امروز:
شنبه 1 مهر 1396
بازدید :
667
تفسيرالميزان : سوره غافر آيات 85- 1


40-سورة المؤمن مكية و هي خمس و ثمانون آية 85



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :302


سورة غافر


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم‏(1) تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏(2) غَافِرِ الذَّنبِ وَ قَابِلِ التَّوْبِ شدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطوْلِلا إِلَهَ إِلا هُوَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(3) مَا يجَدِلُ فى ءَايَتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْك تَقَلُّبهُمْ فى الْبِلَدِ(4) كذَّبَت قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ الأَحْزَاب مِن بَعْدِهِمْوَ هَمَّت كلُّ أُمَّةِ بِرَسولهِِمْ لِيَأْخُذُوهُوَ جَدَلُوا بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضوا بِهِ الحَْقَّ فَأَخَذْتهُمْفَكَيْف كانَ عِقَابِ‏(5) وَ كَذَلِك حَقَّت كلِمَت رَبِّك عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنهُمْ أَصحَب النَّارِ(6)


بيان


تتكلم السورة في استكبار الكافرين و مجادلتهم بالباطل ليدحضوا به الحق الذي يدعون إليه و لذلك نراها تذكر جدالهم و تعود إليه عودة بعد عودة « ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد» « الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا» « أ لم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون» .


فتكسر سورة استكبارهم و جدالهم بذكر ما عاقب الله به الماضين من الأمم المكذبين و ما أعد الله لهم من العذاب المهين بذكر طرف مما يجري عليهم في الآخرة .


و تدحض باطل أقاويلهم بوجوه من الحجج الناطقة بتوحده في الربوبية و الألوهية و تأمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالصبر و تعده و المؤمنين به بالنصر ، و تأمرهم أن يؤذنهم أنه مسلم لربه غير تارك لعبادته فلييأسوا منه .


و السورة مكية كلها لاتصال آياتها و شهادة مضامينها بذلك ، و ما قيل فيه من الآيات إنه نزل بالمدينة لا يعبأ به و سيجي‏ء الإشارة إليها إن شاء الله .


قوله تعالى « حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم» التنزيل مصدر بمعنى المفعول فقوله : « تنزيل الكتاب» من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها و التقدير هذا كتاب منزل من الله .


و تخصيص الوصفين : « العزيز العليم» بالذكر قيل : للإشارة إلى ما في القرآن من الإعجاز و أنواع العلوم التي يضيق عنها نطاق الأفهام ، و قيل : هو من باب التفنن .


و الوجه أن يقال : إن السورة لما كانت تتكلم حول جحد الجاحدين و مجادلتهم في


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :303


آيات الله بالباطل جهلا و هم يحسبونه علما و يعتزون به كما حكى ذلك عنهم في خاتمة السورة بقوله : « فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم» و كما حكى عن فرعون قوله لقومه في موسى : « إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد» و قوله لهم : « ما أريكم إلا ما أرى و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد» .


افتتح الكلام في السورة بما فيه إشارة إلى أن هذا الكتاب النازل عليهم تنزيل ممن هو عزيز على الإطلاق لا يغلبه غالب حتى يخاف على ما نزله من استعلائهم و استكبارهم بحسب أوهامهم ، عليم على الإطلاق لا يدخل علمه جهل و ضلال فلا يقاوم جدالهم بالباطل ما نزله من الحق و بينه بحججه الباهرة .


و يؤيد هذا الوجه ما في الآية التالية من قوله : « غافر الذنب و قابل التوب» إلخ على ما سنبين .


قوله تعالى : « غافر الذنب و قابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير» الإتيان بصيغة اسم الفاعل في « غافر الذنب و قابل التوب» - لعله - للدلالة على الاستمرار التجددي فإن المغفرة و قبول التوب من صفاته الفعلية و لا يزال تعالى يغفر الذنب ثم يغفر و يقبل التوب ثم يقبل .


و إنما عطف قابل التوب على ما قبله دون « شديد العقاب ذي الطول» لأن غافر الذنب و قابل التوب مجموعهما كصفة واحدة متعلقة بالعباد المذنبين يغفر لهم تارة بتوبة و تارة بغيرها كالشفاعة .


و العقاب و المعاقبة المؤاخذة التي تكون في عاقبة الذنب قال الراغب : و العقب و العقبى يختصان بالثواب نحو خير ثوابا و خير عقبا ، و قال تعالى : « أولئك لهم عقبى الدار ، و العاقبة إطلاقها يختص بالثواب نحو و العاقبة للمتقين ، و بالإضافة قد تستعمل في العقوبة نحو ثم كان عاقبة الذين أساءوا ، و قوله : فكانعاقبتهما أنهما في النار يصح أن يكون ذلك استعارة من ضده ، و العقوبة و المعاقبة و العقاب تختص بالعذاب .


انتهى .


فشديد العقاب كذي انتقام من أسماء الله الحسنى تحكي صفته تعالى في جانب العذاب كما يحكي الغفور و الرحيم صفته تعالى في جانب الرحمة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :304


و الطول - على ما في المجمع ، - الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه فذو الطول من أسمائه الحسنى في معنى المنعم لكنه أخص من المنعم لعدم شموله النعم القصار .


و ذكر هذه الأسماء الأربعة : غافر الذنب و قابل التوب شديد العقاب ذي الطول بعد اسم العليم للإشارة إلى أن تنزيل هذا الكتاب المشتمل على دعوته الحقة المبني على العلم مبني على أساس ما تقتضيه مضامين هذه الأسماء الأربعة .


و ذلك أن العالم الإنساني كما يتحد قبيلا واحدا في نيل الطول الإلهي و التنعم بنعمه المستمرة المتوالية مدى الحياة الدنيا ينقسم من حيث حياته الآخرة قسمين و ينشعب إلى شعبتين : سعيد و شقي و الله سبحانه عالم بتفاصيل خلقه و كيف لا يعلم و هو خالقها و فاعلها ، و مقتضى كونه غافرا للذنب قابلا للتوب أن يغفر لمن استعد للمغفرة و أن يقبل توبة التائب إليه ، و مقتضى كونه شديد العقاب أن يعاقب من استحق ذلك .


و مقتضى ذلك أن يهدي الناس إلى صراط السعادة كما قال : « إن علينا للهدى و إن لنا للآخرة و الأولى :» الليل : - 13 ، و قال : « و على الله قصد السبيل :» النحل : - 9 .


لينقسم الناس بذلك قسمين و يتميز عنده السعيد من الشقي و المهتدي من الضال فيرحم هذا و يعذب ذلك .


فتنزيل الكتاب من الله العزيز العليم مبني على علمه المحيط بخلقه أنهم في حاجة إلى دعوة يهتدي بها قوم و يضل بردها آخرون ليغفر لقوم و يعذب آخرين ، و في حاجة إليها لينتظم بها نظام معاشهم في الدنيا فينعموا بطوله و نعمته في الدنيا ثم في دار القرار .


فهذا شأن كتابه المنزل بعلمه الذي لا يشوبه جهل و المبني على الحق الذي لا يداخله باطل ، و أين هو من تكذيب الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة و جدالهم بالباطل ليدحضوا به الحق .


و على هذا الذي ذكرنا من العناية بالعلم يشهد ما سيذكره تعالى من دعاء الملائكة للمؤمنين بالمغفرة : « ربنا وسعت كل شي‏ء رحمة و علما فاغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك» فتدبر فيه .


و قوله : « لا إله إلا هو إليه المصير» ذكر كلمة التوحيد للإشارة إلى وجوب


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :305


عبادته وحدهفلا تلغو الدعوة الدينية بتنزيل الكتاب ، و ذكر كون مصير الكل و رجوعهم إليه و هو البعث للإشارة إلى أنه هو السبب العمدة الداعي إلى الإيمان بالكتاب و اتباعه فيما يدعو إليه لأن الاعتقاد بيوم الحساب هو الذي يستتبع الخوف و الرجاء خوف العقاب و رجاء الثواب الداعيين إلى عبادة الله سبحانه .


قوله تعالى : « ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد» لما ذكر تنزيل الكتاب و أشار إلى الحجة الباهرة على حقيته ، المستفادة من صفاته الكريمة المعدودة في الآيتين ، الدالة على أنه منزل بعلمه الذي لا يشوبهجهل و بالحق الذي لا يدحضه باطل تعرض لحال الذين قابلوا حججه الحقة بباطل جدالهم فلوح إلى أن هؤلاء أهل العقاب و ليسوا بفائتين و لا مغفولا عنهم فإنهم كما نزل الكتاب ليغفر الذنب و يقبل التوب كذلك نزله ليعاقب أهل العقاب فلا يسوأن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جدالهم و لا يغرنه ما يشاهده من حالهم .


فقوله : « ما يجادل في آيات الله» لم يقل : ما يجادل فيه أي في القرآن ليدل على أن الجدال في الحق الذي تدل عليه الآيات بما هي آيات .


على أن طرف جدالهم هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو داع إلى الحق الذي تدل عليه الآيات فجدالهم لدفع الحق لا للدفاع عن الحق .


على أن الجدال في الآية التالية مقيدة بالباطل لإدحاض الحق .


فالمراد بالمجادلة في آيات الله هي المجادلة لإدحاضها و دفعها و هي المذمومة و لا تشمل الجدال لإثبات الحق و الدفاع عنه كيف ؟ و هو سبحانه يأمر نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بذلك إذا كان جدالا بالتي هي أحسن قال تعالى : « و جادلهم بالتي هي أحسن :» النحل : - 125 .


قوله : « إلا الذين كفروا» ظاهر السياق أنهم الذين رسخ الكفر في قلوبهم فلا يرجى زواله ، و قد قيل : « ما يجادل» و لم يقل : لا يجادل، و كذا ظاهر قوله : « فلا يغررك تقلبهم في البلاد» أن المراد بهم الكفار المعاصرون للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و إن لم يكونوا من أهل مكة .


و تقلبهم في البلاد انتقالهم من طور من أطوار الحياة إلى طور آخر و من نعمة إلى


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :306


نعمة في سلامة و صحة و عافية ، و توجيه النهي عن الغرور إلى تقلبهم في البلاد كناية عن نهي النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن الاغترار بما يشاهده منهم أن يحسب أنهم أعجزوه سبحانه .


قوله تعالى : « كذبت قبلهم قوم نوح و الأحزاب من بعدهم» إلخ في مقام الجواب عما يسبق إلى الوهم أنهم استكبروا و جادلوا في آيات الله فلم يكن بهم بأس و سبقوا في ذلك .


و محصل الجواب : أن الأمم الماضين كقوم نوح و الأحزاب من بعدهم كعاد و ثمود و قوم لوط و غيرهم سبقوا هؤلاء إلى مثل صنيعهم من التكذيب و الجدال بالباطل و هموا برسولهم ليأخذوه فحل بهم العقاب و كذلك قضي في حق الكفار العذاب فتوهم أن هؤلاء سبقوا الله إلى ما يريد توهم باطل .


فقوله : « كذبت قبلهم قوم نوح و الأحزاب من بعدهم» دفع للدخل السابق و لذا جي‏ء بالفصل ، و قوله : « و همت كل أمة برسولهم ليأخذوه» يقال : هم به أيقصده و يغلب فيه القصد بالسوء أي قصدوا رسولهم ليأخذوه بالقتل أو الإخراج أو غيرهما كما قصه الله تعالى في قصصهم .


و قوله : « و جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق» الإدحاض الإزالة و الإبطال و قوله : « فأخذتهم» أي عذبتهم ، و فيه التفات من الغيبة إلى التكلم وحده و النكتة فيه الإشارة إلى أن أمرهم في هذا الطغيان و الاستكبار إلى الله وحده لا يدخل بينه و بينهم أحد بنصرة أو شفاعة كما قال : « فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد :» الفجر : - 14 .


و قوله : « فكيف كان عقاب» توجيه لذهن المخاطب إلى ما يعلمه من كيفية إهلاكهم و قطع دابرهم ليحضر شدة ما نزل بهم و قد قصه الله فيما قص من قصصهم .


قوله تعالى : « و كذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار» ظاهر السياق أن المشبه به هو ما في الآية السابقة من أخذهم و عقابهم ، و المراد بالذين كفروا مطلق الكفار من الماضين ، و المعنى كما أخذ الله المكذبين من الماضين بعذاب الدنيا كذلك حقت كلمته على مطلق الكافرين بعذاب الآخرة ، و الذين كفروا من قومك منهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :307


و قيل : المراد بالذين كفروا كفار مكة ، و لا يساعد عليه السياق و التشبيه لا يخلو عليه من اختلال .


و في قوله : « كلمة ربك» و لم يقل : كلمتي تطييب لنفس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تأييد له بالإشارة إلى أن الركن الذي يركن إليه هو الشديد القوي .


الَّذِينَ يحْمِلُونَ الْعَرْش وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسبِّحُونَ بحَمْدِ رَبهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَستَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْت كلَّ شىْ‏ءٍ رَّحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَ اتَّبَعُوا سبِيلَك وَ قِهِمْ عَذَاب الجَْحِيمِ‏(7) رَبَّنَا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتى وَعَدتَّهُمْوَ مَن صلَحَ مِنْ ءَابَائهِمْ وَ أَزْوَجِهِمْ وَ ذُرِّيَّتِهِمْإِنَّك أَنت الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏(8) وَ قِهِمُ السيِّئَاتِوَ مَن تَقِ السيِّئَاتِ يَوْمَئذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُوَ ذَلِك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏(9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْت اللَّهِ أَكْبرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسكمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلى الايمَنِ فَتَكْفُرُونَ‏(10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَينِ فَاعْترَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِّن سبِيلٍ‏(11) ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كفَرْتُمْوَ إِن يُشرَك بِهِ تُؤْمِنُوافَالحُْكْمُ للَّهِ الْعَلىّ‏ِ الْكَبِيرِ(12)



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :308


بيان


لما ذكر سبحانه تكذيب الذين كفروا و جدالهم في آيات الله بالباطل و لوح إلى أنهم غير معجزين و لا مغفول عنهم بل معنيون في هذه الدعوة و العناية فيهم أن يتميزوا فيحق عليهم كلمة العذاب فيعاقبوا عاد إلى بدء الكلام الذي أشار فيه إلى أن تنزيل الكتاب و إقامة الدعوة لمغفرة جمع و قبول توبتهم و عقاب آخرين فذكر أن الناس قبال هذه الدعوة قبيلان : قبيل تستغفر لهم حملة العرش و الحافون به من الملائكة و هم التائبون إلى الله المتبعون سبيله و من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهم ، و قبيل ممقوتون معذبون و هم الكافرون بالتوحيد .


قوله تعالى : « الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يؤمنون به» إلى آخر الآية .


لم يعرف سبحانه هؤلاء الحاملين للعرش من هم ؟ و لا في كلامه تصريح بأنهم من الملائكة لكن يشعر عطف قوله : « و من حوله عليهم و قد قال فيهم : « و ترى الملائكة حافين من حول العرش :» الزمر : - 75 أن حملة العرش أيضا من الملائكة .


و قد تقدم تفصيل الكلام في معنى العرش في الجزء الثامن من الكتاب .


فقوله : « الذين يحملون العرش و من حوله» أي الملائكة الذين يحملون العرش الذي منه تظهر الأوامر و تصدر الأحكام الإلهية التي بها يدبر العالم ، و الذين حول العرش من الملائكة و هم المقربون منهم .


و قوله : « يسبحون بحمد ربهم» أي ينزهون الله سبحانه و الحال أن تنزيههم له يصاحب ثناؤهم لربهم فهم ينزهونه تعالى عن كل ما لا يليق بساحة قدسه و من ذلك وجود الشريك في ملكه و يثنون عليه على فعله و تدبيره .


و قوله : « و يؤمنون به» إيمانهم به - و الحال هذه الحال عرش الملك و التدبير لله و هم حاملوه أو مطيفون حوله لتلقي الأوامر و ينزهونه عن كل نقص و يحمدونه على أفعاله - معناه الإيمان بوحدانيته في ربوبيته و ألوهيته ففي ذكر العرش و نسبة التنزيه و التحميد و الإيمان إلى الملائكة رد للمشركين حيث يعدون الملائكة المقربين شركاء لله في ربوبيته و ألوهيته و يتخذونهم أربابا آلهة يعبدونهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :309


و قوله : « و يستغفرون للذين آمنوا» أي يسألون الله سبحانه أن يغفر للذين آمنوا .


و قوله : « ربنا وسعت كل شي‏ء رحمة و علما» إلخ حكاية متن استغفارهم و قد بدءوا فيه بالثناء عليه تعالى بسعة الرحمة و العلم ، و إنما ذكروا الرحمة و شفعوها بالعلم لأنه برحمته ينعم على كل محتاج فالرحمة مبدأ إفاضة كل نعمة و بعلمه يعلم حاجة كل محتاج مستعد للرحمة .


و قوله : « فاغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم» تفريع على ما أثنوا به من سعة الرحمة و العلم ، و المراد بالسبيل التي اتبعوها هو ما شرع لهم من الدين و هو الإسلام و اتباعهم له هو تطبيق عملهم عليه فالمراد بتوبتهم رجوعهم إليه تعالى بالإيمان و المعنى فاغفر للذين رجعوا إليك بالإيمان بوحدانيتك و سلوك سبيلك الذي هو الإسلام و قهم عذاب الجحيم و هو غاية المغفرة و غرضها .


قوله تعالى : « ربنا و أدخلهم جنات عدن التي وعدتهم» إلى آخر الآية تكرار النداء بلفظة ربنا لمزيد الاستعطاف و المراد بالوعد وعده تعالى لهم بلسان رسله و في كتبه .


و قوله : « و من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهم» عطف على موضع الضمير في قوله : « و أدخلهم» و المراد بالصلوح صلاحية دخول الجنة ، و المعنى و أدخل من صلح لدخول الجنة من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهم جنات عدن .


ثم من المعلوم من سياق الآيات أن استغفارهم لعامة المؤمنين ، و من المعلوم أيضا أنهم قسموهم قسمين اثنين قسموهم إلى الذين تابوا و اتبعوا سبيل الله و قد وعدهم الله جنات عدن ، و إلى من صلح و قد جعلوا الطائفة الأولى متبوعين و الثانية تابعين .


و يظهر منه أن الطائفة الأولى هم الكاملون في الإيمان و العمل على ما هو مقتضى حقيقة معنى قولهم : « الذين تابوا و اتبعوا سبيلك» فذكروهم و سألوه أن يغفر لهم و ينجز لهم ما وعدهم من جنات عدن ، و الطائفة الثانية دون هؤلاء في المنزلة ممن لم يستكمل الإيمان و العمل من ناقص الإيمان و مستضعف و سيى‏ء العمل من منسوبي الطائفة الأولى فذكروهم و سألوه تعالى أن يلحقهم بالطائفة الأولى الكاملين في جناتهم و يقيهم السيئات .


فالآية في معنى قوله تعالى : « و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم و ما ألتناهم من عملهم من شي‏ء :» الطور : - 21 غير أن الآية التي نحن فيها أوسع


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :310


و أشمل لشمولها الآباء و الأزواج بخلاف آية سورة الطور ، و المأخوذ فيها الصلوح و هو أعم من الإيمان المأخوذ في آية الطور .


و قوله : « إنك أنت العزيز الحكيم» تعليل لقولهم : « فاغفر للذين تابوا» إلى آخر مسألتهم ، و كان الذي يقتضيه الظاهر أن يقال : إنك أنت الغفور الرحيم لكنه عدل إلى ذكر الوصفين : العزيز الحكيم لأنه وقع في مفتتح مسألتهم الثناء عليه تعالى بقولهم : « ربنا وسعت كل شي‏ء رحمة و علما» .


و لازم سعة الرحمة و هي عموم الإعطاء أن له أن يعطي ما يشاء لمن يشاء و يمنع ما يشاء ممن يشاء و هذا معنى العزة التي هي القدرة على الإعطاء و المنع ، و لازم سعة العلم لكل شي‏ء أن ينفذ العلم في جميع أقطار الفعل فلا يداخل الجهل شيئا منها و لازمه إتقان الفعل و هو الحكمة .


فقوله : « إنك أنت العزيز الحكيم» في معنى الاستشفاع بسعة رحمته و سعة علمه تعالى المذكورتين في مفتتح المسألة تمهيدا و توطئة لذكر الحاجة و هي المغفرة و الجنة .


قوله تعالى : « و قهم السيئات و من تق السيئات يومئذ فقد رحمته» إلخ ظاهر السياق أن الضمير في « قهم» للذين تابوا و من صلح جميعا .


و المراد بالسيئات - على ما قيل - تبعات المعاصي و هي جزاؤها و سميت التبعات سيئات لأن جزاء السيى‏ء سيى‏ء قال تعالى : « و جزاء سيئة سيئة مثلها :» الشورى : - 40 .


و قيل : المراد بالسيئات المعاصي و الذنوب نفسها و الكلام على تقدير مضاف و التقدير و قهم جزاء السيئات أو عذاب السيئات .


و الظاهر أن الآية من الآيات الدالة على أن الجزاءبنفس الأعمال خيرها و شرها ، و قد تكرر في كلامه تعالى أمثال قوله : « إنما تجزون ما كنتم تعملون :» التحريم : - 7 .


و كيف كان فالمراد بالسيئات التي سألوا وقايتهم عنها هي الأهوال و الشدائد التي تواجههم يوم القيامة غير عذاب الجحيم فلا تكرار في قوليهم : « و قهم عذاب الجحيم» « و قهم السيئات» .


و قيل : المراد بالسيئات نفس المعاصي التي في الدنيا ، و قولهم : « يومئذ» إشارة إلى الدنيا ، و المعنى و احفظهم من اقتراف المعاصي و ارتكابها في الدنيا بتوفيقك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :311


و فيه أن السياق يؤيد كون المراد بيومئذ يوم القيامة كما يشهد به قولهم : « و قهم عذاب الجحيم» و قولهم : « و أدخلهم جنات عدن» إلخ فالحق أن المراد بالسيئات ما يظهر للناس يوم القيامة من الأهوال و الشدائد .


و يظهر من هذه الآيات المشتملة على دعاء الملائكة و مسألتهم : أولا : أن من الأدب في الدعاء أن يبدأ بحمده و الثناء عليه تعالى ثم يذكر الحاجة ثم يستشفع بأسمائه الحسنى المناسبة له .


و ثانيا : أن سؤال المغفرة قبل سؤال الجنة و قد كثر ذكر المغفرة قبل الجنة في كلامه تعالى إذا ذكرا معا ، و هو الموافق للاعتبار فإن حصول استعداد أي نعمة كانت بزوال المانع قبل حصول نفس النعمة .


و ذكر بعضهم أن في قوله : « فاغفر للذين تابوا» الآية دلالة على أن إسقاط العقاب عند التوبة تفضل من الله تعالى إذ لو كان واجبا لكان لا يحتاج فيه إلى مسألتهم بل كان يفعله الله سبحانه لا محالة .


و فيه أن وجوب صدور الفعل عنه تعالى لا ينافي صحة مسألته و طلبه منه تعالى كما يشهد به قولهم بعد الاستغفار : « ربنا و أدخلهم جنات عدن التي وعدتهم» فقد سألوا لهم الجنة مع اعترافهم بأن الله وعدهم إياها و وعده تعالى واجب الإنجاز فإنه لا يخلف الميعاد ، و أصرح من هذه الآية قوله يحكي عن المؤمنين : « ربنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك و لا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد :» آل عمران : - 194 .


و قبول التوبة مما أوجبه الله تعالى على نفسه و جعله حقا للتائبين عليه قال تعالى : « إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم :» النساء : - 17 فطلب كل حق أوجبه الله تعالى على نفسه منه كسؤال المغفرة للتائب هو في الحقيقة رجوع إليه لاستنجاز ما وعده و إظهار اشتياق للفوز بكرامته .


و كذا لا يستلزم التفضل منه تعالى كون الفعل جائز الصدور غير واجبة فكل عطية من عطاياه تفضل سواء كانت واجبة الصدور أم لم تكن إذ لو كان فعل من أفعاله واجب الصدور عنه لم يكن إيجابه عليه بتأثير من غيره فيه و قهره عليه إذ هو المؤثر في كل شي‏ء لا يؤثر فيه غيره بل كان ذلك بإيجاب منه تعالى على نفسه و يؤول معناه إلى


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :312


قضائه تعالى فعل شي‏ء من الأفعال و إفاضة عطية من العطايا قضاء حتم فيكون سبحانه إنما يفعله بمشية من نفسه منزها عن إلزام الغير إياه عليه متفضلا به فالفعل تفضل منه و إن كان واجب الصدور ، و أما لو لم يكن الفعل واجب الصدور فكونه تفضلا أوضح .


قوله تعالى : « إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون» المقت أشد البغض .


لما ذكر المؤمنين ببعض ما لهم من جهة إيمانهم رجع إلى ذكر الكافرين ببعض ما عليهم من جهة كفرهم .


و ظاهر الآية و الآية التالية أن هذا النداء المذكور فيها إنما ينادون به في الآخرة بعد دخول النار حين يذوقون العذاب لكفرهم فيظهر لهم أن كفرهم في الدنيا إذ كانوا يدعون من قبل الأنبياء إلى الإيمان كان مقتا و شدة بغض منهم لأنفسهم حيث أوردوها بذلك مورد الهلاك الدائم .


و ينادون من جانب الله سبحانه فيقال لهم : أقسم لمقت الله و شدة بغضه لكم أكبر من مقتكم أنفسكم و شدة بغضكم لها إذ تدعون - حكاية حال ماضية - إلى الإيمان من قبل الأنبياء فتكفرون .


قوله تعالى : « قالوا ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل» سياق الآية و ما قبلها يشعر بأنهم يقولون هذا القول بعد استماع النداء السابق ، و إنما يقولونه و هم في النار بدليل قولهم : « فهل إلى خروج من سبيل» .


و تقديم هذا الاعتراف منهم نوع تسبيب و توسل إلى التخلص من العذاب و لات حين مناص ، و ذلك أنهم كانوا - و هم في الدنيا - في ريب من البعث و الرجوع إلى الله فأنكروه و نسوا يوم الحساب و كان نسيان ذلك سبب استرسالهم في الذنوب و ذهابهم لوجوههم في المعاصي و نسيان يوم الحساب مفتاح كل معصية و ضلال قال تعالى : « إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب :» ص : - 26 .


ثم لما أماتهم الله إماتة بعد إماتة و أحياهم إحياءة بعد إحياءة زال ارتيابهم في أمر البعث و الرجوع إلى الله بما عاينوا من البقاء بعد الموت و الحياة بعد الحياة و قد كانوا يرون أن الموت فناء ، و يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا و ما نحن بمبعوثين .


و بالجملة زال عنهم الارتياب بحصول اليقين و بقيت الذنوب و المعاصي و لذلك


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :313


توسلوا إلى التخلص من العذاب بالاعتراف فتارة اعترفوا بحصول اليقين كما حكاه الله عنهم في قوله : « و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا و سمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون :» الم السجدة : - 12 ، و تارة اعترفوا بذنوبهم كما في الآية المبحوث عنها و قد كانوا يرون أنهم أحرار مستقلون في إرادتهم و أفعالهم لهم أن يشاءوا ما شاءوا و أن يفعلوا ما فعلوا و لا حساب و لا ذنب .


و من ذلك يظهر وجه ترتب قولهم : « فاعترفنا بذنوبنا» على قولهم : « أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين» فالاعتراف في الحقيقة مترتب على حصول اليقين بالمعاد الموجب لحصول العلم بكون انحرافاتهم عن سبيل الله ضلالات و ذنوبا .


و المراد بقولهم : « أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين» - كما قيل - الإماتة عن الحياة الدنيا و الإحياء للبرزخ ثم الإماتة عن البرزخ و الإحياء للحساب يوم القيامة فالآية تشير إلى الإماتة بعد الحياة الدنيا و الإماتة بعد الحياة البرزخية و إلى الإحياء في البرزخ و الإحياء ليوم القيامة و لو لا الحياة البرزخية لم تتحقق الإماتة الثانية لأن كلا من الإماتة و الإحياء يتوقف تحققه على سبق خلافه .


و لم يتعرضوا للحياة الدنيا و لم يقولوا : و أحييتنا ثلاثا و إن كانت إحياء لكونها واقعة بعد الموت الذي هو حال عدم ولوج الروح لأن مرادهم ذكر الإحياء الذي هو سبب الإيقان بالمعاد و هو الإحياء في البرزخ ثم في القيامة و أما الحياة الدنيوية فإنها و إن كانت إحياء لكنها لا توجب بنفسها يقينا بالمعاد فقد كانوا مرتابين في المعاد و هم أحياء في الدنيا .


و بما تقدم من البيان يظهر فساد ما اعترض عليه بأنه لو كان المراد بالإحياءتين ما كانفي البرزخ و في الآخرة لكان من الواجب أن يقال : « أمتنا اثنتين و أحييتنا ثلاثا» إذ ليس المراد إلا ذكر ما مر عليهم من الإماتة و الإحياءة و ذلك إماتتان اثنتان و إحياءات ثلاث .


و الجواب أنه ليس المراد هو مجرد ذكر الإماتة و الإحياء اللتين مرتا عليهم كيفما كانتا بل ذكر ما كان منهما مورثا لليقين بالمعاد ، و ليس الإحياء الدنيوي على هذه الصفة .


و قيل : المراد بالإماتة الأولى حال النطفة قبل ولوج الروح ، و بالإحياءة الأولى ما هو حال الإنسان بعد ولوجها ، و بالإماتة الثانية إماتته في الدنيا ، و بالإحياءة الثانية


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :314


إحياءته بالبعث للحساب يوم القيامة ، و الآية منطبقة على ما في قوله تعالى : « كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم :» البقرة : - 28 .


و لما أحسوا بعدم صدق الإماتة على حال الإنسان قبل ولوج الروح في جسده لتوقفها على سبق الحياة تمحلوا في تصحيحه تمحلات عجيبة من أراد الوقوف عليها فليراجع الكشاف ، و شروحه .


على أنك قد عرفت أن ذكرهم ما مر عليهم من الإماتة و الإحياءة إشارة إلى أسباب حصول يقينهم بالمعاد و الحياة الدنيا و الموت الذي قبلها لا أثر لهما في ذلك .


و قيل : إن الحياة الأولى في الدنيا و الثانية في القبر ، و الموتة الأولى في الدنيا و الثانية في القبر و لا تعرض في الآية لحياة يوم البعث ، و يرد عليه ما تقدم أن الحياة الدنيا لا تعلق لها بالغرض فلا موجب للتعرض لها ، و الحياة يوم القيامة بالخلاف من ذلك .


و قيل : المراد بالإحياءتين إحياء البعث و الإحياء الذي قبله و إحياء البعث قسمان إحياء في القبر و إحياء عند البعث و لم يتعرض لهذا التقسيم في الآية فتشمل الآية الإحياءات الثلاث و الإماتتين جميعا .


و يرد عليه ما يرد على الوجهين السابقين عليه مضافا إلى ما أورد عليه أن ذكر الإماتة الثانية التي في القبر دليل على أن التقسيم ملحوظ و المراد التعدد الشخصي لا النوعي .


و قيل : المراد إحياء النفوس في عالم الذر ثم الإماتة ثم الإحياء في الدنيا ثم الإماتة ثم الإحياء للبعث ، و يرد عليه ما يرد على سوابقه .


و قيل : المراد بالتثنية التكرار كما في قوله تعالى : « ثم ارجع البصر كرتين :» الملك : - 4 ، و المعنى أمتنا إماتة و أحييتنا إحياءة بعد إحياءة .


و أورد عليه أنه إنما يتم لو كان القول : أمتنا إماتتين و أحييتنا إحياءتين أو كرتين مثلا لكن المقول نفس العدد و هو لا يحتمل ذلك كما قيل في قوله : « إلهين اثنين :» النحل : - 51 .


و قولهم : « فهل إلى خروج من سبيل» دعاء و مسألة في صورة الاستفهام ، و في تنكير الخروج و السبيل إشارة إلى رضاهم بأي نوع من الخروج كان من أي سبيل كانت


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :315


فقد بلغ بهم الجهد و اليوم يوم تقطعت بهم الأسباب فلا سبب يرجى أثره في تخلصهم من العذاب .


قوله تعالى : « ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم و إن يشرك به تؤمنوا» إلخ خطاب تشديد للكفار موطنه يوم القيامة ، و يحتمل أن يكون موطنه الدنيا خوطبوا بداعي زجرهم عن الشرك .


و الإشارة بقوله : « ذلكم» إلى ما هم فيه من الشدة ، و في قوله : « و إن يشرك به» دلالة على الاستمرار ، و الكلام مسوق لبيان معاندتهم للحق و معاداتهم لتوحيده تعالى فهم يكفرون بكل ما يلوح فيه أثر التوحيد و يؤمنون بكل ما فيه سمة الشرك فهم لا يراعون لله حقا و لا يحترمون له جانبا فالله سبحانه يحرم عليهم رحمته و لا يراعي في حكمه لهم جانبا .


و بهذا المعنى يتصل قوله : « فالحكم لله العلي الكبير» بأول الآية و يتفرع عليه كأنه قيل : فإذا قطعتم عن الله بالمرة و كفرتم بكل ما يريده و آمنتم بكل ما يكرهه فهو يقطع عنكم و يحكم فيكم بما يحكم من غير أي رعاية لحالكم .


فالآية في معنى قوله : « نسوا الله فنسيهم :» التوبة : - 67 ، و الجملة أعني قوله : « فالحكم لله العلي الكبير» خاصة بحسب السياق و إن كانت عامة في نفسها ، و فيها تهديد و يتأكد التهديد باختتامها بالاسمين العلي الكبير .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :316


هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ وَ يُنزِّلُ لَكُم مِّنَ السمَاءِ رِزْقاًوَ مَا يَتَذَكرُ إِلا مَن يُنِيب‏(13) فَادْعُوا اللَّهَ مخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَ لَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ‏(14)رَفِيعُ الدَّرَجَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ‏(15) يَوْمَ هُم بَرِزُونَلا يخْفَى عَلى اللَّهِ مِنهُمْ شىْ‏ءٌلِّمَنِ الْمُلْك الْيَوْمَللَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ(16) الْيَوْمَ تجْزَى كلُّ نَفْسِ بِمَا كسبَتلا ظلْمَ الْيَوْمَإِنَّ اللَّهَ سرِيعُ الحِْسابِ‏(17) وَ أَنذِرْهُمْ يَوْمَ الاَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوب لَدَى الحَْنَاجِرِ كَظِمِينَمَا لِلظلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شفِيعٍ يُطاعُ‏(18) يَعْلَمُ خَائنَةَ الأَعْينِ وَ مَا تخْفِى الصدُورُ(19) وَ اللَّهُ يَقْضى بِالْحَقّ‏ِوَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضونَ بِشىْ‏ءٍإِنَّ اللَّهَ هُوَ السمِيعُ الْبَصِيرُ(20)


بيان


احتجاج على التوحيد و إنذار بعد تقسيم الناس إلى راجع إلى الله متبع سبيله و مكذب بالآيات مجادل بالباطل .


قوله تعالى : « هو الذي يريكم آياته» إلى آخر الآية المراد بالآيات هي العلائم و الحجج الدالة على وحدانيته تعالى في الربوبية و الألوهية بدليل ما سيجي‏ء من تفريع قوله : « فادعوا الله مخلصين له الدين» عليه ، و الآيات مطلقة شاملة للآيات الكونية المشهودة في العالم لكل إنسان صحيح الإدراك و الآيات التي تجري على أيدي الرسل و الحجج القائمة من طريق الوحي .


و الجملة مشتملة على حجة فإنه لو كان هناك إله تجب عبادته على الإنسان و كانت عبادته كمالا للإنسان و سعادة له كان من الواجب في تمام التدبير و كامل العناية أن يهدي الإنسان إليه ، و الذي تدل الآيات الكونية على ربوبيته و ألوهيته و يؤيد دلالتها الرسل و الأنبياء بالدعوة و الإتيان بالآيات هو الله سبحانه ، و أما آلهتهم الذين يدعونهم من دون الله فلا آية من قبلهم تدل على شي‏ء فالله سبحانه هو الإله وحده لا شريك له، و إلى هذه الحجة يشير علي (عليه‏السلام‏) بقوله فيما روي عنه : « لو كان لربك شريك لأتتك رسله» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :317


و قوله : « و ينزل لكم من السماء رزقا» حجة أخرى على وحدانيته تعالى من جهة الرزق فإن رزق العباد من شئون الربوبية و الألوهية و الرزق من الله دون شركائهم فهو الرب الإله دونهم .


و قد فسروا الرزق بالمطر و السماء بجهة العلو ، و لا يبعد أن يراد بالرزق نفس الأشياء التي يرتزق بها و بنزولها من السماء بروزها من الغيب إلى الشهادة على ما يفيده قوله : « و إن من شي‏ء إلا عندناخزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم :» الحجر : - 21 .


و قوله : « و ما يتذكر إلا من ينيب» معترضة تبين أن حصول التذكر بهذه الحجج إنما هو شأن إحدى الطائفتين المذكورتين من قبل و هم المنيبون الراجعون إلى ربهم دون المجادلين الكافرين فإن الكفر و الجحود يبطل استعداد التذكر بالحجة و الاتباع للحق .


قوله تعالى : « فادعوا الله مخلصين له الدين و لو كره الكافرون» الأنسب للسياق أن يكون الخطاب عاما للمؤمنين و غيرهم متفرعا على الحجة السابقة غير أنه لا يشمل الكافرين المذكورين في آخر الآية و هم المكذبون المجادلون بالباطل .


كأنه قيل : إذا كانت الآيات تدل على وحدانيته تعالى و هو الرازق فعلى غير الكافرين الذين كذبوا و جادلوا أن يدعوا الله مخلصين له الدين ، و أما الكافرون الكارهون للتوحيد فلا مطمع فيهم و لا آية تفيدهم و لا حجة تقنعهم فاعبدوه بالإخلاص و دعوا الكافرين يكرهون ذلك .


قوله تعالى : « رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده» إلخ صفات ثلاث له تعالى و كل منها خبر بعد خبر للضمير في قوله : « هو الذي يريكم آياته» و الآية و ما بعدها مسوقة للإنذار .


و قد أورد لقوله : « رفيع الدرجات» تفاسير شتى فقيل : معناه رافع درجات الأنبياء و الأولياء في الجنة ، و قيل : رافع السماوات السبع التي منها تصعد الملائكة إلى عرشه ، و قيل : رفيع مصاعد عرشه ، و قيل : كناية عن رفعة شأنه و سلطانه .


و الذي يعطيه التدبر أن الآية و ما بعدها يصفان ملكه تعالى على خلقه أن له عرشا تجتمع فيه أزمة أمور الخلق و يتنزل منه الأمر متعاليا بدرجات رفيعة هي


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :318


مراتب خلقه و لعلها السماوات التي وصفها في كلامه بأنها مساكن ملائكته و أن أمره يتنزل بينهن و هي التي تحجب عرشه عن الناس .


ثم إن له يوما هو يوم التلاق يرفع فيه الحجاب ما بينه و بين الناس بكشف الغطاء عن بصائرهم و طي السماوات بيمينه و إظهار عرشه لهم فينكشف لهم أنه هو المليك على كل شي‏ء لا ملك إلا ملكه فيحكم بينهم .


فالمراد بالدرجات الدرجات التي يرتقى منها إلى عرشه و يعود قوله : « رفيع الدرجات ذو العرش» كناية استعارية عن تعالي عرش ملكه عن مستوى الخلق و غيبته و احتجابه عنهم قبل يوم القيامة بدرجات رفيعة و مراحل بعيدة .


و قوله : « يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده» إشارة إلى أمر الرسالة التي من شأنها الإنذار ، و تقييد الروح بقوله : « من أمره» دليل على أن المراد بها الروح التي ذكرها في قوله : « قل الروح من أمر ربي :» الإسراء : - 85 ، و هي التي تصاحب ملائكة الوحي كما يشير إليه قوله : « ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا :» النحل : - 2 .


فالمراد بإلقاء الروح على من يشاء تنزيلها مع ملائكة الوحي عليه ، و المراد بقوله : « من يشاء من عباده» الرسل الذين اصطفاهم الله لرسالته ، و في معنى الروح الملقاة على النبي أقوال أخر لا يعبأ بها .


و قوله : « لينذر يوم التلاق» و هو يوم القيامة سمي به لالتقاء الخلائق فيه أو لالتقاء الخالق و المخلوق أو لالتقاء أهل السماء و الأرض أو لالتقاء الظالم و المظلوم أو لالتقاء المرء و عمله و لكل من هذه الوجوه قائل .


و يمكن أن يتأيد القول الثاني بما تكرر في كلامه تعالى من حديث اللقاء كقوله : « بلقاء ربهم لكافرون :» الروم : - 8 ، و قوله : « إنهم ملاقوا ربهم :» هود : - 29 ، و قوله : « يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه :» الانشقاق : - 6 و معنى اللقاء تقطع الأسباب الشاغلة و ظهور أن الله هو الحق المبين و بروزهم لله .


قوله تعالى : « يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شي‏ء» إلخ تفسير ليوم التلاق ، و معنى بروزهم لله ظهور ذلك لهم و ارتفاع الأسباب الوهمية التي كانت تجذبهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :319


إلى نفسها و تحجبهم عن ربهم و تغفلهم عن إحاطة ملكه و تفرده في الحكم و توحده في الربوبية و الألوهية .


فقوله : « يوم هم بارزون» إشارة إلى ارتفاع كل سبب حاجب ، و قوله : « لا يخفى على الله منهم شي‏ء» تفسير لمعنى بروزهم لله و توضيح فقلوبهم و أعمالهم بعين الله و ظاهرهم و باطنهم و ما ذكروه و ما نسوه مكشوفة غير مستورة .


و قوله : « لمن الملك اليوم لله الواحد القهار» سؤال و جواب من ناحيته سبحانه تبين بهما حقيقة اليوم و هي ظهور ملكه و سلطانه تعالى على الخلق على الإطلاق .


و في توصيفه تعالى بالواحد القهار تعليل لانحصار الملك فيه لأنه إذ قهر كل شي‏ء ملكه و تسلط عليه بسلب الاستقلال عنه و هو واحد فله الملك وحده .


قوله تعالى : « اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب» الباء في « بما كسبت» للصلة و المراد بيان خصيصة اليوم و هي أن كل نفس تجزى عين ما كسبت فجزاؤها عملها ، قال تعالى : « يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون :» التحريم : - 7 .


و قوله : « إن الله سريع الحساب» تعليل لنفي الظلم في قوله : « لا ظلم اليوم» أي إنه تعالى سريع في المحاسبة لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى حتى يخطى‏ء فيجزي نفسا غير جزائها فيظلمها .


و هذا التعليل ناظر إلى نفي الظلم الناشى‏ء عن الخطإ و أما الظلم عن عمد و علم فانتفاؤه مفروغ عنه لأن الجزاء لما كان بنفس العمل لم يتصور معه ظلم .


قوله تعالى : « و أنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين» إلى آخر الآية .


الأزفة من أوصاف القيامة و معناها القريبة الدانية قال تعالى : « إنهم يرونه بعيدا و نراه قريبا :» المعارج : - 7 .


و قوله : « إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين» الحناجر جمع حنجرة و هي رأس الغلصمة من خارج و كون القلوب لدى الحناجر كناية عن غاية الخوف كأنها تزول عن مقرها و تبلغ الحناجر من شدة الخوف ، و كاظمين من الكظم و هو شدة الاغتمام .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :320


و قوله : « ما للظالمين من حميم و لا شفيع يطاع» الحميم القريب أي ليس لهم قريب يقوم بنصرهم بحمية القرابة قال تعالى : « فلا أنساب بينهم يومئذ :» المؤمنون : - 101 ، و لا شفيع يطاع في شفاعته .


قوله تعالى : « يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور» قيل : الخائنة مصدر كالخيانة نظيرة الكاذبة و اللاغية بمعنى الكذب و اللغو ، و ليس المراد بخائنة الأعين كل معصية من معاصيها بل المعاصي التي لا تظهر للغير كسارقة النظر بدليل ذكرها مع ما تخفي الصدور .


و قيل : « خائنة الأعين» من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف ، و لازمه كون العلم بمعنى المعرفة و المعنى يعرف الأعين الخائنة ، و الوجه هو الأول .


و قوله : « و ما تخفي الصدور» و هو ما تسره النفس و تستره من وجوه الكفر و النفاق و هيئات المعاصي .


قوله تعالى : « و الله يقضي بالحق و الذين يدعون مندونه لا يقضون بشي‏ء» إلخ هذه حجة أخرى على توحده تعالى بالألوهية أقامها بعد ما ذكر حديث انحصار الملك فيه يوم القيامة و علمه بخائنة الأعين و ما تخفي الصدور تمهيدا و توطئة .


و محصلها أن من اللازم الضروري في الألوهية أن يقضي الإله في عباده و بينهم و الله سبحانه هو يقضي بين الخلق و فيهم يوم القيامة و الذين يدعون من دونه لا يقضون بشي‏ء لأنهم عباد مملوكون لا يملكون شيئا .


و من قضائه تعالى تدبيره جزئيات أمور عباده بالخلق بعد الخلق فإنه مصداق القضاء و الحكم قال تعالى : « إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون :» يس : - 82 ، و قال : « إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون :» آل عمران : - 47 ، و لا نصيب لغيره تعالى في الخلق فلا نصيب له في القضاء .


و من قضائه تعالى تشريع الدين و ارتضاؤه سبيلا لنفسه قال تعالى : « و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه» الآية : الإسراء : - 23 .


و قوله : « إن الله هو السميع البصير» أي له حقيقة العلم بالمسموعات و المبصرات لذاته ، و ليس لغيره من ذلك إلا ما ملكه الله و أذن فيه لا لذاته .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :321


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده» قال : روح القدس و هو خاص برسول الله و الأئمة (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في المعاني ، بإسناده عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : يوم التلاق يوم يلتقي أهل السماء و أهل الأرض : . أقول : و رواه القمي في تفسيره ، مضمرا مرسلا .


و في التوحيد ، بإسناده عن ابن فضال عن الرضا عن آبائه عن علي (عليه‏السلام‏) في حديث قال : و يقول الله عز و جل : « لمن الملك اليوم» ثم ينطق أرواح أنبيائه و رسله و حججه فيقولون « « لله الواحد القهار» ثم يقول الله جل جلاله : «اليوم تجزى كل نفس بما كسبت» الآية .


و في نهج البلاغة ، : و أنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شي‏ء معه ، كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت و لا زمان و لا حين و لا مكان ، عدمت عند ذلك الآجال و الأوقات ، و زالت السنون و الساعات ، فلا شي‏ء إلا الله الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور ، بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، و بغير امتناع منها كان فناؤها ، و لو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها و في تفسير القمي ، بإسناده عن ثوير بن أبي فاختة عن علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) قال : سئل عن النفختين كم بينهما ؟ قال : ما شاء . ثم ذكر (عليه‏السلام‏) كيفية النفخ و موت أهل الأرض و السماء إلى أن قال فيمكثون في ذلك ما شاء الله ثم يأمر السماء فتمور و يأمر الجبال فتسير و هو قوله : « يوم تمور السماء مورا و تسير الجبال سيرا» يعني يبسط و تبدل الأرض غير الأرض يعني بأرض لم تكسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال و لا نبات كما دحاها أول مرة ، و يعيد عرشه على الماء كما كان أول مرة مستقلا بعظمته و قدرته .


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :322


قال : فعند ذلك ينادي الجبار جل جلاله بصوت من قبله جهوري يسمع أقطار السماوات و الأرضين « لمن الملك اليوم» فلم يجبه مجيب فعند ذلك يقول الجبار عز و جل مجيبا لنفسه « لله الواحد القهار» الحديث .


أقول : التدبر في الروايات الثلاث الأخيرة يهدي إلى أن الذي يفنى من الخلق استقلال وجودها و النسب و روابط التأثير التي بينها كما تفيده الآيات القرآنية و أن الأرواح لا تموت ، و أن لا وقت بين النفختين فلا تغفل ، و في الروايات لطائف من الإشارات تظهر للمتدبر ، و فيها ما يخالف بظاهره ما تقدم .


و في روضة الكافي ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن موسى بن جعفر (عليه‏السلام‏) في حديث قال : يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلا أساءه ذلك و ندم عليه و قد قال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « كفى بالندم توبة» و قال : « من سرته حسنته و ساءته سيئته فهو مؤمن» فإن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن و لم تجب له شفاعة و كان ظالما و الله تعالى يقول : « ما للظالمين من حميم و لا شفيع يطاع» .


و في المعاني ، بإسناده إلى عبد الرحمن بن سلمة الحريري قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « يعلم خائنة الأعين» فقال : أ لم تر إلى الرجل ينظر إلى الشي‏ء و كأنه لا ينظر فذلك خائنة الأعين .


و في الدر المنثور ، أخرج أبو داود و النسائي و ابن مردويه عن سعد قال : لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الناس إلا أربعة نفر و امرأتين ، و قال : اقتلوهم و إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح فاختبأ عند عثمان بن عفان . فلما دعا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الناس إلى البيعة جاء به فقال : يا رسول الله بايع عبد الله فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى أن يبايعه ثم بايعه ثم أقبل على أصحابه فقال : أ ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا إلى حين رآني كففت يديعن بيعته فيقتله ؟ فقالوا : ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك . قال : إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين .


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :323


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :324


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :325


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :326


أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فى الأَرْضِ فَيَنظرُوا كَيْف كانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْكانُوا هُمْ أَشدَّ مِنهُمْ قُوَّةً وَ ءَاثَاراً فى الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبهِمْ وَ مَا كانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ‏(21) ذَلِك بِأَنَّهُمْ كانَت تَّأْتِيهِمْ رُسلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُإِنَّهُ قَوِىٌّ شدِيدُ الْعِقَابِ‏(22) وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا مُوسى بِئَايَتِنَا وَ سلْطنٍ مُّبِينٍ‏(23) إِلى فِرْعَوْنَ وَ هَمَنَ وَ قَرُونَ فَقَالُوا سحِرٌ كذَّابٌ‏(24) فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقّ‏ِ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ وَ استَحْيُوا نِساءَهُمْوَ مَا كيْدُ الْكَفِرِينَ إِلا فى ضلَلٍ‏(25) وَ قَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونى أَقْتُلْ مُوسى وَ لْيَدْعُ رَبَّهُإِنى أَخَاف أَن يُبَدِّلَ دِينَكمْ أَوْ أَن يُظهِرَ فى الأَرْضِ الْفَسادَ(26) وَ قَالَ مُوسى إِنى عُذْت بِرَبى وَ رَبِّكم مِّن كلّ‏ِ مُتَكَبرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِْسابِ‏(27) وَ قَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبىَ اللَّهُ وَ قَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْوَ إِن يَك كذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُوَ إِن يَك صادِقاً يُصِبْكُم بَعْض الَّذِى يَعِدُكُمْإِنَّ اللَّهَ لا يهْدِى مَنْ هُوَ مُسرِفٌ كَذَّابٌ‏(28) يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْك الْيَوْمَ ظهِرِينَ فى الأَرْضِ فَمَن يَنصرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَاقَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَ مَا أَهْدِيكمْ إِلا سبِيلَ الرَّشادِ(29) وَ قَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ إِنى أَخَاف عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ‏(30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عَادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْوَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظلْماً لِّلْعِبَادِ(31) وَ يَقَوْمِ إِنى أَخَاف عَلَيْكمْ يَوْمَ التَّنَادِ(32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍوَ مَن يُضلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(33) وَ لَقَدْ جَاءَكمْ يُوسف مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَمَا زِلْتُمْ فى شكٍ مِّمَّا جَاءَكم بِهِحَتى إِذَا هَلَك قُلْتُمْ لَن يَبْعَث اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسولاًكذَلِك يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسرِفٌ مُّرْتَابٌ‏(34) الَّذِينَ يجَدِلُونَ فى ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيرِ سلْطنٍ أَتَاهُمْكبرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَ عِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواكَذَلِك يَطبَعُ اللَّهُ عَلى كلّ‏ِ قَلْبِ مُتَكَبرٍ جَبَّارٍ(35) وَ قَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ ابْنِ لى صرْحاً لَّعَلى أَبْلُغُ الأَسبَب‏(36) أَسبَب السمَوَتِ فَأَطلِعَ إِلى إِلَهِ مُوسى وَ إِنى لأَظنُّهُ كذِباًوَ كذَلِك زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سوءُ عَمَلِهِ وَ صدَّ عَنِ السبِيلِوَ مَا كيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فى تَبَابٍ‏(37) وَ قَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكمْ سبِيلَ الرَّشادِ(38) يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا مَتَعٌ وَ إِنَّ الاَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ(39) مَنْ عَمِلَ سيِّئَةً فَلا يجْزَى إِلا مِثْلَهَاوَ مَنْ عَمِلَ صلِحاً مِّن ذَكرٍ أَوْ أُنثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئك يَدْخُلُونَ الجَْنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسابٍ‏(40) × وَ يَقَوْمِ مَا لى أَدْعُوكمْ إِلى النَّجَوةِ وَ تَدْعُونَنى إِلى النَّارِ(41) تَدْعُونَنى لأَكفُرَ بِاللَّهِ وَ أُشرِك بِهِ مَا لَيْس لى بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكمْ إِلى الْعَزِيزِ الْغَفَّرِ(42) لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنى إِلَيْهِ لَيْس لَهُ دَعْوَةٌ فى الدُّنْيَا وَ لا فى الاَخِرَةِ وَ أَنَّ مَرَدَّنَا إِلى اللَّهِ وَ أَنَّ الْمُسرِفِينَ هُمْ أَصحَب النَّارِ(43) فَستَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكمْوَ أُفَوِّض أَمْرِى إِلى اللَّهِإِنَّ اللَّهَ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ(44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سيِّئَاتِ مَا مَكرُواوَ حَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ سوءُ الْعَذَابِ‏(45) النَّارُ يُعْرَضونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَ عَشِيًّاوَ يَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشدَّ الْعَذَابِ‏(46) وَ إِذْ يَتَحَاجُّونَ فى النَّارِ فَيَقُولُ الضعَفَؤُا لِلَّذِينَ استَكبرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ(47) قَالَ الَّذِينَ استَكبرُوا إِنَّا كلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَينَ الْعِبَادِ(48) وَ قَالَ الَّذِينَ فى النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يخَفِّف عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ‏(49) قَالُوا أَ وَ لَمْ تَك تَأْتِيكُمْ رُسلُكم بِالْبَيِّنَتِقَالُوا بَلىقَالُوا فَادْعُواوَ مَا دُعَؤُا الْكفِرِينَ إِلا فى ضلَلٍ‏(50) إِنَّا لَنَنصرُ رُسلَنَا وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا فى الحَْيَوةِ الدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَقُومُ الأَشهَدُ(51) يَوْمَ لا يَنفَعُ الظلِمِينَ مَعْذِرَتهُمْوَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سوءُ الدَّارِ(52) وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسى الْهُدَى وَ أَوْرَثْنَا بَنى إِسرءِيلَ الْكتَب‏(53) هُدًى وَ ذِكرَى لأُولى الأَلْبَبِ‏(54)


بيان


في الآيات موعظتهم بالإرجاع إلى آثار الأمم الماضين و قصصهم للنظر و الاعتبار فلينظروا فيها و ليعتبروا بها و يعلموا أن الله سبحانه لا تعجزه قوة الأقوياء و استكبار المستكبرين و مكر الماكرين و تذكر منها من باب الأنموذج طرفا من قصص موسى و فرعون و فيها قصة مؤمن آل فرعون .


قوله تعالى : « أ و لم يسيروا في الأرض فينظروا» إلى آخر الآية الاستفهام إنكاري ، و الواقي اسم فاعل من الوقاية بمعنى حفظ الشي‏ء مما يؤذيه و يضره .


و المعنى : أ و لم يسيروا هؤلاء الذين أرسلناك إليهم « في الأرض فينظروا» نظر تفكر و اعتبار « كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم» من الأمم الدارجة المكذبين لرسلهم « كانوا هم أشد منهم قوة» أي قدرة و تمكنا و سلطة « و آثارا» كالمدائن الحصينة و القلاع المنيعة و القصور العالية المشيدة « في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم» و أهلكهم بأعمالهم « و ما كان لهم من الله من واق» يقيهم و حافظ يحفظهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :327


قوله تعالى : « ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات» إلخ الإشارة بذلك إلى الأخذ الإلهي ، و المراد بالبينات الآيات الواضحات ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « و لقد أرسلنا موسى بآياتنا و سلطان مبين» لعل المراد بالآيات الخوارق المعجزة التي أرسل بها كالعصا و اليد و غيرهما و بالسلطان المبين السلطة الإلهية القاهرة التي أيد بها فمنعت فرعون أن يقتله و يطفى‏ء نوره ، و قيل : المراد بالآيات الحجج و الدلالات و بالسلطان معجزاته من العصا و اليد و غيرهما ، و قيل : غير ذلك .


قوله تعالى : « إلى فرعون و هامان و قارون فقالوا ساحر كذاب» فرعون جبار القبط و مليكهم ، و هامان وزيره و قارون من طغاة بني إسرائيل ذو الخزائن المليئة ؟ و إنما اختص الثلاثة من بين الأمتين بالذكر لكونهم أصولا ينتهي إليهم كل فساد و فتنة فيهما .


قوله تعالى : « فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه» إلخ مقايسة بين ما جاءهم به موسى و دعاهم إليه و بين ما قابلوه به من كيدهم فقد جاءهم بالحق و كان من الواجب أن يقبلوه لأنه حق و كان ما جاء به من عند الله و كان من الواجب أن يقبلوه و لا يردوه فقابلوه بالكيد و قالوا ما قالوا لئلا يؤمن به أحد لكن الله أضل كيدهم فلم يصب المؤمنين معه .


و يشعر السياق أن من القائلين بهذا القول قارونو هو من بني إسرائيل و لا ضير فيه لأن الحكم بقتل الأبناء و استحياء النساء كان قبل الدعوة صادرا في حق بني إسرائيل عامة و هذا الحكم في حق المؤمنين منهم خاصة فلعل قارون وافقهم عليه لعداوته و بغضه موسى و المؤمنين من قومه .


و في قوله : « الذين آمنوا معه» و لم يقل : آمنوا به إشارة إلى مظاهرتهم موسى في دعوته .


قوله تعالى : « و قال فرعون ذروني أقتل موسى و ليدع ربه» إلخ « ذروني» أي اتركوني ، خطاب يخاطب به ملأه ، و فيه دلالة على أنه كان هناك قوم يشيرون عليه أن لا يقتل موسى و يكف عنه كما يشير إليه قوله تعالى : «قالوا أرجه و أخاه :» الشعراء : - 36 .


و قوله : « و ليدع ربه» كلمة قالها كبرا و عتوا يقول : اتركوني أقتله و ليدع ربه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :328


فلينجه من يدي و ليخلصه من القتل إن قدر .


و قوله : « إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد» تعليل لما عزم عليه من القتل و قد ذكر أنه يخافه عليهم من جهة دينهم و من جهة دنياهم ، أما من جهة دينهم - و هو عبادة الأصنام - فأن يبدله و يضع موضعه عبادة الله وحده ، و أما من جهة دنياهم فكأن يعظم أمره و يتقوى جانبه و يكثر متبعوه فيتظاهروا بالتمرد و المخالفة فيئول الأمر إلى المشاجرة و القتال و انسلاب الأمن .


قوله تعالى : « و قال موسى إني عذت بربي و ربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب» مقابلة منه (عليه‏السلام‏) لتهديد فرعون إياه بالقتل و استعاذة منه بربه ، و قوله : « عذت بربي و ربكم» فيه مقابلة منه أيضا لفرعون في قوله : « و ليدع ربه» حيث خص ربوبيته تعالى بموسى فأشار موسى بقوله : « عذت بربي و ربكم» إلى أنه تعالى ربهم كما هو ربه نافذ حكمه فيهم كما هو نافذ فيه فله أن يقي عائذه من شرهم و قد وقى .


و من هنا يظهر أن الخطاب في قوله : « و ربكم»لفرعون و من معه دون قومه من بني إسرائيل .


و قوله : « من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب» يشير به إلى فرعون و كل من يشاركه في صفتي التكبر و عدم الإيمان بيوم الحساب و لا يؤمن ممن اجتمعت فيه الصفتان شر أصلا .


قوله تعالى : « و قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه» إلى آخر الآية .


ظاهر السياق أن « من آل فرعون» صفة رجل و « يكتم إيمانه» صفة أخرى فكان الرجل من القبط من خاصة فرعون و هم لا يعلمون بإيمانه لكتمانه إياهم ذلك تقية .


و قيل : قوله : « من آل فرعون» مفعول ثان لقوله : « يكتم» قدم عليه ، و الغالب فيه و إن كان التعدي إلى المفعول الثاني بنفسه كما في قوله : « و لا يكتمون الله حديثا :» النساء : - 42 لكنه قد يتعدى إليه بمن كما صرح به في المصباح ، .


و فيه أن السياق يأباه فلا نكتة ظاهرة تقتضي تقدم المفعول الثاني على الفعل من حصر و نحوه .


على أن الرجل يكرر نداء فرعون و قومه بلفظة « يا قوم» و لو لم يكن منهم لم يكن له ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :329


و قوله : « أ تقتلون رجلا أن يقول ربي الله و قد جاءكم بالبينات من ربكم» إنكار لعزمهم على قتله ، و في قوله : « من ربكم» دليل على أن فيالبينات التي جاء بها دلالة على أن الله ربهم أيضا كما اتخذه ربا فقتله قتل رجل جاء بالحق من ربهم .


و قوله : « و إن يك كاذبا فعليه كذبه» قيل : إن ذكره هذا التقدير تلطف منه لا أنه كان شاكا في صدقه .


و قوله : « و إن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم» فيه تنزل في المخاصمة بالاكتفاء على أيسر التقادير و أقلها كأنه يقول : و إن يك صادقا يصبكم ما وعدكم من أنواع العذاب و لا أقل من إصابة بعض ما يعدكم مع أن لازم صدقه إصابة جميع ما وعد .


و قوله : « إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب» تعليل للتقدير الثاني فقط و المعنى إن يك كاذبا كفاه كذبه و إن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم لأنكم حينئذ مسرفون متعدون طوركم كذابون في نفي ربوبية ربكم و اتخاذ أرباب من دونه و الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ، و أما على تقدير كذبه فلا ربوبية لمن اتخذه ربا حتى يهديه أو لا يهديه .


و من هنا يظهر أن ما ذكره بعضهم من كون الجملة تعليلا للتقديرين جميعا متعلقة بكلتا الجملتين غير مستقيم .


قوله تعالى : « يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا» ظهورهم غلبتهم و علوهم في الأرض ، و الأرض أرض مصر ، و بأس الله أخذه و عذابه و الاستفهام للإنكار .


و المعنى : يا قوم لكم الملك حال كونهم غالبين عالين في أرض مصر على من دونكم من بني إسرائيل فمن ينصرنا من أخذ الله و عذابه كما يعدنا به موسى إن جاءنا ؟ و قد أدخل نفسه فيهم على تقدير مجي‏ء البأس ليكون أبلغ في النصح و أوقع في قلوبهم أنه يريد لهم من العافية ما يريده لنفسه .


قوله تعالى : « قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد» أي طريق الصواب المطابقة للواقع يريد أنه على يقين مما يهدي إليه قومه من الطريق


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :330


و هي مع كونها معلومةله مطابقة للواقع ، و هذا كان تمويها منه و تجلدا .


قوله تعالى : « و قال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب - إلى قوله - للعباد» المراد بالذي آمن هو مؤمن آل فرعون ، و لا يعبأ بما قيل : إنه موسى لقوة كلامه ، و المراد بالأحزاب الأمم المذكورون في الآية التالية قوم نوح و عاد و ثمود و الذين من بعدهم ، و قوله : « مثل دأب قوم نوح» بيان للمثل السابق و الدأب هو العادة .


و المعنى : يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأقوام الماضين مثل العادة الجارية من العذاب عليهم واحدا بعد واحد لكفرهم و تكذيبهم الرسل، أو مثل جزاء عادتهم الدائمة من الكفر و التكذيب و ما الله يريد ظلما للعباد .


قوله تعالى : « و يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد - إلى قوله - من هاد» يوم التناد يوم القيامة ، و لعل تسميته بذلك لكون الظالمين فيه ينادي بعضهم بعضا و ينادون بالويل و الثبور على ما اعتادوا به في الدنيا .


و قيل : المراد بالتنادي المناداة التي تقع بين أصحاب الجنة و أصحاب النار على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف ، و هناك وجوه أخر ذكروها لا جدوى فيها .


و قوله : « يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم» المراد به يوم القيامةو لعل المراد أنهم يفرون في النار من شدة عذابها ليتخلصوا منها فردوا إليها كما قال تعالى : « كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها و ذوقوا عذاب الحريق :» الحج : - 22 .


و قوله : « و من يضلل الله فما له من هاد» بمنزلة التعليل لقوله : « ما لكم من الله من عاصم» أي تفرون مدبرين ما لكم من عاصم و لو كان لكان من جانب الله و ليس و ذلك لأن الله أضلهم و من يضلل الله فما له من هاد .


قوله تعالى : « و لقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات» إلى آخر الآية .


لما ذكر أن الله أضلهم و لا هادي لهم استشهد له بما عاملوا به يوسف (عليه‏السلام‏) في رسالته إليهم حيث شكوا في نبوته ما دام حيا ثم إذا مات قالوا : لا نبي بعده .


فالمعنى : و أقسم لقد جاءكم يوسف من قبل بالآيات البينات التي لا تدع ريبا في


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :331


رسالته من الله فما زلتم في شك مما جاءكم به ما دام حيا حتى إذا هلك و مات قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا فناقضتم أنفسكم و لم تبالوا .


ثم أكده - و هو في معنى التعليل - بقوله : « كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب» .


قوله تعالى : « الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم» إلخ وصف لكل مسرف مرتاب فإن من تعدى طوره بالإعراض عن الحق و اتباع الهوى و استقر في نفسه الارتياب فكان لا يستقر على علم و لا يطمئن إلى حجة تهديه إلى الحق جادل في آيات الله بغير برهان إذا خالفت مقتضى هواه .


و قوله : « كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار» يفيد أن قلوبهم مطبوع عليها فلا يفقهون حجة و لا يركنون إلى برهان .


قوله تعالى : « و قال فرعون يا هامان ابن لي صرحا - إلى قوله - في تباب» أمر منه لوزيره هامان أن يبني له بناء يتوصل به إلى الاطلاع إلى إله موسى و لعله أصدر هذا الأمر أثناء محاجة الذي آمن و بعد الانصراف عن قتل موسى و لذلك وقع ذكره بين مواعظ الذي آمن و احتجاجاته .


و الصرح - على ما في المجمع ، - البناء الظاهر الذي لا يخفى على عين الناظر و إن بعد ، و الأسباب جمع سبب و هو ما تتوصل به إلى ما يبتعد عنك .


و قوله : « لعلي أبلغ الأسباب» في معنى التعليل لأمره ببناء الصرح ، و المعنى آمرك ببنائه لأني أرجو أن أبلغ بالصعود عليه الأسباب ثم فسر الأسباب بقوله : « أسباب السموات» و فرع عليه قوله : « فأطلع إلى إله موسى» كأنه يقول : إن الإله الذي يدعوه و يدعو إليه موسى ليس في الأرض إذ لا إله فيها غيري فلعله في السماء فابن لي صرحا لعلي أبلغ بالصعود عليه الأسباب السماوية الكاشفة عن خبايا السماء فأطلع من جهتها إلى إله موسى و إني لأظنه كاذبا .


و قيل : إن مراده أن يبني له رصدا يرصد فيه الأوضاع السماوية لعله يعثر فيها على ما يستدل به على وجود إله موسى بعد اليأس عن الظفر عليه بالوسائل الأرضية


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :332


و هو حسن ، و على أي حال لا يستقيم ما ذكره على شي‏ء من مذاهب الوثنية فلعله كان منه تمويها على الناس أو جهلا منه و ما هو من الظالمين ببعيد .


و قوله : « و كذلك زين لفرعون سوء عمله و صد عن السبيل» مفاد السياق أنه في معنى إعطاء الضابط لما واجه به فرعون الحق الذي كان يدعوه إليه موسى فقد زين الشيطان له قبيح عمله فرآه حسنا و صده عن سبيل الرشاد فرأى انصداده عنها ركوبا عليها فجادل في آيات الله بالباطل و أتى بمثل هذه الأعمال القبيحة و المكائد السفيهة لإدحاض الحق .


و لذلك ختمت الآية بقوله : « و ما كيد فرعون إلا في تباب» أي هلاك و انقطاع .


قوله تعالى : « و قال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد» يدعوهم إلى اتباعه ليهديهم ، و اتباعه اتباع موسى ، و سبيل الرشاد السبيل التي في سلوكها إصابة الحق و الظفر بالسعادة ، و الهداية بمعنى إراءة الطريق ، و في قوله : « أهدكم سبيل الرشاد» تعريض لفرعون حيث قال : « و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد» و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع و إن الآخرة هي دار القرار» هذا هو السناد الذي يستند إليه سلوك سبيل الرشاد و التدين بدين الحق لا غنى عنه بحال و هو الاعتقاد بأن للإنسان حياة خالدة مؤبدة هي الحياة الآخرة و أن هذه الحياة الدنيا متاع في الآخرة و مقدمة مقصودة لأجلها ، و لذلك بدأ به في بيان سبيل الرشاد ثم ذكر السيئة و العمل الصالح .


قوله تعالى : « من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها» إلى آخر الآية .


أي إن الذي يصيبه و يعيش به في الآخرة يشاكل ما أتى به في هذه الحياة الدنيا التي هي متاع فيها فإنما الدنيا دار عمل و الآخرة دار جزاء .


من عمل في الدنيا سيئة ذات صفة المساءة فلا يجزى في الآخرة إلا مثلها مما يسوؤه و من عمل صالحا من ذكر أو أنثى من غير فرق بينهما في ذلك و الحال أنه مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب .


و فيه إشارة إلى المساواة بين الذكر و الأنثى في قبول العمل و تقييد العمل الصالح


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :333


في تأثيره بالإيمان لكون العمل حبطا بدون الإيمان قال تعالى : « و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله :» المائدة : - 5 إلى غيرها من الآيات .


و قد جمع الدين الحق و هو سبيل الرشاد في أوجز بيان و هو أن للإنسان دار قرار يجزى فيها بما عمل في الدنيا من عمل سيى‏ء أو صالح فليعمل صالحا و لا يعمل سيئا ، و زاد بيانا إذ أفاد أنه إن عمل صالحا يرزق بغير حساب .


قوله تعالى : « و يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة و تدعونني إلى النار - إلى قوله - العزيز الغفار» كأنه لما دعاهم إلى التوحيد قابلوه بدعوته إلى عبادة آلهتهم أو قدرها لهم لما شاهد جدالهم بالباطل و إصرارهم على الشرك فنسب إليهم الدعوة بشهادة حالهم فأظهر العجب من مقابلتهم دعوته الحقة بدعوتهم الباطلة .


فقال : و يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة أي النجاة من النار و تدعونني إلى النار و قد كان يدعوهم إلى سبب النجاة و يدعونه إلى سبب دخول النار فجعل الدعوة إلى السببين دعوة إلى المسببين أو لأن الجزاء هو العمل بوجه .


ثم فسر ما دعوه إليه و ما دعاهم إليه فقال : تدعونني لأكفر أي إلى أن أكفر بالله و أشرك به ما ليس لي به علم أي أشرك به شيئا لا حجة لي على كونه شريكا فأفتري على الله بغيرعلم ، و أنا أدعوكم إلى العزيز ، الذي يغلب و لا يغلب الغفار لمن تاب إليه و آمن به أي أدعوكم إلى الإيمان به و الإسلام له .


قوله تعالى : « لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا و لا في الآخرة» إلخ لا جرم بمعنى حقا أو بمعنى لا بد ، و مفاد الآية إقامة الحجة على عدم كون ما يدعون إليه إلها من طريق عدم الدعوة إليه و في ذلك تأييد لقوله في الآية السابقة « ما ليس لي به علم» .


و المعنى : ثبت ثبوتا أن ما تدعونني إليه مما تسمونه شريكا له سبحانه ليس له دعوة في الدنيا إذ لم يعهد نبي أرسل إلى الناس من ناحيتهليدعوهم إلى عبادته ، و لا في الآخرة إذ لا رجوع إليه فيها من أحد ، و أما الذي أدعوكم إليه و هو الله سبحانه فإن له دعوة في الدنيا و هي التي تصداها أنبياؤه و رسله المبعوثون من عنده المؤيدون بالحجج و البينات،


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :334


و في الآخرة و هي التي يتبعها رجوع الخلق إليه لفصل القضاء بينهم ، قال تعالى : « يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده :» إسراء : - 52 .


و من المعلوم كما قررناه في ذيل قوله تعالى : « هو الذي يريكم آياته» الآية : - 13 من السورة أن الربوبية لا تتم بدون دعوة في الدنيا و نظيرتها الدعوة في الآخرة ، و إذ كان الذي يدعوهم إليه ذا دعوة في الدنيا و الآخرة دون ما يدعونه إليه فهو الإله دون ما يدعون إليه .


و قوله : « و أن مردنا إلى الله و أن المسرفين هم أصحاب النار» معطوف على قوله : « إنما تدعونني» أي لا جرم أن مردنا إلى الله فيجب الإسلام له و اتباع سبيله و رعاية حدود العبودية ، و لا جرم أن المسرفين و هم المتعدون طور العبودية - و هم أنتم - أصحاب النار فالذي أدعوكم إليه فيه النجاة دون ما تدعونني إليه .


قوله تعالى : « فستذكرون ما أقول لكم و أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد» صدر الآية موعظة و تخويف لهم و هو تفريع على قوله : « و أن مردنا إلى الله» إلخ أي إذ كان لا بد من الرجوع إلى الله و حلول العذاب بالمسرفين و أنتم منهم و لم تسمعوا اليوم ما أقول لكم فستذكرون ما أقول لكم حين عاينتم العذاب و تعلمون عند ذاك أني كنت ناصحا لكم .


و قوله : « و أفوض أمري إلى الله» التفويض على ما فسره الراغب هو الرد فتفويض الأمر إلى الله رده إليه فيقرب من معنى التوكل و التسليم و الاعتبار مختلف : فالتفويض من العبد رده ما نسب إليه من الأمر إلى الله سبحانه و حال العبد حينئذ حال من هو أعزل لا أمر راجعا إليه ، و التوكل من العبد جعله ربه وكيلا يتصرف فيما له من الأمر ، و التسليم من العبد مطاوعته المحضة لما يريده الله سبحانه فيه و منه من غير نظر إلى انتساب أمر إليه فهي مقامات ثلاث من مقامات العبودية : التوكل ثم التفويض و هو أدق من التوكل ثم التسليم و هو أدق منهما .


و قوله : « إن الله بصير بالعباد» تعليل لتفويضه أمره إلى الله ، و في وضع اسم الجلالة موضع ضميره - و كان مقتضى الظاهر الإضمار إشارة إلى علة بصيرته بالعباد


كأنه قيل : إنه بصير بالعباد لأنه الله عز اسمه .


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص:335


قوله تعالى : « فوقاه الله سيئات ما مكروا» تفريع على تفويضه الأمر إلى الله فكفاه الله شرهم و وقاه سيئات مكرهم ، و فيه إشارة إلى أنهم قصدوه بالسوء لكن الله دفعهم عنه .


قوله تعالى : « و حاق بآل فرعون سوء العذاب - إلى قوله - أشد العذاب» أي نزل بهم و أصابهم العذاب السيى‏ء فسوء العذاب من إضافة الصفة إلى موصوفها و في التوصيف بالمصدر مبالغة ، و آل فرعون أشياعه و أتباعه ، و ربما يقال آل فلان و يشمل نفسه .


و قوله : « النار يعرضون عليها غدوا و عشيا و يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب» ظاهر السياق أنه بيان لسوء العذاب و ليس من الاستئناف في شي‏ء .


و الآية صريحة أولا في أن هناك عرضا على النار ثم إدخالا فيها و الإدخال أشد من العرض ، و ثانيا : في أن العرض على النار قبل قيام الساعة التي فيها الإدخال و هو عذاب البرزخ - عالم متوسط بين الموت و البعث - و ثالثا : أن التعذيب في البرزخ و يوم تقوم الساعة بشي‏ء واحد و هو نار الآخرة لكن البرزخيين يعذبون بها من بعيد و أهل الآخرة بدخولها .


و في قوله : « غدوا و عشيا» إشارة إلى التوالي من غير انقطاع ، و لعل لأهل البرزخ لعدم انقطاعهم عن الدنيا بالكلية نسبة ما إلى الغداة و العشي .


و في قوله : « و يوم تقوم الساعة أدخلوا» إيجاز بالحذف و التقدير يقال : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب .


قوله تعالى : « و إذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا - إلى قوله - بين العباد» يفيد السياق أن الضمير في « يتحاجون» لآل فرعون و من الدليل على ذلك تغيير السياق في قوله بعد : « و قال الذين في النار» و المعنى و حاق بآل فرعون سوء العذاب إذ يتحاجون في النار أو و اذكر من سوء عذابهم إذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء منهم للذين استكبروا إنا كنا في الدنيا لكم تبعا و كان لازم ذلك أنتكفونا في الحوائج و تنصرونا في الشدائد و لا شدة أشد مما نحن فيه فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار و إن لم يكن جميع عذابها فقد قنعنا بالبعض .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :336


و هذا ظهور مما رسخ في نفوسهم في الدنيا من الالتجاء بكبريائهم و متبوعيهم من دون الله يظهر منهم ذلك يوم القيامة و هم يعلمون أنهم في يوم لا تغني فيه نفس عن نفس شيئا و الأمر يومئذ لله و له نظائر محكية عنهم في كلامه تعالى من كذبهم يومئذ و خلفهم و إنكارهم أعمالهم و تكذيب بعضهم لبعض و غير ذلك .


و قوله : « قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد» جواب من مستكبريهم عن قولهم و محصله أن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل فالأسباب ساقطة عن التأثير و قد طاحت منا ما كنا نتوهمه لأنفسنا في الدنيا من القوة و القدرة فحالنا و حالكم - و نحن جميعا في النار - واحدة .


فقولهم : « إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد» مفاده أن ظهور الحكم الإلهي قد أبطل أحكام سائر الأسباب و تأثيراتها و أثبتنا على ما نحن فيه من الحال في حد سواء فلسنا نختص دونكم بقوة حتى نغني عنكم شيئا من العذاب .


و مما قيل في الآية أن الضمير في قوله « يتحاجون» لمطلق الكفار من أهل النار و هو بعيد كما عرفت ، و قيل : الضمير لقريش و هو أبعد .


قوله تعالى : « و قال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب» مكالمة بين أهل النار - و منهم آل فرعون - و بين خزنة جهنم أوردها سبحانه تلو قصة آل فرعون ، و هم إنما سألوا الخزنة أن يدعوا لهم ليأسهم من أن يستجاب منهم أنفسهم .


و المراد باليوم من العذاب ما يناسب من معنى اليوم لعالمهم الذي هم فيه ، و يؤول معناه إلى قطعة من العذاب .


قوله تعالى : « قالوا أ و لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا و ما دعاء الكافرين إلا في ضلال» أجابوهم بالاستخبار عن إتيان رسلهم إياهم بالبينات فاعترفوا بذلك و هو اعتراف منهم بأنهم كفروا بهم مع العلم بكونهم على الحق و هو الكفر بالنبوة فلم يجبهم الخزنة فيما سألوهم من الدعاء إثباتا و لا نفيا بل ردوهم إلى أنفسهم مشيرين إلى أنهم لا يستجاب لهم دعاء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :337


و قوله : « و ما دعاء الكافرين إلا في ضلال» أي إن دعاءهم قد أحاط به الضلال فلا يهتدي إلى هدف الإجابة و هو تتمة كلام الخزنة على ما يعطيه السياق ، و يحتمل أن يكون من كلامه تعالى ، على بعد .


و الجملة على أي حال تفيد معنى التعليل و المحصل : ادعوا فلا يستجاب لكم فإنكم كافرون ، و الكافرون لا يستجاب لهم دعاء .


و تعليق حكم عدم الاستجابة بوصف الكفر مشعر بعليته و ذلك أن الله سبحانه و إن وعد عباده وعدا قطعيا أن يجيب دعوة من دعاه منهم فقال : « أجيب دعوة الداع إذا دعان :» البقرة - 186 ، و الدعاء إذا كان واقعا على حقيقته لا يرد البتة لكن الذي يتضمنه متن هذا الوعد هو أن يكون هناك دعاء و طلب حقيقة و أن يتعلق ذلك بالله حقيقة أي يدعو الداعي و يطلب جدا و ينقطع في ذلك إلى الله عن سائر الأسباب التي يسميها أسبابا .


و الكافر بعذاب الآخرة و هو الذي ينكرها و يستر حقيقتها لا يتمشى منه طلب جدي لرفعه أما في الدنيا فظاهر ، و أما في الآخرة فلأنه و إن أيقن به بالمعاينة و انقطع إلى الله سبحانه لما هو فيه من الشدة و قد انقطعت عنه الأسباب لكن صفة الإنكار لزمته وبالا و قد جوزي بها فلا تدعه يطلب ما كان ينكره طلبا جديا .


على أن الكلام في انقطاعه إلى الله أيضا كالكلام في طلبه الجدي للتخلص و أنى له الانقطاع إلى الله هناك و لم يتلبس به في الدنيا فافهمه .


و بذلك يظهر ضعف الاستدلال بالآية على أن دعاء الكافر لا يستجاب مطلقا فإنك عرفت أن مدلول الآية عدم استجابة دعائه في ما يكفر به و ينكره لا مطلقا كيف ؟ و هناك آيات كثيرة تذكر استجابة دعائه في موارد الاضطرار .


قوله تعالى : « إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد» الأشهاد جمع شهيد بمعنى شاهد ، و الآية وعد نوعي لا وعد شخصي لكل واحد شخصي منهم في كل واقعة شخصية ، و قد تقدم كلام في معنى النصر الإلهي في تفسير قوله تعالى


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :338


: «إنهم لهم المنصورون :» الصافات : - 172 .


قوله تعالى : « يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم و لهم اللعنة و لهم سوء الدار» تفسير ليوم يقوم الأشهاد ، و ظاهر إضافة المصدر إلى فاعله في قوله « معذرتهم» و لم يقل : إن يعتذروا ، تحقق معذرة ما منهم يومئذ ، و أما قوله : « هذا يوم لا ينطقون و لا يؤذن لهم فيعتذرون :» المرسلات : - 36 فمحمول على بعض مراحل يوم القيامة و عقباته لدلالة آيات أخرى على وقوع تكلم ما منهم يومئذ .


و قوله : « و لهم اللعنة» أي البعد من رحمة الله ، و قوله « لهم سوء الدار» أي الدار السيئة و هي جهنم .


قوله تعالى : « و لقد آتينا موسى الهدى و أورثنا بني إسرائيل الكتاب - إلى قوله - الألباب» خاتمة لما تقدم من إرسال موسى بالآيات و السلطان المبين و مجادلة آل فرعون في الآيات بالباطل و محاجة مؤمن آل فرعون ، يشير بها و قد صدرت بلام القسم إلى حقية ما أرسل به و ظلمهم في ما قابلوه به .


و المراد بالهدى الدين الذي أوتيه موسى ، و بإيراث بني إسرائيل الكتاب» إبقاء التوراة بينهم يعملون بها و يهتدون .


و قوله : « هدى و ذكرى لأولي الألباب» أي حال كون الكتاب هدى يهتدي به عامتهم و ذكرى يتذكر به خاصتهم من أولي الألباب .


بحث روائي


في العلل ، بإسناده عن إسماعيل بن منصور أبي زياد عن رجل عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول فرعون : « ذروني أقتل موسى» ما كان يمنعه ؟ قال : منعته رشدته ، و لا يقتل الأنبياء و لا أولاد الأنبياء إلا أولاد الزنا .


و في المجمع ، قال أبو عبد الله : التقية ديني و دين آبائي ، و لا دين لمن لا تقية له ، و التقية ترس الله في الأرض لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل .


أقول : و الروايات من طرق الشيعة فيها كثيرة و الآيات تؤيدها كقوله : « إلا أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :339


تتقوا منهم تقاة :» آل عمران : - 28 و قوله : « إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان :» النحل : - 106 .


و في المحاسن ، بإسناده عن أيوب بن الحر عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله : « فوقاه الله سيئات ما مكروا» قال : أما لقد سطوا عليه و قتلوه و لكن أ تدرون ما وقاه ؟ وقاه أن يفتنوه في دينه .


أقول : و في معناه بعض روايات أخر و في بعض ما ورد من طرق أهل السنة أن الله نجاه من القتل .


و في الخصال ، عن الصادق (عليه‏السلام‏) قال : عجبت لمن يفزع من أربع كيف لا يفزع إلى أربع ؟ إلى أن قال و عجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله : « و أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد» فإني سمعتالله تعالى يقول بعقبها : « فوقاه الله سيئات ما مكروا» .


أقول : و هو مروي في غير هذا الكتاب .


و في تفسير القمي ، : قال رجل لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : ما تقول في قول الله عز و جل : « النار يعرضون عليها غدوا و عشيا» فقال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : ما يقول الناس ؟ فقال : يقولون : إنها في نار الخلد و هم لا يعذبون فيما بين ذلك فقال : فهم من السعداء . فقيل له : جعلت فداك فكيف هذا ؟ فقال : إنما هذا في الدنيا فأما في دار الخلد فهو قوله : « يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب» .


أقول : مراده (عليه‏السلام‏) بالدنيا البرزخ و هو كثير الورود في رواياتهم .


و في المجمع ، عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة و العشي فإن كان من أهل الجنة فمن الجنة ، و إن كان من أهل النار فمن النار يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة : أورده البخاري و مسلم في الصحيح ، . أقول : و رواه السيوطي في الدر المنثور ، عنهما و عن ابن أبي شيبة و ابن مردويه .


و هذا المعنى كثير الورود في روايات أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) ، و قد مر كثير منها في البحث عن البرزخ في الجزء الأول من الكتاب و غيره من المواضع .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :340


فَاصبرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ استَغْفِرْ لِذَنبِك وَ سبِّحْ بحَمْدِ رَبِّك بِالْعَشىّ‏ِ وَ الابْكرِ(55) إِنَّ الَّذِينَ يجَدِلُونَ فى ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيرِ سلْطنٍ أَتَاهُمْإِن فى صدُورِهِمْ إِلا كبرٌ مَّا هُم بِبَلِغِيهِفَاستَعِذْ بِاللَّهِإِنَّهُ هُوَ السمِيعُ الْبَصِيرُ(56) لَخَلْقُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ أَكبرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏(57) وَ مَا يَستَوِى الأَعْمَى وَ الْبَصِيرُ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ لا الْمُسى‏ءُقَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ‏(58) إِنَّ الساعَةَ لاَتِيَةٌ لا رَيْب فِيهَا وَ لَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ‏(59) وَ قَالَ رَبُّكمُ ادْعُونى أَستَجِب لَكمْإِنَّ الَّذِينَ يَستَكْبرُونَ عَنْ عِبَادَتى سيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ‏(60)


بيان


لما قص قصة موسى و إرساله بالحق إلى فرعون و قومه ، و مجادلتهم في آيات الله بالباطل و مكرهم فيها و نصره تعالى لنبيه و إبطاله كيدهم و ما آل إليه أمرهم من خيبة السعيو سوء المنقلب فرع على ذلك أمر نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالصبر منبها له أن وعد الله بالنصر حق و أن كيد قومه و جدالهم بالباطل و استكبارهم عن قبول دعوته سيبطل و يعود وبالا على أنفسهم فليسوا بمعجزي الله و ستقوم الساعة الموعودة و يدخلون جهنم داخرين .


قوله تعالى : « فاصبر إن وعد الله حق» إلى آخر الآية .


تفريع على ما تقدم


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :341


من الأمر بالاعتبار في قوله : « أ و لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم» و ما أورد بعده من قصة موسى و مآل أمرالمستكبرين المجادلين بالباطل و نصره تعالى للحق و أهله .


و المعنى : إذا كان الأمر على ذلك فاصبر على إيذاء المشركين و مجادلتهم بالباطل إن وعد الله حق و سيفي لك بما وعد ، و المراد بالوعد ما في قوله قبيل هذا : « إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا» الآية من وعد النصر .


و قوله : « و استغفر لذنبك» أمر له بالاستغفار لما يعد بالنسبة إليه ذنبا و إن لم يكن ذنبا بمعنى المخالفة للأمر المولوي لمكان عصمته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و قد تقدم كلام في معنى الذنب و المغفرة في أواخر الجزء السادس من الكتاب .


و للذنب المنسوب إليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) معنى آخر سنشير إليه في تفسير أول سورة الفتح إن شاء الله تعالى ، و قيل : المراد بذنبه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ذنب أمته أعطي الشفاعة فيه .


و قوله : « و سبح بحمد ربك بالعشي و الإبكار» أي نزهه سبحانه مصاحبا لحمده على جميل آلائه مستمرا متواليا بتوالي الأيام أو في كل صباح و مساء ، و كونه بالعشي و الإبكار على المعنى الأول من قبيل الكناية .


و قيل : المراد به صلاتا الصبح و العصر ، و الآية مدنية .


و فيه أن المسلم من الروايات و منها أخبار المعراج أن الصلوات الخمس فرضت جميعا بمكة قبل الهجرة فلو كان المراد به الفريضتين كان ذلك بمكة قبل فرض بقية الصلوات الخمس .


قوله تعالى : « إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه» إلخ تأكيد لما تقدم في الآية السابقة من أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالصبر و تطييب نفسه بتأييد وعد النصر ، و محصله أن هؤلاء المجادلين لا ينالون بغيتهم و لن ينالوا فلا يحزنك جدالهم و طب نفسا من ناحيتهم .


فقوله : « إن في صدورهم إلا كبر» حصر للسبب الموجب لمجادلتهم في الكبر أي ليس عاملهم في ذلك طلب الحق أو الارتياب في آياتنا و الشك فيها حتى يريدوا بها


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :342


ظهور الحق و لا حجة و لا سلطان عندهم حتى يريدوا إظهارها بل الذي في صدورهم و هو الداعي لهم إلى الجدال ، الكبر ، يريدون به إدحاض الحق الصريح .


و قوله : « ما هم ببالغيه» الضمير لكبر باعتبار مسببه فإن الكبر سبب للجدال و الجدال يراد به إبطال الحق و محق الدعوة الحقة ، و المعنى ما هم ببالغي مرادهم و بغيتهم من الجدال الذي يأتون به لكبرهم .


و قوله : « فاستعذ بالله» أي فاستعذ بالله منهم بما لهم من الكبر كما استعاذ موسى من كل متكبرمجادل كما قال : « و قال موسى إني عذت بربي و ربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب» .


و قوله : « إنه هو السميع البصير» أي السميع لدعاء عباده البصير بحوائجهم و الذي يبصر ما هم فيه من شدة أو رخاء .


قوله تعالى : « لخلق السموات و الأرض أكبر من خلق الناس و لكن أكثر الناس لا يعلمون» اللام للقسم ، و المراد بالسماوات و الأرض مجموع العالم ، و معنى الآية حسب ما يعطيه المقام أنهم ليسوا ببالغي بغيتهم و ليسوا بمعجزين فإن الله الذي قدر على خلق مجموع العالم و لم يعجزه ذلك على ما فيه من العظمة ليس يعجزه جزء يسير منه و هو الناس المخلوقون الذين هم أهون عليه و لكن أكثر الناس جاهلون يظنون بجهلهم أنهم يعجزون الله بجدال يجادلونه أو أي كيد يكيدونه .


قوله تعالى : « و ما يستوي الأعمى و البصير» إلخ لما ذكر أن أكثر الناس لا يعلمون أكده بأنهم ليسوا على وتيرة واحدة فإن منهم الأعمى و البصير و لا يستويان و عطف عليهما الذين آمنوا و عملوا الصالحات و المسي‏ء فالطائفة الأولى أولو بصيرة يتذكرون بها و الثانية أعمى الله قلوبهم فلا يتذكرون .


و قوله : « قليلا ما تتذكرون» خطاب للناس بداعي التوبيخ و هو الوجه في الالتفات من الغيبة إلى الحضور .


قوله تعالى : « إن الساعة لآتية لا ريب فيها و لكن أكثر الناس لا يؤمنون» ذكرهم تعالى في هذه الآية بإتيان الساعة و في الآية التالية بدعوة ربهم إياهم إلى دعائه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :343


و عبادته كما نبه الذي آمن من آل فرعون في القصة السابقة بإتيان الساعة و بأن لله الدعوة و ليس لآلهتهم دعوة في الدنيا و لا في الآخرة .


قوله تعالى : « و قال ربكم ادعوني أستجب لكم» دعوة منه تعالى لعباده إلى دعائه و وعد بالاستجابة ، و قد أطلق الدعوة و الدعاء و الاستجابة إطلاقا ، و قد أشبعنا الكلام في معنى الدعاء و الإجابة في ذيل قوله تعالى : « أجيب دعوة الداع إذا دعان :» البقرة : - 186 في الجزء الأول من الكتاب .


و قوله : « إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين» الدخور الذلة ، و قد بدل الدعاء عبادة فدل على أن الدعاء عبادة .


بحث روائي


في الصحيفة السجادية ، : و قلت : « ادعوني أستجب لكم - إن الذين يستكبرون عن عبادتي - سيدخلون جهنم داخرين» فسميت دعاءك عبادة و تركه استكبارا و توعدت على تركه دخول جهنم داخرين .


و في الكافي ، بإسناده عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سمعته يقول : ادع و لا تقل : قد فرغ من الأمر فإن الدعاء هو العبادة إن الله عز و جل يقول : « إن الذين يستكبرون عن عبادتي - سيدخلون جهنم داخرين» و قال : « ادعوني أستجب لكم» .


أقول : قوله (عليه‏السلام‏) : فإن الدعاء - إلى قوله - داخرين احتجاج على ما ندب إليه أولا بقوله : ادع ، و قوله : و قال : « ادعوني أستجب لكم» احتجاج على ما قاله ثانيا : و لا تقل : قد فرغ من الأمر و لذا قدم (عليه‏السلام‏) في بيانه ذيل الآية على صدرها .


و في الخصال ، عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : يا معاوية من أعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من أعطي الدعاء أعطي الإجابة ، و من أعطي الشكر أعطي الزيادة و من أعطي التوكل أعطي الكفاية فإن الله عز و جل يقول في كتابه : « و من يتوكل على الله فهو حسبه» و قال : « لئن شكرتم لأزيدنكم» ، و قال : « ادعوني أستجب لكم» .


و في التوحيد ، بإسناده إلى موسى بن جعفر (عليه‏السلام‏) قال : قال قوم للصادق (عليه‏السلام‏) :


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :344


ندعوه فلا يستجاب لنا . قال : لأنكم تدعون من لا تعرفونه .


أقول : و قد أوردنا جملة من روايات الدعاء في ذيل قوله : « أجيب دعوة الداع إذا دعان :» البقرة : - 186 في الجزء الأول من الكتاب .


اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسكُنُوا فِيهِ وَ النَّهَارَ مُبْصِراًإِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضلٍ عَلى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يَشكُرُونَ‏(61) ذَلِكمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَفَأَنى تُؤْفَكُونَ‏(62) كَذَلِك يُؤْفَك الَّذِينَ كانُوا بِئَايَتِ اللَّهِ يجْحَدُونَ‏(63) اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكمُ الأَرْض قَرَاراً وَ السمَاءَ بِنَاءً وَ صوَّرَكمْ فَأَحْسنَ صوَرَكمْ وَ رَزَقَكُم مِّنَ الطيِّبَتِذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكمْفَتَبَارَك اللَّهُ رَب الْعَلَمِينَ‏(64) هُوَ الْحَىُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَالحَْمْدُ للَّهِ رَب الْعَلَمِينَ‏(65) × قُلْ إِنى نُهِيت أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنىَ الْبَيِّنَت مِن رَّبى وَ أُمِرْت أَنْ أُسلِمَ لِرَب الْعَلَمِينَ‏(66) هُوَ الَّذِى خَلَقَكم مِّن تُرَابٍ ثمَّ مِن نُّطفَةٍ ثمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثمَّ يخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثمَّ لِتَبْلُغُوا أَشدَّكمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شيُوخاًوَ مِنكُم مَّن يُتَوَفى مِن قَبْلُوَ لِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسمًّى وَ لَعَلَّكمْ تَعْقِلُونَ‏(67) هُوَ الَّذِى يُحْىِ وَ يُمِيتفَإِذَا قَضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏(68)



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :345


بيان


رجع سبحانه ثانيا إلى الإشارة إلى آيات التوحيد توحيد الربوبية و الألوهية بعد ما بدأ بها في السورة أولا بقوله : « هو الذي يريكم آياته» .


قوله تعالى : « الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه و النهار مبصرا» الآية .


أي جعل لأجلكم الليل مظلما لتسكنوا فيه من التعب الذي عرض لكم وجه النهار منجهة السعي في طلب الرزق ، و النهار مبصرا لتبتغوا من فضل ربكم و تكسبوا الرزق ، و هذا من أركان تدبير الحياة الإنسانية .


و قد ظهر بذلك أن نسبة الإبصار إلى النهار من المجاز العقلي لكن ليس من المبالغة في شي‏ء كما ادعاه بعضهم .


و قوله : « إن الله لذو فضل على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون» امتنان عليهم بالفضل و تقريع لهم بعدم شكرهم له قبال هذا الفضل العظيم و لو شكروه لعبدوه و وضع « الناس» الثاني موضع الضمير للإشارة إلى أن من طبع الناس بما هم ناس كفران النعم كما قال : « إن الإنسان لظلوم كفار :» إبراهيم : - 34 .


قوله تعالى : « ذلكم الله ربكم خالق كل شي‏ء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون» أي ذلكم الذي يدبر أمر حياتكم و رزقكم بسكون الليل و سعي النهار هو الله تعالى و هو ربكم لأن تدبير أمركم إليه .


و قوله : « خالق كل شي‏ء» أي و رب كل شي‏ء لأنه خالق كل شي‏ء و الخلق لا ينفك عن التدبير و لازم ذلك أن لا يكون في الوجود رب غيره لا لكم و لا لغيركم و لذلك عقبه بقوله : « لا إله إلا هو» أي فإذن لا معبود بالحق غيره إذ لو كان هناك معبود آخر كان رب آخر فإن الألوهية من شئون الربوبية .


و قوله : « فأنى تؤفكون» أي فكيف تصرفونعن عبادته إلى عبادة غيره .


قوله تعالى : « كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون» أي كمثل هذا الإفك يؤفك الجاحدون لآيات الله فإن الآيات ظاهرة غير خفية فالانصراف عن مدلولها لا سبب له إلا الجحد .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :346


قوله تعالى : « الله الذي جعل لكم الأرض قرارا و السماء بناء» إلى آخر الآية القرار المستقر الذي يستقر عليه ، و البناء - على ما قيل - القبة و منه أبنية العرب للقباب المضروبة عليهم .


يذكر تعالى نعمة استقرار الإنسان على الأرض و تحت السماء .


و قوله : « و صوركم فأحسنصوركم» الفاء للتفسير و المعنى أحسن خلق صوركم و ذلك أن الإنسان جهز من دقائق التجهيز في صورته بما يقوى به من الأعمال المتنوعة العجيبة على ما لا يقوى عليه شي‏ء من سائر الموجودات الحية ، و يلتذ من مزايا الحياة بما لا يتيسر لغيره أبدا .


و قوله : « و رزقكم من الطيبات» هي الأرزاق المتنوعة التي تلائم بطبائعها طبيعة الإنسان من الحبوب و الفواكه و اللحوم و غيرها ، و ليس في الحيوان متنوع في الرزق كالإنسان .


و قوله : « ذلكم الله ربكم» أي المدبر لأمركم ، و قوله : « فتبارك الله رب العالمين» ثناء عليه عز و جل بربوبيته لجميع العالمين ، و قد فرعه على ربوبيته و تدبيره للإنسان إشارة إلى أن الربوبية واحدة و تدبيره لأمر الإنسان عين تدبيره لأمر العالمين جميعا فإن النظام الجاري نظام واحد روعي في انطباقه على كل ، انطباقه على الكل فهو سبحانه متبارك منشأ للخير الكثير فتبارك الله رب العالمين .


قوله تعالى : « هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين» إلخ في جملة « هو الحي» إطلاق لا مقيد لا عقلا و لا نقلا مضافا إلى إفادة الحصر فمفادها أن له تعالى وحده حياة لا يداخلها موت و لا يزيلها فناء فهو تعالى حي بذاته و غيره كائنا ماكان حي بإحياء غيره .


و إذا فرض هناك حي بذاته و حي بغيره لم يستحق العبادة بذاته إلا من كان حيا بذاته ، و لذلك عقب قوله : « هو الحي» بقوله : « لا إله إلا هو» .


و قد سيقت الجملتان توطئة للأمر بدعائه و لا مطلق دعائه بل دعائه بالتوحيد و إخلاص الدين له وحده لأنه الحي بذاته دون غيره و لأنه المعبود بالاستحقاق الذاتي دون غيره ، و لذلك فرع على قوله : « هو الحي لا إله إلا هو» قوله : « فادعوه مخلصين له الدين» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :347


و قوله : « الحمد لله رب العالمين» ثناء عليه بربوبيته للعالمين .


قوله تعالى : « قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي و أمرت أن أسلم لرب العالمين» معنى الآية ظاهر ، و فيه إياس للمشركين من موافقته لهم في عبادة آلهتهم» و قد تكرر هذا المعنى في سورة الزمر و يمكن أن يستأنس منه أن هذه السورة نزلت بعد سورة الزمر .


قوله تعالى : « هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة» إلخ المراد بخلقهم من تراب خلق أبيهم آدم من تراب فإن خلق غيره ينتهي إليه فخلقه من تراب هو خلقهم منه أو المراد بخلقهم من تراب تكوين النطفة من البسائط الأرضية .


و قوله : «ثم من نطفة» إلخ أي ثم خلقناكم من نطفة حقيرة معلومة الحال « ثم من علقة» كذلك « ثم يخرجكم» من بطون أمهاتكم « طفلا» أي أطفالا ، و الطفل - كما قيل - يطلق على الواحد و الجمع قال تعالى : « أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء :» النور : - 31 .


«ثم لتبلغوا أشدكم» اللام للغاية و كان متعلقها محذوف و التقدير ثم ينشئكم لتبلغوا أشدكم و هو من العمر زمان اشتداد القوى « ثم لتكونوا شيوخا» معطوف على « لتبلغوا» « و منكم من يتوفى من قبل» فلا يبلغ أحد هذه المراحل من العمر كالشيخوخة و بلوغ الأشد و غيرهما .


«و لتبلغوا أجلا مسمى» و هو النهاية من الأمد المضروب الذي لا سبيل للتغير إليه أصلا ، و هو غاية عامة لجميع الناس كيفما عمروا قال تعالى : « و أجل مسمى عنده :» الأنعام : - 2 .


و لذلك لم تعطف الجملة بثم حتى تتميز من الغايتين المذكورتين سابقا .


و قوله : « و لعلكم تعقلون» أي تدركون الحق بالتعقل المغروز فيكم ، و هذا غاية خلقة الإنسان بحسب حياته المعنوية كما أن بلوغ الأجل المسمى غاية حياته الدنيا الصورية .


قوله تعالى : « هو الذي يحيي و يميت» إلخ أي هو الذي يفعل الإحياء و الإماتة و فيهما نقل الأحياء من عالم إلى عالم و كل منهما مبدأ لتصرفاته بالنعم التي يتفضل بها على من يدبر أمره .


و قوله : « فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون» تقدم تفسيره كرارا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص : 348


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد و ابن أبي حاتم بسند صحيح عن أبي العالية قال : إن اليهود أتوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قالوا إن الدجال يكون منا في آخر الزمان و يكون من أمره فعظموا أمره و قالوا يصنع كذا فأنزل الله : « إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم - إن في صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه» قال : لا يبلغ الذي يقول : « فاستعذ بالله» فأمر نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يتعوذ من فتنة الدجال « لخلق السموات و الأرض أكبر من خلق الناس» الدجال .


و فيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار : في قوله : « إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان» قال : هم اليهود نزلت فيهم فيما ينتظرونه من أمر الدجال .


و فيه ، أخرج ابن المنذر عن ابن جريح : في قوله : « لخلق السموات و الأرض أكبر من خلق الناس» قال : زعموا أن اليهود قالوا : يكون منا ملك في آخر الزمان البحر إلى ركبتيه ، و السحاب دون رأسه ، يأخذ الطير بين السماء و الأرض ، معه جبل خبز و نهر فنزلت : « لخلق السموات و الأرض أكبر من خلق الناس» .


أقول : قد عرفت فيما تقدم أن غرض السورة - كما يستفاد من سياق آياتها - التكلم حول استكبارهم و مجادلتهم في آيات الله بغير الحق فمنها ابتداء الكلام و إليها يعود عودة بعد عودة كقوله : « ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا» و قوله : « و جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق» ، و قوله : « الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا» ، و قوله : « إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر» ، و قوله : « أ لم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون» .


فسياق آيات السورة يأبى أن يكون بعضها يختص بسبب في نزولها لا يشاركها فيه غيرها كما هو مؤدى هذه الروايات الثلاث .


على أن ما في الروايات من قصة إخبار اليهود بالدجال لا ينطبق على الآيتين انطباقا ظاهرا بعد التأمل في مضمون الآيتين نفسهما أعني قوله : « إن الذين يجادلون - إلى قوله - و لكن أكثر الناس لا يعلمون» .


و من هذا يظهر أن القول بكون الآيتين مدنيتين استنادا إلى هذه الروايات كما ترى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص:349


أَ لَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ يجَدِلُونَ فى ءَايَتِ اللَّهِ أَنى يُصرَفُونَ‏(69) الَّذِينَ كذَّبُوا بِالْكتَبِ وَ بِمَا أَرْسلْنَا بِهِ رُسلَنَافَسوْف يَعْلَمُونَ‏(70) إِذِ الأَغْلَلُ فى أَعْنَقِهِمْ وَ السلَسِلُ يُسحَبُونَ‏(71) فى الحَْمِيمِ ثُمَّ فى النَّارِ يُسجَرُونَ‏(72) ثمَّ قِيلَ لهَُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشرِكُونَ‏(73) مِن دُونِ اللَّهِقَالُوا ضلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا مِن قَبْلُ شيْئاًكَذَلِك يُضِلُّ اللَّهُ الْكَفِرِينَ‏(74) ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فى الأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقّ‏ِ وَ بِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ‏(75) ادْخُلُوا أَبْوَب جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَافَبِئْس مَثْوَى الْمُتَكَبرِينَ‏(76) فَاصبرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّفَإِمَّا نُرِيَنَّك بَعْض الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّك فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ‏(77) وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا رُسلاً مِّن قَبْلِك مِنْهُم مَّن قَصصنَا عَلَيْك وَ مِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصص عَلَيْكوَ مَا كانَ لِرَسولٍ أَن يَأْتىَ بِئَايَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِفَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضىَ بِالحَْقّ‏ِ وَ خَسِرَ هُنَالِك الْمُبْطِلُونَ‏(78)


بيان


رجوع بعد رجوع إلى حديث المجادلين في آيات الله و قد تعرض لبيان مآل أمرهم بذكر ما آل إليه أمر أشباههم من الأمم الخالية و نصره تعالى لدينه في أول السورة


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :350


إجمالا ثم بذكر الحال في دعوة موسى (عليه‏السلام‏) بالخصوص فيما قصه من قصته و نصره له بالخصوص ثم في ضمن أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالصبر و وعده بالنصر .


و هذا آخر كرة عليهم يذكر فيها مآل أمرهم و ما يصرفون إليه و هو العذاب المخلد ثم يأمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالصبر وبعده بالنصر و يطيب نفسه بأن وعد الله حق .


قوله تعالى : « أ لم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون» « أ لم تر» مفيد للتعجيب و « أنى» بمعنى كيف ، و المعنى أ لا تعجب أو أ لم تعجب من أمر هؤلاء المجادلين في آيات الله كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل و عن الهدى إلى الضلال .


و التعرض لحال المجادلين هاهنا من حيث الإشارة إلى كونهم مصروفين عن الحق و الهدى و مآل ذلك ، و فيما تقدم من قوله : « إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه» من حيث إن الداعي لهم إلى ذلك الكبر و أنهم لا يبلغون ما يريدون فلا تكرار .


و منه يظهر ما في قول بعضهم : إن تكرير ذكر المجادلة محمول على تعدد المجادل بأن يكون المجادلون المذكورون في الآية السابقة غير المذكورين في هذه الآية أو على اختلاف ما فيه المجادلة كأن يكون المجادلة هناك في أمر البعث و هاهنا في أمر التوحيد على أن فيه غفلة عن غرض السورة كما عرفت .


قوله تعالى : « الذين كذبوا بالكتاب و بما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون» الذي يعطيه سياق الآيات التالية أن المراد بهؤلاء المجادلين هم المجادلون من قوم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و عليه فالأنسب أن يكون المراد بالكتاب هو القرآن الكريم ، و بقوله : « بما أرسلنا به رسلنا» ما جاءت به الرسل (عليهم‏السلام‏) من عند الله من كتاب و دين فالوثنية منكرون للنبوة .


و قوله : « فسوف يعلمون » تفريع على مجادلتهم و تكذيبهم و تهديد لهم أي سوف يعلمون حقيقة مجادلتهم في آيات الله و تكذيبهم بالكتاب و بالرسل .


قوله تعالى : « إذ الأغلال في أعناقهم و السلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون» في المجمع ، : الأغلال جمع غل و هو طوق يدخل في العنق للذل و الألم و أصله الدخول ، و قال : السلاسل جمع سلسلة و هي الحلق منتظمة في جهة الطول مستمرة


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :351


و قال : السحب جر الشي‏ء على الأرض .


هذا أصله ، و قال : السجر أصله إلقاء الحطب في معظم النار كالتنور الذي يسجر بالوقود .


انتهى .


و قوله : « إذ الأغلال في أعناقهم و السلاسل» ظرف لقوله : « فسوف يعلمون» قيل : الإتيان بإذ - و هو للماضي - للدلالة على تحقق الوقوع و إن كان موقعه المستقبل فلا تنافي ، في الجمع بين سوف و إذ .


و « الأغلال في أعناقهم» مبتدأ و خبر ، و « السلاسل » معطوف على الأغلال ، و « يسحبون في الحميم» خبر بعد خبر، و « في النار يسجرون» معطوف على « يسحبون» .


و المعنى : سوف يعلمون حقيقة عملهم حين تكون الأغلال و السلاسل في أعناقهم يجرون في الماء الحار الشديد الحرارة ثم يقذفون في النار .


و قيل : معنى قوله : « ثم في النار يسجرون» ثم يصيرون وقود النار ، و يؤيده قوله تعالى في صفة جهنم : « وقودها الناس و الحجارة :» البقرة : - 24 ، و قوله : « إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم :» الأنبياء : - 98 .


قوله تعالى : « ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا» إلى آخر الآية .


أي قيل لهم و هم يتقلبون بين السحب و السجر : أين ما كنتم تشركون من شركائكم من دون الله حتى ينصروكم بالإنجاء من هذا العذاب أو يشفعوا لكم كما كنتم تزعمون أنهم سيشفعون لكم قبال عبادتكم لهم ؟ .


و قوله : « قالوا ضلوا عنا» أي غابوا عنا من قولهم : ضلت الدابة إذا غابت فلم يعرف مكانها ، و هذا جوابهم عما قيل لهم : أين ما كنتم تشركون من دون الله .


و قوله : « بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا» إضراب منهم عن الجواب الأول لما يظهر لهم أن الآلهة الذين كانوا يزعمونهم شركاء لم يكونوا إلا أسماء لا مسميات لها و مفاهيم لا يطابقها شي‏ء و لم يكن عبادتهم لها إلا سدى ، و لذلك نفوا أن يكونوا يعبدون شيئا قال تعالى : « فزيلنا بينهم :» يونس : - 28 و قال : « لقد تقطع بينكم و ضل عنكم ما كنتم تزعمون :» الأنعام : - 94 .


و قيل : هذا من كذبهم يوم القيامة على حد قوله : « و الله ربنا ما كنا مشركين : »


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :352


الأنعام : - 23 .


و قوله : « كذلك يضل الله الكافرين» أي إضلاله تعالى للكافرين و هم الساترون للحق يشبه هذا الضلال و هو أنهم يرون الباطل حقا فيقصدونه ثم يتبين لهم بعد ضلال سعيهم أنه لم يكن إلا باطلا في صورة حق و سرابا في سيماء الحقيقة .


و المعنى : على الوجه الثاني أعني كون قولهم : « بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا» كذبا منهم : كمثل هذا الإضلال يضل الله الكافرين فيئول أمرهم إلى الكذب حيث لا ينفع مع علمهم بأنه لا ينفع .


و قد فسرت الجملة بتفاسير أخرى متقاربة و قريبة مما ذكرناه .


قوله تعالى : « ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق و بما كنتم تمرحون» الفرح مطلق السرور ، و المرح الإفراط فيه و هو مذموم ، و قال الراغب : الفرح انشراح الصدر بلذة عاجلة و أكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية ، و قال : المرح شدة الفرح و التوسع فيه .


انتهى .


و قوله : « ذلكم بما كنتم» الإشارة إلى ما هم فيه من العذاب و الباء في « بما كنتم» للسببية أو المقابلة .


و المعنى : ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بسبب كونكم تفرحون في الأرض بغير الحق من اللذات العاجلة و بسبب كونكم تفرطون في الفرح و ذلك لتعلق قلوبهم بعرض الدنيا و زينتها و معاداتهم لكل حق يخالف باطلهم فيفرحون و يمرحون بإحياء باطلهم و إماتة الحق و اضطهاده .


قال في المجمع ، : قيد الفرح و أطلق المرح لأن الفرح قد يكون بحق فيحمد عليه و قد يكون بالباطل فيذم عليه ، و المرح لا يكون إلا باطلا .


انتهى .


قوله تعالى : « ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين» أي ادخلوا أبوابها المقسومة لكم خالدين فيها فبئس مقام الذين يتكبرون عن الحق جهنم ، و قد تقدم أن أبواب جهنم دركاتها .


قوله تعالى : « فاصبر إن وعد الله حق» لما بين مآل أمر المجادلين في آيات الله


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :353


و هي النار و أن الله يضلهم بكفرهم فرع عليه أمر نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالصبر معللا ذلك بأن وعد الله حق .


و قوله : « فإما نرينك بعض الذي نعدهم» هو عذاب الدنيا « أو نتوفينك» بالموت فلم نرك ذلك « فإلينا يرجعون» و لا يفوتوننا فننجز فيهم ما وعدناه .


قوله تعالى : « و لقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك و منهم من لم نقصص عليك» إلخ بيان لكيفية النصر المذكور في الآية السابقة أن آية النصر - التي جرت سنة الله على إنزالها للقضاء بين كل رسول و أمته و إظهار الحق على الباطل كما يشير إليه قوله : « و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط و هم لا يظلمون :» يونس : - 47 - لم يفوض أمرها إلى رسول من الرسل من قبلك بل كان يأتي بها من يأتي منهم بإذن الله ، و حالك حالهم ، فمن الممكن أن نأذن لك فيالإتيان بها فنريك بعض ما نعدهم ، و من الممكن أن نتوفاك فلا نريك غير أن أمر الله إذا جاء قضي بينهم بالحق و خسر هنالك المبطلون .


هذا ما يفيده السياق .


فقوله : « و لقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك و منهم من لم نقصص عليك» مسوق للإشارة إلى كون ما سيذكره سنة جارية منه تعالى .


و قوله : « و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله» الآية و إن كانت أعم من الآية المعجزة التي يؤتاها الرسول لتأييد رسالته ، و الآية التي تنصر الحق و تقضي بين الرسول و بين أمته و الكل بإذن الله لكن مورد الكلام كما استفدناه من السياق القسم الثاني و هي القاضية بين الرسول و أمته .


و قوله : « فإذا جاء أمر الله قضي بالحق و خسر هنالك المبطلون» أي فإذا جاء أمر الله بالعذاب قضي بالحق فأظهر الحق و أزهق الباطل و خسر عند ذلك المتمسكون بالباطل في دنياهم بالهلاك و في آخرتهم بالعذاب الدائم .


و استدل بالآية على أن من الرسل من لم تذكر قصته في القرآن ، و فيه أن الآية مكية لا تدل على أزيد من عدم ذكر قصة بعض الرسل إلى حين نزولها بمكة ، و قد ورد


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :354


في سورة النساء : « و رسلا قد قصصناهم عليك من قبلو رسلا لم نقصصهم عليك :» النساء : - 164 و لم يذكر في السور النازلة بعد سورة النساء اسم أحد من الرسل المذكورين بأسمائهم في القرآن .


و في المجمع ، و روي عن علي (عليه‏السلام‏) أنه قال : بعث الله نبيا أسود لم يقص علينا قصته ، و روي في الدر المنثور عن الطبراني في الأوسط و ابن مردويه عنه ما في معناه .


اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَمَ لِترْكبُوا مِنهَا وَ مِنهَا تَأْكلُونَ‏(79) وَ لَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَ لِتَبْلُغُوا عَلَيهَا حَاجَةً فى صدُورِكمْ وَ عَلَيْهَا وَ عَلى الْفُلْكِ تحْمَلُونَ‏(80) وَ يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ فَأَى ءَايَتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ‏(81) أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فى الأَرْضِ فَيَنظرُوا كَيْف كانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْكانُوا أَكثرَ مِنهُمْ وَ أَشدَّ قُوَّةً وَ ءَاثَاراً فى الأَرْضِ فَمَا أَغْنى عَنهُم مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ‏(82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَ حَاقَ بِهِم مَّا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ‏(83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسنَا قَالُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشرِكِينَ‏(84) فَلَمْ يَك يَنفَعُهُمْ إِيمَنهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسنَاسنَّت اللَّهِ الَّتى قَدْ خَلَت فى عِبَادِهِوَ خَسِرَ هُنَالِك الْكَفِرُونَ‏(85)



الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :355


بيان


رجوع بعد رجوع إلى ذكر بعض آيات التوحيد و إرجاع لهم إلى الاعتبار بحال الأمم الدارجة الهالكة و سنة الله الجارية فيهم بإرسال رسله إليهم ثم القضاء بين رسلهم و بينهم المؤدي إلى خسران الكافرين منهم ، و عند ذلك تختتم السورة .


قوله تعالى : « الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها و منها تأكلون» ذكر سبحانه مما ينتفع به الإنسان في حياته و يدبر به أمره الأنعام و المراد بها الإبل و البقر و الغنم ، و قيل : المراد بها هاهنا الإبل خاصة .


فقوله : « جعل لكم الأنعام لتركبوا منها و منها تأكلون» الجعل هنا الخلق أو التسخير ، و اللام في « لتركبوا» للغرض و « من» للتبعيض ، و المعنى خلق لأجلكم أو سخر لكم الأنعام و الغرض من هذا الجعل أن تركبوا بعضها كبعض الإبل و بعضها كبعض الإبل و البقر و الغنم تأكلون .


قوله تعالى : « و لكم فيها منافع» إلخ كانتفاعكم بألبانها و أصوافها و أوبارها و أشعارها و جلودها و غير ذلك ، و قوله : « و لتبلغوا عليها حاجة في صدوركم» أي و من الغرض من جعلها أن تبلغوا ، حال كونكم عليها بالركوب ، حاجة في صدوركم و هي الانتقال من مكان إلى مكان لأغراض مختلفة .


و قوله : « و عليها و على الفلك تحملون» كناية عن قطع البر و البحر بالأنعام و الفلك .


قوله تعالى : « و يريكم آياته فأي آيات الله تنكرون» تقدم معنى إراءته تعالى آياته في تفسير أوائل السورة ، و كأن الجملة أعني قوله : « و يريكم آياته» غير مقصودة لنفسها حتى يلزم التكرار و إنما هي تمهيد و توطئة للتوبيخ الذي في قوله : « فأي آيات الله تنكرون» أي أي هذه الآيات التي يريكم الله إياها عيانا و بيانا ، تنكرون إنكارا يمهد لكم الإعراض عن توحيده .


قوله تعالى : « أ فلم يسيروا في الأرض فينظروا» إلى آخر الآية توبيخ لهم و عطف لأنظارهم إلى ما جرى من سنة القضاء و الحكم في الأمم السالفة ، و قد تقدمت نظيرة الآية في أوائل السورة و كان الغرض هناك أن يتبين لهم أن الله أخذ كلا منهم بذنوبهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :356


لما كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فيكفرون بهم و لذا ذيل الآية بقوله : « فأخذهم الله بذنوبهم» ، و الغرض هاهنا أن يتبين لهم أنهم لم يغنهم ما كسبوا و لم ينفعهم في دفععذاب الله ما فرحوا به من العلم الذي عندهم و لا توبتهم و ندامتهم مما عملوا .


و قد صدرت الآية بفاء التفريع فقيل : « أ فلم يسيروا» إلخ مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، و كأن الكلام تفريع على قوله : « فأي آيات الله تنكرون» فكأنه لما ذمهم و أنكر إنكارهم لآياته رجع و انصرف عنهم إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مشيرا إلى سقوطه من منزلة الخطاب و قال : إذا كانت آياته تعالى ظاهرة بينة لا تقبل الإنكار و من جملتها ما في آثار الماضين من الآيات الناطقة و هم قد ساروا في الأرض و شاهدوها فلم لم ينظروا فيها فيتبين لهم أن الماضين مع كونهم أقوى من هؤلاء كما و كيفا لم ينفعهم ما فرحوا به من علم و قوة .


قوله تعالى : « فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم» إلخ ضمائر الجمع في الآية - و هي سبع - للذين من قبلهم ، و المراد بما عندهم من العلم ما وقع في قلوبهم و شغل نفوسهم من زينة الحياة الدنيا و فنون التدبير للظفر بها و بلوغ لذائذها و قد عد الله سبحانه ذلك علما لهم و قصر علمهم فيه ، قال تعالى : « يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون :» الروم : - 7 ، و قال : « فأعرض عمن تولى عن ذكرنا و لم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم :» النجم : - 30 .


و المراد بفرحهم بما عندهم من العلم شدة إعجابهم بما كسبوه من الخبرة و العلم الظاهري و انجذابهم إليه الموجب لإعراضهم عن المعارف الحقيقية التي جاءت بها رسلهم ، و استهانتهم بها و سخريتهم لها ، و لذا عقب فرحهم بما عندهم من العلم بقوله : « و حاق بهم ما كانوا به يستهزءون» .


و في معنى قوله : « فرحوا بما عندهم من العلم» أقوال أخر : منها : أن المراد بما عندهم من العلم عقائدهم الفاسدة و آراؤهم الباطلة و تسميتها علما للتهكم فهم كانوا يفرحون بها و يستحقرون لذلك علم الرسل ، و أنت خبير بأنه تصوير من غير دليل .


و منها : أن المراد بالعلم هو علوم الفلاسفة من اليونان و الدهريين فكانوا إذا سمعوا بالوحي و معارف النبوة صغروا علم الأنبياء و تبجحوا بما عندهم ، و هو كسابقه على أنه


الميزان في تفسير القرآن ج : 17ص :357


لا ينطبق على أحد من الأمم التي قص القرآن قصتهم كقوم نوح و عاد و ثمود و قوم إبراهيم و قوم لوط و قوم شعيب و غيرهم .


و منها : أن أصل المعنى فلما جاءتهم رسلهم بالبينات لم يفرحوا بما جاءهم من العلم فوضع موضعه فرحوا بما عندهم من الجهل ثم بدل الجهل علما تهكما فقيل : فرحوا بما عندهم من العلم ، و هذا الوجه - على ما فيه من التكلف و البعد من الفهم - يرد عليه ما يرد على الأول .


و منها : أن ضمير فرحوا للكفار و ضمير « عندهم» للرسل ، و المعنى فرح الكفار بما عند الرسل من العلم فرح ضحك و استهزاء و فيه أن لازمه اختلاف الضمائر المتسقة مضافا إلى أن الضحك و الاستهزاء لا يسمى فرحا و لا قرينة .


و منها : أن ضميري « فرحوا بما عندهم» للرسل ، و المعنى أن الرسل لما جاءوهم و شاهدوا ما هم فيه من الجهل و التمادي على الكفر و الجحود و علموا عاقبة أمرهم فرحوا بما عندهم من العلم الحق و شكروا الله على ذلك .


و فيه أن سياق الآيات أصدق شاهد على أنها سيقت لبيان حال الكفار بعد إتيان رسلهم بالبينات و كيف آلت إلى نزول العذاب و لم ينفعهم الإيمان بعد مشاهدة البأس ؟ و أي ارتباط له بفرح الرسل بعلومهم الحقة ؟ على أن لازمه أيضا اختلاف الضمائر .


قوله تعالى : « فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده و كفرنا بما كنا به مشركين» البأس شدة العذاب ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا» إلخ و ذلك لعدم استناد الإيمان حينئذ إلى الاختيار ، و قوله : « سنة الله التي قد خلت في عباده» أي سنها الله سنة ماضية في عباده أن لا تقبل توبة بعد رؤية البأس « و خسر هنالك الكافرون» .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :