امروز:
پنج شنبه 27 مهر 1396
بازدید :
606
تفسيرالميزان : سوره احقاف آيات 35- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :184


46 سورة الأحقاف مكية و هي خمس و ثلاثون آية 35



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :185


سورة الأحقاف‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم‏(1) تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحَْكِيمِ‏(2) مَا خَلَقْنَا السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ مَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالحَْقّ‏ِ وَ أَجَلٍ مُّسمًّىوَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضونَ‏(3) قُلْ أَ رَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونى مَا ذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لهَُمْ شِرْكٌ فى السمَوَتِائْتُونى بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كنتُمْ صدِقِينَ‏(4) وَ مَنْ أَضلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَستَجِيب لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَ هُمْ عَن دُعَائهِمْ غَفِلُونَ‏(5) وَ إِذَا حُشِرَ النَّاس كانُوا لهَُمْ أَعْدَاءً وَ كانُوا بِعِبَادَتهِمْ كَفِرِينَ‏(6) وَ إِذَا تُتْلى عَلَيهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقّ‏ِ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ‏(7) أَمْ يَقُولُونَ افْترَاهُقُلْ إِنِ افْترَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لى مِنَ اللَّهِ شيْئاًهُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضونَ فِيهِكَفَى بِهِ شهِيدَا بَيْنى وَ بَيْنَكمْوَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏(8) قُلْ مَا كُنت بِدْعاً مِّنَ الرُّسلِ وَ مَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بى وَ لا بِكمْإِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلىَّ وَ مَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏(9) قُلْ أَ رَءَيْتُمْ إِن كانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ كَفَرْتم بِهِ وَ شهِدَ شاهِدٌ مِّن بَنى إِسرءِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَئَامَنَ وَ استَكْبرْتمْإِنَّ اللَّهَ لا يهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ‏(10) وَ قَالَ الَّذِينَ كفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا لَوْ كانَ خَيراً مَّا سبَقُونَا إِلَيْهِوَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ‏(11) وَ مِن قَبْلِهِ كِتَب مُوسى إِمَاماً وَ رَحْمَةًوَ هَذَا كِتَبٌ مُّصدِّقٌ لِّساناً عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظلَمُوا وَ بُشرَى لِلْمُحْسِنِينَ‏(12) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقَمُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يحْزَنُونَ‏(13) أُولَئك أَصحَب الجَْنَّةِ خَلِدِينَ فِيهَا جَزَاءَ بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ‏(14)


بيان


غرض السورة إنذار المشركين الرادين للدعوة إلى الإيمان بالله و رسوله بالمعاد بما فيه من أليم العذاب لمنكريه المعرضين عنه ، و لذلك تفتتح الكلام بإثبات المعاد : « ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما إلا بالحق» ثم يعود إليه عودة بعد عودة كقوله : « و إذا حشرالناس» ، و قوله : « و الذي قال لوالديه أف لكما أ تعدانني أن أخرج» ، و قوله : « و يوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم» ، و قوله : « و يوم يعرض الذين كفروا على النار أ ليس هذا بالحق» ، و قوله في مختتم السورة : « كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ» الآية .


و فيها احتجاج على الوحدانية و النبوة ، و إشارة إلى هلاك قوم هود و هلاك القرى التي حول مكة و إنذارهم بذلك ، و إنباء عن حضور نفر من الجن عند النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و استماعهم القرآن و إيمانهم به و رجوعهم إلى قومهم منذرين لهم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :186


و السورة مكية كلها إلا آيتين اختلف فيهما سنشير إليهما في البحث الروائي الآتي إن شاء الله ، قوله تعالى : « أم يقولون افتراه» إلخ ، و قوله : « قل أ رأيتم إن كان من عند الله» الآية .


قوله تعالى : « حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم» تقدم تفسيره .


قوله تعالى : « ما خلقنا السموات و الأرض و ما بينهما إلا بالحق و أجل مسمى» إلخ ، المراد بالسماوات و الأرض و ما بينهما مجموع العالم المشهود علويه و سفليه ، و الباء في « بالحق» للملابسة ، و المراد بالأجل المسمى ما ينتهي إليه أمد وجود الشي‏ء ، و المراد به في الآية الأجل المسمى لوجود مجموع العالم و هو يوم القيامة الذي تطوى فيه السماء كطي السجل للكتب و تبدل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار .


و المعنى : ما خلقنا العالم المشهود بجميع أجزائه العلوية و السفلية إلا ملابسا للحق له غاية ثابتة و ملابسا لأجل معين لا يتعداه وجوده و إذا كان له أجل معين يفنى عند حلوله و كانت مع ذلك له غاية ثابتة فبعد هذا العالم عالم آخر هو عالم البقاء و هو المعاد الموعود ، و قد تكرر الكلام فيما تقدم في معنى كون الخلق بالحق .


و قوله : « و الذين كفروا عما أنذروا معرضون» المراد بالذين كفروا هم المشركون بدليل الآية التالية لكن ظاهر السياق أن المراد بكفرهم كفرهم بالمعاد ، و « ما» في « عما» مصدرية أو موصولة و الثاني هو الأوفق للسياق و المعنى : و المشركون الذين كفروا بالمعاد عما أنذروا به - و هو يوم القيامة بما فيه من أليم العذاب لمن أشرك بالله - معرضون منصرفون .


قوله تعالى : « قل أ رأيتم ما تدعون من دون الله» إلى آخر الآية « أ رأيتم» بمعنى أخبروني و المراد بما تدعون من دون الله الأصنام التي كانوا يدعونهاو يعبدونها و إرجاع ضمائر أولي العقل إليها بعد لكونهم ينسبون إليه أفعال أولي العقل و حجة الآية و ما بعدها مع ذلك تجري في كل إله معبود من دون الله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :187


و قوله : « أروني ما ذا خلقوا من الأرض» أروني بمعنى أخبروني و « ما» اسم استفهام و « ذا» بعده زائدة و المجموع مفعول « خلقوا» و من الأرض متعلق به .


و قوله : « أم لهم شرك في السماوات» أي شركة في خلق السماوات فإن خلق شي‏ء من السماوات و الأرض هو المسئول عنه .


توضيح ذلك أنهم و إن لم ينسبوا إليها إلا تدبير الكون وخصوا الخلق به سبحانه كما قال تعالى : « و لئن سألتهم من خلق السماوات و الأرض ليقولن الله» : الزمر : 38 ، و قال : « و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله» : الزخرف : 87 ، لكن لما كان الخلق لا ينفك عن التدبير أوجب ذلك أن يكون لمن له سهم من التدبير سهم في الخلق و لذلك أمر تعالى نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يسألهم عما لأربابهم الذين يدعون من دون الله من النصيب في خلق الأرض أو في خلق السماوات فلا معنى للتدبير في الكون من غير خلق .


و قوله : « ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين» الإشارةبهذا إلى القرآن ، و المراد بكتاب من قبل القرآن كتاب سماوي كالتوراة نازل من عند الله يذكر شركة آلهتهم في خلق السماوات أو الأرض .


و الأثارة على ما ذكره الراغب مصدر بمعنى النقل و الرواية قال : و أثرت العلم رويته آثره أثرا و أثارة و أثرة و أصله تتبعت أثره انتهى .


و عليه فالأثارة في الآية مصدر بمعنى المفعول أي شي‏ء منقول من علم يثبت أن لآلهتهم شركة في شي‏ء من السماوات و الأرض ، و فسره غالب المفسرين بمعنى البقية و هو قريب مما تقدم .


و المعنى : ائتوني للدلالة على شركهم لله في خلق شي‏ء من الأرض أو في خلق السماوات بكتاب سماوي من قبل القرآن يذكر ذلك أو بشي‏ء منقول من علم أو بقية من علم أورثتموها يثبت ذلك إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم شركاء لله سبحانه .


قوله تعالى : « و من أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة» إلخ ، الاستفهام إنكاري ، و تحديد عدم استجابتهم الدعوة بيوم القيامة لما أن يوم القيامة أجل مسمى للدنيا و الدعوة مقصورة في الدنيا و لا دنيا بعد قيام الساعة .


و قوله : « و هم عن دعائهم غافلون» صفة أخرى من صفات آلهتهم مضافة إلى صفة عدم استجابتهم و ليس تعليلا لعدم الاستجابة فإن عدم استجابتهم معلول كونهم


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :188


لا يملكون لعبادهم شيئا قال تعالى : « قل أ تعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا و لا نفعا» : المائدة : 76 .


بل هي صفة مضافة إلى صفة مذكورة لتكون توطئة و تمهيدا لما سيذكره في الآية التالية من عداوتهم لهم و كفرهم بعبادتهم يوم القيامة فهم في الدنيا غافلون عن دعائهم و سيطلعون عليه يوم القيامة فيعادونهم و يكفرون بعبادتهم .


و في الآية دلالة على سراية الحياة و الشعور في الأشياء حتى الجمادات فإن الأصنام من الجماد و قد نسب إليها الغفلة و الغفلة منشئون ذوي الشعور لا تطلق إلا على ما من شأن موصوفه أن يشعر .


قوله تعالى : « و إذا حشر الناس كانوا لهم أعداء و كانوا بعبادتهم كافرين» الحشر إخراج الشي‏ء من مقره بإزعاج ، و المراد بعث الناس من قبورهم و سوقهم إلى المحشر يوم القيامة فيومئذ يعاديهم آلهتهم و يكفرون بشرك عبادهم بالتبري منهم كما قال تعالى : « و يوم القيامة يكفرون بشرككم» : فاطر : 14 ، و قال حكاية عنهم : « تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون» : القصص : 63 ، و قال : « فكفى بالله شهيدا بيننا و بينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين» : يونس : 29 .


و في سياق الآيتين تلويح إلى أن هذه الجمادات التي لا تظهر لنا في هذه النشأة أن لها حياة لعدم ظهور آثارها سيظهر في النشأة الآخرة أن لها حياة و تظهر آثارها و قد تقدم بعض الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى : « قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شي‏ء» : الم السجدة : 21 .


قوله تعالى : « و إذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين» الآية و التي بعدها مسوقتان للتوبيخ ، و المراد بالآيات البينات آيات القرآن تتلى عليهم ، ثم بدلها من الحق الذي جاءهم حيث قال : « للحق لما جاءهم» - و كان مقتضىالظاهر أن يقال : « لها» للدلالة على أنها حق جاءهم لا مسوغ لرميها بأنها سحر مبين و هم يعلمون أنها حق مبين فهم متحكمون مكابرون للحق الصريح .


قوله تعالى : « أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا» إلخ ، « أم» منقطعة أي بل يقولون افترى القرآن على الله في دعواه أنه كلامه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :189


و قوله : « قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا» أي إن افتريت القرآن لأجلكم آخذني بالعذاب أو عاجلني بالعذاب على الافتراء و لستم تقدرون على دفع عذابه عني فكيف أفتريه عليه لأجلكم ، و المحصل أني على يقين من أمر الله و أعلم أنه يأخذ المفترى عليه أو يعاجل في عقوبته و أنكم لا تقدرون على دفع ما يريده فكيف أفتري عليه فأعرض نفسي على عذابه المقطوع لأجلكم ؟ أي لست بمفتر عليه .


و يتبين بذلك أن جزاء الشرط في قوله : « إن افتريته فلا تملكون لي» إلخ ، محذوف و قد أقيم مقامه ما يجري مجرى ارتفاع المانع ، و التقدير : إن افتريته آخذني بالعذاب أو عاجلني بالعذاب و لا مانع من قبلكم يمنع عنه ، و ليس من قبيل وضع المسبب موضع السبب كما قيل .


و قوله : « هو أعلم بما تفيضون فيه» الإفاضة في الحديث الخوض فيه و « ما» موصولة يرجع إليه ضمير « فيه» أو مصدرية و مرجع الضمير هو القرآن ، و المعنى : الله سبحانه أعلم بالذي تخوضون فيه من التكذيب برمي القرآن بالسحر و الافتراء على الله أو المعنى : هو أعلم بخوضكم في القرآن .


و قوله : « كفى به شهيدا بيني و بينكم» احتجاج ثان على نفي الافتراء و أول الاحتجاجين قوله : « إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا» و قد تقدم بيانه آنفا ، و معنى الجملة : أن شهادة الله سبحانه في كلامه بأنه كلامه و ليس افتراء مني يكفي في نفي كوني مفتريا به عليه ، و قد صدق سبحانه هذه الدعوى بقوله : « لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه» : النساء : 166 ، و ما في معناه من الآيات ، و أما أنه كلامه فيكفي في ثبوته آيات التحدي .


و قوله : « و هو الغفور الرحيم» تذييل الآية بالاسمين الكريمين للاحتجاج على نفي ما يتضمنه تحكمهم الباطل من نفي الرسالة كأنه قيل : إن قولكم : « افتراه» يتضمن دعويين : دعوى عدم كون هذا القرآن من كلام الله و دعوى بطلان الرسالة - و الوثنيون ينفونها مطلقا - أما الدعوى الأولى فيدفعه أولا : أنه إن افتريته فلا تملكون ، إلخ ، و ثانيا : أن الله يكفيني شهيدا على كونه كلامه لا كلامي .


و أما الدعوى الثانية فيدفعها أن الله سبحانه غفور رحيم ، و من الواجب في حكمته أن يعامل خلقه بالمغفرة و الرحمة و لا تشملان إلا التائبين الراجعين إليه الصالحين


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :190


لذلك و ذلك بأن يهديهم إلى صراط يقربهم منه سلوكه فتشملهم مغفرته و رحمته بحط السيئات و الاستقرار في دار السعادة الخالدة ، و كونه واجبا في حكمته لأن فيهم صلاحية هذا الكمال و هو الجواد الكريم ، قال تعالى : « و ما كان عطاء ربك محظورا» : إسراء : 20 ، و قال : « و على الله قصد السبيل» : النحل : 9 ، و السبيل إلى هذه الهداية هي الدعوة من طريق الرسالة فمن الواجب في الحكمة أن يرسل إلى الناس رسولا يدعوهم إلى سبيله الموصلة إلى مغفرته و رحمته .


قوله تعالى : « قل ما كنت بدعا من الرسل و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم» إلخ ، البدع ما كان غير مسبوق بالمثل من حيث صفاته أو من حيث أقواله و أفعاله و لذا فسره بعضهم بأن المعنى : ما كنت أول رسول أرسل إليكم لا رسول قبلي ، و قيل : المعنى : ما كنت مبدعا في أقوالي و أفعالي لم يسبقني إليها أحد من الرسل .


و المعنى الأول لا يلائم السياق و لا قوله المتقدم : « و هو الغفور الرحيم»بالمعنى الذي تقدم توجيهه فثاني المعنيين هو الأنسب ، و عليه فالمعنى : لست أخالف الرسل السابقين في صورة أو سيرة و في قول أو فعل بل أنا بشر مثلهم في من آثار البشرية ما فيهم و سبيلهم في الحياة سبيلي .


و بهذه الجملة يجاب عن مثل ما حكاه الله من قولهم : « ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها» : الفرقان : 8 .


و قوله : « و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم» نفي لعلم الغيب عن نفسه فهو نظير قوله : « و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت منالخير و ما مسني السوء» : الأعراف : 188 ، و الفرق بين الآيتين أن قوله : « و لو كنت أعلم الغيب» إلخ ، نفي للعلم بمطلق الغيب و استشهاد له بمس السوء و عدم الاستكثار من الخير ، و قوله : « و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم» نفي للعلم بغيب خاص و هو ما يفعل به و بهم من الحوادث التي يواجهونها جميعا ، و ذلك أنهم كانوا يزعمون أن المتلبس بالنبوة لو كان هناك نبي يجب أن يكون عالما في نفسه بالغيوب ذا قدرة مطلقة غيبية كما يظهر من اقتراحاتهم المحكية في القرآن فأمر (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يعترف - مصرحا به - أنه لا يدري ما يفعل به و لا بهم فينفي عن


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :191


نفسه العلم بالغيب ، و أن ما يجري عليه و عليهم من الحوادث خارج عن إرادته و اختياره و ليس له في شي‏ء منها صنع بل يفعله به و بهم غيره و هو الله سبحانه .


فقوله : « و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم» كما ينفي عنه العلم بالغيب ينفي عنه القدرة على شي‏ء مما يصيبه و يصيبهم مما هو تحت أستار الغيب .


و نفي الآية العلم بالغيب عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لا ينافي علمه بالغيب من طريق الوحي كما يصرح تعالى به في مواضع من كلامه كقوله : « ذلك منأنباء الغيب نوحيه إليك» : آل عمران : 44 ، يوسف : 102 ، و قوله : « تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك» : هود : 49 ، و قوله : « عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول» : الجن : 27 و من هذا الباب قول المسيح (عليه‏السلام‏) : « و أنبئكم بما تأكلون و ما تدخرون في بيوتكم» : آل عمران : 49 ، و قول يوسف (عليه‏السلام‏) لصاحبي السجن : « لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما» : يوسف : 37 .


وجه عدم المنافاة أن الآيات النافية للعلم بالغيب عنه و عن سائر الأنبياء (عليهم‏السلام‏) إنماتنفيه عن طبيعتهم البشرية بمعنى أن تكون لهم طبيعة بشرية أو طبيعة هي أعلى من طبيعة البشر من خاصتها العلم بالغيب بحيث يستعمله في جلب كل نفع و دفع كل شر كما نستعمل ما يحصل لنا من طريق الأسباب و هذا لا ينافي انكشاف الغيب لهم بتعليم إلهي من طريق الوحي كما أن إتيانهم بالمعجزات فيما أتوا بها ليس عن قدرة نفسية فيهم يملكونها لأنفسهم بل بإذن من الله تعالى و أمر ، قال تعالى : « قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا» : الإسراء : 93 ، جوابا عما اقترحوا عليه من الآيات ، و قال : « قل إنما الآيات عند الله و إنما أنا نذير مبين» : العنكبوت : 50 ، و قال : « و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق» : المؤمن : 78 .


و يشهد بذلك قوله بعده متصلا به : « إن أتبع إلا ما يوحى إلي» فإن اتصاله بما قبله يعطي أنه في موضع الإضراب ، و المعنى : أني ما أدري شيئا من هذه الحوادث بالغيب من قبل نفسي و إنما أتبع ما يوحى إلي من ذلك .


و قوله : « و ما أنا إلا نذير مبين» تأكيد لجميع ما تقدم في الآية من قوله : « ما كنت بدعا» إلخ ، و « و ما أدري» إلخ ، و قوله : « إن أتبع» إلخ .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص:192


بحث فلسفي و دفع شبهة


تظافرت الأخبار من طرق أئمة أهل البيت أن الله سبحانه علم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الأئمة (عليهم‏السلام‏) علم كل شي‏ء ، و فسر ذلك في بعضها أن علم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من طريق الوحي و أن علم الأئمة (عليهم‏السلام‏) ينتهي إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و أورد عليه أن المأثور من سيرتهم أنهم كانوا يعيشون مدى حياتهم عيشة سائر الناس فيقصدون مقاصدهم ساعين إليها على ما يرشد إليه الأسباب الظاهرية و يهدي إليه السبل العادية فربما أصابوا مقاصدهم و ربما أخطأ بهم الطريق فلم يصيبوا ، و لو علموا الغيب لم يخيبوا في سعيهم أبدا فالعاقل لا يترك سبيلا يعلم يقينا أنه مصيب فيه و لا يسلك سبيلا يعلم يقينا أنه مخطى‏ء فيه .


و قد أصيبوا بمصائب ليس من الجائز أن يلقي الإنسان نفسه في مهلكتها لو علم بواقع الأمر كما أصيب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يوم أحد بما أصيب ، و أصيب علي (عليه‏السلام‏) في مسجد الكوفة حين فتك به المرادي لعنه الله ، و أصيب الحسين (عليه‏السلام‏) فقتل في كربلاء ، و أصيب سائر الأئمة بالسم ، فلو كانوا يعلمون ما سيجري عليهم كان ذلك من إلقاء النفس في التهلكة و هو محرم ، و الإشكال كما ترى مأخوذ من الآيتين : « و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير» « و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم» .


و يرده أنه مغالطة بالخلط بين العلوم العادية و غير العادية فالعلم غير العادي بحقائق الأمور لا أثر له في تغيير مجرى الحوادث الخارجية .


توضيح ذلك أن أفعالنا الاختيارية كما تتعلق بإرادتنا كذلك تتعلق بعلل و شرائط أخرى مادية زمانية و مكانية إذا اجتمعت عليها تلك العلل و الشرائط و تمت بالإرادة تحققت العلة التامة و كان تحقق الفعل عند ذلك واجبا ضروريا إذ من المستحيل تخلف المعلول عن علته التامة .


فنسبة الفعل و هو معلول إلى علته التامة نسبة الوجوب و الضرورة كنسبة جميع الحوادث إلى عللها التامة ، و نسبته إلى إرادتنا و هي جزء علته نسبة الجواز و الإمكان .


فتبين أن جميع الحوادث الخارجية و منها أفعالنا الاختيارية واجبة الحصول في


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :193


الخارج واقعة فيها على صفة الضرورة و لا ينافي ذلك كون أفعالنا الاختيارية ممكنة بالنسبة إلينا مع وجوبها على ما تقدم .


فإذا كان كل حادث و منها أفعالنا الاختيارية بصفة الاختيار معلولا له علة تامة يستحيل معها تخلفه عنها كانت الحوادث سلسلة منتظمة يستوعبها الوجوب لا يتعدى حلقة من حلقاتها موضعها و لا تتبدل من غيرها و كان الجميع واجبا من أول يوم سواء في ذلك ما وقع في الماضي و ما لم يقع بعد ، فلو فرض حصول علم بحقائق الحوادث على ما هي عليها في متن الواقع لم يؤثر ذلك في إخراج حادث منها و إن كان اختياريا عن ساحة الوجوب إلى حد الإمكان .


فإن قلت : بل يقع هذا العلم اليقيني في مجرى أسباب الأفعال الاختيارية كالعلم الحاصل من الطرق العادية فيستفاد منه فيما إذا خالف العلم الحاصل من الطرق العادية فيصير سببا للفعل أو الترك حيث يبطل معه العلمالعادي .


قلت : كلا فإن المفروض تحقق العلة التامة للعلم العادي مع سائر أسباب الفعل الاختياري فمثله كمثل أهل الجحود و العناد من الكفار يستيقنون بأن مصيرهم مع الجحود إلى النار و مع ذلك يصرون على جحودهم لحكم هواهم بوجوب الجحود و هذا منهم هو العلم العادي بوجوب الفعل ، قال تعالى في قصة آل فرعون : « و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم» : النمل : 14 .


و بهذا يندفع ما يمكن أن يقال : لا يتصور علم يقيني بالخلاف مع عدم تأثيره في الإرادة فليكشف عدم تأثيره في الإرادة عن عدم تحقق علم على هذا الوصف .


وجه الاندفاع : أن مجرد تحقق العلم بالخلاف لا يستوجب تحقق الإرادة مستندة إليه و إنما هو العلم الذي يتعلق بوجوب الفعل مع التزام النفس به كما مر في جحود أهل الجحود و إنكارهم الحق مع يقينهم به و مثله الفعل بالعناية فإن سقوط الواقف على جذع عال ، منه على الأرض بمجرد تصور السقوط لا يمنع عنه علمه بأن في السقوط هلاكه القطعي .


و قد أجاب بعضهم عن أصل الإشكال بأن للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الأئمة (عليهم‏السلام‏)


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :194


تكاليف خاصة بكل واحد منهم فعليهم أن يقتحموا هذه المهالك و إن كان ذلك منا إلقاء النفس في التهلكة و هو حرام ، و إليه إشارة في بعض الأخبار .


و أجاب بعضهم عنه بأن الذي ينجز التكاليف من العلم هو العلم من الطرق العادية و أما غيره فليس بمنجز ، و يمكن توجيه الوجهين بما يرجع إلى ما تقدم .


قوله تعالى : « قل أ رأيتم إن كان من عند الله و كفرتم به و شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن و استكبرتم» إلخ ، ضمائر « كان» و « به» و « مثله» على ما يعطيه السياق للقرآن ، و قوله : « و شهد شاهد من بني إسرائيل» إلخ ، معطوف على الشرط و يشاركه في الجزاء ، و المراد بمثل القرآن مثله من حيث مضمونه في المعارف الإلهية و هو كتاب التوراة الأصلية التي نزلت على موسى (عليه‏السلام‏) ، و قوله : « فآمن و استكبرتم» أي فآمن الشاهد الإسرائيلي المذكور بعد شهادته .


و قوله : « إن الله لا يهدي القوم الظالمين» تعليل للجزاء المحذوف دال عليه ، و الظاهر أنه أ لستم ضالين لا ما قيل : إنه أ لستم ظلمتم لأن التعليل بعدم هداية الله الظالمين إنما يلائم ضلالهم لا ظلمهم و إن كانوا متصفين بالوصفين جميعا .


و المعنى : قل للمشركين : أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله و الحال أنكم كفرتم به و شهد شاهد من بني إسرائيل على مثلما في القرآن من المعارف فآمن هو و استكبرتم أنتم أ لستم في ضلال ؟ فإن الله لا يهدي القوم الظالمين .


و الذي شهد على مثله فآمن على ما في بعض الأخبار هو عبد الله بن سلام من علماء اليهود ، و الآية على هذا مدنية لا مكية لأنه ممن آمن بالمدينة ، و قول بعضهم : من الجائز أن يكون التعبير بالماضي في قوله : « و شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن» لتحقق الوقوع و القصة واقعة في المستقبل سخيف لأنه لا يلائم كون الآية في سياق الاحتجاج فالمشركون ما كانوا ليسلموا للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) صدقه فيما يخبرهم به من الأمور المستقبلة .


و في معنى الآية أقوال أخر منها أن المراد ممن شهد على مثله فآمن هو موسى (عليه‏السلام‏) شهد على التوراة فآمن به و إنما عدلوا عن المعنى السابق إلى هذا المعنى للبناء على كون الآية مكية ، و أنه إنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة .


و فيه أولا : عدم الدليل على كون الآية مكية و لتكن القصة دليلا على كونها مدنية ، و ثانيا : بعد أن يجعل موسى الكليم (عليه‏السلام‏) قرينا لهؤلاء المشركين الأجلاف


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :195


يقاسون به فيقال ما محصله : أن موسى (عليه‏السلام‏) آمن بالكتاب النازل عليه و أنتم استكبرتم عن الإيمان بالقرآن فسخافته ظاهرة .


و مما قيل إن المثل في الآية بمعنى نفس الشي‏ء كما قيل في قوله تعالى : « ليس كمثله شي‏ء» : الشورى : 11 ، و هو في البعد كسابقه .


قوله تعالى : « و قال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه» إلى آخر الآية قيل : اللام في قوله : « للذين آمنوا» للتعليل أي لأجل إيمانهم و يئول إلى معنى في ، و ضمير « كان» و « إليه» للقرآن من جهة الإيمان به .


و المعنى : و قال الذين كفروا في الذين آمنوا - أي لأجل إيمانهم - : لو كان الإيمان بالقرآن خيرا ما سبقونا - أي المؤمنون - إليه .


و قال بعضهم : إن المراد بالذين آمنوا بعض المؤمنين و بالضمير العائد إليه في قوله : « سبقونا» البعض الآخر ، و اللام متعلق بقال و المعنى : و قال الذين كفروا لبعض المؤمنين لو كان خيرا ما سبقنا البعض من المؤمنين و هم الغائبون إليه ، و فيه أنه بعيد من سياق الآية .


و قال آخرون : إن المراد بالذين آمنوا المؤمنون جميعا لكن في قوله : ما سبقونا التفاتا و الأصل ما سبقتمونا و هو في البعد كسابقه و ليس خطاب الحاضرين بصيغة الغيبة من الالتفات في شي‏ء .


و قوله : « و إذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم» ضمير « به» للقرآن و كذا الإشارة بهذا إليه و الإفك الافتراء أي و إذ لم يهتدوا بالقرآن لاستكبارهم عن الإيمان به فسيقولون أي الذين كفروا هذا أي القرآن إفك و افتراء قديم ، و قولهم : هذا إفك قديم كقولهم : أساطير الأولين .


قوله تعالى : « و من قبله كتاب موسى إماما و رحمة و هذا كتاب مصدق لسانا عربيا» إلخ ، الظاهر أن قوله : « و من قبله» إلخ ، جملة حالية و المعنى : فسيقولون هذا إفك قديم و الحال أن كتاب موسى حال كونه إماما و رحمة قبله أي قبل القرآن و هذا القرآن كتاب مصدق له حال كونه لسانا عربيا ليكون منذرا للذين ظلموا و هو بشرى للمحسنين فكيف يكون إفكا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :196


و كون التوراة إماما و رحمة هو كونها بحيث يقتدي بها بنو إسرائيل و يتبعونها في أعمالهم و رحمة للذين آمنوا بها و اتبعوها في إصلاح نفوسهم .


قوله تعالى : « إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا» إلى آخر الآية المراد بقولهم ربنا الله إقرارهم و شهادتهم بانحصار الربوبية في الله سبحانه و توحده فيها ، و باستقامتهم ثباتهم على ما شهدوا به من غير زيغ و انحراف و التزامهم بلوازمه العملية .


و قوله : « فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون» أي ليس قبالهم مكروه محتمل يخافونه من عقاب محتمل ، و لا مكروه محقق يحزنون به من عقاب أو هول ، فالخوف إنما يكون من مكروه ممكن الوقوع ، و الحزن من مكروه محقق الوقوع ، و الفاء في قوله : « فلا خوف» إلخ ، لتوهم معنى الشرط فإن الكلام في معنى من قال ربنا الله ثم استقام فلا خوف إلخ .


قوله تعالى : « أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون» المراد بصحابة الجنة ملازمتها ، و قوله : « خالدين فيها» حال مؤكدة لمعنى الصحابة .


و المعنى : أولئك الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ملازمون للجنة حال كونهم خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون في الدنيا من الطاعات و القربات .


بحث روائي


في الكافي ، بإسناده عن أبي عبيدة قال : سألت أبا جعفر (عليه‏السلام‏) عن قول الله تعالى : « ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم - إن كنتم صادقين» قال : عنى بالكتاب التوراة و الإنجيل « و أثارة من علم» فإنما عنى بذلك علم أوصياء الأنبياء .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) «أو أثارة من علم» قال : الخط .


أقول : لعل المراد بالخط كتاب مخطوط موروث من الأنبياء أو العلماء الماضين لكن في بعض ما روي في تفسير قوله : « أو أثارة من علم» أنه حسن الخط و في بعض آخر أنه جودة الخط و هو أجنبي من سياق الاحتجاج الذي في الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :197


و في العيون ، في باب مجلس الرضا مع المأمون عنه (عليه‏السلام‏) حدثني أبي عن جدي عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهماالسلام‏) قال : اجتمع المهاجرون و الأنصار إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالوا : إن لك يا رسول الله مئونة في نفقتك و فيمن يأتيك من الوفود ، و هذه أموالنا مع دمائنا فاحكم فيها بارا مأجورا أعط ما شئت و احكم ما شئت من غير حرج . قال : فأنزل الله تعالى إليه الروح الأمين فقال : يا محمد « قل لا أسألكم عليه أجرا - إلا المودة في القربى» يعني أن تودوا قرابتي من بعدي ، فخرجوا فقال المنافقون : ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلا ليحثنا على قرابته من بعده ، و إن هو إلا شي‏ء افتراه في مجلسه و كان ذلك من قولهم عظيما . فأنزل الله عز و جل هذه الآية « أم يقولون افتراه قل إن افتريته - فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه - كفى به شهيدا بيني و بينكم و هو الغفور الرحيم» فبعث إليهم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : هل من حدث ؟ فقالوا : إي و الله يا رسول الله لقد قال بعضنا كلاما غليظا كرهناه فتلا عليهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الآية فبكوا و اشتد بكاؤهم فأنزل الله تعالى : « و هو الذي يقبل التوبة عن عباده - و يعفوا عن السيئات و يعلم ما تفعلون» .


و في الدر المنثور ، أخرج أبو داود في ناسخه من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله : « و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم» قال : نسختها هذه الآية التيفي الفتح فخرج إلى الناس فبشرهم بالذي غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر . فقال رجل من المؤمنين : هنيئا لك يا نبي الله قد علمنا الآن ما يفعل بك فما ذا يفعل بنا ؟ فأنزل الله في سورة الأحزاب « و بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا» و قال : « ليدخل المؤمنين و المؤمنات - جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها - و يكفر عنهم سيئاتهم - و كان ذلك عند الله فوزا عظيما» فبين الله ما به يفعل و بهم .


أقول : الرواية لا تخلو من شي‏ء :


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :198


أما أولا : فلما تقدم بيانه في تفسير الآية أعني قوله : « و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم» أنها أجنبية عن العلم بالغيب الذي هو من طريق الوحي بدلالة صريحة من القرآن فلا ينفي بها العلم بالمغفرة من طريق الوحي حتى تنسخها آية سورة الفتح .


و أما ثانيا : فلأن ظاهر الرواية أن الذنب الذي تصرح بمغفرته آية سورة الفتح هو الذنب بمعنى مخالفة الأمر و النهي المولويين و سيأتي في تفسير سورة الفتح - إن شاء الله تعالى - أن الذنب في الآية لغير هذا المعنى .


و أما ثالثا : فلأن الآيات الدالة على دخول المؤمنين الجنة كثيرة جدا في مكية السور و مدنيتها و لا تدل آيتا سورة الأحزاب على أزيد مما يدل عليه سائر الآيات فلا وجه لتخصيصهما بالدلالة على دخول المؤمنين الجنة و شمول المغفرة لهم .


على أن سورة الأحزاب نازلة قبل سورة الفتح بزمان .


و فيه ، أخرج أبو يعلى و ابن جرير و الطبراني و الحاكم و صححه بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي قال : انطلق النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أنا معه حتى دخلنا على كنيسة اليهود يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم . فقال لهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أروني اثني عشر رجلا منكم يشهدون أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه فسكتوا فما أجابه منهم أحد ، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد فثلث فلم يجبه أحد فقال : أبيتم فوالله لأنا الحاشر و أنا العاقب و أنا المقفي آمنتم أو كذبتم . ثم انصرف و أنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفه فقال : كما أنت يا محمد ، فأقبل فقال ذلك الرجل : أي رجل تعلمونني فيكم يا معشر اليهود ؟ فقالوا : و الله لا نعلم فينا رجلا أعلم بكتاب الله و لا أفقه منك و لا من أبيك و لا من جدك ، فقال : إني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه في التوراة و الإنجيل ، قالوا : كذبت ثم ردوا عليه و قالوا شرا ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : كذبتم لن يقبل منكم قولكم . فخرجنا و نحن ثلاث : رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أنا و ابن سلام فأنزل الله : « قل أ رأيتم إن كان من عند الله و كفرتم به - و شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن و استكبرتم - إن الله لا يهدي القوم الظالمين» .


أقول : و في نزول الآية في عبد الله بن سلام روايات أخرى من طرق أهل السنة


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :199


غير هذه الرواية ، و سياق الآية و خاصة قوله : « من بني إسرائيل» لا يلائم كون الخطاب فيها لبني إسرائيل ، و قد عد الإنجيل في الرواية من كتبهم و ليس من كتبهم و اليهود لا يصدقونه .


و في بعض الروايات أن الآية نزلت في ابن يامين من علمائهم حين شهد و أسلم فكذبته اليهود ، و الإشكال السابق على حاله .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :200


وَ وَصيْنَا الانسنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسناًحَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضعَتْهُ كُرْهاًوَ حَمْلُهُ وَ فِصلُهُ ثَلَثُونَ شهْراًحَتى إِذَا بَلَغَ أَشدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سنَةً قَالَ رَب أَوْزِعْنى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَك الَّتى أَنْعَمْت عَلىَّ وَ عَلى وَلِدَى وَ أَنْ أَعْمَلَ صلِحاً تَرْضاهُ وَ أَصلِحْ لى فى ذُرِّيَّتىإِنى تُبْت إِلَيْك وَ إِنى مِنَ الْمُسلِمِينَ‏(15) أُولَئك الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنهُمْ أَحْسنَ مَا عَمِلُوا وَ نَتَجَاوَزُ عَن سيِّئَاتهِمْ فى أَصحَبِ الجَْنَّةِوَعْدَ الصدْقِ الَّذِى كانُوا يُوعَدُونَ‏(16) وَ الَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا أَ تَعِدَانِنى أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلى وَ هُمَا يَستَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَك ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسطِيرُ الأَوَّلِينَ‏(17) أُولَئك الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فى أُمَمٍ قَدْ خَلَت مِن قَبْلِهِم مِّنَ الجِْنّ‏ِ وَ الانسِإِنهُمْ كانُوا خَسِرِينَ‏(18) وَ لِكلّ‏ٍ دَرَجَتٌ ممَّا عَمِلُواوَ لِيُوَفِّيهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ‏(19) وَ يَوْمَ يُعْرَض الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طيِّبَتِكمْ فى حَيَاتِكمُ الدُّنْيَا وَ استَمْتَعْتُم بهَا فَالْيَوْمَ تجْزَوْنَ عَذَاب الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَستَكْبرُونَ فى الأَرْضِ بِغَيرِ الحَْقّ‏ِ وَ بمَا كُنتُمْ تَفْسقُونَ‏(20)


بيان


لما قسم الناس في قوله : « لينذر الذين ظلموا و بشرى للمحسنين» إلى ظالمين و محسنين و أشير فيه إلى أن للظالمين ما يخاف و يحذر و للمحسنين ما يسر الإنسان و يبشر به عقب ذلك في هذا الفصل من الآيات بتفصيل القول فيه ، و أن الناس بين قوم تائبين إلى الله مسلمين له و هم الذين يتقبل أحسن أعمالهم و يتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ، و قوم خاسرين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن و الإنس .


و مثل الطائفة الأولى بمن كان مؤمنا بالله مسلما له بارا بوالديه يسأل الله أن يلهمه الشكر على ما أنعم عليه و على والديه و العمل الصالح و إصلاح ذريته ، و الطائفة الثانية بمن كان عاقا لوالديه إذا دعواه إلى الإيمان بالله و اليوم الآخر فيزجرهما و يعد ذلك من أساطير الأولين .


قوله تعالى : « و وصينا الإنسان بوالديه إحسانا» إلى آخر الآية ، الوصية على ما ذكره الراغب هو التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ و التوصية تفعيل من الوصية قال تعالى : « و وصى بها إبراهيم بنيه» : البقرة : 132 ، فمفعوله الثاني الذي يتعدى إليه بالباء من قبيل الأفعال ، فالمراد بالتوصية بالوالدين التوصية بعمل يتعلق بهما و هو الإحسان إليهما .


و على هذا فتقدير الكلام : و وصينا الإنسان بوالديه أن يحسن إليهما إحسانا .


و في إعراب : « إحسانا» أقوال أخر كقول بعضهم : إنه مفعول مطلق على تضمين « وصينا» معنى أحسنا ، و التقدير : وصينا الإنسان محسنين إليهما إحسانا ، و قول بعضهم : إنه صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف أي إيصاء ذا إحسان ، و قول بعضهم : هو مفعول له ، و التقدير : وصيناه بهما لإحساننا إليهما ، إلى غير ذلك مما قيل .


و كيف كان فبر الوالدين و الإحسان إليهما من الأحكام العامة المشرعة في جميع


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :201


الشرائع كما تقدم في تفسير قوله تعالى : « قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا و بالوالدين إحسانا» : الأنعام : 151 ، و لذلك قال : « و وصينا الإنسان» فعممه لكل إنسان .


ثم عقبه سبحانه بالإشارة إلى ما قاسته أمه في حمله و وضعه و فصاله إشعارا بملاك الحكم و تهييجا لعواطفه و إثارة لغريزة رحمته و رأفته فقال : « حملته أمه كرها و وضعته كرها و حمله و فصاله ثلاثون شهرا» أي حملته أمه حملا ذا كره أي مشقة و ذلك لما في حمله من الثقل ، و وضعته وضعا ذا كره و ذلك لما عنده من ألم الطلق .


و أما قوله : « و حمله و فصاله ثلاثون شهرا» فقد أخذفيه أقل مدة الحمل و هو ستة أشهر ، و الحولان الباقيان إلى تمام ثلاثين شهرا مدة الرضاع ، قال تعالى : « و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين» : البقرة : 233 ، و قال : « و فصاله في عامين» : لقمان : 14 .


و الفصال التفريق بين الصبي و بين الرضاع ، و جعل العامين ظرفا للفصال بعناية أنه في آخر الرضاع و لا يتحقق إلا بانقضاء عامين .


و قوله : « حتى إذا بلغ أشده و بلغ أربعين سنة» بلوغ الأشد بلوغ زمان من العمر تشتد فيه قوى الإنسان ، و قد مر نقل اختلافهم في معنى بلوغ الأشد في تفسير قوله : « و لما بلغ أشده آتيناه حكما و علما » : يوسف : 22 ، و بلوغ الأربعين ملازم عادة لكمال العقل .


و قوله : « قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي و على والدي و أن أعمل صالحا ترضاه» الإيزاع الإلهام ، و هذا الإلهام ليس بإلهام علم يعلم به الإنسان ما جهلته نفسه بحسب الطبع كما في قوله : « و نفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها» : الشمس : 8 ، بل هو إلهام عملي بمعنى البعث و الدعوة الباطنية إلى فعل الخير و شكر النعمة و بالجملة العمل الصالح .


و قد أطلق النعمة التي سأل إلهام الشكر عليها فتعم النعم الظاهرية كالحياة و الرزق و الشعور والإرادة ، و الباطنية كالإيمان بالله و الإسلام و الخشوع له و التوكل عليه و التفويض إليه ففي قوله : « رب أوزعني أن أشكر نعمتك» إلخ ، سؤال أن يلهمه الثناء عليه بإظهار نعمته قولا و فعلا : أما قولا فظاهر ، و أما فعلا فباستعمال هذه النعم


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :202


استعمالا يظهر به أنها لله سبحانه أنعم بها عليه و ليست له من قبل نفسه و لازمه ظهور العبودية و المملوكية من هذا الإنسان في قوله و فعله جميعا .


و تفسير النعمة بقوله : « التي أنعمت علي و على والدي» يفيد شكره من قبل نفسه على ما اختص به من النعمة و من قبل والديه فيما أنعم به عليهما فهو لسان ذاكر لهما بعدهما .


و قوله : « و أن أعمل صالحا ترضاه» عطف على قوله : « أن أشكر» إلخ ، سؤال متمم لسؤال الشكر على النعم فإن الشكر يحلي ظاهر الأعمال ، و الصلاحية التي يرتضيها الله تعالى تحلي باطنها و تخلصها له تعالى .


و قوله : « و أصلح لي في ذريتي» الإصلاح في الذرية إيجاد الصلاح فيهم و هو من الله سبحانه توفيقهم للعمل الصالح و ينجر إلى إصلاح نفوسهم ، و تقييد الإصلاح بقوله : « لي» للدلالة على أن يكون إصلاحهم بنحو ينتفع هو به أي أن يكون ذريته له في بره و إحسانه كما كان هو لوالديه .


و محصل الدعاء سؤال أن يلهمه الله شكر نعمته و صالح العمل و أن يكون بارا محسنا بوالديه و يكون ذريته له كما كان هو لوالديه ، و قد تقدم غير مرة أن شكر نعمه تعالى بحقيقة معناه هو كون العبد خالصا لله فيئول معنى الدعاء إلى سؤال خلوص النفس و صلاح العمل .


و قوله : « إني تبت إليك و إني من المسلمين» أي الذين يسلمون الأمر لك فلا تريد شيئا إلا أرادوه بل لا يريدون إلا ما أردت .


و الجملة في مقام التعليل لما يتضمنه الدعاء من المطالب ، و يتبين بالآية حيث ذكر الدعاء و لم يرده بل أيده بما وعد في قوله : « أولئك الذين نتقبل عنهم» إلخ ، إن التوبة و الإسلام لله سبحانه إذا اجتمعا في العبد استعقب ذلك الهامة تعالى بما يصير به العبد من المخلصين - بفتح اللام - ذاتا و المخلصين - بكسر اللام - عملا أما إخلاص الذات فقد تقدمت الإشارة إليه آنفا ، و أما إخلاص العمل فلأن العمل لا يكون صالحا لقبوله


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :203


تعالى مرفوعا إليه إلا إذا كان خالصا لوجهه الكريم ، قال تعالى : « ألا لله الدين الخالص» : الزمر : 3 .


قوله تعالى : « أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا و نتجاوزعن سيئاتهم في أصحاب الجنة» إلخ ، التقبل أبلغ من القبول ، و المراد بأحسن ما عملوا طاعاتهم من الواجبات و المندوبات فإنها هي المقبولة المتقبلة و أما المباحات فإنها و إن كانت ذات حسن لكنها ليست بمتقبلة ، كذا ذكر في مجمع البيان و هو تفسير حسن و يؤيده مقابلة تقبل أحسن ما عملوا بالتجاوز عن السيئات فكأنه قيل : إن أعمالهم طاعات من الواجبات و المندوبات و هي أحسن أعمالهم فنتقبلها و سيئات فنتجاوز عنها و ما ليس بطاعة و لا حسنة فلا شأن له من قبول و غيره .


و قوله : « في أصحاب الجنة» متعلق بقوله : « نتجاوز» أي نتجاوزعن سيئاتهم في جملة من نتجاوز عن سيئاتهم من أصحاب الجنة ، فهو حال من ضمير « عنهم» .


و قوله : « وعد الصدق الذي كانوا يوعدون» أي يعدهم الله بهذا الكلام وعد الصدق الذي كانوا يوعدونه إلى هذا الحين بلسان الأنبياء و الرسل ، أو المراد أنه ينجز لهم بهذا التقبل و التجاوز يوم القيامة وعد الصدق الذي كانوا يوعدونه في الدنيا .


قوله تعالى : « و الذي قال لوالديه أف لكما أ تعدانني أن أخرج و قد خلت القرون من قبلي» لما ذكر الإنسان الذي تاب إلى الله و أسلم له و سأله الخلوص و الإخلاص و بر والديه و إصلاح أولاده له قابله بهذا الإنسان الذي يكفر بالله و رسوله و المعاد و يعق والديه إذا دعواه إلى الإيمان و أنذراه بالمعاد .


فقوله : « و الذي قال لوالديه أف لكما» الظاهر أنه مبتدأ في معنى الجمع و خبره قوله بعد : « أولئك الذين» إلخ ، و « أف» كلمة تبرم يقصد بها إظهار التسخط و التوجع و « أ تعدانني أن أخرج» الاستفهام للتوبيخ ، و المعنى : أ تعدانني أن أخرج من قبري فأحيا و أحضر للحساب أي أ تعدانني المعاد « و قد خلت القرون من قبلي» أي و الحال أنه هلكت أمم الماضون العائشون من قبلي و لم يحي منهم أحد و لا بعث .


و هذا على زعمهم حجة على نفي المعاد و تقريره أنه لو كان هناك إحياء و بعث لأحيي بعض من هلك إلى هذا الحين و هم فوق حد الإحصاء عددا في أزمنة طويلة لا


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :204


أمد لها و لا خبر عنهم و لا أثر و لم يتنبهوا أن القرون السالفة لو عادوا كما يقولون كان ذلك بعثا لهم و إحياء في الدنيا و الذي وعده الله سبحانه هو البعث للحياة الآخرة و القيام لنشأة أخرى غير الدنيا .


و قوله : « و هما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق» الاستغاثة طلب الغوث من الله أي و الحال أن والديه يطلبان من الله أن يغيثهما و يعينهما على إقامة الحجة و استمالته إلى الإيمان و يقولان له : ويلك آمن بالله و بما جاء به رسوله و منه وعده تعالى بالمعاد إن وعد الله بالمعاد من طريق رسله حق .


و منه يظهر أن مرادهما بقولهما : « آمن» هو الأمر بالإيمان بالله و رسوله فيما جاء به من عند الله ، و قولهما : « إن وعد الله حق» المراد به المعاد ، و تعليل الأمر بالإيمان به لغرض الإنذار و التخويف .


و قوله : « فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين» الإشارة بهذا إلى الوعد الذي ذكراه و أنذراه به أو مجموع ما كانا يدعوانه إليه و المعنى : فيقول هذا الإنسان لوالديه ليس هذا الوعد الذي تنذرانني به أو ليس هذا الذي تدعوانني إليه إلا خرافات الأولين و هم الأمم الأولية الهمجية .


قوله تعالى : « أولئك الذين حق عليهم القول» إلخ ، تقدم بعض الكلام فيه في تفسير الآية 25 من سورة حم السجدة .


قوله تعالى : « و لكل درجات مما عملوا» إلى آخر الآية أي لكل من المذكورين و هم المؤمنون البررة و الكافرون الفجرة منازل و مراتب مختلفة صعودا و حدورا فللجنة درجات و للنار دركات .


و يعود هذا الاختلاف إلى اختلافهم في أنفسهم و إن كان ظهوره في أعمالهم و لذلك قال : « لكل درجات مما عملوا» فالدرجات لهم و منشؤها أعمالهم .


و قوله : « و ليوفيهم أعمالهم و هم لا يظلمون» اللام للغاية و الجملة معطوفة على غاية أو غايات أخرى محذوفة لم يتعلق بذكرها غرض ، و إنما جعلت غاية لقوله : « لكل درجات» لأنه في معنى و جعلناهم درجات ، و المعنى : جعلناهم درجات لكذا و كذا و ليوفيهم أعمالهم و هم لا يظلمون .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :205


و معنى توفيتهم أعمالهم إعطاؤهم نفس أعمالهم فالآية من الآيات الدالة على تجسم الأعمال ، و قيل : الكلام على تقدير مضاف و التقدير و ليوفيهم أجور أعمالهم .


قوله تعالى : « و يوم يعرض الذين كفروا على النار» إلخ ، عرض الماء على الدابة و للدابة وضعه بمرأى منها بحيث إن شاءت شربته ، و عرض المتاع على البيع وضعه موضعا لا مانع من وقوع البيع عليه .


و قوله : « و يوم يعرض الذين كفروا على النار» قيل : المراد بعرضهم على النار تعذيبهم فيها من قولهم : عرض فلان على السيف إذا قتل و هو مجاز شائع .


و فيه أن قوله في آخر السورة « و يوم يعرض الذين كفروا على النار أ ليس هذا بالحق قالوا بلى و ربنا قال فذوقوا العذاب» لا يلائمه تلك الملاءمة حيث فرع ذوق العذاب على العرض فهو غيره .


و قيل : إن في الآية قلبا و الأصل عرض النار على الذين كفروا لأن من الواجب في تحقق معنى العرض أن يكون في المعروض عليه شعور بالمعروض و النار لا شعور لها بالذين كفروا بل الأمر بالعكس ففي الكلام قلب ، و المراد عرض النار على الذين كفروا .


و وجهه بعض المفسرين بأن المناسب أن يؤتى بالمعروض إلى المعروض عليه كما في قولنا : عرضت الماء على الدابة و عرضت الطعام على الضيف ، و لما كان الأمر في عرض النار على الذين كفروا بالعكس فإنهم هم المسيرون إلى النار فقلب الكلام رعاية لهذا الاعتبار .


و فيه نظر أما ما ذكر من أن المعروض عليه يجب أن يكون ذا شعور و إدراك بالمعروض حتى يرغب إليه أو يرغب عنه و النار لا شعور لها ففيه أولا : أنه ممنوع كما يؤيده قولهم : عرضت المتاع على البيع ، و قوله تعالى : « إنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال» : الأحزاب : 72 ، و ثانيا : أنا لا نسلم خلو نار الآخرة عن الشعور ، ففي الأخبار الصحيحة أن للجنة و النار شعورا و يشعر به قوله : « يوم نقول لجهنم هل امتلأت و تقول هل من مزيد» : ق : 30 ، و غيره من الآيات .


و أما ما قيل من أن المناسب تحريك المعروض إلى المعروض عليه فلا نسلم لزومه و لا اطراده فهو منقوض بقوله : «إنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض» الآية : ، الأحزاب : 72 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :206


على أن في كلامه تعالى ما يدل على الإتيان بالنار إلى الذين كفروا كقوله : « و جي‏ء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان و أنى له الذكرى» : الفجر : 23 .


فالحق أن العرض و هو إظهار عدم المانع من تلبس شي‏ء بشي‏ء معنى له نسبة إلى الجانبين يمكن أخذ كل منهما أصلا معروضا عليه و الآخر فرعا معروضا فتارة تؤخذ النار معروضة على الكافرين بعناية أن لا مانع من عمل صالح أو شفاعة تمنع من دخولهم فيها كقوله تعالى : «و عرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا» : الكهف : 100 ، و تارة يؤخذ الكفار معروضين للنار بعناية أن لا مانع يمنع النار أن تعذبهم ، كما في قوله : « النار يعرضون عليها غدوا و عشيا» : المؤمن : 36 ، و قوله : « يعرض الذين كفروا على النار» الآية .


و على هذا فالأشبه تحقق عرضين يوم القيامة : عرض جهنم للكافرين حين تبرز لهم ثم عرضهم على جهنم بعد الحساب و القضاء الفصل بدخولهم فيها حين يساقون إليها ، قال تعالى : « و سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا» : الزمر : 71 .


و قوله : « أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا و استمتعتمبها» على تقدير القول أي يقال لهم : « أذهبتم» إلخ ، و الطيبات الأمور التي تلائم النفس و توافق الطبع و يستلذ بها الإنسان ، و إذهاب الطيبات إنفادها بالاستيفاء لها ، و المراد بالاستمتاع بها استعمالها و الانتفاع بها لنفسها لا للآخرة و التهيؤ لها .


و المعنى : يقال لهم حين عرضهم على النار : أنفذتم الطيبات التي تلتذون بها في حياتكم الدنيا و استمتعتم بتلك الطيبات فلم يبق لكم شي‏ء تلتذون به في الآخرة .


و قوله : « فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق و بما كنتم تفسقون» تفريع على إذهابهمالطيبات ، و عذاب الهون العذاب الذي فيه الهوان و الخزي .


و المعنى : فاليوم تجزون العذاب الذي فيه الهوان و الخزي قبال استكباركم في الدنيا عن الحق و قبال فسقكم و توليكم عن الطاعات ، و هما ذنبان أحدهما متعلق بالاعتقاد و هو الاستكبار عن الحق و الثاني متعلق بالعمل و هو الفسق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :207


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن المنذر من طريق قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال : رفع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر فسأل عنها أصحاب النبي فقال علي : لا رجم عليها أ لا ترى أنه يقول : و حمله و فصاله ثلاثون شهرا ، و قال : و فصاله في عامين ، و كان الحمل هاهنا ستة أشهر فتركها عمر . قال : ثم بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر : . أقول : و روى القصة المفيد في الإرشاد، .


و فيه ، أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن بعجة بن عبد الله الجهني قال : تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له تماما لستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فأمر برجمها فبلغ ذلك عليا فأتاه فقال : ما تصنع ؟ قال : ولدت تماما لستة أشهر و هل يكون ذلك ؟ قال علي : أ ما سمعت الله تعالى يقول : و حمله و فصاله ثلاثون شهرا و قال : حولين كاملين فكم تجده بقي إلا ستة أشهر ؟ . فقال عثمان : و الله ما فطنت لهذا . علي بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها ، و كان من قولها لأختها : لا تحزني فو الله ما كشف فرجي أحد قط غيره . قال : فشب الغلام بعد فاعترف الرجل به و كان أشبه الناس به . قال : فرأيت الرجل بعد يتساقط عضوا عضوا على فراشه .


و في التهذيب ، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سأله أبي و أنا حاضر عن قول الله عز و جل : « حتى إذا بلغ أشده» قال : الاحتلام .


و في الخصال ، عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : إذا بلغ العبد ثلاثا و ثلاثين سنة فقد بلغ أشده ، و إذا بلغ أربعين سنة فقد بلغ منتهاه ، فإذا طعن في إحدى و أربعين فهو في النقصان ، و ينبغي لصاحب الخمسين أن يكون كمن كان في النزع .


أقول : لا تخلو الرواية من إشعار بكون بلوغ الأشد مما يختلف بالمراتب فيكون الاحتلام و هو غالبا في الست عشرة أول مرتبة منها و الثلاث و الثلاثين و هي بعد مضي ست عشرة أخرى المرتبة الثانية ، و قد تقدم في نظيره الآية من سورة يوسف بعض أخبار أخر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :208


و اعلم أنه قد وردت في الآية أخبار تطبقها على الحسين بن علي (عليهماالسلام‏) و ولادته لستة أشهر و هي من الجري .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن عبد الله قال : إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال : إن الله قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا و إن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر و عمر ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : أ هرقلية ؟ إن أبا بكر و الله ما جعلها في أحد من ولده و لا أحد من أهل بيته و لا جعلها معاوية إلا رحمة و كرامة لولده . فقال مروان : أ لست الذي قال لوالديه : أف لكما ؟ فقال عبد الرحمن : أ لست ابن اللعين الذي لعن أباك رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ؟ . قال : و سمعتها عائشة فقالت : يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا و كذا ؟ كذبت و الله ما فيه نزلت . نزلت في فلان بن فلان .


و فيه ، أخرج ابن جرير عن ابن عباس : في الذي قال لوالديه أف لكما الآية ، قال : هذا ابن لأبي بكر : أقول : و روي ذلك أيضا عن قتادة و السدي ، و قصة رواية مروان و تكذيب عائشة له مشهورة .


قال في روح المعاني بعد رد رواية مروان : و وافق بعضهم كالسهيلي في الأعلام مروان في زعم نزولها في عبد الرحمن ، و على تسليم ذلك لا معنى للتعيير لا سيما من مروان فإن الرجل أسلم و كان من أفاضل الصحابة و أبطالهم ، و كان له في الإسلام عناء يوم اليمامة و غيره ، و الإسلام يجب ما قبله فالكافر إذا أسلم لا ينبغي أن يعير بما كان يقول .


انتهى .


و فيه أن الروايات لو صحت لم يكن مناص عن صريح شهادة الآية عليه بقوله : « أولئك الذين حق عليهم القول - إلى قوله - إنهم كانوا خاسرين» و لم ينفع شي‏ء مما دافع عنه به .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و يوم يعرض الذين كفروا إلى قوله و استمتعتم بها» قال : أكلتم و شربتم و ركبتم ، و هي في بني فلان « فاليوم تجزون عذاب الهون» قال : العطش .


و في المحاسن ، بإسناده عن ابن القداح عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) عن آبائه (عليهم‏السلام‏)


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :209


قال : أتي يعني النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بخبيص فأبى أن يأكله فقيل : أ تحرمه ؟ فقال : لا و لكني أكره أن تتوق إليه نفسي ثم تلا الآية « أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا» .


و في المجمع ، في الآية و قد روي في الحديث أن عمر بن الخطاب قال : استأذنت على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فدخلت عليه في مشربة أم إبراهيم و إنه لمضطجع على حفصة و إن بعضه على التراب و تحت رأسه وسادة محشوة ليفا فسلمت عليه ثم جلست فقلت : يا رسول الله أنت نبي الله و صفوته و خيرته من خلقه و كسرى و قيصر على سرير الذهب و فرش الحرير و الديباج ! فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أولئك قوم عجلت طيباتهم و هي وشيكة الانقطاع ، و إنما أخرت لنا طيباتنا : . أقول : و رواه في الدر المنثور ، بطرق عنه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :210


وَ اذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَ قَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَينِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنى أَخَاف عَلَيْكمْ عَذَاب يَوْمٍ عَظِيمٍ‏(21) قَالُوا أَ جِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالهَِتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنت مِنَ الصدِقِينَ‏(22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَ أُبَلِّغُكم مَّا أُرْسِلْت بِهِ وَ لَكِنى أَرَاشْ قَوْماً تجْهَلُونَ‏(23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّستَقْبِلَ أَوْدِيَتهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ ممْطِرُنَابَلْ هُوَ مَا استَعْجَلْتُم بِهِرِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(24) تُدَمِّرُ كلَّ شىْ‏ءِ بِأَمْرِ رَبهَا فَأَصبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسكِنهُمْكَذَلِك نجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ‏(25) وَ لَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنَا لَهُمْ سمْعاً وَ أَبْصراً وَ أَفْئِدَةً فَمَا أَغْنى عَنهُمْ سمْعُهُمْ وَ لا أَبْصرُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتهُم مِّن شىْ‏ءٍ إِذْ كانُوا يجْحَدُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَ حَاقَ بهِم مَّا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ‏(26) وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكم مِّنَ الْقُرَى وَ صرَّفْنَا الاَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏(27) فَلَوْ لا نَصرَهُمُ الَّذِينَ اتخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً ءَالهَِةَبَلْ ضلُّوا عَنْهُمْوَ ذَلِك إِفْكُهُمْ وَ مَا كانُوا يَفْترُونَ‏(28)


بيان


لما قسم الناس على قسمين و انتهى الكلام إلى الإنذار عقب ذلك بالإشارة إلى قصتين قصة قوم عاد و هلاكهم و معها الإشارة إلى هلاك القرى التي حول مكة و قصة إيمان قوم من الجن صرفهم الله إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فاستمعوا القرآن فآمنوا و رجعوا إلى قومهم منذرين و إنما أورد القصتين ليعتبر بهما من شاء أن يعتبر منهم ، و هذه الآيات المنقولة تتضمن أولى القصتين .


قوله تعالى : « و اذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقافو قد خلت النذر من بين يديه و من خلفه» إلخ ، أخو القوم هو المنسوب إليهم من جهة الأب ، و المراد بأخي عاد هود النبي (عليه‏السلام‏) ، و الأحقاف مسكن قوم عاد و المتيقن أنه في جنوب جزيرة العرب و لا أثر اليوم باقيا منهم ، و اختلفوا أين هو ؟ فقيل : واد بين عمان و مهرة ، و قيل رمال بين عمان إلى حضرموت ، و قيل : رمال مشرفة على البحر بالشحر من أرض اليمن و قيل غير ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :211


و قوله : « و قد خلت النذر من بين يديه و من خلفه» النذر جمع نذير و المراد به الرسول على ما يفيده السياق ، و أما تعميم بعضهم الندر للرسول و نوابهم من العلماء ففي غير محله .


و فسروا « من بين يديه» بالذين كانوا قبله و « من خلفه» بالذين جاءوا بعده و يمكن العكس بأن يكون المراد بالنذر بين يديه من كانوا في زمانه ، و من خلفه من كان قبله ، و الأولى على الأول أن يكون المراد بخلو النذر من بين يديه و من خلفه أن يكون كناية عن مجيئه إليهم و إنذاره لهم على فترة من الرسل .


و قوله : « ألا تعبدوا إلا الله» تفسير للإنذار و فيه إشارة إلى أن أساس دينه الذي يرجع إليه تفاصيله هو التوحيد .


و قوله : « إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم» تعليل لدعوتهم إلى التوحيد ، و الظاهر أن المراد باليوم العظيم يوم عذاب الاستئصال لا يوم القيامة يدل على ذلك ما سيأتي من قولهم : « فائتنا بما تعدنا» و قوله : « بل هو ما استعجلتم به» و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « قالوا أ جئتنا لتأفكنا عن آلهتنا» إلخ ، جواب القوم له قبال إنذاره ، و قوله : « لتأفكنا عن آلهتنا» بتضمين الإفك و هو الكذب و الفرية معنى الصرف و المعنى : قالوا أ جئتنا لتصرفنا عن آلهتنا إفكا و افتراء .


و قوله : « فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين» أمر تعجيزي منهم له زعما منهم أنه (عليه‏السلام‏) كاذب في دعواته آفك في إنذاره .


قوله تعالى : « قال إنما العلم عند الله و أبلغكم ما أرسلت به» إلخ ، جواب هود عن قولهم ردا عليهم ، فقوله : « إنما العلم عند الله» قصر العلم بنزول العذاب فيه تعالى لأنه من الغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله جل شأنه ، و هو كناية عن أنه (عليه‏السلام‏) لا علم له بأنه ما هو ؟ و لا كيف هو ؟ و لا متى هو ؟ و لذلك عقبه بقوله : « و أبلغكم ما أرسلت به» أي إن الذي حملته و أرسلت به إليكم هو الذي أبلغكموه و لا علم لي بالعذاب الذي أمرت بإنذاركم به ما هو ؟ و كيف هو ؟ و متى هو؟ و لا قدرة لي عليه .


و قوله : « و لكني أراكم قوما تجهلون» إضراب عما يدل عليه الكلام من نفيه العلم عن نفسه ، و المعنى : لا علم لي بما تستعجلون به من العذاب و لكني أراكم قوما


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :212


تجهلون فلا تميزون ما ينفعكم مما يضركم و خيركم من شركم حين تردون دعوة الله و تكذبون بآياته و تستهزءون بما يوعدكم به من العذاب .


قوله تعالى : « فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا» إلخ ، صفة نزول العذاب إليهم بادى‏ء ظهوره عليهم .


و العارض هو السحاب يعرض في الأفق ثم يطبق السماء و هو صفة العذاب الذي يرجع إليه ضمير « رأوه» المعلوم من السياق ، و قوله : « مستقبل أوديتهم» صفة أخرى له ، و الأودية جمع الوادي ، و قوله : « قالوا هذا عارض ممطرنا» أي استبشروا ظنا منهم أنه سحاب عارض ممطر لهم فقالوا : هذا الذي نشاهده سحاب عارض ممطر إيانا .


و قوله : « بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم» رد لقولهم : « هذا عارض ممطرنا» بالإضراب عنه إلى بيان الحقيقة فبين أولا على طريق التهكم أنه العذاب الذي استعجلتم به حين قلتم : « فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين» و زاد في البيان ثانيا بقوله : « ريح فيها عذاب أليم» .


و الكلام من كلامه تعالى و قيل : هو كلام لهود النبي (عليه‏السلام‏) .


قوله تعالى : « تدمر كل شي‏ء بإذن ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين» التدمير الإهلاك ، و تعلقه بكل شي‏ء و إن كان يفيد عموم التدمير لكن السياق يخصصه بنحو الإنسان و الدواب و الأموال ، فالمعنى : أن تلك الريح ريح تهلك كل ما مرت عليه من إنسان و دواب و أموال .


و قوله : « فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم» بيان لنتيجة نزول العذاب ، و قوله : « كذلك نجزي القوم المجرمين» إعطاء ضابط كلي في مجازاة المجرمين بتشبيه الكلي بالفرد الممثل به و التشبيه في الشدة أي إن سنتنا في جزاء المجرمين على هذا النحو الذي قصصناه من الشدة فهو كقوله تعالى : « و كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى و هي ظالمة إن أخذه أليم شديد» : هود : 102 .


قوله تعالى : « و لقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه» إلخ ، موعظة لكفار مكة مستنتجة من القصة .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :213


و التمكين إقرار الشي‏ء و إثباته في المكان ، و هو كناية عن إعطاء القدرة و الاستطاعة في التصرف و « ما» في « فيما» موصولة أو موصوفة و « إن» نافية ، و المعنى : و لقد جعلنا قوم هود في الذي - أو في شي‏ء - ما مكناكم معشر كفار مكة و من يتلوكم فيه من بسطة الأجسام و قوة الأبدان و البطش الشديد و القدرة القومية .


و قوله : « و جعلنا لهم سمعا و أبصارا و أفئدة» أي جهزناهم بما يدركون به ما ينفعهم و ما يضرهم و هو السمع و الأبصار و ما يميزون به ما ينفعهم مما يضرهم فيحتالون لجلب النفع و لدفع الضر بما قدروا كما أن لكم ذلك .


و قوله : « فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم و لا أفئدتهم من شي‏ء إذ كانوا يجحدون بآيات الله» ما في « فما أغنى» نافية لا استفهامية ، و « إذ» ظرف متعلق بالنفي الذي في قوله : « فما أغنى» .


و محصل المعنى : أنهم كانوا من التمكن على ما ليس لكم ذلك و كان لهم من أدوات الإدراك و التمييز ما يحتال به الإنسان لدفع المكاره و الاتقاء من الحوادث المهلكة المبيدة لكن لم يغن عنهم و لم ينفعهم هذه المشاعر و الأفئدة شيئا عند ما جحدوا آيات الله فما الذي يؤمنكم من عذاب الله و أنتم جاحدون لآيات الله .


و قيل : معنى الآية : و لقد مكناهم في الذي أو في شي‏ء ما مكناكم فيه من القوة و الاستطاعة و جعلنا لهم سمعا و أبصارا و أفئدة ليستعملوها فيما خلقت له و يسمعوا كلمة الحق و يشاهدوا آيات التوحيد و يعتبروا بالتفكر في العبر ، و يستدلوا بالتعقل الصحيح على المبدإ و المعاد فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم و لا أفئدتهم من شي‏ء حيث لم يستعملوها فيما يوصل إلى معرفة الله سبحانه ، هذا و لعل الذي قدمناه من المعنى أنسب للسياق .


و قد جوزوا في مفردات الآية وجوها لم نوردها لعدم جدوى فيها .


و قد تقدم في نظائر قوله : « سمعا و أبصارا و أفئدة» أن إفراد السمع - و المراد منه الجمع - لمكان مصدريته في الأصل نظير الضيف و القربان و الجنب ، قال تعالى : « ضيف إبراهيم المكرمين» : الذاريات : 24 و قال : «إذ قربا قربانا» : المائدة : 27 ، و قال : « و إن كنتم جنبا» : المائدة : 6 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :214


و قوله : « و حاق بهم ما كانوا به يستهزءون» عطف على قوله : « ما أغنى عنهم» إلخ .


قوله تعالى : « و لقد أهلكنا ما حولكم من القرى» تذكرة إنذارية متفرعة على العظة التي في قوله : « و لقد مكناهم» إلخ ، فهي معطوفة عليه على ما يفيده السياق لا على قوله : « و اذكر أخا عاد» .


و قوله : « و صرفنا الآيات لعلهم يرجعون» أي و صيرنا الآيات المختلفة من معجزة أيدنا بها الأنبياء و وحي أنزلناه عليهم و نعم رزقناهموها ليتذكروا بها و نقم ابتليناهم بها ليتوبوا و ينصرفوا عن ظلمهم لعلهم يرجعون من عبادة غير الله سبحانه إلى عبادته .


و الضمير في « لعلهم يرجعون» راجع إلى القرى و المراد بها أهل القرى .


قوله تعالى : « فلو لا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة» إلخ ، ظاهر السياق أن آلهة مفعول ثان لاتخذوا و مفعوله الأول هو الضمير الراجع إلى الموصول و « قربانا» بمعنى ما يتقرب به ، و الكلام مسوق للتهكم ، و المعنى : فلو لا نصرهم الذين اتخذوهم آلهة حال كونهم متقربا بهم إلى الله كما كانوا يقولون : « مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» .


و قوله : « بل ضلوا عنهم» أي ضل الآلهة عن أهل القرى و انقطعت رابطة الألوهية و العبودية التي كانوا يزعمونها و يرجون بذلك أن ينصروهم عند الشدائد و المكاره فالضلال عنهم كناية عن بطلان مزعمتهم .


و قوله : « و ذلك إفكهم و ما كانوا يفترون » مبتدأ و خبر و الإشارة إلى ضلال آلهتهم ، و المراد بالإفك أثر الإفك أو بتقدير مضاف ، و « ما» مصدرية ، و المعنى : و ذلك الضلال أثر إفكهم و افترائهم .


و يمكن أن يكون الكلام على صورته من غير تقدير مضاف أو تجوز و الإشارة إلى إهلاكهم بعد تصريف الآيات و ضلال آلهتهم عند ذلك ، و محصل المعنى : أن هذا الذي ذكرناه من عاقبة أمرهم هو حقيقة زعمهم أن الآلهة يشفعون لهم و يقربونهم من الله زعمهم الذي أفكوه و افتروه ، و الكلام مسوق للتهكم .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :215


وَ إِذْ صرَفْنَا إِلَيْك نَفَراً مِّنَ الْجِنّ‏ِ يَستَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوافَلَمَّا قُضىَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ‏(29) قَالُوا يَقَوْمَنَا إِنَّا سمِعْنَا كتَباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَيْهِ يهْدِى إِلى الْحَقّ‏ِ وَ إِلى طرِيقٍ مُّستَقِيمٍ‏(30) يَقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِىَ اللَّهِ وَ ءَامِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِّن ذُنُوبِكمْ وَ يجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ‏(31) وَ مَن لا يجِب دَاعِىَ اللَّهِ فَلَيْس بِمُعْجِزٍ فى الأَرْضِ وَ لَيْس لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُأُولَئك فى ضلَلٍ مُّبِينٍ‏(32) أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ لَمْ يَعْىَ بخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلى أَن يُحْيِىَ الْمَوْتىبَلى إِنَّهُ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ قَدِيرٌ(33) وَ يَوْمَ يُعْرَض الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النَّارِ أَ لَيْس هَذَا بِالْحَقّ‏ِقَالُوا بَلى وَ رَبِّنَاقَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ‏(34) فَاصبرْ كَمَا صبرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسلِ وَ لا تَستَعْجِل لهَُّمْكَأَنهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا ساعَةً مِّن نهَارِبَلَغٌفَهَلْ يُهْلَك إِلا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ‏(35)


بيان


هذه هي القصة الثانية عقبت بها قصة عاد ليعتبر بها قومه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن اعتبروا،


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :216


و فيه تقريع للقوم حيث كفروا به (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و بكتابه النازل على لغتهم و هم يعلمون أنها آية معجزة و هم مع ذلك يماثلونه في النوعية البشرية و قد آمن الجن بالقرآن إذ استمعوا إليه و رجعوا إلى قومهم منذرين .


قوله تعالى : « و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن» إلى آخر الآية الصرف رد الشي‏ء من حالة إلى حالة أو من مكان إلى مكان ، و النفر - على ما ذكره الراغب - عدة من الرجال يمكنهم النفر و هو اسم جمع يطلق على ما فوق الثلاثة من الرجال و النساء و الإنسان و على الجن كما في الآية و « يستمعون القرآن» صفة نفر ، و المعنى : و اذكر إذ وجهنا إليك عدة من الجن يستمعون القرآن .


و قوله : « فلما حضروه قالوا أنصتوا» ضمير « حضروه» للقرآن بما يلمح إليه من المعنى الحدثي و الإنصات السكوت للاستماع أي فلما حضروا قراءة القرآن و تلاوته قالوا أي بعضهم لبعض : اسكتوا حتى نستمع حق الاستماع .


و قوله : « فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين» ضمير « قضى» للقرآن باعتبار قراءته و تلاوته ، و التولية الانصراف و « منذرين» حال من ضمير الجمع في « ولوا» أي فلما أتمت القراءة و فرغ منها انصرفوا إلى قومهم حال كونهم منذرين مخوفين لهم من عذاب الله .


قوله تعالى : « قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه» إلخ ، حكاية دعوتهم قومهم و إنذارهم لهم ، و المراد بالكتاب النازل بعد موسى القرآن ، و في الكلام إشعار بل دلالة على كونهم مؤمنين بموسى (عليه‏السلام‏) و كتابه ، و المراد بتصديق القرآن لما بين يديه تصديقه التوراة أو جميع الكتب السماوية السابقة .


و قوله : « يهدي إلى الحق و إلى طريق مستقيم» أي يهدي من اتبعه إلى صراط الحق و إلى طريق مستقيم لا يضل سالكوه عن الحق في الاعتقاد و العمل .


قوله تعالى : « يا قومنا أجيبوا داعيالله و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم و يجركم من عذاب أليم» المراد بداعي الله هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال تعالى : « قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة» : يوسف : 108 ، و قيل : المراد به ما سمعوه من القرآن و هو بعيد .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :217


و الظاهر أن « من» في « يغفر لكم من ذنوبكم» للتبعيض ، و المراد مغفرة بعض الذنوب و هي التي اكتسبوها قبل الإيمان ، قال تعالى : « إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف» : الأنفال : 38 .


و قيل : المراد بهذا البعض حقوق الله سبحانه فإنها مغفورة بالتوبة و الإيمان توبة و أما حقوق الناس فإنها غير مغفورة بالتوبة ، و رد بأن الإسلام يجب ما قبله .


قوله تعالى : « و من لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض و ليس له من دونه أولياء» إلخ ، أي و من لم يؤمن بداعي الله فليس بمعجز لله في الأرض برد دعوته و ليس له من دون الله أولياء ينصرونه و يمدونه في ذلك ، و المحصل : أن من لم يجب داعي الله في دعوته فإنما ظلم نفسه و ليس له أن يعجز الله بذلك لا مستقلا و لا بنصرة من ينصره من الأولياء فليس له أولياء من دون الله ، و لذلك أتم الكلام بقوله : « أولئك في ضلال مبين» .


قوله تعالى : « أ و لم يروا أن الله الذي خلق السموات و الأرض و لم يعي بخلقهن بقادر» إلخ ، الآية و ما بعدها إلى آخر السورة متصلة بما تقدم من قوله تعالى : « و يوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم» إلخ ، و فيها تتميم القول فيما به الإنذار في هذه السورة و هو المعاد و الرجوع إلى الله تعالى كما أشرنا إليه في البيان المتقدم .


و المراد بالرؤية العلم عن بصيرة ، و العي العجز و التعب ، و الأول أفصح على ما قيل ، و الباء في « بقادر» زائدة لوقوعها موقعا فيه شائبة حيز النفي كأنه قيل : أ ليس الله بقادر .


و المعنى : أ و لم يعلموا أن الله الذي خلق السماوات و الأرض و لم يعجز عن خلقهن أو لم يتعب بخلقهن قادر على إحياء الموتى - و هو تعالى مبدى‏ء وجود كل شي‏ء و حياته - بلى هو قادر لأنه على كل شي‏ء قدير ، و قد أوضحنا هذه الحجة فيما تقدم غير مرة .


قوله تعالى : « و يوم يعرض الذين كفروا على النار أ ليس هذا بالحق» إلى آخر الآية ، تأييد للحجة المذكورة في الآية السابقة بالإخبار عما سيجري على منكري المعاد يوم القيامة ، و معنى الآية ظاهر .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :218


قوله تعالى : « فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل و لا تستعجل لهم» إلى آخر الآية ، تفريع على حقية المعاد على ما دلت عليه الحجة العقلية و أخبر به الله سبحانه و نفي الريب عنه .


و المعنى : فاصبر على جحود هؤلاء الكفار و عدم إيمانهم بذاك اليوم كما صبر أولوا العزم من الرسل و لا تستعجل لهم بالعذاب فإنهم سيلاقون اليوم بما فيه من العذاب و ليس اليوم عنهم ببعيد و إن استبعدوه .


و قوله : « كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار» تبيين لقرب اليوم منهم و من حياتهم الدنيا بالإخبار عن حالهم حينما يشاهدون ذلك اليوم فإنهم إذا رأوا ما يوعدون من اليوم و ما هيى‏ء لهم فيه من العذاب كان حالهم حال من لم يلبث في الأرض إلا ساعة من نهار .


و قوله : « بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون» أي هذا القرآن بما فيه من البيان تبليغ من الله من طريق النبوة فهل يهلك بهذا الذي بلغه الله من الإهلاك إلا القوم الفاسقون الخارجون عن زي العبودية .


و قد أمر الله سبحانه في هذه الآية نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل و فيه تلويح إلى أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) منهم فليصبر كصبرهم ، و معنى العزم هاهنا أما الصبر كما قال بعضهم لقوله تعالى : «و لمن صبر و غفر إن ذلك لمن عزم الأمور» : الشورى : 43 ، و إما العزم على الوفاء بالميثاق المأخوذ من الأنبياء كما يلوح إليه قوله : « و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزما» : طه : 115 ، و إما العزم بمعنى العزيمة و هي الحكم و الشريعة .


و على المعنى الثالث و هو الحق الذي تذكره روايات أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) هم خمسة : نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد صلى الله عليه و آله و سلم و عليهم و لقوله تعالى : « شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا و الذي أوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم و موسى و عيسى» : الشورى : 13 ، و قد مر تقريب معنى الآية .


و عن بعض المفسرين أن جميع الرسل أولوا العزم ، و قد أخذ « من الرسل»


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :219


بيانا لأولي العزم في قوله : « أولوا العزم من الرسل» و عن بعضهم أنهم الرسل الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام الآية 83 - 90 لأنه تعالى قال بعد ذكرهم : « فبهداهم اقتده» .


و فيه أنه تعالى قال بعد عدهم : « و من آبائهم و ذرياتهم و إخوانهم» ثم قال : « فبهداهم اقتده» و لم يقل ذلك بعد عدهم بلا فصل .


و عن بعضهم أنهم تسعة : نوح و إبراهيم و الذبيح و يعقوب و يوسف و أيوب و موسى و داود و عيسى ، و عن بعضهم أنهم سبعة : آدم و نوح و إبراهيم و موسى و داود و سليمان و عيسى ، و عن بعضهم أنهم ستة و هم الذين أمروا بالقتال : نوح و هود و صالح و موسى و داود و سليمان ، و ذكر بعضهم أن الستة هم نوح و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف و أيوب ، و عن بعضهم أنهم خمسة و هم : نوح و هود و إبراهيم و شعيب و موسى ، و عن بعضهم أنهم أربعة : نوح و إبراهيم و موسى و عيسى ، و ذكر بعضهم أن الأربعة هم نوح و إبراهيم و هود و محمد صلى الله عليه و آله و سلم و عليهم أجمعين .


و هذه الأقوال بين ما لم يستدل عليه بشي‏ء أصلا و بين ما استدل عليه بما لا دلالة فيه ، و لذا أغمضنا عن نقلها ، و قد تقدم في أبحاث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب بعض الكلام في أولي العزم من الرسل فراجعه إن شئت .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن» الآيات ، كان سبب نزول هذه الآيات أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خرج من مكة إلى سوق عكاظ ، و معه زيد بن حارثة يدعو الناس إلى الإسلام فلم يجبه أحد و لم يجد أحدا يقبله ثم رجع إلى مكة . فلما بلغ موضعا يقال له : وادي مجنة تهجد بالقرآن في جوف الليل فمر به


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :220


نفر من الجن فلما سمعوا قراءة رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) استمعوا له فلما سمعوا قرآنه قال بعضهم لبعض : « أنصتوا» يعني اسكتوا « فلما قضى» أي فرغ رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من القرآن « ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا» إلى آخر الآيات . فجاءوا إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أسلموا و آمنوا و علمهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) شرائع الإسلام فأنزل الله عز و جل على نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) «قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن» السورة كلها ، فحكى الله قولهم و ولى عليهم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) منهم ، و كانوا يعودون إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في كل وقت فأمر رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) أن يعلمهم و يفقههم فمنهم مؤمنون و كافرون و ناصبون و يهود و نصارى و مجوس ، و هم ولد الجان .


أقول : و الروايات في قصة هؤلاء النفر من الجن الذين استمعوا إلى القرآن كثيرة مختلفة اختلافا شديدا ، و لا سبيل إلى تصحيح متونها بالكتاب أو بقرائن موثوق بها ولذا اكتفينا منها على ما تقدم من خبر القمي و سيأتي نبذ منها في تفسير سورة الجن إن شاء الله تعالى .


و فيه ، : سئل العالم (عليه‏السلام‏) عن مؤمني الجن أ يدخلون الجنة ؟ فقال : لا ، و لكن لله حظائر بين الجنة و النار يكون فيها مؤمنوا الجن و فساق الشيعة .


أقول : و روي مثله في بعض الروايات الموقوفة من طرق أهل السنة ، و رواية القمي مرسلة كالمضمرة فإن قبلت فلتحمل على أدنى مراتب الجنة و عمومات الكتاب تدل على عموم الثواب للمطيعين من الإنس و الجن .


و في الكافي ، بإسناده عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : سادة النبيين و المرسلين خمسة : و هم أولوا العزم من الرسل و عليهم دارت الرحى : نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد صلى الله عليه و آله و سلم و على جميع الأنبياء .


و فيه ، بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إن أول وصي كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم ، و ما من نبي مضى إلا و له وصي .


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :221


و كان جميع الأنبياء مائة ألف و عشرين ألف نبي : منهم خمسة أولوا العزم : نوح و إبراهيم و موسىو عيسى و محمد صلى الله عليه و آله و سلم و عليهم . الحديث .


أقول : كون أولي العزم خمسة مما استفاضت عليه الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) فهو مروي عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و عن الباقر و الصادق و الرضا (عليهماالسلام‏) بطرق كثيرة .


و عن روضة الواعظين للمفيد ، : قيل للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : كم بين الدنيا و الآخرة ؟ قال : غمضة عين قال الله عز و جل : « كأنهم يوم يرون ما يوعدون - لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ» الآية

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :