و المعنى و أشرقت الأرض بما يقيمه فيها من الحق و العدل و يبسطه من القسط في الحساب و وزن الحسنات و السيئات .


و ينادي عليه بأنه مستعار إضافته إلى اسمه لأنه هو الحق العدل ، و إضافة اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله و ينصب فيها موازين قسطه و يحكم بالحق بين أهلها ، و لا ترى أزين للبقاع من العدل و لا أعمر لها منه ، و في هذه الإضافة أن ربها و خالقها هو الذي يعدل فيها و إنما يجور فيها غير ربها ، ثم ما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب و المجي‏ء بالنبيين و الشهداء و القضاء بالحق و هو النور المذكور ، و ترى الناس يقولون للملك العادل : أشرقت الآفاق بعدلك و أضاءت الدنيا بقسطك كما تقول أظلمت البلاد بجور فلان قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : الظلم ظلمات يوم القيامة و كما فتح الآية بإثبات العدل ختمها بنفي الظلم .


انتهى .


و فيه أولا : أن قوله إن النور مستعار في مواضع كثيرة من القرآن للحق و القرآن و البرهان فاستعارته للحق و البرهان غير ظاهر في شي‏ء من الآيات .


و ثانيا : أن الحق و العدل مفهومان متغايران و إن كانا ربما يتصادقان و كون النور في الآية مستعارا للحق لايستلزم كون العدل مرادا به ، و لذا لما أراد بيان إرادة العدل من النور ذكر الحق مع العدل ثم استنتج للعدل دون الحق .


و لا يبعد أن يراد - و الله أعلم - من إشراق الأرض بنور ربها ما هو خاصة يوم القيامة من انكشاف الغطاء و ظهور الأشياء بحقائقها و بدو الأعمال من خير أو شر أو طاعة أو معصية أو حق أو باطل للناظرين ، و إشراق الشي‏ء هو ظهوره بالنور و لا ريب أن مظهرها يومئذ هو الله سبحانه إذ الأسباب ساقطة دونه فالأشياء مشرقة بنور مكتسب منه تعالى .


و هذا الإشراق و إن كان عاما لكل شي‏ء يسعه النور لكن لما كان الغرض بيانما للأرض و أهله يومئذ من الشأن خصها بالبيان فقال : « و أشرقت الأرض بنور ربها»


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :296


و ذكره تعالى بعنوان ربوبية الأرض تعريضا للمشركين المنكرين لربوبيته تعالى للأرض و ما فيها .


و المراد بالأرض مع ذلك الأرض و ما فيها و ما يتعلق بها كما تقدم أن المراد بالأرض في قوله : « و الأرض جميعا قبضته» ذلك .


و يستفاد ما قدمناه من مواضع كثيرة من كلامه تعالى كقوله تعالى : « لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد :» ق : - 22 و قوله : « يوم تجد كل نفس ما عملت منخير محضرا و ما عملت من سوء :» آل عمران : - 30 ، و قوله : « يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره :» الزلزال : - 8 و آيات أخرى كثيرة تدل على ظهور الأعمال و تجسمها و شهادة الأعضاء و غير ذلك .


و قوله : « و وضع الكتاب» قيل : المراد به الحساب و هو كما ترى و قيل : المراد به صحائف الأعمال التي يحاسب عليها و يقضى بها ، و قيل : المراد به اللوح المحفوظ و يؤيده قوله تعالى : « هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون :» الجاثية : - 29 .


و قوله : « و جي‏ء بالنبيين و الشهداء» أما النبيون فليسألوا عن أداء رسالتهم كما يشعر به السياق قال تعالى : « فلنسألن الذين أرسل إليهم و لنسألن المرسلين :» الأعراف : - 6 ، و أما الشهداء و هم شهداء الأعمال فليؤدوا ما تحملوه من الشهادة قال تعالى : « فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد و جئنا بك على هؤلاء شهيدا :» النساء : - 41 .


و قوله : « و قضي بينهم بالحق و هم لا يظلمون» ضميرا الجمع للناس المعلوم من السياق ، و القضاء بينهم هو القضاء فيما اختلفوا فيه الوارد كرارا في كلامه تعالى قال : « إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون :» يونس : - 93 .


قوله تعالى : « و وفيت كل نفس ما عملت و هو أعلم بما يفعلون» التوفية الإعطاء بالتمام و قد علقت بنفس ما عملت دون جزائه و يقطع ذلك الريب في كونه قسطا و عدلا من أصله و الآية بمنزلة البيان لقوله : « و هم لا يظلمون» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :297


و قوله : « و هو أعلم بما يفعلون» أي ليس حكمه بهذا النمط من وضع الكتاب و المجي‏ء بالنبيين و الشهداء عن جهل منه و حاجة بل لأن يجري حكمه على القسط و العدل فهو أعلم بما يفعلون .


و الآية السابقة تتضمن القضاء و الحكم و هذه الآية إجراؤه و الآيات اللاحقة تفصيل إجرائه .


قوله تعالى : « و سيق الذين كفروا إلى جهنم» إلى آخر الآية السوق بالفتح فالسكون - على ما في المجمع ، - الحث على السير ، و الزمر جمع زمرة و هي - كما في الصحاح ، - الجماعة من الناس .


و المعنى « و سيق» و حث على السير « الذين كفروا إلى جهنم زمرا» جماعة بعد جماعة « حتى إذا جاءوها» بلغوها « فتحت أبوابها» لأجل دخولهم و هي سبعة قال تعالى : « لها سبعة أبواب :» الحجر : - 44 « و قال لهم خزنتها» و هم الملائكة الموكلون عليها يقولون لهم تهجينا و إنكارا عليهم « أ لم يأتكم رسل منكم» من نوعكم من البشر « يتلون» و يقرءون « عليكم آيات ربكم» من الحجج الدالة على وحدانيته و وجوب عبادته « قالوا» بلى قد جاءوا و تلوا « و لكن» كفرنا و كذبنا و « حقت كلمة العذاب على الكافرين» و كلمة العذاب هي قوله تعالى حين أمر آدم بالهبوط : « و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون :» البقرة : - 39 .


قوله تعالى : « قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين» القائل - على ما يفيده السياق - خزنة جهنم ، و فيقوله : « فبئس مثوى المتكبرين» دلالة على أن هؤلاء الذين كفروا هم المكذبون بآيات الله المعاندون للحق .


قوله تعالى : « و سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها و فتحت أبوابها» لم يذكر في الآية جواب إذا إشارة إلى أنه أمر فوق ما يوصف و وراء ما يقدر بقدر ، و قوله : « و فتحت أبوابها» حال أي جاءوها و قد فتحت أبوابها ، و قوله : « خزنتها» هم الملائكة الموكلون عليها .


و المعنى « و سيق» و حث على السير « الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا» جماعة بعد جماعة « حتى إذا جاءوها و» قد « فتحت أبوابها و قال لهم خزنتها» الموكلون عليها


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :298


مستقبلين لهم « سلام عليكم» أنتم في سلام مطلق لا يلقاكم إلا ما ترضون « طبتم» و لعله تعليل لإطلاق السلام « فادخلوها خالدين» فيها .


و هو أثر طيبهم .


قوله تعالى : « و قالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده و أورثنا الأرض» إلى آخر الآية .


القائلون هم المتقون و المراد بالوعد ما تكرر في كلامه تعالى و فيما أوحي إلى سائر الأنبياء من وعد المتقين بالجنة قال : « للذين اتقوا عند ربهم جنات :» آل عمران : - 15 و قال : « إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم :» القلم : - 34 ، كذا قيل ، و قيل : المراد بالوعد الوعد بالبعث و الثواب .


و لا يبعد أن يراد بالوعد الوعد بإيراث الجنة كما في قوله : « أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون :» المؤمنون : - 11 و يكون قوله : « و أورثنا الأرض» عطف تفسير لقوله « صدقنا وعده» .


و قوله : « و أورثنا الأرض» المراد بالأرض - على ما قالوا - أرض الجنة و هي التي عليها الاستقرار فيها و قد تقدم في أول سورة المؤمنون أن المراد بوراثتهم الجنة بقاؤها لهم بعد ما كانت في معرض أن يشاركها غيرهم أو يملكها دونهم لكنهم زالوا عنها فانتقلت إليهم .


و قوله : « نتبوأ من الجنة حيث نشاء» بيان لإيراثهم الأرض ، و تبديل ضمير الأرض بالجنة للإشارة إلى أنها المراد بالأرض .


و قيل : المراد بالأرض هي أرض الدنيا و هو سخيف إلا أن يوجه بأن الجنة هي عقبى هذه الدار قال تعالى : « أولئك لهم عقبى الدار :» الرعد : - 22 .


و المعنى و قال المتقون بعد دخول الجنة : الحمد لله الذي صدقنا وعده أن سيدخلنا أو أن سيورثنا الجنة نسكن منها حيث نشاء و نختار - فلهم ما يشاءون فيها - .


و قوله : « فنعم أجر العاملين» أي فنعم الأجر أجر العاملين لله تعالى ، وهو على ما يعطيه السياق قول أهل الجنة ، و احتمل أن يكون من قوله تعالى .


قوله تعالى : « و ترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم» إلى آخر الآية الحف الإحداق و الإحاطة بالشي‏ء ، و العرش هو المقام الذي يصدر منه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :299


الفرامين و الأوامر الإلهية التي يدبر بها العالم ، و الملائكة هم المجرون لمشيته العاملون بأمره ، و رؤية الملائكة على تلك الحال كناية عن ظهور ذلك و قد طويت السماوات .


و المعنى : و ترى يومئذ الملائكة و الحال أنهم محدقون بالعرش مطيفون به لإجراء الأمر الصادر منه و هم يسبحون بحمد ربهم .


و قوله : « و قضي بينهم» احتمل رجوع الضمير إلى الملائكة ، و رجوعه إلى الناس و الملائكة جميعا ، و رجوعه إلى جميع الخلائق ، و رجوعه إلى الناس فالقضاء بين أهل الجنة و أهل النار منهم أو بين الأنبياء و أممهم .


و يضعف الاحتمال الأخير أن القضاء بين الناس قد ذكر قبلا في قوله : « و قضي بينهم بالحق و هم لا يظلمون» فذكر القضاء بينهم ثانيا تكرار من غير موجب .


لكن ظاهر القضاء بين جماعة هو الحكم لبعضهم على بعض لوجود اختلاف ما بينهم و لا تحقق للاختلاف بين الملائكة ، و هذا يؤيدأن يكون الضمير لغيرهم و القضاء بين الناس غير أن القضاء كما يطلق على نفس حكم الحاكم يصح إطلاقه على مجموع الحكم و مقدماته و تبعاته من حضور المتخاصمين و طرح الدعوى و شهادة الشهود و حكم الحاكم و إيفاء المحق حقه فمن الممكن أن يكون المراد بالقضاء المذكور أولا نفس الحكم الإلهي و بهذا القضاء المذكور ثانيا هو مجموع ما يجري عليهم من حين يبعثون إلى حين دخول أهل النار النار و أهل الجنة الجنة و استقرارهم فيهما و بذلك يندفع إشكال التكرار من غير موجب .


و قوله : « و قيل الحمد لله رب العالمين» كلمة خاتمة للبدء و العود وثناء عام له تعالى أنه لم يفعل و لا يفعل إلا الجميل .


قيل : قائله المتقون و كان حمدهم الأول على دخولهم الجنة و الثاني للقضاء بينهم و بين غيرهم بالحق ، و قيل : قائله الملائكة و لم ينسب إليهم صريحا لتعظيم أمرهم ، و قيل : القائل جميع الخلائق .


و يؤيد الأول قوله تعالى في صفة أهل الجنة : « و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين :» يونس : - 10 و هو حمد عام خاتم للخلقة كما سمعت .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :300


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين» فهذه مخاطبة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المعنى لأمته ، و هو ما قاله الصادق (عليه‏السلام‏) : إن الله عز و جل بعث نبيه بإياك أعني و اسمعي يا جارة .


و عن كتاب التوحيد ، بإسناده إلى الفضيل بن يسار قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : إن الله عز و جل لا يوصف : . قال : و قال زرارة : قال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) : إن الله لا يوصف و كيف يوصف و قد قال في كتابه : « و ما قدروا الله حق قدره ؟» فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك .


و فيه ، بإسناده عن سليمان بن مهران قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة» قال : ملكه لا يملكها معه أحد . و القبض عن الله تعالى في موضع آخر المنع و البسط منه الإعطاء و التوسع كما قال عز و جل : « و الله يقبض و يبسط و إليه ترجعون» يعني يعطي و يوسع و يضيق ، و القبض منه عز و جل في وجه آخر الأخذ و الأخذ في وجه القبول منه كما قال : « و يأخذ الصدقات» أي يقبلها من أهلها و يثيب عليها . قلت : فقوله عز و جل : « و السموات مطويات بيمينه» ؟ قال : اليمين اليد و اليد القدرة و القوة يقول عز و جل : « و السموات مطويات بيمينه» أي بقدرته و قوته سبحانه و تعالى عما يشركون .


أقول : و روي في الدر المنثور ، عن أبي هريرة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله تعالى : « فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله» أنهم الشهداء مقلدون بأسيافهم حول عرشه الخبر و ظاهره أن النفخة غير نفخة الإماتة و قد تقدم أن الآية ظاهرة في خلافه .


و روي عن أنس عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أنهم جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و ملك الموت و حملة العرش و أنهم يموتون بعدها الخبر .


و الآية ظاهرة في خلافه .


و روي عن جابر : استثني موسى لأنه كان صعق قبل ، الخبر .


و فيه أن الصعق


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :301


سواء أخذ بمعنى الموت أو بمعنى الغشية لا يختص الصعق قبل ذلك بموسى (عليه‏السلام‏) .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « لها سبعة أبواب» فيه قولان أحدهما ما روي عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) أن جهنم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض و وضع إحدى يديه على الأخرى فقال : هكذا و أن الله وضع الجنان على الأرض ، و وضع النيران بعضها فوق بعض فأسفلها جهنم ، و فوقها لظى ، و فوقها الحطمة ، و فوقها سقر ، و فوقها الجحيم ، و فوقها السعير، و فوقها الهاوية و في رواية الكلبي أسفلها الهاوية و أعلاها جهنم .


و في الخصال ، عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن علي (عليه‏السلام‏) قال : إن للجنة ثمانية أبواب : باب يدخل منه النبيون و الصديقون ، و باب يدخل منه الشهداء و الصالحون ، و خمسة أبواب يدخل منها شيعتنا و محبونا . فلا أزال واقفا على الصراط أدعو و أقول : رب سلم شيعتي و محبي و أنصاري و من تولاني في دار الدنيا فإذا النداء من بطنان العرش قد أجيبت دعوتك و شفعت في شيعتك و يشفع كل رجل من شيعتي و من تولاني و نصرني و حارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفا من جيرانه و أقربائه . و باب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا الله و لم يكن في قلبه مثقال من بغضنا أهل البيت .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :