امروز:
دوشنبه 3 مهر 1396
بازدید :
574
تفسيرالميزان : سوره زخرف آيات 89- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :82


43 سورة الزخرف مكية و هي تسع و ثمانون آية 89


سورة الزخرف‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم‏(1) وَ الْكِتَبِ الْمُبِينِ‏(2) إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَناً عَرَبِيًّا لَّعَلَّكمْ تَعْقِلُونَ‏(3) وَ إِنَّهُ فى أُمّ‏ِ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلىٌّ حَكِيمٌ‏(4) أَ فَنَضرِب عَنكُمُ الذِّكرَ صفْحاً أَن كنتُمْ قَوْماً مُّسرِفِينَ‏(5) وَ كَمْ أَرْسلْنَا مِن نَّبىّ‏ٍ فى الأَوَّلِينَ‏(6) وَ مَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبىٍإِلا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ‏(7) فَأَهْلَكْنَا أَشدَّ مِنهُم بَطشاً وَ مَضى مَثَلُ الأَوَّلِينَ‏(8) وَ لَئن سأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ‏(9) الَّذِى جَعَلَ لَكمُ الأَرْض مَهْداً وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏(10) وَ الَّذِى نَزَّلَ مِنَ السمَاءِ مَاءَ بِقَدَرٍ فَأَنشرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاًكَذَلِك تخْرَجُونَ‏(11) وَ الَّذِى خَلَقَ الأَزْوَجَ كلَّهَا وَ جَعَلَ لَكم مِّنَ الْفُلْكِ وَ الأَنْعَمِ مَا تَرْكَبُونَ‏(12) لِتَستَوُا عَلى ظهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا استَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُوا سبْحَنَ الَّذِى سخَّرَ لَنَا هَذَا وَ مَا كنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ‏(13) وَ إِنَّا إِلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ‏(14)



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :83


بيان


السورة موضوعة للإنذار كما تشهد به فاتحتها و خاتمتها و المقاصد المتخللة بينهما إلا ما في قوله : « إلا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم» إلى تمام ست آيات استطرادية .


تذكر أن السنة الإلهية إنزال الذكر و إرسال الأنبياء و الرسل و لا يصده عن ذلك إسراف الناس في قولهم و فعلهم بل يرسل الأنبياء و الرسل و يهلك المستهزءين بهم و المكذبين لهم ثم يسوقهم إلى نار خالدة .


و قد ذكرت إرسال الأنبياء بالإجمال أولا ثم سمي منهم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى (عليه‏السلام‏) ، و ذكرت من إسراف الكفار أشياء و من عمدتها قولهم بأن لله سبحانه ولدا و أن الملائكة بنات الله ففيها عناية خاصة بنفي الولد عنه تعالى فكررت ذلك و ردته و أوعدتهم بالعذاب ، و فيها حقائق متفرقة أخرى .


و السورة مكية بشهادة مضامين آياتها إلا قوله : « و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا» الآية ، و لم يثبت كما سيأتي إن شاء الله .


قوله تعالى : « و الكتاب المبين» ظاهره أنه قسم و جوابه قوله : « إنا جعلناه قرآنا عربيا» إلى آخر الآيتين ، و كون القرآن مبينا هو إبانته و إظهاره طريق الهدى كما قال تعالى : « و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي‏ء» : النحل : 89 ، أو كونه ظاهرا في نفسه لا يرتاب فيه كما قال : « ذلك الكتاب لا ريب فيه» : البقرة : 2 .


قوله تعالى : « إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون» الضمير للكتاب ، و « قرآنا عربيا» أي مقروا باللغة العربية و « لعلكم تعقلون» غاية الجعل و غرضه .


و جعل رجاء تعقلهغاية للجعل المذكور يشهد بأن له مرحلة من الكينونة و الوجود لا ينالها عقول الناس ، و من شأن العقل أن ينال كل أمر فكري و إن بلغ من اللطافة و الدقة ما بلغ فمفاد الآية أن الكتاب بحسب موطنه الذي له في نفسه أمر وراء الفكر أجنبي عن العقول البشرية و إنما جعله الله قرآنا عربيا و ألبسه هذا اللباس رجاء أن يستأنس به عقول الناس فيعقلوه ، و الرجاء في كلامه تعالى قائم بالمقام أو المخاطب دون المتكلم كما تقدم غير مرة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :84


قوله تعالى : « و إنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم» تأكيد وتبيين لما تدل عليه الآية السابقة أن الكتاب في موطنه الأصلي وراء تعقل العقول .


و الضمير للكتاب ، و المراد بأم الكتاب اللوح المحفوظ كما قال تعالى : « بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ» : البروج : 22 ، و تسميته بأم الكتاب لكونه أصل الكتب السماوية يستنسخ منه غيره ، و التقييد بأم الكتاب و « لدينا» للتوضيح لا للاحتراز ، و المعنى : أنه حال كونه في أم الكتاب لدينا - حالا لازمة - لعلي حكيم ، و سيجي‏ء في أواخر سورة الجاثية كلام في أم الكتاب إن شاء الله .


و المراد بكونه عليا على ما يعطه مفاد الآية السابقة أنه رفيع القدر و المنزلة من أن تناله العقول ، و بكونه حكيما أنه هناك محكم غير مفصل و لا مجزى إلى سور و آيات و جمل و كلمات كما هو كذلك بعد جعله قرآنا عربيا كما استفدناه من قوله تعالى : « كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير» : هود : 1 .


و هذان النعتان أعني كونه عليا حكيما هما الموجبان لكونه وراء العقول البشرية فإن العقل في فكرته لا ينال إلا ما كان من قبيل المفاهيم و الألفاظ أولا و كان مؤلفا من مقدمات تصديقية يترتب بعضها على بعض كما في الآيات و الجمل القرآنية ، و أما إذا كان الأمر وراء المفاهيم و الألفاظ و كان غير متجز إلى أجزاء و فصول فلا طريق للعقل إلى نيله .


فمحصل معنى الآيتين : أن الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ ذو مقام رفيع و أحكام لا تناله العقول لذينك الوصفين و إنما أنزلناه بجعله مقروا عربيا رجاء أن يعقله الناس .


فإن قلت : ظاهر قوله : « لعلكم تعقلون» إمكان تعقل الناس هذا القرآن العربي النازل تعقلا تاما فهذا الذي نقرؤه و نعقله إما أن يكون مطابقا لما في أم الكتاب كل المطابقة أو لا يكون ، و الثاني باطل قطعا كيف ؟ و هو تعالى يقول : « و إنه في أم الكتاب» و « بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ» : البروج : 22 ، و «إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون» : الواقعة : 78 ، فتعين الأول و مع مطابقته لأم الكتاب كل المطابقة ما معنى كون القرآن العربي الذي عندنا معقولا لنا و ما في أم الكتاب عند الله غير معقول لنا .


قلت : يمكن أن تكون النسبة بين ما عندنا و ما في أم الكتاب نسبة المثل و الممثل فالمثل هو الممثل بعينه لكن الممثل له لا يفقه إلا المثل فافهم ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :85


و بما مر يظهر ضعف الوجوه التي أوردوها في تفسير الوصفين كقول بعضهم : إن المراد بكونه عليا أنه عال في بلاغته مبين لما يحتاج إليه الناس ، و قول بعضهم : معناه أنه يعلو كل كتاب بما اختص به من الإعجاز و هو ينسخ الكتب غيره و لا ينسخه كتاب ، و قول بعضهم يعني أنه يعظمه الملائكة و المؤمنون .


و كقول بعضهم في معنى « حكيم» إنه مظهر للحكمة البالغة ، و قول بعضهم معناه أنه لا ينطق إلا بالحكمة و لا يقول إلا الحق و الصواب ، ففي توصيفه بالحكيم تجوز لغرض المبالغة .


و ضعف هذه الوجوه ظاهر بالتدبر في مفاد الآية السابقة و ظهور أن جعله قرآنا عربيا بالنزول عن أم الكتاب .


قوله تعالى : « أ فنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين» الاستفهام للإنكار ، و الفاء للتفريع على ما تقدم ، و ضرب الذكر عنهم صرفه عنهم .


قال في المجمع : ، و أصل ضربت عنه الذكر أن الراكب إذا ركب دابة فأراد أن يصرفه عن جهة ضربه بعصا أو سوط ليعدل به إلى جهة أخرى ثم وضع الضرب موضع الصرف و العدل .


انتهى .


و الصفح بمعنى الإعراض فصفحا مفعول له ، و احتمل أن يكون بمعنى الجانب « و إن كنتم» محذوف الجار و التقدير لأن كنتم و هو متعلق بقوله : « أ فنضرب» .


و المعنى : أ فنصرف عنكم الذكر - و هو الكتاب الذي جعلناه قرآنا لتعقلوه - للإعراض عنكم لكونكم مسرفين أو أ فنصرفه عنكم إلى جانب لكونكم مسرفين أي أنا لا نصرفه عنكم لذلك .


قوله تعالى : « و كم أرسلنا من نبي في الأولين و ما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزءون» « كم» للتكثير ، و الأولون هم الأمم الدارجة و « ما يأتيهم» إلخ ، حال و العامل فيها « أرسلنا» .


و الآيتان و ما يتلوهما في مقام التعليل لعدم صرف الذكر عنهم ببيان أن كونكم قوما مسرفين لا يمنعنا من إجراء سنة الهداية من طريق الوحي فإنا كثيرا ما أرسلنا من نبي في الأمم الماضين و الحال أنه ما يأتيهم من نبي إلا استهزءوا به و انجر الأمر إلى أن أهلكنا من أولئك من هو أشد بطشا منكم .


فكما كانت عاقبة إسرافهم و استهزائهم الهلاك دون الصرف فكذلك عاقبة إسرافكم ففي الآيات الثلاث كما ترى وعد للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و وعيد لقومه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :86


قوله تعالى : « فأهلكنا أشد منهم بطشا و مضى مثل الأولين» قال الراغب ، : البطش تناول الشي‏ء بصولة .


انتهى و في الآية التفات في قوله : « منهم» من الخطاب إلى الغيبة ، و كان الوجه فيه العدول عن خطابهم إلى خطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لعدم اعتبارهم بهذه القصص و العبر و ليكون تمهيدا لقوله بعد : « و مضى مثل الأولين»و يؤيده قوله بعد : « و لئن سألتهم» خطابا للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و معنى قوله : « و مضى مثل الأولين» و مضى في السور النازلة قبل هذه السورة من القرآن وصف الأمم الأولين و أنه كيف حاق بهم ما كانوا به يستهزءون .


قوله تعالى : « و لئن سألتهم من خلق السماوات و الأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم» في الآية و ما يتلوها إلى تمام ست آيات احتجاج على ربوبيته تعالى و توحده فيها مع إشارة ما إلى المعاد و تبكيت لهم على إسرافهم مأخوذ من اعترافهم بأنه تعالى هو خالق الكل ثم الأخذ بجهات من الخلق هي بعينها تدبير لأمور العباد كجعل الأرض لهم مهدا و جعله فيها سبلا و إنزال الأمطار فينتج أنه تعالى وحده مالك مدبر لأمورهم فهو الرب لا رب غيره .


و بذلك تبين أن الآية تقدمة و توطئة لما تتضمنه الآيات التالية من الحجة و قد تقدم في هذا الكتاب مرارا أن الوثنية لا تنكر رجوع الصنع و الإيجاد إليه تعالى وحده و إنما تدعي رجوع أمر التدبير إلى غيره .


قوله تعالى : « الذي جعل لكم الأرض مهدا و جعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون» أي جعل لكم الأرض بحيث تربون فيها كما يربى الأطفال في المهد ، و جعل لكم في الأرض سبلا و طرقا تسلكونها و تهتدون بها إلى مقاصدكم .


و قيل : معنى « لعلكم تهتدون» رجاء أن تهتدوا إلى معرفة الله و توحيده في العبادة و الأول أظهر .


و في الكلام التفات إلى خطاب القوم بعد صرف الخطاب عنهم إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لعل الوجه فيه إظهار العناية بهذا المعنى في الخلقة و هو أن التدبير بعينه من الخلق فاعترافهم بكون الخلق مختصا بالله سبحانه و قولهم برجوع التدبير إلى غيره من خلقه من التهافت في القول جهلا فقرعهم بهذا الخطاب من غير واسطة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :87


قوله تعالى : « و الذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون» قيد تنزيل الماء بقدر للإشارة إلى أنه عن إرادة و تدبير لا كيف اتفق و الإنشار الإحياء ، و الميت مخفف الميت بالتشديد ، و توصيف البلدة به باعتبار أنها مكان لأن البلدة أيضا إنما تتصف بالموت و الحياة باعتبار أنها مكان ، و الالتفات عن الغيبة إلى التكلم مع الغير في « أنشرنا» لإظهار العناية .


و لما استدل بتنزيل الماء بقدر و إحياء البلدة الميتة على خلقه و تدبيره استنتج منه أمر آخر لا يتم التوحيد إلا به و هو المعاد الذي هو رجوع الكل إليه تعالى فقال : « كذلك تخرجون» أي كما أحيا البلدة الميتة كذلك تبعثون من قبوركم أحياء .


قيل : في التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياء الموتى و عن إحيائهم بالإخراج تفخيم لشأن الإنبات و تهوين لأمر البعث لتقويم سنن الاستدلال و توضيح منهاج القياس .


قوله تعالى : « و الذي خلق الأزواج كلها و جعل لكم من الفلك و الأنعام ما تركبون» قيل : المراد بالأزواج أصناف الموجودات من ذكر و أنثى و أبيض و أسود و غيرها ، و قيل : المراد الزوج من كل شي‏ء فكل ما سوى الله كالفوق و تحت و اليمين و اليسار و الذكر و الأنثى زوج .


و قوله : « و جعل لكم من الفلك و الأنعام ما تركبون» أي تركبونه ، و الركوب إذا نسب إلى الحيوان كالفرس و الإبل تعدى بنفسه فيقال : ركبت الفرس و إذا نسب إلى مثل الفلك و السفينة تعدى بفي فيقال ركب فيه قال تعالى : « و إذا ركبوا في الفلك» ففي قوله : « ما تركبون» أي تركبونه تغليب لجانب الأنعام .


قوله تعالى : « لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه و تقولوا - إلى قوله - لمنقلبون» الاستواء على الظهور الاستقرار عليها ، و الضمير في « ظهوره» راجع إلى لفظ الموصول في « ما تركبون» ، و الضمير في قوله : « إذا استويتم عليه» للموصول أيضا فكما يقال : استويت على ظهر الدابة يقال : استويت على الدابة .


و المراد بذكر نعمة الرب سبحانه بعد الاستواء على ظهر الفلك و الأنعام ذكر النعم التي ينتفع بها الإنسان بتسخيره تعالى له هذه المراكب كالانتقال من مكان إلى


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :88


مكان و حمل الأثقال قال تعالى : « و سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره» : إبراهيم : 32 ، و قال : « و الأنعام خلقها - إلى أن قال - و تحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس» : النحل : 7 ، أو المراد ذكر مطلق نعمه تعالى بالانتقال من ذكر هذه النعم إليه .


و قوله : « و تقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين» أي مطيقين و الإقران الإطاقة .


و ظاهر ذكر النعمة عند استعمالها و الانتفاع بها شكر منعمها و لازم ذلك أن يكون ذكر النعمة غير قول : « سبحان الذي» إلخ ، فإن هذا القول تسبيح و تنزيه له عما لا يليق بساحة كبريائه و هو الشريك في الربوبية و الألوهية ، و ذكر النعمة شكر - كما تقدم - و الشكر غير التنزيه .


و يؤيد هذا ما ورد عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) في ما يقال عند الاستواء على المركوب فإنالروايات على اختلافها تتضمن التحميد وراء التسبيح يقول « سبحان الذي» إلخ .


و روي في الكشاف ، عن الحسن بن علي (عليهماالسلام‏) أنه رأى رجلا يركب دابة فقال : سبحان الذي سخر لنا هذا فقال : أ بهذا أمرتم ؟ فقال : و بم أمرنا ؟ قال : إن تذكروا نعمة ربكم .


و قوله : « و إنا إلى ربنا لمنقلبون» أي صائرون شهادة بالمعاد .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :89


وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاًإِنَّ الانسنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ‏(15) أَمِ اتخَذَ مِمَّا يخْلُقُ بَنَاتٍ وَ أَصفَاكُم بِالْبَنِينَ‏(16) وَ إِذَا بُشرَ أَحَدُهُم بِمَا ضرَب لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظلَّ وَجْهُهُ مُسوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ‏(17) أَ وَ مَن يُنَشؤُا فى الْحِلْيَةِ وَ هُوَ فى الخِْصامِ غَيرُ مُبِينٍ‏(18) وَ جَعَلُوا الْمَلَئكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَثاًأَ شهِدُوا خَلْقَهُمْستُكْتَب شهَدَتهُمْ وَ يُسئَلُونَ‏(19) وَ قَالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُممَّا لَهُم بِذَلِك مِنْ عِلْمٍإِنْ هُمْ إِلا يخْرُصونَ‏(20) أَمْ ءَاتَيْنَهُمْ كتَباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُستَمْسِكُونَ‏(21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى ءَاثَرِهِم مُّهْتَدُونَ‏(22) وَ كَذَلِك مَا أَرْسلْنَا مِن قَبْلِك فى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُترَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى ءَاثَرِهِم مُّقْتَدُونَ‏(23) × قَلَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتمْ عَلَيْهِ ءَابَاءَكمْقَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ‏(24) فَانتَقَمْنَا مِنهُمْفَانظرْ كَيْف كانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ‏(25)


بيان


حكاية بعض أقوالهم التي دعاهم إلى القول بها الإسراف و الكفربالنعم و هو قولهم بالولد و أن الملائكة بنات الله سبحانه ، و احتجاجهم على عبادتهم الملائكة و رده عليهم .


قوله تعالى : « و جعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين» المراد بالجزء الولد فإن الولادة إنما هي الاشتقاق فالولد جزء من والده منفصل منه متصور بصورته .


و إنما عبر عن الولد بالجزء للإشارة إلى استحالة دعواهم ، فإن جزئية شي‏ء من شي‏ء كيفما تصورت لا تتم إلا بتركب في ذلك الشي‏ء و الله سبحانه واحد من جميع الجهات .


و قد بان بما تقدم أن « من عباده» بيان لقوله : « جزء» و لا ضير في تقدم هذا النوع من البيان على المبين و لا في جمعية البيان و إفراد المبين .


قوله تعالى : « أم اتخذ مما يخلق بنات و أصفاكم بالبنين» أي أخلصكم للبنين


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :90


فلكم بنون و ليس له إلا البنات و أنتم ترون أن البنت أخس من الابن فتثبتون له أخس الصنفين و تخصون أنفسكم بأشرفهما و هذا مع كونه قولا محالا في نفسه إزراء و إهانة ظاهرة و كفران .


و تقييد اتخاذ البنات بكونه مما يخلق لكونهم قائلين بكون الملائكة - على ربوبيتهم و ألوهيتهم - مخلوقين لله ، و الالتفات في الآية إلى خطابهم لتأكيد الإلزام و تثبيت التوبيخ ، و التنكير و التعريف في « بنات» و « البنين» للتحقير و التفخيم .


قوله تعالى : « و إذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا و هو كظيم» المثل هو المثل و الشبه المجانس للشي‏ء و ضرب الشي‏ء مثلا أخذه مجانسا للشي‏ء « و ما ضرب للرحمان مثلا» الأنثى ، و الكظيم المملوء كربا و غيظا .


و المعنى : و حالهم أنه إذا بشر أحدهم بالأنثى الذي جعلها شبها مجانسا للرحمان صار وجهه مسودا من الغم و هو مملوء كربا و غيظا لعدم رضاهم بذلك و عده عارا لهم لكنهم يرضونه له .


و الالتفات في الآية إلى الغيبة لحكاية شنيعسيرتهم و قبيح طريقتهم للغير حتى يتعجب منه .


قوله تعالى : « أ و من ينشؤا في الحلية و هو في الخصام غير مبين» أي أ و جعلوا لله سبحانه من ينشأ في الحلية أي يتربى في الزينة و هو في المخاصمة و المحاجة غير مبين لحجته لا يقدر على تقرير دعواه .


و إنما ذكر هذين النعتين لأن المرأة بالطبع أقوى عاطفة و شفقة و أضعف تعقلا بالقياس إلى الرجل و هو بالعكس و من أوضح مظاهر قوة عواطفها تعلقها الشديد بالحلية و الزينة و ضعفها في تقرير الحجة المبني على قوة التعقل .


قوله تعالى : « و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا»إلخ ، هذا معنى قولهم : إن الملائكة بنات الله و قد كان يقول به طوائف من عرب الجاهلية و أما غيرهم من الوثنية فربما عدوا في آلهتهم إلهة هي أم إله أو بنت إله لكن لم يقولوا بكون جميع الملائكة إناثا كما هو ظاهر المحكي في الآية الكريمة .


و إنما وصف الملائكة بقوله : « الذين هم عباد الرحمن» ردا لقولهم بأنوثتهم لأن الإناث لا يطلق عليهن العباد ، و لا يلزم منه اتصافهم بالذكورة بالمعنى الذي يتصف به


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :91


الحيوان فإن الذكورة و الأنوثة اللتين في الحيوان من لوازم وجوده المادي المجهز للتناسل و توليد المثل ، و الملائكة في معزل من ذلك .


و قوله : « أ شهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم و يسألون» رد لدعواهم الأنوثة في الملائكة بأن الطريق إلى العلم بذلك الحس و هم لم يروهم حتى يعلموا بها فلم يكونوا حاضرين عند خلقهم حتى يشاهدوا منهم ذلك .


فقوله : « أ شهدوا خلقهم إلخ» استفهام إنكاري و وعيد على قولهم بغير علم أي لم يشهدوا خلقهم و ستكتب في صحائف أعمالهم هذه الشهادة عليهم و يسألون عنه يوم القيامة .


قوله تعالى : « و قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون» حجة عقلية داحضة محكية عنهم يمكن أن تقرر تارة لإثبات صحة عبادة الشركاء بأن يقال : لو شاء الله أن لا نعبد الشركاء ما عبدناهم ضرورة لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته لكنا نعبدهم فهو لم يشأ ذلك و عدم مشيته عدم عبادتهم إذن في عبادتهم فلا منع من قبله تعالى عن عبادة الشركاء و الملائكة منهم ، و هذا المعنى هو المنساق إلى الذهن من قوله في سورة الأنعام : « سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا و لا آباؤنا و لا حرمنا من شي‏ء» : الأنعام : 148 ، على ما يعطيه السياق ما قبله و ما بعده .


و تقرر تارة لإبطال النبوة القائلة إن الله يوجب عليكم كذا و كذا و يحرم عليكم كذا كذا بأن يقال لو شاء الله أن لا نعبد الشركاء و لا نحل و لا نحرم شيئا لم نعبد الشركاء و لم نضع من عندنا حكما لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته لكنا نعبدهم و نحل و نحرم أشياء فلم يشأ الله سبحانه منا شيئا ، فقول إن الله يأمركم بكذا و ينهاكم عن كذا و بالجملة أنه شاء كذا باطل .


و هذا المعنى هو الظاهر المستفاد من قوله تعالى في سورة النحل : « و قال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شي‏ء نحن و لا آباؤنا و لا حرمنا من دونه من شي‏ء» : النحل : 35 ، بالنظر إلى السياق .


و قولهم في محكي الآية المبحوث عنها : « لو شاء الرحمن ما عبدناهم» على ما يفيده سياق الآيات السابقة و اللاحقة مسوق للاحتجاج على المعنى الأول و هو تصحيح


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :92


عبادتهم للملائكة فيكون في معنى آية سورة الأنعام و أخص منها .


و قوله : « ما لهم بذلك من علم» أي هو منهم قول مبني على الجهل فإنه مغالطة خلطوا فيها بين الإرادة التكوينية و الإرادة التشريعية و أخذ الأولى مكان الثانية ، فمقتضى الحجة أن لا إرادة تكوينية منه تعالى متعلقة بعدم عبادتهم الملائكة و انتفاء تعلق هذا النوع من الإرادة بعدم عبادتهم لهم لا يستلزم انتفاء تعلق الإرادة التشريعية به .


فهو سبحانه لما لم يشأ أن لا يعبدوا الشركاء بالإرادة التكوينية كانوا مختارين غير مضطرين على فعل أو ترك فأراد منهم بالإرادة التشريعية أن يوحدوه و لا يعبدوا الشركاء ، و الإرادة التشريعية لا يستحيل تخلف المراد عنها لكونها اعتبارية غير حقيقية ، و إنما تستعمل في الشرائع و القوانين و التكاليف المولوية ، و الحقيقة التي تبتني عليها هي اشتمال الفعل على مصلحة أو مفسدة .


و بما تقدم يظهر فساد ما قيل : إن حجتهم مبنية على مقدمتين : الأولى أنعبادتهم للملائكة بمشيته تعالى ، و الثانية أن ذلك مستلزم لكونها مرضية عنده تعالى و قد أصابوا في الأولى و أخطئوا في الثانية حيث جهلوا أن المشية عبارة عن ترجيح بعض الممكنات على بعض كائنا ما كان من غير اعتبار الرضا و السخط في شي‏ء من الطرفين .


وجه الفساد : أن مضمون الحجة عدم تعلق المشية على ترك العبادة و عدم تعلق المشية بالترك لا يستلزم تعلق المشية بالفعل بل لازمه الإذن الذي هو عدم المنع من الفعل .


ثم إن ظاهر كلامه قصر الإرداة في التكوينية و إهمال التشريعية التي عليها المدار في التكاليف المولوية و هو خطأ منه .


و يظهر أيضا فساد ما نسب إلى بعضهم أن المراد بقولهم : « لو شاء الرحمن ما عبدناهم» الاعتذار عن عبادة الملائكة بتعلق مشية الله بها مع الاعتراف بكونها قبيحة .


و ذلك أنهم لم يكونوا مسلمين لقبح عبادة آلهتهم حتى يعتذروا عنها و قد حكي عنهم ذيلا قولهم : « إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مهتدون» .


و قوله : « إن هم إلا يخرصون» الخرص - على ما يظهر من الراغب - القول على الظن و التخمين ، و فسر أيضا بالكذب .


قوله تعالى : « أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون» ضمير « من قبله»


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :93


للقرآن ، و في الآية نفي أن يكون لهم حجة من طريق النقل كما أن في الآية السابقة نفي حجتهم من طريق العقل ، و محصل الآيتين أن لا حجة لهم على عبادة الملائكة لا من طريق العقل و لا من طريق النقل فلم يأذن الله فيها .


قوله تعالى : « بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مهتدون» الأمة الطريقة التي تؤم و تقصد ، و المراد بها الدين ، و الإضراب عما تحصل من الآيتين ، و المعنى : لا دليل لهم على حقية عبادتهم بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على دين و إنا على آثارهم مهتدون أي إنهم متشبثون بتقليد آبائهم فحسب .


قوله تعالى : « و كذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا» إلخ ، أي إن التشبث بذيل التقليد ليس مما يختص بهؤلاء فقد كان ذلك دأب أسلافهم من الأمم المشركين و ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير و هو النبي إلا تشبث متنعموها بذيل التقليد و قالوا : إنا وجدنا أسلافنا على دين و إنا على آثارهم مقتدون لن نتركها و لن نخالفهم .


و نسبة القول إلى مترفيهم للإشارة إلى أن الإتراف و التنعم هو الذي يدعوهم إلى التقليد و يصرفهم عن النظر في الحق .


قوله تعالى : « قال أ و لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم» إلخ ، القائل هو النذير ، و الخطاب للمترفين و يشمل غيرهم بالتبعية ، و العطف في « أ و لو جئتكم» على محذوف يدل عليه كلامهم ، و التقدير أنكم على آثارهم مقتدون و لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ؟ و المحصل : هل أنتم لازمون لدينهم حتى لو كان ما جئتكم به من الدين أهدى منه ؟ و عد النذير ما جاءهم به أهدى من دينهم مع كون دينهم باطلا لا هدى فيه من باب مجاراة الخصم .


و قوله : « قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون» جواب منهم لقول النذير : « أ و لو جئتكم» إلخ و هو تحكم من غير دليل .


قوله تعالى : « فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين» أي تفرع على ذلك الإرسال و الرد بالتقليد و التحكم أنا أهلكناهم بتكذيبهم فانظر كيف كان عاقبة أولئك السابقين من أهل القرى و فيه تهديد لقوم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :94


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :95


وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ لأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنى بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ‏(26) إِلا الَّذِى فَطرَنى فَإِنَّهُ سيهْدِينِ‏(27) وَ جَعَلَهَا كلِمَةَ بَاقِيَةً فى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏(28) بَلْ مَتَّعْت هَؤُلاءِ وَ ءَابَاءَهُمْ حَتى جَاءَهُمُ الحَْقُّ وَ رَسولٌ مُّبِينٌ‏(29) وَ لَمَّا جَاءَهُمُ الحَْقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَ إِنَّا بِهِ كَفِرُونَ‏(30) وَ قَالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ‏(31) أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَت رَبِّكنحْنُ قَسمْنَا بَيْنهُم مَّعِيشتهُمْ فى الْحَيَوةِ الدُّنْيَاوَ رَفَعْنَا بَعْضهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضهُم بَعْضاً سخْرِيًّاوَ رَحْمَت رَبِّك خَيرٌ مِّمَّا يجْمَعُونَ‏(32) وَ لَوْ لا أَن يَكُونَ النَّاس أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتهِمْ سقُفاً مِّن فِضةٍ وَ مَعَارِجَ عَلَيهَا يَظهَرُونَ‏(33) وَ لِبُيُوتهِمْ أَبْوَباً وَ سرُراً عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ‏(34) وَ زُخْرُفاًوَ إِن كلُّ ذَلِك لَمَّا مَتَعُ الحَْيَوةِ الدُّنْيَاوَ الاَخِرَةُ عِندَ رَبِّك لِلْمُتَّقِينَ‏(35) وَ مَن يَعْش عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّض لَهُ شيْطناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏(36) وَ إِنهُمْ لَيَصدُّونهُمْ عَنِ السبِيلِ وَ يحْسبُونَ أَنهُم مُّهْتَدُونَ‏(37) حَتى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَلَيْت بَيْنى وَ بَيْنَك بُعْدَ الْمَشرِقَينِ فَبِئْس الْقَرِينُ‏(38) وَ لَن يَنفَعَكمُ الْيَوْمَ إِذ ظلَمْتُمْ أَنَّكمْ فى الْعَذَابِ مُشترِكُونَ‏(39) أَ فَأَنت تُسمِعُ الصمَّ أَوْ تهْدِى الْعُمْىَ وَ مَن كانَ فى ضلَلٍ مُّبِينٍ‏(40) فَإِمَّا نَذْهَبنَّ بِك فَإِنَّا مِنهُم مُّنتَقِمُونَ‏(41) أَوْ نُرِيَنَّك الَّذِى وَعَدْنَهُمْ فَإِنَّا عَلَيهِم مُّقْتَدِرُونَ‏(42) فَاستَمْسِك بِالَّذِى أُوحِىَ إِلَيْكإِنَّك عَلى صِرَطٍ مُّستَقِيمٍ‏(43) وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّك وَ لِقَوْمِكوَ سوْف تُسئَلُونَ‏(44) وَ سئَلْ مَنْ أَرْسلْنَا مِن قَبْلِك مِن رُّسلِنَا أَ جَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ‏(45)


بيان


لما انجر الكلام إلى ردهم رسالة الرسول و كفرهم بها تحكما و تشبثهم في الشرك بذيل تقليد الآباء و الأسلاف من غير دليل عقب ذلك بالإشارة إلى قصة إبراهيم (عليه‏السلام‏) و رفضه تقليد أبيه و قومه و تبريه عما يعبدونه من دون الله سبحانه و استهدائه هدى ربه الذي فطره .


ثم يذكر تمتيعه لهم بنعمه و كفرانهم بها بالكفر بكتاب الله و طعنهم فيه و في رسوله بما هو مردود عليهم .


ثم يذكر تبعة الإعراض عن ذكر الله و ما تنتهي إليه من الشقاء و الخسران ، و يعطف عليه إياس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من إيمانهم و تهديدهم بالعذاب و يؤكد الأمر للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يستمسك بالقرآن و إنه لذكر له و لقومه و سوف يسألون عنه ، و إن الذي فيه من دين التوحيد هو الذي كان عليه الأنبياء السابقون عليه .


قوله تعالى : « و إذ قال إبراهيم لأبيه و قومه إنني براء مما تعبدون» البراء مصدر من برى‏ء يبرأ فهو بري‏ء فمعنى « إنني براء» إنني : ذو براء أو بري‏ء على سبيل المبالغة مثل زيد عدل .


و في الآية إشارة إلى تبري إبراهيم (عليه‏السلام‏) مما كان يعبده أبوه و قومه من الأصنام


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :96


و الكواكب بعد ما حاجهم فيها فاستندوا فيها إلى سيرة آبائهم على ما ذكر في سور الأنعام و الأنبياء و الشعراء و غيرها .


و المعنى : و اذكر لهم إذ تبرأ إبراهيم عن آلهة أبيه و قومه إذ كانوا يعبدونها تقليدا لآبائهم من غير حجة و قام بالنظر وحده .


قوله تعالى : « إلا الذي فطرني فإنه سيهدين» أي إلا الذي أوجدني و هو الله سبحانه ، و في توصيفه تعالى بالفطر إشارة إلى الحجة على ربوبيته و ألوهيته فإن الفطر و الإيجاد لا ينفك عن تدبير أمر الموجود المفطور فالذي فطر الكل هو الذي يدبر أمرهم فهو الحقيق أن يعبد .


و قوله : « فإنه سيهدين» أي إلى الحق الذي أطلبه ، و قيل : أي إلى طريق الجنة ، و في هذه الجملة إشارة إلى خاصة أخرى ربوبية و هي الهداية إلى السبيل الحق يجب أن يسلكه الإنسان فإن السوق إلى الكمال من تمام التدبير فعلى الرب المدبر لأمر مربوبه أن يهديه إلى كماله و سعادته ، قال تعالى : « ربنا الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى» : طه : 50 ، و قال : « و على الله قصد السبيل» : النحل : 9 ، فالرجوع إلى الله بتوحيد العبادة يستتبع الهداية كما قال تعالى : « و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» : العنكبوت : 69 .


و الاستثناء في قوله : « إلا الذي فطرني» منقطع لأن الوثنيين لا يعبدون الله كما مر مرارا ، فقول بعضهم : إنه متصل ، و إنهم كانوا يقولون : الله ربنا مع عبادتهم الأوثان ، كما ترى .


قوله تعالى : « و جعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون» الظاهر أن ضمير الفاعل المستتر في « جعلها» لله سبحانه ، و الضمير البارز - على ما قيل - لكلمة البراءة التي تكلم بها إبراهيم (عليه‏السلام‏) و معناها معنى كلمة التوحيد فإن مفاد لا إله إلا الله نفي الآلهة غير الله لا نفي الآلهة و إثبات الإله تعالى و هو ظاهر فلا حاجة إلى ما تكلف به بعضهم أن الضمير لكلمة التوحيد المعلوم مما تكلم به إبراهيم (عليه‏السلام‏) .


و المراد بعقبه ذريته و ولده ، و قوله : « لعلهم يرجعون» أي يرجعون من عبادة


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :97


آلهة غير الله إلى عبادته تعالى أي يرجع بعضهم - و هم العابدون لغير الله بدعوة بعضهم و هم العابدون لله - إلى عبادته تعالى ، و بهذا يظهر أن المراد ببقاء الكلمة في عقبه عدم خلوهم عن الموحد ما داموا ، و لعل هذا عن استجابة دعائه (عليه‏السلام‏) إذ يقول : « و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام» : إبراهيم : 35 .


و قيل : الضمير في « جعل» لإبراهيم (عليه‏السلام‏) فهو الجاعل هذه الكلمة باقية في عقبه رجاء أن يرجعوا إليها ، و المراد بجعلها باقية فيهم وصيته لهم بذلك كما قال تعالى : « وصى بها إبراهيم بنيه و يعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا و أنتم مسلمون» : البقرة : 132 .


و أنت خبير بأن الوصية بكلمة التوحيد لا تسمى جعلا للكلمة باقية في العقب و إن صح أن يقال : أراد بها ذلك لكنه غير جعلها باقية فيهم .


و قيل : المراد أن الله جعل الإمامة كلمة باقية في عقبه و سيجي‏ء الكلام فيه في البحث الروائي الآتي إن شاء الله .


و يظهر من الآية أن ذرية إبراهيم (عليه‏السلام‏) لا تخلو من هذه الكلمة إلى يوم القيامة .


قوله تعالى : « بل متعت هؤلاء و آباءهم حتى جاءهم الحق و رسول مبين» إضراب عما يفهم من الآية السابقة ، و المعنى : أن رجوعهم عن الشرك إلى التوحيد كان هو الغاية المرجوة منهم لكنهم لم يرجعوا بل متعت هؤلاء من قومك و آباءهم فتمتعوا بنعمي « حتى جاءهم الحق و رسول مبين» .


و لعل الالتفات إلى التكلم وحده في قوله : « بل متعت» للإشارة إلى تفخيم جرمهم و أنهم لا يقصدون في كفرانهم للنعمة و كفرهم بالحق و رمية بالسحر إلا إياه تعالى وحده .


و المراد بالحق الذي جاءهم هو القرآن ، و بالرسول المبين محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


قوله تعالى : « و لما جاءهم الحق قالوا هذا سحر و إنا به كافرون» هذا طعنهم في الحق الذي جاءهم و هو القرآن و يستلزم الطعن في الرسول .


كما أن قولهم الآتي : « لو لا نزل» إلخ ، كذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :98


قوله تعالى : « و قالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم» المراد بالقريتين مكة و الطائف ، و مرادهم بالعظمة - على ما يفيده السياق - ما هو من حيث المال و الجاه اللذين هما ملاك الشرافة و علو المنزلة عند أبناء الدنيا ، و المراد بقوله : « رجل من القريتين عظيم» رجل من إحدى القريتين حذف المضاف إيجازا .


و مرادهم أن الرسالة منزلة شريفة إلهية لا ينبغي أن يتلبس به إلا رجل شريف في نفسه عظيم مطاع في قومه ، و النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقير فاقد لهذه الخصلة ، فلو كان القرآن الذي جاء به وحيا نازلا من الله فلو لا نزل على رجل عظيم من مكة أو الطائف كثير المال رفيع المنزلة .


و في المجمع ، : و يعنونبالرجل العظيم من إحدى القريتين الوليد بن المغيرة من مكة و أبا مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف .


عن قتادة ، و قيل : عتبة بن أبي ربيعة من مكة و ابن عبد ياليل من الطائف .


عن مجاهد ، و قيل : الوليد بن المغيرة من مكة و حبيب بن عمر الثقفي من الطائف .


عن ابن عباس .


انتهى .


و الحق أن ذلك من تطبيق المفسرين و إنما قالوا ما قالوا على الإبهام و أرادوا أحد هؤلاء من عظماء القريتين على ما هو ظاهر الآية .


قوله تعالى : « أ هم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا» إلخ ، المراد بالرحمة - على ما يعطيه السياق - النبوة .


و قال الراغب : العيش الحياة المختصة بالحيوان ، و هو أخص من الحياة لأن الحياة تقال في الحيوان و في الباري تعالى و في الملك ، و يشتق منه المعيشة لما يتعيش به .


انتهى .


و قال : التسخير سياقه إلى الغرض المختص قهرا - إلى أن قال : و السخري هو الذي يقهر فيتسخر بإرادته .


انتهى .


و الآية و الآيتان بعدها في مقام الجواب عن قولهم : « لو لا نزل هذا القرآن على رجل» إلخ ، و محصلها أن قولهم هذا تحكم ظاهر ينبغي أن يتعجب منه فإنهم يحكمون فيما لا يملكون .


هذه معيشتهم في الحياة الدنيا يعيشون بها و يرتزقون و هي رحمة منا لا قدر لها و لا منزلة عندنا و ليست إلا متاعا زائلا نحن نقسمها بينهم و هي خارجة عن مقدرتهم و مشيتهم فكيف يقسمون النبوة التي هي الرحمة الكبرى و هي مفتاح سعادة البشر الدائمة و الفلاح الخالد فيعطونها لمن شاءوا و يمنعونها ممن شاءوا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :99


فقوله : « أ هم يقسمون رحمة ربك» الاستفهام للإنكار ، و الالتفات إلى الغيبة في قوله : « رحمة ربك» و لم يقل : رحمتنا ، للدلالة على اختصاص النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بعناية الربوبية في النبوة .


و المعنى : أنهم لا يملكون النبوة التي هي رحمة لله خاصة به حتى يمنعوك منها و يعطوها لمن هووا .


و قوله : « نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا» بيان لوجه الإنكار في الجملة السابقة بأنهم عاجزون عن قسمة ما هو دون النبوة بمراحل و لا منزلة له و هو معيشتهم في الحياة الدنيا فنحن قسمناها بينهم فكيف يقسمون ما هو أرفع منزلة منها بما لا يقدر قدره و هو النبوة التي هي رحمة ربك الخاصة به .


و الدليل على أن الأرزاق و المعايش ليست بيد الإنسان اختلاف أفراده بالغنى و الفقر و العافية و الصحة و في الأولاد و سائر ما يعد من الرزق ، و كل يريد أن يقتني منها ما لا مزيد عليه ، و لا يكاد يتيسر لأحد منهم جميع ما يتمناه و يرتضيه فلو كان ذلك بيد الإنسان لم يوجد معدم فقير في شي‏ء منها بل لم يختلف اثنان فيها فاختلافهم فيها أوضح دليل على أن الرزق مقسوم بمشية من الله دون الإنسان .


على أن الإرادة و العمل من الإنسان بعض الأسباب الناقصة لحصول المطلوب الذي هو الرزق و وراءهما أسباب كونية لا تحصى خارجة عن مقدرة الإنسان لا يحصل المطلوب إلا بحصولها جميعا و اجتماعها عليه و ليست إلا بيد الله الذي إليه تنتهي الأسباب .


هذا كله في المال و أما الجاه فهو أيضا مقسوم من عند الله فإنه يتوقف على صفات خاصة بها ترتفع درجات الإنسان في المجتمع فيتمكن من تسخير من هو دونه كالفطنة و الدهاء و الشجاعة و علو الهمة و أحكام العزيمة و كثرة المال و العشيرة و شي‏ء من ذلك لا يتم إلا بصنع من الله سبحانه ، و ذلك قوله : « و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا» .


فيتبين بمجموع القولين أعني قوله : « نحن قسمنا» إلخ ، و قوله : « و رفعنا بعضهم فوق بعض» إلخ ، إن القاسم للمعيشة و الجاه بين الناس هو الله سبحانه لا غير ، و قوله : « و رحمة ربك خير مما يجمعون»أي النبوة خير من المال فكيف يملكون قسمها و هم لا يملكون قسم المال فيما بينهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :100


و من الممكن أن يكون قوله : « و رفعنا بعضهم فوق بعض» عطف تفسير على قوله : « نحن قسمنا بينهم معيشتهم» إلخ ، يبين قسم المعيشة بينهم ببيان علل انقسامها في المجتمع الإنساني ، بيان ذلك أن كثرة حوائج الإنسان في حياته الدنيا بحيث لا يقدر على رفع جميعها في عيش انفرادي أحوجته إلى الاجتماع مع غيره من الأفراد على طريق الاستخدام و الاستدرار أولا و على طريق التعاون و التعاضد ثانيا كما مر في مباحث النبوة من الجزء الثاني من الكتاب .


فآل الأمر إلى المعاوضة العامة المفيدة لنوع من الاختصاص بأن يعطي كل مما عنده من حوائج الحياة ما يفضل من حاجته و يأخذ به من الغير ما يعادله مما يحتاج إليه فيعطي مثلا ما يفضل من حاجته من الماء الذي عنده و قد حصله و اختص به و يأخذ من غيره ما يزيد على قوته من الغذاء ، و لازم ذلك أن يسعى كل فرد بما يستعد له و يحسنه من السعي فيقتني مما يحتاج إليه ما يختص به ، و لازم ذلك أن يحتاج غيره إليه فيما عنده من متاع الحياة فيتسخر له فيفيده ما يحتاج إليه كالخباز يحتاج إلى ما عند السقاء من الماء و بالعكس فيتعاونان بالمعاوضة و كالمخدوم يتسخر للخادم لخدمته و الخادم يتسخر للمخدوم لماله و هكذا فكل بعض من المجتمع مسخر لآخرين بما عنده و الآخرون متسخرون له بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط لما أن كلا يرتفع على غيره بما يختص به مما عنده بدرجات مختلفة باختلاف تعلق الهمم و القصود به .


و على ما تقدم فالمراد بالمعيشة كل ما يعاش به أعم من المال و الجاه أو خصوص المال و غيره تبع له كما يؤيده قوله ذيلا : « و رحمة ربك خير مما يجمعون» فإن المراد به المال و غيره من لوازم الحياة مقصود بالتبع .


قوله تعالى : «و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة» - إلى قوله - و معارج عليها يظهرون» الآية و ما يتلوها لبيان أن متاع الدنيا من مال و زينة لا قدر لها عند الله سبحانه و لا منزلة .


قالوا : المراد بكون الناس أمة واحدة كونهم مجتمعين على سنة واحدة هي الكفر بالله لو رأوا أن زينة الدنيا بحذافيرها عند الكافر بالله و المؤمن صفر الكف منها مطلقا ، و المعارج الدرجات و المصاعد .


و المعنى : و لو لا أن يجتمع الناس على الكفر لو رأوا تنعم الكافرين و حرمان


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :101


المؤمنين لجعلنا لمن يكفر بالرحمنلبيوتهم سقفا من فضة و درجات عليها يظهرون لغيرهم .


و يمكن أن يكون المراد بكون الناس أمة واحدة كونهم جميعا على نسبة واحدة تجاه الأسباب العاملة في حظوظ العيش من غير فرق بين المؤمن و الكافر ، فمن سعى سعيه للرزق و وافقته الأسباب و العوامل الموصلة الأخرى نال منه مؤمنا كان أو كافرا ، و من لم يجتمع له حرم ذلك و قتر عليه الرزق مؤمنا أو كافرا .


و المعنى : لو لا ما أردنا أن يتساوى الناس تجاه الأسباب الموصلة إلى زخارف الدنيا و لا يختلفوا فيها بالإيمان و الكفر لجعلنا لمن يكفر ، إلخ .


قوله تعالى : « و لبيوتهم أبوابا و سررا عليها يتكئون و زخرفا» تنكير « أبوابا» و « سررا» للتفخيم ، و الزخرف الذهب أو مطلق الزينة ، قال في المجمع ، : الزخرف كمال حسن الشي‏ء و منه قيل للذهب ، و يقال : زخرفه زخرفة إذا حسنه و زينه ، و منه قيل للنقوش و التصاوير : زخرف ، و في الحديث : أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لم يدخل الكعبة حتى أمر بالزخرف فنحي . انتهى .


و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « و إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا و الآخرة عند ربك للمتقين» « إن» للنفي و « لما» بمعنى إلا أي ليس كل ما ذكر من مزايا المعيشة إلا متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية التي لا تدوم .


و قوله : « و الآخرة عند ربك للمتقين» المراد بالآخرة بقرينة المقام الحياة الآخرة السعيدة كان الحياة الآخرة الشقية لا تعد حياة .


و المعنى : أن الحياة الآخرة السعيدة بحكم من الله تعالى و قضاء منه مختصة بالمتقين ، و هذا التخصيص و القصر يؤيد ما قدمناه من معنى كون الناس أمة واحدة في الدنيا بعض التأييد .


قوله تعالى : « و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين» يقال : عشي يعشى عشا من باب علم يعلم إذا كان ببصره آفة لا يبصر مطلقا أو بالليل فقط ، و عشا يعشو عشوا و عشوا من باب نصر ينصر إذا تعامى و تعشى بلا آفة ، و التقييض التقدير و الإتيان بشي‏ء إلى شي‏ء ، يقال : قيضه له إذا جاء به إليه .


لما انتهى الكلام إلى ذكر المتقين و أن الآخرة لهم عند الله قرنه بعاقبة أمر


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :102


المعرضين عن الحق المتعامين عن ذكر الرحمن مشيرا إلى أمرهم من أوله و هو أن تعاميهم عن ذكر الله يورثهم ملازمة قرناء الشياطين فيلازمونهم مضلين لهم حتى يردوا عذاب الآخرة معهم .


فقوله : « و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا» أي من تعامى عن ذكر الرحمن و نظر إليه نظر الأعشى جئنا إليه بشيطان ، و قد عبر تعالى عنه في موضع آخر بالإرسال فقال : « أ لم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا» : مريم : 83 ، و إضافة الذكر إلى الرحمن للإشارة إلى أنه رحمة .


و قوله : « فهو له قرين» أي مصاحب لا يفارقه .


قوله تعالى : « و إنهم ليصدونهم عن السبيل و يحسبون أنهم مهتدون» ضمير « أنهم» للشياطين ، و ضمائر الجمع الباقية للعاشين عن الذكر ، و اعتبار الجمع نظرا إلى المعنى في « و من يعش» إلخ ، و الصد الصرف ، و المراد بالسبيل ما يدعو إليه الذكر من سبيل الله الذي هو دين التوحيد .


والمعنى : و إن الشياطين ليصرفون العاشين عن الذكر و يحسب العاشون أنهم - أي العاشين أنفهسم - مهتدون إلى الحق .


و هذا أعني حسبانهم أنهم مهتدون عند انصدادهم عن سبيل الحق أمارة تقييض القرين و دخولهم تحت ولاية الشيطان فإن الإنسان بطبعه الأولي مفطور على الميل إلى الحق و معرفته إذا عرض عليه ثم إذا عرض عليه فأعرض عنه اتباعا للهوى و دام عليه طبع الله على قلبه و أعمى بصره و قيض له القرين فلم ير الحق الذي تراءى له و طبق الحق الذي يميل إليه بالفطرة على الباطل الذي يدعوه إليه الشيطان فيحسب أنه مهتد و هو ضال و يخيل إليهأنه على الحق و هو على الباطل .


و هذا هو الغطاء الذي يذكر تعالى أنه مضروب عليهم في الدنيا و أنه سينكشف عنهم يوم القيامة ، قال تعالى : « الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري - إلى أن قال - قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» : الكهف : 104 ، و قال فيما يخاطبه يوم القيامة و معه قرينه : « لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد» - إلى أن قال - « قال قرينه ربنا ما أطغيته و لكن كان في ضلال بعيد» : ق : 27 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :103


قوله تعالى : « حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين» « حتى» غاية لاستمرار الفعل الذي يدل عليه قوله في الآية السابقة : « يصدونهم» و قوله : « يحسبون» أي لا يزال القرناء يصدونهم و لا يزالون يحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا الواحد منهم .


و المراد بالمجي‏ء إليه تعالى البعث ، و ضمير « جاء» و « قال» راجع إلى الموصول باعتبار لفظه ، و المراد بالمشرقين المشرق و المغرب غلب فيه جانب المشرق .


و المعنى : و أنهم يستمرون على صدهم عن السبيل و يستمر العاشون عن الذكر على حسبانأنهم مهتدون في انصدادهم حتى إذا حضر الواحد منهم عندنا و معه قرينه و كشف له عن ضلاله و ما يستتبعه من العذاب الأليم ، قال مخاطبا لقرينه متأذيا من صحابته : يا ليت بيني و بينك بعد المشرق و المغرب فبئس القرين أنت .


و يستفاد من السياق أنهم معذبون بصحابة القرناء وراء عذابهم بالنار ، و لذا يتمنون التباعد عنهم و يخصونه بالذكر و ينسون سائر العذاب .


قوله تعالى : « و لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون» الظاهر أنه معطوف على ما قبله من وصف حالهم ، و المراد باليوم يوم القيامة ، و قوله : « أنكم في العذابمشتركون» فاعل « لن ينفعكم» و المراد بضمير جمع المخاطب العاشون عن الذكر و قرناؤهم ، و « إذ ظلمتم» واقع موقع التعليل .


و المراد - و الله أعلم - أنكم إذا أساء بعضكم إلى بعض في الدنيا فأوقعه في مصيبة ربما تسليتم بعض التسلي لو ابتلي هو نفسه بمثل ما ابتلاكم به فينفعكم ذلك تسليا و تشفيا لكن لا ينفعكم يوم القيامة اشتراك قرنائكم معكم في العذاب فإن اشتراكهم معكم في العذاب و كونهم معكم في النار هو بعينه عذاب لكم .


و ذكر بعض المفسرين أن فاعل « لن ينفعكم» ضمير راجع إلى تمنيهم المذكور في الآية السابقة ، و قوله : «إذ ظلمتم» أي لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا باتباعكم إياهم في الكفر و المعاصي ، و قوله : « أنكم في العذاب مشتركون» تعليل لنفي النفع و المعنى : و لن ينفعكم تمني التباعد عنكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم و قرناؤكم في العذاب .


و فيه أن فيه تدافعا فإنه أخذ قوله : « إذ ظلمتم» تعليلا لنفي نفع التمني أولا


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :104


و قوله : « أنكم في العذاب مشتركون» تعليلا له ثانيا و لازم التطابق بين التعليلين أن يذكر ثانيا القضاء على المتمنين التابعين بالعذاب لا باشتراك التابعين و المتبوعين فيه .


و قال بعضهم : معنى الآية أنه لا يخفف الاشتراك عنكم شيئا من العذاب لأن لكل واحد منكم و من قرنائكم الحظ الأوفر من العذاب .


و فيه أن ما ذكر من سبب عدم النفع و إن فرض صحيحا في نفسه لكن لا دلالة عليه من جهة لفظ الآية و لا سياق الكلام .


و قال بعضهم : المعنى : لا ينفعكم اشتراككم في العذاب كما ينفع الواقعين في شدائد الدنيا اشتراكهم فيها لتعاونهم في تحمل أعبائها و تقسمهم لعنائها لأن لكل منكم و من قرنائكم من العذاب ما لا تبلغه طاقته .


و فيه ما في سابقه من الكلام ، و رد أيضا بأن الانتفاع بذلك الوجه ليس مما يخطر ببالهم حتى يرد عليهم بنفيه .


قوله تعالى : « أ فأنت تسمع الصم أو تهدي العمي و من كان في ضلال مبين» لما ذكر تقييضه القرناء لهم و تقليبهم إدراكهم بحيث يرون الضلال هدى و لا يقدرون على معرفة الحق فرع عليه أن نبه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن هؤلاء صم عمي لا يقدر هو على أسماعهم كلمة الحق و هدايتهم إلى سبيل الرشد فلا يتجشم و لا يتكلف في دعوتهم و لا يحزن لإعراضهم ، و الاستفهام للإنكار ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون» المراد بالإذهاب به توفيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قبل الانتقام منهم ، و قيل : المراد إذهابه بإخراجه من بينهم ، و قوله : « فإنا منهم منتقمون» أي لا محالة ، و المراد بإراءته ما وعدهم الانتقام منهم قبل توفيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو حال كونه بينهم ، و قوله : « فإنا عليهم مقتدرون» أي اقتدارنا يفوق عليهم .


و قوله في الصدر : « فإما نذهبن بك» أصله أن نذهب بك زيدت عليه ما و النون للتأكيد ، و محصل الآية إنا منتقمون منهم بعد توفيك أو قبلها لا محالة .


قوله تعالى : « فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم» الظاهر أنه تفريع لجميع ما تقدم من أن إنزال الذكر من طريق الوحي و النبوة من سننه تعالى


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :105


و أن كتابه النازل عليه حق و هو رسول مبين لا يستجيب دعوته إلا المتقون و لا يعرض عنها إلا قرناء الشياطين ، و لا مطمع في إيمانهم و سينتقم الله منهم .


فأكد عليه الأمر بعد ذلك كله أن يجد في التمسك بالكتاب الذي أوحي إليه لأنه على صراط مستقيم .


قوله تعالى : « و إنه لذكر لك و لقومك و سوف تسألون» الظاهر أن المراد بالذكر ذكر الله ، و بهذا المعنى تكرر مرارا في السورة ، و اللام في « لكو لقومك» للاختصاص بمعنى توجه ما فيه من التكاليف إليهم ، و يؤيده بعض التأييد قوله : « و سوف تسألون» أي عنه يوم القيامة .


و عن أكثر المفسرين أن المراد بالذكر الشرف الذي يذكر به ، و المعنى : و إنه لشرف عظيم لك و لقومك من العرب تذكرون به بين الأمم .


قوله تعالى : « و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أ جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون» قيل : المراد بالسؤال منهم السؤال من أممهم و علماء دينهم كقوله تعالى : « فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك» : يونس : 94 ، و فائدة هذا المجاز أن المسئول عنه السؤال منهم عين ماجاءت به رسلهم لا ما يجيبونه من تلقاء أنفسهم .


و قيل : المراد السؤال من أهل الكتابين : التوراة و الإنجيل فإنهم و إن كفروا لكن الحجة تقوم بتواتر خبرهم ، و الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و التكليف لأمته .


و بعد الوجهين غير خفي و يزيد الثاني بعدا التخصيص بأهل الكتابين من غير مخصص ظاهر .


و قيل : الآية مما خوطب به النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليلة المعراج أن يسأل أرواح الأنبياء (عليهم‏السلام‏) و قد اجتمع بهم أن يسألهم هل جاءوا بدين وراء دين التوحيد .


و قد وردت به غير واحدة من الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) و سيوافيك في البحث الروائي الآتي إن شاء الله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :106


بحث روائي


في المجمع ، : في قوله تعالى : « و جعلها كلمة باقية في عقبه» و قيل : الكلمة الباقية في عقبه هي الإمامة إلى يوم الدين : عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) .


أقول : و في هذا المعنى روايات أخر و قد طبقت الآية في بعضها على الإمامة في عقب الحسين (عليه‏السلام‏) .


و التأمل في الروايات يعطي أن بناءها على إرجاع الضمير في « جعلها» إلى الهداية المفهومة من قوله : « سيهدين» و قد تقدمفي تفسير قوله تعالى : « إني جاعلك للناس إماما» إن الإمام وظيفته هداية الناس في ملكوت أعمالهم بمعنى سوقهم إلى الله سبحانه بإرشادهم و إيرادهم درجات القرب من الله سبحانه و إنزال كل ذي عمل منزلة الذي يستدعيه عمله ، و حقيقة الهداية من الله سبحانه و تنسب إليه بالتبع أو بالعرض .


و فعلية الهداية النازلة من الله إلى الناس تشمله أولا ثم تفيض عنه إلى غيره فله أتم الهداية و لغيره ما هي دونها و ما ذكره إبراهيم (عليه‏السلام‏) في قوله : « فإنه سيهدين» هداية مطلقة تقبل الانطباق على أتم مراتب الهداية التي هي حظ الإمام منها فهي الإمامة و جعلها كلمة باقية في عقبه جعل الإمامة كذلك .


و في الإحتجاج ، عن العسكري عن أبيه (عليه‏السلام‏) قال : إن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان قاعدا ذات يوم بفناء الكعبة إذ قال له عبد الله بن أمية المخزومي : لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجل من فيما بيننا مالا و أحسنه حالا فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك و ابتعثك به رسولا ، على رجل من القريتين عظيم : إما الوليد بن المغيرة بمكة و إما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف . ثم ذكر (عليه‏السلام‏) في كلام طويل جواب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن قوله بما في معنى الآيات . ثم قال : و ذلك قوله تعالى : « و قالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم» قال الله : « أ هم يقسمون رحمة ربك» يا محمد « نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا» فأحوجنا بعضنا إلى بعض أحوج هذا إلى مال ذلك و أحوج ذلك إلى سلعة هذا و إلى خدمته . فترى أجل الملوك و أغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :107


إما سلعة معه ليست معه ، و إما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك أن يستغني إلا به و أما باب من العلوم و الحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير الذي يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني ، و ذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته . ثم ليس للملك أن يقول : هلا اجتمع إلي مالي علم هذا الفقير و لا للفقير أن يقول : هلا اجتمع إلى رأيي و معرفتي و علمي و ما أتصرف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغني ، ثم قال تعالى : « و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات - ليتخذ بعضهم بعضا سخريا» . ثم قال : يا محمد « و رحمة ربك خير مما يجمعون» أي ما يجمعه هؤلاء من أموال الدنيا .


و في الكافي ، بإسناده عن سعيد بن المسيب قال : سألت علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) عن قول الله عز و جل : « و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة» قال : عنى بذلك أمة محمد أن يكونوا على دين واحد كفارا كلهم « لجعلنا لمن يكفر بالرحمان» إلى آخر الآية .


و في تفسير القمي ، بإسناده عن يحيى بن سعيد عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : « فإما نذهبن بك» يا محمد من مكة إلى المدينة فإما رادوك إليها و منتقمون منهم بعلي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و الحاكم و صححه عن قتادة في قوله : « فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون» : قال : قال أنس : ذهب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و بقيت النقمة و لم ير الله نبيه في أمته شيئا يكرهه حتى قبض و لم يكن نبي قط إلا و قد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم رأى ما يصيب أمته بعده فما رئي ضاحكا منبسطا حتى قبض .


أقول : و روي فيه هذا المعنى عنه و عن علي بن أبي طالب و عن غيرهما بطرق أخرى .


و فيه ، أخرج ابن مردويه من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في قوله تعالى : « فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون» نزلت في علي بن أبي طالب أنه ينتقم من الناكثين و القاسطين بعدي .


أقول : ظاهر الرواية و ما قبلها و ما في معناهما أن الوعيد في الآيتين للمنحرفين عن الحق من أهل القبلة دون كفار قريش .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :108


و في الإحتجاج ، عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) في حديث طويل يقول فيه : و أما قوله تعالى : « و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا» فهذا من براهين نبينا (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) التي آتاه الله إياها و أوجب به الحجة على سائر خلقه لأنه لما ختم به الأنبياء و جعله الله رسولا إلى جميع الأمم و سائر الملل خصه بالارتقاء إلى السماء عند المعراج و جمع له يومئذ الأنبياء فعلم منهم ما أرسلوا به و حملوه من عزائم الله و آياته و براهينه .


الحديث .


أقول : و روى هذا المعنى القمي في تفسيره ، بإسناده عن أبي الربيع عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في جواب ما سأله نافع بن الأزرق ، و رواه في الدر المنثور ، بطرق عن سعيد بن جبير و ابن جريح و ابن زيد .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :109


وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا مُوسى بِئَايَتِنَا إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلايهِ فَقَالَ إِنى رَسولُ رَب الْعَلَمِينَ‏(46) فَلَمَّا جَاءَهُم بِئَايَتِنَا إِذَا هُم مِّنهَا يَضحَكُونَ‏(47) وَ مَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلا هِىَ أَكبرُ مِنْ أُخْتِهَاوَ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏(48) وَ قَالُوا يَأَيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّك بِمَا عَهِدَ عِندَك إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ‏(49) فَلَمَّا كَشفْنَا عَنهُمُ الْعَذَاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ‏(50) وَ نَادَى فِرْعَوْنُ فى قَوْمِهِ قَالَ يَقَوْمِ أَ لَيْس لى مُلْك مِصرَ وَ هَذِهِ الأَنْهَرُ تجْرِى مِن تحْتىأَ فَلا تُبْصِرُونَ‏(51) أَمْ أَنَا خَيرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَ لا يَكادُ يُبِينُ‏(52) فَلَوْ لا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَئكةُ مُقْترِنِينَ‏(53) فَاستَخَف قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُإِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فَسِقِينَ‏(54) فَلَمَّا ءَاسفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ‏(55) فَجَعَلْنَهُمْ سلَفاً وَ مَثَلاً لِّلاَخِرِينَ‏(56)


بيان


لما ذكر طغيانهم بعد تمتيعهم بنعمه و رميهم الحق الذي جاءهم به رسول مبين بأنه سحر و أنهم قالوا : « لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم» فرجحوا الرجل على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بكثرة ماله مثل لهم بقصة موسى (عليه‏السلام‏) و فرعون و قومه حيث أرسله الله إليهم بآياته الباهرة فضحكوا منها و استهزءوا بها ، و احتج فرعون فيما خاطب به قومه على أنه خير من موسى بملك مصر و أنهار تجري من تحته فاستخفهم فأطاعوه فآل أمر استكبارهم أن انتقم الله منهم فأغرقهم .


قوله تعالى : « و لقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون و ملئه فقال إني رسول رب العالمين» اللام في « لقد» للقسم ، و الباء في قوله : « بآياتنا» للمصاحبة ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون» المراد بمجيئهم بالآيات إظهار المعجزات للدلالة على الرسالة ، و المراد بالضحك ضحك الاستهزاء استخفافا بالآيات .


قوله تعالى : « و ما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها» إلخ ، الأخت المثل ، و قوله : « هي أكبر من أختها» كناية عن كون كل واحدة منها بالغة في الدلالة على حقية الرسالة ، و جملة « و ما نريهم من آية» إلخ ، حال من ضمير « منها» ، و المعنى : فلما أتاهم بالمعجزات إذا هم منها يضحكون و الحال أن كلا منها تامة كاملة في إعجازها و دلالتها من غير نقص و لا قصور .


و قوله : « و أخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون» أي رجاء أن يرجعوا عن استكبارهم إلى قبول رسالته ، و المراد بالعذاب الذي أخذوا به آيات الرجز التي نزلت عليهم من السنين و نقص من الثمرات و الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم آيات مفصلات كما في سورة الأعراف .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :110


قوله تعالى : « و قالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون» ما في « بما عهد عندك» مصدرية أي بعهده عندك و المراد به عهده أن يكشف عنهم العذاب لو آمنوا كما قيل أو أن يستجيب دعاءه إذا دعا كما احتمله بعضهم .


و قولهم : يا أيها الساحر خطاب استهزاء استكبارا منهم كما قالوا : ادع ربك و لم يقولوا : ادع ربنا أو ادع الله استكبارا ، و المراد أنهم طلبوا منه الدعاء لكشف العذاب عنهم و وعدوه الاهتداء .


و قيل : معنى الساحر في عرفهم العالم و كان الساحر عندهم عظيما يعظمونه و لم يكن صفة ذم .


و ليس بذاك بل كانوا ساخرين على استكبارهم كما يشهد به قولهم : ادع لنا ربك .


قوله تعالى : « فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون» النكث نقض العهد و خلف الوعد ، و وعدهم هو قولهم : « إننا لمهتدون» .


قوله تعالى : « و نادى فرعون في قومه قال يا قوم أ ليس لي ملك مصر و هذه الأنهار تجري من تحتي أ فلا تبصرون» أي ناداهم و هو بينهم ، و فصل « قال» لكونه في موضع جواب السؤال كأنه قيل : فما ذا قال ؟ فقيل : قال كذا .


و قوله : « و هذه الأنهار تجري من تحتي» أي من تحت قصري أو من بستاني الذي فيه قصري المرتفع العالي البناء ، و الجملة أعني قوله : « و هذه الأنهار» إلخ ، حالية أو « و هذه الأنهار» معطوف على « ملك مصر» ، و قوله : « تجري من تحتي» حال من الأنهار ، و الأنهار أنهار النيل .


و قوله : « أ فلا تبصرون» في معنى تكرير الاستفهام السابق في قوله : « أ ليس لي ملك مصر» إلخ .


قوله تعالى : « أم أنا خير من هذا الذي هو مهين و لا يكاد يبين» المهين الحقير الضعيف من المهانة بمعنى الحقارة ، و يريد بالمهين موسى (عليه‏السلام‏) لما به من الفقر و رثاثة الحال .


و قوله : « و لا يكاد يبين» أي يفصح عن مراده و لعله كان يصف موسى (عليه‏السلام‏) به باعتبار ما كان عليه قبل الرسالة لكن الله رفع عنه ذلك لقوله : « قال قد أوتيت سؤلك يا موسى» : طه : 36 بعد قوله (عليه‏السلام‏) : « و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي» : طه : 28 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص:111


و قوله في صدر الآية : « أم أنا خير» إلخ ، أم فيه إما منقطعة لتقرير كلامه السابق و المعنى : بل أنا خير من موسى لأنه كذا و كذا ، و إما متصلة ، و أحد طرفي الترديد محذوف مع همزة الاستفهام ، و التقدير : أ هذا خير أم أنا خير إلخ ، و في المجمع ، قال سيبويه و الخليل : عطف أنا بأم على « أ فلا تبصرون» لأن معنى « أنا خير» معنى أم تبصرون فكأنه قال : أ فلا تبصرون أم تبصرون لأنهم إذا قالوا له : أنت خير منه فقد صاروا بصراء عنده انتهى .


أي إن وضع « أم أنا خير» موضع أم تبصرون من وضع المسبب موضع السبب أو بالعكس .


و كيف كان فالإشارة إلى موسى بهذا من دون أن يذكر باسمه للتحقير و توصيفه بقوله : « الذي هو مهين و لا يكاد يبين» للتحقير و للدلالة على عدم خيريته .


قوله تعالى : « فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين» الأسورة جمع سوار بالكسر ، و قال الراغب : هو معرب دستواره قالوا : كان من دأبهم أنهم إذا سودوا رجلا سوروه بسوار من ذهب و طوقوه بطوق من ذهب فالمعنى لو كان رسولا و ساد الناس بذلك لألقي إليه أسورة من ذهب .


و قوله : « أو جاء معه الملائكة مقترنين» الظاهر أن الاقتران بمعنى التقارن كالاستباق و الاستواء بمعنى التسابق و التساوي ، و المراد إتيان الملائكة معه متقارنين لتصديق رسالته ، و هذه الكلمة مما تكررت على لسان مكذبي الرسل كقولهم : « لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا» : الفرقان : 7 .


قوله تعالى : « فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين» أي استخف عقول قومه و أحلامهم ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين» الإيساف الإغضاب أي فلما أغضبونا بفسوقهم انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ، و الغضب منه تعالى إرادة العقوبة .


قوله تعالى : « فجعلناهم سلفا و مثلا للآخرين» السلف المتقدم و الظاهر أن المراد بكونهم سلفا للآخرين تقدمهم عليهم في دخول النار ، و المثل الكلام السائر الذي يتمثل به و يعتبر به ، و الظاهر أن كونهم مثلا لهم كونهم مما يعتبر به الآخرون لو اعتبروا و اتعظوا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :112


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و لا يكاد يبين» قال : لم يبين الكلام . و في التوحيد ، بإسناده إلى أحمد بن أبي عبد الله رفعه إلى أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل « فلما آسفونا انتقمنا منهم» قال : إن الله لا يأسف كأسفنا و لكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مدبرون فجعل رضاهم لنفسه رضى و سخطهم لنفسه سخطا و ذلك لأنه جعلهم الدعاة إليه و الأدلاء عليه فلذلك صاروا كذلك . و ليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه و لكن هذا معنى ما قال من ذلك ، و قد قال أيضا من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و دعاني إليها ، و قال أيضا : « من يطع الرسول فقد أطاع الله» ، و قال أيضا : « إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله» و كل هذا و شبهه على ما ذكرت لك ، و هكذا الرضا و الغضب و غيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك . و لو كان يصل إلى المكون الأسف و الضجر و هو الذي أحدثهما و أنشأهما لجاز لقائل أن يقول : إن المكون يبيد يوما لأنه إذا دخله الضجر و الغضب دخله التغيير فإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة ، و لو كان ذلك كذلك لم يعرف المكون من المكون و إلا القادر من المقدور و لا الخالق من المخلوقين تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا . هو الخالق للأشياء لا لحاجة فإذا كان لا لحاجة استحال الحد و الكيف فيه فافهم ذلك إن شاء الله : . أقول : و روي مثله في الكافي ، بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن عمه حمزة بن بزيع عنه (عليه‏السلام‏) .




الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :113


وَ لَمَّا ضرِب ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُك مِنْهُ يَصِدُّونَ‏(57) وَ قَالُوا ءَ أَلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَمَا ضرَبُوهُ لَك إِلا جَدَلابَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ‏(58) إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَ جَعَلْنَهُ مَثَلاً لِّبَنى إِسرءِيلَ‏(59) وَ لَوْ نَشاءُ لجََعَلْنَا مِنكم مَّلَئكَةً فى الأَرْضِ يخْلُفُونَ‏(60) وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلساعَةِ فَلا تَمْترُنَّ بهَا وَ اتَّبِعُونِهَذَا صِرَطٌ مُّستَقِيمٌ‏(61) وَ لا يَصدَّنَّكُمُ الشيْطنُإِنَّهُ لَكمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏(62) وَ لَمَّا جَاءَ عِيسى بِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكم بِالْحِكْمَةِ وَ لأُبَينَ لَكُم بَعْض الَّذِى تخْتَلِفُونَ فِيهِفَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏(63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبى وَ رَبُّكمْ فَاعْبُدُوهُهَذَا صِرَطٌ مُّستَقِيمٌ‏(64) فَاخْتَلَف الأَحْزَاب مِن بَيْنهِمْفَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ‏(65)


بيان


إشارة إلى قصة عيسى بعد الفراغ عن قصة موسى (عليه‏السلام‏) و قدم عليها مجادلتهم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في عيسى (عليه‏السلام‏) و أجيب عنها .


قوله تعالى : « و لما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون - إلى قوله - خصمون» الآية إلى تمام أربع آيات أو ست آيات حول جدال القوم فيما ضرب من مثل ابن مريم ، و الذي يتحصل بالتدبر فيها نظرا إلى كون السورة مكية و مع قطع النظر عن الروايات هو أن المراد بقوله : « و لما ضرب ابن مريم مثلا» هو ما أنزله الله من وصفه في أول سورة مريم فإنها السورة المكية الوحيدة التي وردت فيها قصة عيسى بن مريم (عليهماالسلام‏) تفصيلا ، و السورة تقص قصص عدة من النبيين بما أن الله أنعم عليهم كما تختتم قصصهم بقوله : « أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين» : مريم : 58 ، و قد وقع في


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :114


هذه الآيات قوله : « إن هو إلا عبد أنعمنا عليه» و هو من الشواهد على كون قوله : « و لما ضرب ابن مريم مثلا» إشارة إلى ما في سورة مريم .


و المراد بقوله : « إذا قومك منه يصدون» بكسر الصاد أي يضجون و يضحكون ذم لقريش في مقابلتهم المثل الحق بالتهكم و السخرية ، و قرى‏ء « يصدون» بضم الصاد أي يعرضون و هو أنسب للجملة التالية .


و قوله : « و قالوا ء آلهتنا خير أم هو» الاستفهام للإنكار أي آلهتنا خير من ابن مريم كأنهم لما سمعوا اسمه بما يصفه القرآن به من النعمة و الكرامة أعرضوا عنه بما يصفه به القرآن و أخذوه بما له من الصفة عند النصارى أنه إله ابن إله فردوا على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بأن آلهتنا خير منه و هذا من أسخف الجدال كأنهم يشيرون بذلك إلى أن الذي في القرآن من وصفه لا يعتنى به و ما عند النصارى لا ينفع فإن آلهتهم خير منه .


و قوله : « ما ضربوه لك إلا جدلا» أي ما وجهوا هذا الكلام : « أ آلهتنا خير أم هو» إليك إلا جدلا يريدون به إبطال المثل المذكور و إن كان حقا « بل هم قوم خصمون»أي ثابتون على خصومتهم مصرون عليها .


و قوله : « إن هو إلا عبد أنعمنا عليه» رد لما يستفاد من قولهم : « ء آلهتنا خير أم هو» أنه إله النصارى كما سيجي‏ء .


و قال الزمخشري في الكشاف ، و كثير من المفسرين و نسب إلى ابن عباس و غيره في تفسير الآية : أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لما قرأ قوله تعالى : « إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم» على قريش امتعضوا من ذلك امتعاضا شديدا فقال ابن الزبعري : يا محمد ، أ خاصة لنا و لآلهتنا أم لجميع الأمم ؟ فقال (عليه‏السلام‏) : هو لكم و لآلهتكم و لجميع الأمم . فقال : خصمتك و رب الكعبة أ لست تزعم أن عيسى بن مريم نبي و تثني عليه خيرا و على أمه ؟ و قد علمت أن النصارى يعبدونهما ، و عزير يعبد و الملائكة يعبدون فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن و آلهتنا معهم ففرحوا و ضحكوا و سكت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأنزل الله : « إن الذين سبقت لهم منا الحسنى - أولئك عنها مبعدون» و نزلت هذه الآية .


و المعنى : و لما ضرب ابن الزبعري عيسى بن مريم مثلا و جادل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بعبادة النصارى إياه إذا قومك يعني قريشا من هذا المثل يضجون فرحا و ضحكا بما


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :115


سمعوا منه من إسكات رسول (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و قالوا : ء آلهتنا خير أم هو أي إن عيسى عندك خير من آلهتنا و إذا كان هو حصب جهنم فأمر آلهتنا هين .


ما ضربوا هذا المثل لك إلا جدلا و غلبة في القول لا لميز الحق من الباطل .


و فيه أنه تقدم في تفسير قوله : « إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم» : الأنبياء : 98 ، أن هذه الرواية بما فيها من وجوه الوهن و الخلل ضعيفة لا يعبأ بها حتى نقل عن الحافظ ابن حجر أن الحديث لا أصل له و لم يوجد في شي‏ء من كتب الحديث لامسندا و لا غير مسند .


و قصة ابن الزبعري هذه و إن رويت من طرق الشيعة على وجه سليم عن المناقشة لكن لم يذكر فيها نزول قوله : « و لما ضرب ابن مريم» الآية هناك .


على أن ظاهر قوله : « ضرب ابن مريم مثلا» و قوله : « أ آلهتنا خير أم هو» لا يلائم ما فسرته تلك الملاءمة .


و قيل : إنهم لما سمعوا قوله تعالى : « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون» : آل عمران : 59 ، قالوا : نحن أهدى من النصارى لأنهم يعبدون آدميا و نحن نعبد الملائكة - يريدون أرباب الأصنام - فآلهتنا خير من إلههم فالذي ضرب المثل بابن مريم هو الله سبحانه ، و قولهم : « ء آلهتنا خير أم هو» لتفضيل آلهتهم على عيسى لا بالعكس كما في الوجه السابق .


و فيه أن قوله تعالى : « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم» مدنية .


و هذه الآيات أعني قوله : « و لما ضرب ابن مريم» إلخ ، آيات مكية من سورة مكية .


على أن الأساس في قولهم - على هذا الوجه - تفضيلهم أنفسهم على النصارى فلا يرتبط على هذا قوله : « إن هو إلا عبد أنعمنا عليه» إلخ ، بما تقدمه .


و قيل : إنهم لما سمعوا قوله : « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم» ضجوا و قالوا : ما يريد محمد بهذا إلا أن نعبده كما يعبد النصارى المسيح ، و آلهتنا خير منه أي من محمد .


و فيه ما في سابقه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :116


و قيل : مرادهم بقولهم : « ء آلهتنا خير أم هو» التنصل و التخلص عما أنكر عليهم من قولهم : الملائكة بنات الله ، و من عبادتهم لهم كأنهم قالوا : ما كان ذلك منا بدعا فإن النصارى يعبدون المسيح و ينسبونه إلى الله و هو بشر و نحن نعبد الملائكة و ننسبهم إلى الله و هم أفضل من البشر .


و فيه أنه لا يفي بتوجيه قوله : « و لما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون» على أن قوله : « إن هو إلا عبد أنعمنا عليه» على هذا الوجه لا يرتبط بما قبله كما في الوجهين السابقين .


و قيل : معنى قولهم : « ء آلهتنا خير أم هو» أن مثلنا في عبادة الآلهة مثل النصارى في عبادة المسيح فأيهما خير ؟ عبادة آلهتنا أم عبادة المسيح ؟ فإن قال : عبادة المسيح خير فقد اعترف بعبادة غير الله ، و إن قال : عبادة الآلهة فكذلك ، و إن قال : ليس في عبادة المسيح خير فقد قصر به عن منزلته و جوابه أن اختصاص المسيح بضرب من التشريف و الإنعام من الله تعالى لا يوجب جواز عبادته .


و فيه أنه في نفسه لا بأس به لكن الشأن في دلالة قوله تعالى : « ء آلهتنا خير أم هو» على هذا التفصيل .


و قال في المجمع ، في الوجوه التي أوردها في معنى الآية : و رابعها ما رواه سادة أهل البيت عن علي (عليه‏السلام‏) أنه قال : جئت إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يوما فوجدته في ملإ من قريش فنظر إلي ثم قال : يا علي ، إنما مثلك في هذه الأمة مثل عيسى بن مريم أحبه قوم فأفرطوا في حبه فهلكوا ، و أبغضه قوم فأفرطوا في بغضه فهلكوا ، و اقتصد فيه قوم فنجوا . فعظم ذلك عليهم فضحكوا و قالوا : يشبهه بالأنبياء و الرسل ، فنزلت الآية .


أقول : و الرواية غير متعرضة لتوجيه قولهم : « ء آلهتنا خير أم هو» و لئن كانت القصة سببا للنزول فمعنى الجملة : لئن نتبع آلهتنا و نطيع كبراءنا خير من أن نتولى عليا فيتحكم علينا أو خير من أن نتبع محمدا فيحكم علينا ابن عمه .


و يمكن أن يكون قوله : « و قالوا ء آلهتنا خير أم هو» إلخ ، استئنافا و النازل في القصة هو قوله : « و لما ضرب ابن مريم مثلا» الآية .


قوله تعالى : « إن هو إلا عبد أنعمنا عليه و جعلناه مثلا لبني إسرائيل» الذي


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :117


يستدعيه السياق أن يكون الضمير لابن مريم ، و المراد بكونه مثلا - على ما قيل - كونه آية عجيبة إلهية يسير ذكره كالأمثال السائرة .


و المعنى : ليس ابن مريم إلا عبدا متظاهرا بالعبودية أنعمنا عليه بالنبوة و تأييده بروح القدس و إجراء المعجزات الباهرة على يديه و غير ذلك و جلعناه آية عجيبة خارقة نصف به الحق لبني إسرائيل .


و هذا المعنى كما ترى رد لقولهم : « ء آلهتنا خير أم هو» الظاهر في تفضيلهم آلهتهم في ألوهيتها على المسيح (عليه‏السلام‏) في ألوهيته و محصله أن المسيح لم يكن إلها حتى ينظر في منزلته في ألوهيته و إنما كان عبدا أنعم الله عليه بما أنعم ، و أما آلهتهم فنظر القرآن فيهم ظاهر .


قوله تعالى : « و لو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون» الظاهر أن الآية متصلة بما قبلها مسرودة لرفع استبعاد أن يتلبس البشر من الكمال ما يقصه القرآن عن عيسى (عليه‏السلام‏) فيخلق الطير و يحيي الموتى و يكلم الناس في المهد إلى غير ذلك ، فيكون كالملائكة المتوسطين في الإحياء و الإماتة و الرزق و سائر أنواع التدبير و يكون مع ذلك عبدا غير معبود و مألوها غير إله فإن هذا النوع من الكمال عند الوثنية مختص بالملائكة و هو ملاك ألوهيتهم و معبوديتهم و بالجملة هم يحيلون تلبس البشر بهذا النوع من الكمال الذي يخصونه بالملائكة .


فأجيب بأن لله أن يزكي الإنسان و يطهره من أدناس المعاصي بحيث يصير باطنه باطن الملائكة فظاهره ظاهر البشر و باطنه باطن الملك يعيش في الأرض يخلف مثله و يخلفه مثله و يظهر منه ما يظهر من الملائكة .


و على هذا فمن في قوله « منكم» للتبعيض ، و قوله : « يخلفون» أي يخلف بعضهم بعضا .


و في المجمع ، أن « من» في قوله : « منكم» تفيد معنى البدلية كما في قوله :


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :118


فليت لنا من ماء زمزم شربة .


مبردة باتت على الطهيان .


و قوله : « يخلفون» أي يخلفون بني آدم ويكونون خلفاء لهم ، و المعنى : و لو نشاء أهلكناكم و جعلنا بدلكم ملائكة يسكنون الأرض و يعمرونها و يعبدون الله .


و فيه أنه لا يلائم النظم تلك الملاءمة .


قوله تعالى : « و إنه لعلم للساعة فلا تمترن بها و اتبعون هذا صراط مستقيم» ضمير « إنه» لعيسى (عليه‏السلام‏) و المراد بالعلم ما يعلم به ، و المعنى : و إن عيسى يعلم به الساعة في خلقه من غير أب و إحيائه الموتى فيعلم به أن الساعة ممكنة فلا تشكوا في الساعة و لا ترتابوا فيها البتة .


و قيل : المراد بكونه علما للساعة كونه من أشراطها ينزل على الأرض فيعلم به قرب الساعة .


و قيل : الضمير للقرآن و كونه علما للساعة كونه آخر الكتب المنزلة من السماء .


و في الوجهين جميعا خفاء التفريع الذي في قوله : « فلا تمترن بها» .


و قوله : « و اتبعون هذا صراط مستقيم» قيل : هو من كلامه تعالى ، و المعنى : اتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي ، و قيل : من كلام الرسول بأمر منه تعالى .


قوله تعالى : « و لا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين» الصد الصرف ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « و لما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة» إلخ ، المراد بالبينات الآيات البينات من المعجزات ، و بالحكمة المعارف الإلهية من العقائد الحقة و الأخلاق الفاضلة .


و قوله : « و لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه» أي في حكمه من الحوادث و الأفعال ، و الذي يختلفون فيه و إن كان أعم من الاعتقادات التي يختلف في كونها حقة أو باطلة و الحوادث و الأفعال التي يختلف في مشروع حكمها لكن المناسب لسبق قوله : « قد جئتكم بالحكمة» أن يختص ما اختلفوا فيه بالحوادث و الأفعال و الله أعلم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :119


و قيل : المراد بقوله : « بعض الذي تختلفون فيه» كل الذي تختلفون فيه .


و هو كما ترى .


و قيل : المراد لأبين لكم أمور دينكم دون أمور دنياكم و لا دليل عليه من لفظ الآية و لا من المقام .


و قوله : « فاتقوا الله و أطيعون» نسب التقوى إلى الله و الطاعة إلى نفسه ليسجل أنه لا يدعي إلا الرسالة .


قوله تعالى : « إن الله هو ربي و ربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم» دعوة منه إلى عبادة الله وحده و أنه هو ربه و ربهم جميعا و إتمام للحجة على من يقول بألوهيته .


قوله تعالى : « فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم» ضمير « من بينهم» لمن بعث إليهم عيسى (عليه‏السلام‏) و المعنى : فاختلف الأحزاب المتشعبة من بين أمته في أمر عيسى من كافر به قال فيه ، و من مؤمن به غال فيه ، و من مقتصد لزم الاعتدال .


و قوله : « فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم» تهديد و وعيد للقالي منهم و الغالي .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :120


هَلْ يَنظرُونَ إِلا الساعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشعُرُونَ‏(66) الأَخِلاءُ يَوْمَئذِ بَعْضهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ‏(67) يَعِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكمُ الْيَوْمَ وَ لا أَنتُمْ تحْزَنُونَ‏(68) الَّذِينَ ءَامَنُوا بِئَايَتِنَا وَ كانُوا مُسلِمِينَ‏(69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَ أَزْوَجُكمْ تحْبرُونَ‏(70) يُطاف عَلَيهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَ أَكْوَابٍوَ فِيهَا مَا تَشتَهِيهِ الأَنفُس وَ تَلَذُّ الأَعْينُوَ أَنتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ‏(71) وَ تِلْك الجَْنَّةُ الَّتى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏(72) لَكمْ فِيهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكلُونَ‏(73) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ‏(74) لا يُفَترُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسونَ‏(75) وَ مَا ظلَمْنَهُمْ وَ لَكِن كانُوا هُمُ الظلِمِينَ‏(76) وَ نَادَوْا يَمَلِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكقَالَ إِنَّكم مَّكِثُونَ‏(77) لَقَدْ جِئْنَكم بِالحَْقّ‏ِ وَ لَكِنَّ أَكْثرَكُمْ لِلْحَقّ‏ِ كَرِهُونَ‏(78)


بيان


رجوع إلى إنذار القوم و فيه تخويفهم بالساعة و الإشارة إلى ما يئول إليه حال المتقين و المجرمين فيها من الثواب و العقاب .


قوله تعالى : « هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة و هم لا يشعرون» النظر الانتظار ، و البغتة الفجأة ، و المراد بعدم شعورهم بها غفلتهم عنها لاشتغالهم بأمور الدنيا كما قال تعالى : « ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم و هم يخصمون» : يس : 49 ، فلا يتكرر المعنى في قوله : « بغتة و هم لا يشعرون» .


و المعنى : ما ينتظر هؤلاء الكفار بكفرهم و تكذيبهم لآيات الله إلا أن تأتيهم الساعة مباغتة لهم و هم غافلون عنها مشتغلون بأمور دنياهم أي إن حالهم حال من هدده الهلاك فلم يتوسل بشي‏ء من أسباب النجاة و قعد ينتظر الهلاك ففي الكلام كناية عن عدم اعتنائهم بالإيمان بالحق ليتخلصوا به عن أليم العذاب .


قوله تعالى : « الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين» الأخلاء جمع خليل و هو الصديق حيث يرفع خلة صديقه و حاجته ، و الظاهر أن المراد بالأخلاء المطلق الشامل للمخالة و التحاب في الله كما في مخالة المتقين أهل الآخرة و المخالة في غيره كما في مخالة أهل الدنيا فاستثناء المتقين متصل .


و الوجه في عداوة الأخلاء غير المتقين أن من لوازم المخالة إعانة أحد الخليلين الآخر في مهام أموره فإذا كانت لغير وجه الله كان فيها الإعانة على الشقوة الدائمة و العذاب الخالد كما قال تعالى حاكيا عن الظالمين يوم القيامة : « يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :121


لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني» : الفرقان : 29 ، و أما الأخلاء من المتقين فإن مخالتهم تتأكد و تنفعهم يومئذ .


و في الخبر النبوي : إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام و قلت الأنساب و ذهبت الأخوة إلا الأخوة في الله و ذلك قوله : « الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين .


قوله تعالى : « يا عباد لا خوف عليكم اليوم و لا أنتم تحزنون» من خطابه تعالى لهم يوم القيامة كما يشهد به قوله بعد : « ادخلوا الجنة» إلخ ، و في الخطاب تأمين لهم من كل مكروه محتمل أو مقطوع به فإن مورد الخوف المكروه المحتمل و مورد الحزن المكروه المقطوع به فإذا ارتفعا ارتفعا .


قوله تعالى : « الذين آمنوا بآياتنا و كانوا مسلمين» الموصول بدل منالمنادى المضاف في « يا عباد» أو صفة له ، و الآيات كل ما يدل عليه تعالى من نبي و كتاب و أي آية أخرى دالة ، و المراد بالإسلام التسليم لإرادة الله و أمره .


قوله تعالى : « ادخلوا الجنة أنتم و أزواجكم تحبرون» ظاهر الأمر بدخول الجنة أن المراد بالأزواج هي النساء المؤمنات في الدنيا دون الحور العين لأنهن في الجنة غير خارجات منها .


و الحبور - على ما قيل - السرور الذي يظهر أثره و حباره في الوجه و الحبرة الزينة و حسن الهيئة ، و المعنى : ادخلوا الجنة أنتم و أزواجكم المؤمنات و الحال أنكم تسرون سرورا يظهر أثره في وجوهكم أو تزينون بأحسن زينة .


قوله تعالى : « يطاف عليهم بصحاف من ذهب و أكواب» إلخ الصحاف جمع صحفة و هي القصعة أو أصغر منها ، و الأكواب جمع كوب و هو كوز لا عروة له ، و في ذكر الصحاف و الأكواب إشارة إلى تنعمهم بالطعام و الشراب .


و في الالتفات إلى الغيبة في قوله : « يطاف عليهم» بين الخطابين « ادخلوا الجنة» و « أنتم فيها خالدون» تفخيم لإكرامهم و إنعامهم أن ذلك بحيث ينبغي أن يذكر


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :122


لغيرهم ليزيد به اغتباطهم و يظهر به صدق ما وعدوا به .


و قوله : « و فيها ما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين» الظاهر أن المراد بما تشتهيه الأنفس ما تتعلق به الشهوة الطبيعية من مذوق و مشموم و مسموع و ملموس مما يتشارك فيه الإنسان و عامة الحيوان ، و المراد بما تلذه الأعين الجمال و الزنية و ذلك مما الالتذاذ به كالمختص بالإنسان كما في المناظر البهجة و الوجه الحسن و اللباس الفاخر ، و لذا غير التعبير فعبر عما يتعلق بالأنفس بالاشتهاء و فيما يتعلق بالأعين باللذة و في هذين القسمين تنحصر اللذائذ النفسانية عندنا .


و يمكن أن تندرج اللذائذ الروحية العقلية فيما تلذه الأعين فإن الالتذاذ الروحي يعد من رؤيةالقلب .


قال في المجمع ، : و قد جمع الله سبحانه في قوله : « ما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين» ما لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يصفوا ما في الجنة من أنواع النعيم لم يزيدوا على ما انتظمته هاتان الصفتان .


انتهى .


و قوله : « و أنتم فيها خالدون» إخبار و وعد و تبشير بالخلود و لهم في العلم به من اللذة الروحية ما لا يقاس بغيره و لا يقدر بقدر .


قوله تعالى : « و تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون» قيل : المعنى أعطيتموها بأعمالكم ، و قيل أورثتموها من الكفار و كانوا داخليها لو آمنوا و عملوا صالحا ، و قد تقدم الكلام في المعنيين في تفسير قوله تعالى : « أولئك هم الوارثون» : المؤمنون : 10 .


قوله تعالى : « لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون» أضاف الفاكهة إلى ما مرت الإشارة إليه من الطعام و الشراب لإحصاء النعمة ، و من في « منها تأكلون» للتبعيض و لا يخلو من إشارة إلى أنها لا تنفد بالأكل .


قوله تعالى : « إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم و هم فيه مبلسون» المراد بالمجرمين المتلبسون بالإجرام فيكون أعم من الكفار و يؤيده إيراده في مقابلة المتقين و هو أخص من المؤمنين .


و التفتير التخفيف و التقليل ، و الإبلاس اليأس و يأسهم من الرحمة أو من الخروج من النار .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :123


قوله تعالى : « و ما ظلمناهم و لكن كانوا هم الظالمين» و ذلك أنه تعالى جازاهم بأعمالهم لكنهم ظلموا أنفسهم حيث أوردوها بأعمالهم مورد الشقوة و الهلكة .


قوله تعالى : « و نادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون» مالك هو الملك الخازن للنار على ما وردت به الأخبار من طرق العامة و الخاصة .


و خطابهم مالكا بما يسألونه من الله سبحانه لكونهم محجوبين عنه كما قال تعالى : « كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون» : المطففين : 15 ، و قال : « قال اخسئوا فيها و لا تكلمون» : المؤمنون : 108 .


فالمعنى : أنهم يسألون مالكا أن يسأل الله أن يقضي عليهم .


و المراد بالقضاء عليهم إماتتهم ، و يريدون بالموت الانعدام و البطلان لينجوا بذلك عما هم فيه من الشقوة و أليم العذاب ، و هذا من ظهور ملكاتهم الدنيوية فإنهم كانوا يرون في الدنيا أن الموت انعدام و فوت لا انتقال من دار إلى دار فيسألون الموت بالمعنى الذي ارتكز في نفوسهم و إلا فهم قد ماتوا و شاهدوا ما هي حقيقته .


و قوله : « قال إنكم ماكثون» أي فيما أنتم فيه من الحياة الشقية و العذاب الأليم ، و القائل هو مالك جوابا عن مسألتهم .


قوله تعالى : « لقد جئناكم بالحق و لكن أكثركم للحق كارهون» ظاهره أنه من تمام كلام مالك يقوله عن لسان الملائكة و هو منهم ، و قيل : من كلامه تعالى و يبعده أنهم محجوبون يومئذ عن ربهم لا يكلمهم الله تعالى .


و الخطاب لأهل النار بما أنهم بشر ، فالمعنى : لقد جئناكم معشر البشر بالحق و لكن أكثركم و هم المجرمون كارهون للحق .


و قيل : المراد بالحق مطلق الحق أي حق كان فهم يكرهونه و ينفرون منه و أما الحق المعهود الذي هو التوحيد أو القرآن فكلهم كارهون له مشمئزون منه .


و المراد بكراهتهم للحق الكراهة بحسب الطبع الثاني المكتسب بالمعاصي و الذنوب لا بحسب الطبع الأول الذي هو الفطرة التي فطر الناس عليها إذ لو كرهوه بحسبها لم يكلفوا بقبوله ، قال تعالى : « لا تبديل لخلق الله» : الروم : 30 ، و قال : « و نفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها» : الشمس : 8 .


و يظهر من الآية أن الملاك في السعادة و الشقاء قبول الحق و رده .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :124


أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبرِمُونَ‏(79) أَمْ يحْسبُونَ أَنَّا لا نَسمَعُ سِرَّهُمْ وَ نجْوَاهُمبَلى وَ رُسلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ‏(80) قُلْ إِن كانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ‏(81) سبْحَنَ رَب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ رَب الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ‏(82) فَذَرْهُمْ يخُوضوا وَ يَلْعَبُوا حَتى يُلَقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ‏(83) وَ هُوَ الَّذِى فى السمَاءِ إِلَهٌ وَ فى الأَرْضِ إِلَهٌوَ هُوَ الحَْكِيمُ الْعَلِيمُ‏(84) وَ تَبَارَك الَّذِى لَهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ عِندَهُ عِلْمُ الساعَةِ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏(85) وَ لا يَمْلِك الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفَعَةَ إِلا مَن شهِدَ بِالْحَقّ‏ِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏(86) وَ لَئن سأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُفَأَنى يُؤْفَكُونَ‏(87) وَ قِيلِهِ يَرَب إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ‏(88) فَاصفَحْ عَنهُمْ وَ قُلْ سلَمٌفَسوْف يَعْلَمُونَ‏(89)


بيان


رجوع إلى سابق الكلام و فيه توبيخهم على ما يريدون من الكيد برسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تهديدهم بأن الله يكيدهم ، و نفي الولد الذي يقولون به ، و إبطال القول بمطلق الشريك و إثبات الربوبية المطلقة لله وحده ، و تختتم السورة بالتهديد و الوعيد .


قوله تعالى : « أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون» الإبرام خلاف النقض و هو الإحكام ، و أم منقطعة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :125


و المعنى : على ما يفيده سياق الآية و الآية التالية : بل أحكموا أمرا من الكيد بك يا محمد فإنا محكمون الكيد بهم فالآية في معنى قوله تعالى : « أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون» : الطور : 42 .


قوله تعالى : « أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم و نجواهم بلى و رسلنا لديهم يكتبون» السر ما يستسرونه في قلوبهم و النجوى ما يناجيه بعضهم بعضا بحيث لا يسمعه غيرهما ، و لما كان السر حديث النفس عبر عن العلم بالسر و النجوى جميعا بالسمع .


و قوله : « بلى و رسلنا لديهم يكتبون» أي بلى نحن نسمع سرهم و نجواهم و رسلنا الموكلون على حفظ أعمالهم عليهم يكتبون ذلك .


قوله تعالى : « قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين» إبطال لألوهية الولد بإبطال أصل وجوده من جهة علمه بأنه ليس ، و التعبير بأن الشرطية دون لو الدالة على الامتناع - و كان مقتضى المقام أن يقال : لو كان للرحمن ولد ، لاستنزالهم عن رتبة المكابرة إلى مرحلة الانتصاف .


و المعنى : قل لهم إن كان للرحمن ولد كما يقولون ، فأنا أول من يعبده أداء لحق بنوته و مسانخته لوالده ، لكني أعلم أنه ليس و لذلك لا أعبده لا لبغض و نحوه .


و قد أوردوا للآية معاني أخرى : منها : أن المعنى لو كان لله ولد كما تزعمون فأنا أعبد الله وحده و لا أعبد الولد الذي تزعمون .


و منها : أن « إن» نافية و المعنى : قل ما كان لله ولد فأنا أول العابدين الموحدين له من بينكم .


و منها : أن « العابدين» من عبد بمعنى أنف و المعنى : قل لو كان للرحمن ولد فأنا أول من أنف و استنكف عن عبادته لأن الذي يلد لا يكون إلا جسما و الجسمية تنافي الألوهية .


و منها : أن المعنى : كما أني لست أول من عبد الله كذلك ليس لله ولد أي لو جاز لكم أن تدعوا ذاك المحال جاز لي أن أدعي هذا المحال .


إلى غير ذلك مما قيل لكن الظاهر من الآية ما قدمناه .


قوله تعالى : « سبحان رب السماوات و الأرض رب العرش عما يصفون» تسبيح


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :126


له سبحانه عما ينسبون إليه ، و الظاهر أن « رب العرش» عطف بيان لرب السماوات و الأرض لأن المراد بالسماوات و الأرض مجموع العالم المشهود و هو عرش ملكه تعالى الذي استوى عليه و حكم فيه و دبر أمره .


و لا يخلو من إشارة إلى حجة على الوحدانية إذ لما كان الخلق مختصا به تعالى حتى باعتراف الخصم و هو من شئون عرش ملكه ، و التدبير من الخلق و الإيجاد فإنه إيجاد النظام الجاري بين المخلوقات فالتدبير أيضا من شئون عرشه فربوبيته للعرش ربوبية لجميع السماوات و الأرض .


قوله تعالى : « فذرهم يخوضوا و يلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون» وعيد إجمالي لهم بأمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالإعراض عنهم حتى يلاقوا ما يحذرهم منه من عذاب يوم القيامة .


و المعنى : فاتركهم يخوضوا في أباطيلهم و يلعبوا في دنياهم و يشتغلوا بذلك حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدونه و هو يوم القيامة كما ذكر في الآيات السابقة : « هل ينظرون إلا الساعة» إلخ .


قوله تعالى : « و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله و هو الحكيم العليم» أي هو الذي هو في السماء إله مستحق للمعبودية و هو في الأرض إله أي هو المستحق لمعبودية أهل السماوات و الأرض وحده ، و يفيد تكرار « إله» كما قيل التأكيد و الدلالة على أن كونه تعالى إلها في السماء و الأرض بمعنى تعلق ألوهيته بهما لا بمعنى استقراره فيهما أو في أحدهما .


و في الآية مقابلة لما يثبته الوثنية لكل من السماء و الأرض إلها أو آلهة ، و في تذييل الآية بقوله : « و هو الحكيم العليم» الدال على الحصر إشارة إلى وحدانيته في الربوبية التي لازمها الحكمة و العلم .


قوله تعالى : « و تبارك الذي له ملك السماوات و الأرض و ما بينهما و عنده علم الساعة و إليه ترجعون» ثناء عليه تعالى بالتبارك و هو مصدريته للخير الكثير .


و كل من الصفات الثلاث المذكورة حجة على توحده في الربوبية أما ملكه للجميع فظاهر فإن الربوبية لمن يدبر الأمر و التدبير للملك ، و أما اختصاص علم الساعة به فلأن


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :127


الساعة هي المنزل الأقصى إليه يسير الكل و كيف يصح أن يرب الأشياء من لا علم له بمنتهى مسيرها فهو تعالى رب الأشياء لا من يدعونه ، و أما رجوع الناس إليه فإن الرجوع للحساب و الجزاء و هو آخر التدبير فمن إليه الرجوع فإليه التدبير و من إليه التدبير له الربوبية .


قوله تعالى : « و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق و هم يعلمون» السياق سياق العموم فالمراد بالذين يدعون ، أي يعبدونهم من دونه ، كل معبود غيره تعالى من الملائكة و الجن و البشر و غيرهم .


و المراد « بالحق» الحق الذي هو التوحيد ، و الشهادة به الاعتراف به ، و المراد بقوله : « و هم يعلمون» حيث أطلق العلم علمهم بحقيقة حال من شفعوا له و حقيقة عمله كما قال : « لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا» : النبأ : 38 ، و إذا كان هذا حال الشفعاء لا يملكونها إلا بعد الشهادة بالحق فما هم بشافعين إلا لأهل التوحيد كما قال : « و لا يشفعون إلا لمن ارتضى» .


و الآية مصرحة بوجود الشفاعة .


قوله تعالى : « و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون» أي إلى متى يصرفون عن الحق الذي هو التوحيد إلى الباطل الذي هو الشرك ، و ذلك أنهم معترفون أن لا خالق إلا الله و التدبير الذي هو ملاك الربوبية غير منفك عن الخلق كما اتضح مرارا فالرب المعبود هو الذي بيده الخلق و هو الله سبحانه .


قوله تعالى : « و قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون» ضمير « قيله» للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بلا إشكال ، و القيل مصدر كالقول و القال ، و « قيله» معطوف - على ما قيل - على الساعة في قوله : « و عنده علم الساعة» ، و المعنى : و عنده علم قوله : « يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون» .


قوله تعالى : « فاصفح عنهم و قل سلام فسوف يعلمون» أمر بالإعراض عنهم و إقناط من إيمانهم ، و قوله : « قل سلام» أي وادعهم موادعة ترك من غير هم لك فيهم ، و في قوله : « فسوف يعلمون» تهديد و وعيد .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :128


بحث روائي


في الإحتجاج ، عن علي (عليه‏السلام‏) في حديث طويل يقول فيه : قوله : إن كان للرحمن ولد - فأنا أول العابدين أي الجاحدين ، و التأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره .


أقول : الظاهر أن المراد أنه خلاف ما ينصرف إليه لفظ عابد عند الإطلاق .


و في الكافي ، بإسناده عن هشام بن الحكم قال : قال أبو شاكر الديصاني : إن في القرآن آية هي قولنا . قلت : و ما هي ؟ قال : هو الذي في السماء إله و في الأرض إله فلم أدر بما أجيبه فحججت فخبرت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) فقال : هذا كلام زنديق خبيث إذا رجعت إليه فقل : ما اسمك بالكوفة ؟ فإنه يقول : فلان ، فقل : ما اسمك بالبصرة ؟ فإنه يقول : فلان ، فقل : كذلك الله ربنا في السماء إله ، و في الأرض إله ، و في البحار إله ، و في القفار إله ، و في كل مكان إله . قال : فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته فقال : هذه نقلت من الحجاز .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة قال : هم الذين عبدوا في الدنيا لا يملكون الشفاعة لمن عبدهم .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي هاشم الجعفري قال : سألت أبا جعفر الثاني (عليه‏السلام‏) : ما معنى الواحد ؟ فقال : إجماع الألسن عليه بالوحدانية لقوله : و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :