امروز:
سه شنبه 25 مهر 1396
بازدید :
701
تفسيرالميزان : سوره شوري آيات 53- 17


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :37


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :38


اللَّهُ الَّذِى أَنزَلَ الْكِتَب بِالحَْقّ‏ِ وَ الْمِيزَانَوَ مَا يُدْرِيك لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ‏(17) يَستَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَاوَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مُشفِقُونَ مِنهَا وَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحَْقُّأَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فى الساعَةِ لَفِى ضلَلِ بَعِيدٍ(18) اللَّهُ لَطِيف بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُوَ هُوَ الْقَوِى الْعَزِيزُ(19) مَن كانَ يُرِيدُ حَرْث الاَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فى حَرْثِهِوَ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْث الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنهَا وَ مَا لَهُ فى الاَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ‏(20) أَمْ لَهُمْ شرَكؤُا شرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُوَ لَوْ لا كلِمَةُ الْفَصلِ لَقُضىَ بَيْنهُمْوَ إِنَّ الظلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(21) تَرَى الظلِمِينَ مُشفِقِينَ مِمَّا كسبُوا وَ هُوَ وَاقِعُ بِهِمْوَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ فى رَوْضاتِ الْجَنَّاتِلهَُم مَّا يَشاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْذَلِك هُوَ الْفَضلُ الْكَبِيرُ(22) ذَلِك الَّذِى يُبَشرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِقُل لا أَسئَلُكمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فى الْقُرْبىوَ مَن يَقْترِف حَسنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسناًإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شكُورٌ(23) أَمْ يَقُولُونَ افْترَى عَلى اللَّهِ كَذِباًفَإِن يَشإِ اللَّهُ يخْتِمْ عَلى قَلْبِكوَ يَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ وَ يحِقُّ الحَْقَّ بِكلِمَتِهِإِنَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصدُورِ(24) وَ هُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السيِّئَاتِ وَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ‏(25) وَ يَستَجِيب الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ يَزِيدُهُم مِّن فَضلِهِوَ الْكَفِرُونَ لهَُمْ عَذَابٌ شدِيدٌ(26)


بيان


فصل رابع من الآيات يعرف الوحي الإلهي بأن الدين النازل به كتاب مكتوب على الناس و ميزان يوزن به أعمالهم فيجزون بذلك يوم القيامة ، و الجزاء الحسن من الرزق ثم يستطرد الكلام في ما يستقبلهم يوم القيامة من الثواب و العقاب ، و فيها آية المودة في القربى و ما يلحق بذلك .


قوله تعالى : « الله الذي أنزل الكتاب بالحق و الميزان» إلخ ، كان مفتتح الفصول السابقة في سياق الفعل إخبارا عن الوحي و غرضه و آثاره « كذلك يوحي إليك» « و كذلك أوحينا إليك» « شرع لكم من الدين» و قد غير السياق في مفتتح هذا الفصل فجي‏ء بالجملة الاسمية المتضمنة لتوصيفه تعالى بإنزال الكتاب و الميزان « الله الذي أنزل الكتاب» إلخ ، و لازمه تعريف الوحي بنزول الكتاب و الميزان به .


و لعل الوجه فيه ما تقدم في الآية السابقة من ذكر المحاجة في الله « و الذين يحاجون في الله» فاستدعى ذلك تعريفه تعالى للمحاجين فيه بأنه الذي أنزل الكتاب بالحق و الميزان ، و لازمه تعريف الوحي بأثره كما عرفت .


و كيف كان فالمراد بالكتاب هو الوحي المشتمل على الشريعة و الدين الحاكم في المجتمع البشري ، و قد تقدم في تفسير قوله تعالى : « كان الناس أمة واحدة» الآية : البقرة : 213 أنهذا المعنى هو المراد بالكتاب في الكتاب ، و كون إنزاله بالحق نزوله مصاحبا للحق لا يخالطه اختلاف شيطاني و لا نفساني .


و الميزان ما يوزن و يقدر به الأشياء ، و المراد به بقرينة ذيل الآية و الآيات التالية هو الدين المشتمل عليه الكتاب حيث يوزن به العقائد و الأعمال فتحاسب عليه و يجزي بحسبه الجزاء يوم القيامة فالميزان هو الدين بأصوله و فروعه ، و يؤيده قوله تعالى :


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :39


«لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان» : الحديد : 25 ، على ما هو ظاهر قوله : « معهم» .


و قيل : المراد به العدل و سمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف و التسوية بين الناس و العدل كذلك و أيد بسبق ذكر العدل في قوله : « و أمرت لأعدل بينكم» .


و فيه أنه لا شاهد يشهد عليه من اللفظ ، و قد تقدم أن المراد بالعدل في « لأعدل» هو التسوية بين الناس في التبليغ و في جريان الحكم دون عدل الحاكم و القاضي .


و قيل : المراد به الميزان المعروف المقدر للأثقال .


و هو كما ترى .


و قيل : المراد به النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و يمكن إرجاعه إلى ما قدمناه من الوجه لأن النبي مصداق كامل و مثل أعلى للدين بأصوله و فروعه و لكل فرد من أمته من الزنة الدينية قدر ما يشابهه و يماثله لكن لا يلائم هذا الوجه ما تقدم نقله آنفا من آية سورة الحديد كثير ملاءمة .


و قوله : « و ما يدريك لعل الساعة قريب» لما كان الميزان المشعر بالحساب و الجزاء يومى‏ء إلى البعث و القيامة انتقل إلى الكلام فيه و إنذارهم بما سيستقبلهم فيه من الأهوال و التبشير بما أعد فيه للصالحين .


و الإدراء الإعلام ، و المراد بالساعة - على ما قيل - إتيانها و لذا جي‏ء بالخبر مذكرا ، و المعنى : ما الذي يعلمك لعل إتيان الساعة قريب و الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بعنوان أنه سامع فيشمل كل من له أن يسمع و يعم الإنذار و التخويف .


قوله تعالى : « يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها و الذين آمنوا مشفقون منها» إلخ المراد استعجالهم استعجال سخرية و استهزاء و قد تكرر في القرآن نقل قولهم : « متى هذا الوعد إن كنتم صادقين» .


و الإشفاق نوع من الخوف ، قال الراغب : الإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه و يخاف ما يلحقه ، قال تعالى : « و هم من الساعة مشفقون» فإذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر ، و إذا عدي بفي فمعنى العناية فيه أظهر ، قال تعالى : « إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين» « مشفقون منها» انتهى .


و قوله : « ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد» المماراة الإصرار على الجدال ، و المراد إلحاحهم على إنكارها بالجدال ، و إنما كانوا في ضلال بعيد لأنهم أخطئوا


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :40


طريق الحياة التي أصابتها أهم ما يتصور للإنسان فتوهموها حياة مقطوعة فانية انكبوا فيها على شهوات الدنيا و إنما هي حياة خالده باقية يجب عليهم أن يتزودوا من دنياهم لأخراهم لكنهم ضلوا عن سبيل الرشد فوقعوا في سبيل الغي .


قوله تعالى : « الله لطيف بعباده يرزق من يشاء و هو القوي العزيز» في معنى اللطف شي‏ء من الرفق و سهولة الفعل و شي‏ء من الدقة في ما يقع عليه الفعل فإذا تم الرفق و الدقة و كان الفاعل يفعل برفق و سهولة و يقع فعله على الأمور الدقيقة كان لطيفا كالهواء النافذ في منافذ الأجسام برفق و سهولة المماس لدقائق أجزائها الباطنة .


و إذا ألقيت الخصوصيات المادية عن هذا المعنى صح أن يتصف به الله سبحانه فإنه تعالى ينال دقائق الأمور بإحاطته و علمه و يفعل فيها ما يشاء برفق فهو لطيف .


و قد رتب الرزق في الآية على كونه تعالى لطيفا بعباده قويا عزيزا دلالة على أنه تعالى بلطفه لا يغيب عنه أحد ممن يشاء أن يرزق و لا يعصيه و بقوته عليه لا يعجز عنه و بعزته لا يمنعه مانع عنه .


و المراد بالرزق ما يعم موهبة الدين الذي يتلبس بها من يشاء من عباده على ما يشهد به الآية التالية ، و لذا ألحق القول فيه بقوله : « الله الذي أنزل الكتاب بالحق و الميزان» .


قوله تعالى : « من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه» إلخ ، الحرث الزرع و المراد به نتيجة الأعمال التي يؤتاها الإنسان في الآخرة على سبيل الاستعارة كان الأعمال الصالحة بذور و ما تنتجه في الآخرة حرث .


و المراد بالزيادة له في حرثه تكثير ثوابه و مضاعفته ، قال تعالى : « من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» : الأنعام : 160 ، و قال : « و الله يضاعف لمن يشاء» : البقرة : 261 .


و قوله : « و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها و ما له في الآخرة من نصيب» أي و من كان يريد النتائج الدنيوية بأن يعمل للدنيا و يريد نتيجة ما عمله فيها دون الآخرة نؤته من الدنيا و ما له في الآخرة نصيب ، و في التعبير بإرادة الحرث إشارة إلى اشتراط العمل لما يريده من الدنيا و الآخرة كما قال تعالى : « و أن ليس للإنسان إلا ما سعى» : النجم : 39 .



الميزان في تفسيرالقرآن ج : 18ص :41


و قد أبهم ما يعطيه من الدنيا إذ قال : « نؤته منها» إشارة إلى أن الأمر إلى المشية الإلهية فربما بسطت الرزق و ربما قدرت كما قال تعالى : « من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد» : إسراء : 18 .


و الالتفات من الغيبة إلى التكلم بالغير في قوله « نزد له» و « نؤته منها» للدلالة على العظمة التي يشعر بها قوله : « و هو القوي العزيز» .


و المحصل من معنى الآيتين : أن الله سبحانه لطيف بعباده جميعا ذو قوة مطلقة و عزة مطلقة يرزق عباده على حسب مشيته و قد شاء في من أراد الآخرة و عمل لها أن يرزقه منها و يزيد فيه ، و فيمن أراد الدنيا و عمل لها فحسب أن يؤتيه منها و ما له في الآخرة من نصيب .


و يظهر من ذلك أن الآية الأولى عامة تشمل الفريقين ، و المراد بالعباد ما يعم أهل الدنيا و الآخرة ، و كذا الرزق و أن الآية الثانية في مقام تفصيل ما في قوله : « يرزق من يشاء» من الإجمال .


قوله تعالى : « أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله» إلى آخر الآية لما بين أن الله سبحانه هو الذي أنزل الكتاب بالحق و شرع لهم الدين الذي هو ميزان أعمالهم و أنه بلطفه و قوته و عزته يرزق من أراد الآخرة و عمل لها ما أراده منها و يزيد ، و إن من أراد الدنيا و نسي الآخرة لا نصيب له فيها سجل على من كفر بالآخرة عدم النصيب فيها بإنكار أن لا دين غير ما شرعه الله يدين به هؤلاء حتى يرزقوا بالعمل به مثل ما يرزق أهل الإيمان بالآخرة فيها إذ لا شريك لله حتى يشرع دينا غير ما شرعه الله من غير إذن منه تعالى فلا دين إلا لله و لا يرزق في الآخرة رزقا حسنا إلا من آمن بها و عمل لها .


فقوله : « أم لهم شركاء» إلخ ، في مقام الإنكار ، و قوله : « و لو لا كلمة الفصل لقضي بينهم» إشارة إلى الكلمة التي سبقت منه تعالى أنهم يعيشونفي الأرض إلى أجل مسمى ، و فيه إكبار لجرمهم و معصيتهم .


و قوله : « و إن الظالمين لهم عذاب أليم» وعيد لهم على ظلمهم ، و إشارة إلى أنهم لا يفوتونه تعالى فإن لم يقض بينهم و لم يعذبهم في الدنيا فلهم في الآخرة عذاب أليم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :42


قوله تعالى : « ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا و هو واقع بهم» إلخ ، الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بعنوان أنه سامع فيشمل كل من من شأنه أن يرى ، و المراد بالظالمين التاركون لدين الله الذي شرعه لعباده المعرضون عن الساعة ، و المعنى : يرى الراءون هؤلاء الظالمين يوم القيامة خائفين مما كسبوا من السيئات و هو واقع بهم لا مناص لهم عنه .


و الآية من الآيات الظاهرة في تجسم الأعمال ، و قيل : في الكلام مضاف محذوف و التقدير مشفقين من وبال ما كسبوا ، و لا حاجة إليه .


و قوله : « و الذين آمنوا و عملوا الصالحات في روضات الجنات» في المجمع ، : أن الروضة الأرض الخضرة بحسن النبات ، و الجنة الأرض التي تحفها الشجر فروضات الجنات الحدائق المشجرة المخضرة متونها .


و قوله : « لهم ما يشاءون عند ربهم» أي إن نظام الأسباب مطوي فيها بل السبب الوحيد هو إرادتهم وحدهايخلق الله لهم من عنده ما يشاءون ذلك هو الفضل الكبير .


و قوله : « ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا و عملوا الصالحات» تبشير للمؤمنين الصالحين ، و إضافة العباد تشريفية .


قوله تعالى : « قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى» الذي نفي سؤال الأجر عليه هو تبليغ الرسالة و الدعوة الدينية ، و قد حكى الله ذلك عن عدة ممن قبله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من الرسل كنوح و هود و صالح و لوط و شعيب فيما حكي مما يخاطب كل منهم أمته : « و ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين» الشعراء و غيرها .


وقد حكي عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ذلك إذ قال : « و ما تسألهم عليه من أجر» : يوسف : 104 ، و قد أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يخاطب الناس بذلك بتعبيرات مختلفة حيث قال : « قل ما أسألكم عليه من أجر» : ص 86 ، و قال : « قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله» : سبأ : 47 ، و قال : « قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين» : الأنعام : 90 ، فأشار إلى وجه النفي و هو أنه ذكرى للعالمين لا يختص ببعض دون بعض حتى يتخذ عليه الأجر .


و قال : « قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا» :


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :43


الفرقان : 57 ، و معناه على ما مر في تفسير الآية : إلا أن يشاء أحد منكم أن يتخذ إلى ربه سبيلا أي يستجيب دعوتي باختياره فهو أجري أي لا شي‏ء هناك وراء الدعوة أي لا أجر .


و قال تعالى في هذه السورة : « قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى» فجعل أجر رسالته المودة في القربى ، و من المتيقن من مضامين سائر الآيات التي في هذا المعنى أن هذه المودة أمر يرجع إلى استجابة الدعوة إما استجابة كلها و إما استجابة بعضها الذي يهتم به و ظاهر الاستثناء على أي حال أنه متصل بدعوى كون المودة من الأجر و لا حاجة إلى ما تمحله بعضهم بتقريب الانقطاع فيه .


و أما معنى المودة في القربى فقد اختلف فيه تفاسيرهم : فقيل - و نسب إلى الجمهور - أن الخطاب لقريش و الأجر المسئول هو مودتهم للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لقرابته منهم و ذلك لأنهم كانوا يكذبونه و يبغضونه لتعرضه لآلهتهم على ما في بعض الأخبار فأمر (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يسألهم : إن لم يؤمنوا به فليودوه لمكان قرابته منهم و لا يبغضوه و لا يؤذوه فالقربى مصدر بمعنى القرابة ، و في للسببية .


و فيه أن معنى الأجرإنما يتم إذا قوبل به عمل يمتلكه معطي الأجر فيعطي العامل ما يعادل ما امتلكه من مال و نحوه فسؤال الأجر من قريش و هم كانوا مكذبين له كافرين بدعوته إنما كان يصح على تقدير إيمانهم به (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لأنهم على تقدير تكذيبه و الكفر بدعوته لم يأخذوا منه شيئا حتى يقابلوه بالأجر ، و على تقدير الإيمان به - و النبوة أحد الأصول الثلاثة في الدين - لا يتصور بغض حتى تجعل المودة أجرا للرسالة و يسأل .


و بالجملة لا تحقق لمعنى الأجر على تقدير كفر المسئولين و لا تحقق لمعنى البغض على تقدير إيمانهم حتى يسألوا المودة .


و هذا الإشكال وارد حتى على تقدير أخذ الاستثناء منقطعا فإن سؤال الأجر منهم على أي حال إنما يتصور على تقدير إيمانهم و الاستدراك على الانقطاع إنما هو عن الجملة بجميع قيودها فأجد التأمل فيه .


و قيل : المراد بالمودة في القربى ما تقدم و الخطاب للأنصار فقد قيل : إنهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :44


أتوه بمال ليستعين به على ما ينوبه فنزلت الآية فرده ، و قد كان له منهم قرابة من جهة سلمى بنت زيد النجارية و من جهة أخوال أمه آمنة على ما قيل .


و فيه أن أمر الأنصار في حبهم للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أوضح من أن يرتاب فيه ذو ريب و هم الذين سألوه أن يهاجر إليهم ، و بوءوا له الدار ، و فدوه بالأنفس و الأموال و البنين و بذلوا كل جهدهم في نصرته و حتى في الإحسان على من هاجر إليهم من المؤمنين به ، و قد مدحهم الله تعالى بمثل قوله : « و الذين تبوءوا الدار و الإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم و لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا و يؤثرون على أنفهسم و لو كان بهم خصاصة» : الحشر : 9 ، و هذا مبلغ حبهم للمهاجرين إليهم لأجل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فما هو الظن في حبهم له ؟ .


و إذا كان هذا مبلغ حبهمفما معنى أن يؤمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يتوسل إلى مودتهم بقرابته منهم هذه القرابة البعيدة ؟ .


على أن العرب ما كانت تعتني بالقرابة من جهة النساء ذاك الاعتناء و فيهم القائل : بنونا بنو أبنائنا و بناتنا .


بنوهن أبناء الرجال الأباعد .


و القائل : و إنما أمهات الناس أوعية .


مستودعات و للأنساب آباء .


و إنما هو الإسلام أدخل النساء في القرابة و ساوى بين أولاد البنين و أولاد البنات و قد تقدم الكلام في ذلك .


و قيل : الخطاب لقريش و المودة في القربى هي المودة بسبب القرابة غير أن المراد بها مودة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لا مودة قريش كما في الوجه الأول ، و الاستثناء منقطع ، و محصل المعنى : أني لا أسألكم أجرا على ما أدعوكم إليه من الهدى الذي ينتهي بكم إلى روضات الجنات و الخلود فيها و لا أطلب منكم جزاء لكن حبي لكم بسبب قرابتكم مني دفعني إلى أن أهديكم إليه و أدلكم عليه .


و فيه أنه لا يلائم ما يخده الله سبحانه له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في طريق الدعوة و الهداية فإنه تعالى يسجل عليه في مواضع كثيرة من كلامه أن الأمر في هداية الناس إلى الله و ليس له من الأمر شي‏ء و أن ليس له أن يحزن لكفرهمو ردهم دعوته و إنما عليه البلاغ فلم يكن


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :45


له أن يندفع إلى هداية أحد لحب قرابة أو يعرض عن هداية آخرين لبغض أو كراهة و مع ذلك كله كيف يتصور أن يأمره الله بقوله : « قل لا أسألكم» الآية أن يخبر كفار قريش أنه إنما اندفع إلى دعوتهم و هدايتهم بسبب حبه لهم لقرابتهم منه لا لأجر يسألهم إياه عليه .


و قيل : المراد بالمودة في القربى مودة الأقرباء و الخطاب لقريش أو لعامة الناس و المعنى : لا أسألكم على دعائي أجرا إلا أن تودوا أقرباءكم .


و فيه أن مودة الأقرباء على إطلاقهم ليست مما يندب إليه في الإسلام قال تعالى : « لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه» : المجادلة : 22 ، و سياق هذه الآية لا يلائم كونها مخصصة أو مقيدة لعموم قوله : « إلا المودة في القربى» أو إطلاقه حتى تكون المودة للأقرباء المؤمنين هي أجر الرسالة على أن هذه المودة الخاصة لا تلائم خطاب قريش أو عامة الناس .


بل الذي يفيده سياق الآية أن الذي يندب إليه الإسلام هو الحب في الله من غير أن يكون للقرابة خصوصية في ذلك ، نعم هناك اهتمام شديد بأمر القرابة و الرحم لكنه بعنوان صلة الرحم و إيتاء المال ، على حبه ذوي القربى لا بعنوان مودة القربى فلا حب إلا لله عز اسمه .


و لا مساغ للقول بأن المودة في القربى في الآية كناية عن صلتهم و الإحسان إليهم بإيتاء المال إذ ليس في الكلام ما يدفع كون المراد هو المعنى الحقيقي غير الملائم لما ندب إليه الإسلام من الحب في الله .


و قيل : معنى القربى هو التقرب إلى الله ، و المودة في القربى هي التودد إليه تعالى بالطاعة و التقرب فالمعنى : لا أسألكم عليه أجرا إلا أن توددوا إليه تعالى بالتقرب إليه .


و فيه أن في قوله : « إلا المودة في القربى» على هذا المعنى إبهاما لا يصلح به أن يخاطب به المشركون فإن حاق مدلوله التودد إليه - أو وده تعالى - بالتقرب إليه و المشركون لا ينكرون ذلك بل يرون ما هم عليه من عبادة الآلهة توددا إليه بالتقرب


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :46


منه فهم القائلون على ما يحكيه القرآن عنهم : « ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» : الزمر : 3 ، « هؤلاء شفعاؤنا عند الله» : يونس : 18 .


فسؤال التودد إلى الله بالتقرب إليه من غير تقييده بكونه بعبادته وحده ، و جعل ذلك أجرا مطلوبا ممن يرى شركة نوع تودد إلى الله بالتقرب إليه ، و خطابهم بذلك على ما فيه من الإبهام - و المقام مقام تمحيضه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نفسه في دعوتهم إلى دين التوحيد لا يسألهم لنفسه شيئا قط - مما لا يرتضيه الذوق السليم .


على أن المستعمل في الآية هو المودة دون التودد فالمراد بالمودة حبهم لله في التقرب إليه و لم يرد في كلامه تعالى إطلاق المودة على حب العباد لله سبحانه و إن ورد العكس كما في قوله : « إن ربي رحيم ودود» : هود : 90 ، و قوله : « و هو الغفور الودود» : البروج : 14 ، و لعل ذلك لما في لفظ المودة من الإشعار بمراعاة حال المودود و تعاهده و تفقده ، حتى قال بعضهم - على ما حكاه الراغب - أن مودة الله لعباده مراعاته لهم .


و الإشكال السابق على حاله و لو فسرت المودة في القربى بموادة الناس بعضهم بعضا و محابتهم في التقرب إلى الله بأن تكون القربات أسبابا للمودة و الحب فيما بينهم فإن للمشركين ما يماثل ذلك فيما بينهم على ما يعتقدون .


و قيل : المراد بالمودة في القربى ، مودة قرابة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هم عترته من أهل بيته (عليهم‏السلام‏) و قد وردت به روايات من طرق أهل السنة و تكاثرت الأخبار من طرق الشيعة على تفسير الآية بمودتهم و موالاتهم ، و يؤيده الأخبار المتواترة من طرق الفريقين على وجوب موالاة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) و محبتهم .


ثم التأمل الكافي في الروايات المتواترة الواردة من طرق الفريقين عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) المتضمنة لإرجاع الناس في فهم كتاب الله بما فيه من أصول معارف الدين و فروعها و بيان حقائقه إلى أهل البيت (عليهم‏السلام‏) كحديث الثقلين و حديث السفينة و غيرهما لا يدع ريبا في أن إيجاب مودتهم و جعلها أجرا للرسالة إنما كان ذريعة إلى إرجاع الناس إليهم فيما كان لهم من المرجعية العلمية .


فالمودة المفروضة على كونها أجرا للرسالة لم تكن أمرا وراء الدعوة الدينية


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :47


من حيث بقائها و دوامها ، فالآية في مؤداها لا تغاير مؤدى سائر الآيات النافية لسؤال الأجر .


و يئول معناها إلى أني لا أسألكم عليه أجرا إلا أن الله لما أوجب عليكم مودة عامة المؤمنين و من جملتهم قرابتي فإني أحتسب مودتكم لقرابتي و أعدها أجرا لرسالتي ، قال تعالى : « إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا» : مريم : 96 و قال : « و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض» : التوبة : 71 .


و بذلك يظهر فساد ما أورد على هذا الوجه أنه لا يناسب شأن النبوة لما فيه من التهمة فإن أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئا و يسألون عليه ما يكون فيه نفع لأولادهم و قراباتهم .


و أيضا فيه منافاة لقوله تعالى : « و ما تسألهم عليه من أجر» : يوسف : 104 .


وجه الفساد أن إطلاق الأجر عليها و تسميتها به إنما هو بحسب الدعوى و أما بحسب الحقيقة فلا يزيد مدلول الآية على ما يدل عليه الآيات الآخر النافية لسؤال الأجر كما عرفت و ما في ذلك من النفع عائد إليهم فلا مورد للتهمة .


على أن الآية على هذا مدنية خوطب بها المسلمون و ليس لهم أن يتهموا نبيهم المصون بعصمة إلهية - بعد الإيمان به و تصديق عصمته - فيما يأتيهم به من ربهم و لو جاز اتهامهم له في ذلك و كان ذلك غير مناسب لشأن النبوة لا يصلح لأن يخاطب به ، لاطرد مثل ذلك في خطابات كثيرة قرآنية كالآيات الدالة على فرض طاعته المطلقة و الدالة على كون الأنفال و الغنائم لله و لرسوله ، و الدالة على خمس ذوي القربى ، و ما أبيح له في أمر النساء و غير ذلك .


على أنه تعالى تعرض لهذه التهمة و دفعها في قوله الآتي : « أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ اللهيختم على قلبك» الآية على ما سيأتي .


و هب أنا صرفنا الآية عن هذا المعنى بحملها على غيره دفعا لما ذكر من التهمة فما هو الدافع لها عن الأخبار التي لا تحصى كثرة الواردة من طرق الفريقين في إيجاب مودة أهل البيت عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ؟ .


و أما منافاة هذا الوجه لقوله تعالى : « و ما تسألهم عليه من أجر» فقد اتضح


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :48


بطلانه مما ذكرناه ، و الآية بقياس مدلولها إلى الآيات النافية لسؤال الأجر نظيره قوله تعالى : « قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا» : الفرقان : 57 .


قال في الكشاف بعد اختياره هذا الوجه : فإن قلت : هلا قيل : إلا مودة القربى أو إلا المودة للقربى ، و ما معنى قوله : إلا المودة في القربى ؟ قلت : جعلوا مكانا للمودة و مقرا لها كقولك : لي في آل فلان مودة ، و لي فيهم هوى و حب شديد ، تريد أحبهم و هم مكان حبي و محله .


قال : و ليست في بصلة للمودة كاللام إذا قلت : إلا المودة للقربى .


إنما هي متعلقه بمحذوف تعلق الظرف به في قولك : المال في الكيس ، و تقديره : إلا المودة ثابتة في القربى و متمكنة فيها .


انتهى .


قوله تعالى : « و من يقترفحسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور» الاقتراف الاكتساب ، و الحسنة الفعلة التي يرتضيها الله سبحانه و يثيب عليها ، و حسن العمل ملاءمته لسعادة الإنسان و الغاية التي يقصدها كما أن مساءته و قبحه خلاف ذلك ، و زيادة حسنها إتمام ما نقص من جهاتها و إكماله و من ذلك الزيادة في ثوابها كما قال تعالى : « و لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون» : العنكبوت : 7 ، و قال : « ليجزيهم الله أحسن ما عملوا و يزيدهم من فضله» : النور : 38 .


و المعنى : و من يكتسب حسنة نزد له في تلك الحسنة حسنا - برفع نقائصها و زيادة أجرها - إن الله غفور يمحو السيئات شكور يظهر محاسن العمل من عامله .


و قيل : المراد بالحسنة مودة قربى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و يؤيده ما في روايات أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) أن قوله : « قل لا أسألكم عليه أجرا» إلى تمام أربع آيات نزلت في مودة قربى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و لازم ذلك كون الآيات مدنية و أنها ذات سياق واحد و أن المراد بالحسنة من حيث انطباقها على المورد هي المودة ، و على هذا فالإشارة بقوله : « أم يقولون افترى» إلخ ، إلى بعض ما تفوه به المنافقون تثاقلا عن قبوله و في المؤمنين سماعونلهم ، و بقوله : « و هو الذي يقبل التوبة» إلى آخر الآيتين إلى توبة الراجعين منهم و قبولها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :49


و في قوله : « إن الله غفور شكور» التفات من التكلم إلى الغيبة و الوجه فيه الإشارة إلى علة الاتصاف بالمغفرة و الشكر فإن المعنى : أن الله غفور شكور لأنه الله عز اسمه .


قوله تعالى : « أم يقولون افترى على الله كذبا» إلى آخر الآية أم منقطعة ، و الكلام مسوق للتوبيخ و لازمه إنكار كونه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مفتريا على الله كذبا .


و قوله : « فإن يشإ الله يختم على قلبك»معناه على ما يعطيه السياق أنك لست مفتريا على الله كذبا فإنه ليس لك من الأمر شي‏ء حتى تشاء الفرية فتأتي بها و إنما هو وحي من الله سبحانه من غير أن يكون لك فيه صنع و الأمر إلى مشيته تعالى فإن يشأ يختم على قلبك و سد باب الوحي إليك ، لكنه شاء أن يوحي إليك و يبين الحق ، و قد جرت سنته أن يمحو الباطل و يحق الحق بكلماته .


فقوله : « فإن يشإ الله يختم على قلبك» كناية عن إرجاع الأمر إلى مشية الله و تنزيه لساحة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يأتي بشي‏ء من عنده .


و هذا المعنى - كما سترى - أنسب للسياق بناء على كون المراد بالقربى قرابة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و التوبيخ متوجها إلى المنافقين و مرضي القلوب .


و قد ذكروا في معنى الجملة وجوها أخر : منها : ما ذكره الزمخشري في الكشاف حيث فسر قوله : « فإن يشإ الله يختم على قلبك» بقوله : فإن يشإ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفتري عليه الكذب فإنه لا يفتري على الله الكذب إلا من كان في مثل حالهم .


و هذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله و أنه في البعد مثل الشرك بالله و الدخول في جملة المختوم على قلوبهم ، و مثال هذا أن يخون بعض الأمناء فيقول : لعل الله خذلني لعل الله أعمى قلبي و هو لا يريد إثبات الخذلان و عمى القلب و إنما يريد استبعاد أن يخون مثله و التنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم .


انتهى .


و منها ما قيل : إن المعنى لو حدثت نفسك بأن تفتري على الله الكذب لطبع


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :50


الله على قلبك و لأنساك القرآن فكيف تقدر أن تفتري على الله ، و هذا كقوله : « لئن أشركت ليحبطن عملك» .


و منها ما قيل : إن معناه فإن يشإ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم : إنه مفتر و ساحر ، و هي وجوه لا تخلو من ضعف .


و منها ما قيل : إن المعنى فإن يشإ الله يختم على قلبك كما ختم على قلوبهم و هو تسلية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليشكر ربه على ما آتاه من النعمة .


و منها ما قيل : إن المعنى فإن يشإ الله يختم على قلوب الكفار و على ألسنتهم و يعاجلهم بالعذاب ، و عدل عن الغيبة إلى الخطاب و عن الجمع إلى الإفراد ، و المراد : يختم على قلبك أيها القائل : أنه افترى على الله كذبا .


و قوله : « و يمح الله الباطل و يحق الحق بكلماته» الإتيان بالمضارع - يمحو و يحق - للدلالة على الاستمرار ، فمحو الباطل و إحقاق الحق بالكلمات سنة جارية له تعالى و المراد بالكلمات ما ينزل على الأنبياء من الوحي الإلهي و التكليم الربوبي و يمكن أن يكون المراد نفوس الأنبياء من حيث أنها مفصحة عن الضمير الغيبي .


و قوله : « إنه عليم بذات الصدور» تعليل لقوله : « و يمح الله الباطل إلخ أي أنه يمحو الباطل و يحق الحق بكلماته لأنه عليم بالقلوب و ما انطوت عليه فيعلم ما تستدعيه من هدى أو ضلال أو شرح أو ختم بإنزال الوحي و توجيه الدعوة .


قيل : و في الآية إشعار بوعد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالنصر و لا يخلو من وجه .


قوله تعالى : « و هو الذي يقبل التوبة عن عباده و يعفوا عن السيئات و يعلم ما تفعلون» يقال : قبل منه و قبل عنه قال في الكشاف : يقال : قبلت منه الشي‏ء و قبلته عنه فمعنى قبلته منه أخذته منه و جعلته مبدأ قبولي و منشأه ، و معنى قبلته عنه عزلته و أبنته عنه .


انتهى .


و في قوله : « و يعلم ما تفعلون» تحضيض على التوبة و تحذير عن اقتراف السيئات و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « و يستجيب الذين آمنوا و عملوا الصالحات و يزيدهم من فضله و الكافرون لهم عذاب شديد» فاعل « يستجيب» ضمير راجع إليه تعالى و « الذين آمنوا»


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص:51


إلخ ، في موضع المفعول بنزع الخافض و التقدير و يستجيب للذين - آمنوا على ما قيل - و قيل : فاعل « يستجيب» هو « الذين» و هو بعيد من السياق .


و الاستجابة إجابة الدعاء و لما كانت العبادة دعوة له تعالى عبر عن قبولها بالاستجابة لهم ، و الدليل على هذا المعنى قوله : « و يزيدهم من فضله» فإن ظاهره زيادة الثواب و كذا مقابلة استجابة المؤمنين بقوله : « و الكافرون لهم عذاب شديد» .


و قيل : المراد أنه يستجيب لهم إذا دعوه و أعطاهم ما سألوه و زادهم على ما طلبوه و هو بعيد من السياق .


على أن استجابة الدعاء لا يختص بالمؤمن .


بحث روائي


في المجمع ، روى زادان عن علي (عليه‏السلام‏) قال : فينا في آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن . ثم قرأ « قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى» .


قال الطبرسي : و إلى هذا أشار الكميت في قوله : وجدنا لكم في آل حم آية .


تأولها منا تقي و معرب .


و فيه ، و صح عن الحسن بن علي (عليهماالسلام‏) : أنه خطب الناس فقال في خطبته : إنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال : « قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى» .


و في الكافي ، بإسناده عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قوله تعالى : « قل لا أسألكم عليه أجرا - إلا المودة في القربى» قال : هم الأئمة .


أقول : و الأخبار في هذا المعنى من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) كثيرة جدا مروية عنهم .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و عبد بن حميد و البخاري و مسلم و الترمذي و ابن جرير و ابن مردويه من طريق طاووس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله : « إلا المودة في القربى» فقال سعيد بن جبير : هم قربى آل محمد فقال ابن عباس : عجلت إن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال : إلا أن تصلوا ما بيني و بينكم من القرابة . :


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :52


أقول : و رواه أيضا عن ابن عباس بطرق أخرى غير هذا الطريق ، و قد تقدم في بيان الآية أن هذا المعنى غير مستقيم و لا منطبق على سياق الآية ، و من العجيب ما في بعض هذه الطرق أن الآية منسوخة بقوله تعالى : « قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله» .


و فيه ، أخرج أبو نعيم و الديلمي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى أن تحفظوني في أهل بيتي و تودوهم لي .


و فيه ، أخرج ابن المنذر ، و ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية « قل لا أسألكم عليه أجرا - إلا المودة في القربى» قالوا : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم قال : علي و فاطمة و ولداها : . أقول : و رواه الطبرسي في المجمع ، : و فيها « و ولدها» مكان « و ولداها» .


و فيه ، أخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال : لما جي‏ء بعلي بن الحسين أسيرا فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم و استأصلكم فقال له علي بن الحسين : أ قرأت القرآن ؟ قال : نعم . قال : أ قرأت آل حم ؟ قال : نعم قال : أ ما قرأت « قل لا أسألكم عليه أجرا - إلا المودة في القربى» ؟ قال : فإنكم لأنتم هم ؟ قال : نعم .


و فيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس « و من يقترف حسنة» قال : المودة لآل محمد : أقول : و روي ما في معناه في الكافي ، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) .


و في تفسير القمي ، حدثني أبي عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر (عليه‏السلام‏) يقول : في قول الله عز و جل : « قل لا أسألكم عليه أجرا - إلا المودة في القربى» يعني في أهل بيته . قال : جاءت الأنصار إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالوا : إنا قد آوينا و نصرنا فخذ طائفة من أموالنا فاستعن بها على ما نابك فأنزل الله عز و جل « قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى» أي في أهل بيته .


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :53


ثم قال : أ لا ترى أن الرجل يكون له صديق و في نفس ذلك الرجل شي‏ء على أهل بيته فلا يسلم صدره فأراد الله عز و جل أن لا يكون في نفس رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) شي‏ء على أمته ففرض الله عليهم المودة في القربى فإن أخذوا أخذوا مفروضا ، و إن تركوا تركوا مفروضا . قال : فانصرفوا من عنده و بعضهم يقول : عرضنا عليه أموالنا فقال : لا . قاتلوا عن أهل بيتي من بعدي ، و قال طائفة : ما قال هذا رسول الله و جحدوه و قالوا كما حكى الله عز و جل : « أم يقولون افترى على الله كذبا» فقال عز و جل : « فإن يشإ الله يختم على قلبك» قال : لو افتريت « و يمح الله الباطل» يعني يبطله « و يحق الحق بكلماته» يعني بالأئمة و القائم من آل محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « إنه عليم بذات الصدور» : . أقول : و روى قصة الأنصار السيوطي في الدر المنثور ، عن الطبراني و ابن مردويه من طريق ابن جبير و ضعفه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :54


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :55


وَ لَوْ بَسط اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فى الأَرْضِ وَ لَكِن يُنزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشاءُإِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ(27) وَ هُوَ الَّذِى يُنزِّلُ الْغَيْث مِن بَعْدِ مَا قَنَطوا وَ يَنشرُ رَحْمَتَهُوَ هُوَ الْوَلىُّ الْحَمِيدُ(28) وَ مِنْ ءَايَتِهِ خَلْقُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَث فِيهِمَا مِن دَابَّةٍوَ هُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشاءُ قَدِيرٌ(29) وَ مَا أَصبَكم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسبَت أَيْدِيكمْ وَ يَعْفُوا عَن كَثِيرٍ(30) وَ مَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فى الأَرْضِوَ مَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلىّ‏ٍ وَ لا نَصِيرٍ(31) وَ مِنْ ءَايَتِهِ الجَْوَارِ فى الْبَحْرِ كالأَعْلَمِ‏(32) إِن يَشأْ يُسكِنِ الرِّيحَ فَيَظلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلى ظهْرِهِإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّكلّ‏ِ صبَّارٍ شكُورٍ(33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسبُوا وَ يَعْف عَن كَثِيرٍ(34) وَ يَعْلَمَ الَّذِينَ يجَدِلُونَ فى ءَايَتِنَا مَا لهَُم مِّن محِيصٍ‏(35) فَمَا أُوتِيتُم مِّن شىْ‏ءٍ فَمَتَعُ الحَْيَوةِ الدُّنْيَاوَ مَا عِندَ اللَّهِ خَيرٌ وَ أَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَلى رَبهِمْ يَتَوَكلُونَ‏(36) وَ الَّذِينَ يجْتَنِبُونَ كَبَئرَ الاثمِ وَ الْفَوَحِش وَ إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ‏(37) وَ الَّذِينَ استَجَابُوا لِرَبهِمْ وَ أَقَامُوا الصلَوةَ وَ أَمْرُهُمْ شورَى بَيْنهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ‏(38) وَ الَّذِينَ إِذَا أَصابهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ‏(39) وَ جَزؤُا سيِّئَةٍ سيِّئَةٌ مِّثْلُهَافَمَنْ عَفَا وَ أَصلَحَ فَأَجْرُهُ عَلى اللَّهِإِنَّهُ لا يحِب الظلِمِينَ‏(40) وَ لَمَنِ انتَصرَ بَعْدَ ظلْمِهِ فَأُولَئك مَا عَلَيهِم مِّن سبِيلٍ‏(41) إِنَّمَا السبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظلِمُونَ النَّاس وَ يَبْغُونَ فى الأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقّ‏ِأُولَئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(42) وَ لَمَن صبرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذَلِك لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ(43) وَ مَن يُضلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلىّ‏ٍ مِّن بَعْدِهِوَ تَرَى الظلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَاب يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِّن سبِيلٍ‏(44) وَ تَرَاهُمْ يُعْرَضونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلّ‏ِ يَنظرُونَ مِن طرْفٍ خَفِىّ‏ٍوَ قَالَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ الخَْسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِأَلا إِنَّ الظلِمِينَ فى عَذَابٍ مُّقِيمٍ‏(45) وَ مَا كانَ لهَُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنصرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِوَ مَن يُضلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سبِيلٍ‏(46) استَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتىَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِمَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئذٍ وَ مَا لَكُم مِّن نَّكيرٍ(47) فَإِنْ أَعْرَضوا فَمَا أَرْسلْنَك عَلَيهِمْ حَفِيظاًإِنْ عَلَيْك إِلا الْبَلَغُوَ إِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الانسنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بهَاوَ إِن تُصِبهُمْ سيِّئَةُ بِمَا قَدَّمَت أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الانسنَ كَفُورٌ(48) لِّلَّهِ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِيخْلُقُ مَا يَشاءُيهَب لِمَن يَشاءُ إِنَثاً وَ يَهَب لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ(49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَ إِنَثاًوَ يجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيماًإِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)


بيان


صدر الآيات متصل بحديث الرزق المذكور في قوله : « الله لطيف بعباده يرزق من يشاء» و قد سبقه قوله : « له مقاليد السماوات و الأرض يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر» و قد تقدمت الإشارة إلى أن من الرزق نعمة الدين التي آتاها الله سبحانه عباده المؤمنين و بهذه العناية دخل الكلام فيه في الكلام على الوحي الذي سيقت لبيانه آيات السورة و انعطف عليه انعطافا بعد انعطاف .


ثم يذكر بعض آيات التوحيد المتعلقة بالرزق كخلق السماوات و الأرض و بث الدواب فيهما و السفائن الجواري في البحر و إيتاء الأولاد الذكور و الإناث أو إحداهما لمن يشاء و جعل من يشاء عقيما .


ثم يذكر أن من الرزق ما آتاهموه في الدنيا و هو متاعها الفاني بفنائها و منه ما يخص المؤمنين في الآخرة و هو خير و أبقى ، و ينتقل الكلام من هنا إلى صفات المؤمنين


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :56


و حسن عاقبتهم و إلى وصف ما يلقاه الظالمون و هم غيرهم في عقباهم من أهوال القيامة و عذاب الآخرة .


و وراء ذلك في خلال الآيات من إجمال بعض الأحكام و الإنذار و التخويف و الدعوة إلى الحق و حقائق المعارف شي‏ء كثير .


قوله تعالى : « و لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض و لكن ينزل بقدر ما يشاء أنه بعباده خبير بصير» القدر مقابل البسط معناه التضييق و منه قوله السابق : « يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر» و القدر بفتح الدال و سكونها كمية الشي‏ء و هندسته و منه قوله : « و لكن ينزل بقدر ما يشاء» أو جعل الشي‏ء على كمية معينة و منه قوله : « فقدرنا فنعم القادرون» : المرسلات : 23 .


و البغي الظلم ، و قوله : « بعباده» من وضع الظاهر موضع الضمير ، و النكتة فيه الإشارة إلى بيان كونه خبيرا بصيرا بهم و ذلك أنهم عباده المخلوقون له القائمون به فلا يكونون محجوبين عنه مجهولين له ، و كذا قوله السابق : « لعباده» لا يخلو من إشارة إلى بيان إيتاء الرزق و ذلك أنهم عباده و رزق العبد على مولاه .


و معنى الآية : و لو وسع الله الرزق على عباده فأشبع الجميع بإيتائه لظلموا في الأرض - لما أن من طبع سعة المال الأشر و البطر و الاستكبار و الطغيان كما قال تعالى : « إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى» : العلق : 7 - و لكن ينزل ما يشاء من الرزق بقدر و كمية معينة أنه بعباده خبير بصير فيعلم ما يستحقه كل عبد و ما يصلحه من غنى أو فقر فيؤتيه ذلك .


ففي قوله : « و لكن ينزل بقدر ما يشاء» بيان للسنة الإلهية في إيتاء الرزق بالنظر إلى صلاح حال الناس أي إن لصلاح حالهم أثرا في تقدير أرزاقهم ، و لا ينافي ذلك ما نشاهد من طغيان بعض المثرين و نماء رزقهم على ذلك فإن هناك سنة أخرى حاكمة على هذه السنة و هي سنة الابتلاء و الامتحان ، قال تعالى : « إنما أموالكم و أولادكم فتنة» : التغابن : 15 ، و سنة أخرى هي سنة المكر و الاستدراج ، قال تعالى : « سنستدرجهم من حيث لا يشعرون و أملي لهم إن كيدي متين» : الأعراف : 183 .


فسنة الإصلاح بتقدير الرزق سنة ابتدائية يصلح بها حال الإنسان إلا أن يمتحنه


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :57


الله كما قال : « و ليبتلي الله ما في صدوركم و ليمحصما في قلوبكم» : آل عمران : 154 أو يغير النعمة و يكفر بها فيغير الله في حقه سنته فيعطيه ما يطغيه ، قال تعالى : « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» : الرعد : 11 .


و كما أن إيتاء المال و البنين و سائر النعم الصورية من الرزق المقسوم كذلك المعارف الحقة و الشرائع السماوية المنتهية إلى الوحي من حيث إنزالها و من حيث الابتلاء بها و التلبس بالعمل بها من الرزق المقسوم .


فلو نزلت المعارف و الأحكام عن آخرها دفعة واحدة - على ما لها من الإحاطة و الشمول لجميع شئون الحياة الإنسانية - لشقت على الناس و لم يؤمن بها إلا الأوحدي منهم لكن الله سبحانه أنزلها على رسوله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تدريجا و على مكث و هيأ بذلك الناس بقبول بعضها لقبول بعض ، قال تعالى : « و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث» : إسراء : 106 .


و كذا المعارف العالية التي هي في بطون المعارف الساذجة الدينية لو لم يضرب عليها بالحجاب و بينت لعامة الناس على حد الظواهر المبينة لهم لم يتحملوها و دفعته أفهامهم إلا الأوحدي منهم لكن الله سبحانه كلمهم في ذلك نوع تكليم يستفيد منه كل على قدر فهمه و سعة صدره كما قال في مثل ضربه في ذلك : « أنزل منالسماء ماء فسالت أودية بقدرها» : الرعد : 17 .


و كذلك الأحكام و التكاليف الشرعية لو كلف بجميعها جميع الناس لتحرجوا منها و لم يتحملوها لكنه سبحانه قسمها بينهم حسب تقسيم الابتلاءات المقتضية لتوجه التكاليف المتنوعة بينهم .


فالرزق بالمعارف و الشرائع من أي جهة فرض كالرزق الصوري مفروز بين الناس مقدر على حسب صلاح حالهم .


قوله تعالى : « و هو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا و ينشر رحمته و هو الولي الحميد» القنوط اليأس ، و الغيث المطر ، قال في مجمع البيان : الغيث ما كان نافعا في وقته ، و المطر قد يكون نافعا وقد يكون ضارا في وقته و غير وقته .


انتهى .


و نشر الرحمة تفريق النعمة بين الناس بإنبات النبات و إخراج الثمار التي يكون سببها المطر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :58


و في الآية انتقال من حديث الرزق إلى آيات التوحيد التي لها تعلق ما بالأرزاق ، و يتلوها في هذا المعنى آيات ، و تذييل الآية بالاسمين : الولي الحميد و هما من أسمائه تعالى الحسنى للثناء عليه في فعله الجميل .


قوله تعالى : « و من آياته خلق السماوات و الأرض و ما بث فيهما من دابة» إلخ ، البث التفريق ، و يقال : بث الريح التراب إذا أثاره ، و الدابة كل ما يدب على الأرض فيعم الحيوانات جميعا ، و المعنى ظاهر .


و ظاهر الآية أن في السماوات خلقا من الدواب كالأرض ، و قول بعضهم : إن ما في السموات من دابة هي الملائكة يدفعه أن إطلاق الدواب على الملائكة غير معهود .


و قوله : « و هو على جمعهم إذا يشاء قدير» إشارة إلى حشر ما بث فيهما من دابة و قد عبر بالجمع لمقابلته البث الذي هو التفريق ، و لا دلالة في قوله : « على جمعهم» حيث أتى بضمير أولي العقل على كون ما في السماوات من الدواب أولي عقل كالإنسان لقوله تعالى : « و ما من دابة في الأرض و لا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شي‏ء ثم إلى ربهم يحشرون» : الأنعام : 38 .


و القدير من أسمائه تعالى الحسنى و هو الذي أركزت فيه القدرة و ثبتت ، قال الراغب : القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شي‏ء ما ، و إذا وصف الله بها فهي نفي العجز عنه ، و محال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى و إن أطلق عليه لفظا بل حقه أن يقال : قادر على كذا ، و متى قيل : هو قادر فعلى سبيل معنى التقييد ، و لهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلا و يصح أن يوصف بالعجز من وجه و الله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كل وجه .


و القدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائدا عليه و لا ناقصا عنه و لذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى قال : « إنه على ما يشاء قدير» ، و المقتدر يقاربه نحو « عند مليك مقتدر» لكن قد يوصف به البشر ، و إذا استعمل في الله فمعناه معنى القدير و إذا استعمل في البشر فمعناه المتكلف و المكتسب للقدرة ، انتهى .


و هو حسن غير أن في قوله : إن القدرة إذا وصف بها الله فهي نفي العجز عنه مساهلة ظاهرة فإن صفاته تعالى الذاتية كالحياة و العلم و القدرة لها معان إيجابية هي عين


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :59


الذات لا معان سلبية حتى تكون الحياة بمعنى انتفاء الموت و العلم بمعنى انتفاء الجهل و القدرة بمعنى انتفاء العجز على ما يقوله الصابئون و لازمه خلو الذات عن صفات الكمال .


فالحق أن معنى قدرته تعالى كونه بحيث يفعل ما يشاء ، و لازم هذا المعنى الإيجابي انتفاء مطلق العجز عنه تعالى .


قوله تعالى : « و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفوا عن كثير» المصيبة النائبة تصيب الإنسان كأنها تقصده ، و المراد بما كسبت أيديكم المعاصي و السيئات ، و قوله : « و يعفوا عن كثير» أي عن كثير مما كسبت أيديكم و هي السيئات .


و الخطاب في الآية اجتماعي موجه إلى المجتمع غير منحل إلى خطابات جزئية و لازمه كون المراد بالمصيبة التي تصيبهم المصائب العامة الشاملة كالقحط و الغلاء و الوباء و الزلازل و غير ذلك .


فيكون المراد أن المصائب و النوائب التي تصيب مجتمعكم و يصابون بها إنما تصيبكم بسبب معاصيكم و الله يصفح عن كثير منها فلا يأخذ بها .


فالآية في معنى قوله تعالى : « ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون» : الروم : 41 ، و قوله : « و لو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض و لكن كذبوا» : الأعراف : 96 ، و قوله : « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» : الرعد : 11 ، و غير ذلك من الآيات الدالة على أن بين أعمال الإنسان و بين النظام الكوني ارتباطا خاصا فلو جرى المجتمع الإنساني على ما يقتضيه الفطرة من الاعتقاد و العمل لنزلت عليه الخيرات و فتحت عليه البركات و لو أفسدوا أفسد عليهم .


هذا ما تقتضيه هذه السنة الإلهية إلا أن ترد عليه سنة الابتلاء أو سنة الاستدراج و الإملاء فينقلب الأمر ، قال تعالى : « ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا و قالوا قد مس آباءنا السراء و الضراء فأخذناهم بغتة و هم لا يشعرون» : الأعراف : 95 .


و يمكن أن يكون الخطاب في الآية عاما منحلا إلى خطابات الأفراد فيكون ما يصاب كل إنسان بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده أو عرضه و ما يتعلق به مستندا إلى معصية أتى بها و سيئة عملها و يعفو الله عن كثير منها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :60


و كيف كان فالخطاب في الآية لعامة الناس من المؤمن و الكافر و هو الذي يفيده السياق و تؤيده الآية التالية هذا أولا ، و المراد بما كسبته الأيدي المعاصي و السيئات دون مطلق الأعمال ، و هذا ثانيا ، و المصائب التي تصيب إنما هي آثار الأعمال في الدنيا لما بين الأعمال و بينها من الارتباط و التداعي دون جزاء الأعمال و هذا ثالثا .


و بما ذكر يندفع أولا ما استشكل على عموم الآية بالمصائب النازلة على الأنبياء (عليهم‏السلام‏) و هم معصومون لا معصية لهم ، المصائب النازلة على الأطفال و المجانين و هم غير مكلفين بتكليف فلا معصية لهم فيجب تخصيص الآية بمصائب الأنبياء و مصائب الأطفال و المجانين .


وجه الاندفاع أن إثبات المعصية لهم في قوله : « فبما كسبت أيديكم» دليل على أن الخطاب في الآية لمن يجوز عليه صدور المعصية فلا يشمل المعصومين و غير المكلفين من رأس فعدم شمول الآية لهم من باب التخصص دون التخصيص .


و ثانيا ما قيل : إن مقتضى الآية مغفرة ذنوب المؤمنين جميعا فإنها بين ما يجزون عليها بإصابة المصائب و ما يعفى عنها .


وجه الاندفاع أن الآية مسوقة لبيان ارتباط المصائب بالمعاصي و كون المعاصي ذوات آثار دنيوية سيئة منها ما يصيب الإنسان و لا يخطى‏ء و منها ما يعفى عنه فلا يصيب لأسباب صارفة و حكم مانعة كصلة الرحم و الصدقة و دعاء المؤمن و التوبة و غير ذلك مما وردت به الأخبار ، و أما جزاء الأعمال فالآية غير ناظرة إليه كما تقدم .


على أن الخطاب في الآية يعم المؤمن و الكافر كما تقدمت الإشارة إليه ، و لا معنى لتبعضها في الدلالة فتدل على المغفرة في المؤمن و عدمها في الكافر .


و بعد هذا كله فالوجه الأول هو الأوجه .


قوله تعالى : « و ما أنتم بمعجزين في الأرض و ما لكم من دون الله من ولي و لا نصير» ، معنى الآية ظاهر و هي باتصالها بما قبلها تفيد أنكم لا تعجزون الله حتى لا تصيبكم المصائب لذنوبكم و ليس لكم من دونه من ولي يتولى أمركم فيدفع عنكم المصائب و لا نصير ينصركم و يعينكم على دفعها .


قوله تعالى : « و من آياته الجوار في البحر كالأعلام» ، الجواري جمع جارية و هي


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :61


السفينة ، و الأعلام جمع علم و هو العلامة و يسمى به الجبل و شبهت السفائن بالجبال لعظمها و ارتفاعها و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره» إلخ ، ضمير « يشأ» لله تعالى ، و ظل بمعنى صار ، و « رواكد» جمع راكدة و هي الثابتة في محلها و المعنى : إن يشأ الله يسكن الريح التي تجري بها الجواري فيصرن أي الجواري ثوابت على ظهر البحر .


و قوله : « إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور» أصل الصبر الحبس و أصل الشكر إظهار نعمة المنعم بقول أو فعل ، و المعنى : أن فيما ذكر من أمر الجواري من كونها جارية على ظهر البحر بسبب جريان الرياح ناقلة للناس و أمتعتهم من ساحل إلى ساحل لآيات لكل من حبس نفسه عن الاشتغال بما لا يعنيه و اشتغل بالتفكر في نعمه و التفكر في النعمة من الشكر .


و قيل : المراد بكل صبار شكور المؤمن لأن المؤمن لا يخلو من أن يكون في الضراء أو في السراء فإن كان في الضراء كان من الصابرين و إن كان في السراء كان من الشاكرين .


قوله تعالى : « أو يوبقهن بما كسبوا و يعف عن كثير» الإيباق الإهلاك ، و ضمير التأنيث للجواري و ضمير التذكير للناس ، و يوبقهن و يعف معطوفان على « يسكن» ، و المعنى : إن يشأ يهلك الجواري بإغراقها بسبب ما كسبوا من السيئات و يعف عن كثير منها أي إن بعضها كاف في اقتضاء الإهلاك و إن عفا عن كثير منها .


و قيل : المراد بإهلاكها إهلاك أهلها إما مجازا أو بتقدير مضاف ، و « يوبقهن» بالعطف على « يسكن» في معنى يرسل الرياح العاصفة فيوبقهم ، و المعنى : إن يشأ يسكن الريح إلخ ، و إن يشأ يرسلها فيهلكهم بالإغراق و ينج كثير منهم بالعفو ، و المحصل : إن يشأ يسكن الريح أو يرسلها فيهلك ناسا بذنوبهم و ينج ناسا بالعفو عنهم و لا يخفى وجه التكلف فيه .


و قيل : إن « يعف» عطف على قوله : « يسكن الريح» إلى قوله : « بما كسبوا» و لذا عطف بالواو لا بأو ، و المعنى : إن يشأ يعاقبهم بالإسكان أو الإعصاف و إن يشأ يعف عن كثير .


و هو في التكلف كسابقه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :62


قوله تعالى : « و يعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص» قيل : هو غاية معطوفة على أخرى محذوفة ، و التقدير نحو من قولنا : ليظهر به قدرته و يعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من مفر و لا مخلص ، و هذا كثير الورود في القرآن الكريم غير أن المعطوف فيما ورد فيه مقارن للأم الغاية كقوله : « و ليعلم الله الذين آمنوا» : آل عمران : 140 .


و قوله : « و ليكون من الموقنين» : الأنعام : 75 .


و جوز بعضهم أن يكون معطوفا على جزاء الشرط بتقدير إن نحو إن جئتني أكرمك و أعطيك كذا و كذا بنصب أعطيك ، و المسألة نحوية خلافية فليرجع إلى ما ذكروه فيه .


قوله تعالى : « فما أوتيتم من شي‏ء فمتاع الحياة الدنيا» إلخ ، تفصيل لما تقدم ذكره من الرزق و تقسيم له إلى ما عند الناس من رزق الدنيا الشامل للمؤمن و الكافر و ما عند الله من رزق الآخرة المختص بالمؤمنين ، و فيه تخلص إلى ذكر صفات المؤمنين و ذكر بعض ما يلقاه الظالمون يوم القيامة .


فقوله : « فما أوتيتم من شي‏ء فمتاع الحياة الدنيا» الخطاب للناس على ما يفيده السياق دون المشركين خاصة ، و المراد بما أوتيتم من شي‏ء جميع ما أعطيه للناس و رزقوه من النعيم ، و إضافة المتاع إلى الحياة للإشارة إلى انقطاعه و عدم ثباته و دوامه ، و المعنى : فكل شي‏ء أعطيتموه مما عندكم متاع تتمتعون به في أيام قلائل .


و قوله : « و ما عند الله خير و أبقى للذين آمنوا و على ربهم يتوكلون» المراد بما عند الله ما ادخره الله ثوابا ليثيب به المؤمنين ، و اللام في « للذين آمنوا» للملك و الظرف لغو ، و قيل اللام متعلق بقوله : « أبقى» و الأول أظهر ، و كون ما عند الله خيرا لكونه خالصا من الألم و الكدر و كونه أبقى لكونه أدوم غير منقطع الآخر .


قوله تعالى : « و الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش و إذا ما غضبوا هم يغفرون» عطف على قوله : « الذين آمنوا» و الآية و آيتان بعدها تعد صفات المؤمنين الحسنة و قول بعضهم إنه كلام مستأنف لا يساعد عليه السياق .


و كبائر الإثم المعاصي الكبيرة التي لها آثار سوء عظيمة و قد عد تعالى منها شرب


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :63


الخمر و الميسر ، قال تعالى : « قل فيهما إثم كبير» : البقرة : 219 ، و الفواحش جمع فاحشة و هي المعصية الشنيعة النكراء و قد عد تعالى منها الزنا و اللواط قال : « و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة» : إسراء : 32 ، و قال حاكيا عن لوط : « أ تأتون الفاحشة و أنتم تبصرون» : النمل : 54 .


و قوله : « يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش» و هو في سورة مكية إشارة إلى إجمال ما سيفصل من تشريع تحريم كبائر المعاصي و الفواحش .


و في قوله : « و إذا ما غضبوا هم يغفرون» إشارة إلى العفو عند الغضب و هو من أخص صفات المؤمنين و لذا عبر عنه بما عبر و لم يقل : و يغفرون إذا غضبوا ففي الكلام جهات من التأكيد و ليس قصرا للمغفرة عند الغضب فيهم .


قوله تعالى : « و الذين استجابوا لربهم و أقاموا الصلاة» إلخ ، الاستجابة هي الإجابة و استجابتهم لربهم إجابتهم لما يكلفهم به من الأعمال الصالحة - على ما يفيده السياق - و ذكر إقامة الصلاة بعدها من قبيل ذكر الخاص بعد العام لشرفه .


على أن الظاهر أن الآيات مكية و لم يشرع يومئذ أمثال الزكاة و الخمس و الصوم و الجهاد ، و في قوله : « و الذين استجابوا لربهم» من الإشارة إلى الإجمال الأعمال الصالحة المشرعة نظير ما تقدم في قوله : « و الذين يجتنبون» إلخ ، و نظير الكلام جار في الآيات التالية .


و قوله : « و أمرهم شورى بينهم» قال الراغب : و التشاور و المشاورة و المشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم : شرت العسل إذا أخذته من موضعه و استخرجته منه ، قال تعالى : « و شاورهم في الأمر» و الشورى الأمر الذي يتشاور فيه ، قال تعالى : « و أمرهم شورى بينهم» انتهى .


فالمعنى : الأمر الذي يعزمون عليه شورى بينهم يتشاورون فيه ، و يظهر من بعضهم أنه مصدر ، و المعنى : و شأنهم المشاورة بينهم .


و كيف كان ففيه إشارة إلى أنهم أهل الرشد و إصابة الواقع يمعنون في استخراج صواب الرأي بمراجعة العقول فالآية قريبة المعنى من قول الله تعالى : « الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» : الزمر : 18 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :64


و قوله : « و مما رزقناهم ينفقون» إشارة إلى بذل المال لمرضاة الله .


قوله تعالى : « و الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون» قال الراغب : الانتصار و الاستنصار طلب النصرة .


انتهى .


فالمعنى : الذين إذا أصاب الظلم بعضهم طلب النصرة من الآخرين وإذا كانوا متفقين على الحق كنفس واحدة فكان الظلم أصاب جميعهم فطلبوا المقاومة قباله و أعدوا عليه النصرة .


و عن بعضهم أن الانتصار بمعنى التناصر نظير اختصم و تخاصم و استبق و تسابق و المعنى عليه ظاهر .


و كيف كان فالمراد مقاومتهم لرفع الظلم فلا ينافي المغفرة عند الغضب المذكورة في جملة صفاتهم فإن المقاومة دون الظلم و سد بابه عن المجتمع لمن استطاعه و الانتصار و التناصر لأجله من الواجبات الفطرية ، قال تعالى : « و إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر» : الأنفال : 72 ، و قال : « فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمرالله» : الحجرات : 9 .


قوله تعالى : « و جزاء سيئة سيئة مثلها» إلى آخر الآية بيان لما جعل للمنتصر في انتصاره و هو أن يقابل الباغي بما يماثل فعله و ليس بظلم و بغي .


قيل : و سمي الثانية و هي ما يأتي بها المنتصر سيئة لأنها في مقابلة الأولى كما قال تعالى : « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» : البقرة : 194 ، و قال الزمخشري : كلتا الفعلتين : الأولى و جزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به ففيه رعاية لحقيقة معنى اللفظ و إشارة إلى أن مجازاة السيئة بمثلها إنما تحمد بشرط المماثلة من غير زيادة .


و قوله : « فمن عفا و أصلح فأجره على الله» وعد جميل على العفو و الإصلاح ، و الظاهر أن المراد بالإصلاح إصلاحه أمره فيما بينه و بين ربه ، و قيل : المراد إصلاحه ما بينه و بين ظالمه بالعفو و الإغضاء .


و قوله : « إنه لا يحب الظالمين» قيل : فيه بيان أنه تعالى لم يرغب المظلوم في العفو عن الظالم لميله إلى الظالم أو لحبه إياه و لكن ليعرض المظلوم بذلك لجزيل الثواب ، و لحبه تعالى الإحسان و الفضل .


و قيل : المراد أنه لا يحب الظالم في قصاص و غيره بتعديه عما هو له إلى ما ليس هو له .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :65


و الوجهان و إن كانا حسنين في نفسهما لكن سياق الآية لا يساعد عليهما و خاصة مع حيلولة قوله : « فمن عفا و أصلح فأجره على الله» بين التعليل و المعلل .


و يمكن أيضا أن يكون قوله : « إنه لا يحب الظالمين» تعليلا لأصل كون جزاء السيئة سيئة من غير نظر إلى المماثلة و المساواة .


قوله تعالى : « و لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل - إلى قوله - من عزم الأمور» ضمير « ظلمه» راجع إلى المظلوم .


و الإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله .


الآيات الثلاث تبيين و رفع لبس من قوله في الآية السابقة : « فمنعفا و أصلح فأجره على الله» فمن الجائز أن يتوهم المظلوم أن في ذلك إلغاء لحق انتصاره فبين سبحانه بقوله أولا : « و لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل» أن لا سبيل على المظلومين و لا مجوز لإبطال حقهم في الشرع الإلهي ، و إرجاع ضمير الإفراد إلى الموصول أولا باعتبار لفظه ، و ضمير الجمع ثانيا باعتبار معناه .


و بين بقوله ثانيا : « إنما السبيل على الذين يظلمون الناس و يبغون في الأرض بغير الحق» إن السبيل كله على الظالمين في الانتقام منهم للمظلومين ، و أكد ذلك ذيلا بقوله : « أولئك لهم عذاب أليم» .


و بينبقوله ثالثا : « و لمن صبر و غفر إن ذلك لمن عزم الأمور» إن الدعوة إلى الصبر و العفو ليست إبطالا لحق الانتصار و إنما هي إرشاد إلى فضيلة هي من أعظم الفضائل فإن في المغفرة الصبر الذي هو من عزم الأمور ، و قد أكد الكلام بلام القسم أولا و باللام في خبر إن ثانيا لإفادة العناية بمضمونه .


قوله تعالى : « و من يضلل الله فما له من ولي من بعده» إلخ ، لما ذكر المؤمنين بأوصافهم و أن لهم عند الله رزقهم المدخر لهم و فيه سعادة عقباهم التي هداهم الله إليها التفت إلى غيرهم و هم الظالمون الآيسون من تلك الهداية الموصلة إلى السعادة المحرومون من هذا الرزق الكريم فبين أن الله سبحانه أضلهم لكفرهم و تكذيبهم فلا ينتهون إلى ما عنده من الرزق و لا يسعدهم به و ليس لهم من دونه من ولي حتى يتولى أمرهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :66


و يرزقهم ما حرمهم الله من الرزق ، فهم صفر الأكف يتمنون عند مشاهدة العذاب الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا فيكونوا أمثال المؤمنين .


فقوله : « و من يضلل الله» إلخ ، من قبيل وضع السبب و هو إضلال الله لهم و عدم ولي آخر يتولى أمرهم فيهديهم و يرزقهم موضع المسبب و هو الهداية و الرزق .


و قوله : « و ترىالظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل» إشارة إلى تمنيهم الرجوع إلى الدنيا بعد اليأس عن السعادة و مشاهدة العذاب .


و « ترى» خطاب عام وجه إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بما أنه راء و معناه و ترى و يرى كل من هو راء ، و فيه إشارة إلى أنهم يتمنون ذلك على رءوس الأشهاد ، و المرد هو الرد .


قوله تعالى : « و تراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي» ضمير « عليها» للنار للدلالة المقام عليها و خفي الطرف ضعيفه و إنما ينظر من طرف خفي .


إلى المكاره المهولة من ابتلي بها فهو لا يريد أن ينصرف فيغفل عنها و لا يجترى‏ء أن يمتلى‏ء بها بصره كالمبصور ينظر إلى السيف ، و الباقي ظاهر .


و قوله : « و قال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم و أهليهم يوم القيامة» أي إن الخاسرين كل الخسران و بحقيقته هم الذين خسروا أنفهسم بحرمانها عن النجاة و أهليهم بعدم الانتفاع بهم يوم القيامة .


و قيل أهلوهم أزواجهم من الحور و خدمهم في الجنة لو آمنوا و لا يخلو من وجه نظرا إلى آيات وراثة الجنة .


و هذا القول المنسوب إلى المؤمنين إنما يقولونه يوم القيامة - و التعبير بلفظ الماضي لتحقق الوقوع - لا في الدنياكما يظهر من بعضهم فليس لاستناده تعالى إلى مقالة المؤمنين في الدنيا وجه في مثل المقام ، و ليس القائلون به جميع المؤمنين كائنين من كانوا و إنما هم الكاملون منهم المأذون لهم في الكلام الناطقون بالصواب محضا كأصحاب الأعراف و شهداء الأعمال قال تعالى : « يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه» : هود : 105 .


و قال : « لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا» : النبأ : 38 .


فلا يصغى إلى ما قيل : إن القول المذكور إنما نسب إلى المؤمنين للدلالة على ابتهاجهم بما رزقوا يومئذ من الكرامة و نجوا من الخسران و إلا فالقول قول كل من يتأتى منه القول من أهل الجمع كما أن الرؤية المذكورة قبله رؤية كل من تتأتى منه الرؤية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :67


و قوله : « ألا إن الظالمين في عذاب مقيم» تسجيل عليهم بالعذاب و أنه دائم غير منقطع ، و جوز أن يكون من تمام كلام المؤمنين .


قوله تعالى : « و ما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله» إلخ ، هذا التعبير أعني قوله : « و ما كان لهم» إلخ ، دون أن يقال : و ما لهم من ولي كما قيل أولا للدلالة على ظهور بطلان دعواهم ولاية أوليائهم في الدنيا و أن ذلك كان باطلا من أول الأمر .


و قوله : « و من يضلل الله فما له من سبيل» صالح لتعليل صدر الآية و هو كالنتيجة لجميع ما تقدم من الكلام في حال الظالمين في عقباهم ، و نوع انعطاف إلى ما سبق من حديث تشريع الشريعة و السبيل بالوحي .


فهو كناية عن أنه لا سبيل إلى السعادة إلا سبيل الله الذي شرعه لعباده من طريق الوحي و الرسالة فمن أضله عن سبيله لكفره و تكذيبه بسبيله فلا سبيل له يهتدي به إلى سعادة العقبى و التخلص من العذاب و الهلاك .


قوله تعالى : « استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ و ما لكم من نكير» دعوة و إنذار بيوم القيامة المذكور في الآيات السابقة على ما يعطيه السياق ، و قول بعضهم : إن المراد باليوم يوم الموت غير وجيه .


و في قوله : « لا مرد له من الله» « لا» لنفي الجنس و « مرد» اسمه و « له» خبره و « من الله» حال من « مرد» و المعنى ، يوم لا رد له من قبل الله أي أنه مقضي محتوم لا يرده الله البتة فهو في معنى ما تكرر في كلامه تعالى من وصف يوم القيامة بأنه لا ريب فيه .


و قد ذكروا للجملة أعني قوله : « يوم لا مرد له من الله» وجوها أخر من الإعراب لا جدوى في نقلها .


و قوله : « ما لكم من ملجإ يومئذ و ما لكم من نكير» الملجأ الملاذ الذي يلتجأ إليه و النكير - كما قيل - مصدر بمعنى الإنكار ، و المعنى : ما لكم من ملاذ تلتجئون إليه من الله و ما لكم من إنكار لما صدر منكم لظهور الأمر من كل جهة .


قوله تعالى : « فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ» عدول من خطابهم إلى خطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لإعلام أن ما حمله من الأمر إنما هو التبليغ


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :68


لا أزيد من ذلك فقد أرسل مبلغا لدين الله إن عليه إلا البلاغ و لم يرسل حفيظا عليهم مسئولا عن إيمانهم وطاعتهم حتى يمنعهم عن الإعراض و يتعب نفسه لإقبالهم عليه .


قوله تعالى : « و إنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور» الفرح بالرحمة كناية عن الاشتغال بالنعمة و نسيان المنعم ، و المراد بالسيئة المصيبة التي تسوء الإنسان إذا أصابته ، و قوله : « فإن الإنسان كفور» من وضع الظاهر موضع الضمير ، و النكتة فيه تسجيل الذم و اللوم عليه بذكره باسمه .


و في الآية استشعار بإعراضهم و توبيخهم بعنوان الإنسان المشتغل بالدنيا فإنه بطبعه حليف الغفلة إن ذكر بنعمة يؤتاها صرفه الفرح بها عن ذكر الله ، و إن ذكر بسيئة تصيبه بما قدمت يداه شغله الكفران عن ذكر ربه فهو في غفلة عن ذكر ربه في نعمة كانت أو في نقمة فكاد أن لا تنجح فيه دعوة و لا تنفع فيه موعظة .


قوله تعالى : « لله ملك السماوات و الأرض يخلق ما يشاء» إلى آخر الآيتين ، للآيتين نوع اتصال بما تقدم من حديث الرزق لما أن الأولاد المذكورين فيهما من قبيل الرزق .


و قيل : إنهما متصلتان بالآية السابقة حيث ذكر فيها إذاقة الرحمة و إصابة السيئة و إن الإنسان يفرح بالرحمة و يكفر في السيئة فذكر تعالى في هاتين الآيتين أن ملك السماوات و الأرض لله سبحانه يخلق ما يشاء فليس لمن يذوق رحمته أن يفرح بها و يشتغل به و لا لمن أصابته السيئة أن يكفر و يعترض بل له الخلق و الأمر فعلى المرحوم أن يشكر و على المصاب أن يرجع إليه .


و يبعده أنه تعالى لم ينسب السيئة في الآية السابقة إلى نفسه بل إلى تقديم أيديهم فلا يناسبه نسبة القسمين جميعا في هذه الآية إلى مشيته و دعوتهم إلى التسليم لها .


و كيف كان فقوله : « لله ملك السماوات و الأرض يخلق ما يشاء» فيه قصر الملك و السلطنة فيه تعالى على جميع العالم و أن الخلق منوط بمشيته من غير أن يكون هناك أمر يوجب عليه المشية أو يضطره على الخلق .


و قوله : « يهب لمن يشاء إناثا و يهب لمن يشاء الذكور» الإناث جمع أنثى و الذكور و الذكران جمعا ذكر ، و ظاهر التقابل أن المراد هبة الإناث فقط لمن يشاء و هبة الذكور


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :69


فقط لمن يشاء و لذلك كررت المشية ، قيل : وجه تعريف الذكور أنهم المطلوبون لهم المعهودون في أذهانهم و خاصة العرب .


و قوله : « أو يزوجهم ذكرانا و إناثا» أي يجمع بينهم حال كونهم ذكرانا و إناثا معا فالتزويج في اللغة الجمع ، و قوله : « و يجعل من يشاء عقيما» أي لا يلد و لا يولد له ، و لما كان هذا أيضا قسما برأسه قيده بالمشية كالقسمين الأولين ، و أما قسم الجمع بين الذكران و الإناث فإنه بالحقيقة جمع بين القسمين الأولين فاكتفى بما ذكر من المشية فيهما .


و قوله : « إنه عليم قدير» تعليل لما تقدم أي أنه عليم لا يزيد ما يزيد لجهل قدير لا ينقص ما ينقص عن عجز .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج الحاكم و صححه و البيهقي عن علي قال : إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب الصفة : « و لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض» و ذلك أنهم قالوا : لو أن لنا فتمنوا الدنيا .


أقول : و الآية على هذا مدنية لكن الرواية أشبه بالتطبيق منها بسبب النزول .


و في تفسير القمي ، : قوله : « و لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض» : قال الصادق (عليه‏السلام‏) : لو فعل لفعلوا و لكن جعلهم محتاجين بعضهم إلى بعض و استعبدهم بذلك و لو جعلهم أغنياء لبغوا « و لكن ينزل بقدر ما يشاء» مما يعلم أنه يصلحهم في دينهم و دنياهم « إنه بعباده خبير بصير» .


و في المجمع ، روى أنس عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن جبرئيل عن الله جل ذكره : أن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم و لو صححته لأفسده ، و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة و لو أسقمته لأفسده ، و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى و لو أفقرته لأفسده ، و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر و لو أغنيته لأفسده ، و ذلك أني أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم .


و في تفسير القمي ، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عن أبي حمزة


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :70


عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) قال : إني سمعته يقول : إني أحدثكم بحديث ينبغي لكل مسلم أن يعيه . ثم أقبل علينا فقال : ما عاقب الله عبدا مؤمنا في هذه الدنيا إلا كان الله أحكم و أجود و أمجد من أن يعود في عقابه يوم القيامة . ثم قال : و قد يبتلي الله عز و جل المؤمن بالبلية في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله ثم تلا هذه الآية : « و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم - و يعفوا عن كثير» و حثا بيده ثلاث مرات .


و في الكافي ، بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : أما أنه ليس من عرق يضرب و لا نكبة و لا صداع و لا مرض إلا بذنب و ذلك قول الله عز و جل في كتابه : « و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفوا عن كثير» قال : ثم قال : و ما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به .


أقول : و روي هذا المعنى بطريقآخر عن مسمع عنه (عليه‏السلام‏) ، و روي مثله في الدر المنثور ، عن الحسن عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لفظه : لما نزلت هذه الآية « و ما أصابكم من مصيبة - فبما كسبت أيديكم» قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : و الذي نفسي بيده ما من خدش عود و لا اختلاج عرق و لا نكبة حجر و لا عثرة قدم إلا بذنب ، و ما يعفو الله عنه أكثر .


و في الكافي ، أيضا بإسناده عن علي بن رئاب قال : سألت أبا عبد الله عن قول الله عز و جل : « و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم» أ رأيت ما أصاب عليا و أهل بيته (عليهم‏السلام‏) من بعده أ هو بما كسبت أيديهم و هم أهل بيت طهارة معصومون ؟ فقال : إن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يتوب إلى الله و يستغفر في كل يوم و ليلة مائة مرة من غير ذنب إن الله يخص أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها .


و في المجمع ، روي عن علي (عليه‏السلام‏) أنه قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : خير آية في كتاب الله هذه الآية . يا على ما من خدش عود و لا نكبة قدم إلا بذنب ، و ما عفا إله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه ، و ما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده : . أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن عدة من أرباب الجوامع عن علي (عليه‏السلام‏) عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و فحوى الرواية أن قوله تعالى : « و ما أصابكم» الآية خاص بالمؤمنين و الخطاب


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :71


لهم و أن مفاده غفران ذنوبهم كافة فلا يعاقبون عليها في برزخ و لا قيامة لأن الآية تقصر الذنوب في مأخوذ به بإصابة المصيبة و معفو عنه و مفاد الرواية نفي المؤاخذة بعد المؤاخذة و نفي المؤاخذة بعد العفو .


فيشكل الأمر أولا : من جهة ما عرفت أن الآية في سياق يفيد عموم الخطاب للمؤمن و الكافر .


و ثانيا : من جهة معارضة الرواية لما ورد في أخبار متكاثرة لعلها تبلغ حد التواتر المعنوي من أن من المؤمنين من يعذب في قبره أو في الآخرة .


و ثالثا : من جهة مخالفة الرواية لظواهر ما دلت من الآيات على أن موطن جزاء الأعمال هي الدار الآخرة كقوله تعالى : « و لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة و لكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون» : النحل : 61 ، و غيره من الآيات الدالة على أن كل مظلمة و معصية مأخوذ بها و أن موطن الأخذ هو ما بعد الموت و في القيامة إلا ما غفرت بالتوبة أو تذهب بحسنة أو بشفاعة في الآخرة أو نحو ذلك .


على أن الآية أعني قوله : « و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفوا عن كثير» - كما تقدمت الإشارة إليه - غير ظاهرة في كون أصابة المصيبة جزاء للعمل و لا في كون العفو بمعنى إبطال الجزاء و إنما هو الأثر الدنيوي للسيئة يصيب مرة و يمحى أخرى .


فالحري أن تحمل الرواية - لو قبلت - على الأخذ بحسن الظن بالله سبحانه .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و أمرهم شورى بينهم» : و قد روي عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنه قال : ما من رجل يشاور أحدا إلا هدي إلى الرشد .


و في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قوله عز و جل : « يهب لمن يشاء إناثا» يعني ليس معهن ذكور « و يهب لمن يشاء الذكور» يعني ليس معهم أنثى « أو يزوجهم ذكرانا و إناثا» أي يهب لمن يشاء ذكرانا و إناثا جميعا يجمع له البنين و البنات أي يهبهم جميعا لواحد .


و في التهذيب ، بإسناده عن الحسين بن علوان عن زيد بن علي عن آبائه عن علي


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :72


(عليه‏السلام‏) قال : أتى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) رجل فقال : يا رسول الله إن أبي عمد إلى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضرة لي فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أنت و مالك من هبة الله لأبيك أنت سهم من كنانته « يهب لمن يشاء إناثا و يهب لمن يشاء الذكور - أو يزوجهم ذكرانا و إناثا و يجعل من يشاء عقيما» جازت عتاقة أبيك يتناول والدك من مالك و بدنك و ليس لك أن تتناول من ماله و لا من بدنه شيئا إلا بإذنه .


أقول : و هذا المعنى مروي عن الرضا (عليه‏السلام‏) في جواب مسائل محمد بن سنان في العلل و مروي من طرق أهل السنة عن عائشة عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


وَ مَا كانَ لِبَشرٍ أَن يُكلِّمَهُاللَّهُ إِلا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاى حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُإِنَّهُ عَلىٌّ حَكيمٌ‏(51) وَ كَذَلِك أَوْحَيْنَا إِلَيْك رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَامَا كُنت تَدْرِى مَا الْكِتَب وَ لا الايمَنُ وَ لَكِن جَعَلْنَهُ نُوراً نهْدِى بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَاوَ إِنَّك لَتهْدِى إِلى صِرَطٍ مُّستَقِيمٍ‏(52) صِرَطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِأَلا إِلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ(53)


بيان


تتضمن الآيات آخر ما يفيده سبحانه في تعريف الوحي في هذهالسورة و هو تقسيمه إلى ثلاثة أقسام : وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ثم يذكر أنه يوحي إليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما يوحي ، على هذه الوتيرة و أن ما أوحي إليه منه تعالى لم يكن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يعلم ذلك من نفسه بل هو نور يهدي به الله من يشاء من عباده و يهدي به النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بإذنه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :73


قوله تعالى : « و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء» إلخ ، قد تقدم البحث عن معنى كلامه تعالى في الجزء الثاني من الكتاب ، و إطلاق الكلام على كلامه تعالى و التكليم على فعله الخاص سواء كان إطلاقا حقيقيا أو مجازيا واقع في كلامه تعالى قال : « يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي و بكلامي» : الأعراف : 144 و قال : « و كلم الله موسى تكليما» : النساء : 164 ، و من مصاديق كلامه ما يتلقاه الأنبياء (عليهم‏السلام‏) منه تعالى بالوحي .


و على هذا لا موجب لعد الاستثناء في قوله : « إلا وحيا» منقطعا بل الوحي و القسمان المذكوران بعده من تكليمه تعالى للبشر سواء كان إطلاق التكليم عليها إطلاقا حقيقيا أو مجازيا فكل واحد من الوحي و ما كان من وراء حجاب و ما كان بإرسال رسول نوع من تكليمه للبشر .


فقوله : « وحيا» - و الوحي الإشارة السريعة على ما ذكره الراغب - مفعول مطلق نوعي و كذا المعطوفان عليه في معنى المصدر النوعي ، و المعنى : ما كان لبشر أن يكلمه الله نوعا من أنواع التكليم إلا هذه الأنواع الثلاثة أن يوحي وحيا أو يكون من وراء حجاب أو أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء .


ثم إن ظاهر الترديد في الآية بأو هو التقسيم على مغايرة بين الأقسام و قد قيد القسمان الأخيران بقيد كالحجاب ، و الرسول الذي يوحي إلى النبي و لم يقيد القسم الأول بشي‏ء فظاهر المقابلة يفيد أن المراد به التكليم الخفي من دون أن يتوسط واسطة بينة تعالى و بين النبي أصلا ، و أما القسمان الآخران ففيهما قيد زائد و هو الحجاب أو الرسول الموحي و كل منهما واسطة غير أن الفارق أن الواسطة الذي هو الرسول يوحي إلى النبي بنفسه و الحجاب واسطة ليس بموح و إنما الوحي من ورائه .


فتحصل أن القسم الثالث « أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء» وحي بتوسط الرسول الذي هو ملك الوحي فيوحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله سبحانه قال تعالى : « نزل به الروح الأمين على قلبك» : الشعراء : 194 ، و قال : « قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله» : البقرة : 97 ، و الموحي مع ذلك هو الله سبحانه كما قال : « بما أوحينا إليك هذا القرآن» : يوسف : 3 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :74


و أما قول بعضهم : إن المراد بالرسول في قوله : « أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء» هو النبي يبلغ الناس الوحي فلا يلائمه قوله : « يوحي» إذ لا يطلق الوحي على تبليغ النبي .


و إن القسم الثاني « أو من وراء حجاب» وحي مع واسطة هو الحجاب غير أن الواسطة لا يوحي كما في القسم الثالث و إنما يبتدى‏ء الوحي مما وراءه لمكان من ، و ليس وراء بمعنى خلف و إنما هو الخارج عن الشي‏ء المحيط به ، قال تعالى : « و الله من ورائهم محيط» : البروج : 20 ، و هذا كتكليم موسى (عليه‏السلام‏) في الطور ، قال تعالى : « فلما أتاها نودي من شاطى‏ء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة» : القصص : 30 ، و من هذا الباب ما أوحي إلى الأنبياء في مناماتهم .


و إن القسم الأول تكليم إلهي للنبي من غير واسطة بينة و بين ربه من رسول أو أي حجاب مفروض .


و لما كان للوحي في جميع هذه الأقسام نسبة إليه تعالى على اختلافهاصح إسناد مطلق الوحي إليه بأي قسم من الأقسام تحقق و بهذه العناية أسند جميع الوحي إليه في كلامه كما قال : « إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده» : النساء : 163 .


و قال : « و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم» : النحل : 43 .


هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة ، و للمفسرين فيها أبحاث طويلة الذيل و مشاجرات أضربنا عن الاشتغال بها من أرادها فليراجع المفصلات .


و قوله : « إنه علي حكيم» تعليل لمضمون الآية فهو تعالى لعلوه عن الخلق و النظام الحاكم فيهم يجل أن يكلمهم كما يكلم بعضهم بعضا، و لعلوه و حكمته يكلمهم بما اختار من الوحي و ذلك أن هداية كل نوع إلى سعادته من شأنه تعالى كما قال : « الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى» : طه : 50 ، و قال : « و على الله قصد السبيل» : النحل : 9 ، و سعادة الإنسان الذي يسلك سبيل سعادته بالشعور و العلم في إعلام سعادته و الدلالة إلى سنة الحياة التي تنتهي إليها و لا يكفي في ذلك العقل الذي من شأنه الإخطاء و الإصابة فاختار سبحانه لذلك طريق الوحي الذي لا يخطى‏ء البتة ، و قد فصلنا القول في هذه الحجة في موارد من هذا الكتاب .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :75


قوله تعالى : « و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان» إلخ ، ظاهر السياق كون « كذلك» إشارة إلى ما ذكر في الآية السابقة من الوحي بأقسامه الثلاث ، و يؤيده الروايات الكثيرة الدالة على أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كما كان يوحى إليه بتوسط جبريل و هو القسم الثالث كان يوحى إليه في المنام و هو من القسم الثاني و يوحى إليه من دون توسط واسطة و هو القسم الأول .


و قيل : الإشارة إلى مطلق الوحي النازل على الأنبياء و هذا متعين على تقدير كون المراد بالروح هو جبريل أو الروح الأمري كماسيأتي .


و المراد بإيحاء الروح - على ما قيل - إيحاء القرآن و أيد بقوله : « و لكن جعلناه نورا» إلخ ، و من هنا قيل : إن المراد بالروح القرآن .


لكن يبقى عليه أولا : أنه لا ريب أن الكلام مسوق لبيان أن ما عندك من المعارف و الشرائع التي تتلبس بها و تدعو الناس إليها ليس مما أدركته بنفسك و أبديته بعلمك بل أمر من عندنا منزل إليك بوحينا ، و على هذا فلو كان المراد بالروح الموحي القرآن كان من الواجب الاقتصار على الكتاب في قوله : « ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان» لأن المراد بالكتاب القرآن فيكون الإيمان زائدا مستغنى عنه .


و ثانيا : أن القرآن و إن أمكن أن يسمى روحا باعتبار إحيائه القلوب بهداه كما قال تعالى : « إذا دعاكم لما يحييكم» : الأنفال : 24 ، و قال : « أ و من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس» : الأنعام : 122 ، لكن لا وجه لتقيده حينئذ بقوله : « من أمرنا» و الظاهر من كلامه تعالى أن الروح من أمره خلق من العالم العلوي يصاحب الملائكة في نزولهم ، قال تعالى : « تنزل الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم من كل أمر» : القدر : 4 ، و قال : « يوم يقوم الروح و الملائكة صفا» : النبأ : 38 ، و قال : « قل الروح من أمر ربي» : إسراء : 85 ، و قال : « و أيدناه بروح القدس» : البقرة : 87 ، و قد سمي جبريل الروح الأمين و روح القدس حيث قال : « نزل به الروح الأمين» : الشعراء : 193 ، و قال : « قل نزله روح القدس من ربك» : النحل : 102 .


و يمكن أن يجاب عن الأول بأن مقتضى المقام و إن كان هو الاقتصار على ذكر


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :76


الكتاب فقط لكن لما كان إيمانه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بتفاصيل ما في الكتاب من المعارف و الشرائع من لوازم نزول الكتاب غير المنفكة عنه و آثاره الحسنة صح أن يذكر مع الكتاب فالمعنى : و كذلك أوحينا إليك كتابا ما كنت تدري ما الكتاب و لا ما تجده في نفسك من أثره الحسن الجميل و هو إيمانك به .


و عن الثاني أن المعهود من كلامه في معنى الروح و إن كان ذلك لكن حمل الروح في الآية على ذلك المعنى و إرادة الروح الأمري أو جبريل منه يوجب أخذ « أوحينا» بمعنى أرسلنا إذ لا يقال : أوحينا الروح الأمري أو الملك فلا مفر من كون الإيحاء بمعنى الإرسال و هو كما ترى فأخذ الروح بمعنى القرآن أهون من أخذ الإيحاء بمعنى الإرسال و الجوابان لا يخلوان عن شي‏ء .


و قيل : المراد بالروح جبريل فإن الله سماه في كتابه روحا قال : « نزل به الروح الأمين على قلبك» : الشعراء : 194 و قال : « قل نزله روح القدس من ربك» .


و قيل : المراد بالروح الروح الأمري الذي ينزل مع ملائكة الوحي على الأنبياء كما قال تعالى : « ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا» : النحل : 2 ، فالمراد بإيحائه إليه إنزاله عليه .


و يمكن أن يوجه التعبير عن الإنزال بالإيحاء بأن أمره تعالى على ما يعرفه في قوله : « إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن» : يس : 82 ، هو كلمته ، و الروح من أمره كما قال : « قل الروح من أمر ربي» : إسراء : 85 ، فهو كلمته ، و هو يصدق ذلك قوله في عيسى بن مريم (عليهماالسلام‏) : « إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه» : النساء : 171 ، و إنزال الكلمة تكليم فلا ضير في التعبير عن إنزال الروح بإيحائه ، و الأنبياء مؤيدون بالروح في أعمالهم كما أنهم يوحى إليهم الشرائع به قال تعالى : « و أيدناه بروح القدس» و قد تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله تعالى : « و أوحينا إليهم فعل الخيرات و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة» : الأنبياء : 73 .


و يمكن رفع إشكال كون الإيحاء بمعنى الإنزال و الإرسال بالقول بكون قوله : « روحا» منصوبا بنزع الخافض و رجوع ضمير « جعلناه» إلى القرآن المعلوم من السياق أو الكتاب و المعنى و كذلك أوحينا إليك القرآن بروح منا ما كنت تدري ما الكتاب


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :77


و ما الإيمان و لكن جعلنا القرآن أو الكتاب نورا إلخ ، هذا و ما أذكر أحدا من المفسرين قال به .


و قوله : « ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان» قد تقدم أن الآية مسوقة لبيان أن ما عنده (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الذي يدعو إليه إنما هو من عند الله سبحانه لا من قبل نفسه و إنما أوتي ما أوتي من ذلك بالوحي بعد النبوة فالمراد بعدم درايته بالكتاب عدم علمه بما فيه من تفاصيل المعارف الاعتقادية و الشرائع العملية فإن ذلك هو الذي أوتي العلم به بعد النبوة و الوحي ، و بعدم درايته بالإيمان عدم تلبسه بالالتزام التفصيلي بالعقائد الحقة و الأعمال الصالحة و قد سمي العمل إيمانا في قوله : « و ما كان الله ليضيع إيمانكم : البقرة : 143 .


فالمعنى : ما كان عندك قبل وحي الروح الكتاب بما فيه من المعارف و الشرائع و لا كنت متلبسا بما أنت متلبس به بعد الوحي من الالتزام الاعتقادي و العملي بمضامينه و هذا لا ينافي كونه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مؤمنا بالله موحدا قبل البعثة صالحا في عمله فإن الذي تنفيه الآية هو العلم بتفاصيل ما في الكتاب و الالتزام بها اعتقادا و عملا و نفي العلم و الالتزام التفصيليين لا يلازم نفي العلم و الالتزام الإجماليين بالإيمان بالله و الخضوع للحق .


و بذلك يندفع ما استدل بعضهم بالآية على أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان غير متلبس بالإيمان قبل بعثته .


و يندفع أيضا ما عن بعضهم أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لم يزل كاملا في نفسه علما و عملا و هو ينافي ظاهر الآية أنه ما كان يدري ما الكتاب و لا الإيمان .


و وجه الاندفاع أن من الضروري وجود فرق في حاله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قبل النبوة و بعدها و الآية تشير إلى هذا الفرق ، و أن ما حصل له بعد النبوة لا صنع له فيه و إنما هو من الله من طريق الوحي .


و قوله : « و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا» ضمير « جعلناه» للروح و المراد بقوله : « من نشاء» على تقدير أن يراد بالروح القرآن هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و من آمن به فإنهم جميعا مهتدون بالقرآن .


و على تقدير أن يراد به الروح الأمري فالمراد بمن نشاء جميع الأنبياء و من آمن بهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :78


من أممهم فإنه يهدي بالوحي الذي نزل به ، الأنبياء و المؤمنين من أممهم و يسدد الأنبياء خاصة و يهديهم إلى الأعمال الصالحة و يشير عليهم بها .


و على هذا تكون الآية في مقام تصديق النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تصدقه في دعواه أن كتابه من عند الله بوحي منه ، و تصدقه في دعواه أنه مؤمن بما يدعو إليه فيكون في معنى قوله تعالى : « إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم» : يس : 5 .


و قوله : « و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم» إشارة إلى أن الذي يهدي إليه صراط مستقيمو أن الذي يهديه من الناس هو الذي يهديه الله سبحانه ، فهدايته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) هداية الله .


قوله تعالى : « صراط الله الذي له ما في السماوات و ما في الأرض» إلخ ، بيان للصراط المستقيم الذي يهدي إليه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و توصيفه تعالى بقوله : « الذي له ما في السماوات و ما في الأرض» للدلالة على الحجة على استقامة صراطه فإنه تعالى لما ملك كل شي‏ء ملك الغاية التي تسير إليها الأشياء و السعادة التي تتوجه إليها ، فكانت الغاية و السعادة هي التي عينها ، و كان الطريق إليها و السبيل الذي عليهم أن يسلكوه لنيل سعادتهم هو الذي شرعه و بينه ، و ليس يملك أحد شيئا حتى ينصب له غاية و نهاية أو يشرع له إليها سبيلا ، فالسعادة التي يدعو سبحانه إليها حق السعادة و الطريق الذي يدعو إليه حق الطريق و مستقيم الصراط .


و قوله : « ألا إلى الله تصير الأمور» تنبيه على لازم ملكه لما في السماوات و ما في الأرض فإن لازمه رجوع أمورهم إليه و لازمه كون السبيل الذي يسلكونه - و هو من جملة أمورهم - راجعا إليه فالصراط المستقيم هو صراطه فالمضارع أعني قوله : « تصير» للاستمرار .


و فيه إشعار بلم الوحي و التكليم الإلهي ، إذ لما كان مصير الأشياء إليه تعالى كان لكل نوع إليه تعالى سبيل يسلكه و كان عليه تعالى أن يهديه إليه و يسوقه إلى غايته كما قال : « و على الله قصد السبيل» : النحل : 9 ، و هو تكليم كل نوع بما يناسب ذاته و هو في الإنسان التكليم المسمى بالوحي و الإرسال .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :79


و قيل : المضارع للاستقبال و المراد مصيرها جميعا إليه يوم القيامة ، و قد سيقت الجملة لوعد المهتدين إلى الصراط المستقيم و وعيد الضالين عنه ، و أول الوجهين أظهر .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج البخاري و مسلم و البيهقي عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كيف يأتيك الوحي ؟ قال : أحيانا يأتيني الملك في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني و قد وعيت عنه ما قال و هو أشده علي ، و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول : قالت عائشة : و لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم و إن جبينه ليتفصد عرقا .


و في التوحيد ، بإسناده عن زرارة قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذا نزل عليه الوحي ؟ قال : فقال : ذلك إذا لم يكن بينه و بين الله أحد ذاك إذا تجلى الله له . قال : ثم قال : تلك النبوة يا زرارة و أقبل يتخشع .


و في العلل ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : كان جبرئيل إذا أتى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قعد بين يديه قعدة العبد ، و كان لا يدخل حتى يستأذنه .


و في أمالي الشيخ ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قال بعض أصحابنا : أصلحك الله كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : قال جبرئيل ، و هذا جبرئيل يأمرني ثم يكون في حال أخرى يغمى عليه ، فقال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : أنه إذا كان الوحي من الله إليه ليس بينهما جبرئيل أصابه ذلك لثقل الوحي من الله ، و إذا كان بينهما جبرئيل لم يصبه ذلك فقال : قال لي جبرئيل و هذا جبرئيل .


و في البصائر ، عن علي بن حسان عن ابن بكير عن زرارة قال : سألت أبا جعفر (عليه‏السلام‏) من الرسول ؟ من النبي ؟ من المحدث ؟ فقال : الرسول الذي يأتيه جبرئيل فيكلمه


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :80


قبلا فيراه كما يرى أحدكم صاحبه الذي يكلمه فهذا الرسول ، و النبي الذي يؤتى في النوم نحو رؤيا إبراهيم (عليه‏السلام‏) ، و نحو ما كان يأخذ رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من السبات إذا أتاه جبرئيل في النوم فهكذا النبي ، و منهم من يجمع له الرسالة و النبوة فكان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) رسولا نبيا يأتيه جبرئيل قبلا فيكمله و يراه ، و يأتيه في النوم ، و أما المحدث فهو الذي يسمع كلام الملك فيحدثه من غير أن يراه و من غير أن يأتيه في النوم .


أقول : و في معناه روايات أخر .


و في التوحيد ، بإسناده عن محمد بن مسلم و محمد بن مروان عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : ما علم رسول الله(صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن جبرئيل من قبل الله إلا بالتوفيق .


و في تفسير العياشي ، عن زرارة قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : كيف لم يخف رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيما يأتيه من قبل الله أن يكون ذلك مما ينزغ به الشيطان ؟ قال : فقال : إن الله إذا اتخذ عبدا رسولا أنزل عليه السكينة و الوقار فكان يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله تبارك و تعالى : « و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا - ما كنت تدري ماالكتاب و لا الإيمان» قال : خلق من خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يخبره و يسدده ، و هو مع الأئمة من بعده .


أقول : و في معناها عدة روايات و في بعضها أنه من الملكوت ، قال في روح المعاني ، : و نقل الطبرسي عن أبي جعفر و أبي عبد الله : أن المراد من هذا الروح ملك أعظم من جبرائيل و ميكائيل كان مع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لم يصعد إلى السماء ، و هذا القول في غاية الغرابة و لعله لا يصح عن هذين الإمامين .


انتهى .


و الذي في مجمع البيان ، . عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قالا : و لم يصعد إلى السماء و إنه لفينا . انتهى .


و استغرابه فيما لا دليل له على نفيه غريب .


على أنه يسلم تسديد هذا الروح لبعض الأمة غير النبي كما هو ظاهر لمن راجع قسم الإشارات من تفسيره .


و في النهج ، : و لقد قرن الله به (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم و محاسن أخلاق العالم ليله و نهاره .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :81


و في الدر المنثور ، أخرج أبو نعيم في الدلائل و ابن عساكر عن علي قال : قيل للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : هل عبدت وثنا قط ؟ قال : لا . قالوا : فهل شربت خمرا قط ؟ قال : لا . و ما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر و ما كنت أدري ما الكتاب و ما الإيمان ، و بذلك نزل القرآن « ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان» .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) في حديث ، و قال في نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم» يقول : تدعو .


و في الكافي ، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : سمعته يقول : وقع مصحف في البحر فوجدوه و قد ذهب ما فيه إلا هذه الآية : « ألا إلى الله تصير الأمور» .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :