امروز:
چهار شنبه 26 مهر 1396
بازدید :
644
تفسيرالميزان : سوره دخان آيات 59- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :129


44 سورة الدخان مكية و هي تسع و خمسون آية 59


سورة الدخان‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم‏(1) وَ الْكتَبِ الْمُبِينِ‏(2) إِنَّا أَنزَلْنَهُ فى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍإِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ‏(3) فِيهَا يُفْرَقُ كلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏(4) أَمْراً مِّنْ عِندِنَاإِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ‏(5) رَحْمَةً مِّن رَّبِّكإِنَّهُ هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ‏(6) رَب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَاإِن كُنتُم مُّوقِنِينَ‏(7) لا إِلَهَ إِلا هُوَ يحْىِ وَ يُمِيترَبُّكمْ وَ رَب ءَابَائكُمُ الأَوَّلِينَ‏(8)


بيان


يتلخص غرض السورة في إنذار المرتابين في الكتاب بعذاب الدنيا و عذاب الآخرة و قد سيق بيان ذلك بأنه كتاب مبين نازل من عند الله على من أرسله إلى الناس لإنذارهم و قد نزل رحمة منه تعالى لعباده خير نزول في ليلة القدر التي فيها يفرق كل أمر حكيم .


غير أن الناس و هم الكفار ارتابوا فيه لاعبين في هوساتهم و سيغشاهم أليم عذاب الدنيا ثم يرجعون إلى ربهم فينتقم منهم بعد فصل القضاء بعذاب خالد .


ثم يذكر لهم تنظيرا لأول الوعيدين قصة إرسال موسى (عليه‏السلام‏) إلى قوم فرعون لإنجاء بني إسرائيل و تكذيبهم له و إغراقهم نكالا منه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :130


ثم يذكر إنكارهم لثاني الوعيدين و هو الرجوع إلى الله في يوم الفصل فيقيم الحجة على أنه آت لا محالة ثم يذكر طرفا من أخباره و ما سيجري فيه على المجرمين و يصيبهم من ألوان عذابه ، و ما سيثاب به المتقون من حياة طيبة و مقام كريم .


و السورة مكية بشهادة سياق آياتها .


قوله تعالى : « حم و الكتاب المبين» الواو للقسم و المراد بالكتاب المبين القرآن .


قوله تعالى : « إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين» المراد بالليلة المباركة التي نزل فيها القرآن ليلة القدر على ما يدل عليه قوله تعالى : « إنا أنزلناه في ليلة القدر» : القدر : 1 ، و كونها مباركة ظرفيتها للخير الكثير الذي ينبسط على الخلق من الرحمة الواسعة ، و قد قال تعالى : « و ما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر» : القدر : 3 .


و ظاهر اللفظ أنها إحدى الليالي التي تدور على الأرض و ظاهر قوله : « فيها يفرق» الدال على الاستمرار أنها تتكرر و ظاهر قوله تعالى : « شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن» : البقرة : 185 ، أنها تتكرر بتكرر شهر رمضان فهي تتكرر بتكرر السنين القمرية و تقع في كل سنة قمرية مرة واحدة في شهر رمضان ، و أما إنها أي ليلة هي ؟ فلا إشعار في كلامه تعالى بذلك ، و أما الروايات فستوافيك في البحث الروائي التالي .


و المراد بنزول الكتاب في ليلة مباركة على ما هو ظاهر قوله : « إنا أنزلناه في ليلة مباركة» و قوله : « إنا أنزلناه في ليلة القدر» : القدر : 1 ، و قوله : « شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان» : البقرة : 185 ، أن النازل هو القرآن كله .


و لا يدفع ذلك قوله : « و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث و نزلناه تنزيلا» : إسراء : 106 ، و قوله : « و قال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك و رتلناه ترتيلا» : الفرقان : 32 ، الظاهرين في نزوله تدريجا ، و يؤيد ذلك آيات أخر كقوله : « فإذا أنزلت سورة محكمة» : سورة محمد : 20 ، و قوله : « و إذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض» : التوبة : 127 و غير ذلك و يؤيد ذلك أيضا ما لا يحصى من الأخبار المتضمنة لأسباب النزول .


و ذلك أنه يمكن أن يحمل على نزول القرآن مرتين مرة مجموعا و جملة في ليلة


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :131


واحدة من ليالي شهر رمضان ، و مرة تدريجا و نجوما في مدة ثلاث و عشرين سنة و هي مدة دعوته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


لكن الذي لا ينبغي الارتياب فيه أن هذا القرآن المؤلف من السور و الآيات بما فيه من السياقات المختلفة المنطبقة على موارد النزول المختلفة الشخصية لا يقبل النزول دفعة فإن الآيات النازلة في وقائع شخصية و حوادث جزئية مرتبطة بأزمنة و أمكنة و أشخاص و أحوال خاصة لا تصدق إلا مع تحقق مواردها المتفرقة زمانا و مكانا و غير ذلك بحيث لو اجتمعت زمانا و مكانا و غير ذلك انقلبت عن تلك الموارد و صارت غيرها فلا يمكن احتمال نزول القرآن و هو على هيئته و حاله بعينها مرة جملة ، و مرة نجوما .


فلو قيل بنزوله مرتين كان من الواجب أن يفرق بين المرتين بالإجمال و التفصيل فيكون نازلا مرة إجمالا و مرة تفصيلا و نعني بهذا الإجمال و التفصيل ما يشير إليه قوله تعالى : « كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير» : هود : 1 ، و قوله : « إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون و إنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم» : الزخرف : 4 ، و قد مر الكلام في معنى الإحكام و التفصيل في تفسير سورتي هود و الزخرف .


و قيل : المراد بنزول الكتاب في ليلة مباركة افتتاح نزوله التدريجي في ليلة القدر من شهر رمضان فأول ما نزل من آيات القرآن - و هو سورة العلق أو سورة الحمد - نزل في ليلة القدر .


و هذا القول مبني على استشعار منافاة نزول الكتاب كله في ليلة و نزوله التدريجي الذي تدل عليه الآيات السابقة و قد عرفت أن لا منافاة بين الآيات .


على أنك خبير بأنه خلاف ظاهر الآيات .


و قيل : إنه نزل أولا جملة على السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل من السماء الدنيا على الأرض تدريجا في ثلاث و عشرين سنة مدة الدعوة النبوية .


و هذا القول مأخوذ من الأخبار الواردة في تفسير الآيات الظاهرة في نزوله جملة و ستمر بك في البحث الروائي التالي إن شاء الله .


و قوله : « إنا كنا منذرين» واقع موقع التعليل ، و هو يدل على استمرار الإنذار منه تعالى قبل هذا الإنذار ، فيدل على أن نزول القرآن من عنده تعالى ليس ببدع،


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :132


فإنما هو إنذار و الإنذار سنة جارية له تعالى لم تزل تجري في السابقين من طريق الوحي إلى الأنبياء و الرسل و بعثهم لإنذار الناس .


قوله تعالى : « فيها يفرق كل أمر حكيم» ضمير « فيها» لليلة و الفرق فصل الشي‏ء من الشي‏ء بحيث يتمايزان و يقابله الإحكام فالأمر الحكيم ما لا يتميز بعض أجزائه من بعض و لا يتعين خصوصياته و أحواله كما يشير إلى ذلك قوله تعالى : « و إن من شي‏ء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم» : الحجر : 21 .


فللأمور بحسب القضاء الإلهي مرحلتان : مرحلة الإجمال و الإبهام و مرحلة التفصيل ، و ليلة القدر - على ما يدل عليه قوله : « فيها يفرق كل أمر حكيم - ليلة يخرج فيها الأمور من مرحلة الإحكام إلى مرحلة الفرق و التفصيل ، و قد نزل فيها القرآن و هو أمر من الأمور المحكمة فرق في ليلة القدر .


و لعل الله سبحانه أطلع نبيه على جزئيات الحوادث التي ستقع في زمان دعوته و ما يقارن منها نزول كل آية أو آيات أو سورة من كتابه فيستدعي نزولها و أطلعه على ما ينزل منها فيكون القرآن نازلا عليه دفعة و جملة قبل نزوله تدريجا و مفرقا .


و مآل هذا الوجه اطلاع النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على القرآن في مرحلة نزوله إلى القضاء التفصيلي قبل نزوله على الأرض و استقراره في مرحلة العين ، و على هذا الوجه لا حاجة إلى تفريق المرتين بالإجمال و التفصيل كما تقدم في الوجه الأول .


و ظاهر كلام بعضهم أن المراد بقوله : « فيها يفرق كل أمر حكيم» تفصيل الأمور المبينة في القرآن من معارف و أحكام و غير ذلك .


و يدفعه أن ظاهر قوله : « فيها يفرق» الاستمرار و الذي يستمر في هذه الليلة بتكررها تفصيل الأمور الكونية بعد إحكامها و أما المعارف و الأحكام الإلهية فلا استمرار في تفصيلها فلو كان المراد فرقها كان الأنسب أن يقال : « فيها فرق» .


و قيل : المراد بكون الأمر حكيما إحكامه بعد الفرق لا الإحكام الذي قبل التفصيل ، و المعنى : يقضى في الليلة كل أمر محكم لا يتغير بزيادة أو نقصان أو غير ذلك هذا ، و الأظهر ما قدمناه من المعنى .


قوله تعالى : « أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين» المراد بالأمر الشأن و هو حال من الأمر السابق و المعنى فيها يفرق كل أمر حال كونه أمرا من عندنا و مبتدأ من


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :133


لدنا ، و يمكن أن يكون المراد به ما يقابل النهي و المعنى : يفرق فيها كل أمر بأمر منا ، و هو على أي حال متعلق بقوله : « يفرق» .


و يمكن أن يكون متعلقا بقوله : « أنزلناه» أي حال كون الكتاب أمرا أو بأمر من عندنا ، و قوله : « إنا كنا مرسلين» لا يخلو من تأييد لذلك ، و يكون تعليلا له و المعنى : إنا أنزلناه أمرا من عندنا لأن سنتنا الجارية إرسال الأنبياء و الرسل .


قوله تعالى : « رحمة من ربك إنه هو السميع العليم» أي إنزاله رحمة من ربك أو أنزلناه لأجل إفاضة الرحمة على الناس أو لاقتضاء رحمة ربك إنزاله فقوله : « رحمة» حال على المعنى الأول و مفعول له على الثاني و الثالث .


و في قوله : « من ربك» التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة و وجهه إظهار العناية بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لأنه هو الذي أنزل عليه القرآن و هو المنذر المرسل إلى الناس .


و قوله : « إنه هو السميع العليم» أي السميع للمسائل و العليم بالحوائج فيسمع مسألتهم و يعلم حاجتهم إلى الاهتداء بهدى ربك فينزل الكتاب و يرسل الرسول رحمة منه لهم .


قوله تعالى : « رب السماوات و الأرض و ما بينهما إن كنتم موقنين» لما كانت الوثنية يرون أن لكل صنف من الخلق إلها أو أكثر و ربما اتخذ قوم منهم إلها غير ما يتخذه غيرهم عقب قوله : « من ربك» بقوله : « رب السماوات» إلخ ، لئلا يتوهم متوهم منهم أن ربوبيته للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليست بالاختصاص كالتي بينهم بل هوتعالى ربه و رب السماوات و الأرض و ما بينهما ، و لذلك عقبه أيضا في الآية التالية بقوله : « لا إله إلا هو» .


و قوله : « إن كنتم موقنين» هذا الاشتراط كما ذكره الزمخشري من قبيل قولنا هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه و اشتهروا سخاءه أن بلغك حديثه و حدثت بقصته فالمعنى هو الذي يعرفه الموقنون بأنه رب السماوات و الأرض و ما بينهما إن كنتم منهم عرفتموه بأنه رب كل شي‏ء .


قوله تعالى : « لا إله إلا هو يحيي و يميت ربكم و رب آبائكم الأولين» لما كان مدلول الآية السابقة انحصار الربوبية و هي الملك و التدبير فيه تعالى و الألوهية و هي


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :134


المعبودية بالحق من لوازم الربوبية عقبه بكلمة التوحيد النافية لكل إله دونه تعالى .


و قوله : « يحيي و يميت» من أخص الصفات به تعالى و هما من شئون التدبير ، و في ذكرهما نوع تمهيد لما سيأتي من إنذارهم بالمعاد .


و قوله : « ربكم و رب آبائكم الأولين» فيه كمال التصريح بأنه ربهم و رب آبائهم فليعبدوه و لا يتعللوا باتباع آبائهم في عبادة الأصنام ، و لتكميل التصريح سيقت الجملة بالخطاب فقيل : « ربكم و رب آبائكم» .


و هما أعني قوله : « يحيي و يميت» و قوله : « ربكم» خبران لمبتدإ محذوف و التقدير هو يحيي و يميت إلخ .


بحث روائي


في المجمع ، : في قوله تعالى : « إنا أنزلناه في ليلة مباركة» و الليلة المباركة هي ليلة القدر : و ، هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) .


و في الكافي ، بإسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن الفضيل و زرارة و محمد بن مسلم عن حمران أنه سأل أبا جعفر (عليه‏السلام‏) عن قول الله تعالى : « إنا أنزلناه في ليلة مباركة» قال : نعم ليلة القدر و هي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر فلم ينزل القرآن إلا في ليلة القدر قال الله تعالى : « فيها يفرق كل أمر حكيم» قال : يقدر في ليلة القدر كل شي‏ء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل : خير و شر و طاعة و معصية و مولود و أجل و رزق فما قدر في تلك السنة و قضي فهو المحتوم و لله تعالى فيه المشية .


أقول : قوله : فهو المحتوم و لله فيه المشية أي أنه محتوم من جهة الأسباب و الشرائط فلا شي‏ء يمنع عن تحققه إلا أن يشاء الله ذلك .


و في البصائر ، عن عباس بن معروف عن سعدان بن مسلم عن عبد الله بن سنان قال : سألته عن النصف من شعبان فقال : ما عندي فيه شي‏ء و لكن إذا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قسم فيها الأرزاق و كتب فيها الآجال و خرج فيها صكاك الحاج و اطلع الله إلى عباده فغفر الله لهم إلا شارب خمر مسكر .


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :135


فإذا كانت ليلة ثلاث و عشرين فيها يفرق كل أمر حكيم ثم ينهى ذلك و يمضي ذلك . قلت : إلى من ؟ قال : إلى صاحبكم و لو لا ذلك لم يعلم .


و في الدر المنثور ، أخرج محمد بن نصر و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى : « فيها يفرق كل أمر حكيم» قال : يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو موت أو حياة أو مطر حتى يكتب الحاج : يحج فلان و يحج فلان .


أقول : و الأخبار في ليلة القدر و ما يقضى فيها و في تعيينها كثيرة جدا و سيأتي عمدتها في تفسير سورة القدر إن شاء الله تعالى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :136


بَلْ هُمْ فى شكٍ يَلْعَبُونَ‏(9) فَارْتَقِب يَوْمَ تَأْتى السمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ‏(10) يَغْشى النَّاسهَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(11) رَّبَّنَا اكْشِف عَنَّا الْعَذَاب إِنَّا مُؤْمِنُونَ‏(12) أَنى لهَُمُ الذِّكْرَى وَ قَدْ جَاءَهُمْ رَسولٌ مُّبِينٌ‏(13) ثمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ قَالُوا مُعَلَّمٌ مجْنُونٌ‏(14) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاًإِنَّكمْ عَائدُونَ‏(15) يَوْمَ نَبْطِش الْبَطشةَ الْكُبرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ‏(16) × وَ لَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَ جَاءَهُمْ رَسولٌ كرِيمٌ‏(17) أَنْ أَدُّوا إِلىَّ عِبَادَ اللَّهِإِنى لَكمْ رَسولٌ أَمِينٌ‏(18) وَ أَن لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِإِنى ءَاتِيكم بِسلْطنٍ مُّبِينٍ‏(19) وَ إِنى عُذْت بِرَبى وَ رَبِّكمْ أَن تَرْجُمُونِ‏(20) وَ إِن لَّمْ تُؤْمِنُوا لى فَاعْتزِلُونِ‏(21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مجْرِمُونَ‏(22) فَأَسرِ بِعِبَادِى لَيْلاً إِنَّكم مُّتَّبَعُونَ‏(23) وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواًإِنهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ‏(24) كمْ تَرَكُوا مِن جَنَّتٍ وَ عُيُونٍ‏(25) وَ زُرُوعٍ وَ مَقَامٍ كَرِيمٍ‏(26) وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيهَا فَكِهِينَ‏(27) كَذَلِكوَ أَوْرَثْنَهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ‏(28) فَمَا بَكَت عَلَيهِمُ السمَاءُ وَ الأَرْض وَ مَا كانُوا مُنظرِينَ‏(29) وَ لَقَدْ نجَّيْنَا بَنى إِسرءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ‏(30) مِن فِرْعَوْنَإِنَّهُ كانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسرِفِينَ‏(31) وَ لَقَدِ اخْترْنَهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلى الْعَلَمِينَ‏(32) وَ ءَاتَيْنَهُم مِّنَ الاَيَتِ مَا فِيهِ بَلَؤٌا مُّبِينٌ‏(33)


بيان


تذكر الآيات ارتيابهم في كتاب الله بعد ما ذكرت أنه كتاب مبين نازل في خير ليلة على رسوله لغرض الإنذار رحمة من الله ، ثم تهددهم بعذاب الدنيا و بطش يوم القيامة و تتمثل لهم بقصة إرسال موسى إلى قوم فرعون و تكذيبهم له و إغراقهم .


و لا تخلو القصة من إيماء إلى أنه تعالى سينجي النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنين به من عتاة قريش بإخراجهم من مكة ثم إهلاك صناديد قريش في تعقيبهم النبي و المؤمنين به .


قوله تعالى : « بل هم في شك يلعبون» ضمير الجمع لقوم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و الإضراب عن محذوف يدل عليه السياق السابق أي إنهم لا يوقنون و لا يؤمنون بما ذكر من رسالة الرسول و صفة الكتاب الذي أنزل عليه بل هم في شك و ارتياب فيه يلعبون بالاشتغال بدنياهم ، و ذكر الزمخشري أن الإضراب عن قوله : « إن كنتم موقنين» .


قوله تعالى : « فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس» الارتقاب الانتظار و هذا وعيد بالعذاب و هو إتيان السماء بدخان مبين يغشى الناس .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص:136


و اختلف في المراد بهذا العذاب المذكور في الآية .


فقيل : المراد به المجاعة التي ابتلي بها أهل مكة فإنهم لما أصروا على كفرهم و أذاهم للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنين به دعا عليهم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : اللهم سنين كسني يوسف فأجدبت الأرض و أصابت قريشا مجاعة شديدة ، و كان الرجل لما به من الجوع يرى بينه و بين السماء كالدخان و أكلوا الميتة و العظام ثم جاءوا إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قالوا : يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم و قومك قد هلكوا ، و وعدوه إن كشف الله عنهم الجدب أن يؤمنوا ، فدعا و سأل الله لهم بالخصب و السعة فكشف عنهم ثم عادوا إلى كفرهم و نقضوا عهدهم .


و قيل : إن الدخان المذكور في الآية من أشراط الساعة و هو لم يأت بعد و هو يأتي قبل قيام الساعة فيدخل أسماع الناس حتى أن رءوسهم تكون كالرأس الحنيذ .


و يصيب المؤمن منه مثل الزكمة و تكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص و يمكث ذلك أربعين يوما .


و ربما قيل : إن المراد بيوم الدخان يوم فتح مكة حين دخل جيش المسلمين مكة فارتفع الغبار كالدخان المظلم ، و ربما قيل : المراد به يوم القيامة ، و القولان كما ترى .


و قوله : « يغشى الناس» أي يشملهم و يحيط بهم ، و المراد بالناس أهل مكة على القول الأول ، و عامة الناس على القول الثاني .


قوله تعالى : « هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون» حكاية قول الناس عند نزول عذاب الدخان أي يقول الناس يوم تأتي السماء بدخان مبين : هذا عذاب أليم و يسألون الله كشفه بالاعتراف بربوبيته و إظهار الإيمان بالدعوة الحقة فيقولون : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون .


قوله تعالى : « أنى لهم الذكرى و قد جاءهم رسول مبين» أي من أين لهم أن يتذكروا و يذعنوا بالحق و الحال أنه قد جاءهم رسول مبين ظاهر في رسالته لا يقبل الارتياب و هو محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و في الآية رد صدقهم في وعدهم .


قوله تعالى : « ثم تولوا عنه و قالوا معلم مجنون» التولي الإعراض ، و ضمير


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :138


«عنه» للرسول و « معلم مجنون» خبران لمبتدإ محذوف هو ضمير راجع إلى الرسول و المعنى : ثم أعرضوا عن الرسول و قالوا هو معلم مجنون فرموه أولا بأنه معلم يعلمه غيره فيسند ما تعلمه إلى الله سبحانه ، قال تعالى : « و لقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر» : النحل : 103 ، و ثانيا بأنه مجنون مختل العقل .


قوله تعالى : « إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون» أي إنا كاشفون للعذاب زمانا أنكم عائدون إلى ما كنتم فيه من الكفر و التكذيب هذا بناء على القول الأول و الآية تأكيد لرد صدقهم فيما وعدوه من الإيمان .


و أما على القول الثاني فالأقرب أن المعنى : أنكم عائدون إلى العذاب يوم القيامة .


قوله تعالى : « يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون» البطش - على ما ذكره الراغب - تناول الشي‏ء بصولة ، و هذا اليوم بناء على القول الأول المذكور يوم بدر و بناء على القول الثاني يوم القيامة ، و ربما أيد توصيف البطشة بالكبرى هذا القول الثاني فإن بطش يوم القيامة و عذابه أكبر البطش و العذاب ، قال تعالى : « فيعذبه الله العذاب الأكبر» : الغاشية : 24 ، كما أن أجره أكبر الأجر قال تعالى : « و لأجر الآخرة أكبر» : النحل : 41 .


قوله تعالى : « و لقد فتنا قبلهم قوم فرعون و جاءهم رسول كريم» الفتنة الامتحان و الابتلاء للحصول على حقيقة الشي‏ء ، و قوله : « و جاءهم رسول كريم» إلخ ، تفسير للامتحان ، و الرسول الكريم موسى (عليه‏السلام‏) ، و الكريم هو المتصف بالخصال الحميدة قال الراغب : الكرم إذا وصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه و إنعامه المتظاهر نحو قوله : « إن ربي غني كريم» و إذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق و الأفعال المحمودة التي تظهر منه ، و لا يقال : هو كريم حتى يظهر ذلك منه ، قال : و كل شي‏ء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم قال تعالى : « أنبتنا فيها من كل زوج كريم» « و زروع و مقام كريم» « إنه لقرآن كريم» « و قل لهما قولا كريما» انتهى .


قوله تعالى : « أن أدوا إلى عباد الله إني لكم رسول أمين» تفسير لمجي‏ء الرسول فإن معنى مجي‏ء الرسول تبليغ الرسالة و كان من رسالة موسى (عليه‏السلام‏) إلى فرعون و قومه أن يرسلوا معهم بني إسرائيل ولا يعذبوهم ، و المراد بعباد الله بنو إسرائيل و عبر عنهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :139


بذلك استرحاما و تلويحا إلى أنهم في استكبارهم و تعديهم عليهم إنما يستكبرون على الله لأنهم عباد الله .


و في قوله : « إني لكم رسول أمين» حيث وصف نفسه بالأمانة دفع لاحتمال أن يخونهم في دعوى الرسالة و إنجاء بني إسرائيل من سيطرتهم فيخرج معهم عليهم فيخرجهم من أرضهم كما حكى تعالى عن فرعون إذ قال للملإ حوله : « إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره» : الشعراء : 25 .


و قيل : « عباد الله» نداء لفرعونو قومه و التقدير أن أدوا إلى ما آمركم به يا عباد الله ، و لا يخلو من التقدير المخالف للظاهر .


قوله تعالى : « و أن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين» أي لا تتجبروا على الله بتكذيب رسالتي و الإعراض عما أمركم الله فإن تكذيب الرسول في رسالته استعلاء و تجبر على من أرسله و الدليل على أن المراد ذلك تعليل النهي بقوله : « إني آتيكم بسلطان مبين» أي حجة بارزة من الآيات المعجزة أو حجة المعجزة و حجة البرهان .


قيل : و من حسن التعبير الجمع بين التأدية و الأمين و كذا بين العلو و السلطان .


قوله تعالى : « و إني عذت بربي و ربكم أن ترجمون» أي التجأت إليه تعالى من رجمكم إياي فلا تقدرون على ذلك ، و الظاهر أنه إشارة إلى ما آمنه ربه قبل المجي‏ء إلى القوم كما في قوله تعالى : « قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع و أرى» : طه : 46 .


و بما مر يظهر فساد ما قيل : إن هذا كان قبل أن يخبره الله بعجزهم عن رجمه بقوله سبحانه : « فلا يصلون إليكما» .


قوله تعالى : « و إن لم تؤمنوا لي فاعتزلون» أي إن لم تؤمنوا لي فكونوا بمعزل مني لا لي و لا علي و لا تتعرضوا لي بخير أو شر ، و قيل : المراد تنحوا عني و انقطعوا ، و هو بعيد .


قوله تعالى : « فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون» أي دعاه بأن هؤلاء قوم مجرمون و قد ذكر من دعائه السبب الداعي له إلى الدعاء و هو إجرامهم إلى حد يستحقون معه الهلاك و يعلم ما سأله مما أجاب به ربه تعالى إذ قال : « فأسر بعبادي»


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :140


إلخ ، و هو الإهلاك .


قوله تعالى : « فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون» الإسراء : السير بالليل فيكون قوله : « ليلا» تأكيدا له و تصريحا به ، و المراد بعبادي بنو إسرائيل ، و قوله : « إنكم متبعون» أي يتبعكم فرعون و جنوده ، و هو استئناف يخبر عما سيقع عقيب الإسراء .


و في الكلام إيجاز بالحذف و التقدير فقال له : أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون يتبعكم فرعون و جنوده .


قوله تعالى : « و اترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون» قال في المفردات : و اترك البحر رهوا أي ساكنا ، و قيل : سعة من الطريق و هو الصحيح .


انتهى .


و قوله : « إنهم جند مغرقون» تعليل لقوله : « و اترك البحر رهوا» .


و في الكلام إيجاز بالحذف اختصارا و التقدير : أسر بعبادي ليلا يتبعكم فرعون و جنوده حتى إذا بلغتم البحر فاضربه بعصاك لينفتح طريق لجوازكم فجاوزوه و اتركه ساكنا أو مفتوحا على حاله فيدخلونه طمعا في إدراككم فهم جند مغرقون .


قوله تعالى : « كم تركوا من جنات و عيون و زروع و مقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين كذلك» « كم» للتكثير أي كثيرا ما تركوا ، و قوله : « من جنات» إلخ ... بيان لما تركوا ، و المقام الكريم المساكن الحسنة الزاهية ، و النعمة فتح النون التنعم و بناؤها بناء المرة كالضربة و بكسر النون قسم من التنعم و بناؤها بناء النوع كالجلسة و فسروا النعمة هاهنا بما يتنعم به و هو أنسب للترك ، و فاكهين من الفكاهة بمعنى حديث الأنس و لعل المراد به هاهنا التمتع كما يتمتع بالفواكه و هي أنواع الثمار .


و قوله : « كذلك» قيل : معناه الأمر كذلك ، و قيل : المعنى نفعل فعلا كذلك لمن نريد إهلاكه ، و قيل : الإشارة إلى الإخراج المفهوم من الكلام السابق ، و المعنى : مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها .


و يمكن أن يكون حالا من مفعول « تركوا» المحذوف و المعنى : كثيرا ما تركوا أشياء كذلك أي على حالها و الله أعلم .


قوله تعالى : « و أورثناها قوما آخرين» الضمير لمفعول « تركوا » المحذوف المبين بقوله : « من جنات» إلخ ، و المعنى ظاهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :141


قوله تعالى : « فما بكت عليهم السماء و الأرض و ما كانوا منظرين» بكاء السماء و الأرض على شي‏ء فائت كناية تخييلية عن تأثرهما عن فوته و فقده فعدم بكائهما عليهم بعد إهلاكهم كناية عن هوان أمرهم على الله و عدم تأثير هلاكهم في شي‏ء من أجزاء الكون .


و قوله : « و ما كانوا منظرين» كناية عن سرعة جريان القضاء الإلهي و القهر الربوبي في حقهم و عدم مصادفته لمانع يمنعه أو يحتاج إلى علاج في رفعه حتى يتأخر به .


قوله تعالى : « و لقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين» و هو ما يصيبهم و هم في أسارة فرعون من ذبح الأبناءو استحياء النساء و غير ذلك .


قوله تعالى : « من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين» « من فرعون» بدل من قوله : « من العذاب» إما بحذف مضاف و التقدير من عذاب فرعون ، أو من غير حذف بجعل فرعون عين العذاب دعوى للمبالغة ، و قوله : « إنه كان عاليا من المسرفين» أي متكبرا من أهل الإسراف و التعدي عن الحد .


قوله تعالى : « و لقد اخترناهم على علم على العالمين» أي اخترناهم على علم منا باستحقاقهم الاختيار على ما يفيده السياق .


و المراد بالعالمين جميع العالمين من الأمم إن كان المراد بالاختيار الاختيار من بعض الوجوه ككثرة الأنبياء فإنهم يمتازون من سائر الأمم بكثرة الأنبياء المبعوثين منهم و يمتازون بأن مر عليهم دهر طويل في التيه و هم يتظلون بالغمام و يأكلون المن و السلوى إلى غير ذلك .


و عالمو أهل زمانهم إن كان المراد بالاختيار مطلقة فإنهم لم يختاروا على الأمة الإسلامية التي خاطبهم الله تعالى بمثل قوله : « كنتم خير أمة أخرجت للناس» : آل عمران : 110 ، و قوله : « هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج» : الحج : 78 .


قوله تعالى : « و آتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين» البلاء الاختبار و الامتحان أي و أعطينا بني إسرائيل من الآيات المعجزات ما فيه امتحان ظاهر و لقد أوتوا من الآيات المعجزات ما لم يعهد في غيرهم من الأمم و ابتلوا بذلك ابتلاء مبينا .


قيل : و في قوله : « فيه» إشارة إلى أن هناك أمورا أخرى ككونه معجزة .


و في تذييل القصة بهذه الآيات الأربع أعني قوله : « و لقد نجينا بني إسرائيل»


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :142


- إلى قوله - بلاء مبين» نوع تطييب لنفس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و إيماء إلى أن الله تعالى سينجيه و المؤمنين به من فراعنة مكة و يختارهم و يمكنهم في الأرض فينظر كيف يعملون .


بحث روائي


عن جوامع الجامع ، : في قوله تعالى : « فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين» و اختلف في الدخان فقيل : إنه دخان يأتي من السماء قبل قيام الساعة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ و يعتري المؤمن منه كهيئة الزكام و يكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص يمد ذلك أربعين يوما ، و روي ذلك عن علي و ابن عباس و الحسن : أقول : و رواه في الدر المنثور ، عنهم و أيضا عن حذيفة بن اليمان و أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و رواه أيضا عن ابن عمر موقوفا .


و في تفسير القمي ، : في الآية قال : ذلك إذا خرجوا في الرجعة من القبر يغشى الناس كلهم الظلمة فيقولون : هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون .


و في المجمع ، و روى زرارة بن أعين عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) أنه قال : بكت السماء على يحيى بن زكريا و الحسين بن علي (عليهماالسلام‏) أربعين صباحا . قلت : فما بكاؤها ؟ قال : كانت تطلع حمراء و تغيب حمراء .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم عن عبيد المكتب عن إبراهيم قال : ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين . قيل لعبيد : أ ليس السماء و الأرض تبكي على المؤمن؟ قال : ذاك مقامه و حيث يصعد عمله . قال : و تدري ما بكاء السماء ؟ قال : لا . قال : تحمر و تصير وردة كالدهان . إن يحيى بن زكريا لما قتل احمرت السماء و قطرت دما ، و إن الحسين بن علي يوم قتل احمرت السماء .


و في الفقيه ، عن الصادق (عليه‏السلام‏) قال : إذا مات المؤمن بكت عليه بقاع الأرض التي كان يعبد الله عز و جل فيها و الباب الذي كان يصعد منه عمله و موضع سجوده .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :143


أقول : و في هذا المعنى و معنى الروايتين السابقتين روايات أخر من طرق الشيعة و أهل السنة .


و لو بني في معنى بكاء السماء و الأرض على ما يظهر من هذه الروايات لم يحتج إلى حمل بكائهما على الكناية التخييلية .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و قالوا معلم مجنون» قال : قالوا ذلك لما نزل الوحي على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فأخذه الغشي فقالوا : هو مجنون .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :144


إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ‏(34) إِنْ هِىَ إِلا مَوْتَتُنَا الأُولى وَ مَا نحْنُ بِمُنشرِينَ‏(35) فَأْتُوا بِئَابَائنَا إِن كُنتُمْ صدِقِينَ‏(36) أَ هُمْ خَيرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْأَهْلَكْنَهُمْإِنهُمْ كانُوا مجْرِمِينَ‏(37) وَ مَا خَلَقْنَا السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ مَا بَيْنهُمَا لَعِبِينَ‏(38) مَا خَلَقْنَهُمَا إِلا بِالْحَقّ‏ِ وَ لَكِنَّ أَكثرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏(39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ‏(40) يَوْمَ لا يُغْنى مَوْلىً عَن مَّوْلًى شيْئاً وَ لا هُمْ يُنصرُونَ‏(41) إِلا مَن رَّحِمَ اللَّهُإِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏(42) إِنَّ شجَرَت الزَّقُّومِ‏(43) طعَامُ الأَثِيمِ‏(44) كالْمُهْلِ يَغْلى فى الْبُطونِ‏(45) كَغَلىِ الْحَمِيمِ‏(46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سوَاءِ الجَْحِيمِ‏(47) ثمَّ صبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ‏(48) ذُقْ إِنَّك أَنت الْعَزِيزُ الْكرِيمُ‏(49) إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْترُونَ‏(50) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فى مَقَامٍ أَمِينٍ‏(51) فى جَنَّتٍ وَ عُيُونٍ‏(52) يَلْبَسونَ مِن سندُسٍ وَ إِستَبرَقٍ مُّتَقَبِلِينَ‏(53) كذَلِك وَ زَوَّجْنَهُم بحُورٍ عِينٍ‏(54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ‏ِ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ‏(55) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلا الْمَوْتَةَ الأُولىوَ وَقَاهُمْ عَذَاب الجَْحِيمِ‏(56) فَضلاً مِّن رَّبِّكذَلِك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏(57) فَإِنَّمَا يَسرْنَهُ بِلِسانِك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكرُونَ‏(58) فَارْتَقِب إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ‏(59)


بيان


لما أنذر القوم بالعذاب الدنيوي ثم بالعذاب الأخروي و تمثل للعذاب الدنيوي بما جرى على قوم فرعون إذ جاءهم موسى (عليه‏السلام‏) بالرسالة من ربه فكذبوه فأخذهم الله بعذاب الإغراق فاستأصلهم .


رجع إلى الكلام في العذاب الأخروي فذكر إنكار القوم للمعاد و قولهم أن ليس بعد الموتة الأولى حياة فاحتج على إثبات المعاد بالبرهان ثم أنبأ عن بعض ما سيلقاه المجرمون من العذاب في الآخرة و بعض ما سيلقاه المتقون من النعيم المقيم و عند ذلك تختتم السورة بما بدأت به و هو نزول الكتاب للتذكر و أمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالارتقاب .


قوله تعالى : « إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى و ما نحن بمنشرين» رجوع إلى أول الكلام من قوله : « بل هم في شك يلعبون» و الإشارة بهؤلاء إلى قريش و من يلحق بهم من العرب الوثنيين المنكرين للمعاد ، و قولهم : « إن هي إلا موتتنا الأولى» يريدون به نفي الحياة بعد الموت الملازم لنفي المعاد بدليل قولهم بعده : « و ما نحن بمنشرين» أي بمبعوثين ، قال في الكشاف يقال : أنشر الله الموتى و نشرهم إذا بعثهم .


انتهى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :145


فقولهم : « إن هي إلا موتتنا الأولى» الضمير فيه للعاقبة و النهاية أي ليست عاقبة أمرنا و نهاية وجودنا و حياتنا إلا موتتنا الأولى فنعدم بها و لا حياة بعدها أبدا .


و وجه تقييد الموتة في الآية بالأولى ، بأنه ليس بقيد احترازي إذ لا ملازمة بين الأول و الآخر أو بين الأول و الثاني فمن الجائز أن يكون هناك شي‏ء أول و لا ثاني له و لا في قباله آخر ، كذا قيل .


و هناك وجه آخر ذكره الزمخشري في الكشاف فقال : فإن قلت : كان الكلام واقعا في الحياة الثانية لا في الموت فهلا قيل : إلا حياتنا الأولى و ما نحن بمنشرين كما قيل : إن هي إلا حياتنا الدنيا و ما نحن بمبعوثين ، و ما معنى قوله : « إلا موتتنا الأولى» ؟ و ما معنى ذكر الأولى ؟ كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى نفوها و جحدوها و أثبتوا الأولى .


قلت : معناه - و الله الموفق للصواب - أنهم قيل لهم : إنكم تموتون موتة تتعقبها حياة كما تقدمتكم موتة قد تعقبتها حياة و ذلك قوله عز و جل : « و كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم» فقالوا : إن هي إلا موتتنا الأولى يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تتعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية ، و ما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها إلا للموتة الأولى خاصة فلا فرق إذا بين هذا و بين قوله : « إن هي إلا حياتنا الدنيا» في المعنى انتهى .


و يمكن أن يوجه بوجه ثالث و هو أن يقولوا : « إن هي إلا موتتنا الأولى» بعد ما سمعوا قوله تعالى : « قالوا ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين» الآية ، و قد تقدم في تفسير الآية أن الإماتة الأولى هي الموتة بعد الحياة الدنيا ، و الإماتة الثانية هي التي بعد الحياة البرزخية فهم في قولهم : «إن هي إلا موتتنا الأولى» ينفون الموتة الثانية الملازمة للحياة البرزخية التي هي حياة بعد الموت فإنهم يرون موت الإنسان انعداما له و بطلانا لذاته .


و يمكن أن يوجه بوجه رابع و هو أن يرجع التقيد بالأولى إلى الحكاية دون المحكي و ذلك بأن يكون الذي قالوا إنما هو « إن هي إلا موتتنا» و يكون معنى الكلام


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :146


أن هؤلاء ينفون الحياة بعد الموت و يقولون : إن هي إلا موتتنا يريدون الموتة الأولى من الموتتين اللتين ذكرنا في قولنا : « قالوا ربنا أمتنا اثنتين» الآية .


و الوجوه الأربع مختلفة في القرب من الفهم فأقربها ثالثها ثم الرابع ثم الأول .


قوله تعالى : « فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين» تتمة كلام القوم و خطاب منهم للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنين به حيث كانوا يذكرون لهم البعث و الإحياء فاحتجوا لرد الإحياء بعد الموت بقولهم : « فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين» أي فليحي آباؤنا الماضون بدعائكم أو بأي وسيلة اتخذتموها حتى نعلم صدقكم في دعواكم أن الأموات سيحيون و أن الموت ليس بانعدام .


قوله تعالى : « أ هم خير أم قوم تبع و الذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين» تهديدللقوم بالإهلاك كما أهلك قوم تبع و الذين من قبلهم من الأمم .


و تبع هذا ملك من ملوك الحمير باليمن و اسمه على ما ذكروا أسعد أبو كرب و قيل : سعد أبو كرب و سيأتي في البحث الروائي نبذة من قصته و في الكلام نوع تلويح إلى سلامة تبع نفسه من الإهلاك .


قوله تعالى : « و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق و لكن أكثرهم لا يعلمون» ضمير التثنية في قوله : « و ما بينهما» لجنسي السماوات و الأرض و لذا لم يجمع ، و الباء في قوله « بالحق» للملابسة أي ما خلقناهما إلا متلبستين بالحق ، و جوز بعضهم كونها للسببية أي ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق الذي هو الإيمان و الطاعة و البعث و الجزاء ، و لا يخفى بعده .


و مضمون الآيتين حجة برهانية على ثبوت المعاد و تقريرها أنه لو لم يكن وراء هذا العالم عالم ثابت باق بل كان الله لا يزال يوجد أشياء ثم يعدمها ثم يوجد أشياء أخر ثم يعدمها و يحيي هذا ثم يميته و يحيي آخر و هكذا كان لاعبا في فعله عابثا به و اللعب عليه تعالى محال ففعله حق له غرض صحيح فهناك عالم آخر باق دائمي ينتقل إليه الأشياء و ما في هذا العالم الدنيوي الفاني البائد مقدمة للانتقال إلى ذلك العالم و هو الحياة الآخرة .


و قد فصلنا القول في هذا البرهان في تفسير الآية 16 من سورة الأنبياء ، و الآية 27 من سورة ص فليراجع .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :147


و قوله : « و لكن أكثرهم لا يعلمون» تقريع لهم بالجهل .


قوله تعالى : « إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين» بيان لصفة اليوم الذي يثبته البرهان السابق و هو يوم القيامة الذي فيه يقوم الناس لرب العالمين .


و سماه الله يوم الفصل لأنه يفصل فيه بين الحق و الباطل و بين المحق و المبطل و المتقين و المجرمين أو لأنه يوم القضاء الفصل منه تعالى .


و قوله : « ميقاتهم أجمعين» أي موعد الناس أجمعين أو موعد من تقدم ذكره من قوم تبع و قوم فرعون و من تقدمهم و قريش و غيرهم .


قوله تعالى : « يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا و لا هم ينصرون» بيان ليوم الفصل ، و المولى هو الصاحب الذي له أن يتصرف في أمور صاحبه و يطلق على من يتولى الأمر و على من يتولى أمره و المولى الأول في الآية هو الأول و الثاني هو الثاني .


و الآية تنفي أولا إغناء مولى عن مولاه يومئذ ، و تخبر ثانيا أنهم لا ينصرون و الفرق بين المعنيين أن الإغناء يكون فيما استقل المغني في عمله و لا يكون لمن يغني عنه صنع في ذلك ، و النصرة إنما تكون فيما كان للمنصور بعض أسباب الظفر الناقصة و يتم له ذلك بنصرة الناصر .


و الوجه في انتفاء الإغناء و النصر يومئذ أن الأسباب المؤثرة في نشأة الحياة الدنيا تسقط يوم القيامة ، قال تعالى : « و تقطعت بهم الأسباب» : البقرة : 166 ، و قال : « فزيلنا بينهم» : يونس : 28 .


قوله تعالى : « إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم» استثناء من ضمير « لا هم ينصرون» و الآية من أدلة الشفاعة يومئذ و قد تقدم تفصيل القول في الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب .


هذا على تقدير رجوع ضمير « لا هم ينصرون» إلى الناس جميعا على ما هو الظاهر .


و أما لو رجع إلى الكفار كما قيل فالاستثناء منقطع و المعنى : لكن من رحمة الله و هم المتقون فإنهم في غني عن مولى يغني عنهم و ناصر ينصرهم .


و أما ما جوزه بعضهم من كونه استثناء متصلا من « مولى» فقد ظهر فساده مما قدمناه فإن الإغناء إنما هو فيما لم يكن عند الإنسان شي‏ء من أسباب النجاة و من كان


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :148


على هذه الصفة لم يغن عنه مغن و لا استثناء و الشفاعة نصرة تحتاج إلى بعض أسباب النجاة و هو الدين المرضي و قد تقدم في بحث الشفاعة ، نعم يمكن أن يوجه بما سيجي‏ء في رواية الشحام .


و قوله : « إنه هو العزيز الرحيم» أي الغالب الذي لا يغلبه شي‏ء حتى يمنعه من تعذيب من يريد عذابه ، و مفيض الخير على من يريد أن يرحمه و يفيض الخير عليه و مناسبة الاسمين الكريمين لمضامين الآيات ظاهرة .


قوله تعالى : « إن شجرة الزقوم طعام الأثيم» تقدم الكلام في شجرة الزقوم في تفسير سورة الصافات ، و الأثيم من استقر فيه الإثم إما بالمداومة على معصية أو بالإكثار من المعاصي و الآية إلى تمام ثمان آيات بيان حال أهل النار .


قوله تعالى : « كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم» المهل هو المذاب من النحاس و الرصاص و غيرهما ، و الغلي و الغليان معروف ، و الحميم الماء الحار الشديد الحرارة ، و قوله : « كالمهل» خبر ثان لقوله : « إن» كما أن قوله : « طعام الأثيم» خبر أول ، و قوله : « يغلي في البطون كغلي الحميم» خبر ثالث ، و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم» الاعتلاء الزعزعة و الدفع بعنف و سواء الجحيم وسطه ، و الخطاب للملائكة الموكلين على النار أي نقول للملائكة خذوا الأثيم و ادفعوه بعنف إلى وسط النار لتحيط به قال تعالى : « و إن جهنم لمحيطة بالكافرين» : التوبة : 49 .


قوله تعالى : « ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم» كان المراد بالعذاب ما يعذب به ، و إضافته إلى الحميم بيانية و المعنى : ثم صبوا فوق رأسه من الحميم الذي يعذب به .


قوله تعالى : « ذق إنك أنت العزيز الكريم» خطاب يخاطب به الأثيم و هو يقاسي العذاب بعد العذاب ، و توصيفه بالعزة و الكرامة على ما هو عليه من الذلة و اللآمة استهزاء به تشديدا لعذابه و قد كان يرى في الدنيا لنفسه عزة و كرامة لا تفارقانه كما يظهر مما حكى الله سبحانه من قوله : « و ما أظن الساعة قائمة و لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى» : حم السجدة : 50 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :149


قوله تعالى : « إن هذا ما كنتم به تمترون» الامتراء الشك و الارتياب ، و الآية تتمة قولهم له : « ذق » إلخ ، و فيها تأكيد و إعلام لهم بخطاهم و زلتهم في الدنيا حيث ارتابوا فيما يشاهدونه اليوم من العذاب مشاهدة عيان ، و لذا عبر عن تحمل العذاب بالذوق لما أنه يعبر عن إدراك ألم المولمات و لذة الملذات إدراكا تاما بالذوق .


و يمكن أن تكون الآية استئنافا من كلام الله سبحانه يخاطب به الكفار بعد ذكر حالهم في يوم القيامة ، و ربما أيده قوله : « كنتم به تمترون» بخطاب الجمع و الخطاب في الآيات السابقة بالإفراد .


قوله تعالى : « إن المتقين في مقام أمين» المقام محل القيام بمعنى الثبوت و الركوز و لذا فسر أيضا بموضع الإقامة ، و الأمين صفة من الأمن بمعنى عدم إصابة المكروه ، و المعنى : أن المتقين - يوم القيامة - ثابتون في محل ذي أمن من إصابة المكروه مطلقا .


و بذلك يظهر أن نسبة الأمن إلى المقام بتوصيف المقام بالأمين من المجاز في النسبة .


قوله تعالى : « في جنات و عيون» بيان لقوله : « في مقام أمين» و جعل العيون ظرفا لهم باعتبار المجاورة و وجودها في الجنات التي هي ظرف ، و جمع الجنات باعتبار اختلاف أنواعها أو باعتبار أن لكل منهم وحده جنة أو أكثر .


قوله تعالى : « يلبسون من سندس و إستبرق متقابلين» السندس الرقيق من الحرير و الإستبرق الغليظ منه و هما معربان من الفارسية .


و قوله : « متقابلين» أي يقابل بعضهم بعضا للاستيناس إذ لا شر و لا مكروه عندهم لكونهم في مقام أمين .


قوله تعالى : « كذلك و زوجناهم بحور عين» أي الأمر كذلك أي كما وصفناه و المراد بتزويجهم بالحور جعلهم قرناء لهن من الزوج بمعنى القرين و هو أصل التزويج في اللغة ، و الحور جمع حوراء بمعنى شديدة سوادالعين و بياضها أو ذات المقلة السوداء كالظباء ، و العين جمع عيناء بمعنى عظيمة العينين ، و ظاهر كلامه تعالى أن الحور العين غير نساء الدنيا الداخلة في الجنة .


قوله تعالى : « يدعون فيها بكل فاكهة آمنين» أي آمنين من ضررها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :150


قوله تعالى : « لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى و وقاهم عذاب الجحيم» أي إنهم في جنة الخلد أحياء بحياة أبدية لا يعتريها موت .


و قد استشكل في الآية بأن استثناء الموتة الأولى من قوله : « لا يذوقون فيها الموت» يفيد أنهم يذوقون الموتة الأولى فيها ، و المراد خلافه قطعا ، و بتقرير آخر الموتة الأولى هي موتة الدنيا و قد مضت بالنسبة إلى أهل الجنة ، و التلبس في المستقبل بأمر ماض محال قطعا فما معنى استثناء الموتة الأولى من عدم الذوق في المستقبل ؟ .


و هنا إشكال آخر لم يتعرضوا له و هو أنه قد تقدم في قوله تعالى : « ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين» : المؤمن : 11 ، إن بين الحياة الدنيا و الساعة موتتين : موتة بالانتقال من الدنيا إلى البرزخ و موتة بالانتقال من البرزخ إلى الآخرة ، و الظاهر أن المراد بالموتة الأولى في الآية هي موتة الدنيا الناقلة للإنسان إلى البرزخ فهب أنا أصلحنا استثناء الموتة الأولى بوجه فما بال الموتة الثانية لم تستثن ؟ و ما الفرق بينهما و هما موتتان ذاقوهما قبل الدخول في جنة الخلد ؟ .


و أجيب عن الإشكال الأول بأن الاستثناء منقطع ، و المعنى : لكنهم قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا و قد مضت فعموم قوله : « لا يذوقون فيها الموت» على حاله .


و على تقدير عدم كون الاستثناء منقطعا « إلا» بمعنى سوى و « إلا الموتة الأولى» بدل من « الموت» و ليس من الاستثناء في شي‏ء ، و المعنى : لا يذوقون فيها سوى الموتة الأولى من الموت أما الموتة الأولى فقد ذاقوها و محال أن تعود و تذاق و هي أولى .


و أجيب ببعض وجوه أخر لا يعبأ به ، و أنت خبير بأن شيئا من الوجهين لا يوجه اتصاف الموتة بالأولى و قد تقدم في تفسير قوله : « إن هي إلا موتتنا الأولى» الآية ، وجوه في ذلك .


و أما الإشكال الثاني فيمكن أن يجاب عنه بالجواب الثاني المتقدم لما أن هناك موتتين الموتة الأولى و هي الناقلة للإنسان من الدنيا إلى البرزخ و الموتة الثانية و هي الناقلة له من البرزخ إلى الآخرة فإذا كان « إلا» في قوله : « إلا الموتة الأولى» بمعنى سوى و المجموع بدلا من الموت كانت الآية مسوقةلنفي غير الموتة الأولى و هي الموتة الثانية التي هي موتة البرزخ فلا موت في جنة الآخرة لا موتة الدنيا لأنها تحققت لهم قبلا و لا غير موتة الدنيا التي هي موتة البرزخ ، و يتبين بهذا وجه تقييد الموتة بالأولى .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :151


و قوله : « و وقاهم عذاب الجحيم» الوقاية حفظ الشي‏ء مما يؤذيه و يضره ، فالمعنى : و حفظهم من عذاب الجحيم ، و ذكر وقايتهم من عذاب الجحيم مع نفي الموت عنهم تتميم لقسمة المكاره أي إنهم مصونون من الانتقال من دار إلى دار و من نشأة الجنة إلى نشأة غيرها و هو الموت و مصونون من الانتقال من حال سعيدة إلى حال شقية و هي عذاب الجحيم .


قوله تعالى : « فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم» حال مما تقدم ذكره من الكرامة و النعمة ، و يمكن أن يكون مفعولا مطلقا أو مفعولا له ، و على أي حال هو تفضل منه تعالى من غير استحقاق من العباد استحقاقا يوجب عليه تعالى و يلزمه على الإثابة فإنه تعالى مالك غير مملوك لا يتحكم عليه شي‏ء ، و إنما هو وعده لعباده ثم أخبر أنه لا يخلف وعده ، و قد تقدم تفصيل القول في هذا المعنى في الأبحاث السابقة .


و قوله : « ذلك هو الفوز العظيم» الفوز هو الظفر بالمراد و كونه فوزا عظيما لكونه آخر ما يسعد به الإنسان .


قوله تعالى : « فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون» تفريع على جميع ما تقدم من أول السورة إلى هنا و فذلكة للجميع ، و التيسير التسهيل ، و الضمير للكتاب و المراد بلسان النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) العربية .


و المعنى : فإنما سهلنا القرآن - أي فهم مقاصده - بالعربية لعلهم - أي لعل قومك - يتذكرون فتكون الآية قريبة المعنى من قوله : « إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون» : الزخرف : 3 .


و قيل : المراد من تيسير الكتاب بلسان النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إجراؤه على لسانه و هو أمي لا يقرأ و لا يكتب ليكون آية لصدق نبوته ، و هو بعيد من سياق الفذلكة .


قوله تعالى : « فارتقب إنهم مرتقبون» كأنه متفرع على ما يتفرع على الآية السابقة ، و محصل المعنى أنا يسرناه بالعربية رجاء أن يتذكروا فلم يتذكروا بل هم في شك يلعبون و ينتظرون العذاب الذي لا مرد له من المكذبين فانتظر العذاب إنهم منتظرون له .


فإطلاق المرتقبين على القوم من باب التهكم ، و من سخيف القول قول من يقول إن في الآية أمرا بالمتاركة و هي منسوخة بآية السيف .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :152


بحث روائي


في المجمع ، : في قوله تعالى : « أ هم خير أم قوم تبع» : روى سهل بن ساعد عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنه قال : لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم .


أقول : و روي هذا المعنى في الدر المنثور ، عن ابن عباس أيضا ، و أيضا عن ابن عساكر عن عطاء بن أبي رباح عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و فيه ، و روى الوليد بن صبيح عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : إن تبعا قال للأوس و الخزرج : كونوا هاهنا حتى يخرج هذا النبي ، أما أنا فلو أدركته لخدمته و خرجت معه .


و في الدر المنثور ، أخرج أبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن سلام قال : لم يمت تبع حتى صدق بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لما كان يهود يثرب يخبرونه .


أقول : و الأخبار في أمر تبع كثيرة ، و في بعضها أنه أول من كسا الكعبة .


و في الكافي ، بإسناده عن زيد الشحام قال : قال لي أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) و نحن في الطريق في ليلة الجمعة : اقرأ فإنها ليلة الجمعة قرآنا ، فقرأت « إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين - يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا - و لا هم ينصرون إلا من رحم الله» فقال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : نحن و الله الذي استثنى الله فكنا نغني عنهم .


أقول : يشير (عليه‏السلام‏) إلى الشفاعة و قد أخذ الاستثناء عن « مولى» الأول .


و في تفسير القمي ، ثم قال : « إن شجرة الزقوم طعام الأثيم» نزلت في أبي جهل بن هشام ، و قوله : « كالمهل» قال : المهل الصفر المذاب « يغلي في البطون كغلي الحميم» و هو الذي قد حمي و بلغ المنتهى .


أقول : و من طرق أهل السنة أيضا روايات تؤيد نزول الآية في أبي جهل

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :