امروز:
جمعه 31 شهريور 1396
بازدید :
653
تفسيرالميزان : سوره نجم آيات 62- 1


53-سورة النجم مكية و هي اثنان و ستون آية 62


سورة النجم‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى‏(1) مَا ضلَّ صاحِبُكمْ وَ مَا غَوَى‏(2) وَ مَا يَنطِقُ عَنِ الهَْوَى‏(3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْىٌ يُوحَى‏(4) عَلَّمَهُ شدِيدُ الْقُوَى‏(5) ذُو مِرَّةٍ فَاستَوَى‏(6) وَ هُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى‏(7) ثمَّ دَنَا فَتَدَلى‏(8) فَكانَ قَاب قَوْسينِ أَوْ أَدْنى‏(9) فَأَوْحَى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى‏(10) مَا كَذَب الْفُؤَادُ مَا رَأَى‏(11) أَ فَتُمَرُونَهُ عَلى مَا يَرَى‏(12) وَ لَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى‏(13) عِندَ سِدْرَةِ المُْنتَهَى‏(14) عِندَهَا جَنَّةُ المَْأْوَى‏(15) إِذْ يَغْشى السدْرَةَ مَا يَغْشى‏(16) مَا زَاغَ الْبَصرُ وَ مَا طغَى‏(17) لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبرَى‏(18)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 26


بيان


غرض السورة تذكير الأصول الثلاثة : وحدانيته تعالى في ربوبيته و المعاد و النبوة فتبدأ بالنبوة فتصدق الوحي إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تصفه ثم تتعرض للوحدانية فتنفي الأوثان و الشركاء أبلغ النفي ثم تصف انتهاء الخلق و التدبير إليه تعالى من إحياء و إماتة و إضحاك و إبكاء و إغناء و إقناء و إهلاك و تعذيب و دعوة و إنذار ، و تختم الكلام بالإشارة إلى المعاد و الأمر بالسجدة و العبادة .


و السورة مكية بشهادة سياق آياتها و لا يصغي إلى قول بعضهم بكون بعض آياتها أو كلها مدنية ، و قد قيل : إنها أول سورة أعلن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بقراءتها فقرأها على المؤمنين و المشركين جميعا ، و من غرر الآيات فيها قوله تعالى : « و أن إلى ربك المنتهى» و قوله : « و أن ليس للإنسان إلا ما سعى .


و ما أوردناه من الآيات هي الفصل الأول من فصول السورة الثلاثة و هي الآيات اللاتي تصدق الوحي إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تصفه ، لكن هناك روايات مستفيضة عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) ناصة على أن المراد بالآيات ليس بيان صفة كل وحي بل بيان وحي المشافهة الذي أوحاه الله سبحانه إلى نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليلة المعراج فالآيات متضمنة لقصة المعراج و ظاهر الآيات لا يخلو من تأييد لهذه الروايات و هو المستفاد أيضا من أقوال بعض الصحابة كابن عباس و أنس و أبي سعيد الخدري و غيرهم على ما روي عنهم و على ذلك جرى كلام المفسرين و إن اشتد الخلاف بينهم في تفسير مفرداتها و جملها .


قوله تعالى : « و النجم إذا هوى» ظاهر الآية أن المراد بالنجم هو مطلق الجرم


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 27


السماوي المضي‏ء و قد أقسم الله في كتابه بكثير من خلقه و منها عدة من الأجرام السماوية كالشمس و القمر و سائر السيارات ، و على هذا فالمراد بهوى النجم سقوطه للغروب .


و قيل : المراد بالنجم القرآن لنزوله نجوما ، و قيل : الثريا ، و قيل : الشعري، و قيل : الشهاب الذي يرمى به شياطين الجن لأن العرب تسميه نجما ، و للهوى ما يناسب لكل من هذه الأقوال من المعنى ، لكن لفظ الآية لا يساعد على شي‏ء من هذه المعاني .


قوله تعالى : « ما ضل صاحبكم و ما غوى» الضلال الخروج و الانحراف عن الصراط المستقيم ، و الغي خلاف الرشد الذي هو إصابة الواقع ، قال الراغب : الغي جهل من اعتقاد فاسد ، و ذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادا لا صالحا و لا فاسدا و قد يكون من اعتقاد شي‏ء فاسد ، و هذا النحو الثاني يقال له غي ، قال تعالى : « ما ضل صاحبكم و ما غوى» .


انتهى .


و المراد بالصاحب هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و المعنى : ما خرج صاحبكم عن الطريق الموصل إلى الغاية المطلوبة و لا أخطأ في اعتقاده و رأيه فيها ، و يرجع المعنى إلى أنه لم يخطى‏ء لا في الغاية المطلوبة التي هي السعادة الإنسانية و هو عبوديته تعالى ، و لا في طريقها التي تنتهي إليها .


قوله تعالى : « و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى» المراد بالهوى هوى النفس و رأيها ، و النطق و إن كان مطلقا ورد عليه النفي و كان مقتضاه نفي الهوى عن مطلق نطقه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لكنه لما كان خطابا للمشركين و هم يرمونه في دعوته و ما يتلو عليهم من القرآن بأنه كاذب متقول مفتر على الله سبحانه كان المراد بقرينة المقام أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما ينطق فيما يدعوكم إلى الله أو فيما يتلوه عليكم من القرآن عن هوى نفسه و رأيه بل ليس ذلك إلا وحيا يوحى إليه من الله سبحانه .


قوله تعالى : « علمه شديد القوى» ضمير « علمه» للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو للقرآن بما هو وحي أو لمطلق الوحي و المفعول الآخر لعلمه محذوف على أي حال و التقدير علم النبي الوحي أو علم القرآن أو الوحي إياه .


و المراد بشديد القوى - على ما قالوا - جبريل و قد وصفه الله بالقوة في قوله : « ذي قوة عند ذي العرش مكين» : التكوير : 20 ، و قيل : المراد به هو الله سبحانه .


قوله تعالى : « ذو مرة فاستوى» المرة بكسر الميم الشدة ، و حصافة العقل


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 28


و الرأي و بناء نوع عن المرور و قد فسرت المرة في الآية بكل من المعاني الثلاثة مع القول بأن المراد بذي مرة جبريل ، و المعنى : هو أي جبريل ذو شدة في جنب الله أو هو ذو حصافة في عقله و رأيه ، أو هو ذو نوع من المرور بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو في الهواء .


و قيل : المراد بذو مرة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فهو ذو شدة في جنب الله أو ذو حصافة في عقله و رأيه أو ذو نوع من المرور عرج فيه إلى السماوات .


و قوله : « فاستوى» بمعنى استقام أو استولى و ضمير الفاعل راجع إلى جبريل و المعنى : فاستقام جبريل على صورته الأصلية التي خلق عليها على ما روي أن جبريل كان ينزل على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في صور مختلفة ، و إنما ظهر له في صورته الأصلية مرتين أو المعنى : فاستولى جبريل بقوته على ما جعل له من الأمر .


و إن كان الضمير للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فالمعنى فاستقام و استقر .


قوله تعالى : « و هو بالأفق الأعلى» الأفق الناحية قيل : المراد بالأفق الأعلى ناحية الشرق من السماء لأن أفق المشرق فوق المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء و هو كما ترى و الظاهر أن المراد به أفق أعلى من السماء من غير اعتبار كونه أفقا شرقيا .


و ضمير هو في الآية راجع إلى جبريل أو إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و الجملة حال من ضمير « استوى» .


قوله تعالى : « ثم دنا فتدلى» الدنو القرب ، و التدلي التعلق بالشي‏ء و يكنى به عن شدة القرب ، و قيل : الامتداد إلى جهة السفل مأخوذ من الدلو .


و المعنى : على تقدير رجوع الضميرين لجبريل : ثم قرب جبريل فتعلق بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليعرج به إلى السماوات ، و قيل : ثم تدلى جبريل من الأفق الأعلى فدنا من النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليعرج به .


و المعنى : على تقدير رجوع الضميرين إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ثم قرب النبي من الله سبحانه و زاد في القرب .


قوله تعالى : « فكان قاب قوسين أو أدنى » قال في المجمع : القاب و القيب و القاد و القيد عبارة عن مقدار الشي‏ء انتهى .


و القوس معروفة و هي آلة الرمي ، و يقال قوسعلى الذراع في لغة أهل الحجاز على ما قيل .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 29


و المعنى : فكان البعد قدر قوسين أو قدر ذراعين أو أقرب من ذلك .


و قيل : القاب ما بين مقبض القوس و سيتها ففي الكلام قلب و المعنى : فكان قابي قوس ، و اعترض عليه بأن قابي قوس و قاب قوسين واحد فلا موجب للقلب .


قوله تعالى : « فأوحى إلى عبده ما أوحى» ضمير أوحى في الموضعين لجبريل على تقدير رجوع الضمائر السابقة إلى جبريل ، و المعنى : فأوحى جبريل إلى عبد الله و هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ما أوحى ، قيل : و لا ضير في رجوع الضمير إليه تعالى من عدم سبق الذكر لكونه في غاية الوضوح .


أو الضمائر الثلاث لله و المعنى : فأوحى الله بتوسط جبريل إلى عبده ما أوحى أو الضمير الأول لجبريل و الثاني و الثالث لله و المعنى فأوحى جبريل ما أوحى الله إليه إلى عبد الله .


و الضمائر الثلاث كلها لله على تقدير رجوع الضمائر السابقة إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المعنى : فأوحى الله إلى عبده ما أوحى ، و هذا المعنى أقرب إلى الذهن من المعنى السابق الذي لا يرتضيه الذوق السليم و إن كان صحيحا .


قوله تعالى : « ما كذب الفؤاد ما رأى» الكذبخلاف الصدق يقال : كذب فلان في حديثه ، و يقال : كذبه الحديث بالتعدي إلى مفعولين أي حدثه كذبا ، و الكذب كما يطلق على القول و الحديث الذي يلفظه اللسان كذلك يطلق على خطاء القوة المدركة يقال : كذبته عينه أي أخطأت في رؤيتها .


و نفي الكذب عن الفؤاد إنما هو بهذا المعنى سواء أخذ الكذب لازما و التقدير ما كذب الفؤاد فيما رأى أو متعديا إلى مفعولين ، و التقدير ما كذب الفؤاد - فؤاد النبي - النبي ما رآه أي إن رؤية فؤاده فيما رآه رؤية صادقة .


و على هذا فالمراد بالفؤاد فؤاد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و ضمير الفاعل في « ما رأى» راجع إلى الفؤاد و الرؤية رؤيته .


و لا بدع في نسبة الرؤية و هي مشاهدة العيان إلى الفؤاد فإن للإنسان نوعا من الإدراك الشهودي وراء الإدراك بإحدى الحواس الظاهرة و التخيل و التفكر بالقوى الباطنة كما إننا نشاهد من أنفسنا أننا نرى و ليست هذه المشاهدة العيانية إبصارا بالبصر و لا معلوما بفكر ، و كذا نرى من أنفسنا أننا نسمع و نشم و نذوق و نلمس و نشاهد أننا


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 30


نتخيل و نتفكر و ليست هذه الرؤية ببصر أو بشي‏ء من الحواس الظاهرة أو الباطنة فإنا كما نشاهد مدركات كل واحدة من هذه القوى بنفس تلك القوة كذلك نشاهد إدراك كل منا لمدركها و ليس هذه المشاهدة بنفس تلك القوة بل بأنفسنا المعبر عنها بالفؤاد .


و ليس في الآية ما يدل على أن متعلق الرؤية هو الله سبحانه و أنه لمرئي له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بل المرئي هو الأفق الأعلى و الدنو و التدلي و أنه أوحى إليه فهذه هي المذكورة في الآيات السابقة و هي آيات له تعالى ، و يؤيد ذلك ما ذكره تعالى في النزلة الأخرى من قوله : « ما زاغ البصر و ما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى» .


على أنها لو دلت على تعلق الرؤية به تعالى لم يكن بهبأس فإنها رؤية القلب و رؤية القلب غير رؤية البصر الحسية التي تتعلق بالأجسام و يستحيل تعلقها به تعالى و قد قدمنا كلاما في رؤية القلب في تفسير سورة الأعراف الآية 143 .


و ما قيل : إن ضمير « ما رأى» للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المعنى : ما قال فؤاده (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لما رآه ببصره لم أعرفك و لو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره ، و محصله أن فؤاده صدق بصره فيما رآه .


و كذا ما قيل : إن المعنى أن فؤاده لم يكذب بصره فيما رآه بل صدقه و اعتقد به ، و يؤيده قراءة من قرأ « ما كذب» بتشديد الذال .


ففيه أن الذي يعطيه سياق الآيات تأييده تعالى صدق النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيما يدعيه من الوحي و رؤية آيات الله الكبرى ، و لو كان ضمير « ما رأى» للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان محصل معنى الآية الاحتجاج على صدق رؤيته باعتقاده ذلك بفؤاده و هو بعيد من دأب القرآن و هذا بخلاف ما لو رجع ضمير « ما رأى» إلى الفؤاد فإن محصل معناه تصديقه تعالى لفؤاده فيما رآه و يجري الكلام على السياق السابق الأخذ من قوله : « ما ضل صاحبكم و ما غوى إن هو إلا وحي يوحى» إلخ .


فإن قلت : إنه تعالى يحتج فيالآية التالية « أ فتمارونه على ما يرى» برؤيته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على صدقه فيما يدعيه فليكن مثله الاحتجاج باعتقاد فؤاده بما يراه بعينه .


قلت : ليس قوله : « أ فتمارونه على ما يرى» مسوقا للاحتجاج برؤيته على صدقه بل توبيخ على مماراتهم إياه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على أمر يراه و يبصره و مجادلتهم إياه فيه ، و المماراة و المجادلة


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 31


إنما تصح - لو صحت - في الآراء النظرية و الاعتقادات الفكرية و أما فيما يرى و يشاهد عيانا فلا معنى للمماراة و المجادلة فيه ، وهو (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إنما كان يخبرهم بما يشاهده عيانا لا عن فكر و تعقل .


قوله تعالى : « أ فتمارونه على ما يرى» الاستفهام للتوبيخ و الخطاب للمشركين و الضمير للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و المماراة الإصرار على المجادلة ، و المعنى : أ فتصرون في جدالكم على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يذعن بخلاف ما يدعيه و يخبركم به و هو يشاهد ذلك عيانا .


قوله تعالى : « و لقد رآه نزلة أخرى» النزلة بناء مرة من النزول فمعناه نزول واحد ، و تدل الآية على أن هذه قصة رؤية في نزول آخر و الآيات السابقة تقص نزولا آخر غيره .


و قد قالوا : إن ضمير الفاعل المستكن في قوله « رآه» للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و ضمير المفعول لجبريل ، و على هذا فالنزلة نزول جبريل عليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليعرج به إلى السماوات ، و قوله : « عند سدرة المنتهى» ظرف للرؤية لا للنزلة ، و المراد برؤيته رؤيته و هو في صورته الأصلية .


و المعنى : أنه نزل عليه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نزلة أخرى و عرج به إلى السماوات و تراءى له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عند سدرة المنتهى و هو في صورته الأصلية .


و قد ظهر مما تقدم صحة إرجاع ضمير المفعول إليه تعالى و المراد بالرؤية رؤية القلب و المراد بنزلة أخرى نزلة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عند سدرة المنتهى في عروجه إلى السماوات فالمفاد أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نزل نزلة أخرى أثناء معراجه عند سدرة المنتهى فرآه بقلبه كما رآه في النزلة الأولى .


قوله تعالى : « عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى» السدر شجر معروف و التاء للوحدة و المنتهى - كأنه - اسم مكان و لعل المراد به منتهى السماوات بدليل كون الجنة عندها و الجنة في السماء ، قال تعالى : « و في السماء رزقكم و ما توعدون» : الذاريات : 22 .


و لا يوجد في كلامه تعالى ما يفسر هذه الشجرة ، و كان البناء على الإبهام كما يؤيده قوله بعد : « إذ يغشى السدرة ما يغشى» و قد فسر في الروايات أيضا بأنها شجرة فوق السماء السابعة إليها تنتهي أعمال بني آدم و ستمر ببعض هذه الروايات .


و قوله : « عندها جنة المأوى» أي الجنة التي يأوي إليها المؤمنون و هي جنة الآخرة فإن جنة البرزخ جنة معجلة محدودة بالبعث ، قال تعالى : « فلهم جنات المأوى


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 32


نزلا بما كانوا يعملون» : السجدة : 19 ، و قوله : «فإذا جاءت الطامة الكبرى - إلى أن قال - فإن الجنة هي المأوى» : النازعات : 41 و هي في السماء على ما يدل عليه قوله تعالى : « و في السماء رزقكم و ما توعدون» : الذاريات : 22 و قيل : المراد بها جنة البرزخ .


و قوله : « إذ يغشى السدرة ما يغشى» غشيان الشي‏ء الإحاطة به ، و « ما» موصولة و المعنى : إذ يحيط بالسدرة ما يحيط بها ، و قد أبهم تعالى هذا الذي يغشى السدرة و لم يبين ما هو كما تقدمت الإشارة إليه .


قوله تعالى : « ما زاغ البصر و ما طغى» الزيغ الميل عن الاستقامة ، و الطغيان تجاوز الحد في العمل ، و زيغ البصر إدراكه المبصر على غير ما هو عليه ، و طغيانه إدراكه ما لا حقيقة له ، و المراد بالبصر بصر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و المعنى : أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية و لا أبصر ما لا حقيقة له بل أبصر غير خاطى‏ء في إبصاره .


و المراد بالإبصار رؤيته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بقلبه لا بجارحة العين فإن المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله : « و لقد رآه نزلة أخرى» المشير إلى مماثلة هذه الرؤية لرؤية النزلة الأولى التي يشير إليها بقوله : « ما كذب الفؤاد ما رأى أ فتمارونه على ما يرى» فافهم و لا تغفل .


قوله تعالى : « لقد رأى من آيات ربه الكبرى» « من» للتبعيض ، و المعنى : أقسم لقد شاهد بعض الآيات الكبرى لربه ، و بذلك تم مشاهدة ربه بقلبه فإن مشاهدته تعالى بالقلب إنما هي بمشاهدة آياته بما هي آياته فإن الآية بما هي آية لا تحكي إلا ذا الآية و لا تحكي عن نفسه شيئا و إلا لم تكن من تلك الجهة آية .


و أما مشاهدة ذاته المتعالية من غير توسط آية و تخلل حجاب فمن المستحيل ذلك قال تعالى : « و لا يحيطون به علما» : طه : 110 .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و النجم إذا هوى» قال : النجم رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « إذا هوى» لما أسري به إلى السماء و هو في الهوي .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 33


أقول : و روي تسميته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالنجم بإسناده عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الرضا (عليه‏السلام‏) ، و هو من البطن .


و في الكافي ، عن القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم قال : قلت لأبي جعفر (عليه‏السلام‏) : قول الله عز و جل : « و الليل إذا يغشى» « و النجم إذا هوى» و ما أشبه ذلك ؟ قال : إن لله عز و جل أن يقسم من خلقه بماشاء ، و ليس لخلقه أن يقسموا إلا به : . أقول : و في الفقيه ، عن علي بن مهزيار عن أبي جعفر الثاني : مثله .


و في المجمع ، و روت العامة عن جعفر الصادق أنه قال : إن محمدا (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) نزل من السماء السابعة ليلة المعراج و لما نزلت السورة أخبر بذلك عتبة بن أبي لهب فجاء إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و طلق ابنته و تفل في وجهه و قال : كفرت بالنجم و رب النجم ، فدعا (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عليه و قال : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك . فخرج عتبة إلى الشام فنزل في بعض الطريق و ألقى الله عليه الرعب فقال لأصحابه أنيموني بينكم ليلا ففعلوا فجاء أسد فافترسه من بين الناس .


أقول : ثم أورد الطبرسي شعر حسان في ذلك ، و روي في الدر المنثور ، القصة بطرق مختلفة .


و في الكافي ، بإسناده إلى هشام و حماد و غيره قالوا : سمعنا أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : حديثي حديث أبي و حديث أبي حديث جدي و حديث جدي حديث الحسين و حديث الحسين حديث الحسن و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين و حديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و حديث رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قول الله عز و جل .


و في تفسير القمي ، بإسناده إلى ابن سنان في حديث : قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : و ذلك أنه يعني النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أقرب الخلق إلى الله تعالى و كان بالمكان الذي قال له جبرئيل لما أسري به إلى السماء : تقدم يا محمد فقد وطأت موطئا لم يطأه ملك مقرب و لا نبي مرسل ، و لو لا أن روحه و نفسه كان من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه ، و كان من الله عز و جل كما قال الله عز و جل : « قاب قوسين أو أدنى» أي بل أدنى .


و في الاحتجاج ، عن علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) في حديث طويل : أنا ابن من علا فاستعلى فجاز سدرة المنتهى فكان من ربه قاب قوسين أو أدنى .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 34


أقول : و قد ورد هذا المعنى في كثير من روايات أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر و ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : لما أسري بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) اقترب من ربه فكان قاب قوسين أو أدنى . قال : أ لم تر إلى القوس ما أقربها من الوتر ؟ و فيه ، أخرج ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه عن ابن عباس : في قوله : « ثم دنا فتدلى» قال : هو محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) دنا فتدلى إلى ربه عز و جل .


و في المجمع ، و روي مرفوعا عن أنس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله : « فكان قاب قوسين أو أدنى» قال : قدر ذراعين أو أدنى من ذراعين .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « فأوحى إلى عبده ما أوحى» قال : وحي مشافهة .


و في التوحيد ، بإسناده إلى محمد بن الفضيل قال : سألت أبا الحسن (عليه‏السلام‏) هل رأى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ربه عز و جل ؟ فقال : نعم بقلبه رآه ، أ ما سمعت الله عز و جل يقول : « ما كذب الفؤاد ما رأى» ؟ لم يره بالبصر و لكن رآه بالفؤاد .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي عن بعض أصحاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : قالوا : يا رسول الله هل رأيت ربك ؟ قال : لم أره بعيني و رأيته بفؤادي مرتين ثم تلا « ثم دنا فتدلى» .


أقول : و روى هذا المعنى النسائي عن أبي ذر على ما في الدر المنثور ، و لفظه : رأى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ربه بقلبه و لم يره ببصره .


و عن صحيح مسلم ، و الترمذي و ابن مردويه عن أبي ذر قال : سألت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : هل رأيت ربك ؟ فقال : نوراني أراه .


أقول : « نوراني» منسوب إلى النور على خلاف القياس كجسماني في النسبة إلى جسم ، و قرى‏ء « نور إني أراه» بتنوين الراء و كسر الهمزة و تشديد النون ثم ياء المتكلم ، و الظاهر أنه تصحيف و إن أيد برواية أخرى عن مسلم في صحيحه و ابن مردويه عن أبي ذر : أنه سأل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : هل رأيت ربك ؟ فقال : رأيت نورا .


و كيف كان فالمراد بالرؤية رؤية القلب فلا الرؤية رؤية حسية و لا النور نور حسي .


و في الكافي ، بإسناده عن صفوان بن يحيى قال : سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلى


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 35


أبي الحسن الرضا (عليه‏السلام‏) فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال و الحرام و الأحكام . إلى قوله : قال أبو قرة : فإنه يقول : « و لقد رآه نزلة أخرى» فقال أبو الحسن (عليه‏السلام‏) : إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال : « ما كذب الفؤاد ما رأى» يقول : ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه ثم أخبر بما رأى فقال : « لقد رأى من آيات ربه الكبرى» و آيات الله غير الله .


أقول : الظاهر أن كلامه (عليه‏السلام‏) مسوق لإلزام أبي قرة حيث كان يريد إثبات رؤيته تعالى بالعينالحسية فألزمه بأن الرؤية إنما تعلقت بالآيات و آيات الله غير الله و لا ينافي ذلك كون رؤية الآيات بما هي آياته رؤيته و إن كانت آياته غيره ، و هذه الرؤية إنما كانت بالقلب كما مرت عدة من الروايات في هذا المعنى .


و في تفسير القمي ، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : انتهيت إلى سدرة المنتهى و إذا الورقة منها تظل أمة من الأمم فكنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و ابن جرير عن أنس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : انتهيت إلى السدرة فإذا نبقها مثل الجراد ، و إذا ورقها مثل آذان الفيلة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتا و زمردا و نحو ذلك .


و في تفسير القمي ، بإسناده إلى إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في حديث طويل : فلما انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلف عنه جبرئيل فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في هذا الموضع تخذلني ؟ فقال : تقدم أمامك فوالله لقد بلغت مبلغا لم يبلغه أحد من خلق الله قبلك فرأيت من نور ربي و حال بيني و بينه السبحة . قلت : و ما السبحة جعلت فداك ؟ فأومى بوجهه إلى الأرض و أومأ بيده إلى السماء و هو يقول : جلال ربي جلال ربي ثلاث مرات .


أقول : السبحة الجلال كما فسر في الرواية ، و السبحة ما يدل على تنزهه تعالى من خلقه و مرجعه إلى المعنى الأول ، و محصل ذيل الرواية أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) رأى ربه برؤية آياته .


و فيه ، : في قوله تعالى : « و لقد رآه نزلة أخرى - عند سدرة المنتهى» قال : في السماء السابعة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 36


و فيه ، : في قوله تعالى : « إذ يغشى السدرة ما يغشى» قال : لما رفع الحجاب بينه و بين رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) غشي نور السدرة .


أقول : و في المعاني السابقة روايات أخرى و قد تقدم في أول تفسير سورة الإسراء روايات جامعة لقصة معراجه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و قد نقلنا هناك في ذيل الروايات الاختلاف في كيفية معراجه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أنه كان في المنام أو في اليقظة و على الثاني بجسمه و روحه معا أو بروحه فحسب ، و نقلنا عن صاحب المناقب أن الإمامية ترى أن إسراءه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان بالروح و الجسم معا على ما تدل عليه آية الإسراء ، و أما من المسجد الأقصى إلى السماوات فقد قال قوم بكونه بالروح و الجسم معا أيضا و وافقهم كثير من الشيعة و مال بعضهم إلى كونه بالروح و مال إليه بعض المتأخرين .


و لا ضير في القول به لو أيدته القرائن الحافة بالآيات و الروايات غير أن من الواجب حينئذ أن يحمل قوله تعالى : « عندها جنة المأوى» على جنة البرزخ ليحمل كونها عندها على نحو من التعلق كما ورد أن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ، أو توجه الآية بما لا ينافي كون العروج في السماوات روحيا .


و أما كون الإسراء في المنام فقد تقدم في تفسير آية الإسراء أنه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه .


و أما تطبيق الإسراء إلى السماوات على تسييره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ليلا في الكواكب الأخرى غير الأرض من منظومتنا الشمسية أو في منظومات أخرى غير منظومتنا أو في مجرات أخرى غير مجرتنا فمما لا يلائمه الأخبار الواردة في تفصيل القصة البتة بل و لا محصل مضامين الآيات المتقدمة .


أَ فَرَءَيْتُمُ اللَّت وَ الْعُزَّى‏(19) وَ مَنَوةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى‏(20) أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الأُنثى‏(21) تِلْك إِذاً قِسمَةٌ ضِيزَى‏(22) إِنْ هِىَ إِلا أَسمَاءٌ سمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَ ءَابَاؤُكم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بهَا مِن سلْطنٍإِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظنَّ وَ مَا تَهْوَى الأَنفُسوَ لَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبهِمُ الهُْدَى‏(23) أَمْ لِلانسنِ مَا تَمَنى‏(24) فَللَّهِ الاَخِرَةُ وَ الأُولى‏(25) × وَ كم مِّن مَّلَكٍ فى السمَوَتِ لا تُغْنى شفَعَتهُمْ شيْئاً إِلا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ وَ يَرْضى‏(26) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ لَيُسمُّونَ المَْلَئكَةَ تَسمِيَةَ الأُنثى‏(27) وَ مَا لهَُم بِهِ مِنْ عِلْمٍإِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظنَّوَ إِنَّ الظنَّ لا يُغْنى مِنَ الحَْقّ‏ِ شيْئاً(28) فَأَعْرِض عَن مَّن تَوَلى عَن ذِكْرِنَا وَ لَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَوةَ الدُّنْيَا(29) ذَلِك مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِإِنَّ رَبَّك هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضلَّ عَن سبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى‏(30) وَ للَّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ لِيَجْزِى الَّذِينَ أَسئُوا بِمَا عَمِلُوا وَ يجْزِى الَّذِينَ أَحْسنُوا بِالحُْسنى‏(31) الَّذِينَ يجْتَنِبُونَ كَبَئرَ الاثْمِ وَ الْفَوَحِش إِلا اللَّمَمَإِنَّ رَبَّك وَسِعُ الْمَغْفِرَةِهُوَ أَعْلَمُ بِكمْ إِذْ أَنشأَكم مِّنَ الأَرْضِ وَ إِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فى بُطونِ أُمَّهَتِكُمْفَلا تُزَكُّوا أَنفُسكُمْهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى‏(32)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 37


بيان


شطر من آيات الفصل الثاني من الفصول الثلاثة في السورة تتعرض لأمر الأوثان و عبادتها بدعوى أنها ستشفع لهم و الرد عليهم أبلغ الرد ، و فيها إشارة إلى أمر المعاد و هو مقصد الفصل الثالث .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 38


قوله تعالى : « أ فرأيتم اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى» لما سجل في الآيات السابقة صدق النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أنه وحي يوحى إليه و ترتب عليه حقية النبوة المبنية على التوحيد و نفي الشركاء ، فرع عليه الكلام في الأوثان : اللات و العزى و مناة و هي عند المشركين تماثيل للملائكة بدعوى أنهم إناث أو بعضها للملائكة و بعضها للإنسان كما قاله بعضهم و نفي ربوبيتها و ألوهيتها و استقلال الملائكة الذين هم أرباب الأصنام في الشفاعة و أنوثيتهم و أشار إلى حقائق أخرى تنتج المعاد و جزاء الأعمال .


و اللات و العزى و مناة أصنام ثلاث كانت معبودة لعرب الجاهلية ، و قد اختلفوا في وصف صورها ، و في موضعها الذي كانت منصوبة عليه ، و في من يعبدهامن العرب ، و في الأسباب التي أوجبت عبادتهم لها ، و هي أقوال متدافعة لا سبيل إلى الاعتماد على شي‏ء منها ، و المتيقن منها ما أوردناه .


و المعنى : إذا كان الأمر على ما ذكرناه من حقية الدعوة و صدق النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في دعوى الوحي و الرسالة من عند الله سبحانه فأخبروني عن اللات و العزى و مناة التي هي ثالثة الصنمين و غيرهما - و هي التي تدعون أنها أصنام الملائكة الذين هم بنات الله على زعمكم - .


قوله تعالى : « أ لكم الذكر و له الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى» استفهام إنكاري مشوب بالاستهزاء ، و قسمة ضيزى أي جائرة غير عادلة .


و المعنى : إذا كان كذلك و كانت أرباب هذه الأصنام من الملائكة بنات الله ، و أنتم لا ترضون لأنفسكم إلا الذكر من الأولاد فهل لكم الذكر و لله سبحانه الأنثى من الأولاد ؟ تلك القسمة إذا قسمة جائرة غير عادلة - استهزاء - .


قوله تعالى : « إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان» إلخ ، ضمير « هي» للات و العزى و مناة أو لها بما هي أصنام ، و ضمير « سميتموها» للأسماء و تسمية الأسماء جعلها أسماء ، و المراد بالسلطان البرهان .


و المعنى : ليست هذه الأصنام الآلهة إلا أسماء جعلتموها أسماء لها أنتم و آباؤكم ليست لهذه الأسماء وراءها مصاديق و مسميات ما أنزل الله معها برهانا يستدل به على ربوبيتها و ألوهيتها .


و محصل الآية الرد على المشركين بعدم الدليل على ألوهية آلهتهم .


و قوله : « إن يتبعون إلا الظن و ما تهوى الأنفس» ما موصولة و الضمير العائد


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 39


إليها محذوف أي الذي تهواه النفس ، و قيل : مصدرية و التقدير هوى النفس و الهوى الميل الشهواني للنفس و الجملة مسوقة لذمهم في اتباع الباطل و تأكيد لما تقدم من أنه لا برهان لهم على ذلك .


و يؤكده قوله : « و لقد جاءهم من ربهم الهدى» و الجملة حالية .


و المعنى : إن يتبع هؤلاء المشركون في أمر آلهتهم إلا الظن و ما يميل إليه أنفسهم شهوة يتبعون ذلك و الحال أنه قد جاءهم من الله و هو ربهم الهدى و هي الدعوة الحقة أو القرآن الذي يهديهم إلى الحق .


و الالتفات في الآية من الخطاب إلى الغيبة للإشعار بأنهم أحط فهما من أن يخاطبوا بهذا الكلام على أنهم غير مستعدين لأن يخاطبوا بكلام برهاني و هم أتباع الظن و الهوى .


قوله تعالى : « أم للإنسان ما تمنى» أم منقطعة و الاستفهام إنكاري ، و الكلام مسوق لنفي أن يملكالإنسان ما يتمناه بمجرد أنه يتمناه أي ليس يملك الإنسان ما يتمناه بمجرد أنه يتمناه حتى يملك المشركون ما يتمنونه بهوى أنفسهم من شفاعة الملائكة الذين هم أرباب أصنامهم و بنات لله بزعمهم أو يملكوا ألوهية آلهتهم بمجرد التمني .


و في الكلام تلويح إلى أنهم ليس لهم للدلالة على صحة ألوهية آلهتهم أو شفاعتهم إلا التمني ، و لا يملك شي‏ء بالتمني .


قوله تعالى : « فلله الآخرة و الأولى» تفريعه على سابقه من تفريع العلة للمعلول للدلالة على التعلق و الارتباط ففيه تعليل للجملة السابقة ، و المعنى : ليس يملك الإنسان ما تمناهبمجرد التمني لأن الآخرة و الأولى لله سبحانه و لا شريك له في ملكه .


قوله تعالى : « و كم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء و يرضى» الفرق بين الإذن و الرضا أن الإذن إعلام ارتفاع المانع من قبل الآذن ، و الرضا ملاءمة نفس الراضي للشي‏ء و عدم امتناعها فربما تحقق الإذن بشي‏ء مع عدم الرضا و لا يتحقق رضا إلا مع الإذن بالفعل أو بالقوة .


و الآية مسوقة لنفي أن يملك الملائكة من أنفسهم الشفاعة مستغنين في ذلك عن الله سبحانه كما يروم إليه عبدة الأصنام فإن الأمر مطلقا إلى الله تعالى فإنما يشفع من يشفع منهم بعد إذنه تعالى له في الشفاعة و رضاه بها .


و على هذا فالمراد بقوله : « لمن يشاء» الملائكة ، و معنى الآية : و كثير من الملائكة


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 40


في السماوات لا تؤثر شفاعتهم أثرا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء منهم أي من الملائكة و يرضى بشفاعته .


و قيل : المراد بمن يشاء و يرضى الإنسان ، و المعنى : إلا من بعد أن يأذن الله في شفاعة من يشاء أن يشفع له من الإنسان و يرضى ، و كيف يأذن و يرضى بشفاعة من كفر به و عبد غيره ؟ .


و الآية تثبت الشفاعة للملائكة في الجملة ، و تقيد شفاعتهم بالإذن و الرضا من الله سبحانه .


قوله تعالى : « إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى» رد لقولهم بأنوثية الملائكة بعد رد قولهم بشفاعتهم .


و المراد بتسميتهم الملائكة تسمية الأنثى قولهم : إن الملائكة بنات الله فالمراد بالأنثى الجنس أعم من الواحد و الكثير .


و قيل : إن الملائكة في معنى استغراق المفرد فيكون التقدير ليسمون كل واحد من الملائكة تسمية الأنثى أي يسمونه بنتا فالكلام على وزان كسانا الأمير حلة أي كسا كل واحد منا حلة .


قال بعضهم : في تعليق التسمية بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنها في الشناعة و الفظاعة و استتباع العقوبة في الآخرة بحيث لا يجترى‏ء عليها إلا من لا يؤمن بها رأسا .


انتهى .


قوله تعالى : « و ما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن و إن الظن لا يغني من الحق شيئا» العلم هو التصديق المانع من النقيض ، و الظن هو التصديق الراجح و يسمى المرجوح وهما ، و قولهم بأنوثية الملائكة كما لم يكن معلوما لهم كذلك لم يكن مظنونا إذ لا سبيل إلى ترجيح القول به على خلافه لكنه لما كان عن هوى أنفسهم أثبته الهوى في أنفسهم و زينه لهم فلم يلتفتوا إلى خلافه ، و كلما لاح لهم لائح خلافه أعرضوا عنه و تعلقوا بما يهوونه ، و بهذه العناية سمي ظنا و هو في الحقيقة تصور فقط .


و بهذا يظهر استقامة قول من قال : إن الظن في هذه الآية و في قوله السابق : « إن يتبعون إلا الظن و ما تهوى الأنفس» بمعنى التوهم دون الاعتقاد الراجح و أيد بما يظهر من كلام الراغب : إن الظن ربما يطلق على التوهم .


و قوله : « إن الظن لا يغني من الحق شيئا» الحق ما هو عليه الشي‏ء و ظاهر أنه لا يدرك إلا بالعلم الذي هو الاعتقاد المانع من النقيض لا غير و أما غير العلم مما فيه احتمال


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص :41


الخلاف فلا يتعين فيه المدرك على ما هو عليه في الواقع فلا مجوز لأن يعتمد عليه في الحقائق قال تعالى : « و لا تقف ما ليس لك به علم» : إسراء : 36 .


و أما العمل بالظن في الأحكام العملية فإنما هو لقيام دليل عليه يقيد به إطلاق الآية ، و تبقى الأمور الاعتقادية تحت إطلاق الآية .


قال بعضهم : وضع الظاهر موضع المضمر في قوله : « إن الظن لا يغني» ليجري الكلام مجرى المثل .


قوله تعالى : « فأعرض عمن تولى عن ذكرنا و لم يرد إلا الحياة الدنيا» تفريع على اتباعهم الظن و هوى الأنفس ، فقوله : « فأعرض عمن» إلخ ، أمربالإعراض عنهم و إنما لم يقل : فأعرض عنهم ، و وضع قوله : « من تولى عن ذكرنا» إلخ ، موضع الضمير للدلالة على علة الأمر بالإعراض كأنه قيل : إن هؤلاء يتركون العلم و يتبعون الظن و ما تهوى الأنفس و إنما فعلوا ذلك لأنهم تولوا عن الذكر و أرادوا الحياة الدنيا فلا هم لهم إلا الدنيا فهي مبلغهم من العلم ، و إذا كان كذلك فأعرض عنهم لأنهم في ضلال .


و المراد بالذكر إما القرآن الذي يهدي متبعيه إلى الحق الصريح و يرشدهم إلى سعادة الدار الآخرة التي وراء الدنيا بالحجج القاطعة و البراهين الساطعة التي لا تبقى معها وصمة شك .


و أما ذكر الله بالمعنى المقابل للغفلة فإن ذكره تعالى بما يليق بذاته المتعالية من الأسماء و الصفات يهدي إلى سائر الحقائق العلمية في المبدأ و المعاد هداية علمية لا ريب معها .


قوله تعالى : « ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بمن اهتدى» الإشارة بذلك إلى أمر الدنيا و هو معلوم من الآية السابقة و كونه مبلغ علمهم من قبيل الاستعارة كان العلم يسير إلى المعلوم و ينتهي إليه و علمهم انتهى في مسيره إلى الدنيا و بلغها و وقف عندها و لم يتجاوزها ، و لازم ذلك أن تكون الدنيا متعلق إرادتهم و طلبهم ، و موطن همهم ، و غاية آمالهم لا يطمئنون إلى غيرها و لا يقبلون إلا عليها .


و قوله : « إن ربك هو أعلم» إلخ ، تأكيد لمضمون الجملة السابقة و شهادة منه تعالى عليه .


قوله تعالى : « و لله ما في السماوات و ما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى» يمكن أن يكون صدر الآية حالا من فاعل « أعلم» في الآية السابقة و الواو للحال ، و المعنى : أن ربك هو أعلم بالفريقين الضالين و المهتدين و الحال أنه يملك ما في السماوات و ما في الأرض فكيف يمكن أن لا يعلم بهم و هو مالكهم ؟ .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 42


و على هذا فالظاهر تعلق قوله : « ليجزي» إلخ ، بقوله السابق : « فأعرض عمن تولى» إلخ ، و المعنى : أعرض عنهم و كل أمرهم إلى الله ليجزيهم كذا و كذا و يجزيك و يجزي المحسنين كذا و كذا .


و يمكن أن يكون قوله : « و لله ما في السماوات» إلخ ، كلاما مستأنفا للدلالة على أن الأمر بالإعراض عنهم لا لإهمالهم و تركهم سدى بل الله سبحانه يجزي كلا بعمله إن سيئا و إن حسنا ، و وضع اسم الجلالة و هو ظاهر موضع الضمير للدلالة على كمال العظمة .


و قوله : « لله ما في السماوات و ما في الأرض» إشارة إلى ملكه تعالى للكل و معناه قيام الأشياء به تعالى لكونه خالقهم الموجد لهم فالملك ناشى‏ء من الخلق و هو مع ذلك منشأ للتدبير فالجملة دالة على الخلق و التدبير كأنه قيل : و لله الخلق و التدبير .


و بهذا المعنى يتعلق قوله : « ليجزي» إلخ ، و اللام للغاية ، و المعنى : له الخلق و التدبير و غاية ذلك و الغرض منه أن يجزي الذين أساءوا إلخ ، و المراد بالجزاء ما يخبر عنه الكتاب من شئون يوم القيامة ، و المراد بالإساءة و الإحسان المعصية و الطاعة ، و المراد بما عملوا جزاء ما عملوا أو نفس ما عملوا ، و بالحسنى المثوبة الحسنى .


و المعنى : ليجزي الله الذين عصوا بمعصيتهم أو بجزاء معصيتهم و يجزي الذين أطاعوا بالمثوبة الحسنى ، و قد أوردوا في الآية احتمالات أخرى و ما قدمناه هو أظهرها .


قوله تعالى : « الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة» إلخ ، الإثم هو الذنب و أصله - كما ذكره الراغب - الفعل المبطى‏ء عن الثواب و الخير ، و كبائر الإثم المعاصي الكبيرة و هو على ما في الرواية ما أوعد الله عليه النار ، و قد تقدم البحث عنها في تفسير قوله تعالى : « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم» الآية ، : النساء : 31 .


و الفواحش الذنوب الشنيعة الفظيعة ، و قد عد تعالى في كلامه الزنا و اللواط من الفواحش و لا يبعد أن يستظهر من الآية اتحادها مع الكبائر .


و أما اللمم فقد اختلفوا في معناه فقيل : هو الصغيرة من المعاصي ، و عليه فالاستثناء منقطع ، و قيل : هو أن يلم بالمعصية و يقصدها و لا يفعل و الاستثناء أيضا منقطع ، و قيل :


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 43


هو المعصية حينا بعد حين من غير عادة أي المعصية على سبيل الاتفاق فيكون أعم من الصغيرة و الكبيرة و ينطبق مضمون الآية على معنى قوله تعالى في وصف المتقين المحسنين : « و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب إلا الله و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون» : آل عمران : 135 .


و قد فسر في روايات أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) بثالث المعاني .


و الآية تفسر ما في الآية السابقة من قوله : « الذين أحسنوا» فهم الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش و من الجائز أن يقع منهم لمم .


و في قوله : « إن ربك واسع المغفرة» تطميعهم في التوبة رجاء المغفرة .


و قوله : « هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض» قال الراغب : النش‏ء و النشأة إحداث الشي‏ء و تربيته .


انتهى .


فأنشئوهم من الأرض ما جرى عليهم في بدء خلقهم طورا بعد طور من أخذهم من المواد العنصرية إلى أن يتكونوا في صورة المني و يردوا الأرحام .


و قوله : « و إذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم» الأجنة جمع جنين ، و الكلام معطوف على « إذ» السابق أي و هو أعلم بكم إذ كنتم أجنة في أرحام أمهاتكم يعلم ما حقيقتكم و ما أنتم عليه من الحال و ما في سركم و إلى ما يئول أمركم .


و قوله : فلا تزكوا أنفسكم» تفريع على العلم أي إذا كان الله أعلم من أول أمر فلا تزكوا أنفسكم بنسبتها إلى الطهارة هو أعلمبمن اتقى .


أَ فَرَءَيْت الَّذِى تَوَلى‏(33) وَ أَعْطى قَلِيلاً وَ أَكْدَى‏(34) أَ عِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى‏(35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فى صحُفِ مُوسى‏(36) وَ إِبْرَهِيمَ الَّذِى وَفى‏(37) أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى‏(38) وَ أَن لَّيْس لِلانسنِ إِلا مَا سعَى‏(39) وَ أَنَّ سعْيَهُ سوْف يُرَى‏(40) ثمَّ يجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفى‏(41) وَ أَنَّ إِلى رَبِّك الْمُنتهَى‏(42) وَ أَنَّهُ هُوَ أَضحَك وَ أَبْكَى‏(43) وَ أَنَّهُ هُوَ أَمَات وَ أَحْيَا(44) وَ أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَ الأُنثى‏(45) مِن نُّطفَةٍ إِذَا تُمْنى‏(46) وَ أَنَّ عَلَيْهِ النَّشأَةَ الأُخْرَى‏(47) وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى‏(48) وَ أَنَّهُ هُوَ رَب الشعْرَى‏(49) وَ أَنَّهُ أَهْلَك عَاداً الأُولى‏(50) وَ ثَمُودَا فَمَا أَبْقَى‏(51) وَ قَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُإِنهُمْ كانُوا هُمْ أَظلَمَ وَ أَطغَى‏(52) وَ الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى‏(53) فَغَشاهَا مَا غَشى‏(54) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّك تَتَمَارَى‏(55) هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولى‏(56) أَزِفَتِ الاَزِفَةُ(57) لَيْس لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ(58) أَ فَمِنْ هَذَا الحَْدِيثِ تَعْجَبُونَ‏(59) وَ تَضحَكُونَ وَ لا تَبْكُونَ‏(60) وَ أَنتُمْ سمِدُونَ‏(61) فَاسجُدُوا للَّهِ وَ اعْبُدُوا (62)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 44


بيان


سياق التسع آيات الواقعة في صدر هذا الفصل يصدق ما ورد في أسباب النزول أن رجلا من المسلمين كان ينفق من ماله في سبيل الله فلامه بعض الناس على كثرة الإنفاق و حذره و خوفه بنفاد المال و الفقر و ضمن حمل خطاياه و ذنوبه فأمسك عن الإنفاق فنزلت الآيات .


أشار سبحانه بالتعرض لهذه القصة و نقل ما نقل من صحف إبراهيم و موسى (عليهماالسلام‏)


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 45


إلى بيان وجه الحق فيها ، و إلى ما هو الحق الصريح فيما تعرض له الفصل السابق من أباطيل المشركين من أنهم إنما يعبدون الأصنام لأنها تماثيل الملائكة الذين هم بنات الله يعبدونهم ليشفعوا لهم عند الله سبحانه و قد أبطلتها الآيات السابقة أوضح الإبطال .


و قد أوضحت هذه الآيات ما هو وجه الحق في الربوبية و الألوهية و هو أن الخلق و التدبير لله سبحانه ، إليه ينتهي كل ذلك ، و أنه خلق ما خلق و دبر ما دبر خلقا و تدبيرا يستعقب نشأة أخرى فيها جزاء الكافر و المؤمن و المجرم و المتقي و من لوازمه تشريع الدين و توجيه التكاليف و قد فعل ، و من شواهده إهلاك من أهلك من الأمم الدارجة الطاغية كقوم نوح و عاد و ثمود و المؤتفكة .


ثم عقب سبحانه هذا الذي نقله عن صحف النبيين الكريمين بالتنبيه على أن هذا النذير من النذر الأولى الخالية و أن الساعة قريبة ، و خاطبهم بالأمر بالسجود لله و العبادة ، و بذلك تختتم السورة .


قوله تعالى : « أ فرأيت الذي تولى و أعطى قليلا و أكدى» التولي هو الإعراض و المراد به بقرينة الآية التالية الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله ، و الإعطاء الإنفاق و الإكداء قطع العطاء ، و التفريع الذي في قوله : « أ فرأيت» مبنى على ما قدمنا من تفرع مضمون هذه الآيات على ما قبلها .


و المعنى : فأخبرني عمن أعرض عن الإنفاق و أعطى قليلا من المال و أمسك بعد ذلك أشد الإمساك .


قوله تعالى : « أ عنده علم الغيب فهو يرى» الضمائر لمن تولى و الاستفهام للإنكار و المعنى : أ يعلم الغيب فيترتب عليه أن يعلم أن صاحبه يتحمل عنه ذنوبه و يعذب مكانه يوم القيامة لو استحق العذاب .


كذا فسروا .


و الظاهر أن المراد نفي علمه بما غاب عنه من مستقبل حاله في الدنيا و المعنى : أ يعلم الغيب فهو يعلم أنه لو أنفق و دام على الإنفاق نفد ماله و ابتلي بالفقر و أما تحمل الذنوب و العذاب فالمتعرض له قوله الآتي : « ألا تزر وازرة وزر أخرى» .


قوله تعالى : « أم لم ينبأ بما في صحف موسى و إبراهيم الذي وفى» صحف موسى التوراة ، و صحف إبراهيم .


ما نزل عليه من الكتاب و الجمع للإشارة إلى كثرته بكثرة أجزائه .


و التوفية تأدية الحق بتمامه و كماله ، و توفيته (عليه‏السلام‏) تأديته ما عليه من الحق في العبودية


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 46


أتم التأدية و أبلغها قال تعالى : « و إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن» : البقرة : 124 .


و ما نقله الله سبحانه في الآيات التالية من صحف إبراهيم و موسى (عليهماالسلام‏) و إن لم يذكر في القرآن بعنوان أنه من صحفهما قبل هذه الآيات لكنه مذكور بعنوان الحكم و المواعظ و القصص و العبر فمعنى الآيتين : أم لم ينبأ بهذه الأمور و هي في صحف إبراهيم و موسى .


قوله تعالى : « ألا تزر وازرة وزر أخرى» الوزر الثقل و كثر استعماله في الإثم ، و الوازرة النفس التي من شأنها أن تحمل الإثم ، و الآية بيان ما في صحف إبراهيم و موسى (عليهماالسلام‏) ، و كذا سائر الآيات المصدرة بأن و أن إلى تمام سبع عشرة آية .


و المعنى : ما في صحفهما هو أنه لا تحمل نفس إثم نفس أخرى أي لا تتأثم نفس بما لنفس أخرى من الإثم فلا تؤاخذ نفس بإثم نفس أخرى .


قوله تعالى : « و أن ليس للإنسان إلا ما سعى» قال الراغب : السعي المشي السريع و هو دون العدو ، و يستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا قال تعالى : « و سعى في خرابها» .


انتهى و استعماله في الجد في الفعل استعمال استعاري .


و معنى اللام في قوله : « للإنسان» الملك الحقيقي الذي يقوم بصاحبه قياما باقيا ببقائه يلازمه و لا يفارقه بالطبع و هو الذي يكتسبه الإنسان بصالح العمل أو طالحه من خير أو شر ، و أما ما يراه الإنسان مملوكا لنفسه و هو في ظرف الاجتماع من مال و بنين و جاه و غير ذلك من زخارف الحياة الدنيا و زينتها فكل ذلك من الملك الاعتباري الوهمي الذي يصاحب الإنسان ما دام في دار الغرور و يودعه عند ما أراد الانتقال إلى دار الخلود و عالم الآخرة .


فالمعنى : و أنه لا يملك الإنسان ملكا يعود إليه أثره من خير أو شر أو نفع أو ضر حقيقة إلا ما جد فيه من عمل فله ما قام بفعله بنفسه و أما ما قام به غيره من عمل فلا يلحق بالإنسان أثره خيرا أو شرا .


و أما الانتفاع من شفاعة الشفعاء يوم القيامة لأهل الكبائر فلهم في ذلك سعي جميل حيث دخلوا في حضيرة الإيمان بالله و آياته ، و كذا استفادة المؤمن بعد موته من استغفار المؤمنين له ، و الأعمال الصالحة التي تهدي إليه مثوباتها هي مرتبطة بسعيه في الدخول في زمرة المؤمنين و تكثير سوادهم و تأييد إيمانهم الذي من آثاره ما يأتون به من الأعمال الصالحة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 47


و كذا من سن سنة حسنة فله ثوابها و ثواب من عمل بها ، و من سن سنة سيئة كان له وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة فإن له سعيا في عملهم حيث سن السنة و توسل بها إلى أعمالهم كما تقدم في تفسير قوله تعالى : « و نكتب ما قدموا و آثارهم» : يس : 12 ، و قد تقدم في تفسير قوله : « و ليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم» : النساء : 9 ، و تفسير قوله : « ليميز الله الخبيث من الطيب» : الأنفال : 37 ، كلام نافع في هذا المقام .


قوله تعالى : « و أن سعيه سوف يرى» المراد بالسعي ما سعى فيه من العمل و بالرؤية المشاهدة ، و ظرف المشاهدة يوم القيامة بدليل تعقيبه بالجزاء فالآية قريبة المعنى من قوله تعالى : « يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء» : آل عمران : 30 ، و قوله : «يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره» : الزلزال : 8 .


و إتيان قوله : « سوف يرى» مبنيا للمفعول لا يخلو من إشعار بأن هناك من يشاهد العمل غير عامله .


قوله تعالى : « ثم يجزاه الجزاء الأوفى» الوفاء بمعنى التمام لأن الشي‏ء التام يفي بجميع ما يطلب من صفاته ، و الجزاء الأوفى الجزاء الأتم .


و ضمير « يجزاه» للسعي الذي هو العمل و المعنى : ثم يجزي الإنسان عمله أي بعمله أتم الجزاء .


قوله تعالى : « و أن إلى ربك المنتهى» المنتهى مصدر ميمي بمعنى الانتهاء و قد أطلق إطلاقا فيفيد مطلق الانتهاء ، فما في الوجود من شي‏ء موجود إلا و ينتهي في وجوده و آثار وجوده إلى الله سبحانه بلا واسطة أو مع الواسطة ، و لا فيه أمر من التدبير و النظام الجاري جزئيا أو كليا إلا و ينتهي إليه سبحانه إذ ليس التدبير الجاري بين الأشياء إلا الروابط الجارية بينها القائمة بها و موجد الأشياء هو الموجد لروابطها المجري لها بينها فالمنتهى المطلق لكل شي‏ء هو الله سبحانه .


قال تعالى : « الله خالق كل شي‏ء و هو على كل شي‏ء وكيل له مقاليد السماوات و الأرض» : الزمر : 63 ، و قال : « ألا له الخلق و الأمر» : الأعراف : 54 .


و الآية تثبت الربوبية المطلقة لله سبحانه بإنهاء كل تدبير و كل التدبير إليه و تشمل


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 48


انتهاء الأشياء إليه من حيث البدء و هو الفطر ، و انتهاءها إليه من حيث العود و الرجوع و هو الحشر .


و مما تقدم يظهر ضعف ما قيل في تفسير الآية أن المراد بذلك رجوع الخلق إليه سبحانه يوم القيامة ، و كذا ما قيل : إن المعنى أن إلى ثواب ربك و عقابه آخر الأمر ، و كذا ما قيل : المعنى أن إلى حساب ربك منتهاهم ، و كذا ما قيل : إليه سبحانه ينتهي الأفكار و تقف دونه، ففي جميع هذه التفاسير تقييد الآية من غير مقيد .


قوله تعالى : « و أنه هو أضحك و أبكى» الآية و ما يتلوها إلى تمام اثنتي عشرة آية بيان لموارد من انتهاء الخلق و التدبير إلى الله سبحانه .


و السياق في جميع هذه الآيات سياق الحصر ، و تفيد انحصار الربوبية فيه تعالى و انتفاء الشريك ، و لا ينافي ما في هذه الموارد من الحصر توسط أسباب أخر طبيعية أو غير طبيعية فيها كتوسط السرور و الحزن و أعضاء الضحك و البكاء من الإنسان في تحقق الضحك و البكاء ، و كذا توسط الأسباب المناسبة الطبيعية و غير الطبيعية في الإحياء و الإماتة و خلق الزوجين و الغنى و القنى و إهلاك الأمم الهالكة و ذلك أنها لما كانت مسخرة لأمر الله غير مستقلة في نفسها و لا منقطعة عما فوقها كانت وجوداتها و آثار وجوداتها و ما يترتب عليها لله وحده لا يشاركه في ذلك أحد .


فمعنى قوله : « و أنه هو أضحك و أبكى» إنه تعالى هو أوجد الضحك في الضاحك و أوجد البكاء في الباكي لا غيره تعالى : و لا منافاة بين انتهاء الضحك و البكاء في وجودهما إلى الله سبحانه و بين انتسابهما إلى الإنسان و تلبسه بهما لأن نسبة الفعل إلى الإنسان بقيامه به و نسبة الفعل إليه تعالى بالإيجاد و كم بينهما من فرق .


و لا أن تعلق الإرادة الإلهية بضحك الإنسان مثلا يوجب بطلان إرادة الإنسان للضحك و سقوطها عن التأثير لأن الإرادة الإلهية لم تتعلق بمطلق الضحك كيفما كان و إنما تعلقت بالضحك الإرادي الاختياري من حيث إنه صادر عن إرادة الإنسان و اختياره فإرادة الإنسان سبب لضحكه في طول إرادة الله سبحانه لا في عرضها حتى تتزاحما و لا تجتمعا معا فنضطر إلى القول بأن أفعال الإنسان الاختيارية مخلوقة لله و لا صنع للإنسان فيها كما يقوله الجبري أو أنها مخلوقة للإنسان و لا صنع لله سبحانه فيها كما يقوله المعتزلي .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 49


و مما تقدم يظهر فساد قول بعضهم : إن معنى الآية أنه خلق قوتي الضحك و البكاء ، و قول آخرين : إن المعنى أنه خلق السرور و الحزن ، و قول آخرين : إن المعنى أنه أضحك الأرض بالنبات و أبكى السماء بالمطر ، و قول آخرين : إن المعنى أنه أضحك أهل الجنة و أبكى أهل النار .


قوله تعالى : « و أنه هو أمات و أحيا» الكلام في انتساب الموت و الحياة إلى أسباب أخر طبيعية و غير طبيعية كالملائكة كالكلام في انتساب الضحك و البكاء إلى غيره تعالى مع انحصار الإيجاد فيه تعالى ، و كذا الكلام في الأمور المذكورة في الآيات التالية .


قوله تعالى : « و أنه خلق الزوجين الذكر و الأنثى من نطفة إذا تمنى» النطفة ماء الرجل و المرأة الذي يخلق منه الولد ، و أمنى الرجل أي صب المني ، و قيل : معناه التقدير ، و قوله : « الذكر و الأنثى» بيان للزوجين .


قيل : لم يذكر الضمير في الآية على طرز ما تقدم - أنه هو - لأنه لا يتصور نسبة خلق الزوجين إلى غيره تعالى .


قوله تعالى : « و أن عليه النشأة الأخرى» النشأة الأخرى الخلقة الأخرى الثانية و هي الدار الآخرة التي فيها جزاء ، و كون ذلك عليه تعالى قضاؤه قضاء حتم و قد وعد به و وصف نفسه بأنه لا يخلف الميعاد .


قوله تعالى : « و أنه هو أغنى و أقنى» أي أعطى الغنى و أعطى القنية ، و القنية ما يدوم من الأموال و يبقى ببقاء نفسه كالدار و البستان و الحيوان ، و على هذا فذكر « أقنى» بعد أغنى من التعرض للخاص بعد العام لنفاسته و شرفه .


و قيل : الإغناء التمويل و الإقناء الإرضاء بذلك ، و قال بعضهم : معنى الآية أنه هو أغنى و أفقر .


قوله تعالى : « و أنه هو رب الشعرى» كان المراد بالشعرى الشعرى اليمانية و هي كوكبة مضيئة من الثوابت شرقي صورة الجبار في السماء .


قيل : كانت الخزاعة و حمير تعبد هذه الكوكبة ، و ممن كان يعبده أبو كبشة أحد أجداد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من جهة أمه ، و كان المشركون يسمونه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ابن أبي كبشة لمخالفته إياهم في الدين كما خالف أبو كبشة قومه في عبادة الشعرى .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 50


قوله تعالى : « و أنه أهلك عادا الأولى» و هم قوم هود النبي (عليه‏السلام‏) و وصفوا بالأولى لأن هناك عادا ثانية هم بعد عاد الأولى .


قوله تعالى : « و ثمود فما أبقى» و هم قوم صالح النبي (عليه‏السلام‏) أهلك الله الكفار منهم عن آخرهم ، و هو المراد من قوله : « فما أبقى» و إلا فهو سبحانه نجى المؤمنين منهم من الهلاك كما قال : « و نجينا الذين آمنوا و كانوا يتقون» : فصلت : 18 .


قوله تعالى : « و قوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم و أطغى» عطف كسابقه على قوله : « عادا» و الإصرار بالتأكيد على كونهم أظلم و أطغى ، أي من القومين عاد و ثمود على ما يعطيه السياق لأنهم لم يجيبوا دعوة نوح (عليه‏السلام‏) و لم يتعظوا بموعظته فيما يقرب من ألف سنة و لم يؤمن منهم معه إلا أقل قليل .


قوله تعالى : « و المؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى» قيل : إن المؤتفكة قرى قوم لوط ائتفكت بأهلها أي انقلبت و الائتفاك الانقلاب ، و الأهواء الإسقاط .


و المعنى : و أسقط القرى المؤتفكة إلى الأرض بقلبها و خسفها فشملها و أحاط بها من العذاب ما شملها و أحاط بها .


و احتمل أن يكون المراد بالمؤتفكة ما هو أعم من قرى قوم لوط و هي كل قرية نزل عليها العذاب فباد أهلها فبقيت خربة داثرة معالمها خاوية على عروشها .


قوله تعالى : « فبأي آلاء ربك تتمارى» الآلاء جمع إلى بمعنى النعمة ، و التماري التشكك ، و الجملة متفرعة على ما تقدم ذكره مما ينسب إليه تعالى من الأفعال .


و المعنى : إذا كان الله سبحانه هو الذي نظمهذا النظام البديع من صنع و تدبير بالإضحاك و الإبكاء و الإماتة و الإحياء و الخلق و الإهلاك إلى آخر ما قيل فبأي نعم ربك تتشكك و في أيها تريب ؟ .


و عد مثل الإبكاء و الإماتة و إهلاك الأمم الطاغية نعما لله سبحانه لما فيها من الدخل في تكون النظام الأتم الذي يجري في العالم و تنساق به الأمور في مرحلة استكمال الخلق و رجوع الكل إلى الله سبحانه .


و الخطاب في الآية للذي تولى و أعطى قليلا و أكدى أو للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من باب إياك أعني و اسمعي يا جارة ، و الاستفهام للإنكار .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 51


قوله تعالى : « هذا نذير من النذر الأولى» قيل : النذير يأتي مصدرا بمعنى الإنذار و وصفا بمعنى المنذر و يجمع على النذر بضمتين على كلا المعنيين و الإشارة بهذا إلى القرآن أو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


قوله تعالى : « أزفت الآزفة» أي قربت القيامة و الآزفة من أسماء القيامة قال تعالى : « و أنذرهم يوم الآزفة» : المؤمن : 18 .


قوله تعالى : « ليس لها من دون الله كاشفة» أي نفس كاشفة و المراد بالكشف إزالة ما فيها من الشدائد و الأهوال ، و المعنى : ليس نفس تقدر على إزالة ما فيها من الشدائد و الأهوال إلا أن يكشفها الله سبحانه .


قوله تعالى : « أ فمن هذا الحديث تعجبون و تضحكون و لا تبكون و أنتم سامدون» الإشارة بهذا الحديث إلى ما تقدم من البيان ، و السمود اللهو ، و الآية متفرعة على ما تقدم من البيان ، و الاستفهام للتوبيخ .


و المعنى : إذا كان الله هو ربكم الذي ينتهي إليه كل أمر و عليه النشأة الأخرى و كانت القيامة قريبة و ليس لها من دون الله كاشفة كان عليكم أن تبكوا لما فرطتم في جنب الله ، و تعرضتم للشقاء الدائم أ فمن هذا البيان الذي يدعوكم إلى النجاة تعجبون إنكارا و تضحكون استهزاء و لا تبكون ؟ .


قوله تعالى : « فاسجدوا لله و اعبدوا» تفريع آخر على ما تقدم من البيان و المعنى : إذا كان كذلك فعليكم أن تسجدوا لله و تعبدوه ليكشف عنكم ما ليس له من دونه كاشفة .


بحث روائي


في الكشاف ، : في قوله تعالى : « أ فرأيت الذي تولى» إلخ ، روي أن عثمان كان يعطي ماله في الخير فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح و هو أخوه من الرضاعة : يوشك أن لا يبقى لك شي‏ء فقال عثمان : إن لي ذنوبا و خطايا ، و إني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى و أرجو عفوه فقال عبد الله : أعطني ناقتك برحلها و أنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاهو أشهد عليه و أمسك عن العطاء فنزلت ، و معنى : « تولى» ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك و أجمل .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 52


أقول : و أورد القصة في مجمع البيان و نسبها إلى ابن عباس و السدي و الكلبي و جماعة من المفسرين ، و في انطباق « تولى» على تركه المركز يوم أحد نظر و الآيات مكية .


و في الدر المنثور ، أخرج الفاريابي و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن مجاهد : في قوله : « أ فرأيت الذي تولى» قال : الوليد بن المغيرة كان يأتي النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أبا بكر فسمع ما يقولان و ذلك ما أعطى من نفسه ، أعطى الاستماع « و أكدى» قال : انقطع عطاؤه نزل في ذلك « أ عنده علم الغيب» قال : الغيب القرآن أ رأى فيه باطلا أنفذه ببصره إذ كان يختلف إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أبي بكر .


أقول : و أنت خبير بأن الآيات بظاهرها لا تنطبق على ما ذكره .


و روي : أنها نزلت في العاص بن وائل ، و روي أنها نزلت في رجل لم يذكر اسمه .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و إبراهيم الذي وفى» قال : وفى بما أمره الله به من الأمر و النهي و ذبح ابنه .


و في الكافي، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن الرجل يحج فيجعل حجته و عمرته أو بعض طوافه لبعض أهله و هو عنه غائب في بلد آخر ؟ قال : قلت : فينتقص ذلك من أجره ؟ قال : هي له و لصاحبه و له أجر سوى ذلك بما وصل . قلت : و هو ميت أ يدخل ذلك عليه ؟ قال : نعم حتى يكون مسخوطا عليه فيغفر له أو يكون مضيقا عليه فيوسع له . قلت : فيعلم هو في مكانه أنه عمل ذلك لحقه ؟ قال : نعم . قلت : و إن كان ناصبا ينفعه ذلك ؟ قال : نعم يخفف عنه .


أقول : مورد الرواية إهداء ثواب العمل دون العمل نيابة عن الميت .


و فيه ، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يقول الله عز و جل للملك الموكل بالمؤمن إذا مرض : اكتب له ما كنت تكتب له في صحته فإني أنا الذي صيرته في حبالي .


و في الخصال ، عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال : صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته إلى يوم القيامة صدقة


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 53


موقوفة لا تورث ، و سنة هدى سنها و كان يعمل بها و عمل بها من بعده غيره ، و ولد صالح يستغفر له .


أقول : و هذه الروايات الثلاث - و في معناها روايات كثيرة جدا عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) - توسع معنى السعي في قوله تعالى : « و أن ليس للإنسان إلا ما سعى» و قد تقدمت إشارة إليها .


و في أصول الكافي ، بإسناده إلى سليمان بن خالد قال : قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : إن الله يقول : « و أن إلى ربك المنتهى» فإذا انتهى الكلام إلى الله فأمسكوا .


أقول : و هو من التوسعة في معنى الانتهاء .


و فيه ، بإسناده إلى أبي عبيدة الحذاء قال : قال أبو جعفر (عليه‏السلام‏) : يا زياد إياك و الخصومات فإنها تورث الشك ، و تحبط العمل ، و تردي صاحبها ، و عسى أن يتكلم بالشي‏ء فلا يغفر له . أنه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به ، و طلبوا علم ما كفوه حتى انتهى كلامهم إلى الله فتحيروا حتى كان الرجل يدعى من بين يديه فيجيب من خلفه ، و يدعى من خلفه فيجيب من بين يديه . قال : و في رواية أخرى : حتى تاهوا في الأرض .


و في الدر المنثور ، أخرج أبو الشيخ عن أبي ذر قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : تفكروا في خلق الله و لا تفكروا في الله فتهلكوا .


أقول : و في النهي عن التفكر في الله سبحانه روايات كثيرة أخر مودعة في جوامع الفريقين ، و النهي إرشادي متعلق بمن لا يحسن الورود في المسائل العقلية العميقة فيكون خوضه فيها تعرضا للهلاك الدائم .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و أنه هو أضحك و أبكى» قال : أبكى السماء بالمطر ، و أضحك الأرض بالنبات .


أقول : هو من التوسعة في معنى الإبكاء و الإضحاك .


و في المعاني ، بإسناده إلى السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائهم (عليهم‏السلام‏) قال : قال أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « و أنه هو أغنى و أقنى» قال : أغنى كل إنسان بمعيشته ، و أرضاه بكسب يده .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و أنه هو رب الشعرى» قال : النجم في السماء يسمى الشعرى كانت قريش و قوم من العرب يعبدونه ، و هو نجم يطلع في آخر الليل .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 54


أقول : الظاهر أن قوله : و هو نجم يطلع في آخر الليل تعريف له بحسب زمان صدور الحديث و كان في الصيف و إلا فهو يستوفي في مجموع السنة جميع ساعات الليل و النهار .


و فيه ، : في قوله تعالى : « أزفت الآزفة» قال قربت القيامة .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « أ فمن هذا الحديث تعجبون» يعني بالحديث ماتقدم من الأخبار .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « أ فمن هذا الحديث تعجبون و تضحكون و لا تبكون» فما رئي النبي بعدها ضاحكا حتى ذهب من الدنيا

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :