امروز:
پنج شنبه 30 شهريور 1396
بازدید :
652
تفسيرالميزان : سوره جاثيه آيات 37- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :153


45 سورة الجاثية مكية و هي سبع و ثلاثون آية 37



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :154


سورة الجاثية


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم‏(1) تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحَْكِيمِ‏(2) إِنَّ فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ لاَيَتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ‏(3) وَ فى خَلْقِكمْ وَ مَا يَبُث مِن دَابَّةٍ ءَايَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏(4) وَ اخْتِلَفِ الَّيْلِ وَ النهَارِ وَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَا وَ تَصرِيفِ الرِّيَح ءَايَتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏(5) تِلْك ءَايَت اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْك بِالْحَقّ‏ِفَبِأَى حَدِيثِ بَعْدَ اللَّهِ وَ ءَايَتِهِ يُؤْمِنُونَ‏(6) وَيْلٌ لِّكلّ‏ِ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏(7) يَسمَعُ ءَايَتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثمَّ يُصِرُّ مُستَكْبراً كَأَن لَّمْ يَسمَعْهَافَبَشرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏(8) وَ إِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَتِنَا شيْئاً اتخَذَهَا هُزُواًأُولَئك لهَُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏(9) مِّن وَرَائهِمْ جَهَنَّمُوَ لا يُغْنى عَنهُم مَّا كَسبُوا شيْئاً وَ لا مَا اتخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَوَ لهَُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏(10) هَذَا هُدًىوَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَتِ رَبهِمْ لهَُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ‏(11) × اللَّهُ الَّذِى سخَّرَ لَكمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِى الْفُلْك فِيهِ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضلِهِ وَ لَعَلَّكمْ تَشكُرُونَ‏(12) وَ سخَّرَ لَكم مَّا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُإِنَّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏(13)


بيان


غرض السورة دعوة عامة على الإنذار تفتتح بآيات الوحدانية ثم تذكر تشريع الشريعة للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تشير إلى لزوم اتباعها له و لغيره بما أن أمامهم يوما يحاسبون فيه على أعمالهم الصالحة من الإيمان و اتباع الشريعة و اجتراحهم السيئات بالإعراض عن الدين، ثم تذكر ما سيجري على الفريقين في ذلك اليوم و هو يوم القيامة .


و في خلال مقاصدها إنذار و وعيد شديد للمستكبرين المعرضين عن آيات الله و الذين اتخذوا إلههم هواهم و أضلهم الله على علم .


و من طرائف مطالبها بيان معنى كتابة الأعمال و استنساخها .


و السورة مكية بشهادة سياق آياتها و استثنى بعضهم قوله تعالى : « قل للذين آمنوا» الآية ، و لا شاهد له .


قوله تعالى : « حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم» الظاهر أن « تنزيل الكتاب» من إضافة الصفة إلى الموصوف و المصدر بمعنى المفعول ، و « من الله» متعلق بتنزيل، و المجموع خبر لمبتدإ محذوف .


و المعنى : هذا كتاب منزل من الله العزيز الحكيم ، و قد تقدم الكلام في مفردات الآية فيما تقدم .


قوله تعالى : « إن في السماوات و الأرض لآيات للمؤمنين» آية الشي‏ء علامته التي تدل عليه و تشير إليه ، و المراد بكون السماوات و الأرض فيها آيات كونها بنفسها آيات له فليس وراء السماوات و الأرض و سائر ما خلق الله أمر مظروف لها هو آية دالة عليه تعالى .


و من الدليل على ما ذكرنا اختلاف التعبير فيها في كلامه تعالى فتارة يذكر أن في الشي‏ء آية له و أخرى يعده بنفسه آية كقوله تعالى : « إن في خلق السماوات و الأرض


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :155


و اختلاف الليل و النهار لآيات» : آل عمران : 190 ، و قوله : « و من آياته خلق السماوات و الأرض» : الروم : 22 ، و نظائرهما كثيرة ، و يستفاد من اختلاف التعبير الذي فيها أن معنى كون الشي‏ء فيه آية هو كونه بنفسه آية كما يستفاد من اختلاف التعبير في مثل قوله : « إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات» ، و قوله : « إن في السماوات و الأرض لآيات» الآية ، أن المراد من خلق السماوات و الأرض نفسها لا غير .


و العناية في أخذ الشي‏ء ظرفا للآية مع كونه بنفسه آية اعتبار جهات وجوده و إن لوجوده جهة أو جهات كل واحدة منها آية من الآيات و لو أخذت نفس الشي‏ء لم يستقم إلا أخذها آية واحدة كما في قوله تعالى : « و في الأرض آيات للموقنين» : الذاريات : 20 ، و لو أخذت الآية نفس الأرض لم يستقم إلا أن يقال : و الأرض آية للموقنين و ضاع المراد و هو أن في وجود الأرض جهات كل واحدة منها آية وحدها .


فمعنى قوله : « إن في السماوات و الأرض» إلخ ، إن لوجود السماوات و الأرض جهات دالة على أن الله تعالى هو خالقها المدبر لها وحده لا شريك له فإنها بحاجتها الذاتيةإلى من يوجدها و عظمة خلقتها و بداعة تركيبها و اتصال وجود بعضها ببعض و ارتباطه على كثرتها الهائلة و اندراج أنظمتها الجزئية الخاصة بكل واحد تحت نظام عام يجمعها و يحكم فيها تدل على أن لها خالقا هو وحده ربها المدبر أمرها فلو لا أن هناك من يوجدها لم توجد من رأس ، و لو لا أن مدبرها واحد لتناقضت النظامات و تدافعت و اختلف التدبير .


و مما تقدم يظهر أن قول بعضهم : إن قوله : « في السماوات» بتقدير مضاف محذوف و التقدير في خلق السماوات ، تكلف من غير ضرورة تدعو إليه .


قوله تعالى : « و في خلقكم و ما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون» البث التفريق و الإثارة و بثه تعالى للدواب خلقها و تفريقها و نشرها على الأرض كما قال في خلق الإنسان : « ثم إذا أنتم بشر تنتشرون» : الروم : 20 .


و معنى الآية : و فيكم من حيث وجودكم المخلوق و فيما يفرقه الله من دابة من حيث خلقها آيات لقوم يسلكون سبيل اليقين .


و خلق الإنسان على كونه موجودا أرضيا له ارتباط بالمادة نوع آخر من الخلق يغاير خلق السماوات و الأرض لأنه مركب من بدن أرضي مؤلف من مواد كونية


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :156


عنصرية تفسد بالموت بالتفرق و التلاشي و أمر آخر وراءذلك علوي غير مادي لا يفسد بالموت بل يتوفى و يحفظ عند الله ، و هو الذي يسميه القرآن بالروح قال تعالى : « و نفخت فيه من روحي» : الحجر : 29 ، و قال بعد ذكر خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة ثم مضغة ثم تتميم خلق بدنه : « ثم أنشأناه خلقا آخر» : المؤمنون : 14 و قال : « قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم» : الم السجدة : 11 .


فالناظر في خلق الإنسان ناظر في آية ملكوتية وراء الآيات المادية و كذا الناظر في خلق الدواب و لها نفوس ذوات حياة و شعور و إن كانت دون الإنسان في حياتها و شعورها كما أنها دونه في تجهيزاتها البدنية ففي الجميع آيات لأهل اليقين يعرفون بها الله سبحانه بأنه واحد لا شريك له في ربوبيته و ألوهيته .


قوله تعالى : « و اختلاف الليل و النهار» إلى آخر الآية هذا القبيل من الآيات آيات ما بين السماء و الأرض .


و قوله : « و اختلاف الليل و النهار» يريد به اختلافهما في الطول و القصر اختلافا منظما باختلاف الفصول الأربعة بحسب بقاع الأرض المختلفة و يتكرر بتكرر السنين يدبر سبحانه بذلك أقوات أهل الأرض و يربيهم بذلك تربية صالحة قال تعالى : « و قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين» : حم السجدة : 10 .


و قوله : «و ما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها» المراد بالرزق الذي ينزله الله من السماء هو المطر تسمية للسبب باسم المسبب مجازا أو لأن المطر أيضا من الرزق فإن مياه الأرض من المطر ، و المراد بالسماء جهة العلو أو السحاب مجازا ، و إحياء الأرض به بعد موتها هو إحياء ما فيها من النبات بالأخذ في الرشد و النمو ، و لا يخلو التعرض للإحياء بعد الموت من تلويح إلى المعاد .


و قوله : « و تصريف الرياح» أي تحويلها و إرسالها من جانب إلى جانب ، لتصريفها فوائد عامة كثيرة من أعمها سوق السحب إلى أقطار الأرض و تلقيح النباتات و دفع العفونات و الروائح المنتنة .


و قوله : « آيات لقوم يعقلون» أي يميزون بين الحق و الباطل و الحسن و القبيح بالعقل الذي أودعه الله سبحانه فيهم .


و قد خص كل قبيل من الآيات بقوم خاص فخصت آية السماوات و الأرض


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :157


بالمؤمنين و آية الإنسان و سائر الحيوان بقوم يوقنون ، و آية اختلاف الليل و النهار و الأمطار و تصريف الرياح بقوم يعقلون .


و لعل الوجه في ذلك أن آية السماوات و الأرض تدل بدلالة بسيطة ساذجة على أنها لم توجد نفسها بنفسها و لا عن اتفاق و صدفة بل لها موجد أوجدها مع ما لها من الآثار و الأفعال التي يتحصل منها النظام المشهود فخالقها خالق الجميع و رب الكل ، و الإنسان يدرك ذلك بفهمه البسيط الساذج و المؤمنون بجميع طبقاتهم يفهمون ذلك و ينتفعون به .


و أما أنه خلق الإنسان و سائر الدواب التي لها حياة و شعور فإنها من حيث أرواحها و نفوسها الحية الشاعرة من عالم وراء عالم المادة و هو المسمى بالملكوت و قد خص القرآن كمال إدراكه و مشاهدته بأهل اليقين كما قال : « و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض و ليكون من الموقنين» : الأنعام : 75 .


و أما آية اختلاف الليل و النهار و الأمطار المحيية للأرض و تصريف الرياح فإنها لتنوع أقسامها و تعدد جهاتها و ارتباطها بالأرض و الأرضيات و كثرة فوائدها و سعة منافعها تحتاج إلى تعقل فكري تفصيلي عميق و لا تنال بالفهم البسيط الساذج و لذلك خصت بقوم يعقلون و الآيات آيات لجميع الناس لكن لما كان المنتفع بها بعضهم خصت بهم .


و قد عبر عن أهل اليقين و العقل بقوم يوقنون و بقوم يعقلون و عن أهل الإيمان بالمؤمنين لأن بساطة آية أهل الإيمان تفيد أن المراد بالإيمان أصله و هو ثابت فيهم فناسب التعبير عنهم بالوصف بخلاف آيتي أهل اليقين و العقل فإنهما لدقتهما و علو منالهما تدركان شيئا فشيئا فناسبتا التعبير بالفعل المضارع الدال على الاستمرار التجددي .


و قيل في وجه ما في الآيات الثلاث من الترتيب بين أهلها حيث ذكر أولا أهل الإيمان ثم الإيقان ثم العقل أنه على ترتيب الترقي فإن الإيقان مرتبة خاصة في الإيمان فهو بعد الإيمان و العقل مدار الإيمان و الإيقان و نعني العقل المؤيد بنور البصيرة فبسببه يخلص اليقين من اعتراء الشكوك من كل وجه و في استحكامه كل خير .


و روعي في ترتيب الآيات ما روعي في ترتيب المراتب الثلاث .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :158


و فيه أن مقتضى ما وصفه من أمر العقل وقوعه قبل الثاني بل قبل أول المراتب على أن ما ذكره من إمكان اعتراء الشكوك على اليقين مما لا سبيل إلى تصوره .


و قيل في وجه الترتيب : أن تمام النظر في الثاني يضطر إلى النظر في الأول لأن السماوات و الأرض من أسباب تكون الحيوان بوجه فيجب أن تذكر قبله ، و كذلك النظر في الثالث يضطر إلى النظر في الأولين أما الأول فظاهر ، و أما الثاني فلأنه العلة الغائية فلا بد أن يكون جامعا أي إن الثالث و هو المعلول يتوقف في معرفته على ذكر علته الغائية قبله .


و فيه أنه على تقدير صحته وجهلترتب الآيات دون مراتب الصفات الثلاث أعني الإيمان و الإيقان و العقل .


على أن الثالث أيضا كالأول من أسباب تكون الحيوان فيجب أن يتقدم على الثاني ، و بوجه آخر الثاني علة غائية للأول فيجب أن يتقدم على الأول كما تقدم على الثالث .


و قيل : إن السبب في ترتيب هذه الفواصل أنه قيل : إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل ، و إن كنتم لستم بمؤمنين و كنتم من طلاب الجزم و اليقين فافهموا هذه الدلائل ، و إن كنتم لستم بمؤمنين و لا موقنين فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل .


و فيه أنه على تقدير صحته وجه لترتب الصفات الثلاث دون أقسام الآيات الثلاثة على أن لازمه أن لا يختص شي‏ء من الآيات الثلاث بواحدة من الصفات الثلاث بل يكون الجميع للجميع و السياق لا يساعد عليه على أن ظاهر كلامه أنه فسر اليقين بالجزم و هو العلم فلا يبقى للعقل إلا الحكم الظني و لا يعبأ به في المعارف الاعتقادية .


قوله تعالى : « تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله و آياته يؤمنون» الإيمان بأمر هو العلم به مع الالتزام به عملا فلو لم يلتزم لم يكن إيمانا و إن كان هناك علم ، قال تعالى : « و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم» : النمل : 14 ، و قال : « و أضله الله على علم» : الجاثية : 23 .


و الآيات هي العلامات الدالة فآيات الله الكونية هي الأمور الكونية الدالة بوجودها الخارجي على كونه تعالى واحدا في الخلق متصفا بصفات الكمال منزها عن كل نقص و حاجة ، و الإيمان بهذه الآيات هو الإيمان بدلالتها عليه تعالى و لازمه الإيمان به


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :159


تعالى كما تدل هي عليه .


و الآيات القرآنية آيات له تعالى بما تدل على الآيات الكونية الدالة عليه سبحانه أو على معارف اعتقادية أو أحكام عملية أو أخلاق يرتضيها الله سبحانه و يأمر بها فإن مضامينها دالة عليه و من عنده ، و الإيمان بهذه الآيات أيضا إيمان بدلالتها و يلزمه الإيمان بمدلولها .


و الآيات المعجزة أيضا إما آيات كونية و دلالتها دلالة الآيات الكونية و إما غير كونية كالقرآن في إعجازه و مرجع دلالتها إلى دلالة الآيات الكونية .


و قوله : « تلك آيات الله نتلوها عليك» الإشارة إلى الآيات القرآنية المتلوة عليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و يمكن أن تكون إشارة إلى الآيات الكونية المذكورة في الآيات الثلاث السابقة بعناية الاتحاد بين الدال و المدلول .


و قوله : « فبأي حديث بعد الله و آياته يؤمنون» قيل : هومن قبيل قولك : أعجبني زيد و كرمه ، و إنما أعجبك كرمه و المعنى بحسب النظر الدقيق أعجبني كرم زيد و زيد من حيث كرمه ، فمعنى الآية فبأي حديث بعد آيات الله يعني الآيات القرآنية يؤمنون ؟ يعني إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فبأي حديث بعده يؤمنون ؟ .


و قيل : الكلام بتقدير حديث أي إذا لم يؤمنوا فبأي حديث بعد حديث الله و آياته يؤمنون ، و الأنسب على هذا المعنى أن يكون المراد بالآيات الآيات الكونية و لذا قال الطبرسي بعد ذكر هذا المعنى : و الفرق بين الحديث الذي هو القرآن و بين الآيات أن الحديث قصص يستخرج منه عبر تبيين الحق من الباطل ، و الآيات هي الأدلة الفاصلة بين الصحيح و الفاسد .


انتهى و أول الوجهين ألطف .


قوله تعالى : « ويل لكل أفاك أثيم» الويل و الهلاك ، و الأفاك مبالغة من الإفك و هو الكذب ، و الأثيم من الإثم بمعنى المعصية و المعنى : ليكن الهلاك على كل كذاب ذي معصية .


قوله تعالى : « يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها» إلخ صفة لكل أفاك أثيم ، و « ثم» للتراخي الرتبي و تفيد معنى الاستبعاد ، و الإصرار على الفعل ملازمته و عدم الانفكاك عنه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :160


و المعنى : يسمع آيات الله - و هي آيات القرآن - تقرأ عليه ثم يلازم الكفر و الحال أنه مستكبر لا يتواضع للحق كأن لم يسمع تلك الآيات فبشره بعذاب أليم .


قوله تعالى : « و إذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا» إلخ ، ظاهر السياق أن ضمير « اتخذها» للآيات ، و جعل الهزء متعلقا بالآيات دون ما علم منها يفيد كمال جهله ، و المعنى : و إذا علم ذلك الأفاك الأثيم المصر المستكبر بعض آياتنا استهزأ بآياتنا جميعا .


و قوله : « أولئك لهم عذاب مهين» أي مذل مخز ، و توصيف العذاب بالإهانة مقابلة لاستكبارهم و استهزائهم ، و الإشارة بأولئك إلى كل أفاك ، و قيل في الآية بوجوه أخر أعرضنا عنها لعدم الجدوى فيها .


قوله تعالى : « من ورائهم جهنم و لا يغني عنهم ما كسبوا شيئا و لا ما اتخذوا من دون الله أولياء» إلخ ، لما كانوا مشتغلين بالدنيا معرضين عن الحق غير ملتفتين إلى تبعات أعمالهم جعلت جهنم وراءهم مع أنها قدامهم و هم سائرون نحوها متوجهون إليها .


و قيل : وراءهم بمعنى قدامهم قال في المجمع ، : وراء اسم يقع على القدام و الخلف فما توارى عنك فهو وراءك خلفك كان أو أمامك .


انتهى و في قوله : « من ورائهم جهنم» قضاء حتم .


و قوله : « و لا يغني عنهم ما كسبوا شيئا» المراد بما كسبوا ما حصلوه في الدنيا من مال و نحوه ، و تنكير « شيئا» للتحقير أي و لا يغني عنهم يوم الحساب ما كسبوه من مال و جاه و أنصار في الدنيا شيئا يسيرا حقيرا .


و قوله : « و لا ما اتخذوا من دون الله أولياء» « ما» مصدرية و المراد بالأولياء أرباب الأصنام الذين اتخذوهم أربابا آلهة و زعموا أنهم لهم شفعاء أو الأصنام .


و قوله : « و لهم عذاب عظيم» تأكيد لوعيدهم و قد أوعدهم الله سبحانه أولا بقوله : « ويل لكل أفاك» إلخ ، و ثانيا بقوله : « فبشره بعذاب أليم» و ثالثا بقوله : « أولئك لهم عذابمهين» و رابعا بقوله : « من ورائهم جهنم» إلخ ، و خامسا بقوله : « و لهم عذاب عظيم» ، و وصف عذابهم في خلالها بأنه أليم مهين عظيم .


قوله تعالى : « هذا هدى و الذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم»


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :161


الإشارة بقوله : « هذا هدى» إلى القرآن و وصفه بالهدى للمبالغة نحو زيد عدل و الرجز - كما قيل - أشد العذاب و أصله الاضطراب .


و الآية في مقام الرد لما رموا به القرآن و عدوه مهانا بالهزء و السخرية و خلاصة وعيد من كفر بآياته .


قوله تعالى : « الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره» إلخ ، لما ذكر سبحانه حال الأفاكين من الاستكبار عن الإيمان بالآيات إذا تليت عليهم و الاستهزاء بما علموا منها و أوعدهم أبلغ الإيعاد بأشد العذاب رجع إليهم بخطاب الجميع ممن يؤمن و يكفر ، و ذكر بعض آيات ربوبيته التي فيها من عظيم عليهم و ليس في وسعهم إنكارها فذكر أولا تسخير البحر لهم ثم ما في السماوات و الأرض جميعا ففيها آيات لا يكفر بها إلا من انسلخ عن الفطرة الإنسانية و نسي التفكر الذي هو من أجلى خواص الإنسان .


فقوله : « الله الذي سخر لكم البحر» اللام في « لكم» للغاية أي سخر لأجلكم البحر بأن خلقه على نحو يحمل الفلك و يقبل أن تجري فيه فينتفع به الإنسان ، و يمكن أن تكون للتعدية فيكون الإنسان يسخر البحر بإذن الله .


و قوله : « لتجري الفلك فيه بأمره» غاية لتسخير البحر ، و جريان الفلك فيه بأمره ، هو إيجاد الجريان بكلمة كن فآثار الأشياء كنفس الأشياء منسوبة إليه تعالى و قوله : « و لتبتغوا من فضله» أي و لتطلبوا بركوبه عطيته تعالى و هو رزقه .


و قوله : « و لعلكم تشكرون» أي رجاء أن تشكروه تعالى قبال هذه النعمة التي هي تسخير البحر .


قوله تعالى : « و سخر لكم ما في السماوات و ما في الأرضجميعا منه» إلخ ، هذا من الترقي بعطف العام على الخاص ، و الكلام في « لكم» كالكلام في مثله في الآية السابقة ، و قوله : « جميعا» تأكيد لما في السماوات و الأرض أو حال منه .


و قوله : « سخر لكم ما في السماوات و ما في الأرض جميعا» معنى تسخيرها للإنسان أن أجزاء العالم المشهود تجري على نظام واحد يحكم فيها و يربط بعضها ببعض و يربط


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :162


الجميع بالإنسان فينتفع في حياته من علويها و سفليها و لا يزال المجتمع البشري يتوسع في الانتفاع بها و الاستفادة من توسيطها و التوسل بشتاتها في الحصول على مزايا الحياة فالكل مسخر له .


و قوله : « منه» من للابتداء ، و الضمير لله تعالى و هو حال مما في السماوات و الأرض ، و المعنى : سخر لكم ما في السماوات و الأرض جميعا حال كونه مبتدأ منه حاصلا من عنده فذوات الأشياء تبتدى‏ء منه بإيجاده لها من غير مثال سابق و كذلك خواصها و آثارها بخلقه و من خواصها و آثارها ارتباط بعضها ببعض و هو النظام الجاري فيها المرتبط بالإنسان قال تعالى : « الله يبدأ الخلق ثم يعيده» : الروم : 11 ، و قال : « إنه هو يبدي‏ء و يعيد» : البروج : 13 .


و قد ذكروا لقوله : « منه» معاني أخر لا يخلو شي‏ء منها عن التكلف تركنا التعرض لها .


و قوله : « إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» وجه تعلقها بالتفكر ظاهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :163


قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِى قَوْمَا بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ‏(14) مَنْ عَمِلَ صلِحاً فَلِنَفْسِهِوَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيهَاثمَّ إِلى رَبِّكمْ تُرْجَعُونَ‏(15) وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنى إِسرءِيلَ الْكِتَب وَ الحُْكمَ وَ النُّبُوَّةَ وَ رَزَقْنَهُم مِّنَ الطيِّبَتِ وَ فَضلْنَهُمْ عَلى الْعَلَمِينَ‏(16) وَ ءَاتَيْنَهُم بَيِّنَتٍ مِّنَ الأَمْرِفَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْإِنَّ رَبَّك يَقْضى بَيْنهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كانُوا فِيهِ يخْتَلِفُونَ‏(17) ثُمَّ جَعَلْنَك عَلى شرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَ لا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏(18) إِنهُمْ لَن يُغْنُوا عَنك مِنَ اللَّهِ شيْئاًوَ إِنَّ الظلِمِينَ بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍوَ اللَّهُ وَلىُّ الْمُتَّقِينَ‏(19)


بيان


لما ذكر آيات الوحدانية و أشار فيها بعض الإشارة إلى المعاد و كذا إلى النبوة في ضمن ذكر تنزيل الكتاب و إيعاد المستكبرين المستهزءين به ذكر في هذه الآيات تشريع الشريعة للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و توسل إلى ذلك بمقدمتين تربطانه بما تقدم من الكلام إحداهما دعوة المؤمنين إلى أن يكفوا عن التعرض لحال الكفار الذين لا يرجون أيام الله فإن الله مجازيهم لأن الأعمال مسئول عنها صالحة أو طالحة ، و هذا هو السبب لتشريع الشريعة ، و الثانية : أن إنزال الكتاب و الحكم و النبوة ليس ببدع فقد آتى الله بني إسرائيل الكتاب و الحكم و النبوة و آتاهم البينات التي لا يبقى معها في دين الله ريب لمرتاب إلا أن علماءهم اختلفوا فيه بغيا منهم و سيقضي الله بينهم .


ثم ذكر سبحانه تشريع الشريعة له و أمره باتباعها و نهاه عن اتباع أهواء الجاهلين .


قوله تعالى : « قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله» إلخ ، أمر منه تعالى لنبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يأمر المؤمنين أن يغفروا للكفار فيصير تقدير الآية : قل لهم : اغفروا يغفروا فهي كقوله تعالى : « قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة» : إبراهيم : 31 .


و الآية مكية واقعة في سياق الآيات السابقة الواصفة لحال المستكبرين المستهزءين بآيات الله المهددة لهم بأشد العذاب و كان المؤمنين بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كانوا إذا رأوا هؤلاء المستهزءين يبالغون في طعنهم و إهانتهم للنبي و استهزائهم بآيات الله لم يتمالكوا أنفسهم دون أن يدافعوا عن كتاب الله و من أرسله به و يدعوهم إلى رفض ما هم فيه و الإيمان مع كونهم ممن حقت عليهم كلمة العذاب كما هو ظاهر الآيات السابقة ، فأمر الله سبحانه نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يأمرهم بالعفو و الصفح عنهم و عدم التعرض لحالهم فإن وبال أعمالهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :164


سيلحق بهم و جزاء ما كسبوه سينالهم .


و على هذا فالمراد بالمغفرة في قوله : « قل للذين آمنوا يغفروا» الصفح و الإعراض عنهم بترك مخاصمتهم و مجادلتهم ، و المراد بالذين لا يرجون أيام الله هم الذين ذكروا في الآيات السابقة فإنهم لا يتوقعون لله أياما لا حكم فيها و لا ملك إلا له تعالى كيوم الموت و البرزخ و يوم القيامة و يوم عذاب الاستئصال .


و قوله : « ليجزي قوما بما كانوا يكسبون» تعليل للأمر بالمغفرة أو للأمر بالأمر بالمغفرة و محصله ليصفحوا عنهم و لا يتعرضوا لهم ، فلا حاجة إلى ذلك لأن الله سيجزيهمبما كانوا يكسبون فتكون الآية نظيرة قوله : « و ذرني و المكذبين أولي النعمة و مهلهم قليلا إن لدينا أنكالا و جحيما» : المزمل : 12 ، و قوله : « ثم ذرهم في خوضهم يلعبون» : الأنعام : 91 و قوله : « فذرهم يخوضوا و يلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون» : المعارج : 42 ، و قوله : « فاصفح عنهم و قل سلام فسوف يعلمون» : الزخرف : 89 .


و معنى الآية : مر الذين آمنوا أن يعفوا و يصفحوا عن أولئك المستكبرين المستهزءين بآيات الله الذين لا يتوقعون أيام الله ليجزيهم الله بما كانوا يكسبون و يوم الجزاء يوم من أيامه أي ليصفحوا عن هؤلاء المنكرين لأيام الله حتى يجزيهم بأعمالهم في يوم من أيامه .


و في قوله : « ليجزي قوما» وضع الظاهر موضع الضمير ، و كان مقتضى الظاهر أن يقال : ليجزيهم ، و النكتة فيه مع كون « قوما» نكرة غير موصوفة تحقير أمرهم و عدم العناية بشأنهم كأنهم قوم منكرون لا يعرف شخصهم و لا يهتم بشي‏ء من أمرهم .


و بما تقدم من تقرير معنى الآية تتصل الآية و ما بعدها بما قبلها و تندفع الإشكالات التي أوردوها عليها و اهتموا بالجواب عنها ، و يظهر فساد المعاني المختلفة التي ذكروها لها و من أراد الاطلاع عليها فليراجع المطولات .


قوله تعالى : « من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون» في موضع التعليل لقوله : « ليجزي قوما» إلخ ، و لذا لم يعطف و ليس من الاستئناف في شي‏ء .


و محصل المعنى : ليجزيهم الله بما كسبوا فإن الأعمال لا تذهب سدى و بلا أثر


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :165


بل من عمل صالحا انتفع به و من أساء العمل تضرر به ثم إلى ربكم ترجعون فيجزيكم حسب أعمالكم إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا .


قوله تعالى : « و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب و الحكم و النبوة» إلخ ، لما بين أن للأعمال آثارا حسنة أو سيئة تلحق صاحبيها أراد التنبيه على تشريع شريعة للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذ كان على الله سبحانه أن يهدي عباده إلى ما فيه خيرهم و سعادتهم كما قال تعالى : « و على الله قصد السبيل و منها جائر» : النحل : 9 .


فنبه على ذلك بقوله الآتي : « ثم جعلناك على شريعة من الأمر» إلخ ، و قدم على ذلك الإشارة إلى ما آتى بني إسرائيل من الكتاب و الحكم و النبوة و رزقهم من الطيبات و تفضيلهم و إيتائهم البينات ليؤذن به أن الإفاضة الإلهية بالشريعة و النبوة و الكتاب ليست ببدع لم يسبق إليه بل لها نظير في بني إسرائيل و هم بمرآهم ومسمعهم .


فقوله : « و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب و الحكم و النبوة» المراد بالكتاب التوراة المشتملة على شريعة موسى (عليه‏السلام‏) و أما الإنجيل فلا يتضمن الشريعة و شريعته شريعة التوراة ، و أما زبور داود فهي أدعية و أذكار ، و يمكن أن يراد بالكتاب جنسه الشامل للتوراة و الإنجيل و الزبور كما قيل لكن يبعده أن الكتاب لم يطلق في القرآن إلا على ما يشتمل على الشريعة .


و المراد بالحكم بقرينة ذكره مع الكتاب ما يحكم و يقضي به الكتاب من وظائف الناس كما يذكره قوله تعالى : « و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه» : البقرة : 213 ، و قال في التوراة : « يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا و الربانيون و الأحبار بما استحفظوا من كتاب الله» : المائدة : 44 ، فالحكم من لوازم الكتاب كما أن النبوة من لوازمه .


و المراد بالنبوة معلوم و قد بعث الله من بني إسرائيل جما غفيرا من الأنبياء كما في الأخبار و قص في كتابه جماعة من رسلهم .


و قوله : « و رزقناهم من الطيبات» أي طيبات الرزق و من ذلك المن و السلوى .


و قوله : « و فضلناهم على العالمين» إن كان المراد جميع العالمين فقد فضلوا من بعض الجهات ككثرة الأنبياء المبعوثين و المعجزات الكثيرة الظاهرة من أنبيائهم ، و إن كان المراد عالمي زمانهم فقد فضلوا من جميع الجهات .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :166


قوله تعالى : « و آتيناهم بينات من الأمر» إلى آخر الآية المراد بالبينات الآيات البينات التي تزيل كل شك و ريب و تمحوه عن الحق و يشهد بذلك تفريع قوله : « فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم» .


و المراد بالأمر قيل : هو أمر الدين ، و « من» بمعنى في و المعنى : و أعطيناهم دلائل بينة في أمر الدين و يندرج فيه معجزات موسى (عليه‏السلام‏) .


و قيل : المراد به أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المعنى : آتيناهم آيات من أمر النبي و علامات مبينة لصدقه كظهوره في مكة و مهاجرته منها إلى يثرب و نصرة أهله و غير ذلك مما كان مذكورا في كتبهم .


و قوله : « فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم» يشير إلى أن ما ظهر بينهم من الاختلاف في الدين و اختلاط الباطل بالحق لم يكن عن شبهة أو جهل و إنما أوجدها علماؤهم بغيا و كان البغي دائرا بينهم .


و قوله : « إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» إشارة إلى أن اختلافهم الذي لا يخلو من اختلاط الباطل بالحق لا يذهب سدى و سيؤثر أثره و يقضي الله بينهم يوم القيامة فيجزون على حسب ما يستدعيه أعمالهم .


قوله تعالى : « ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون» الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و يشاركه فيه أمته ، و الشريعة طريق ورود الماء و الأمر أمر الدين ، و المعنى : بعد ما آتينا بني إسرائيل ما آتينا جعلناك على طريقة خاصة من أمر الدين الإلهي و هي الشريعة الإسلامية التي خص الله بها النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أمته .


و قوله : « فاتبعها» إلخ ، أمر للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) باتباع ما يوحى إليه من الدين و أن لا يتبع أهواء الجاهلين المخالفة للدين الإلهي .


و يظهر من الآية أولا : أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مكلف بالدين كسائر الأمة .


و ثانيا : أن كل حكم عملي لم يستند إلى الوحي الإلهي و لم ينته إليه فهو هوى من أهواء الجاهلين غير منتسب إلى العلم .


قوله تعالى : « إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا» إلخ ، تعليل للنهي عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون ، و الإغناء من شي‏ء رفع الحاجة إليه ، و المحصل : أن لك إلى الله سبحانه حوائج ضرورية لا يرفعها إلا هو و الذريعة إلى ذلك اتباع دينه لا غير فلا


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :167


يغني عنك هؤلاء الذين اتبعت أهواءهم شيئا من الأشياء إليها الحاجة أو لا يغني شيئا من الإغناء .


و قوله : « و إن الظالمين بعضهم أولياء بعض و الله ولي المتقين» الذي يعطيه السياق أنه تعليل آخر للنهي عن اتباع أهواء الجاهلين ، و أن المراد بالظالمين المتبعون لأهوائهم المبتدعة و بالمتقين المتبعون لدين الله .


و المعنى : أن الله ولي الذين يتعبون دينه لأنهم متقون و الله وليهم ، و الذين يتبعون أهواء الجهلة ليس هو تعالى وليا لهم بل بعضهم أولياء بعض لأنهم ظالمون و الظالمون بعضهم أولياء بعض فاتبع دين الله يكن لك وليا و لا تتبع أهواءهم حتى يكونوا أولياء لك لا يغنون عنك من الله شيئا .


و تسمية المتبعين لغير دين الله بالظالمين هو الموافق لما يستفاد من قوله : « أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا و بالآخرة هم كافرون» : الأعراف : 45 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :168


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :169


هَذَا بَصئرُ لِلنَّاسِ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏(20) أَمْ حَسِب الَّذِينَ اجْترَحُوا السيِّئَاتِ أَن نجْعَلَهُمْ كالَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ سوَاءً محْيَاهُمْ وَ مَمَاتهُمْساءَ مَا يحْكُمُونَ‏(21) وَ خَلَقَ اللَّهُ السمَوَتِ وَ الأَرْض بِالحَْقّ‏ِ وَ لِتُجْزَى كلُّ نَفْسِ بِمَا كسبَت وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ‏(22) أَ فَرَءَيْت مَنِ اتخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَ أَضلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى بَصرِهِ غِشوَةً فَمَن يهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِأَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏(23) وَ قَالُوا مَا هِىَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوت وَ نحْيَا وَ مَا يهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُوَ مَا لهَُم بِذَلِك مِنْ عِلْمٍإِنْ هُمْ إِلا يَظنُّونَ‏(24) وَ إِذَا تُتْلى عَلَيهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ مَّا كانَ حُجَّتهُمْ إِلا أَن قَالُوا ائْتُوا بِئَابَائنَا إِن كُنتُمْ صدِقِينَ‏(25) قُلِ اللَّهُ يحْيِيكمْ ثمَّ يُمِيتُكمْ ثمَّ يجْمَعُكمْ إِلى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لا رَيْب فِيهِ وَ لَكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏(26) وَ للَّهِ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِوَ يَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئذٍ يخْسرُ الْمُبْطِلُونَ‏(27) وَ تَرَى كلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةًكلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلى كِتَبهَا الْيَوْمَ تجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏(28) هَذَا كِتَبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ‏ِإِنَّا كُنَّا نَستَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏(29) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبهُمْ فى رَحْمَتِهِذَلِك هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ‏(30) وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ ءَايَتى تُتْلى عَلَيْكمْ فَاستَكْبرْتمْ وَ كُنتُمْ قَوْماً مجْرِمِينَ‏(31) وَ إِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ الساعَةُ لا رَيْب فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا الساعَةُ إِن نَّظنُّ إِلا ظنًّا وَ مَا نحْنُ بِمُستَيْقِنِينَ‏(32) وَ بَدَا لهَُمْ سيِّئَات مَا عَمِلُوا وَ حَاقَ بهِم مَّا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ‏(33) وَ قِيلَ الْيَوْمَ نَنساشْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكمْ هَذَا وَ مَأْوَاشُ النَّارُ وَ مَا لَكم مِّن نَّصِرِينَ‏(34) ذَلِكم بِأَنَّكمُ اتخَذْتمْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُواً وَ غَرَّتْكمُ الحَْيَوةُ الدُّنْيَافَالْيَوْمَ لا يخْرَجُونَ مِنهَا وَ لا هُمْ يُستَعْتَبُونَ‏(35) فَللَّهِ الحَْمْدُ رَب السمَوَتِ وَ رَب الأَرْضِ رَب الْعَلَمِينَ‏(36) وَ لَهُ الْكِبرِيَاءُ فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِوَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏(37)


بيان


لما أشار إلى جعل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على شريعة من الأمر و هو تشريع الشريعة الإسلامية أشار في هذه الآيات إلى أنها بصائر للناس يبصرون بها ما يجب عليهم أن يسلكوه من سبيل الحياة الطيبة في الدنيا و تتلوها سعادة الحياة الآخرة ، و هدى و رحمة لقوم يوقنون بآيات الله .


و أشار إلى أن الذي يدعو مجترحي السيئات أن يستنكفوا عن التشرع بالشريعة إنكارهم المعاد فيحسبون أنهم و المتشرعون بالدين سواء في الحياة و الممات و أن لا أثر للتشرع بالشريعة فلا ثمرة للعمل الصالح الذي تهدي إليه الشريعة إلا إتعاب النفس بالتقيد من غير موجب .


فبرهن تعالى على بطلان حسبانهم بإثبات المعاد ثم أردفه بوصف المعاد و ما يثيب به الصالحين يومئذ و ما يعاقب به الطالحين أهل الجحود و الإجرام ، و عند ذلك تختتم السورة بالتحميد و التسبيح .


قوله تعالى : « هذا بصائر للناس و هدى و رحمة لقوم يوقنون» الإشارة بهذا إلى الأمر المذكور الذي هو الشريعة أو إلى القرآن بما يشتمل على الشريعة ، و البصائر جمع بصيرة و هي الإدراك المصيب للواقع ، و المراد بها ما يبصر به ، و إنما كانت الشريعة بصائر لأنها تتضمن أحكاما و قوانين كل منها يهدي إلى واجب العمل في سبيل السعادة .


و المعنى : هذه الشريعة المشرعة أو القرآن المشتمل عليها وظائف عملية يتبصر بكل منها الناس و يهتدون إلى السبيل الحق و هو سبيل الله و سبيل السعادة ، فقوله بعد ذكر تشريع الشريعة : « هذا بصائر للناس» كقوله بعد ذكر آيات الوحدانية في أول السورة : « هذا هدى و الذين كفروا» إلخ .


و قوله : « و هدى و رحمة لقوم يوقنون» أي دلالة واضحة و إفاضة خير لهم ، و المراد بقوم يوقنون : الذين يوقنون بآيات الله الدالة على أصول المعارف فإن المعهود في


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :170


القرآن تعلق الإيقان بالأصول الاعتقادية .


و تخصيص الهدى و الرحمة بقوم يوقنون مع التصريح بكونه بصائر للناس لا يخلو من تأييد لكون المراد بالهدى الوصول إلى المطلوب دون مجرد التبصر ، و بالرحمة الرحمة الخاصة بمن اتقى و آمن برسوله بعد الإيمان بالله ، قال تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به و يغفر لكم» : الحديد : 28 ، و قال : « ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب - إلى أن قال - و بالآخرة هم يوقنون» : البقرة : 4 ، و للرحمة درجات كثيرة تختلف سعة و ضيقا ثم للرحمة الخاصة بأهل الإيمان أيضا مراتب مختلفة باختلاف مراتب الإيمان فلكل مرتبة من مراتبه ما يناسبها منها .


و أما الرحمة بمعنى مطلق الخير الفائض منه تعالى فإن القرآن بما يشتمل على الشريعة رحمة للناس كافة كما أن الرسول المبعوث به رحمة لهم جميعا ، قال تعالى : « و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» : الأنبياء : 107 ، و قد أوردنا بعض الكلام في هذا المعنى في بعض المباحث السابقة .


قوله تعالى : « أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم» إلخ ، قال في الجمع ، : الاجتراح الاكتساب ، يقال : جرح و اجترح و كسب و اكتسب و أصله من الجراح لأن لذلك تأثيرا كتأثير الجراح .


قال : و السيئة الفعلة القبيحة التي يسوء صاحبها باستحقاق الذم عليها .


انتهى .


و الجعل بمعنى التصيير ، و قوله : « كالذين آمنوا و عملوا الصالحات» في محل المفعول الثاني للجعل ، و التقدير كائنين كالذين آمنوا ، إلخ .


و جزم الزمخشري في الكشاف على كون الكاف في « كالذين» اسما بمعنى المثل هو مفعول ثان لقوله : « نجعلهم» ، و قوله : « سواء» بدلا منه .


و قوله : « سواء» بالنصب على القراءة الدائرة و هو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي مستويا أو متساويا ، و قوله : « محياهم» مصدر ميمي و فاعل « سواء» و ضميره راجع إلى مجموع المجترحين و المؤمنين ، و « مماتهم» معطوف على « محياهم» و حاله كحاله .


و الآية مسوقة سوق الإنكار و « أم» منقطعة ، و المعنى : بل أ حسب و ظن الذين يكتسبون السيئات أن نصيرهم مثل الذين آمنوا و عملوا الصالحات مستويا محياهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :171


و مماتهم أي تكون حياة هؤلاء كحياة أولئك وموتهم كموتهم فيكون الإيمان و التشرع بالدين لغوا لا أثر له في حياة و لا موت و يستوي وجوده و عدمه .


و قوله : « ساء ما يحكمون» رد لحسبانهم المذكور و حكمهم بالمماثلة بين مجترحي السيئات و الذين آمنوا و عملوا الصالحات و مساءة الحكم كناية عن بطلانه .


فالفريقان لا يتساويان في الحياة و لا في الممات .


أما أنهما لا يتساويان في الحياة فلأن الذين آمنوا و عملوا الصالحات في سلوكهم مسلك الحياة على بصيرة من أمرهم و هدى و رحمة من ربهم كما ذكره سبحانه في الآية السابقة و المسي‏ء صفر الكف ، من ذلك و قال تعالى في موضع آخر : « فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا» : طه : 124 ، و قال في موضع آخر : « أ و من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها» : الأنعام : 122 .


و أما أنهما لا يتساويان في الممات فلأن الموت كما ينطق به البراهين الساطعة ليس انعداما للشي‏ء و بطلانا للنفس الإنسانية كما يحسبه المبطلون بل هو رجوع إلى الله سبحانه و انتقال من نشأة الدنيا إلى نشأة الآخرة التي هي دار البقاء و عالم الخلود يعيش فيها المؤمن الصالح في سعادة و نعمة و غيره فيشقاء و عذاب .


و قد أشار سبحانه إليه فيما تقدم من كلامه بقوله : « كذلك يحيي الله الموتى» و قوله : « ثم إلى ربكم ترجعون» و غير ذلك ، و سيتعرض له بقوله : « و خلق الله السماوات و الأرض بالحق» إلخ .


و الآية من حيث تركيب ألفاظها و المعنى المتحصل منها من معارك الآراء بين المفسرين و قد ذكروا لها محامل كثيرة و الذي يعطيه السياق و يساعد عليه هو ما قدمناه و لا كثير فائدة في التعرض لوجوه أخر ذكروها فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع المطولات .


قوله تعالى : « و خلق الله السماوات و الأرض بالحق و لتجزى كل نفس بما كسبت و هم لا يظلمون» الظاهر أن المراد بالسماوات و الأرض مجموع العالم المشهود و الباء في « بالحق » للملابسة فكون خلق العالم بالحق كونه حقا لا باطلا و لعبا و هو أن يكون لهذا العالم الكائن الفاسد غاية ثابتة باقية وراءه .


و قوله : « و لتجزى» إلخ ، عطف على « بالحق» و الباء في قوله : « بما كسبت»


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :172


للتعدية أو للمقابلة أي لتجزى مقابل ما كسبت إن كان طاعة فالثواب و إن كان معصية فالعقاب ، و قوله : « و هم لا يظلمون» حال من كل نفس أي و لتجزى كل نفس بما كسبت بالعدل .


فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا و خلق الله السماوات و الأرض بالحق و بالعدل فكون الخلق بالحق يقتضي أن يكون وراء هذا العالم عالم آخر يخلد فيه الموجودات و كون الخلق بالعدل يقتضي أن تجزى كل نفس ما تستحقه بكسبها فالمحسن يجزى جزاء حسنا و المسي‏ء يجزى جزاء سيئا و إذ ليس ذلك في هذه النشأة ففي نشأة أخرى .


و بهذا البيان يظهر أن الآية تتضمن حجتين على المعاد إحداهما ما أشير إليه بقوله : « و خلق الله السماوات و الأرض بالحق» و يسلك من طريق الحق ، و الثانية ما أشير إليه بقوله : « و لتجزى» إلخ ، و يسلك من طريق العدل .


فتئول الحجتان إلى ما يشتمل عليه قوله : « و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار» : ص : 28 .


و الآية بما فيها من الحجة تبطل حسبانهم أن المسي‏ء كالمحسن في الممات فإن حديث المجازاة بالثواب و العقاب على الطاعة و المعصية يوم القيامة ينفي تساوي المطيع و العاصي في الممات ، و لازم ذلك إبطال حسبانهم أن المسي‏ء كالمحسن في الحياة فإن ثبوت المجازاة يومئذ يقتضي وجوب الطاعة في الدنيا و المحسنعلى بصيرة من الأمر في حياته يأتي بواجب العمل و يتزود من يومه لغده بخلاف المسي‏ء العائش في عمى و ضلال فليسا بمتساويين .


قوله تعالى : « أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه و أضله الله على علم» إلى آخر الآية ظاهر السياق أن قوله : « أ فرأيت» مسوق للتعجيب أي أ لا تعجب ممن حاله هذا الحال ؟ و المراد بقوله : « اتخذ إلهه هواه» حيث قدم « إلهه» على « هواه» إنه يعلم أن له إلها يجب أن يعبده - و هو الله سبحانه - لكنه يبدله من هواه و يجعل هواه مكانه فيعبده فهو كافر بالله سبحانه على علم منه ، و لذلك عقبه بقوله : « و أضله الله على علم» أي أنه ضال عن السبيل و هو يعلم .


و معنى اتخاذ الإله العبادة و المراد بها الإطاعة فإن الله سبحانه عد الطاعة عبادة كما في قوله : « أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين و أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :173


اعبدوني» : يس : 61 ، و قوله : « اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله» : التوبة : 31 ، و قوله : « و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله» : آل عمران : 64 .


و الاعتبار يوافقه إذ ليست العبادة إلا إظهار الخضوع و تمثيل أن العابد عبد لا يريد و لا يفعل إلا ما أراده و رضيه معبوده فمن أطاع شيئا فقد اتخذه إلها و عبده فمن أطاع هواه فقد اتخذ إلهه هواه و لا طاعة إلا لله أو من أمر بطاعته .


فقوله : « أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه» أي أ لا تعجب ممن يعبد هواه بإطاعته و اتباعه و هو يعلم أن له إلها غيره يجب أن يعبده و يطيعه لكنه يجعل معبوده و مطاعه هو هواه .


و قوله : « و أضله الله على علم» أي هو ضال بإضلال منه تعالى يضله به مجازاة لاتباعه الهوى حال كون إضلاله مستقرا على علم هذا الضال ، و لا ضير في اجتماع الضلال مع العلم بالسبيل و معرفته كما في قوله تعالى : « وجحدوا بها و استيقنتها أنفسهم» : النمل : 14 و ذلك أن العلم لا يلازم الهدى و لا الضلال يلازم الجهل بل الذي يلازم الهدى هو العلم مع التزام العالم بمقتضى علمه فيتعقبه الاهتداء و أما إذا لم يلتزم العالم بمقتضى علمه لاتباع منه للهوى فلا موجب لاهتدائه بل هو الضلال و إن كان معه علم .


و أما قول بعضهم : إن المراد بالعلم هو علمه تعالى و المعنى : و أضله الله على علم منه تعالى بحاله فبعيد عن السياق .


و قوله : « و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة» كالعطف التفسيري لقوله : « و أضله الله على علم» و الختم علىالسمع و القلب هو أن لا يسمع الحق و لا يعقله ، و جعل الغشاوة على البصر هو أن لا يبصر الحق من آيات الله و محصل الجميع : أن لا يترتب على السمع و القلب و البصر أثرها و هو الالتزام بمقتضى ما ناله من الحق إذا أدركه لاستكبار من نفسه و اتباع للهوى ، و قد عرفت أن الضلال عن السبيل لا ينافي العلم به إذا لم يكن هناك التزام بمقتضاه .


و قوله : « فمن يهديه من بعد الله» الضمير لمن اتخذ إلهه هواه و التفريع على ما تحصل من حاله أي إذا كان حاله هذا الحال و قد أضله الله على علم إلخ ، فمن يهديه من بعد الله سبحانه فلا هادي دونه قال تعالى : « قل إن هدى الله هو الهدى» : البقرة : 120 و قال : « و من يضلل الله فما له من هاد» : المؤمن : 33 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :174


و قوله : « أ فلا تذكرون» أي أ فلا تتفكرون في حاله فتتذكروا أن هؤلاء لا سبيل لهم إلى الهدى مع اتباع الهوى فتتعظوا .


قوله تعالى : « و قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا و ما يهلكنا إلا الدهر» إلى آخر الآية ، قال الراغب : الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبدإ وجوده إلى انقضائه ، و على ذلك قوله تعالى : « هل أتى على الإنسان حين من الدهر» ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة ، و هو خلاف الزمان فإن الزمان يقع على المدة القليلة و الكثيرة .


انتهى .


و الآية على ما يعطيه السياق - سياق الاحتجاج على الوثنيين المثبتين للصانع المنكرين للمعاد - حكاية قول المشركين في إنكار المعاد لا كلام الدهريين الناسبين للحوادث وجودا و عدما إلى الدهر المنكرين للمبدإ و المعاد جميعا إذا لم يسبق لهم ذكر في الآيات السابقة .


فقولهم : « ما هي إلا حياتنا الدنيا» الضمير للحياة أي لا حياة لنا إلا حياتنا الدنيا لا حياة وراءها فلا وجود لما يدعيه الدين الإلهي من البعث و الحياة الآخرة ، و هذا هو القرينة المؤيدة لأن يكون المراد بقوله : « نموت و نحيا» يموت بعضنا و يحيا بعضنا الآخر فيستمر بذلك بقاء النسل الإنساني بموت الأسلاف و حياة الأخلاف و يؤيد ذلك بعض التأييد قوله بعده : « و ما يهلكنا إلا الدهر» المشعر بالاستمرار .


فالمعنى : و قال المشركون : ليست الحياة إلا حياتنا الدنيا التي نعيش بها في الدنيا فلا يزال يموت بعضنا و هم الأسلاف و يحيى آخرون و هم الأخلاف و ما يهلكنا إلا الزمان - الذي بمروره يبلى كل جديد و يفسد كل كائن و يميت كل حي - فليس الموت انتقالا من دار إلى دار منتهيا إلى البعثو الرجوع إلى الله .


و لعل هذا كلام بعض الجهلة من وثنية العرب و إلا فالعقيدة الدائرة بين الوثنية هي التناسخ و هو أن نفوس غير أهل الكمال إذا فارقت الأبدان تعلقت بأبدان أخرى جديدة فإن كانت النفس المفارقة اكتسبت السعادة في بدنها السابق تعلقت ببدن جديد تتنعم فيه و تسعد ، و إن كانت اكتسبت الشقاء في البدن السابق تعلقت ببدن لاحق تشقى فيه و تعذب جزاء لعملها السيى‏ء و هكذا ، و هؤلاء لا ينكرون استناد أمر الموت كالحياة إلى وساطة الملائكة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :175


و لهذا أعني كون القول بالتناسخ دائرا بين الوثنية ذكر بعض المفسرين أن المراد بالآية قولهم بالتناسخ ، و المعنى : « إن هي إلا حياتنا الدنيا» فلسنا نخرج من الدنيا أبدا « نموت» عن حياة دنيا « و نحيا» بعد الموت بالتعلق ببدن جديد و هكذا « و ما يهلكنا إلا الدهر» .


و هذا لا يخلو من وجه لكن لا يلائمه قولهم المنقول ذيلا : « و ما يهلكنا إلا الدهر» إلا أن يوجه بأن مرادهم من نسبة الإهلاك إلى الدهر كون الدهر وسيلة يتوسل بها الملك الموكل على الموت إلى الإماتة ، و كذا لا تلائمه حجتهم المنقولة ذيلا : « ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين» الظاهرة في أنهم يرون آباءهم معدومين باطلي الذوات .


و ذكر في معنى الآية وجوه أخر لا يعبأ بها كقول بعضهم : المعنى نكون أمواتا لا حياة فيها و هو قبل ولوج الروح ثم نحيا بولوجها على حد قوله تعالى : « و كنتم أمواتا فأحياكم» : البقرة : 28 .


و قول بعضهم : المراد بالحياة بقاء النسل مجازا ، و المعنى : نموت نحن و نحيا ببقاء نسلنا .


إلى غير ذلك مما قيل .


و قوله : « و ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون» أي إن قولهم ذلك المشعر بإنكار المعاد قول بغير علم و إنما هو ظن يظنونه و ذلك أنهم لا دليل لهم يدل على نفي المعاد مع ما هناك من الأدلة على ثبوته .


قوله تعالى : « و إذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين» تأكيد لكون قولهم بنفي المعاد و حصر الحياة في الحياة الدنيا قولا بغير علم .


و المراد بالآيات البينات الآيات المشتملة على الحجج المثبتة للمعاد و كونها بينات وضوح دلالتها على ثبوته بلا شك ، و تسمية قولهم : « ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين» مع كونه اقتراحا جزافيا بعد قيام الحجة إنما هو من باب التهكم فإنه من قبيل طلب الدليل على المطلوب بعد قيام الدليل عليه فكأنه قيل : ما كانت حجتهم إلااللاحجة .


و المعنى : و إذا تتلى على هؤلاء المنكرين للمعاد آياتنا المشتملة على الحجج المثبتة للمعاد و الحال أنها واضحات الدلالة على ثبوته ما قابلوها إلا بجزاف من القول و هو طلب الدليل على إمكانه بإحياء آبائهم الماضين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :176


قوله تعالى : « قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه و لكن أكثر الناس لا يعلمون - إلى قوله - و الأرض» ما ذكر من اقتراحهم الحجة على مطلوب قامت عليه الحجة و إن كان اقتراحا جزافيا لا يستدعي شيئا من الجواب لكنه سبحانه أمر نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يجيبهم بإثبات إمكانه الذي كانوا يستبعدونه .


و محصله : أن الذي يحييكم لأول مرة ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة الذي لا ريب فيه هو الله سبحانه و لله ملك السماوات و الأرض يحكم فيها ما يشاء و يتصرف فيها كيفما يريد فله أن يحكم برجوع الناس إليه و يتصرف فيكم بجمعكم إلى يوم القيامة و القضاء بينكم ثم الجزاء ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « و يوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون» قال الراغب : الخسر و الخسران انتقاص رأس المال و ينسب ذلك إلى الإنسان فيقال : خسر فلان ، و إلى الفعل فيقال : خسرت تجارته ، قال تعالى : « تلك إذا كرة خاسرة» و يستعمل ذلك في المقتنيات الخارجية كالمال و الجاه في الدنيا و هو الأكثر ، و في المقنيات النفسية كالصحة و السلامة و العقل و الإيمان و الثواب و هو الذي جعله الله تعالى الخسران المبين .


قال : و كل خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير دون الخسران المتعلق بالمقتنيات المالية و التجارات البشرية .


و قال : و الإبطال يقال في إفساد الشي‏ء و إزالته سواء كان ذلك الشي‏ء حقا أو باطلا قال تعالى : « ليحق الحق و يبطل الباطل» و قد يقال فيمنيقول شيئا لا حقيقة له نحو « و لئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون» ، و قوله تعالى : « خسر هنالك المبطلون» أي الذين يبطلون الحق .


انتهى .


و الأشبه أن يكون المراد بقيام الساعة فعلية ما يقع فيها من البعث و الجمع و الحساب و الجزاء و ظهوره ، و بذلك صح جعل الساعة مظروفا لليوم و هما واحد ، و الأشبه أن يكون قوله : « يومئذ» تأكيدا لقوله : « يوم تقوم الساعة» .


و المعنى : و يوم تقوم الساعة و هي يوم الرجوع إلى الله يومئذ يخسر المبطلون الذين أبطلوا الحق و عدلوا عنه .


قوله تعالى : « و ترى كلأمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها» إلخ ، الجثو البروك على الركبتين كما أن الجذو البروك على أطراف الأصابع .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :177


و الخطاب عام لكل من يصح منه الرؤية و إن كان متوجها إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المراد بالدعوة إلى الكتاب الدعوة إلى الحساب على ما ينطق به الكتاب بإحصائه الأعمال بشهادة قوله بعده : « اليوم تجزون ما كنتم تعملون» .


و المعنى : و ترى أنت و غيرك من الرائين كل أمة من الأمم جالسة على الجثو جلسة الخاضع الخائف كل أمة منهم تدعى إلى كتابها الخاص بها وهي صحيفة الأعمال و قيل لهم : « اليوم تجزون ما كنتم تعملون» .


و يستفاد من ظاهر الآية أن لكل أمة كتابا خاصا بهم كما أن لكل إنسان كتابا خاصا به قال تعالى : « و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا» : إسراء : 13 .


قوله تعالى : « هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون» قال في الصحاح : و نسخت الكتاب و انتسخته و استنسخته كله بمعنى ، و النسخة اسم المنتسخ منه .


انتهى ، و قال الراغب : النسخ إزالة الشي‏ء بشي‏ء يتعقبه كنسخ الشمس الظل و نسخ الظل الشمس و الشيب الشباب - إلى أن قال - و نسخ الكتاب نقل صورته المجردة إلى كتاب آخر و ذلك لا يقتضي إزالة الصورة الأولى بل يقتضي إثبات مثلها في مادة أخرى كاتخاذ نقش الخاتم في شموع كثيرة ، و الاستنساخ التقدم بنسخ الشي‏ء و الترشح للنسخ .


انتهى .


و مقتضى ما نقل أن المفعول الذي يتعدى إليه الفعل في قولنا : استنسخت الكتاب هو الأصل المنقول منه ، و لازم ذلك أن تكون الأعمال في قوله : « إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون» كتابا و أصلا و إن شئت فقل : في أصل و كتاب يستنسخ و ينقل منه و لو أريد به ضبط الأعمال الخارجية القائمة بالإنسان بالكتابة لقيل : إنا كنا نكتب ما كنتم تعملون إذ لا نكتة تستدعي فرض هذه الأعمال كتابا و أصلا يستنسخ ، و لا دليل على كون « يستنسخ» بمعنى يستكتب كما ذكره بعضهم .


و لازم ذلك أن يكون المراد بما تعملون هو أعمالهم الخارجية بما أنها في اللوح المحفوظ فيكون استنساخ الأعمال استنساخ ما يرتبط بأعمالهم من اللوح المحفوظ و تكون


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص : 178


صحيفة الأعمال صحيفة الأعمال و جزء من اللوح المحفوظ ، و يكون معنى كتابة الملائكة للأعمال تطبيقهم ما عندهم من نسخة اللوح على الأعمال .


و هذا هو المعنى الذي وردت به الرواية من طرق الشيعة عن الصادق (عليه‏السلام‏) و من طرق أهل السنة عن ابن عباس ، و سيوافيك في البحث الروائي التالي .


و على هذا فقوله : « هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق» من كلامه تعالى لا من كلام الملائكة ، و هو من خطابه تعالى لأهل الجمع يوم القيامة يحكيه لنا فيكون في معنى : « و يقال لهم هذا كتابنا» إلخ .


و الإشارة بهذا - على ما يعطيه السياق - إلى صحيفة الأعمال و هي بعينها إشارة إلى اللوح المحفوظ على ما تقدم و إضافة الكتاب إليه تعالى نظرا إلى أنه صحيفة الأعمال من جهة أنه مكتوب بأمره تعالى و نظرا إلى أنه اللوح المحفوظ من جهة التشريف و قوله : « ينطق عليكم بالحق» أي يشهد على ما عملتم و يدل عليه دلالة واضحة ملابسا للحق .


و قوله : « إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون» تعليل لكون الكتاب ينطق عليهم بالحق أي إن كتابنا هذا دال على عملكم بالحق من غير أن يتخلف عنه لأنه اللوح المحفوظ المحيط بأعمالكم بجميع جهاتها الواقعية .


و لو لا أن الكتاب يريهم أعمالهم بنحو لا يداخله شك و لا يحتمل منهم التكذيب لكذبوه ، قال تعالى : « يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء تود لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا» : آل عمران : 30 .


و للقوم في الآية أقوال أخر : منها ما قيل : إن الآية من كلام الملائكة لا من كلام الله و معنى الاستنساخ الكتابة و المعنى : هذا أي صحيفة الأعمال كتابنا معشر الملائكة الكاتبين للأعمال يشهد عليكم بالحق إنا كنا نكتب ما كنتم تعملون .


و فيه أن كونه من كلام الملائكة بعيد من السياق على أن كون الاستنساخ بمعنى مطلق الكتابة لم يثبت لغة .


و منها : أن الآية من كلام الله ، و الإشارة بهذا إلى صحيفة الأعمال ، و قيل : إلى اللوح المحفوظ ، و الاستنساخ بمعنى الاستكتاب مطلقا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :179


قوله تعالى : « أما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين» تفصيل حال الناس يومئذ بحسب اختلافهم بالسعادة و الشقاء و الثواب و العقاب ، و السعداء المثابون هم الذين آمنوا و عملوا الصالحات ، و الأشقياء المعاقبون هم الذين كفروا من المستكبرين المجرمين .


و المراد بالرحمة الإفاضة الإلهية تسعد من استقر فيها و منها الجنة ، و الفوز المبين الفلاح الظاهر ، و الباقي واضح .


قوله تعالى : « و أما الذين كفروا أ فلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم و كنتم قوما مجرمين» المراد بالذين كفروا المتلبسون بالكفر عن تكذيب و جحود بشهادة قوله : « أ فلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم» إلخ .


و الفاء في « أ فلم تكن» للتفريع فتدل على مقدر متفرع عليه هو جواب لما ، و التقدير : فيقال لهم أ لم تكن آياتي تتلى عليكم ، و المراد بالآيات الحجج الإلهية الملقاة إليهم عن وحي و دعوة ، و المجرم هو المتلبس بالأجرام و هو الذنب .


و المعنى : و أما الذين كفروا جاحدين للحق مع ظهوره فيقال لهم توبيخا و تقريعا : أ لم تكن حججي تقرأ و تبين لكم في الدنيا فاستكبرتم عن قبولها و كنتم قوما مذنبين .


قوله تعالى : «و إذا قيل إن وعد الله حق و الساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة» إلخ ، المراد بالوعد الموعود و هو ما وعده الله بلسان رسله من البعث و الجزاء فيكون قوله : « و الساعة لا ريب فيها» من عطف التفسير ، و يمكن أن يراد بالوعد المعنى المصدري .


و قولهم : « ما ندري ما الساعة» معناه أنه غير مفهوم لهم و الحال أنهم أهل فهم و دراية فهو كناية عن كونه أمرا غير معقول و لو كان معقولا لدروه .


و قوله : « إن نظن إلا ظنا و ما نحن بمستيقنين» أي ليست مما نقطع به و نجزم بل نظن ظنا لا يسعنا أن نعتمد عليه ، ففي قولهم : «ما ندري ما الساعة» إلخ ، غب ما تليت عليهم من الآيات البينة أفحش المكابرة مع الحق .


قوله تعالى : « و بدا لهم سيئات ما عملوا و حاق بهم ما كانوا به يستهزءون» إضافة السيئات إلى ما عملوا بيانية أو بمعنى من ، و المراد بما عملوا جنس ما عملوا أي


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :180


ظهر لهم أعمالهم السيئة أو السيئات من أعمالهم فالآية في معنى قوله : « يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء» : آل عمران : 30 .


فالآية من الآيات الدالة على تمثل الأعمال ، و قيل : إن في الكلام حذفا و التقدير : و بدا لهم جزاء سيئات ما عملوا .


و قوله : « و حاق بهم ما كانوا به يستهزءون» أي و حل بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه في الدنيا إذا أنذروا به بلسان الأنبياء و الرسل .


قوله تعالى : « و قيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا و مأواكم النار و ما لكم من ناصرين» النسيان كناية عن الإعراض و الترك فنسيانه تعالى لهم يوم القيامة إعراضه عنهم و تركه لهم في شدائده و أهواله ، و نسيانهم لقاء يومهم ذاك في الدنيا إعراضهم عن تذكره و تركهم التأهب للقائه ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا و غرتكم الحياة الدنيا» إلخ ، الإشارة بقوله : « ذلكم» إلى ما ذكر من عقابهم من ظهور السيئات و حلول العذاب و الهزء السخرية التي يستهزأ بها و الباء للسببية .


و المعنى : ذلكم العذاب الذي يحل بكم بسبب أنكم اتخذتم آيات الله سخرية تستهزءون بها و بسبب أنكم غرتكم الحياة الدنيا فأخلدتم إليها و تعلقتم بها .


و قوله : « فاليوم لا يخرجون منها و لا هم يستعتبون» صرف الخطاب عنهم إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و يتضمن الكلام خلاصة القول فيما يصيبهم من العذاب يومئذ و هو الخلود في النار و عدم قبول العذر منهم .


و الاستعتاب طلب العتبى و الاعتذار ، و نفي الاستعتاب كناية عن عدم قبول العذر .


قوله تعالى : « فلله الحمد رب السماوات و رب الأرض رب العالمين» تحميد له تعالى بالتفريع على ما تقدم في السورة من كونه خالق السماوات و الأرض و ما بينهما و المدبر لأمر الجميع و من بديع تدبيره خلق الجميع بالحق المستتبع ليوم الرجوع إليه و الجزاء بالأعمال و هو المستدعي لجعل الشرائع التي تسوق إلى السعادة و الثواب و يتعقبه الجمع ليوم الجمع ثم الجزاء و استقرار الجميع على الرحمة و العدل بإعطاء كل شي‏ء ما يستحقه فلم يدبر إلا تدبيرا جميلا و لم يفعل إلا فعلا محمودا فله الحمد كله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :181


و قد كرر « الرب» فقال : رب السماوات و رب الأرض ثم أبدل منهما قوله : « رب العالمين» ليأتي بالتصريح بشمول الربوبية للجميع فلو جي‏ء برب العالمين و اكتفي به أمكن أن يتوهم أنه رب المجموع لكن للسماوات خاصة رب آخر و للأرض وحدها رب آخر كما ربما قال بمثله الوثنية ، و كذا لو اكتفي بالسماوات و الأرض لم يكن صريحا في ربوبيته لغيرهما ، و كذا لو اكتفي بإحداهما .


قوله تعالى : « و له الكبرياء في السماوات و الأرض و هو العزيز الحكيم» الكبرياء على ما عن الراغب : الترفع عن الانقياد ، و عن ابن الأثير : العظمة و الملك و في المجمع ، السلطان القاهر و العظمة القاهرة و العظمة و الرفعة .


و هي على أي حال أبلغ معنى من الكبر و تستعمل في العظمة غير الحسية و مرجعه إلى كمال وجوده و لا تناهي كماله .


و قوله : « و له الكبرياء في السماوات و الأرض» أي له الكبرياء في كل مكان فلا يتعالى عليه شي‏ء فيهما و لا يستصغره شي‏ء و تقديم الخبر في « له الكبرياء» يفيد الحصر كما في قوله : « فلله الحمد» .


و قوله : « و هو العزيز الحكيم أي الغالب غير المغلوب فيما يريد من خلق و تدبير في الدنيا و الآخرة و الباني خلقه و تدبيره على الحكمة و الإتقان .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه» قال : نزلت في قريش كلما هووا شيئا عبدوه .


و في الدر المنثور ، أخرج النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه عن ابن عباس قال : كان الرجل من العرب يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه أخذه و ألقى الآخر فأنزل الله « أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه» .


و في المجمع ، في قوله تعالى : « و ما يهلكنا إلا الدهر» و قد روي في الحديث عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنه قال : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر .


أقول : قال الطبرسي بعد إيراد الحديث : و تأويله أن أهل الجاهلية كانوا ينسبون


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :182


الحوادث المجحفة و البلايا النازلة إلى الدهر فيقولون : فعل الدهر كذا ، و كانوا يسبون الدهر فقال (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إن فاعل هذه الأمور هو الله فلا تسبوا فاعلها انتهى .


و يؤيد هذا الوجه الرواية التالية .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و البيهقي في الأسماء و الصفات عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : قال الله تبارك و تعالى : لا يقل ابن آدم يسب الدهر يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أرسل الليل و النهار فإذا شئت قبضتهما .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق» الآية : ، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن « ن و القلم» قال : إن الله خلق القلم من شجرة في الجنة يقال لها الخلد ثم قال لنهر في الجنة : كن مدادا فجمد النهر و كان أشد بياضا من الثلج و أحلى من الشهد . ثم قال للقلم : اكتب . قال : يا رب ما أكتب ؟ قال : اكتب ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب القلم في رق أشد بياضا من الفضة و أصفى من الياقوت . ثم طواه فجعله في ركن العرش ثم ختم على فم القلم فلن ينطق أبدا . فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها أ و لستم عربا ؟ فكيف لا تعرفون معنى الكلام ؟ و أحدكم يقول لصاحبه : انسخ ذلك الكتاب أ و ليس إنما ينسخ من كتاب آخر من الأصل ؟ و هو قوله : « إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون» .


أقول : قوله (عليه‏السلام‏) : فكتب القلم في رق إلخ ، تمثيل للوح المكتوب فيه الحوادث بالرق و الرق ما يكتب فيه شبه الكاغد - على ما ذكره الراغب - و قد تقدم الحديث عنه (عليه‏السلام‏) أن القلم ملك و اللوح ملك ، و قوله : فجعله في ركن العرش تمثيل للعرش بعرش الملك ذي الأركان و القوائم و قوله : ثم ختم على فم القلم « إلخ» كناية عن كون ما كتب في الرق قضاء محتوما لا يتغير و لا يتبدل ، و قوله : أ و لستم عربا « إلخ» ، إشارة إلى ما تقدم توضيحه في تفسير الآية .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : إن الله خلق النون و هو الدواة و خلق القلم فقال : اكتب ؟ قال : ما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فاجر أو رزق مرزوق حلال أو حرام ثم ألزم كل شي‏ء من ذلك شأنه : دخوله في الدنيا و مقامه فيها كم ، و خروجه منها كيف ؟ .


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :183


ثم جعل على العباد حفظة و على الكتاب خزانا تحفظه ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم فإذا فني ذلك الرزق انقطع الأمر و انقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم فيقول لهم الخزنة : ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا فيرجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا . قال ابن عباس : أ لستم قوما عربا ؟ تسمعون الحفظة يقولون : « إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون» و هل يكون الاستنساخ إلا من أصل ؟ .


أقول : و الخبر كما ترى يجعل الآية من كلام الملائكة الحفظة .


و فيه ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس : في الآية قال : يستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم فإنما يعمل الإنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب .


و عن كتاب سعد السعود لابن طاووس ، قال بعد ذكر الملكين الموكلين بالعبد : و في رواية : أنهما إذا أرادا النزول صباحا و مساء ينسخ لهما إسرافيل عمل العبد من اللوح المحفوظ فيعطيهما ذلك فإذا صعدا صباحا و مساء بديوان العبد قابله إسرافيل بالنسخ التي انتسخ لهما حتى يظهر أنه كان كما نسخ منه .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و له الكبرياء في السماوات و الأرض» و في الحديث يقول الله : الكبرياء ردائي و العظمة إزاري فمن نازعني واحدة منهما ألقيته في نار جهنم . أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن مسلم و أبي داود و ابن ماجة و غيرهم عن أبي هريرة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :