امروز:
چهار شنبه 26 مهر 1396
بازدید :
744
تفسيرالميزان : سوره قمر آيات 55- 1


54-سورة القمر مكية و هي خمس و خمسون آية 55


سورة القمر


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْترَبَتِ الساعَةُ وَ انشقَّ الْقَمَرُ(1) وَ إِن يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُّستَمِرٌّ(2) وَ كذَّبُوا وَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْوَ كلُّ أَمْرٍ مُّستَقِرٌّ(3) وَ لَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ(4) حِكمَةُ بَلِغَةٌفَمَا تُغْنِ النُّذُرُ(5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْيَوْمَ يَدْعُ الدَّاع إِلى شىْ‏ءٍ نُّكرٍ(6) خُشعاً أَبْصرُهُمْ يخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ(7) مُّهْطِعِينَ إِلى الدَّاعيَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ(8)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 55


بيان


سورة ممحضة في الإنذار و التخويف إلا آيتين من آخرها تبشران المتقين بالجنة و الحضور عند ربهم .


تبدأ السورة بالإشارة إلى آية شق المقر التي أتى بهارسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن اقتراح من قومه ، و تذكر رميهم له بالسحر و تكذيبهم به و اتباعهم الأهواء مع ما جاءهم أنباء زاجرة من أنباء يوم القيامة و أنباء الأمم الماضين الهالكين ثم يعيد تعالى عليهم نبذة من تلك الأنباء إعادة ساخط معاتب فيذكر سيى‏ء حالهم يوم القيامة عند خروجهم من الأجداث و حضورهم للحساب .


ثم تشير إلى قصص قوم نوح و عاد و ثمود و قوم لوط و آل فرعون و ما نزل بهم من أليم العذاب إثر تكذيبهم بالنذر و ليس قوم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بأعز عند الله منهم و ما هم بمعجزين ، و تختتم السورة ببشرى للمتقين .


و السورة مكية بشهادة سياق آياتها ، و لا يعبأ بما قيل : إنها نزلت ببدر ، و كذا بما قيل : إن بعض آياتها مدنية ، و من غرر آياتها ما في آخرها من آيات القدر .


قوله تعالى : « اقتربت الساعة و انشق القمر» الاقتراب زيادة في القرب فقوله : « اقتربت الساعة» أي قربت جدا ، و الساعة هي الظرف الذي تقوم فيه القيامة .


و قوله : « و انشق القمر» أي انفصل بعضه عن بعض فصار فرقتين شقتين تشير الآية إلى آية شق القمر التي أجراها الله تعالى على يد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بمكة قبل الهجرة إثر سؤال المشركين من أهل مكة ، و قد استفاضت الروايات على ذلك ، و اتفق أهل الحديث و المفسرون على قبولها كما قيل .


و لم يخالف فيه منهم إلا الحسن و عطاء و البلخي حيث قالوا : معنى قوله : « انشق القمر» سينشق القمر عند قيام الساعة و إنما عبر بلفظ الماضي لتحقق الوقوع .


و هو مزيف مدفوع بدلالة الآية التالية « و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر» فإن سياقها أوضح شاهد على أن قوله « آية» مطلق شامل لانشقاق القمر فعند وقوعه إعراضهم و قولهم : سحر مستمر و من المعلوم أن يوم القيامة يوم يظهر فيه الحقائق و يلجئون فيه إلىالمعرفة ، و لا معنى حينئذ لقولهم في آية ظاهرة : أنها سحر مستمر فليس إلا أنها


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 56


آية قد وقعت للدلالة على الحق و الصدق و تأتي لهم أن يرموها عنادا بأنها سحر .


و مثله في السقوط ما قيل : إن الآية إشارة إلى ما ذهب إليه الرياضيون أخيرا أن القمر قطعة من الأرض كما أن الأرض جزء منفصل من الشمس فقوله : « و انشق القمر» إشارة إلى حقيقة علمية لم ينكشف يوم النزول بعد .


و ذلك أن هذه النظرية على تقدير صحتها لا يلائمها قوله : « و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر» إذ لم ينقل عن أحد أنه قال للقمر : هو سحر مستمر .


على أن انفصال القمر عن الأرض اشتقاق و الذي في الآية الكريمة انشقاق ، و لا يطلق الانشقاق إلا على تقطع الشي‏ء في نفسه قطعتين دون انفصاله من شي‏ء بعد ما كان جزء منه .


و مثله في السقوط ما قيل : إن معنى انشقاق القمر انكشاف الظلمة عند طلوعه و كذا ما قيل : إن انشقاق القمر كناية عن ظهور الأمر و وضوح الحق .


و الآية لا تخلو من إشعار بأن انشقاق القمر من لوازم اقتراب الساعة .


قوله تعالى : « و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر» الاستمرار من الشي‏ء مرور منه بعد مرور مرة بعد مرة ، و لذا يطلق على الدوام و الاطراد فقولهم : سحر مستمر أي سحر بعد سحر مداوما .


و قوله : « آية» نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم ، و المعنى و كل آية يشاهدونها يقولون فيها أنها سحر بعد سحر ، و فسر بعضهم المستمر بالمحكم الموثق ، و بعضهم بالذاهب الزائل ، و بعضهم بالمستبشع المنفور ، و هي معان بعيدة .


قوله تعالى : « و كذبوا و اتبعوا أهواءهم و كل أمر مستقر» متعلق التكذيب بقرينة ذيل الآية هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و ما أتى به من الآيات أي و كذبوا بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و ما أتى به من الآيات و الحال أن كل أمر مستقر سيستقر في مستقره فيعلم أنه حق أو باطل و صدق أو كذب فسيعلمون أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) صادق أو كاذب ، على الحق أو لا فقوله : « و كل أمر مستقر» في معنى قوله : « و لتعلمن نبأه بعد حين» : ص : 88 .


و قيل متعلق التكذيب انشقاق القمر و المعنى : و كذبوا بانشقاق القمر و اتبعوا أهواءهم ، و جملة « و كل أمر مستقر» لا تلائمه تلك الملاءمة .


قوله تعالى : « لقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر» المزدجر مصدر ميمي و هو الاتعاظ ، و قوله : « من الأنباء» بيان لما فيه مزدجر ، والمراد بالأنباء أخبار الأمم


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 57


الدارجة الهالكة أو أخبار يوم القيامة و قد احتمل كل منهما ، و الظاهر من تعقيب الآية بأنباء يوم القيامة ثم بأنباء عدة من الأمم الهالكة أن المراد بالأنباء التي فيها مزدجر جميع ذلك .


قوله تعالى : « حكمة بالغة فما تغن النذر» الحكمة كلمة الحق التي ينتفع بها ، و البلوغ وصول الشي‏ء إلى ما تنتهي إليه المسافة و يكنى به عن تمام الشي‏ء و كماله فالحكمة البالغة هي الحكمة التامة الكاملة التي لا نقص فيها من حيث نفسها و من حيث أثرها .


و قوله : « فما تغن النذر» الفاء فيه فصيحة تفصح عن جملة مقدرة تترتب عليها الكلام ، و النذر جمع نذير بمعنى المنذر أو بمعنى الإنذار و الكل صحيح و إن كان الأول أقرب إلى الفهم .


و المعنى : هذا القرآن أو الذي يدعون إليه حكمة بالغة كذبوا بها و اتبعوا أهواءهم فما تغني المنذرون أو الإنذارات ؟ .


قوله تعالى : « فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شي‏ء نكر» التولي الإعراض و الفاء في « فتول» لتفريع الأمر بالتولي على ما تقدمه من وصف حالهم أي إذا كانوا مكذبين بك متبعين أهواءهم لا يغني فيهم النذر و لا تؤثر فيهم الزواجر فتول عنهم و لا تلح عليهم بالدعوة .


و قوله : « يوم يدع الداع إلى شي‏ء نكر» قال الراغب : الإنكار ضد العرفان يقال : أنكرت كذا و نكرت ، و أصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره ، و ذلك ضرب من الجهل قال تعالى : « فلما رءا أيديهم لا تصل إليه نكرهم» .


قال : و النكر الدهاء و الأمر الصعب الذي لا يعرف .


انتهى .


و قد تم الكلام في قوله : « فتول عنهم» ببيان حالهم تجاه الحكمة البالغة التي ألقيت إليهم و الزواجر التي ذكروا بها على سبيل الإنذار ، ثم أعاد سبحانه نبذة من تلك الزواجر التي هي أنباء من حالهم يوم القيامة و من عاقبة حال الأمم المكذبين من الماضين في لحن العتاب و التوبيخ الشديد الذي تهز قلوبهم للانتباه و تقطع منابت أعذارهم في الإعراض .


فقوله : « يوم يدع الداع» إلخ ، كلام مفصول عما قبله لذكر الزواجر التي أشير إليها سابقا في مقام الجواب عن سؤال مقدر كأنه لما قال : « فتول عنهم» سئل فقيل : فإلى م يئول أمرهم ؟ فقيل : « يوم يدع» إلخ ، أي هذه حال آخرتهم و تلك عاقبة دنيا أشياعهم و أمثالهم من قوم نوح و عاد و ثمود و غيرهم ، و ليسوا خيرا منهم .


و على هذا فالظرف في « يوم يدع» متعلق بما سيأتي من قوله : « يخرجون» و المعنى :


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 58


يخرجون من الأجداث يوم يدعو الداعي إلى شي‏ء نكر ، إلخ و إما متعلق بمحذوف ، و التقدير اذكر يوم يدعو الداعي ، و المحصل اذكر ذاك اليوم و حالهم فيه ، و الآية في معنى قوله : « هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم» : الزخرف : 66 ، و قوله : « فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم» : يونس : 102 .


و لم يسم سبحانه هذا الداعي من هو ؟ و قد نسب الدعوة في موضع من كلامه إلى نفسه فقال : « يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده» : إسراء : 52 .


و إنما أورد من أنباء القيامة نبأ دعوتهم للخروج من الأجداث و الحضور لفصل القضاء و خروجهم منها خشعا أبصارهم مهطعين إلى الداعي ليحاذي به دعوتهم في الدنيا إلى الإيمان بالآيات و إعراضهم و قولهم : سحر مستمر .


و معنى الآية : اذكر يوم يدعو الداعي إلى أمر صعب عليهم و هو القضاء و الجزاء .


قوله تعالى : « خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر» الخشع جمع خاشع و الخشوع نوع من الذلة و نسب إلى الأبصار لأن ظهوره فيها أتم .


و الأجداث جمع جدث و هو القبر ، و الجراد حيوان معروف ، و تشبيههم في الخروج من القبور بالجراد المنتشر من حيث إن الجراد في انتشاره يدخلالبعض منه في البعض و يختلط البعض بالبعض في جهات مختلفة فكذلك هؤلاء في خروجهم من القبور ، قال تعالى : « يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم» : المعارج : 44 .


قوله تعالى : « مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر» أي حال كونهم مسرعين إلى الداعي مطيعين مستجيبين دعوته يقول الكافرون : هذا يوم عسر أي صعب شديد .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : « اقتربت الساعة» قال : اقتربت القيامة فلا يكون بعد رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلا القيامة و قد انقضت النبوة و الرسالة . و قوله : «و انشق القمر» فإن قريشا سألت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يريهم آية فدعا الله فانشق القمر نصفين حتى نظروا إليه ثم التأم فقالوا : هذا سحر مستمر أي صحيح .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 59


و في أمالي الشيخ ، بإسناده عن عبيد الله بن علي عن الرضا عن آبائه عن علي (عليه‏السلام‏) قال : انشق القمر بمكة فلقتين فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : اشهدوا اشهدوا .


أقول : ورد انشقاق القمر لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في روايات الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) كثيرا و قد تسلمه محدثوهم و العلماء من غير توقف .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق و أحمد و عبد بن حميد و مسلم و ابن جرير و ابن المنذر و الترمذي و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل عن أنس قال : سأل أهل مكة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) آية فانشق القمر بمكة فرقتين فنزلت « اقتربت الساعة و انشق القمر» إلى قوله : « سحر مستمر» أي ذاهب .


و فيه ، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه و أبو نعيم و البيهقي و كلاهما في الدلائل من طريق مسروق عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال قريش : هذا سحر ابن أبي كبشة فقالوا : انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم فجاء السفار فسألوهم فقالوا : نعم قد رأيناه فأنزل الله « اقتربت الساعة و انشق القمر» .


و فيه ، أخرج مسلم و الترمذي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه و الحاكم و البيهقي و أبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد عن ابن عمر : في قوله : « اقتربت الساعة و انشق القمر» قال : كان ذلك على عهد رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) انشق فرقتين : فرقة من دون الجبل و فرقة خلفه فقال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : اللهم اشهد .


و فيه ، أخرج أحمد و عبد بن حميد و الترمذي و ابن جرير و الحاكم و أبو نعيم و البيهقي عن جبير بن مطعم : في قوله : « و انشق القمر» قال : انشق القمر و نحن بمكة على عهد رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حتى صار فرقتين : فرقة على هذا الجبل و فرقة على هذا الجبل فقال الناس : سحرنا محمد فقال رجل : إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم .


و فيه ، أخرج ابن جرير و ابن مردويه و أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس : في قوله : « اقتربت الساعة و انشق القمر» قال : قد مضى ذلك قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه .


و فيه ، أخرج ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد و ابن جرير و ابن مردويه و أبو نعيم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 60


فحمد الله و أثنى عليه . ثم قال : اقتربت الساعة و انشق القمر ألا و إن الساعة قد اقتربت . ألا و إن القمر قد انشق على عهد رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) . ألا و إن الدنيا قد آذنت بفراق . ألا و إن اليوم المضمار و غدا السباق .


أقول : و قد روي انشقاق القمر بدعاء النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بطرق مختلفة كثيرة عن هؤلاء النفر من الصحابة و هم أنس ، و عبد الله بن مسعود ، و ابن عمر ، و جبير بن مطعم ، و ابن عباس ، و حذيفة بن اليمان ، و عد في روح المعاني ممن روي عنه الحديث من الصحابة عليا (عليه‏السلام‏) ثم نقل عن السيد الشريف في شرح المواقف و عن ابن السبكي في شرح المختصر أن الحديث متواتر لا يمترى في تواتره .


هذه حال الحديث عند أهل السنة و قد عرفت حاله عند الشيعة .


كلام فيه إجمال القول في شق القمر


آية شق القمر بيد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بمكة قبل الهجرة باقتراح من المشركين مما تسلمها المسلمون بلا ارتياب منهم .


و يدل عليها من القرآن الكريم دلالة ظاهرة قوله تعالى : « اقتربت الساعة و انشق القمر و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر» : القمر : 2 ، فالآية الثانية تأبى إلا أن يكون مدلول قوله : « و انشق القمر» آية واقعة قريبة من زمان النزول أعرض عنها المشركون كسائر الآيات التي أعرضوا عنها و قالوا : سحر مستمر .


و يدل عليها من الحديث روايات مستفيضة متكاثرة رواها الفريقان و تسلمها المحدثون ، و قد تقدمت نماذج منها في البحث الروائي .


فالكتاب و السنة يدلان عليها و انشقاق كرة من الكرات الجوية ممكن في نفسه لا دليل على استحالته العقلية ، و وقوع الحوادث الخارقة للعادة - و منها الآيات المعجزات - جائز و قد قدمنا في الجزء الأول من الكتاب تفصيل الكلام فيها إمكانا و وقوعا و من أوضح الشواهد عليه القرآن الكريم فمن الواجب قبول هذه الآية و إن لم يكن من ضروريات الدين .


و اعترض عليها بأن صدور الآية المعجزة منه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) باقتراح من الناس ينافي قوله تعالى : « و ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون و آتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها و ما


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 61


نرسل بالآيات إلا تخويفا» : إسراء : 59 فإن مفاد الآية إما أنا لا نرسل بالآيات إلى هذه الأمة لأن الأمم السابقة كذبوا بها و هؤلاء يماثلونهم في طباعهم فيكذبون بها ، و لا فائدة في الإرسال مع عدم ترتب أثر عليه أو المفاد أنا لا نرسل بها لأنا أرسلنا إلى أوليهم فكذبوا بها فعذبوا و أهلكوا و لو أرسلنا إلى هؤلاء لكذبوا بها و عذبوا عذاب الاستئصال لكنا لا نريد أن نعاجلهم بالعذاب ، و على أي حال لا يرسل بالآيات إلى هذه الأمة كما كانت ترسل إلى الأمم الدارجة .


نعم هذا في الآيات المرسلة باقتراح من الناس دون الآيات التي تؤيد بها الرسالة كالقرآن المؤيد لرسالة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و كآيتي العصا و اليد لموسى (عليه‏السلام‏) و آية إحياء الموتى و غيرها لعيسى (عليه‏السلام‏) ، و كذا الآيات النازلة لطفا منه سبحانه كالخوارق الصادرة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لا عن اقتراح منهم .


و مثل الآية السابقة قوله تعالى : « و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا - إلى أن قال - قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا» : إسراء : 93 و غير ذلك من الآيات .


و الجواب عن هذا الاعتراض يحتاج إلى تقديم مقدمة هي أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بعث رسولا إلى أهل الدنيا كافة بنبوة خاتمة كما يدل عليه قوله تعالى : « قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا» : الأعراف : 158 ، و قوله : « و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به و من بلغ» : الأنعام : 19 ، و قوله : « و لكن رسول الله و خاتم النبيين» : الأحزاب : 40 إلى غير ذلك من الآيات .


و قد بدأ (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو بمكة بدعوة قومه من أهل مكة و حواليها فقابلوه بما استطاعوا من الشقاق و الإيذاء و الاستهزاء و هموا بإخراجه أو إثباته أو قتلهحتى أمره ربه بالهجرة غير أنه آمن به و هو بمكة جمع كثير منهم و إن كانت عامتهم على الكفر و المؤمنون و إن كانوا قليلين بالنسبة إلى المشركين مضطهدين مفتنين لكنهم كانوا في أنفسهم جمعا ذا عدد كما يدل عليه قوله تعالى : « أ لم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم و أقيموا الصلاة» : النساء : 77 فقد استجازوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يقاتلوا المشركين فلم يأذن الله لهم في ذلك على ما روي في سبب نزول الآية و هذا يدل على أنهم كانوا ذوي عدة و عدة في الجملة و لم يزالوا يزيدون جمعا .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 62


ثم هاجر (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى المدينة و بسط هنالك الدعوة و نشر الإسلام فيها و في حواليها و في القبائل و في اليمن و سائر أقطار الجزيرة ما عدا مكة و حواليها ثم بسط الدعوة على غير الجزيرة فكاتب الملوك و العظماء من فارس و الروم و مصر سنة ست من الهجرة ثم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة و قد أسلم ما بين الهجرة و الفتح جمع من أهلها و حواليها .


ثم ارتحل (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و كان من انتشار الإسلام ما كان ، و لم يزل الإسلام يزيد جمعا و ينتشر صيتا إلى يومنا هذا و قد بلغوا خمس أهل الأرض عددا .


إذا تمهد هذا فنقول : كانت آية انشقاق القمر آية اقتراحية تستعقب العذاب لو كذبوا بها و قد كذبوا و قالوا سحر مستمر و ما كان الله ليهلك بها جميع من أرسل إليهم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هم أهل الأرض جميعا لعدم تمام الحجة عليهم يومئذ و قد كان الانشقاق سنة خمس قبل الهجرة ، و قد قال تعالى : « ليهلك من هلك عن بينة» : الأنفال : 42 .


و ما كان الله ليهلك جميع أهل مكة و حواليها خاصة و بينهم جمع من المسلمين كما قال تعالى : « و لو لا رجال مؤمنون و نساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما :» الفتح : 25 .


و ما كان الله سبحانه لينجي المؤمنين و يهلك كفارهم و قد آمن جمع كثير منهم فيما بين سنة خمس قبل الهجرة و سنة ثمان بعد الهجرة عام فتح مكة ثم آمنت عامتهم يوم الفتح و الإسلام كان يكتفي منهم بظاهر الشهادتين .


و لم تكن عامة أهل مكة و حواليها أهل عناد و جحود و إنما كان أهل الجحود و العناد عظماؤهم و صناديدهم المستهزئين بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) المعذبين للمؤمنين ، المقترحين عليه بالآيات و هم الذين يقول تعالىفيهم : « إن الذين كفروا سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون» : البقرة : 6 ، و قد أوعد الله هؤلاء الجاحدين المقترحين بتحريم الإيمان و الهلاك في مواضع من كلامه فلم يؤمنوا و أهلكهم الله يوم بدر و تمت كلمة الرب صدقا و عدلا .


و أما التمسك لنفي إرسال الآيات مطلقا بقوله تعالى : « و ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون» فالآية لا تشمل قطعا الآيات المؤيدة للرسالة كالقرآن المؤيد لرسالة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و كذا الآيات النازلة لطفا كالخوارق الصادرة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من الإخبار بالمغيبات و شفاء المرضى بدعائه و غير ذلك .


فلو كانت مطلقة فإنما تشمل الآيات الاقتراحية و تفيد أن الله سبحانه لم يرسل الآيات


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 63


التي اقترحتها قريش - أو لم يرسل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالآيات التي اقترحوها - لأن الأمم السابقة كذبوا بها و طباع هؤلاء المقترحين طباعهم يكذبون بها و لازمها نزول العذاب و الله لا يريد أن يعذبهم عاجلا .


و قد أوضح سبحانه سبب عدم معاجلتهم بالعذاب بقوله : « و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون» : الأنفال : 33 ، و استبان بذلك أن المانع من عذابهم وجود الرسول فيهم كما يفيده أيضا قوله تعالى : « و إن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها و إذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا» : إسراء : 76 .


ثم قال تعالى : « و ما لهم ألا يعذبهم الله و هم يصدون عن المسجد الحرام و ما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون و لكن أكثرهم لا يعلمون و ما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء و تصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون» : الأنفال : 35 و الآيات نزلت عقيب غزوة بدر .


و الآيات تبين أنه لم يكن من قبلهم مانع من نزول العذاب غير وجود النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بينهم فإذا زال المانع بخروجه من بينهم فليذوقوا العذاب و هو ما أصابهم في وقعة بدر من القتل الذريع .


و بالجملة كان المانع من إرسال الآيات تكذيب الأولين و مماثلتهم لهم في خصيصة التكذيب و وجود النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بينهم المانع من معاجلة العذاب فإذا وجد مقتض للعذاب كالصد و المكاء و التصدية و زال أحد ركني المانع و هو كونه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيهم فلا مانع من العذاب و لا مانع من نزول الآية و إرسالها ليحق عليهم القول فيعذبوا بسبب تكذيبهم لها و بسبب مقتضيات أخر كالصد و نحوه .


فتحصل أن قوله تعالى : « و ما منعنا أن نرسل بالآيات» إلخ ، إنما يفيد الإمساك عن إرسال الآيات ما دام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيهم و أما إرسالها و تأخير العذاب إلى خروجه من بينهم فلا دلالة فيه عليه و قد صرح سبحانه بأن وقعة بدر كانت آية و ما أصابهم فيها كان عذابا ، و كذا لو كان مفاد الآية هو الامتناع عن الإرسال لكونه لغوا بسبب كونهم مجبولين على التكذيب فإن إرسالها مع تأخير العذاب و النكال إلى خروج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 64


بينهم من الفائدة ليحق الله الحق و يبطل الباطل فلتكن آية انشقاق القمر من الآيات النازلة التي من فائدتها نزول العذاب عليهم بعد خروج النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من بينهم .


و أما قوله تعالى : « قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا» فليس مدلوله نفي تأييد النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالآيات المعجزة و إنكار نزولها من أصلها كيف ؟ و هو ينفيها عن نفسه بما أنه بشر رسول ، و لو كان المراد ذلك لأفاد إنكار معجزات الأنبياء جميعا لكون كل منهم بشرا رسولا ، و صريح القرآن فيما حدث من قصص الأنبياء و أخبرعن آياتهم يناقض ذلك ، و أوضح من الجميع في مناقضة ذلك نفس الآية التي هي من القرآن المتحدي بالإعجاز .


بل مدلوله أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بشر رسول غير قادر من حيث نفسه على شي‏ء من الآيات التي يقترحون عليه ، و إنما الأمر إلى الله سبحانه إن شاء أنزلها و إن لم يشأ لم يفعل قال تعالى : « و أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون» : الأنعام : 109 ، و قال حاكيا عن قوم نوح : « قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إنكنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء» : هود : 33 ، و قال : « و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله» : المؤمن : 78 ، و الآيات في هذا المعنى كثيرة .


و من الاعتراض على آية الانشقاق ما قيل : إن القمر لو انشق كما يقال لرآه جميع الناس و لضبطه أهل الأرصاد في الشرق و الغرب لكونه من أعجب الآيات السماوية و لم يعهد فيما بلغ إلينا من التاريخ و الكتب الباحثة عن الأوضاح السماوية له نظير و الدواعي متوفرة على استماعه و نقله .


و أجيب بما حاصله أن من الممكن أولا : أن يغفل عنه فلا دليل على كون كل حادث أرضي أو سماوي معلوما للناس محفوظا عندهم يرثه خلف عن سلف .


و ثانيا : أن الحجاز و ما حولها من البلاد العربية و غيرها لم يكن بها مرصد للأوضاع السماوية ، و إنما كان ما كان من المراصد بالهند و المغرب من الروم و اليونان و غيرهما و لم يثبت وجود مرصد في هذا الوقت - و هو على ما في بعض الروايات أول الليلة الرابعة عشرة من ذي الحجة سنة خمس قبل الهجرة - .


على أن بلاد الغرب التي كانوا معتنين بهذا الشأن بينها و بين مكة من اختلاف الأفق ما


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 65


يوجب فصلا زمانيا معتدا به و قد كان القمر - على ما في بعض الروايات - بدرا و انشق في حوالي غروب الشمس حين طلوعه و لم يبق على الانشقاق إلا زمانا يسيرا ثم التأم فيقع طلوعه على بلاد الغرب و هو ملتئم ثانيا .


على أنا نتهم غير المسلمين من أتباع الكنيسة و الوثنية في الأمور الدينية التي لها مساس نفع بالإسلام .


و من الاعتراض عليها ما قيل : إن الانشقاق لا يقع إلا ببطلان التجاذب بين الشقتين و حينئذ يستحيل الالتيام فلو كان منشقا لم يلتئم أبدا .


و الجواب عنه أن الاستحالة العقلية ممنوعة ، و الاستحالة العادية بمعنى اختراق العادة لو منعت عن الالتيام بعد الانشقاق لمنعت أولا عن الانشقاق بعد الالتيام و لم تمنع و أصل الكلام مبني على جواز خرق العادة .


كَذَّبَت قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَ قَالُوا مجْنُونٌ وَ ازْدُجِرَ(9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ(10) فَفَتَحْنَا أَبْوَب السمَاءِ بمَاءٍ مُّنهَمِرٍ(11) وَ فَجَّرْنَا الأَرْض عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ(12) وَ حَمَلْنَهُ عَلى ذَاتِ أَلْوَحٍ وَ دُسرٍ(13) تجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كانَ كُفِرَ(14) وَ لَقَد تَّرَكْنَهَا ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ(15) فَكَيْف كانَ عَذَابى وَ نُذُرِ(16) وَ لَقَدْ يَسرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ(17) كَذَّبَت عَادٌ فَكَيْف كانَ عَذَابى وَ نُذُرِ(18) إِنَّا أَرْسلْنَا عَلَيهِمْ رِيحاً صرْصراً فى يَوْمِ نحْسٍ مُّستَمِرٍّ(19) تَنزِعُ النَّاس كَأَنهُمْ أَعْجَازُ نخْلٍ مُّنقَعِرٍ(20) فَكَيْف كانَ عَذَابى وَ نُذُرِ(21) وَ لَقَدْ يَسرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ(22) كَذَّبَت ثَمُودُ بِالنُّذُرِ(23) فَقَالُوا أَ بَشراً مِّنَّا وَحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِى ضلَلٍ وَ سعُرٍ(24) أَ ءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ(25) سيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّاب الأَشِرُ(26) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبهُمْ وَ اصطبرْ(27) وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسمَةُ بَيْنهُمْكلُّ شِرْبٍ محْتَضرٌ(28) فَنَادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعَاطى فَعَقَرَ(29) فَكَيْف كانَ عَذَابى وَ نُذُرِ(30) إِنَّا أَرْسلْنَا عَلَيهِمْ صيْحَةً وَحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُْحْتَظِرِ(31) وَ لَقَدْ يَسرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ(32) كَذَّبَت قَوْمُ لُوطِ بِالنُّذُرِ(33) إِنَّا أَرْسلْنَا عَلَيهِمْ حَاصِباً إِلا ءَالَ لُوطٍنجَّيْنَهُم بِسحَرٍ(34) نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَاكَذَلِك نجْزِى مَن شكَرَ(35) وَ لَقَدْ أَنذَرَهُم بَطشتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ(36) وَ لَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضيْفِهِ فَطمَسنَا أَعْيُنهُمْ فَذُوقُوا عَذَابى وَ نُذُرِ(37) وَ لَقَدْ صبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّستَقِرٌّ(38) فَذُوقُوا عَذَابى وَ نُذُرِ(39) وَ لَقَدْ يَسرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ(40) وَ لَقَدْ جَاءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ(41) كَذَّبُوا بِئَايَتِنَا كلِّهَا فَأَخَذْنَهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ(42)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 66


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 67


بيان


إشارة إلى بعض ما فيه مزدجر من أنباء الأمم الدارجة خص بالذكر من بينهم قوم نوح و عاد و ثمود و قوم لوط و آل فرعون فذكرهم بأنبائهم و أعاد عليهم إجمال ما قص عليهم سابقا من قصصهم و ما آل إليه تكذيبهم بآيات الله و رسله من أليم العذاب و هائل العقاب تقريرا لقوله : « و لقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر» .


و لتوكيد التقرير و تمثيل ما في هذه القصص الزاجرة من الزجر القارع للقلوب عقب كل واحدة من القصص بقوله خطابا لهم : « فكيف كان عذابي و نذر» ثم ثناه بذكر الغرض من الإنذار و التخويف فقال : « و لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» .


قوله تعالى : « كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا و قالوا مجنون و ازدجر» التكذيب الأول منزل منزلة اللازم أي فعلت التكذيب ، و قوله : « فكذبوا عبدنا» إلخ ، تفسيره كما في قوله : « و نادى نوح ربه فقال» إلخ ، : هود : 45 .


و قيل : المراد بالتكذيب الأول التكذيب المطلق و هو تكذيبهم بالرسل و بالثاني التكذيب بنوح خاصة كقوله في سورة الشعراء : « كذبت قوم نوح المرسلين» : الشعراء : 105 ، و المعنى : كذبت قوم نوح المرسلين فترتب عليه تكذيبهم لنوح ، و هو وجه حسن .


و قيل : المراد بتفريع التكذب على التكذيب الإشارة إلى كونه تكذيبا إثر تكذيب بطول زمان دعوته فكلما انقرض قرن منهم مكذب جاء بعدهم قرن آخر مكذب ، و هو معنى بعيد .


و مثله قول بعضهم : إن المراد بالتكذيب الأول قصده و بالثاني فعله .


و قوله : « فكذبوا عبدنا» في التعبير عن نوح (عليه‏السلام‏) بقوله : « عبدنا» في مثل المقام تجليل لمقامه و تعظيم لأمره و إشارة إلى أن تكذيبهم له يرجع إليه تعالى لأنه عبد لا يملك شيئا و ما له فهو لله .


و قوله : « و قالوا مجنون و ازدجر» المراد بالازدجار زجر الجن له أثر الجنون ، و المعنى : و لم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه إلى الجنون فقالوا هو مجنون و ازدجره الجن فلا يتكلم إلا عن زجر و ليس كلامه من الوحي السماوي في شي‏ء .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 68


و قيل : الفاعل المحذوف للازدجار هو القوم ، و المعنى : و ازدجره القوم عن الدعوة و التبليغ بأنواع الإيذاء و التخويف ، و لعل المعنى الأول أظهر .


قوله تعالى : « فدعا ربه أني مغلوب فانتصر» الانتصار الانتقام ، و قوله : « أني مغلوب» أي بالقهر و التحكم دون الحجة ، و هذا الدعاء تلخيص لتفصيل دعائه ، و تفصيل دعائه مذكور في سورة نوح و تفصيل حججه في سورة هود و غيرها .


قوله تعالى : « ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر» قال في المجمع ، : الهمر صب الدمع و الماء بشدة ، و الانهمار الانصباب ، انتهى .


و فتح أبواب السماء و هي الجو بماء منصب استعارة تمثيلية عن شدة انصباب الماء و جريان المطر متواليا كأنه مدخر وراء باب مسدود يمنع عن انصبابه ففتح الباب فانصب أشد ما يكون .


قوله تعالى : « و فجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر» قال في المجمع ، : التفجير تشقيق الأرض عن الماء ، و العيون جمع عين الماء و هو ما يفور من الأرض مستديرا كاستدارة عين الحيوان .


انتهى .


و المعنى : جعلنا الأرض عيونا منفجرة عن الماء تجري جريانا متوافقا متتابعا .


و قوله : « فالتقى الماء على أمر قد قدر» أي فالتقى الماءان ماء السماء و ماء الأرض مستقرا على أمر قدره الله تعالى أي حسب ما قدر من غير نقيصة و لا زيادة و لا عجل و لا مهل .


فالماء اسم جنس أريد به ماء السماء و ماء الأرض و لذلك لم يثن ، و المراد بأمر قد قدر الصفة التي قدرها الله لهذا الطوفان .


قوله تعالى : « و حملناه على ذات ألواح و دسر» المراد بذات الألواح و الدسر السفينة ، و الألواح جمع لوح و هو الخشبة التي يركب بعضها على بعض في السفينة ، و الدسر جمع دسار و دسر و هو المسمار الذي تشد بها الألواح في السفينة ، و قيل فيه معان أخر لا تلائم الآية تلك الملاءمة .


قوله تعالى : « تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر» أي تجري السفينة على الماء المحيط بالأرض بأنواع من مراقبتنا و حفظنا و حراستنا ، و قيل : المراد تجري بأعين أوليائنا و من وكلناه بها من الملائكة .


و قوله : « جزاء لمن كان كفر» أي جريان السفينة كذلك و فيه نجاة من فيها من الهلاك ليكون جزاء لمن كان كفر به و هو نوح (عليه‏السلام‏) كفر به و بدعوته قومه ، فالآية في معنى


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 69


قوله : « و نجيناه و أهله من الكرب العظيم - إلى أن قال - إنا كذلك نجزي المحسنين» : الصافات : 80 .


قوله تعالى : « و لقد تركناها آية فهل من مدكر» ضمير « تركناها» للسفينة على ما يفيده السياق و اللام للقسم ، و المعنى : أقسم لقد أبقينا تلك السفينة التي نجينا بها نوحا و الذين معه ، و جعلناها آية يعتبر بها من اعتبر فهل من متذكر يتذكر بها وحدانيته تعالى و أن دعوة أنبيائه حق ، و أن أخذه أليم شديد ؟ و لازم هذا المعنى بقاء السفينة إلى حين نزول هذه الآيات علامة دالة على واقعة الطوفان مذكرة لها ، و قد قال بعضهم في تفسير الآية على ما نقل : أبقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة ، انتهى .


و قد أوردنا في تفسير سورة هود في آخر الأبحاث حول قصة نوح خبر أنهم عثروا في بعض قلل جبل آراراط و هو الجودي قطعات أخشاب من سفينة متلاشية وقعت هناك ، فراجع .


و قيل : ضمير « تركناها» لما مر من القصة بما أنها فعله .


قوله تعالى : « فكيف كان عذابي و نذر» النذر جمع نذير بمعنى الإنذار ، و قيل : مصدر بمعنى الإنذار .


و الظاهر أن « كان» ناقصة و اسمها « عذابي» و خبرها « فكيف» ، و يمكن أن تكون تامة فاعلها قوله : « عذابي» و قوله : « فكيف» حالا منه .


و كيف كان فالاستفهام للتهويل يسجل به شدة العذاب و صدق الإنذار .


قوله تعالى : « و لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» التيسير التسهيل و تيسير القرآن للذكر هو إلقاؤه على نحو يسهل فهم مقاصده للعامي و الخاصي و الأفهام البسيطة و المتعمقة كل على مقدار فهمه .


و يمكن أن يراد به تنزيل حقائقه العالية و مقاصده المرتفعة عن أفق الأفهام العادية إلى مرحلة التكليم العربي تناله عامة الأفهام كما يستفاد من قوله تعالى : « إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون و إنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم» : الزخرف : 4 .


و المراد بالذكر ذكره تعالى بأسمائه أو صفاته أو أفعاله ، قال في المفردات ، : الذكر تارة يقال و يراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة و هو كالحفظ


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 70


إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه ، و الذكر يقال اعتبارا باستحضاره و تارة يقال لحضور الشي‏ء القلب أو القول ، و لذلك قيل : الذكر ذكران : ذكر بالقلب و ذكر باللسان و كل واحد منهما ضربان : ذكر عن نسيان و ذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ ، و كل قول يقال له ذكر .


انتهى .


و معنى الآية : و أقسم لقد سهلنا القرآن لأن يتذكر به ، فيذكر الله تعالى و شئونه ، فهل من متذكر يتذكر به فيؤمن بالله و يدين بما يدعو إليه من الدين الحق ؟ .


فالآية دعوة عامة إلى التذكر بالقرآن بعد تسجيل صدق الإنذار و شدة العذاب الذي أنذر به .


قوله تعالى : « كذبت عاد فكيف كان عذابي و نذر» شروع في قصة أخرى من القصص التي فيها الإزدجار و لم يعطف على ما قبلها - و مثلها القصص الآتية - لأن كل واحدة من هذه القصص مستقلة كافية في الزجر و الردع و العظة لو اتعظوا بها .


و قوله : « فكيف كان عذابي و نذر» مسوق لتوجيه قلوب السامعين إلى ما يلقى إليهم من كيفية العذاب الهائل بقوله : « إنا أرسلنا» إلخ ، و ليس مسوقا للتهويل و تسجيل شدة العذاب و صدق الإنذار كسابقه و إلا لتكرر قوله بعد : « فكيف كان» إلخ ، كذا قيل و هو وجه حسن .


قوله تعالى : « إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر» بيان لما استفهم عنه في قوله : « فكيف كان عذابي و نذر» و الصرصر - على ما في المجمع ، - الريح الشديدة الهبوب ، و النحس بالفتح فالسكون مصدر كالنحوسة بمعنى الشؤم ، و مستمر صفة لنحس ، و معنى إرسال الريح في يوم نحس مستمر إرسالها في يوم متلبس بالنحوسة و الشأمة بالنسبة إليهم المستمرة عليهم لا يرجى فيه خير لهم و لا نجاة .


و المراد باليوم قطعة من الزمان لا اليوم الذي يساوي سبع الأسبوع لقوله تعالى في موضع آخر من كلامه : « فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات» : حم السجدة 16 ، و في موضع آخر : « سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام حسوما» : الحاقة : 7 .


و فسر بعضهم النحس بالبرد .


قوله تعالى : « تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر» فاعل « تنزع» ضمير راجع إلى


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 71


الريح أي تنزع الريح الناس من الأرض ، و أعجاز النخل أسافله ، و المنقعر المقلوع من أصله ، و المعنى ظاهر ، و في الآية إشعار ببسطة القوم أجساما .


قوله تعالى : « فكيف كان عذابي - إلى قوله - مدكر» تقدم تفسير الآيتين .


كلام في سعادة الأيام و نحوستها و الطيرة و الفأل في فصول


1- في سعادة الأيام و نحوستها :


نحوسة اليوم أو أي مقدار من الزمان أن لا يعقبالحوادث الواقعة فيه إلا الشر و لا يكون الأعمال أو نوع خاص من الأعمال فيه مباركة لعاملها ، و سعادته خلافه .


و لا سبيل لنا إلى إقامة البرهان على سعادة يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة و لا نحوسته و طبيعة الزمان المقدارية متشابهة الأجزاء و الأبعاض ، و لا إحاطة لنا بالعلل و الأسباب الفاعلة المؤثرة في حدوث الحوادث و كينونة الأعمال حتى يظهر لنا دوران اليوم أو القطعة من الزمان من علل و أسباب تقتضي سعادته أو نحوسته ، و لذلك كانت التجربة الكافية غير متأتية لتوقفها على تجرد الموضوع لأثره حتى يعلم أن الأثر أثره و هو غير معلوم في المقام .


و لما مر بعينه لم يكن لنا سبيل إلى إقامة البرهان على نفي السعادة و النحوسة كما لم يكن سبيل إلى الإثبات و إن كان الثبوت بعيدا فالبعد غير الاستحالة .


هذا بحسب النظر العقلي .


و أما بحسب النظر الشرعي ففي الكتاب ذكر من النحوسة و ما يقابلها ، قال تعالى : « إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر» : القمر : 19 ، و قال : « فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات» : حم السجدة : 16 ، لكن لا يظهر من سياق القصة و دلالة الآيتين أزيد من كون النحوسة و الشؤم خاصة بنفس الزمان الذي كانت تهب عليهم فيه الريح عذابا و هو سبع ليال و ثمانية أيام متوالية يستمر عليهم فيها العذاب من غير أن تدور بدوران الأسابيع و هو ظاهر و إلا كان جميع الزمان نحسا ، و لا بدوران الشهور و السنين .


و قال تعالى : « و الكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة» : الدخان : 3 ، و المراد بها ليلة القدر التي يصفها الله تعالى بقوله : « ليلة القدر خير من ألف شهر» : القدر : 3 ، و ظاهر


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 72


أن مباركة هذه الليلة و سعادتها إنما هي بمقارنتها نوعا من المقارنة لأمور عظام من الإفاضات الباطنية الإلهية و أفاعيل معنوية كإبرام القضاء و نزول الملائكة و الروح و كونها سلاما ، قال تعالى : « فيها يفرق كل أمر حكيم» : الدخان : 4 ، و قال : « تنزل الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر» : القدر : 5 .


و يئول معنى مباركتها و سعادتها إلى فضل العبادة و النسك فيها و غزارة ثوابها و قرب العناية الإلهية فيها من المتوجهين إلى ساحة العزة و الكبرياء .


و أما السنة فهناك روايات كثيرة جدا في السعد و النحس من أيام الأسبوع و من أيام الشهور العربية و من أيام شهور الفرس و من أيام الشهور الرومية، و هي روايات بالغة في الكثرة مودعة في جوامع الحديث أكثرها ضعاف من مراسيل و مرفوعات و إن كان فيها ما لا يخلو من اعتبار من حيث إسنادها .


أما الروايات العادة للأيام النحسة كيوم الأربعاء و الأربعاء لا تدور و سبعة أيام من كل شهر عربي و يومين من كل شهر رومي و نحو ذلك ، ففي كثير منها و خاصة فيما يتعرض لنحوسة أيام الأسبوع و أيام الشهور العربية تعليل نحوسة اليوم بوقوع حوادث مرة غير مطلوبة بحسب المذاق الديني كرحلة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و شهادة الحسين (عليه‏السلام‏) و إلقاء إبراهيم (عليه‏السلام‏) في النار و نزول العذاب بأمة كذا و خلق النار و غير ذلك .


و معلوم أن في عدها نحسة مشئومة و تجنب اقتراب الأمور المطلوبة و طلب الحوائج التي يلتذ الإنسان بالحصول عليها فيها تحكيما للتقوى و تقوية للروح الدينية و في عدم الاعتناء و الاهتمام بها و الاسترسال في الاشتغال بالسعي في كل ما تهواه النفس في أي وقت كان إضرابا عن الحق و هتكا لحرمة الدين و إزراء لأوليائه فتئول نحوسة هذه الأيام إلى جهات من الشقاء المعنوي منبعثة عن علل و أسباب اعتبارية مرتبطة نوعا من الارتباط بهذه الأيام تفيد نوعا من الشقاء الديني على من لا يعتني بأمرها .


و أيضا قد ورد في عدة من هذه الروايات الاعتصام بالله بصدقة أو صوم أو دعاء أو قراءة شي‏ء من القرآن أو غير ذلك لدفع نحوسة هذه الأيام كما عن مجالس ابن الشيخ ، بإسناده


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 73


عن سهل بن يعقوب الملقب بأبي نواس عن العسكري (عليه‏السلام‏) في حديث : قلت : يا سيدي في أكثر هذه الأيام قواطع عن المقاصد لما ذكر فيها من النحس و المخاوف فتدلني على الاحتراز من المخاوف فيها فإنما تدعوني الضرورة إلى التوجه في الحوائج فيها ؟ فقال لي : يا سهل إن لشيعتنا بولايتنا لعصمة لو سلكوا بها في لجة البحار الغامرة و سباسب البيداء الغائرة بين سباع و ذئاب و أعادي الجن و الإنس لآمنوا من مخاوفهم بولايتهم لنا ، فثق بالله عز و جل و أخلص في الولاء لأئمتك الطاهرين و توجه حيث شئت و اقصد ما شئت . الحديث . ثم أمره (عليه‏السلام‏) بشي‏ء من القرآن و الدعاء أن يقرأه و يدفع به النحوسة و الشأمة و يقصد ما شاء .


و في الخصال ، بإسناده عن محمد بن رياح الفلاح قال : رأيت أبا إبراهيم (عليه‏السلام‏) يحتجم يوم الجمعة فقلت : جعلت فداك تحتجم يوم الجمعة ؟ قال : أقرأ آية الكرسي فإذا هاج بك الدم ليلا كان أو نهارا فاقرأ آية الكرسي و احتجم .


و في الخصال ، أيضا بإسناده عن محمد بن أحمد الدقاق قال : كتبت إلى أبي الحسن الثاني (عليه‏السلام‏) أسأله عن الخروج يوم الأربعاء لا تدور ، فكتب (عليه‏السلام‏) : من خرج يوم الأربعاء لا تدور خلافا على أهل الطيرة وقي من كل آفة و عوفي من كل عاهة و قضى الله له حاجته . و كتب إليه مرة أخرى يسأله عن الحجامة يوم الأربعاء لا تدور ، فكتب (عليه‏السلام‏) : من احتجم في يوم الأربعاء لا تدور خلافا على أهل الطيرة عوفي من كل آفة ، و وقي من كل عاهة ، و لم تخضر محاجمه .


و في معناها ما في تحف العقول ، : قال الحسينبن مسعود : دخلت على أبي الحسن علي بن محمد (عليهماالسلام‏) و قد نكبت إصبعي و تلقاني راكب و صدم كتفي ، و دخلت في زحمه فخرقوا علي بعض ثيابي فقلت : كفاني الله شرك من يوم فما أيشمك . فقال (عليه‏السلام‏) لي : يا حسن هذا و أنت تغشانا ترمي بذنبك من لا ذنب له ؟ . قال الحسن : فأثاب إلى عقلي و تبينت خطئي فقلت : يا مولاي أستغفر الله . فقال :


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 74


يا حسن ما ذنب الأيام حتى صرتم تتشاءمون بها إذا جوزيتم بأعمالكم فيها ؟ قال الحسن : أنا أستغفر الله أبدا ، و هي توبتي يا بن رسول الله . قال : ما ينفعكم و لكن الله يعاقبكم بذمها على ما لا ذم عليها فيه . أ ما علمت يا حسن أن الله هو المثيب و المعاقب و المجازي بالأعمال عاجلا و آجلا ؟ قلت : بلى يا مولاي . قال : لا تعد و لا تجعل للأيام صنعا في حكم الله . قال الحسن : بلى يا مولاي .


و الروايات السابقة - و لها نظائر في معناها - يستفاد منها أن الملاك في نحوسة هذه الأيام النحسات هو تطير عامة الناس بها و للتطير تأثير نفساني كما سيأتي ، و هذه الروايات تعالج نحوستها التي تأتيها من قبل الطيرة بصرف النفس عن الطيرة إن قوي الإنسان على ذلك ، و بالالتجاء إلى الله سبحانه و الاعتصام به بقرآن يتلوه أو دعاء يدعو به إن لم يقو عليه بنفسه .


و حمل بعضهم هذه الروايات المسلمة لنحوسة بعض الأيام على التقية ، و ليس بذاك البعيد فإن التشاؤم و التفاؤل بالأزمنة و الأمكنة و الأوضاع و الأحوال من خصائص العامة يوجد منه عندهم شي‏ء كثير عند الأمم و الطوائف المختلفة على تشتتهم و تفرقهم منذ القديم إلى يومنا و كان بين الناس حتى خواصهم في الصدر الأول في ذلك روايات دائرة يسندونها إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لا يسع لأحد أن يردها كما في كتاب المسلسلات ، بإسناده عن الفضل بن الربيع قال : كنت يوما مع مولاي المأمون فأردنا الخروج يوم الأربعاء فقال المأمون : يوم مكروه سمعت أبي الرشيد يقول : سمعت المهدي يقول : سمعت المنصور يقول : سمعت أبي محمد بن علي يقول : سمعت أبي عليا يقول : سمعت أبي عبد الله بن عباس يقول : سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : إن آخر الأربعاء في الشهر يوم نحس مستمر .


و أما الروايات الدالة على الأيام السعيدة من الأسبوع و غيرها فالوجه فيها نظير ما تقدمت إليه الإشارة في الأخبار الدالة على نحوستها من الوجه الأول فإن في هذه الأخبار تعليل بركة ما عده من الأيام السعيدة بوقوع حوادث متبركة عظيمة في نظر الدين كولادة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و بعثته و كما ورد : أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) دعا فقال : اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم سبتها و خميسها ، و ما ورد : أن الله ألان الحديد لداود (عليه‏السلام‏) يوم الثلاثاء ، و أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يخرج للسفر يوم الجمعة ، و أن الأحد من أسماء الله تعالى .


فتبين مما تقدم على طوله أن الأخبار الواردة في سعادة الأيام و نحوستها لا تدل على أزيد


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 75


من ابتنائهما على حوادث مرتبطة بالدين توجب حسنا و قبحا بحسب الذوق الديني أو بحسب تأثير النفوس ، و أما اتصاف اليوم أو أي قطعة من الزمان بصفة الميمنة أو المشأمة و اختصاصه بخواص تكوينية عن علل و أسباب طبيعية تكوينية فلا ، و ما كان من الأخبار ظاهرا في خلاف ذلك فإما محمول على التقية أو لا اعتماد عليه .


2- في سعادة الكواكب و نحوستها


و تأثير الأوضاع السماوية في الحوادث الأرضية سعادة و نحوسة .


الكلام في ذلك من حيث النظر العقلي كالكلام في سعادة الأيام و نحوستها فلا سبيل إلى إقامة البرهان على شي‏ء من ذلك كسعادة الشمس و المشتري و قران السعدين و نحوسة المريخ و قران النحسين و القمر في العقرب .


نعم كان القدماء من منجمي الهند يرون للحوادث الأرضية ارتباطا بالأوضاع السماوية مطلقا أعم من أوضاع الثوابت و السيارات ، و غيرهم يرى ذلك بين الحوادث و بين أوضاع السيارات السبع دون الثوابت و أوردوا لأوضاعها المختلفة خواص و آثارا تسمى بأحكام النجوم يرون عند تحقق كل وضع أنه يعقب وقوع آثاره .


و القوم بين قائل بأن الأجرام الكوكبية موجودات ذوات نفوس حية مريدة تفعل أفاعيلها بالعلية الفاعلية ، و قائل بأنها أجرام غير ذات نفس تؤثر أثرها بالعلية الفاعلية ، أو هي معدات لفعله تعالى و هو الفاعل للحوادث أو أن الكواكب و أوضاعها علامات للحوادث من غير فاعلية و لا إعداد ، أو أنه لا شي‏ء من هذه الارتباطات بينها و بين الحوادث حتى على نحو العلامية و إنما جرت عادة الله على أن يحدث حادثة كذا عند وضع سماوي ، كذا .


و شي‏ء من هذه الأحكام ليس بدائمي مطرد بحيث يلزم حكم كذا وضعا كذا فربما تصدق و ربما تكذب لكن الذي بلغنا من عجائب القصص و الحكايات في استخراجاتهم يعطي أن بين الأوضاع السماوية و الحوادث الأرضية ارتباطا ما إلا أنه في الجملة لا بالجملة كما أن بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) يصدق ذلك كذلك .


و على هذا لا يمكن الحكم البتي بكون كوكب كذا أو وضع كذا سعدا أو نحسا و أما أصل ارتباط الحوادث و الأوضاع السماوية و الأرضية بعضها ببعض فليس في وسع الباحث الناقد إنكار ذلك .


و أما القول بكون الكواكب أو الأوضاع السماوية ذوات تأثير فيما دونها سواء قيل


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 76


بكونها ذوات نفوس ناطقة أو لم يقل فليس مما يخالف شيئا من ضروريات الدين إلا أن يقال بكونها خالقة موجدة لما دونها من غير أن ينتهي ذلك إليه تعالى فيكون شركا لكنه لا قائل به حتى من وثنية الصابئة التي تعبد الكواكب ، أو أن يقال بكونها مدبرة للنظام الكوني مستقلة في التدبير فيكون ربوبية تستعقب المعبودية فيكون شركا كما عليه الصابئة عبدة الكواكب .


و أما الروايات الواردة في تأثير النجوم سعدا و نحسا و تصديقا و تكذيبا فهي كثيرة جدا على أقسام : منها : ما يدل بظاهره على تسليم السعادة و النحوسة فيها كما في الرسالة الذهبية ، عن الرضا (عليه‏السلام‏) : اعلم أن جماعهن و القمر في برج الحمل أو الدلو من البروج أفضل و خير من ذلك أن يكون في برج الثور لكونه شرف القمر .


و في البحار ، عن النوادر بإسناده عن حمران عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : من سافر أو تزوج و القمر في العقرب لم ير الحسنى الخبر ، و في كتاب النجوم ، لابن طاووس عن علي (عليه‏السلام‏) : يكره أن يسافر الرجل في محاق الشهر و إذا كان القمر في العقرب .


و يمكن حمل أمثال هذه الروايات على التقية على ما قيل ، أو على مقارنة الطيرة العامة كما ربما يشعر به ما في عدة من الروايات من الأمر بالصدقة لدفع النحوسة كما في نوادر الراوندي ، بإسناده عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده في حديث : إذا أصبحت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس ذلك اليوم ، و إذا أمسيت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس تلك الليلة الخبر ، و يمكن أن يكون ذلك لارتباط خاص بين الوضع السماوي و الحادثة الأرضية بنحو الاقتضاء .


و منها : ما يدل على تكذيب تأثيرات النجوم في الحوادث و النهي الشديد عن الاعتقاد بها و الاشتغال بعلمها كما في نهج البلاغة ، : المنجم كالكاهن و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر و الكافر في النار .


و يظهر من أخبار أخر تصدقها و تجوز النظر فيها أن النهي عن الاشتغال بها و البناء عليها إنما هو فيما اعتقد لها استقلال في التأثير لتأديته إلى الشرك كما تقدم .


و منها : ما يدل على كونه حقا في نفسه غير أن قليله لا ينفع و كثيره لا يدرك كما في الكافي ، بإسناده عن عبد الرحمن بن سيابة قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : جعلت فداك


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 77


إن الناس يقولون : إن النجوم لا يحل النظر فيها و هو يعجبني فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شي‏ء يضر بديني ، و إن كانت لا تضر بديني فو الله إني لأشتهيها و أشتهي النظر فيها . فقال : ليس كما يقولون لا يضر بدينك ثم قال : إنكم تنظرون في شي‏ء منها كثيرة لا يدرك و قليله لا ينتفع به .


الخبر .


و في البحار ، عن كتاب النجوم لابن طاووس عن معاوية بن حكيم عن محمد بن زياد عن محمد بن يحيى الخثعمي قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن النجوم حق هي ؟ قال لي : نعم فقلت له : و في الأرض من يعلمها ؟ قال : نعم و في الأرض من يعلمها ، : و في عدة من الروايات : ما يعلمها إلا أهل بيت من الهند و أهل بيت من العرب : و في بعضها : من قريش .


و هذه الروايات تؤيد ما قدمناه من أن بين الأوضاع و الأحكام ارتباطا ما في الجملة .


نعم ورد في بعض هذه الروايات : أن الله أنزل المشتري على الأرض في صورة رجل فلقي رجلا من العجم فعلمه النجوم حتى ظن أنه بلغ ثم قال له انظر أين المشتري ؟ فقال : ما أراه في الفلك و ما أدري أين هو ؟ فنحاه و أخذ بيد رجل من الهند فعلمه حتى ظن أنه قد بلغ و قال : انظر إلى المشتري أين هو ؟ فقال : إن حسابي ليدل على أنك أنت المشتري قال : فشهق شهقة فمات و ورث علمه أهله فالعلم هناك .


الخبر ، و هو أشبه بالموضوع .


3 - في التفاؤل و التطير


و هما الاستدلال بحادث من الحوادث على الخير و ترقبه و هو التفاؤل أو على الشر و هو التطير و كثيرا ما يؤثران و يقع ما يترقب منهما من خير أو شر و خاصة في الشر و ذلك تأثير نفساني .


و قد فرق الإسلام بين التفاؤل و التطير فأمر بالتفاؤل و نهى عن التطير ، و في ذلك تصديق لكون ما فيهما من التأثير تأثيرا نفسانيا .


أما التفاؤل ففيما روي عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : تفاءلوا بالخير تجدوه ، و كان (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كثير التفاؤل نقل عنه ذلك في كثير من مواقفه .


و أما التطير فقد ورد في مواضع من الكتاب نقله عن أمم الأنبياء في دعواتهم لهم حيث كانوا يظهرون لأنبيائهم أنهم اطيروا بهم فلا يؤمنون ، و أجاب عن ذلك أنبياؤهم


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 78


بما حاصله أن التطير لا يقلب الحق باطلا ولا الباطل حقا ، و أن الأمر إلى الله سبحانه لا إلى الطائر الذي لا يملك لنفسه شيئا فضلا عن أن يملك لغيره الخير و الشر و السعادة و الشقاء قال تعالى : « قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم و ليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم» : يس : 19 ، أي ما يجر إليكم الشر هو معكم لا معنا ، و قال : « قالوا اطيرنا بك و بمن معك قال طائركم عند الله» : النمل : 47 ، أي الذي يأتيكم به الخير أو الشر عند الله فهو الذي يقدر فيكم ما يقدر لا أنا و من معي فليس لنا من الأمر شي‏ء .


و قد وردت أخبار كثيرة في النهي عن الطيرة و في دفع شؤمها بعدم الاعتناء أو بالتوكل و الدعاء ، و هي تؤيد ما قدمناه من أن تأثيرها من التأثيرات النفسانية ففي الكافي ، بإسناده عن عمرو بن حريث قال : قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : الطيرة على ما تجعلها إن هونتها تهونت ، و إن شددتها تشددت ، و إن لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا .


و دلالة الحديث على كون تأثيرها من التأثيرات النفسانية ظاهرة ، و مثله الحديث المروي من طرق أهل السنة : ثلاث لا يسلم منها أحد : الطيرة و الحسد و الظن . قيل : فما نصنع ؟ قال : إذا تطيرت فامض ، و إذا حسدت فلا تبغ ، و إذا ظننت فلا تحقق .


و في معناه ما في الكافي ، عن القمي عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : كفارة الطيرة التوكل .


الخبر و ذلك أن في التوكل إرجاع أمر التأثير إلى الله تعالى ، فلا يبقى للشي‏ء أثر حتى يتضرر به ، و في معناه ما ورد من طرق أهل السنة على ما في نهاية ابن الأثير ، : الطيرة شرك و ما منا إلا و لكن الله يذهبه بالتوكل .


و في المعنى السابق ما روي عن موسى بن جعفر (عليه‏السلام‏) أنه قال : الشؤم للمسافر في طريقه سبعة أشياء : الغراب الناعق عن يمينه ، و الكلب الناشر لذنبه ، و الذئب العاوي الذي يعوي في وجه الرجل و هو مقع على ذنبه ثم يرتفع ثم ينخفض ثلاثا ، و الظبي السانح عن يمين إلى شمال ، و البومة الصارخة ، و المرأة الشمطاء تلقى فرجها ، و الأتان العضبان يعني الجدعاء ، فمن أوجس في نفسه منهن شيئا فليقل : اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي فيعصم من ذلك .


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 79


و يلحق بهذا البحث الكلامي في نحوسة سائر الأمور المعدودة عند العامة مشئومة نحسة كالعطاس مرة واحدة عند العزم على أمر و غير ذلك و قد وردت في النهي عن التطير بها و التوكل عند ذلك روايات في أبواب متفرقة ، و في النبوي المروي من طرق الفريقين : لا عدوى ، و لا طيرة ، و لا هامة ، و لا شؤم ، و لا صفر ، و لا رضاع بعد فصال ، و لا تعرب بعد هجرة ، و لا صمت يوما إلى الليل ، و لا طلاق قبل نكاح ، و لا عتق قبل ملك ، و لا يتم بعد إدراك .


قوله تعالى : « كذبت ثمود بالنذر» النذر إما مصدر كما قيل و المعنى : كذبت ثمود بإنذار نبيهم صالح (عليه‏السلام‏) ، و إما جمع نذير بمعنى المنذر ، و المعنى : كذبت ثمود بالأنبياء لأن تكذيبهم بالواحد منهم تكذيب منهم بالجميع لأن رسالتهم واحدة لا اختلاف فيها فيكون في معنى قوله : « كذبت ثمود المرسلين» : الشعراء : 141 ، و إما جمع نذير بمعنى الإنذار و مرجعه إلى أحد المعنيين السابقين .


قوله تعالى : « فقالوا أ بشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال و سعر» تفريع على التكذيب و السعر جمع سعير بمعنى النار المشتعلة ، و احتمل أن يكون بمعنى الجنون و هو أنسب للسياق ، و الظاهر أن المراد بالواحد الواحد العددي ، و المعنى : كذبوا به فقالوا : أ بشرا من نوعنا و هو شخص واحد لا عدة له و لا جموع معه نتبعه إنا إذا مستقرون في ضلال عجيب و جنون .


فيكون هذا القول توجيها منهم لعدم اتباعهم لصالح لفقده العدة و القوة و هم قد اعتادوا على اتباع من عنده ذلك كالملوك و العظماء و قد كان صالح (عليه‏السلام‏) يدعوهم إلى طاعة نفسه و رفض طاعة عظمائهم كما يحكيه الله سبحانه عنه بقوله : « فاتقوا الله و أطيعون و لا تطيعوا أمر المسرفين» : الشعراء : 151 .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 80


و لو أخذ الواحد واحدا نوعيا كان المعنى : أ بشرا هو واحد منا أي هو مثلنا و من نوعنا نتبعه ؟ و كانت الآية التالية مفسرة لها .


قوله تعالى : « أ ألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر» الاستفهام كسابقه للإنكار و المعنى : أ أنزل الوحي عليه و اختص به من بيننا و لا فضل له علينا ؟ لا يكون ذلك أبدا ، و التعبير بالإلقاء دون الإنزال و نحوه للإشعار بالعجلة كما قيل .


و من المحتمل أن يكون المراد نفي أن يختص بإلقاء الذكر من بينهم و هو بشر مثلهم فلو كان الوحي حقا و جاز أن ينزل على البشر لنزل على البشر كلهم فما باله اختص بما من شأنه أن يرزقه الجميع ؟ فتكون الآية في معنى قولهم له كما في سورة الشعراء : « ما أنت إلا بشر مثلنا» : الشعراء : 154 .


و قوله : « بل هو كذاب أشر» أي شديد البطر متكبر يريد أن يتعظم علينا بهذا الطريق .


قوله تعالى : « سيعلمون غدا من الكذاب الأشر» حكاية قوله سبحانه لصالح (عليه‏السلام‏) كالآيتين بعدها .


و المراد بالغد العاقبة من قولهم : إن مع اليوم غدا ، يشير سبحانه به إلى ما سينزل عليهم من العذاب فيعلمون عند ذلك علم عيان من هو الكذاب الأشر صالح أو هم ؟ .


قوله تعالى : « إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم و اصطبر» في مقام التعليل لما أخبر من أنهم سينزل عليهم العذاب و المفاد أنهم سينزل عليهم العذاب لأنا فاعلون كذا و كذا ، و الفتنة الامتحان و الابتلاء ، و المعنى : أنا مرسلون - على طريق الإعجاز - الناقة التي يسألونها امتحانا لهم فانتظرهم و اصبر على أذاهم .


قوله تعالى : « و نبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر» ضمير الجمع الأول للقوم و الثاني للقوم و الناقة على سبيل التغليب ، و القسمة بمعنى المقسوم ، و الشرب النصيب من شرب الماء ، و المعنى : و خبرهم بعد إرسال الناقة أن الماء مقسوم بين القوم و بين الناقة كل نصيب من الشرب يحضر عنده صاحبه فيحضر القوم عند شربهم و الناقة عند شربها قال تعالى : « قال هذه ناقة لها شرب و لكم شرب يوم معلوم» : الشعراء : 155 .


قوله تعالى : « فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر» المراد بصاحبهم عاقر الناقة ، و التعاطي التناول و المعنى : فنادى القوم عاقر الناقة لعقرها فتناول عقرها فعقرها و قتلها .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 81


قوله تعالى : « فكيف كان عذابي و نذر إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر» المحتظر صاحب الحظيرة و هي كالحائط يعمل ليجعل فيه الماشية ، و هشيم المحتظر الشجر اليابس و نحوه يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته ، و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « و لقد يسرنا» إلخ تقدم تفسيره .


قوله تعالى : « كذبت قوم لوط بالنذر» تقدم تفسيره في نظيره .


قوله تعالى : « إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر» الحاصب الريح التي تأتي بالحجارة و الحصباء ، و المراد بها الريح التي أرسلت فرمتهم بسجيل منضود .


و قال في مجمع البيان ، : سحر إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار يقال : رأيت زيدا سحرا من الأسحار فإذا أردت سحر يومك قلت : أتيته بسحر - بالفتح - و أتيته سحر - من غير تنوين - انتهى ، و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر» « نعمة» مفعول له من « نجيناهم» أي نجيناهم ليكون نعمة من عندنا نخصهم بها لأنهم كانوا شاكرين لنا و جزاء الشكر لنا النجاة .


قوله تعالى : « و لقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر» ضمير الفاعل في « أنذرهم» للوط (عليه‏السلام‏) ، و البطشة الأخذة الشديدة بالعذاب ، و التماري الإصرار على الجدال و إلقاء الشك ، و النذر الإنذار ، و المعنى : أقسم لقد خوفهم لوط أخذنا الشديد فجادلوا في إنذاره و تخويفه .


قوله تعالى : « و لقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي و نذر» مراودته عن ضيفه طلبهم منه أن يسلم إليهم أضيافه و هم الملائكة ، و طمس أعينهم محوها ، و قوله : « فذوقوا عذابي و نذر» التفات إلى خطابهم تشديدا و تقريعا، و النذر مصدر أريد به ما يتعلق به الإنذار و هو العذاب ، و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « و لقد صبحهم بكرة عذاب مستقر» قال في مجمع البيان ، : و قوله : « بكرة» ظرف زمان فإذا كان معرفة بأن تريد بكرة يومك تقول : أتيته بكرة و غدوة لم تصرفهما فبكرة هنا - و قد نون - نكرة ، و المراد باستقرار العذاب حلوله بهم و عدم تخلفه عنهم .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 82


قوله تعالى : « فذوقوا عذابي - إلى قوله - من مدكر» تقدم تفسيره .


قوله تعالى : « و لقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر» المراد بالنذر الإنذار ، و قوله : « كذبوا بآياتنا» مفصول من غير عطف لكونه جوابا لسؤال مقدر كأنه لما قيل : « و لقد جاء آل فرعون النذر» قيل : فما فعلوا ؟ فأجيب بقوله : « كذبوا بآياتنا» ، و فرع عليه قوله : « فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر» .


بحث روائي


في روح المعاني ، : في قوله تعالى : « و لقد يسرنا القرآن للذكر» : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس : لو لا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله تعالى : . قال : و أخرج الديلمي مرفوعا عن أنس مثله .


ثم قال : و لعل خبر أنس إن صح ليس تفسيرا للآية .


أقول : و ليس من البعيد أن يكون المراد المعنى الثاني الذي قدمناه في تفسير الآية .


و في تفسير القمي ، : في قوله : « ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر» قال : صب بلا قطر « و فجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء» قال : ماء السماء و ماء الأرض « على أمر قد قدر و حملناه» يعني نوحا « على ذات ألواح و دسر» قال : الألواح السفينة و الدسر المسامير .


و فيه ، : في قوله تعالى : « فنادوا صاحبهم» قال : قدار الذي عقر الناقة ، و قوله : « كهشيم» قال : الحشيش و النبات .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي يزيد عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في حديث يذكر فيه قصة قوم لوط قال : فكابروه يعني لوطا حتى دخلوا البيت فصاح به جبرئيل فقال : يا لوط دعهم فلما دخلوا أهوى جبرئيل بإصبعه نحوهم فذهبت أعينهم و هو قول الله عز و جل : « فطمسنا أعينهم» .


أَ كُفَّارُكمْ خَيرٌ مِّنْ أُولَئكمْ أَمْ لَكم بَرَاءَةٌ فى الزُّبُرِ(43) أَمْ يَقُولُونَ نحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ(44) سيهْزَمُ الجَْمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ(45) بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ الساعَةُ أَدْهَى وَ أَمَرُّ(46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فى ضلَلٍ وَ سعُرٍ(47) يَوْمَ يُسحَبُونَ فى النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَس سقَرَ(48) إِنَّا كلَّ شىْ‏ءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ(49) وَ مَا أَمْرُنَا إِلا وَحِدَةٌ كلَمْح بِالْبَصرِ(50) وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكرٍ(51) وَ كلُّ شىْ‏ءٍ فَعَلُوهُ فى الزُّبُرِ(52) وَ كلُّ صغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُّستَطرٌ(53) إِنَّ المُْتَّقِينَ فى جَنَّتٍ وَ نهَرٍ(54) فى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ(55)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 83


بيان


الآيات في معنى أخذ النتيجة مما أعيد ذكره من الأنباء التي فيها مزدجر و هي نبأ الساعة المذكور أولا ثم أنباء الأمم الهالكة المذكورة ثانيا فهي تنعطف أولا على أنباء الأمم الهالكة فتخاطب قوم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن كفاركم ليسوا خيرا من أولئك الأمم الطاغية الجبارة و قد أهلكهم الله على أذل وجه و أهونه و لا لكم براءة مكتوبة من عذاب الله ، و لا أن جمعكم ينفعكم في الذب عن العقاب .


ثم تنعطف إلى ما مر من نبأ الساعة بأنها موعدهم الصعب أن أجرموا و كذبوا و الساعة أدهى و أمر ، ثم تشير إلى موطن المتقين يومئذ و عند ذلك تختتم السورة .


قوله تعالى : « أ كفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر» الظاهر أنه خطاب لقوم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من مسلم و كافر على ما تشعر به الإضافة في « كفاركم» و الخيرية هي الخيرية في زينة الدنيا و زخارف حياتها كالمال و البنين أو من جهة الأخلاق العامة في مجتمعهم كالسخاء


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 84


و الشجاعة و الشفقة على الضعفاء ، و الإشارة بأولئكم إلى الأقوام المذكورة أنباؤهم : قوم نوح و عاد و ثمود و قوم لوط و آل فرعون ، و الاستفهام للإنكار .


و المعنى : ليس الذين كفروا منكم خيرا من أولئكم الأمم المهلكين المعذبين حتى يشملهم العذاب دونكم .


و يمكن أن يكون خطاب « أ كفاركم» لخصوص الكفار بعناية أنهم قوم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و فيهم كفار و هم هم .


و قوله : « أم لكم براءة في الزبر» ظاهره أيضا عموم الخطاب ، و الزبر جمع زبور و هو الكتاب ، و قد ذكروا أن المراد بالزبر الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء ، و المعنى : بل أ لكم براءة في الكتب السماوية التي نزلت من عند الله أنكم في أمن من العذاب و المؤاخذة و إن كفرتم و أجرمتم و اقترفتم ما شئتم من الذنوب .


قوله تعالى : « أم يقولون نحن جميع منتصر» الجميع المجموعو المراد به وحدة مجتمعهم من حيث الإرادة و العمل ، و الانتصار الانتقام أو التناصر كما في خطابات يوم القيامة : « ما لكم لا تناصرون» : الصافات : 25 ، و المعنى : بل أ يقولون أي الكفار نحن قوم مجتمعون متحدون ننتقم ممن أرادنا بسوء أو ينصر بعضنا بعضا فلا ننهزم .


قوله تعالى : « سيهزم الجمع و يولون الدبر» اللام في « الجمع» للعهد الذكري و في « الدبر» للجنس ، و تولي الدبر الإدبار ، و المعنى : سيهزم الجمع الذي يتبجحون به و يولون الأدبار و يفرون .


و في الآية إخبار عن مغلوبية و انهزام لجمعهم ، و دلالة على أن هذهالمغلوبية انهزام منهم في حرب سيقدمون عليها ، و قد وقع ذلك في غزاة بدر ، و هذا من ملاحم القرآن الكريم .


قوله تعالى : « بل الساعة موعدهم و الساعة أدهى و أمر» « أدهى» اسم تفضيل من الدهاء و هو عظم البلية المنكرة التي ليس إلى التخلص منها سبيل ، و « أمر» اسم تفضيل من المرارة ضد الحلاوة ، و في الآية إضراب عن إيعادهم بالانهزام و العذاب الدنيوي إلى إيعادهم بما سيجري عليهم في الساعة و قد أشير إلى نبئها في أول الأنباء الزاجرة ، و الكلام يفيد الترقي .


و المعنى : و ليس الانهزام و العذاب الدنيوي مقام عقوبتهم بل الساعة التي أشرنا إلى نبئها هي موعدهم و الساعة أدهى من كل داهية و أمر من كل مر .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 85


قوله تعالى : « إن المجرمين في ضلال و سعر» جمع سعير و هي النار المسعرة و في الآية تعليل لما قبلها من قوله : « و الساعة أدهى و أمر» ، و المعنى : إنما كانت الساعة أدهى و أمر لهم لأنهم مجرمون و المجرمون في ضلال عن موطن السعادة و هو الجنة و نيران مسعرة .


قوله تعالى : « يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر» السحب جر الإنسان على وجهه ، و « يوم» ظرف لقوله : « في ضلال و سعر» ، و « سقر» من أسماء جهنم و مسها هو إصابتها لهم بحرها و عذابها .


و المعنى : كونهم في ضلال و سعر في يوم يجرون في النار على وجوههم يقال لهم : ذوقوا ما تصيبكم جهنم بحرها و عذابها .


قوله تعالى : « إنا كل شي‏ء خلقناه بقدر» « كل شي‏ء» منصوب بفعل مقدر يدل عليه « خلقناه» و التقدير خلقنا كل شي‏ء خلقناه ، و « بقدر» متعلق بقوله : « خلقناه» و الباء للمصاحبة ، و المعنى : أنا خلقنا كل شي‏ء مصاحبا لقدر .


و قدر الشي‏ء هو المقدار الذي لا يتعداه و الحد و الهندسة التي لا يتجاوزه في شي‏ء من جانبي الزيادة و النقيصة ، قال تعالى : « و إن من شي‏ء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم» : الحجر : 21 ، فلكل شي‏ء حد محدود في خلقه لا يتعداه و صراط ممدود في وجوده يسلكه و لا يتخطاه .


و الآية في مقام التعليل لما في الآيتين السابقتين من عذاب المجرمين يوم القيامة كأنه قيل : لما ذا جوزي المجرمون بالضلال و السعر يوم القيامة و أذيقوا مس سقر ؟ فأجيب بقوله : « إنا كل شي‏ء خلقناه بقدر» و محصله أن لكل شي‏ء قدرا و من القدر في الإنسان أن الله سبحانه خلقه نوعا متكاثر الأفراد بالتناسل اجتماعيا في حياته الدنيا يتزود من حياته الدنيا الداثرة لحياته الآخرة الباقية ، و قدر أن يرسل إليهم رسولا يدعوهم إلى سعادة الدنيا و الآخرة فمن استجاب الدعوة فاز بالسعادة و دخل الجنة و جاور ربه ، و من ردها و أجرم فهو في ضلال و سعر .


و من الخطإ أن يقال : إن الجواب عن السؤال بهذا النحو من المصادرة الممنوعة في الاحتجاج فإن السؤال عن مجازاته تعالى إياهم بالنار لإجرامهم في معنى السؤال عن تقديره ذلك ، فمعنى السؤال : لم قدر الله للمجرمين المجازاة بالنار ؟ و معنى الجواب : أن الله قدر للمجرمين المجازاة بالنار ، أو معنى السؤال : لم يدخلهم الله النار ؟ و معنى الجواب : أن


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 86


الله يدخلهم النار و ذلك مصادرة بينة .


و ذلك لأن بين فعلنا و بين فعله تعالى فرقا فإنا نتبع في أفعالنا القوانين و الأصول الكلية المأخوذة من الكون الخارجي و الوجود العيني ، و هي الحاكمة علينا في إرادتنا و أفعالنا ، فإذا أكلنا لجوع أو شربنا لعطش فإنما نريد بذلك الشبع و الري لما حصلنا من الكون الخارجي أن الأكل يفيد الشبع و الشرب يفيد الري و هو الجواب لو سئلنا عن الفعل .


و بالجملة أفعالنا تابعة للقواعد الكلية و الضوابط العامة المنتزعة عن الوجود العيني المتفرعة عليه ، و أما فعله تعالى فهو نفس الوجود العيني ، و الأصول العقلية الكلية مأخوذة منه متأخرة عنه محكومة له فلا تكون حاكمة فيه متقدمة عليه ، قال تعالى : « لا يسأل عما يفعل و هم يسألون» : الأنبياء : 23 ، و قال : « إن الله يفعل ما يشاء» : الحج : 18 ، و قال : « الحق من ربك» : آل عمران : 60 .


فلا سؤال عن فعله تعالى بلم بمعنى السؤال عن السبب الخارجي إذ لا سبب دونه يعينه في فعله ، و لا بمعنى السؤال عن الأصل الكلي العقلي الذي يصحح فعله إذ الأصول العقلية منتزعة عن فعله متأخرة عنه .


نعم وقع في كلامه سبحانه تعليل الفعل بأحد ثلاثة أوجه : أحدها : تعليل الفعل بما يترتب عليه من الغايات و الفوائد العائدة إلى الخلق لا إليه ، لكنه تعليل للفعل لا لكونه فعلا له سبحانه بل لكونه أمرا واقعا في صف الأسباب و المسببات كما في قوله تعالى : « و لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون» : المائدة : 82 ، و قال : « و ضربت عليهم الذلة و المسكنة - إلى أن قال - ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون» : البقرة : 61 .


الثاني : تعليل فعله تعالى بشي‏ء من أسمائه و صفاته المناسبة له كتعليله تعالى مضامين كثير من الآيات في كلامه بمثل قوله : « إن الله غفور رحيم» « و هو العزيز الحكيم» « و هو اللطيف الخبير» إلى غير ذلك و هو شائع في القرآن الكريم ، و إذا أجدت التأمل في موارده وجدتها من تعليل الفعل بما له من صفة خاصة بصفة عامة لفعله تعالى فإن أسماءه تعالى الفعلية منتزعة عن فعله العام فتعليل فعل خاص بصفة من صفاته و اسم من أسمائه تعليل الوجه الخاص في الفعل بالوجه العام فيه كقوله تعالى : « و كأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها و إياكم و هو السميع العليم» : العنكبوت : 60 ، يعلل قضاء حاجة الدواب


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 87


و الإنسان إلى الرزق المسئول بلسان حاجتها بأنه سميع عليم أي أنه خلق كل شي‏ء و الحال أن مسائلهم مسموعة له و أحوالهم معلومة عنده و هما صفتا فعله العام ، و قوله : « فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم» : البقرة : 37 ، يعلل توبته على آدم بأنه تواب رحيم أي صفة فعله هي التوبة و الرحمة .


الثالث : تعليل فعله الخاص بفعله العام و مرجعه في الحقيقة إلى الوجه الثاني كقوله : « إن المجرمين في ضلال و سعر - إلى أن قال - إنا كل شي‏ء خلقناه بقدر» فإن القدر و هو كون الشي‏ء محدودا لا يتخطى حده في مسير وجوده فعل عام له تعالى لا يخلو عنه شي‏ء من الخلق فتعليل العذاب بالقدر من تعليل فعله الخاص بفعله العام و بيان أنه مصداق من مصاديق القدر إذ كان من المقدر في الإنسان أن لو أجرم برد دعوة النبوة عذب و دخل النار يوم القيامة ، و كقوله : « و إن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا» : مريم : 71 ، يعلل الورود بالقضاء و هو فعل له عام و الورود خاص بالنسبة إليه .


فتبين أن ما في كلامه من تعليل فعل من أفعاله إنما هو من تعليل الفعل الخاص بصفته العامة و العلة علة للإثبات لا للثبوت ، وليس من المصادرة في شي‏ء .


قوله تعالى : « و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر» قال في المجمع ، : اللمح النظر بالعجلة و هو خطف البصر .


انتهى .


و المراد بالأمر ما يقابل النهي لكنه الأمر التكويني بإرادة وجود الشي‏ء ، قال تعالى : « إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون» : يس : 82 فهو كلمة كن و لعله لكونه كلمة اعتبر الخبر مؤنثا فقيل : « إلا واحدة» .


و الذي يفيده السياق أن المراد بكون الأمر واحدة أنه لا يحتاج في مضيه و تحقق متعلقه إلى تعدد و تكرار بل أمر واحد بإلقاء كلمة كن يتحقق به المتعلق المراد كلمح بالبصر من غير تأن و مهل حتى يحتاج إلى الأمر ثانيا و ثالثا .


و تشبيه الأمر من حيث تحقق متعلقه بلمح بالبصر لا لإفادة أن زمان تأثيره قصير كزمان تحقق اللمح بالبصر بل لإفادة أنه لا يحتاج في تأثيره إلى مضي زمان و لو كان قصيرا فإن التشبيه باللمح بالبصر في الكلام يكنى به عن ذلك ، فأمره تعالى و هو إيجاده و إرادة وجوده لا يحتاج في تحققه إلى زمان و لا مكان و لا حركة كيف لا ؟ و نفس الزمان و المكان و الحركة إنما تحققت بأمره تعالى .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 88


و الآية و إن كانت بحسب مؤداها في نفسها تعطي حقيقة عامة في خلق الأشياء و أن وجودها من حيث إنه فعل الله سبحانه كلمح بالبصر و إن كان من حيث إنه وجود لشي‏ء كذا تدريجيا حاصلا شيئا فشيئا .


إلا أنها بحسب وقوعها في سياق إيعاد الكفار بعذاب يوم القيامة ناظرة إلى إتيان الساعة و أن أمرا واحدا منه تعالى يكفي في قيام الساعة و تجديد الخلق بالبعث و النشور فتكون متممة لما أقيم من الحجة بقوله : « إنا كل شي‏ء خلقناه بقدر» .


فيكون مفاد الآية الأولى أن عذابهم بالنار على وفق الحكمة و لا محيص عنه بحسب الإرادة الإلهية لأنه من القدر ، و مفاد هذه الآية أن تحقق الساعة التي يعذبون فيها بمضي هذه الإرادة و تحقق متعلقها لا مئونة فيه عليه سبحانه لأنه يكفي فيه أمر واحد منه تعالى كلمح بالبصر .


قوله تعالى : « و لقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر» الأشياع جمع شيعة و المراد - كما قيل - الأشباه و الأمثال في الكفر و تكذيب الأنبياء من الأمم الماضية .


و المراد بالآية و الآيتين بعدها تأكيد الحجة السابقة التي أقيمت على شمول العذاب لهم لا محالة .


و محصل المعنى : أن ليس ما أنذرناكم به من عذاب الدنيا و عذاب الساعة مجرد خبر أخبرناكم به و لا قول ألقيناه إليكم فهذه أشياعكم من الأمم الماضية شرع فيهم بذلك فقد أهلكناهم و هو عذابهم في الدنيا و سيلقون عذاب الآخرة فإن أعمالهم مكتوبة مضبوطة في كتب محفوظة عندنا سنحاسبهم بها و نجازيهم بما عملوا .


قوله تعالى : « و كل شي‏ء فعلوه في الزبر و كل صغير و كبير مستطر» الزبر كتب الأعمال و تفسيره باللوح المحفوظ سخيف ، و المراد بالصغير و الكبير صغير الأعمال و كبيرها على ما يفيده السياق .


قوله تعالى : « إن المتقين في جنات و نهر» أي في جنات عظيمة الشأن بالغة الوصف و نهر كذلك ، قيل : المراد بالنهر الجنس ، و قيل : النهر بمعنى السعة .


قوله تعالى : « في مقعد صدق عند مليك مقتدر» المقعد المجلس ، المليك صيغة مبالغة للملك على ما قيل ، و ليس من إشباع كسر لام الملك ، و المقتدر القادر العظيم القدرة و هو الله سبحانه .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 89


و المراد بالصدق صدق المتقين في إيمانهم و عملهم أضيف إليه المقعد لملابسة ما و يمكن أن يراد به كون مقامهم و ما لهم فيه صدقا لا يشوبه كذب فلهم حضور لا غيبة معه ، و قرب لا بعد معه ، و نعمة لا نقمة معها ، و سرور لا غم معه ، و بقاء لا فناء معه .


و يمكن أن يراد به صدق هذا الخبر من حيث إنه تبشير و وعد جميل للمتقين ، و على هذا ففيه نوع مقابلة بين وصف عاقبة المتقين و المجرمين حيث أوعد المجرمون بالعذاب و الضلال و قرر ذلك بأنه من القدر و لن يتخلف ، و وعد المتقون بالثواب و الحضور عند ربهم المليك المقتدر و قرر ذلك بأنه صدق لا كذب فيه .


بحث روائي


في كمال الدين ، بإسناده إلى علي بن سالم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن الرقى أ تدفع من القدر شيئا ؟ فقال : هي من القدر . و قال : إن القدرية مجوس هذه الأمة و هم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه و فيهم نزلت هذه الآية : « يوم يسحبون في النارعلى وجوههم - ذوقوا مس سقر إنا كل شي‏ء خلقناه بقدر» .


أقول : المراد بالقدرية النافون للقدر و هم المعتزلة القائلون بالتفويض ، و قوله : إنهم مجوس هذه الأمة ذلك لقولهم : إن خالق الأفعال الاختيارية هو الإنسان و الله خالق لما وراء ذلك فأثبتوا إلهين اثنين كما أثبتت المجوس إلهين اثنين : خالق الخير و خالق الشر .


و قوله : أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه ، و ذلك أنهم قالوا بخلق الإنسان لأفعاله فرارا عن القول بالجبر المنافي للعدل فأخرجوا الله من سلطانه على أعمال عباده بقطع نسبتها عنه تعالى .


و قوله : و فيهم نزلت هذه الآية ، إلخ ، المراد به جري الآيات فيهم دون كونهم سببا للنزول و موردا له لما عرفت في تفسير الآيات من كونها عامة بحسب السياق ، و في نزول الآيات فيهم روايات أخرى مروية عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) ، و من طرق أهل السنة أيضا روايات في هذا المعنى عن ابن عباس و ابن عمر و محمد بن كعب و غيرهم .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إن لكل أمة مجوسا و إن مجوس هذه الأمة الذين يقولون : لا قدر .


الخبر .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 90


أقول : و رواه في ثواب الأعمال ، بإسناده عن الصادق عن آبائه عن علي (عليه‏السلام‏) و لفظه : لكل أمة مجوس و مجوس هذه الأمة الذين يقولون : لا قدر .


و فيه ، أخرج ابن مردويه بسند رواه عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : النهر الفضاء و السعة ليس بنهر جار .


و فيه ، أخرج أبو نعيم عن جابر قال : بينا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يوما في مسجد المدينة فذكر بعض أصحابه الجنة فقال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يا أبا دجانة أ ما علمت أن من أحبنا و ابتليبمحبتنا أسكنه الله تعالى معنا ؟ ثم تلا « في مقعد صدق عند مليك مقتدر» .


و في روح المعاني ، : في قوله : « في مقعد صدق» الآية ، : و قال جعفر الصادق رضي الله عنه : مدح المكان بالصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق .


كلام في القدر


القدر و هو هندسة الشي‏ء و حد وجوده مما تكرر ذكره في كلامه تعالى فيما تكلم فيه في أمر الخلقة ، قال تعالى : « و إن من شي‏ء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم» : الحجر : 21 ، و ظاهره أن القدر ملازم للإنزال من الخزائن الموجودة عنده تعالى ، و أما نفس الخزائن و هي من إبداعه تعالى لا محالة فهي غير مقدرة بهذا القدر الذي يلازم الإنزال و الإنزال إصداره إلى هذا العالم المشهود كما يفيده قوله : « و أنزلنا الحديد» : الحديد : 25 ، و قوله : « و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج» : الزمر : 6 .


و يؤيد ذلك ما ورد من تفسير القدر بمثل العرض و الطول و سائر الحدود و الخصوصيات الطبيعية الجسمانية كما في المحاسن ، عن أبيه عن يونس عن أبي الحسن الرضا (عليه‏السلام‏) قال : لا يكون إلا ما شاء الله و أراد و قدر و قضى . قلت : فما معنى شاء ؟ قال : ابتدأ الفعل . قلت : فما معنى أراد ؟ قال : الثبوت عليه . قلت : فما معنى قدر ؟ قال : تقدير الشي‏ء من طوله و عرضه . قلت : فما معنى قضى ؟ قال : إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له .


و روي هذا المعنى عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن إسحاق عن الرضا (عليه‏السلام‏) في خبر مفصل و فيه : فقال : أ و تدري ما قدر ؟ قال : لا ، قال : هو الهندسة من الطول و العرض و البقاء .


الخبر .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 91


و من هنا يظهر أن المراد بكل شي‏ء في قوله : « و خلق كل شي‏ء فقدره تقديرا» : الفرقان : 3 ، و قوله : « إنا كل شي‏ء خلقناه بقدر» : القمر : 49 ، و قوله : «و كل شي‏ء عنده بمقدار» : الرعد : 8 ، و قوله : « الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى» : طه : 50 ، الأشياء الواقعة في عالمنا المشهود ، من الطبيعيات الواقعة تحت الخلق و التركيب ، أو أن للتقدير مرتبتين : مرتبة تعم جميع ما سوى الله و هي تحديد أصل الوجود بالإمكان و الحاجة و هذا يعم جميع الموجودات ما خلا الله سبحانه ، قال تعالى : « و كان الله بكل شي‏ء محيطا» : النساء : 126 .


و مرتبة تخص عالمنا المشهود و هي تحديد وجود الأشياء الموجودة فيه من حيث وجودها و آثار وجودها و خصوصيات كونها بما أنها متعلقة الوجود و الآثاربأمور خارجة من العلل و الشرائط فيختلف وجودها و أحوالها باختلاف عللها و شرائطها فهي مقلوبة بقوالب من داخل و خارج تعين لها من العرض و الطول و الشكل و الهيئة و سائر الأحوال و الأفعال ما يناسبها .


فالتقدير يهدي هذا النوع من الموجودات إلى ما قدر لها في مسير وجودها ، قال تعالى : « الذي خلق فسوى و الذي قدر فهدى» : الأعلى : 3 ، أي هدى ما خلقه إلى ما قدر له ، ثم أتم ذلك بإمضاء القضاء ، و في معناه قوله في الإنسان : « من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره» : عبس : 20 ، و يشير بقوله : « ثم السبيل يسره» إلى أن التقديرلا ينافي اختيارية أفعاله الاختيارية .


و هذا النوع من القدر في نفسه غير القضاء الذي هو الحكم البتي منه تعالى بوجوده « و الله يحكم لا معقب لحكمه» : الرعد : 41 ، فربما قدر و لم يعقبه القضاء كالقدر الذي يقتضيه بعض العلل و الشرائط الخارجة ثم يبطل لمانع أو باستخلاف سبب آخر ، قال تعالى : « يمحوا الله ما يشاء و يثبت» : الرعد : 39 ، و قال : « ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها» : البقرة : 106 ، و ربما قدر و تبعه القضاء كما إذا قدر من جميع الجهات باجتماع جميع علله و شرائطه و ارتفاع موانعه .


و إلى ذلك يشير قوله (عليه‏السلام‏) في خبر المحاسن السابق : إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له ، و قريب منه ما في عدة من أخبار القضاء و القدر ما معناه أن القدر يمكن أن يتخلف و أما القضاء فلا يرد .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 92


و عن علي (عليه‏السلام‏) بطرق مختلفة كما في التوحيد ، بإسناده عن ابن نباتة : أن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له : يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله ؟ قال : أفر من قضاء الله إلى قدر الله عز و جل .


و أما النوع الأول من الموجودات الذي قدرهحد وجوده من إمكانه و حاجته فحسب فالقدر و القضاء فيه واحد و لا يتخلف القدر فيه عن التحقق البتة .


و البحث العقلي يؤيد ما تقدم فإن الأمور التي لها علل مركبة من فاعل و مادة و شرائط و معدات و موانع فإن لكل منها تأثيرا في الشي‏ء بما يسانخه فهو كالقالب الذي يقلب به الشي‏ء فيأخذ لنفسه هيئة قالبة و خصوصيته و هذا هو قدره ثم العلة التامة إذا اجتمعت أجزاؤه أعطته ضرورة الوجود ، و هذه هي القضاء الذي لا مرد له ، و قد تقدم في تفسير أول سورة الإسراء كلام في القضاء لا يخلو من نفع في هذا البحث ، فليرجع إليه

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :