امروز:
دوشنبه 3 مهر 1396
بازدید :
727
تفسيرالميزان : سوره ق آيات 45- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :336


50 سورة ق مكية و هي خمس و أربعون آية 45


سورة ق‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوَ الْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ(1) بَلْ عجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شىْ‏ءٌ عجِيبٌ‏(2) أَ ءِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباًذَلِك رَجْعُ بَعِيدٌ(3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُص الأَرْض مِنهُمْوَ عِندَنَا كِتَبٌ حَفِيظ(4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقّ‏ِ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فى أَمْرٍ مَّرِيجٍ‏(5) أَ فَلَمْ يَنظرُوا إِلى السمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْف بَنَيْنَهَا وَ زَيَّنَّهَا وَ مَا لهََا مِن فُرُوجٍ‏(6) وَ الأَرْض مَدَدْنَهَا وَ أَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسىَ وَ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كلّ‏ِ زَوْج بَهِيجٍ‏(7) تَبْصِرَةً وَ ذِكْرَى لِكلّ‏ِ عَبْدٍ مُّنِيبٍ‏(8) وَ نَزَّلْنَا مِنَ السمَاءِ مَاءً مُّبَرَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّتٍ وَ حَب الحَْصِيدِ(9) وَ النَّخْلَ بَاسِقَتٍ لهََّا طلْعٌ نَّضِيدٌ(10) رِّزْقاً لِّلْعِبَادِوَ أَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاًكَذَلِك الخُْرُوجُ‏(11) كَذَّبَت قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصحَب الرَّس وَ ثَمُودُ(12) وَ عَادٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ إِخْوَنُ لُوطٍ(13) وَ أَصحَب الأَيْكَةِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍكلٌّ كَذَّب الرُّسلَ فحَقَّ وَعِيدِ(14)



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :337


بيان


السورة تذكر الدعوة و تشير إلى ما فيها من الإنذار بالمعاد و جحد المشركين به و استعجابهم ذلك بأن الموت يستعقب بطلان الشخصية الإنسانية بصيرورته ترابا لا يبقى معه أثر مما كان عليه فكيف يرجع ثانيا إلى ما كان عليه قبل الموت فتدفع ما أظهروه من الاستعجاب و الاستبعاد بأن العلم الإلهي محيط بهم و عنده الكتاب الحفيظ الذي لا يعزب عنه شي‏ء مما دق و جل من أحوال خلقه ثم توعدهم بإصابة مثل ما أصاب الأمم الماضية الهالكة .


و تنبه ثانيا على علمه و قدرته تعالى بالإشارة إلى ما جرى من تدبيره تعالى في خلق السماوات و ما زينها به من الكواكب و النجوم و غير ذلك ، و في خلق الأرض من حيث مدها و إلقاء الرواسي عليها و إنبات الأزواج النباتية فيها ثم بإنزال الماء و تهيئة أرزاق العباد و إحياء الأرض به .


ثم بيان حال الإنسان من أول ما خلق و أنه تحت المراقبة الشديدة الدقيقة حتى ما يلفظ به من لفظ و حتى ما يخطر بباله و توسوس به نفسه ما دام حيا ثم إذا أدركه الموت ثم إذا بعث لفصل القضاء ثم إذا فرغ من حسابه فأدخل النار إن كان من المكذبين أو الجنة المزيفة إن كان من المتقين .


و بالجملة مصب الكلام في السورة هو المعاد ، و من غرر الآيات فيها قوله : « لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد» ، و قوله : « يوم نقول لجهنم هل امتلأت و تقول هل من مزيد» و قوله : « لهم ما يشاءون فيها و لدينا مزيد» .


و السورة مكية بشهادة سياق آياتها إلا ما قيل في قوله : « و لقد خلقنا السماوات و الأرض» الآية أو الآيتين ، و لا شاهد عليه من اللفظ .


و ما أوردناه من الآيات فيه إجمال الإشارة إلى المعاد و استبعادهم له ، و إجمال الجواب و التهديد أولا ثم الإشارة إلى تفصيل الجواب و التهديد ثانيا .


قوله تعالى : « ق و القرآن المجيد» ، قال في المجمع ، : المجد في كلامهم الشرف


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :338


الواسع يقال : مجد الرجل و مجد - بضم العين و فتحها - مجدا إذا عظم و كرم ، و أصله من قولهم : مجدت الإبل مجودا إذا عظمت بطونها من كثرة أكلها من كلاء الربيع .


انتهى .


و قوله : «و القرآن المجيد» قسم و جوابه محذوف يدل عليه الجمل التالية و التقدير و القرآن المجيد أن البعث حق أو إنك لمن المنذرين أو الإنذار حق ، و قيل : جواب القسم مذكور و هو قوله : « بل عجبوا» إلخ ، و قيل : هو قوله : « قد علمنا ما تنقص» إلخ ، و قيل : قوله : « ما يلفظ من قول» إلخ ، و قيل : قوله : « إن في ذلك لذكرى» إلخ ، و قيل : قوله : « ما يبدل القول لدي» إلخ ، و هذه أقوال سخيفة لا يصار إليها .


قوله تعالى : « بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شي‏ء عجيب» إضراب عن مضمون جواب القسم المحذوف فكأنه قيل : إنا أرسلناك نذيرا فلم يؤمنوا بك بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ، أو قيل إن البعث الذي أنذرتهم به حق و لم يؤمنوا به بل عجبوا منه و استبعدوه .


و ضمير « منهم» في قوله : « بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم» راجع إليهم بما هم بشر أي من جنسهم و ذلك أن الوثنيين ينكرون نبوة البشر كما تقدمت الإشارة إليه مرارا أو راجع إليهم بما هم عرب و المعنى : بل عجبوا أن جاءهم منذر من قومهم و بلسانهم يبين لهم الحق أوفى بيان فيكون أبلغ في تقريعهم .


و قوله : « فقال الكافرون هذا شي‏ء عجيب» وصفهم بالكفر و لم يقل : و قال المشركون ونحو ذلك للدلالة على سترهم للحق لما جاءهم ، و الإشارة في قولهم : « هذا شي‏ء عجيب» ، إلى البعث و الرجوع إلى الله كما يفسره قوله بعد : « أ إذا متنا و كنا ترابا» إلخ .


قوله تعالى : « أ ءذا متنا و كنا ترابا ذلك رجع بعيد» الرجع و الرجوع بمعنى و المراد بالبعد البعد عن العقل .


و جواب إذا في قولهم : « أ ءذا متنا و كنا ترابا» محذوف يدل عليه قولهم : « ذلك رجع بعيد» و التقدير أ ءذا متنا و كنا ترابا نبعث و نرجع ؟ و الاستفهام للتعجيب ، و إنما حذف للإشارة إلى أنه عجيب بحيث لا ينبغي أن يذكر ، إذ لا يقبله عقل ذي عقل


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :339


و الآية في مساق قوله : « و قالوا أ ءذا ضللنا في الأرض أ إنا لفي خلق جديد» : الم السجدة : 10 .


و المعنى : أنهم يتعجبون و يقولون : أ ءذا متنا و كنا ترابا - و بطلت ذواتنا بطلانا لا أثر معه منها - نبعث و نرجع ؟ ثم كان قائلا يقول لهم : مم تتعجبون ؟ فقالوا : ذلك رجع بعيد يستبعده العقل و لا يسلمه .


قوله تعالى : « قد علمنا ما تنقص الأرض منهم و عندنا كتاب حفيظ» رد منه تعالى لاستبعادهم البعث و الرجوع مستندين في ذلك إلى أنهم ستتلاشى أبدانهم بالموت فتصير ترابا متشابه الأجزاء لا تمايز لجزء منها من جزء و الجواب أنا نعلم بما تأكله الأرض من أبدانهم و تنقصه منها فلا يفوت علمنا جزء من أجزائهم حتى يتعسر علينا إرجاعه أو يتعذر بالجهل .


أو أنا نعلم من يموت منهم فيدفن في الأرض فتنقصه الأرض من جمعهم ، و « من» على أول الوجهين تبعيضية و على الثاني تبيينية .


و قوله : « و عندنا كتاب حفيظ» أي حافظ لكل شي‏ء و لآثاره و أحواله ، أو كتاب ضابط للحوادث محفوظ عن التغيير و التحريف ، و هو اللوح المحفوظ الذي فيه كل ما كان و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة .


و قول بعضهم إن المراد به كتاب الأعمال غير سديد أولا من جهة أن الله ذكره حفيظا لما تنقص الأرض منهم و هو غير الأعمال التي يحفظه كتاب الأعمال .


و ثانيا : أنه سبحانه إنما وصف في كلامه بالحفظ اللوح المحفوظ دون كتب الأعمال فحمل الكتاب الحفيظ على كتاب الأعمال من غير شاهد .


و محصل جواب الآية أنهم زعموا أن موتهم و صيرورتهم ترابا متلاشي الذرات غير متمايز الأجزاء يصيرهم مجهولي الأجزاء عندنا فيمتنع علينا جمعها و إرجاعها لكنه زعم باطل فإنا نعلم بمن مات منهم و ما يتبدل إلى الأرض من أجزاء أبدانهم و كيف يتبدل و إلى أين يصير ؟ و عندنا كتاب حفيظ فيه كل شي‏ء و هو اللوح المحفوظ .


قوله تعالى : « بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج» المرج الاختلاط و الالتباس ، و في الآية إضراب عما تلوح إليه الآية السابقة فإن اللائح منها أنهم إنما


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :340


تعجبوا من أمر البعث و الرجوع و استبعدوه لجهلهم بأن الله سبحانه عليم لا يعزب عنه شي‏ء من أحوال خلقه و آثارهم و أن جميع ذلك مستطر في اللوح المحفوظ عند الله بحيث لا يشذ عنه شاذ .


فأضرب في هذه الآية أن ذلك ليس من جهلهم و إن تجاهلوا بل كذبوا بالحق لما جاءهم فاستبان لهم أنه حق فهم جاحدون للحق معاندون له و ليسوا بجاهلين به قاصرين عن إدراكه فهم في أمر مريج مختلط غير منتظم يدركون الحق و يكذبون به مع أن لازم العلم بشي‏ء تصديقه و الإيمان به .


و قيل : المراد بكونهم في أمر مريج أنهم متحيرون بعد إنكار الحق لا يدرون ما يقولون فتارة يقولون : افتراء على الله ، و تارة : سحر ، و تارة : شعر ، و تارة : كهانة و تارة : زجر .


و لذلك عقب الكلام بذكر آيات علمه و قدرته توبيخا لهم ثم بالإشارة إلى تكذيب الأمم الماضية الهالكة الذي ساقهم إلى عذاب الاستئصال ، تهديدا لهم .


قوله تعالى : « أ فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها و زيناها و ما لها من فروج» الفروج جمع فرجة : الشقوق و الفتوق ، و تقييد السماء بكونها فوقهم للدلالة على أنها بمرأى منهم لا تغيب عن أنظارهم ، و المراد بتزيينها خلق النجوم اللامعة فيها بما لها من الجمال البديع ، فبناء هذا الخلق البديع بما لها من الجمال الرائع من غير شقوق و فتوق أصدق شاهد على قدرته القاهرة و علمه المحيط بما خلق .


قوله تعالى : « و الأرض مددناها و ألقينا فيها رواسي و أنبتنا فيها من كل زوج بهيج» مد الأرض بسطها لتلائم عيشة الإنسان ، و الرواسي جمع الراسية بمعنى الثابتة صفة محذوفة الموصوف و هو الجبال ، و المراد جعل الجبال الثابتة على ظهرها ، و البهيج من البهجة ، قال في المجمع ، : البهجة الحسن الذي له روعة عند الرؤية كالزهرة و الأشجار النضرة و الرياض الخضرة .


انتهى .


و قيل : المراد بالبهيج الذي من رآه بهج و سر به فهو بمعنى المبهوج به .


و المراد بإنبات كل زوج بهيج إنبات كل صنف حسن المنظر من النبات .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :341


فخلق الأرض و ما جرى فيها من التدبير الإلهي العجيب أحسن دليل يدل العقل على كمال القدرة و العلم .


قوله تعالى : « تبصرة و ذكرى لكل عبد منيب» مفعول له أي فعلنا ما فعلنا من بناء السماء و مد الأرض و عجائب التدبير التي أجريناها فيهما ليكون تبصرة يتبصر بها و ذكرى يتذكر بها كل عبد راجع إلى الله سبحانه .


قوله تعالى : « و أنزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات و حب الحصيد» السماء جهة العلو و الماء المبارك المطر ، وصف بالمباركة لكثرة خيراته العائدة إلى الأرض و أهلها ، و حب الحصيد المحصود من الحب و هو من إضافة الموصوف إلى الصفة ، و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « و النخل باسقات لها طلع نضيد» الباسقات جمع باسقة و هي الطويلة العالية ، و الطلع أول ما يطلع من ثمر النخيل ، و النضيد بمعنى المنضود بعضه على بعض و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « رزقا للعباد و أحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج» الرزق ما يمد به البقاء ، و « رزقا للعباد» مفعول له أي أنبتنا هذه الجنات و حب الحصيد و النخل باسقات بما لها من الطلع النضيد ليكون رزقا للعباد فمن خلق هذه النباتات ليرزق به العباد بما في ذلك من التدبير الوسيع الذي يدهش اللب و يحير العقل هو ذو علم لا يتناهى و قدرة لا تعيى لا يشق عليه إحياء الإنسان بعد موته و إن تلاشت ذرات جسمه و ضلت في الأرض أجزاء بدنه .


و قوله : « و أحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج» برهان آخر على البعث غير ما تقدم استنتج من طي الكلام فإن البيان السابق في رد استبعادهم للبعث مستندين إلى صيرورتهم ترابا غير متمايز الأجزاء كان برهانا من مسلك إثبات علمه بكل شي‏ء و قدرته على كل شي‏ء و هذا البرهان الذي يتضمنه قوله : « و أحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج» من مسلك إثبات إمكان الشي‏ء بوقوع مثله فليس الخروج من القبور بالإحياء بعد الموت إلا مثل خروج النبات الميت من الأرض بعد موتها و وقوف قواه عن النماء و النشوء .


و قد قررنا هذا البرهان في ذيل الآيات المستدلة بإحياء الأرض بعد موتها على


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :342


البعث غير مرة فيما تقدم من أجزاء الكتاب .


قوله تعالى : « كذبت قبلهم قوم نوح - إلى قوله - كل كذب الرسل فحق وعيد» ، تهديد و إنذار لهم بما كذبوا بالحق لما جاءهم و تبين لهم عنادا كما أشرنا إليه قبل .


و قد تقدم ذكر أصحاب الرس في تفسير سورة الفرقان ، و ذكر أصحاب الأيكة و هم قوم شعيب في سور الحجر و الشعراء و ص ، و ذكر قوم تبع في سورة الدخان .


و في قوله : « كل كذب الرسل فحق وعيد» إشارة إلى أن هناك وعيدا بالهلاك ينجز عندتكذيب الرسل قال تعالى : « فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» : النحل : 36 .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : خلق الله تعالى من وراء هذه الأرض بحرا محيطا بها ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له : ق السماء الدنيا مترفرفة عليه ، ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضا مثل تلك الأرض سبع مرات ثم خلق من وراء ذلك بحرا محيطا بها ، ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له ق السماء الثانية مترفرفة عليه حتى عد سبع أرضين و سبعة أبحر و سبعة أجبل و سبع سماوات . قال : و ذلك قوله : « و البحر يمده من بعده سبعة أبحر» . و فيه ، أخرج ابن المنذر و ابن مردويه و أبو الشيخ و الحاكم عن عبد الله بن بريدة في قوله تعالى : « ق» قال : جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء . و فيه ، أخرج ابن أبي الدنيا في العقوبات ، و أبو الشيخ في العظمة ، عن ابن عباس قال : خلق الله جبلا يقال له ق محيط بالعالم و عروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها و يحركها فمن ثم تحرك القرية دون القرية : أقول : و روى القمي بإسناده عن يحيى بن ميسرة الخثعمي عن الباقر (عليه‏السلام‏) :


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :343


مثل ما مر عن عبد الله بن بريدة ، و روي ما في معناه مرسلا و مضمرا و لفظه : قال : جبل محيط بالدنيا وراء يأجوج و مأجوج .


و كيفما كان لا تعويل على هذه الروايات ، و بطلان ما فيها يكاد يلحق اليوم بالبديهيات أو هو منها .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « فقال الكافرون هذا شي‏ء عجيب» قال : نزلت في أبي بن خلف قال لأبي جهل : تعال إلي أعجبك من محمد ثم أخذ عظما ففته ثم قال : يا محمد تزعم أن هذا يحيا ؟ فقال الله : بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهمفي أمر مريج» .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :344


أَ فَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِبَلْ هُمْ فى لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ(15) وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الانسنَ وَ نَعْلَمُ مَا تُوَسوِس بِهِ نَفْسهُوَ نحْنُ أَقْرَب إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشمَالِ قَعِيدٌ(17) مَّا يَلْفِظ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18) وَ جَاءَت سكْرَةُ الْمَوْتِ بِالحَْقّ‏ِذَلِك مَا كُنت مِنْهُ تحِيدُ(19) وَ نُفِخَ فى الصورِذَلِك يَوْمُ الْوَعِيدِ(20) وَ جَاءَت كلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سائقٌ وَ شهِيدٌ(21) لَّقَدْ كُنت فى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشفْنَا عَنك غِطاءَك فَبَصرُك الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22) وَ قَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَى عَتِيدٌ(23) أَلْقِيَا فى جَهَنَّمَ كلَّ كفَّارٍ عَنِيدٍ(24) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ‏(25) الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فى الْعَذَابِ الشدِيدِ(26) × قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطغَيْتُهُ وَ لَكِن كانَ فى ضلَلِ بَعِيدٍ(27) قَالَ لا تخْتَصِمُوا لَدَى وَ قَدْ قَدَّمْت إِلَيْكم بِالْوَعِيدِ(28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَ مَا أَنَا بِظلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ(29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ(30) وَ أُزْلِفَتِ الجَْنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيرَ بَعِيدٍ(31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكلّ‏ِ أَوَّابٍ حَفِيظٍ(32) مَّنْ خَشىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَ جَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ‏(33) ادْخُلُوهَا بِسلَمٍذَلِك يَوْمُ الخُْلُودِ(34) لهَُم مَّا يَشاءُونَ فِيهَا وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ(35) وَ كَمْ أَهْلَكنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشدُّ مِنهُم بَطشاً فَنَقَّبُوا فى الْبِلَدِ هَلْ مِن محِيصٍ‏(36) إِنَّ فى ذَلِك لَذِكرَى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمْعَ وَ هُوَ شهِيدٌ(37) وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ مَا بَيْنَهُمَا فى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ مَا مَسنَا مِن لُّغُوبٍ‏(38)


بيان


الآية الأولى متممة لما أورده في الآيات السابقة من الحجة على علمه و قدرته بما خلق السماء و الأرض و ما فيهما من خلق و دبر ذلك أكمل التدبير و أتمه و ذلك كله هو الخلق الأول و النشأة الأولى .


فتمم ذلك بقوله : « أ فعيينا بالخلق الأول» و استنتج منه أن القادر على الخلق الأول العالم به قادر على خلق جديد و نشأة ثانية و عالم به لأنهما مثلان إذا جاز له خلق أحدهما جاز خلق الآخر و إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :345


ثم أضرب عنه أنهم في التباس من خلق جديد مع مماثلة الخلقين ثم أشار إلى نشأة الإنسان أول مرة و هو يعلم منه حتى خطرات قلبه و عليه رقباؤه يراقبونه أدق المراقبة ثم يجيئه سكرة الموت بالحق ثم البعث ثم دخول الجنة أو النار ثم أشار ثانيا إلى ما حل بالقرون الماضية المكذبة من السخط الإلهي و عذاب الاستئصال و هم أشد بطشا من هؤلاء فمن جازاهم بالهلاك قادر على أن يجازي هؤلاء .


قوله تعالى : « أ فعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد» العي عجز يلحق من تولي الأمر و الكلام كذا ، قال الراغب : يقال : أعياني كذا و عييت بكذا أي عجزت عنه و الخلق الأول خلق هذه النشأة الطبيعية بنظامها الجاري و منها الإنسان في حياته الدنيا فلا وجه لقصر الخلق الأول في خلق السماء و الأرض فقط كما مال إليه الرازي في التفسير الكبير و لا لقصره في خلق الإنسان كما مال إليه بعضهم و ذلك لأن الخلق الجديد يشمل السماء و الأرض و الإنسان جميعا كما قال تعالى : « يوم تبدل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار» : إبراهيم : 48 .


و الخلق الجديد خلق النشأة الثانية و هي النشأة الآخرة ، و الاستفهام للإنكار .


و المعنى : أ عجزنا عن الخلق الأول حتى نعجز عن الخلق الجديد ؟ أي لم نعجز عن الخلق الأول و هو إبداؤه فلا نعجز عن الخلق الجديد و هو إعادته .


و لو أخذ العي بمعنى التعب كما مال إليه بعضهم كان المعنى : هل تعبنا بسبب الخلق الأول حتى يتعذر أو يتعسر علينا الخلق الجديد ؟ و ذلك كما أن الإنسان و سائر الحيوان إذا أتى بشي‏ء من الفعل و أكثر منه انتهي به إلى التعب البدني فيكفه ذلك عن الفعل بعد ، فما لم يأت به من الفعل لكونه تعبان مثل ما أتى لكنه لا يؤتى به لأن الفاعل لا يستطيعه لتعبه و إن كان الفعل جائزا متشابه الأمثال .


و هذا معنى لا بأس به لكن قيل : إن استعمال العي بمعنى العجز أفصح .


على أن سوق الحجة من طريق العجز يفيد استحالة الإتيان و نفيها هو المطلوب بخلاف سوقها من طريق التعب فإنه يفيد تعسره دون استحالة الإتيان و مراد النافين للمعاد استحالته دون تعسره هذا .


و قوله : « بل هم في لبس من خلق جديد» اللبس هو الالتباس ، و المراد بالخلق


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :346


الجديد تبديل نشأتهم الدنيا من نشأة أخرى ذات نظام آخر وراء النظام الطبيعي الحاكم في الدنيا فإن في النشأة الأخرى و هي الخلق الجديد بقاء من غير فناء و حياة من غير موت ثم إن كان الإنسان من أهل السعادة فله نعمة من غير نقمة و إن كان من أهل الشقاء ففي نقمة لا نعمة معها ، و النشأة الأولى و هي الخلق الأول و النظام الحاكم فيها على خلاف ذلك .


و المعنى : إذا كنا خلقنا العالم بسمائه و أرضه و ما فيهما و دبرناه أحسن تدبير لأول مرة بقدرتنا و علمنا و لم نعجز عن ذلك علما و قدرة فنحن غير عاجزين عن تجديد خلقه و هو تبديله خلقا جديدا فلا ريب في قدرتنا و لا التباس بل هم في التباس لا سبيل لهم مع ذلك إلى الإيمان بخلق جديد .


قوله تعالى : « و لقد خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب إليه من حبل الوريد» قال الراغب : الوسوسة الخطرة الرديئة و أصله من الوسواس و هو صوت الحلي و الهمس الخفي .


انتهى .


و المراد بخلق الإنسان وجوده المتدرج المتحول خلقا بعد خلق لا أول تكوينه إنسانا و إن عبر عنه بالماضي إذ قال : « و لقد خلقنا الإنسان» إذ الإنسان - و كذا كل مخلوق له حظ من البقاء - كما يحتاج إلى عطية ربه في أول وجوده كذلك يحتاج إليه في بقائه .


و لما ذكر من النكتة عطف قوله : « و نعلم ما توسوس به نفسه» و هو فعل مضارع مسوق للدلالة على الاستمرار على قوله : « و لقد خلقنا الإنسان» و هو فعل ماض لكنه مستمر المعنى ، و كذا قوله : « و نحن أقرب إليه من حبل الوريد» مفيد للثبوت و الدوام و الاستمرار باستمرار وجود الإنسان .


و للآية اتصال بما تقدم من الاحتجاج على علمه و قدرته تعالى في الخلق الأول بقوله : « أ فلم ينظروا إلى السماء» و اتصال أيضا بقوله تعالى في الآية السابقة : « بل هم في لبس من خلق جديد» فهي في سياق يذكر قدرته على الإنسان بخلقه ، و علمه به بلا واسطة و بواسطة الملائكة الحفظة الكتبة .


فقوله : « و لقد خلقنا الإنسان» - و اللام للقسم - دال على القدرة عليه بإثبات الخلق .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :347


و قوله : « و نعلم ما توسوس به نفسه» في ذكر أخفى أصناف العلم و هو العلم بالخطور النفساني الخفي إشارة إلى استيعاب العلم له كأنه قيل : و نعلم ظاهره و باطنه حتى ما توسوس به نفسه و مما توسوس به الشبهة في أمر المعاد : كيف يبعث الإنسان و قد صار بعد الموت ترابا متلاشي الأجزاء غير متميز بعضها من بعض .


وقد بان أن « ما» في « ما توسوس به» موصولة و ضمير « به» عائد إليه و الباء للآلة أو للسببية ، و نسب الوسوسة إلى النفس دون الشيطان و إن كانت منسوبة إليه أيضا لأن الكلام في إحاطة العلم بالإنسان حتى بما في زوايا نفسه من هاجس و وسوسة .


و قوله : « و نحن أقرب إليه من حبل الوريد» الوريد عرق متفرق في البدن فيه مجاري الدم ، و قيل : هو العرق الذي في الحلق ، و كيف كان فتسميته حبلا لتشبيهه به ، و إضافة حبل الوريد بيانية .


و المعنى : نحن أقرب إلى الإنسان من حبل وريده المخالط لأعضائه المستقر في داخل بدنه فكيف لا نعلم به و بما في نفسه .


و هذا تقريب للمقصود بجملة ساذجة يسهل تلقيها لعامة الأفهام و إلا فأمر قربه تعالى إليه أعظم من ذلك و أعظم فهو سبحانه الذي جعلها نفسا و رتب عليها آثارها فهو الواسطة بينها و بين نفسها و بينها و بين آثارها و أفعالها فهو أقرب إلى الإنسان من كل أمر مفروض حتى في نفسه ، و لكون هذا المعنى دقيقا يشق تصوره على أكثر الأفهام عدل سبحانه إلى بيانه بنحو قوله : « و نحن أقرب إليه من حبل الوريد» و قريب منه بوجه قوله : « إن الله يحول بين المرء و قلبه» .


و لهم في معنى الآية وجوه كثيرة أخر لا جدوى في نقلها و البحث عنها من أرادها فليراجع كتبهم .


قوله تعالى : « إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين و عن الشمال قعيد» التلقي الأخذ و التلقن ، و المراد بالمتلقيان على ما يفيده السياق الملكان الموكلان على الإنسان اللذان يتلقيان عمله فيحفظانه بالكتابة .


و قوله : « عن اليمين و عن الشمال قعيد» تقديره عن اليمين قعيد و عن الشمال قعيد ، و المراد باليمين و الشمال يمين الإنسان و شماله ، و القعيد القاعد .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :348


و الظرف في قوله : « إذ يتلقى المتلقيان» الظاهر أنه متعلق بمحذوف و التقدير اذكر إذ يتلقى المتلقيان ، و المراد به الإشارة إلى علمه تعالى بأعمال الإنسان من طريق كتاب الأعمال من الملائكة وراء علمه تعالى بذاته من غير توسط الوسائط .


و قيل : الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة : « أقرب» و المعنى : نحن أقرب إليه من حبل الوريد في حين يتلقى الملكان الموكلان عليه أعماله ليكتباها .


و لعل الوجه السابق أوفق للسياق فإن بناء هذا الوجه على كون العمدة في الغرض بيان أقربيته تعالى إليه و علمه به و الباقي مقصود لأجله ، و ظاهر السياق و خاصة بالنظر إلى الآية التالية كون كل من العلم من طريق القربو من طريق تلقي الملكين مقصودا بالاستقلال .


و قيل : « إذ» تعليلية تعلل علمه تعالى المدلول عليه بقوله : « و نحن أقرب إليه» إلخ ، بمفاد مدخولها .


و فيه أن من البعيد من مذاق القرآن أن يستدل على علمه تعالى بعلم الملائكة أو بحفظهم و كتابتهم .


و قوله : « عن اليمين و عن الشمال قعيد» تمثيل لموقعهما من الإنسان ، و اليمين و الشمال جانبا الخير و الشر ينتسب إليهما الحسنة و السيئة .


قوله تعالى : « ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد» اللفظ الرمي سمي به التكلم بنوع من التشبيه ، و الرقيب المحافظ ، و العتيد المعدالمهيأ للزوم الأمر .


و الآية تذكر مراقبة الكتبة للإنسان فيما يتكلم به من كلام ، و هي بعد قوله : « إذ يتلقى المتلقيان» إلخ ، من ذكر الخاص بعد العام لمزيد العناية به .


قوله تعالى : « و جاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد» الحيد العدول و الميل على سبيل الهرب ، و المراد بسكرة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع إذ يشتغل بنفسه و ينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدري ما يقول و لا ما يقال له .


و في تقييد مجي‏ء سكرة الموت بالحق إشارة إلى أن الموت داخل في القضاء الإلهي مراد في نفسه في نظام الكون كما يستفادمن قوله تعالى : « كل نفس ذائقة الموت و نبلوكم بالشر و الخير فتنة و إلينا ترجعون» : الأنبياء : 35 ، و قد مر تفسيره فالموت - و هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :349


الانتقال من هذه الدار إلى دار بعدها - حق كما أن البعث حق و الجنة حق و النار حق ، و في معنى كون الموت بالحق أقوال أخر لا جدوى في نقلها و التعرض لها .


و في قوله : « ذلك ما كنت منه تحيد» إشارة إلى أن الإنسان يكره الموت بالطبع و ذلك أن الله سبحانه زين الحياة الدنيا و التعلق بزخارفها للإنسان ابتلاء و امتحانا ، قال تعالى : « إنا جعلنا ماعلى الأرض زينة لها لنبلوكم أيكم أحسن عملا و إنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا» : الكهف : 8 .


قوله تعالى : « و نفخ في الصور ذلك يوم الوعيد» هذه نقلة ثانية إلى عالم الخلود بنفخ الصور بعد النقلة الأولى ، و المراد بنفخ الصور النفخة الثانية المقيمة للساعة أو مجموع النفختين بإرادة مطلق النفخ .


و المراد بيوم الوعيد يوم القيامة الذي ينجز الله تعالى فيه وعيده على المجرمين من عباده .


قوله تعالى : « و جاءت كل نفس معها سائق و شهيد» السياقة حث الماشية على المسير من خلفها بعكس القيادة فهي جلبها من أمامها .


فقوله : « و جاءت كل نفس» أي جاءت إلى الله و حضرت عنده لفصل القضاء ، و الدليل عليه قوله تعالى : « إلى ربك يومئذ المساق» : القيامة : 30 .


و المعنى : و حضرت عنده تعالى كل نفس معها سائق يسوقها و شاهد يشهد بأعمالها و لم يصرح تعالى بكونهما من الملائكة أو بكونهما هما الكاتبين أو من غير الملائكة ، غير أن السابق إلى الذهن من سياق الآيات أنهما من الملائكة ، و سيجي‏ء الروايات في ذلك .


و كذا لا تصريح بكون الشهادة منحصرة في هذا الشاهد المذكور في الآية بل الآيات الواردة في شهداء يوم القيامة تقضي بعدم الانحصار ، و كذا الآيات التالية الذاكرة لاختصام الإنسان و قرينة دالة على أن مع الإنسان يومئذ غير السائق و الشهيد .


قوله تعالى : « لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد» وقوع الآية في سياق آيات القيامة و احتفافها بها يقضي بكونها من خطابات يوم القيامة ، و المخاطب بها هو الله سبحانه ، و الذي خوطب بها هو الإنسان المذكور


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :350


في قوله : « و جاءت كل نفس» و عليه فالخطاب عام متوجه إلى كل إنسان إلا أن التوبيخ و التقريع اللائح من سياق الآية ربما استدعى اختصاص الخطاب بمنكريالمعاد ، أضف إلى ذلك ، كون الآيات مسوقة لرد منكري المعاد في قولهم : « أ ءذا متنا و كنا ترابا ذلك رجع بعيد» .


و الإشارة بقوله : « هذا» إلى ما يشاهده يومئذ و يعاينه من تقطع الأسباب و بوار الأشياء و رجوع الكل إلى الله الواحد القهار ، و قد كان تعلق الإنسان في الدنيا بالأسباب الظاهرية و ركونه إليها أغفله عن ذلك حتى إذا كشف الله عنه حجاب الغفلة فبدت له حقيقة الأمر فشاهد ذلك مشاهدة عيان لا علما فكريا .


و لذا خوطب بقوله : « لقد كنت» في الدنيا « في غفلة» أحاطت بك « من هذا» الذي تشاهده و تعاينه و إن كان في الدنيا نصب عينيك لا يغيب لكن تعلقك بذيل الأسباب أذهلك و أغفلك عنه « فكشفنا عنك غطاءك» اليوم « فبصرك» و هو البصيرة و عين القلب « اليوم» و هو يوم القيامة « حديد» أي نافذ يبصر ما لم يكن يبصره في الدنيا .


و يتبين بالآية أولا : أن معرف يوم القيامة أنه يوم ينكشف فيه غطاء الغفلة عن الإنسان فيشاهد حقيقة الأمر ، و في هذا المعنى و ما يقرب منه آيات كثيرة كقوله تعالى : « و الأمر يومئذ لله» : الانفطار : 19 ، و قوله : « لمن الملك اليوم لله الواحد القهار» : المؤمن : 16 ، إلى غير ذلك من الآيات .


و ثانيا : أن ما يشاهده الإنسان يوم القيامة موجود مهيأ له و هو في الدنيا غير أنه في غفلة منه ، و خاصة يوم القيامة أنه يوم انكشاف الغطاء و معاينة ما وراءه ، و ذلك لأن الغفلة إنما يتصور فيما يكون هناك أمر موجود مغفول عنه ، و الغطاء يستلزم أمرا وراءه و هو يغطيه و يستره ، و عدم حدة البصر إنما ينفع فيما إذا كان هناك مبصر دقيق لا ينفذ فيه البصر .


و من أسخف القول ما قيل : إن الآية خطاب منه تعالى لنبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و المعنى : لقد كنت قبل الرسالة في غفلة من هذا الذي نوحي إليك فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد يدرك الوحي أو يبصر ملك الوحي فيتلقى الوحي ، و ذلك لأن السياق لا يساعده و لا لفظ الآية ينطبق عليه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :351


قوله تعالى : « و قال قرينه هذا ما لدي عتيد» لا يخلو السياق من ظهور في أن المراد بهذا القرين الملك الموكل به فإن كان هو السائق كان معنى قوله : « هذا ما لدي عتيد» هذا الإنسان الذي هو عندي حاضر ، و إن كان هو الشهيد كان المعنى هذا - و هو يشير إلى أعماله التي حمل الشهادة عليها - ما عندي من أعماله حاضر مهيأ .


و قيل : المراد بالقرين الشيطان الذي يصاحبه و يغويه ، و معنى كلامه على هذا هذا الإنسان هو الذي توليت أمره و ملكته حاضر مهيأ لدخول جهنم .


قوله تعالى : « ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب» الكفار اسم مبالغة من الكفر ، و العنيد المعاند للحق المستمر على عناده ، و المعتدي المتجاوز عن الحد المتخطى‏ء للحق ، و المريب الشاك أو المشكك في أمر البعث .


و بين هذه الصفات المعدودة شبه الاستلزام فإن كثرة الكفر برد الإنسان كل حق يواجهه تنتج العناد مع الحق و الإصرار عليه ، و الإصرار على العناد يوجب المنع عن أكثر الخيرات إذ لا خير إلا في الحق و من ناحيته ، و هو يستلزم الخروج عن حد الحق إلى الباطل و تجاوز الإنسان عن حد العبودية إلى الاستكبار و الطغيان و يستلزم تشكيك الناس في ما يرومونه من دين الحق .


و الخطاب في الآية منه تعالى ، و ظاهر سياق الآيات أن المخاطب به هما الملكان الموكلان السائق و الشهيد ، و احتمل بعضهم أن يكون الخطاب إلى ملكين من ملائكة النار و خزنتها .


قوله تعالى : « الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد» العدول في ذكر صفة الشرك عن الإيجاز إلى الإطناب حيث لم يقل : مشرك و قال : « الذي جعل» إلخ ، للإشارة إلى أن هذه الصفة أعظم المعاصي و أم الجرائم التي أتى بها و الصفات الرذيلة التي عدت له من الكفر و العناد و منع الخير و الاعتداء و الإرابة .


و قوله : « فألقياه في العذاب الشديد» تأكيد لما تقدم من الأمر بقوله : « ألقيا» إلخ ، و يلوح إلى تشديد الأمر من جهة الشرك ، و لذا عقبه بقوله : « في العذاب الشديد» .


قوله تعالى : « قال قرينه ربنا ما أطغيته و لكن كان في ضلال بعيد» المراد بهذا القرين قرينه من الشياطين بلا شك ، و قد تكرر في كلامه تعالى ذكر القرين من الشيطان


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :352


و هو الذي يلازم الإنسان و يوحي إليه ما يوحي من الغواية و الضلال ، قال تعالى : « و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين و إنهم ليصدونهم عن السبيل و يحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين» : الزخرف : 38 .


فقوله : « قال قرينه» أي شيطانه الذي يصاحبه و يغويه « ربنا» أضاف الرب إلى نفسه و الإنسان الذي هو قرينه لأنهما في مقام الاختصام « ما أطغيته» أي ما أجبرته على الطغيان « و لكن كان في ضلال بعيد» أي متهيئا مستعدا لقبول ما ألقيته إليه تلقاه باختياره فما أنا بمسئولين عن ذنبه في طغيانه .


و قد تقدم في سورة الصافات تفصيل اختصام الظالمين و أزواجهم في قوله : « احشروا الذين ظلموا و أزواجهم» : الصافات : 22 ، إلى آخر الآيات .


قوله تعالى : « قال لا تختصموا لدي و قد قدمت إليكم بالوعيد» القائل هو الله سبحانه يخاطبهم و كأنه خطاب واحد لعامة المشركين الطاغين و قرنائهم ينحل إلى خطابات جزئية لكل إنسان و قرينه بمثل قولنا : لا تختصما لدي ، إلخ .


و قوله : « و قد قدمت إليكم بالوعيد» حال من فاعل « لا تختصموا» و « بالوعيد» مفعول « قدمت» و الباء للوصلة .


و المعنى : لا تختصموا لدي فلا نفع لكم فيه بعد ما أبلغتكم وعيدي لمن أشرك و ظلم ، و الوعيد الذي قدمه إليهم مثل قوله تعالى لإبليس : « اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا» : إسراء : 63 ، و قوله : « فالحق و الحق أقول لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين» : ص : 85 .


أو قوله : « لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين» : السجدة : 13 .


قوله تعالى : « ما يبدل القول لدي و ما أنا بظلام للعبيد» الذي يعطيه السياق أن تكون الآية استئنافا بمنزلة الجواب عن سؤال مقدر كان قائلا يقول : هب أنك قد قدمت فهلا غيرته و عفوت ؟ فأجيب بقوله : « ما يبدل القول لدي» و المراد بالقول مطلق القضاء المحتوم الذي قضى به الله ، و قد قضى لمن مات على الكفر بدخول جهنم و ينطبق بحسب المورد على الوعيد الذي أوعده الله لإبليس و من تبعه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :353


فقد بان أن الجملة مستأنفة ، و المراد بتبديل القول تغيير القضاء المحتوم ، و « لدي» متعلق بالتبديل ، هذا ما يعطيه السياق ، و قد ذكر بعضهم في هذه الجملة و إعراب مفرداتها و معنى تبديل القول وجوها و احتمالات كثيرة بعيدة عن الفهم لا تزيد في الكلام إلا تعقيدا فأغمضنا عن إيرادها .


و قوله : « و ما أنا بظلام للعبيد»متمم لمعنى الجملة السابقة أي لا يبدل قولي فأنتم معذبون لا محالة و لست أظلم عبيدي في عذابهم على طبق ما قدمت إليهم بالوعيد لأنهم مستحقون لذلك بعد إتمام الحجة .


و من وجه آخر : لا ظلم في مجازاتهم بالعذاب فإنهم إنما يجزون بأعمالهم التي قدموها في أعمالهم ردت إليهم كما هو ظاهر قوله تعالى : « يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون» : التحريم : 7 .


و ما في قوله : « و ما أنا بظلام» من نفي الظلم الكثير لا يستوجب جواز الظلم اليسير فإنه تعالى لو ظلم في شي‏ء من الجزاء كان ظلما كثيرا لكثرة أمثاله فإن الخطاب لكل إنسان مشرك ظالم مع قرينه ، و هم كثيرون فهو سبحانه لو ظلم في شي‏ء من الجزاء لكان ظلاما .


قوله تعالى : « يوم نقول لجهنم هل امتلأت و تقول هل من مزيد» خطاب منه تعالى لجهنم و جواب منها ، و قد اختلف في حقيقة هذا التكليم و التكلم فقيل : الخطاب و الجواب بلسان الحال و يرده أنه لو كان بلسان الحال لم يختص به تعالى بل كان لكل من يشاهدها على تلك الحال أن يسألها عن امتلائها فتجيبه بقولها : هل من مزيد ؟ فليس لتخصيص الخطاب به تعالى نكتة ظاهرة .


و قيل : حقيقة الخطاب لخزنة جهنم و الجواب منهم و إن كانا نسبا إلى جهنم و فيه أنه خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بدليل .


و قيل : الخطاب و الجواب على ظاهره ، و لا دليل يدل على عدم الجواز ، و قد أخبر الله سبحانه عن تكليم الأيدي و الأرجل و الجلود و غيرها ، و هو الوجه و قد تقدم في تفسير سورة فصلت أن العلم و الشعور سار في جميع الموجودات .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :354


و قوله : « هل امتلأت» استفهام تقريري ، و كذا قوله حكاية عنها : « هل من مزيد» و لعل إيراد هذا السؤال و الجواب للإشارة إلى أن قهره و عذابه لا يقصر عن الإحاطة بالمجرمين و إيفاء ما يستحقونه من الجزاء قال تعالى : « و إن جهنم لمحيطة بالكافرين» : التوبة : 49 .


و استشكل بأنه مناف لصريح قوله تعالى : « لأملأن جهنم» الآية و أجيب بأن الامتلاء قد يراد به أنه لا يخلو شي‏ء من طبقاتها من السكنة كما يقال : البلد ممتلى‏ء بأهله .


على أنه يمكن أن يكون هذا القول منها قبل دخول جميع أهل النار فيها .


و قيل : الاستفهام في قوله : « هل من مزيد» للإنكار و المعنى : لا مزيد أي لا مكان في يزيد على من ألقي في من المجرمين فقد امتلأت فيكون إشارة إلى ما قضى به في قوله : « لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين» : السجدة : 13 ، و قوله : « هل امتلأت» في معنى أن يقال : « حق القول مني لأملأن جهنم» ، و قوله : « هل من مزيد» تقرير و تصديق له .


و ربما أيد هذا الوجه قوله تعالى قبل : « ما يبدل القول لدي» على تقدير أن يراد بالقول قوله تعالى : « لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين» .


قوله تعالى : « و أزلفت الجنة للمتقين غير بعيد» شروع في وصف حال المتقين يوم القيامة ، و الإزلاف التقريب ، و « غير بعيد» على ما قيل صفة لظرف محذوف و التقدير في مكان غير بعيد .


و المعنى : و قربت الجنة يومئذ للمتقين حال كونها في مكان غير بعيد أي هي بين أيديهم لا تكلف لهم في دخولها .


قوله تعالى : « هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ» الإشارة إلى ما تقدم من الثواب الموعود ، و الأواب من الأوب بمعنى الرجوع ، و المراد كثرة الرجوع إلى الله بالتوبة و الطاعة ، و الحفيظ هو الذي يدوم على حفظ ما عهد الله إليه من أن يترك فيضيع ، و قوله : « لكل أواب حفيظ» خبر بعد خبر لهذا أو حال .


قوله تعالى : « من خشي الرحمن بالغيب و جاء بقلب منيب» بيان لكل أواب و الخشية بالغيب الخوف من عذاب الله حال كونه غائبا غير مرئي له ، و الإنابة هو


الميزان في تفسير القرآن ج:18ص:355


الرجوع ، و المجي‏ء إلى ربه بقلب منيب أن يتم عمره بالإنابة فيأتي ربه بقلب متلبس بالإنابة .


قوله تعالى : « ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود» خطاب للمتقين أي يقال لهم : ادخلوا بسلام أي بسلامة و أمن من كل مكروه و سوء ، أو بسلام من الله و ملائكته عليكم ، و قوله : « ذلك يوم الخلود» بشرى يبشرون بها .


قوله تعالى : « لهم ما يشاءون فيها و لدينا مزيد» يمكن أن يكون « فيها» متعلقا بيشاءون أو بمحذوف هو حال من الموصول ، و التقدير : حال كون ما يشاءون فيها أو من الضمير المحذوف الراجع إلى الموصول ، و التقدير : ما يشاءونه حال كونه فيها ، و الأول أوفق لسعة كرامتهم عند الله سبحانه .


و المحصل : أن أهل الجنة و هم في الجنة يملكون كل ما تعلقت به مشيتهم و إرادتهم كائنا ما كان من غير تقييد و استثناء فلهم كلما أمكن أن يتعلق به الإرادة و المشية لو تعلقت .


و قوله : « و لدينا مزيد» أي و لهم عندنا ما يزيد على ذلك - على ما يفيده السياق - و إذ كان لهم كل ما أمكن أن تتعلق به مشيتهم مما يتعلق به علمهم من المطالب و المقاصد فالمزيد على ذلك أمر أعظم مما تتعلق به مشيتهم لكونه فوق ما يتعلق به علمهم من الكمال .


و قيل : المراد بالمزيد الزيادة على ما يشاءون من جنس ما يشتهون فإذا شاءوا رزقا أعطوا منه أكثر مما شاءوا و أفضل و أعجب كما ورد عن بعضهم أنه تمر بهم السحابة فتقول : ما ذا تريدون فأمطره عليكم فلا يريدون شيئا إلا أمطرته عليهم .


و فيه أنه تقييد لإطلاق الكلام من غير مقيد فإن ظاهر قوله : « لهم ما يشاءون فيها» إنهم يملكون كل ما يمكنهم أن يشاءوا لا تملكهم ما شاءوه بالفعل فالمزيد وراء ما يمكن أن تتعلق به مشيتهم .


و قيل : المراد أنه يضاعف لهم الحسنة بعشر أمثالها و فيه ما في سابقه .


قوله تعالى : « و كم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص» التنقيب السير ، المحيص المحيد و المنجا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :356


و في الآية تذييل الاحتجاج بخلق الإنسان و العلم به و بيان سيره إلى الله بالتخويف و الإنذار نظير ما جرى عليه الكلام في صدر السورة من الاحتجاج على المعاد و تذييله بالتخويف و الإنذار في قوله : « كذبت قبلهم قوم نوح و أصحاب الرس و ثمود» إلخ .


و المعنى : و كثيرا ما أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قرن هم أي أهل ذلك القرن أشد بطشا منهم أي من هؤلاء المشركين فساروا ببطشهم في البلاد ففتحوها و تحكموا عليها هل من محيد و منجا من إهلاك الله و عذابه ؟ .


قوله تعالى : « إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد» القلب ما يعقل به الإنسان فيميز الحق من الباطل و الخير من الشر و النافع من الضار ، فإذا لم يعقل و لم يميز فوجوده بمنزلة عدمه إذ ما لا أثر له فوجوده و عدمه سواء ، و إلقاء السمع هو الاستماع كأن السمع شي‏ء يلقى إلى المسموع فيناله و يدركه و الشهيد الحاضر المشاهد .


و المعنى : أن فيما أخبرنا به من الحقائق و أشرنا إليه من قصص الأمم الهالكة لذكرى يتذكر بها من كان يتعقل فيدرك الحق و يختار ما فيه خيره و نفعه أو استمع إلى حق القول و لم يشتغل عنه بغيره و الحال أنه شاهد حاضر يعي ما يسمعه .


و الترديد بين من كان له قلب و من استمع شهيدا لمكان أن المؤمن بالحق أحد رجلين إما رجل ذو عقل يمكنه أن يتناول الحق فيتفكر فيه و يرى ما هو الحق فيذعن به ، و إما رجل لا يقوى على التفكر حتى يميز الحق و الخير و النافع فعليه أن يستمع القول فيتبعه ، و أما من لا قلب له يعقل به و لا يسمع شهيدا على ما يقال له و يلقى إليه من الرسالة و الإنذار فجاهل متعنت لا قلب له و لا سمع ، قال تعالى : « و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير» : الملك : 10 .


قوله تعالى : « و لقد خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام و ما مسنا من لغوب» اللغوب التعب و النصب ، و المعنى ظاهر .


بحث روائي


في التوحيد ، بإسناده إلى عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد قال : سألت أبا جعفر


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :357


(عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « أ فعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد» قال : يا جابر تأويل ذلك أن الله عز و جل إذا أفنى هذا الخلق و هذا العالم و سكن أهل الجنة الجنة و أهل النار النار جدد الله عالما غير هذا العالم و جدد خلقا من غير فحولة و لا إناث يعبدونه و يوحدونه و خلق لهم أرضا غير هذه الأرض تحملهم ، و سماء غير هذه السماء تظلهم . لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد أو ترى أن الله لم يخلق بشرا غيركم بلى و الله لقد خلق ألف ألف عالم و ألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم و أولئك الآدميين : . أقول : و روي في الخصال ، الشطر الأول من الحديث بإسناده عن محمد بن مسلم عنه (عليه‏السلام‏) ، و لعل المراد بكون ما ذكر تأويل الآية أنه مما ينطبق عليه .


و عن جوامع الجامع ، عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : كاتب الحسنات على يمين الرجل و كاتب السيئات على شماله ، و صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال : فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا و إذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر .


أقول : و في معناها روايات أخرى ، و روي ست ساعات بدل سبع ساعات .


و في نهج البلاغة ، : « و جاءت كل نفس معها سائق و شهيد» سائق يسوقها إلى محشرها و شاهد يشهد عليها بعملها . و في المجمع ، و روى أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن الأعمش قال : حدثنا أبو المتوكل التاجر عن أبي السعيد الخدري قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إذا كان يوم القيامة يقول الله لي و لعلي : ألقيا في النار من أبغضكما ، و أدخلا في الجنة من أحبكما و ذلك قوله : « ألقيا في جهنم كل كفار عنيد» : . أقول : و رواه شيخ الطائفة في أماليه ، بإسناده عن أبي سعيد الخدري عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) . و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت و ابن أبي حاتم و أبو نعيم في الحلية ، عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : إن ابن آدم لفي غفلة عما خلق له إن الله إذا أراد خلقه قال للملك : اكتب رزقه . اكتب أثره . اكتب


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :358


أجله شقيا أم سعيدا ثم يرتفع ذلك الملك و يبعث الله ملكا فيحفظه حتى يدرك ثم يرتفع ذلك الملك . ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته و سيئاته فإذا حضره الموت ارتفع ذلك الملكان و جاء ملك الموت ليقبض روحه فإذا أدخل قبره رد الروح في جسده و جاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان . فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات و ملك السيئات فبسطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائق و آخر شهيد . ثم قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إن قدامكم لأمرا عظيما لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم . و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « يوم نقول لجهنم هل امتلأت - و تقول هل من مزيد» قال : هو استفهام لأن الله وعد النار أن يملأها فتمتلى‏ء النار ثم يقول لها : هل امتلأت ؟ و تقول : هل من مزيد ؟ على حد الاستفهام أي ليس في مزيد .


أقول : بناؤه على كون الاستفهام إنكاريا .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن جرير و ابن مردويه و البيهقي في الأسماء و الصفات عن أنس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لا تزال جهنم يلقى فيها و تقول : هل من مزيد ؟ حتى تضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض و تقول : قط قط و عزتك و كرمك . و لا يزال في الجنة فضل حتى ينشى‏ء الله لها خلقا آخر فيسكنهم في قصور الجنة .


أقول : وضع القدم على النار و قولها : قط قط مروي في روايات كثيرة من طرق أهل السنة .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « لهم ما يشاءون فيها و لدينا مزيد» قال : النظر إلى رحمة الله . و في الدر المنثور ، أخرج البزاز و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و اللالكائي في السنة و البيهقي في البعث و النشور عن أنس في قوله تعالى : « و لدينا مزيد» قال : يتجلى لهم الرب عز و جل .


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :359


و في الكافي ، بعض أصحابنا رفعه عن هشام بن الحكم قال : قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه‏السلام‏) : يا هشام إن الله يقول في كتابه : « إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب» يعني عقل . و في الدر المنثور ، أخرج الخطيب في تاريخه ، عن العوام بن حوشب قال : سألت أبا مجلز عن الرجل يجلس فيضع إحدى رجليه على الأخرى فقال : لا بأس به إنما كره ذلك اليهود زعموا أن الله خلق السماوات و الأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السبت فجلس تلك الجلسة فأنزل الله « و لقد خلقنا السماوات و الأرض - و ما بينهما في ستة أيام و ما مسنا من لغوب» . أقول : و روي هذا المعنى عن الضحاك و قتادة ، و روى هذا المعنى المفيد في روضة الواعظين ، في رواية ضعيفة ، و أصل تقسيم خلق الأشياء إلى ستة من أيام الأسبوع واقع في التوراة ، و القرآن و إن كرر ذكر خلق الأشياء في ستة أيام لكنه لم يذكر كون هذه الأيام هي أيام الأسبوع و لا لوح إليه .


و على هذه الروايات اعتمد من قال : إن الآية مدنية ، و لا دلالة في ردها قول اليهود أن تكون نازلة بالمدينة ، و في الآيات المكية ما تعرض سبحانه فيه لشأن اليهود كما في سورة الأعراف و غيرها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :360


فَاصبرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَ سبِّحْ بحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طلُوع الشمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ‏(39) وَ مِنَ الَّيْلِ فَسبِّحْهُ وَ أَدْبَرَ السجُودِ(40) وَ استَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكانٍ قَرِيبٍ‏(41) يَوْمَ يَسمَعُونَ الصيْحَةَ بِالْحَقّ‏ِذَلِك يَوْمُ الخُْرُوج‏(42) إِنَّا نحْنُ نُحْىِ وَ نُمِيت وَ إِلَيْنَا الْمَصِيرُ(43) يَوْمَ تَشقَّقُ الأَرْض عَنهُمْ سِرَاعاًذَلِك حَشرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ(44) نحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَوَ مَا أَنت عَلَيهِم بجَبَّارٍفَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يخَاف وَعِيدِ(45)


بيان


خاتمة السورة يأمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيها أن يصبر على ما يقولون مما يرمونه بنحو السحر و الجنون و الشعر ، و ما يتعنتون به باستهزاء المعاد و الرجوع إلى الله تعالى فيأمره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالصبر و أن يعبد ربه بتسبيحه و أن يتوقع البعث بانتظار الصيحة ، و أن يذكر بالقرآن من يخاف الله بالغيب .


قوله تعالى : « فاصبر على ما يقولون و سبح بحمد ربكقبل طلوع الشمس و قبل الغروب» تفريع على جميع ما تقدم من إنكار المشركين للبعث ، و من تفصيل القول في البعث و الحجة عليه ، و من وعيد المنكرين له المكذبين للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تهديدهم بمثل ما جرى على المكذبين من الأمم الماضية .


و قوله : « و سبح بحمد ربك» إلخ ، أمر بتنزيهه تعالى عما يقولون مصاحبا للحمد و محصله إثبات جميل الفعل له و نفي كل نقص و شين عنه تعالى ، و التسبيح قبل طلوع الشمس يقبل الانطباق على صلاة الصبح ، و التسبيح قبل الغروب يقبل الانطباق على صلاة العصر أو عليها و على صلاة الظهر .


قوله تعالى : « و من الليل فسبحه و أدبار السجود» أي و من الليل فسبحه فيه ، و يقبل الانطباق على صلاتي المغرب و العشاء .


و قوله : « و أدبار السجود» الأدبار جمع دبر و هو ما ينتهي إليه الشي‏ء و بعده ، و كان المراد بأدبار السجود بعد الصلوات فإن السجود آخر الركعة من الصلاة فينطبق على التعقيب بعد الصلوات ، و قيل : المراد به النوافل بعد الفرائض ، و قيل : المراد به الركعتان أو الركعات بعد المغرب و قيل : ركعة الوتر في آخر الليل .


قوله تعالى : « و استمع يوم يناد المناد من مكان قريب» فسروا الاستماع بمعان مختلفة و الأقرب أن يكون مضمنا معنى الانتظار و « يوم يناد المناد» مفعوله و المعنى :


الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :361


و انتظر يوما ينادي فيه المنادي ملقيا سمعك لاستماع ندائه ، و المراد بنداء المنادي نفخ صاحب الصور في الصور على ما تفيده الآية التالية .


و كون النداء من مكان قريب لإحاطته بهم فيقع في سمعهم على نسبة سواء لا تختلف بالقرب و البعد فإنما هو نداء البعث و كلمة الحياة .


قوله تعالى : « يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج» بيان ليوم ينادي المنادي ، و كون الصيحة بالحق لأنها مقضية قضاء محتوما كما مر في قوله : « و جاءت سكرة الموت بالحق» الآية .


و قوله : « ذلك يوم الخروج» أي يوم الخروج من القبور كما قال تعالى : « يوم يخرجون من الأجداث سراعا» : المعارج : 43 .


قوله تعالى : « إنا نحن نحيي و نميت و إلينا المصير» المراد بالإحياء إفاضة الحياة على الأجساد الميتة في الدنيا ، و بالإماتة الإماتة في الدنيا و هي النقل إلى عالم القبر ، و بقوله : « و إلينا المصير» الإحياء بالبعث في الآخرة على ما يفيده السياق .


قوله تعالى : « يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير» أصل « تشقق» تتشقق أي تتصدع عنهم فيخرجون منها مسارعين إلى الداعي .


و قوله : « ذلك حشر علينا يسير» أي ما ذكرنا من خروجهم من القبور المنشقة عنهم سراعا جمع لهم علينا يسير .


قوله تعالى : « نحن أعلم بما يقولون و ما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» في مقام التعليل لقوله : « فاصبر على ما يقولون» الآية ، و الجبار المتسلط الذي يجبر الناس على ما يريد .


و المعنى : فاصبر على ما يقولون و سبح بحمد ربك و انتظر البعث فنحن أعلم بما يقولون سنجزيهم بما عملوا و لست أنت بمتسلط جبار عليهم حتى تجبرهم على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله و اليوم الآخر و إذا كانت حالهم هذه الحال فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي .



الميزان في تفسير القرآن ج : 18ص :362


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج الطبراني في الأوسط ، و ابن عساكر عن جرير بن عبد الله عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله : « و سبح بحمد ربك - قبل طلوع الشمس و قبل الغروب» قبل طلوع الشمس صلاة الصبح ، و قبل الغروب صلاة العصر . و في المجمع ، روي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) أنه سئل عن قوله : « و سبح بحمد ربك - قبل طلوع الشمس و قبل الغروب» فقال : تقول حين تصبح و حين تمسي عشر مرات : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شي‏ء قدير .


أقول : هو مأخوذ من إطلاق التسبيح في الآية و إن كان خصوص مورده صلاتي الصبح و العصر فلا منافاة .


و في الكافي ، بإسناده عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : قلت : « و أدبار السجود» قال : ركعات بعد المغرب : . أقول : و رواه القمي في تفسيره ، بإسناده عن ابن أبي نصر عن الرضا (عليه‏السلام‏) و لفظه قال : أربع ركعات بعد المغرب .


و في الدر المنثور ، أخرج مسدد في مسنده ، و ابن المنذر و ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال : سألت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن أدبار النجوم و السجود فقال : أدبار السجود الركعتان بعد المغرب ، و أدبار النجوم الركعتان قبل الغداة : . أقول : و روي مثله عن ابن عباس و عمر عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و أسنده في مجمع البيان ، إلى الحسن بن علي (عليهماالسلام‏) أيضا عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» قال : ذكر يا محمد ما وعدناه من العذاب

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :