امروز:
سه شنبه 25 مهر 1396
بازدید :
638
تفسيرالميزان : سوره الرحمن آيات 78- 1


55-سورة الرحمن مكية أو مدنية و هي ثمان و سبعون آية 78


سورة الرحمن‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنُ‏(1) عَلَّمَ الْقُرْءَانَ‏(2) خَلَقَ الانسنَ‏(3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ‏(4) الشمْس وَ الْقَمَرُ بحُسبَانٍ‏(5) وَ النَّجْمُ وَ الشجَرُ يَسجُدَانِ‏(6) وَ السمَاءَ رَفَعَهَا وَ وَضعَ الْمِيزَانَ‏(7) أَلا تَطغَوْا فى الْمِيزَانِ‏(8) وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسطِ وَ لا تخْسِرُوا الْمِيزَانَ‏(9) وَ الأَرْض وَضعَهَا لِلأَنَامِ‏(10) فِيهَا فَكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذَات الأَكْمَامِ‏(11) وَ الحَْب ذُو الْعَصفِوَ الرَّيحَانُ‏(12) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(13) خَلَقَ الانسنَ مِن صلْصلٍ كالْفَخَّارِ(14) وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ(15) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(16) رَب المَْشرِقَينِ وَ رَب المَْغْرِبَينِ‏(17) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ‏(19) بَيْنهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ‏(20) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(21) يخْرُجُ مِنهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجَانُ‏(22) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(23)وَ لَهُ الجَْوَارِ المُْنشئَات فى الْبَحْرِ كالأَعْلَمِ‏(24) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(25) كلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ‏(26) وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّك ذُو الجَْلَلِ وَ الاكْرَامِ‏(27) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(28) يَسئَلُهُ مَن فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِكلَّ يَوْمٍ هُوَ فى شأْنٍ‏(29) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(30)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 93


بيان


تتضمن السورة الإشارة إلى خلقه تعالى العالم بأجزائه من سماء و أرض و بر و بحر و إنس و جن و نظم أجزائه نظما ينتفع به الثقلان الإنس و الجن في حياتهما و ينقسم بذلك العالم إلى نشأتين : نشأة دنيا ستفنى بفناء أهلها ، و نشأة أخرى باقية تتميز فيها السعادة من الشقاء و النعمة من النقمة .


و بذلك يظهر أن دار الوجود من دنياها و آخرتها ذات نظام واحد مؤتلف الأجزاء مرتبط الأبعاض قويم الأركان يصلح بعضه ببعض و يتم شطر منه بشطر .


فما فيه من عين و أثر ، من نعمه تعالى و آلائه ، و لذا يستفهمهم مرة بعد مرة استفهاما مشوبا بعتاب بقوله : « فبأي آلاء ربكما تكذبان» فقد كررت الآية في السورة إحدى و ثلاثين مرة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 94


و لذلك افتتحت السورة بذكره تعالى بصفة رحمته العامة الشاملة للمؤمن و الكافر و الدنيا و الآخرة و اختتمت بالثناء عليه بقوله : « تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرام» .


و السورة يحتمل كونها مكية أو مدنية و إن كان سياقها بالسياق المكي أشبه و هي السورة الوحيدة في القرآن افتتحت بعد البسملة باسم من أسماء الله عز اسمه ، و في المجمع ، عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم‏السلام‏) عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : لكل شي‏ء عروس و عروس القرآن سورة الرحمن جل ذكره ، : و رواه في الدر المنثور، عن البيهقي عن علي (عليه‏السلام‏) عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


قوله تعالى : « الرحمن علم القرآن» الرحمن كما تقدم في تفسير سورة الفاتحة صيغة مبالغة تدل على كثرة الرحمة ببذل النعم و لذلك ناسب أن يعم ما يناله المؤمن و الكافر من نعم الدنيا و ما يناله المؤمن من نعم الآخرة ، و لعمومه ناسب أن يصدر به الكلام لاشتمال الكلام في السورة على أنواع النعم الدنيوية و الأخروية التي ينتظم بها عالم الثقلين الإنس و الجن .


ذكروا أن الرحمن من الأسماء الخاصة به تعالى لا يسمى به غيره بخلاف مثل الرحيم و الراحم .


و قوله : « علم القرآن» شروع في عد النعم الإلهية ، و لما كان القرآن أعظم النعم قدرا و شأنا و أرفعها مكانا - لأنه كلام الله الذي يخط صراطه المستقيم و يتضمن بيان نهج السعادة التي هي غاية ما يأمله آمل و نهاية ما يسأله سائل - قدم ذكر تعليمه على سائر النعم حتى على خلق الإنس و الجن اللذين نزل القرآن لأجل تعليمهما .


و حذف مفعول « علم» الأول و هو الإنسان أو الإنس و الجن و التقدير علم الإنسان القرآن أو علم الإنس و الجن القرآن ، و هذا الاحتمال الثاني و إن لم يتعرضوا له لكنه أقرب الاحتمالين لأن السورة تخاطب في تضاعيفآياتها الجن كالإنس و لو لا شمول التعليم في قوله : « علم القرآن» لهم لم يتم ذلك .


و قيل : المفعول المحذوف محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو جبرئيل و الأنسب للسياق ما تقدم .


قوله تعالى : « خلق الإنسان علمه البيان» ذكر خلق الإنسان و سيذكر خصوصية خلقه بقوله : « خلق الإنسان من صلصال كالفخار» ، و الإنسان من أعجب مخلوقات الله تعالى أو هو أعجبها يظهر ذلك بقياس وجوده إلى وجود غيره من المخلوقات و التأمل فيما


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 95


خط له من طريق الكمال في ظاهره و باطنه و دنياه و آخرته، قال تعالى : « لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات» : التين : 6 .


و قوله : « علمه البيان» البيان الكشف عن الشي‏ء و المراد به الكلام الكاشف عما في الضمير ، و هو من أعجب النعم و تعليمه للإنسان من عظيم العناية الإلهية المتعلقة به فليس الكلام مجرد إيجاد صوت ما باستخدام الرئة و قصبتها و الحلقوم و لا ما يحصل من التنوع في الصوت الخارج من الحلقوم باعتماده على مخارج الحروف المختلفة في الفم .


بل يجعل الإنسان بإلهام باطني من الله سبحانه الواحد من هذه الأصوات المعتمدة على مخرج من مخارج الفم المسمى حرفا أو المركب من عدة من الحروف علامة مشيرة إلى مفهوم من المفاهيم يمثل به ما يغيب عن حس السامع و إدراكه فيقدر به على إحضار أي وضع من أوضاع العالم المشهود و إن جل ما جل أو دق ما دق من موجود أو معدوم ماض أو مستقبل ، ثم على إحضار أي وضع من أوضاع المعاني غير المحسوسة التي ينالها الإنسان بفكره و لا سبيل للحس إليها يحضرها جميعا لسامعه و يمثلها لحسه كأنه يشخصها له بأعيانها .


و لا يتم للإنسان اجتماعه المدني و لا تقدم في حياته هذا التقدم الباهر إلا بتنبهه لوضع الكلام و فتحه بذلكباب التفهيم و التفهم ، و لو لا ذلك لكان هو و الحيوان العجم سواء في جمود الحياة و ركودها .


و من أقوى الدليل على أن اهتداء الإنسان إلى البيان بإلهام إلهي له أصل في التكوين اختلاف اللغات باختلاف الأمم و الطوائف في الخصائص الروحية و الأخلاق النفسانية و بحسب اختلاف المناطق الطبيعية التي يعيشون فيها ، قال تعالى : « و من آياته خلق السماوات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم» : الروم : 22 .


و ليس المراد بقوله : « علمه البيان» أن الله سبحانه وضع اللغات ثم علمها الإنسان بالوحي إلى نبي من الأنبياء أو بالإلهام فإن الإنسان بوقوعه في ظرف الاجتماع مندفع بالطبع إلى اعتبار التفهيم و التفهم بالإشارات و الأصوات و هو التكلم و النطق لا يتم له الاجتماع المدني دون ذلك .


على أن فعله تعالى هو التكوين و الإيجاد و الرابطة بين اللفظ و معناه اللغوي وضعية اعتبارية لا حقيقية خارجية بل الله سبحانه خلق الإنسان و فطره فطرة تؤديه إلى الاجتماع المدني ثم إلى وضع اللغة بجعل اللفظ علامة للمعنى بحيث إذا ألقي اللفظ إلى سامعه فكأنما


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 96


يلقى إليه المعنى ثم إلى وضع الخط بجعل الأشكال المخصوصة علائم للألفاظ فالخط مكمل لغرض الكلام ، و هو يمثل الكلام كما أن الكلام يمثل المعنى .


و بالجملة البيان من أعظم النعم و الآلاء الربانية التي تحفظ لنوع الإنسان موقفه الإنساني و تهديه إلى كل خير .


هذا ما هو الظاهر المتبادر من الآيتين ، و لهم في معناهما أقوال : فقيل : الإنسان هو آدم (عليه‏السلام‏) و البيان الأسماء التي علمه الله إياها ، و قيل : الإنسان محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و البيان القرآن أو تعليمه المؤمنين القرآن ، و قيل : البيان الخير و الشر علمهما الإنسان ، و قيل : سبيل الهدى و سبيل الضلال إلى غير ذلك و هي أقوال بعيدة عن الفهم .


قوله تعالى : « الشمس و القمر بحسبان» الحسبان مصدر بمعنى الحساب ، و الشمس مبتدأ و القمر معطوف عليه ، و بحسبان خبره ، و الجملة خبر بعد خبر لقوله : « الرحمن» و التقدير الشمس و القمر يجريان بحساب منه على ما قدر لهما من نوع الجري .


قوله تعالى : « و النجم و الشجر يسجدان» قالوا : المراد بالنجم ما ينجم من النبات و يطلع من الأرض و لا ساق له ، و الشجر ما له ساق من النبات ، و هو معنى حسن يؤيده الجمع و القرن بين النجم و الشجر و إن كان ربما أوهم سبق ذكر الشمس و القمر كون المراد بالنجم هوالكواكب .


و سجود النجم و الشجر انقيادهما للأمر الإلهي بالنشوء و النمو على حسب ما قدر لهما كما قيل ، و أدق منه أنهما يضربان في التراب بأصولهما و أعراقهما لجذب ما يحتاجان إليه من المواد العنصرية التي يغتذيان بها و هذا السقوط على الأرض إظهارا للحاجة إلى المبدأ الذي يقضي حاجتهما - و هو في الحقيقة الله الذي يربيهما كذلك - سجود منهما له تعالى .


و الكلام في إعراب قوله : « و النجم و الشجر يسجدان» و هو معطوف على الآية السابقة كالكلام في قوله : « الشمس و القمر بحسبان» و التقدير و النجم و الشجر يسجدان له .


قال في الكشاف ، : فإن قلت : كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن يعني قوله : « الشمس و القمر - إلى قوله - يسجدان» ؟ قلت : استغني فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي لما علم أن الحسبان حسبانه و السجود له لا لغيره .


و قال في وجه إخلاء الآيات السابقة - خلق الإنسان علمه البيان الشمس و القمر بحسبان - عن العاطف ما محصله أن هذه الجمل الأول واردة على سنن التعديد ليكون كل


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 97


واحدة من الجمل مستقلة في تفريع الذين أنكروا الرحمن و آلاءه كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه فيقال : زيد أغناك بعد فقر ، أعزك بعد ذل ، كثرك بعد قلة ، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد فما تنكر من إحسانه ؟ .


ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يحب وصله للتناسب و التقارب بالعاطف فقيل : « و النجم و الشجر يسجدان و السماء رفعها» إلخ ، انتهى .


قوله تعالى : « و السماء رفعها و وضع الميزان» المراد بالسماء إن كان جهة العلو فرفعها خلقها مرفوعة لا رفعها بعد خلقها و إن كان ما في جهة العلو من الأجرام فرفعها تقدير محالها بحيث تكون مرفوعة بالنسبة إلى الأرض بالفتق بعد الرتق كما قال تعالى : « أ ولم ير الذين كفروا أن السماوات و الأرض كانتا رتقا ففتقناهما» : الأنبياء : 30 ، و الرفع على أي حال رفع حسي .


و إن كان المراد ما يشمل منازل الملائكة الكرام و مصادر الأمر الإلهي و الوحي فالرفع معنوي أو ما يشمل الحسي و المعنوي .


و قوله : « و وضع الميزان» المراد بالميزان كل ما يوزن أي يقدر به الشي‏ء أعم من أن يكون عقيدة أو قولا أو فعلا و من مصاديقه الميزان الذي يوزن به الأثقال ، قال تعالى : « لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط» : الحديد : 25 .


فظاهره مطلق ما يميزبه الحق من الباطل و الصدق من الكذب و العدل من الظلم و الفضيلة من الرذيلة على ما هو شأن الرسول أن يأتي به من عند ربه .


و قيل : المراد بالميزان العدل أي وضع الله العدل بينكم لتسووا به بين الأشياء بإعطاء كل ذي حق حقه .


و قيل : المراد الميزان الذي يوزن به الأثقال و المعنى الأول أوسع و أشمل .


قوله تعالى : « ألا تطغوا في الميزان و أقيموا الوزن بالقسط و لا تخسروا الميزان» الظاهر أن المراد بالميزان الميزان المعروف و هو ميزان الأثقال ، فقوله : « ألا تطغوا» إلخ على تقدير أن يراد بالميزان في الآية السابقة أيضا ميزان الأثقال ، و هو بيان وضع الميزان ، و المعنى أن معنى وضعنا الميزان بينكم هو أن اعدلوا في وزن الأثقال و لا تطغوا فيه .


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 98


و على تقدير أن يراد به مطلق التقدير الحق أو العدل هو استخراج حكم جزئي من حكم كلي ، و المعنى أن لازم ما وضعناه من التقدير الحق أو العدل بينكم هو أن تزنوا الأثقال بالقسط و لا تطغوا فيه .


و على أي حال الظاهر أن « إن» في قوله : « أن لا تطغوا» تفسيرية ، و « لا تطغوا» نهي عن الطغيان في الميزان و « أقيموا الوزن بالقسط» أمر معطوف عليه ، و القسط العدل و « لا تخسروا الميزان» نهي آخر مبين لقوله : « لا تطغوا إلخ ، و مؤكد له .


و الإخسار في الميزان التطفيف به بزيادة أو نقيصة بحيث يخسر البائع أو المشتري .


و أما جعل « أن» ناصبة و « لا تطغوا» نفيا ، و التقدير : لئلا تطغوا ، فيحتاج إلى تكلف توجيه في عطف الإنشاء على الإخبار في قوله : « و أقيموا الوزن» إلخ .


قوله تعالى : « و الأرض وضعها للأنام» الأنام الناس ، و قيل : الإنس و الجن ، و قيل : كل ما يدب على الأرض ، و في التعبير في الأرض بالوضع قبال التعبير في السماء بالرفع لطف ظاهر .


قوله تعالى : «فيها فاكهة و النخل ذات الأكمام» المراد بالفاكهة الثمرة غير التمر ، و الأكمام جمع كم بضم الكاف و كسرها وعاء التمر و هو الطلع ، و أما كم القميص فهو مضموم الكاف لا غير كما قيل .


قوله تعالى : « و الحب ذو العصف و الريحان» معطوف على قوله : « فاكهة» أي و فيها الحب و الريحان ، و الحب ما يقتات به كالحنطة و الشعير و الأرز ، و العصف ما هو كالغلاف للحب و هو قشره ، و فسر بورق الزرع مطلقا و بورق الزرع اليابس ، و الريحان النبات الطيب الرائحة .


قوله تعالى : « فبأي آلاء ربكما تكذبان» الآلاء جمع إلى بمعنى النعمة .


و الخطاب في الآية لعامة الثقلين : الجن و الإنس و يدل على ذلك توجيه الخطاب إليهما صريحا فيما سيأتي من قوله : « سنفرغ لكم أيها الثقلان» و قوله : « يا معشر الجن و الإنس» إلخ ، و قوله : « يرسل عليكما شواظ» إلخ ، فلا يصغى إلى قول من قال : إن الخطاب في الآية للذكر و الأنثى من بني آدم ، و لا إلى قول من قال : إنه من خطاب الواحد بخطاب الاثنين و يفيد تكرر الخطاب نحو يا شرطي اضربا عنقه أي اضرب عنقه اضرب عنقه .


و توجيه الخطاب إلى عالمي الجن و الإنس هو المصحح لعد ما سنذكره من شدائد يوم


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 99


القيامة و عقوبات المجرمين من أهل النار من آلائه و نعمه تعالى ، فإن سوق المسيئين و أهل الشقوة في نظام الكون إلى ما تقتضيه شقوتهم و مجازاتهم بتبعات أعمالهم من لوازم صلاح النظام العام الجاري في الكل الحاكم على الجميع فذلك نعمة بالقياس إلى الكل و إن كان نقمة بالنسبة إلى طائفة خاصة منهم و هم المجرمون و هذا نظير ما نجده في السنن و القوانين الجارية في المجتمعات فإن التشديد على أهل البغي و الفساد مما يتوقف عليه حياة المجتمع و بقاؤه و ليس يتنعم به أهل الصلاح خاصة كما أن إثابة أهل الصلاح بالثناء الجميل و الأجر الحسن كذلك .


فما في النار من عذاب و عقاب لأهلها و ما في الجنة من كرامة و ثواب آلاء و نعم على معشر الجن و الإنس كما أن الشمس و القمر و السماء المرفوعة و الأرض الموضوعة و النجم و الشجر و غيرها آلاء و نعم على أهل الدنيا .


و يظهر من الآية أن للجن تنعما في الجملة بهذه النعم المعدودة في خلال الآيات كما للإنس و إلا لم يصح إشراكهم مع الإنس في التوبيخ .


قوله تعالى : « خلق الإنسان من صلصال كالفخار» الصلصال الطين اليابس الذي يتردد منه الصوت إذا وطى‏ء ، و الفخار الخزف .


و المراد بالإنسان نوعه و المراد بخلقه من صلصال كالفخار انتهاء خلقه إليه ، و قيل : المراد بالإنسان آدم (عليه‏السلام‏) .


قوله تعالى : « و خلق الجان من مارج من نار» المارج هو اللهب الخالص من النار ، و قيل : اللهب المختلط بسواد ، و الكلام في الجان كالكلام في الإنسان فالمراد به نوع الجن ، و عدهم مخلوقين من النار باعتبار انتهاء خلقتهم إليها ، و قيل : المراد بالجان أبو الجن .


قوله تعالى : « رب المشرقين و رب المغربين» المراد بالمشرقين مشرق الصيف و مشرق الشتاء ، و بذلك تحصل الفصول الأربعة و تنتظم الأرزاق ، و قيل : المراد بالمشرقين مشرق الشمس و القمر و بالمغربين مغرباهما .


قوله تعالى : « مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان» المرج الخلط و المرج الإرسال ، يقال : مرجه أي خلطه و مرجه أي أرسله و المعنى الأول أظهر ، و الظاهر أن المراد بالبحرين العذب الفرات و الملح الأجاج ، قال تعالى : « و ما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه و هذا ملح أجاج و من كل تأكلون لحما طريا و تستخرجون حلية


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 100


تلبسونها» : فاطر : 12 .


و أمثل ما قيل في الآيتين أن المراد بالبحرين جنس البحر المالح الذي يغمر قريبا من ثلاثة أرباع الكرة الأرضية من البحار المحيطة ، و غير المحيطة و البحر العذب المدخر في مخازن الأرض التي تنفجر الأرض عنها فتجري العيون و الأنهار الكبيرة فتصب في البحر المالح ، و لا يزالان يلتقيان ، و بينهما حاجز و هو نفس المخازن الأرضية و المجاري يحجز البحر المالح أن يبغي على البحر العذب فيغشيه و يبدله بحرا مالحا و تبطل بذلك الحياة ، و يحجز البحر العذب أن يزيد في الانصباب على البحر المالح فيبدله ماء عذبا فتبطل بذلك مصلحة ملوحته من تطهير الهواء و غيره .


و لا يزال البحر المالح يمد البحر العذب بالأمطار التي تأخذها منه السحب فتمطر على الأرض و تدخرها المخازن الأرضية و البحر العذب يمد البحر المالح بالانصباب عليه .


فمعنى الآيتين - و الله أعلم - خلط البحرين العذب الفرات و الملح الأجاج حال كونهما مستمرين في تلاقيهما بينهما حاجز لا يطغيان بأن يغمر أحدهما الآخر فيذهب بصفته من العذوبة و الملوحة فيختل نظام الحياة و البقاء .


قوله تعالى : « يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان» أي من البحرين العذب و المالح جميعا و ذلك من فوائدهما التي ينتفع بها الإنسان ، و قد تقدم فيه الكلام في تفسير قوله تعالى : « و ما يستوي البحران» الآية ، : فاطر : 12 .


قوله تعالى : « و له الجوار المنشئات في البحر كالأعلام» الجواري جمع جارية و هي السفينة ، و المنشئات اسم مفعول من الإنشاء و هو إحداث الشي‏ء و تربيته ، و الأعلام جمع علم بفتحتين و هو الجبل .


و عد الجواري مملوكة له تعالى مع كونها من صنع الإنسان لأن الأسباب العاملة في إنشائها من خشب و حديد و سائر أجزائها التي تتركب منها و الإنسان الذي يركبها و شعوره و فكره و إرادته كل ذلك مخلوق له و مملوك فما ينتجه عملها من ملكه .


فهو تعالى المنعم بها للإنسان ألهمه طريق صنعها و المنافع المترتبة عليها و سبيل الانتفاع بمنافعها الجمة .


قوله تعالى : « كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام» ضمير « عليها» للأرض أي كل ذي شعور و عقل على الأرض سيفنى و فيه تسجيل الزوال و الدثور على الثقلين .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 101


و إنما أتى باللفظ الدال على أولي العقل - كل من عليها - و لم يقل : كل ما عليها كذلك لأن الكلام مسرود في السورة لتعداد نعمه و آلائه تعالى للثقلين في نشأتيهم الدنيا و الآخرة .


و ظهور قوله : « فإن» في الاستقبال كما يستفاد أيضا من السياق يعطي أن قوله : « كل من عليها فان» يشير إلى انقطاع أمد النشأة الدنيا و ارتفاع حكمها بفناء من عليها و هم الثقلان و طلوع النشأة الأخرى عليهم ، و كلاهما أعني فناء من عليها و طلوع نشأة الجزاء عليهم من النعم و الآلاء لأن الحياة الدنيا حياة مقدمية لغرض الآخرة و الانتقال من المقدمة إلى الغرض و الغاية نعمة .


و بذلك يندفع قول من قال : أي نعمة في الفناء حتى يجعل من النعم و يعد من الآلاء .


و محصل الجواب أن حقيقة هذا الفناء الرجوع إلى الله بالانتقال من الدنيا كما تفسره آيات كثيرة في كلامه تعالى و ليس هو الفناء المطلق .


و قوله : « و يبقى وجه ربك» وجهالشي‏ء ما يستقبل به غيره و يقصده به غيره ، و هو فيه سبحانه صفاته الكريمة التي تتوسط بينه و بين خلقه فتنزل بها عليهم البركات من خلق و تدبير كالعلم و القدرة و السمع و البصر و الرحمة و المغفرة و الرزق و قد تقدم في تفسير سورة الأعراف كلام مبسوط في كون أسمائه و صفاته تعالى وسائط بينه و بين خلقه .


و قوله : « ذو الجلال و الإكرام» في الجلال شي‏ء من معنى الاعتلاء و الترفع المعنوي على الغير فيناسب من الصفات ما فيه شائبة الدفع و المنع كالعلو و التعالي و العظمة و الكبرياء و التكبر و الإحاطة و العزة و الغلبة .


و يبقى للإكرام من المعنى ما فيه نعت البهاء و الحسن الذي يجذب الغير و يولهه كالعلم و القدرة و الحياة و الرحمة و الجود و الجمال و الحسن و نحوها و تسمى صفات الجمال كما تسمى القسم الأول صفات الجلال و تسمى الأسماء أيضا على حسب ما فيها من صفات الجمال أو الجلال بأسماء الجمال أو الجلال .


فذو الجلال و الإكرام اسم من الأسماء الحسنى جامع بمفهومه بين أسماء الجمال و أسماء الجلال جميعا .


و المسمى به بالحقيقة هو الذات المقدسة كما في قوله في آخر السورة : « تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرام» لكن أجرى في هذه الآية - و يبقىوجه ربك ذو الجلال و الإكرام -


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 102


على الوجه ، و هو إما لكونه وصفا مقطوعا عن الوصفية للمدح ، و التقدير هو ذو الجلال و الإكرام ، و إما لأن المراد بالوجه كما تقدم هو صفته الكريمة و اسمه المقدس و إجراء الاسم على الاسم مآله إلى إجراء الاسم على الذات .


و معنى الآية على تقدير أن يراد بالوجه ما يستقبل به الشي‏ء غيره و هو الاسم - و من المعلوم أن بقاء الاسم 1 فرع بقاء المسمى - : و يبقى ربك عز اسمه بما له من الجلال و الإكرام من غير أن يؤثر فناؤهم فيه أثرا أو يغير منه شيئا .


و على تقدير أن يراد بالوجه ما يقصده به غيره و مصداقه كل ما ينتسب إليه تعالى فيكون مقصودا بنحو للمتوجه إليه كأنبيائه و أوليائه و دينه و ثوابه و قربه و سائر ما هو من هذا القبيل فالمعنى : و يبقى بعد فناء أهل الدنيا ما هو عنده تعالى و هو من صقعه و ناحيته كأنواع الجزاء و الثواب و القرب منه ، قال تعالى : « ما عندكم ينفد و ما عند الله باق» : النحل : 96 .


و قد تقدم في تفسير قوله تعالى : « كل شي‏ء هالك إلا وجهه» : القصص : 88 من الكلام بعض ما لا يخلو من نفع في المقام .


قوله تعالى : « يسأله من في السماوات و الأرض كل يوم هو في شأن» سؤالهم سؤال حاجة فهم في حاجة من جميع جهاتهم إليه تعالى متعلقوا الوجودات به متمسكون بذيل غناه و جوده ، قال تعالى : « أنتم الفقراء إلى الله و الله هو الغني» : فاطر : 15 ، و قال في هذا المعنى من السؤال : « و آتاكم من كل ما سألتموه» : إبراهيم : 34 .


و قوله : « كل يوم هو في شأن» تنكير « شأن» للدلالة على التفرق و الاختلاف فالمعنى : كل يوم هو تعالى في شأن غير ما في سابقه و لاحقه من الشأن فلا يتكرر فعل من أفعاله مرتين و لا يماثل شأن من شئونه شأنا آخر من جميع الجهات و إنما يفعل على غير مثال سابق و هو الإبداع ، قال تعالى : « بديع السماوات و الأرض» : البقرة : 117 .


و معنى ظرفية اليوم إحاطته تعالى في مقام الفعل على الأشياء فهو سبحانه في كل زمان و ليس في زمان و في كل مكان و ليس في مكان و مع كل شي‏ء و لا يداني شيئا .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 103


بحث روائي


في الكافي ، روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : لما قرأ رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الرحمن على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئا ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : الجن كانوا أحسن جوابا منكم لما قرأت عليهم « فبأي آلاء ربكما تكذبان» قالوا : لا و لا بشي‏ء من آلاء ربنا نكذب : . أقول : و روي هذا المعنى في الدر المنثور ، عن عدة من أصحاب الجوامع و صححه عن ابن عمر عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في العيون ، بإسناده عن الرضا (عليه‏السلام‏) : فيما سأل الشامي عليا (عليه‏السلام‏) و فيه : سأله عن اسم أبي الجن فقال : شؤمان و هو الذي خلق من مارج من نار .


و في الاحتجاج ، عن علي (عليه‏السلام‏) في حديث : و أما قوله : « رب المشرقين و رب المغربين» فإن مشرق الشتاء على حدة و مشرق الصيف على حدة . أ ما تعرف ذلك من قرب الشمس و بعدها ؟ : أقول : و روى هذا المعنى القمي في تفسيره ، مرسلا مضمرا .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس : في قوله : « مرج البحرين يلتقيان» قال : علي و فاطمة « بينهما برزخ لا يبغيان» قال : النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) « يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان» قال : الحسن و الحسين : . أقول : و رواه أيضا عن ابن مردويه عن أنس بن مالك مثله ، و رواه في مجمع البيان ، عن سلمان الفارسي و سعيد بن جبير و سفيان الثوري .


و هو من البطن .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « كل من عليها فان» قال من على وجه الأرض « و يبقى وجه ربك» قال : دين ربك ، و قال علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) : نحن الوجه الذي يؤتى الله منه .


و في مناقب ابن شهرآشوب ، : قوله : « و يبقى وجه ربك» قال الصادق (عليه‏السلام‏) : نحن وجه الله .


أقول : و في معنى هاتين الروايتين غيرهما ، و قد تقدم ما يوجه به تفسير الوجه بالدين و بالإمام .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 104


و في الكافي ، في خطبة لعلي (عليه‏السلام‏) : الحمد لله الذي لا يموت و لا ينقضي عجائبه لأنه كل يوم هو في شأن من إحداث بديع لم يكن .


و في تفسير القمي ، : في الآية قال : يحيي و يميت و يزيد و ينقص .


و في المجمع ، عن أبي الدرداء عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله : « كل يوم هو في شأن» قال : من شأنه أن يغفر ذنبا ، و يفرج كربا ، و يرفع قوما ، و يضع آخرين : . أقول : و رواه عنه في الدر المنثور ، و روي ما في معناه عن ابن عمر عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لفظه : يغفر ذنبا و يفرج كربا .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 105


سنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ‏(31) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(32) يَمَعْشرَ الجِْنّ‏ِ وَ الانسِ إِنِ استَطعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ فَانفُذُوالا تَنفُذُونَ إِلا بِسلْطنٍ‏(33) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(34) يُرْسلُ عَلَيْكُمَا شوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَ نحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ‏(35) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(36) فَإِذَا انشقَّتِ السمَاءُ فَكانَت وَرْدَةً كالدِّهَانِ‏(37) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(38) فَيَوْمَئذٍ لا يُسئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَ لا جَانّ‏(39) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(40) يُعْرَف الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصى وَ الأَقْدَامِ‏(41) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتى يُكَذِّب بهَا المُْجْرِمُونَ‏(43) يَطوفُونَ بَيْنهَا وَ بَينَ حَمِيمٍ ءَانٍ‏(44) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(45) وَ لِمَنْ خَاف مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ‏(46) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ‏(48) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تجْرِيَانِ‏(50) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(51) فِيهِمَا مِن كلّ‏ِ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ‏(52) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(53) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشِ بَطائنهَا مِنْ إِستَبرَقٍوَ جَنى الْجَنَّتَينِ دَانٍ‏(54) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(55) فِيهِنَّ قَصِرَت الطرْفِ لَمْ يَطمِثهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانّ‏(56) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(57) كَأَنهُنَّ الْيَاقُوت وَ الْمَرْجَانُ‏(58) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(59) هَلْ جَزَاءُ الاحْسنِ إِلا الاحْسنُ‏(60) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(61) وَ مِن دُونهِمَا جَنَّتَانِ‏(62) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(63) مُدْهَامَّتَانِ‏(64) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضاخَتَانِ‏(66) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(67) فِيهِمَا فَكِهَةٌ وَ نخْلٌ وَ رُمَّانٌ‏(68) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(69) فِيهِنَّ خَيرَتٌ حِسانٌ‏(70) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(71) حُورٌ مَّقْصورَتٌ فى الخِْيَامِ‏(72) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(73) لَمْ يَطمِثهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانّ‏(74) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(75) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضرٍ وَ عَبْقَرِىٍ حِسانٍ‏(76) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏(77) تَبَرَك اسمُ رَبِّك ذِى الجَْلَلِ وَ الاكْرَامِ‏(78)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 106


بيان


هذا هو الفصل الثاني من آيات السورة يصف نشأة الثقلين الثانية و هي نشأة الرجوع إلى الله و جزاء الأعمال و يعد آلاء الله تعالى عليهم كما كانت الآيات السابقة فصلا أولا يصف النشأة الأولى و يعد آلاء الله فيها عليهم .


قوله تعالى : « سنفرغ لكم أيه الثقلان» يقال : فرغ فلان لأمر كذا إذا كان مشتغلا قبلا بأمور ثم تركها و قصر الاشتغال بذاك الأمر اهتماما به .


فمعنى « سنفرغ لكم» سنطوي بساط النشأة الأولى و نشتغل بكم ، و تبين الآيات التالية أن المراد بالاشتغال بهم بعثهم و حسابهم و مجازاتهم بأعمالهم خيرا أو شرا فالفراغ لهم استعارة بالكناية عن تبدل النشأة .


و لا ينافي الفراغ لهم كونه تعالى لا يشغله شأن عن شأن فإن الفراغ المذكور ناظر إلى تبدل النشأة و كونه لا يشغله شأن عن شأن ناظر إلى إطلاق القدرة و سعتها كما لا ينافي كونه تعالى كل يوم هو في شأن الناظر إلى اختلاف الشئون كونهتعالى لا يشغله شأن عن شأن .


و الثقلان الجن و الإنس ، و إرجاع ضمير الجمع في « لكم» و « إن استطعتم» و غيرهما إليهما لكونهما جمعا ذا أفراد .


قوله تعالى : « يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات و الأرض فانفذوا» إلخ ، الخطاب - على ما يفيده السياق - من خطابات يوم القيامة و هو خطاب تعجيزي .


و المراد بالاستطاعة القدرة ، و بالنفوذ من الأقطار الفرار ، و الأقطار جمع قطر و هو الناحية .


و المعنى : يا معشر الجن و الإنس - و قدم الجن لأنهم على الحركات السريعة أقدر - إن قدرتم أن تفروا بالنفوذ من نواحي السماوات و الأرض و الخروج من ملك الله و التخلص من مؤاخذته ففروا و انفذوا .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 107


و قوله : « لا تنفذون إلا بسلطان» أي لا تقدرون على النفوذ إلا بنوع من السلطة على ذلك و ليس لكم و السلطان القدرة الوجودية ، و السلطان البرهان أو مطلق الحجة ، و السلطان الملك .


و قيل : المراد بالنفوذ المنفي في الآية النفوذ العلمي في السماوات و الأرض من أقطارهما ، و قد عرفت أن السياق لا يلائمه .


قوله تعالى : « يرسل عليكما شواظ من نار و نحاس فلا تنتصران» الشواظ - على ما ذكره الراغب - اللهب الذي لا دخان فيه ، و يقرب منه ما في المجمع ، أنه اللهب الأخضر المنقطع من النار ، و النحاس الدخان و قال الراغب : هو اللهب بلا دخان و المعنى ظاهر .


و قوله : « فلا تنتصران» أي لا تتناصران بأن ينصر بعضكم بعضا لرفع البلاء و التخلص عن العناء لسقوط تأثير الأسباب و لا عاصم اليوم من الله .


قوله تعالى : « فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان» أي كانت حمراء كالدهان و هو الأديم الأحمر .


قوله تعالى : « فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس و لا جان» الآية و ما يتلوها من الآيات إلى آخر السورة تصف الحساب والجزاء تصف حال المجرمين و الخائفين مقام ربهم و ما ينتهي إليه .


ثم الآية تصف سرعة الحساب و قد قال تعالى : « و الله سريع الحساب» : النور : 39 .


و المراد بيومئذ يوم القيامة ، و السؤال المنفي هو النحو المألوف من السؤال ، و لا ينافي نفي السؤال في هذه الآية إثباته في قوله : « و قفوهم إنهم مسئولون» : الصافات : 24 ، و قوله : « فو ربك لنسألنهم أجمعين» : الحجر : 92 ، لأن اليوم ذو مواقف مختلفة يسأل في بعضها ، و يختم على الأفواه في بعضها و تكلم الأعضاء ، و يعرف بالسيماء في بعضها .


قوله تعالى : « يعرف المجرمونبسيماهم فيؤخذ بالنواصى و الأقدام » في مقام الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : فإذا لم يسألوا عن ذنبهم فما يصنع بهم ؟ فأجيب بأنه يعرف المجرمون بسيماهم إلخ ، و لذا فصلت الجملة و لم يعطف ، و المراد بسيماهم علامتهم البارزة في وجوههم .


و قوله : « فيؤخذ بالنواصي و الأقدام» الكلام متفرع على المعرفة المذكورة ، و النواصي


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 108


جمع ناصية و هي شعر مقدم الرأس ، و الأقدام جمع قدم ، و قوله : « بالنواصي» نائب فاعل يؤخذ .


و المعنى : - لا يسأل أحد عن ذنبه - يعرف المجرمون بعلامتهم الظاهرة في وجوههم فيؤخذ بالنواصي و الأقدام من المجرمين فيلقون في النار .


قوله تعالى : « هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون - إلى قوله - آن» مقول قول مقدر أي يقال يومئذ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ، و قال الطبرسي : و يمكن أنه لما أخبر الله سبحانه أنهم يؤخذون بالنواصي و الأقدام قال للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون من قومك فسيردونها فليهن عليك أمرهم .


انتهى .


و الحميم الماء الحار ، و الآني الذي انتهت حرارته و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « و لمن خاف مقام ربه جنتان» شروع في وصف حال السعداء من الخائفين مقام ربهم ، و المقام مصدر ميمي بمعنى القيام مضاف إلى فاعله ، و المراد قيامه تعالى عليه بعمله و هو إحاطته تعالى و علمه بما عمله و حفظه له و جزاؤه عليه قال تعالى : « أ فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت» : الرعد : 33 .


و يمكن أن يكون المقام اسم مكان و الإضافة لامية و المراد به مقامه و موقفه تعالى من عبده و هو أنه تعالى ربه الذي يدبر أمره و من تدبير أمره أنه دعاه بلسان رسله إلى الإيمان و العمل الصالح و قضى أن يجازيه على ما عمل خيرا أو شرا هذا و هو محيط به و هو معه سميع بما يقول بصير بما يعمل لطيف خبير .


و الخوف من الله تعالى ربما كان خوفا من عقابه تعالى على الكفر به و معصيته ، و لازمه أن يكون عبادة من يعبده خوفا بهذا المعنى يراد بها التخلص من العقاب لا لوجه الله محضا و هو عبادة العبيد يعبدون مواليهم خوفا من السياسة كما أن عبادة من يعبده طمعا في الثواب غايتها الفوز بما تشتهيه النفس دون وجهه الكريم و هي عبادة التجار كما في الروايات و قد تقدم شطر منها .


و الخوف المذكور في الآية - و لمن خاف مقام ربه - ظاهره غير هذا الخوف فإن هذا خوف من العقاب و هو غير الخوف من قيامه تعالى على عبده بما عمل أو الخوف من مقامه تعالى من عبده فهو تأثر خاص ممن ليس له إلا الصغار و الحقارة تجاه ساحة العظمة و الكبرياء ، و ظهور أثر المذلة و الهوان و الاندكاك قبال العزة و الجبروت المطلقين .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 109


و عبادته تعالى خوفا منه بهذا المعنى من الخوف خضوع له تعالى لأنه الله ذو الجلال و الإكرام لا لخوف من عقابه و لا طمعا في ثوابه بل فيه إخلاص العمل لوجهه الكريم ، و هذا المعنى من الخوف هو الذي وصف الله به المكرمين من ملائكته و هم معصومون آمنون من عقاب المخالفة و تبعة المعصية قال تعالى : « يخافون ربهم من فوقهم» : النحل : 50 .


فتبين مما تقدم أن الذين أشار إليهم بقوله : « و لمن خاف» أهل الإخلاص الخاضعون لجلاله تعالى العابدون له لأنه الله عز اسمه لا خوفا من عقابه و لا طمعا في ثوابه ، و لا يبعد أن يكونوا هم الذين سموا سابقين في قوله : « و كنتم أزواجا ثلاثة - إلى أن قال - و السابقون السابقون أولئك المقربون» : الواقعة : 11 .


و قوله : « جنتان» قيل : إحداهما منزله و محل زيارة أحبابه له و الأخرى منزل أزواجه و خدمه ، و قيل : بستانان بستان داخل قصره و بستان خارجه ، و قيل : منزلان ينتقلمن أحدهما إلى الآخر ليكمل به التذاذه ، و قيل : جنة لعقيدته و جنة لعمله ، و قيل : جنة لفعل الطاعات و جنة لترك المعاصي ، و قيل : جنة جسمانية و جنة روحانية و هذه الأقوال - كما ترى - لا دليل على شي‏ء منها .


و قيل : جنة يثاب بها و جنة يتفضل بها عليه ، و يمكن أن يستشعر ذلك من قوله تعالى : « لهم ما يشاءون فيها و لدينا مزيد» : ق : 35 ، على ما مر في تفسيره .


قوله تعالى : « ذواتا أفنان» ذواتا تثنية ذات ، و « أفنان» إما جمع فن بمعنى النوع و المعنى : ذواتا أنواع من الثمار و نحوها ، و إما جمع فنن بمعنى الغصن الرطب اللين و المعنى : ذواتا أغصان لينة أشجارهما .


قوله تعالى : « فيهما عينان تجريان» و قد أبهمت العينان و فيه دلالة على فخامة أمرهما .


قوله تعالى : « فيهما من كل فاكهة زوجان» أي صنفان قيل : صنف معروف لهم شاهدوه في الدنيا و صنف غير معروف لم يروه في الدنيا ، و قيل : غير ذلك ، و لا دلالة في الكلام على شي‏ء من ذلك .


قوله تعالى : « متكئين على فرش بطائنها من إستبرق» إلخ ، الفرش جمع فراش ، و البطائن جمع بطانة و هي داخل الشي‏ء و جوفه مقابل الظهائر جمع ظهارة ، و الإستبرق الحرير الغليظ قال في المجمع ، : ذكر البطانة و لم يذكر الظهارة لأن البطانة تدل على أن لها ظهارة و البطانة دون الظهارة فدل على أن الظهارة فوق الإستبرق ، انتهى .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 110


و قوله : « و جنى الجنتين دان» الجنى الثمر المجتنى و « دان» اسم فاعل من الدنو بمعنى القرب أي ما يجتنى من ثمار الجنتين قريب .


قوله تعالى : « فيهن قاصرات الطرف» إلى آخر الآية ضمير « فيهن» للفرش و جوز أن يرجع إلى الجنان فإنها جنان لكل واحد من أولياء الله منها جنتان ، و الطرف جفن العين ، و المراد بقصور الطرف اكتفاؤهن بأزواجهن فلا يردن غيرهم .


و قوله : « لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان» الطمث الافتضاض و النكاح بالتدمية ، و المعنى : لم يمسسهن بالنكاح إنس و لا جان قبل أزواجهن .


قوله تعالى : « كأنهن الياقوت و المرجان» أي في صفاء اللون و البهاء و التلالؤ .


قوله تعالى : « هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» استفهام إنكاري في مقام التعليل لما ذكر من إحسانه تعالى عليهم بالجنتين و ما فيهما من أنواع النعم و الآلاء فيفيد أنه تعالى يحسن إليهم هذا الإحسان جزاء لإحسانهم بالخوف من مقام ربهم .


و تفيد الآية أن ما أوتوه من الجنة و نعيمها جزاء لأعمالهم و أما ما يستفاد من بعض الآيات أنهم يعطون فضلا وراء جزاء أعمالهم فلا تعرض في هذه الآيات لذلك إلا أن يقال : الإحسان إنما يتم إذا كان يربو على ما أحسن به المحسن إليه فإطلاق الإحسان في قوله : « إلا الإحسان» يفيد الزيادة .


قوله تعالى : « و من دونهما جنتان» ضمير التثنية للجنتين الموصوفتين في الآيات السابقة و معنى .


«من دونهما» أي أنزل درجة و أحط فضلا و شرفا منهما و إن كانتا شبيهتين بالجنتين السابقتين في نعمهما و آلائهما ، و قد تقدم أن الجنتين السابقتين لأهل الإخلاص الخائفين مقام ربهم فهاتان الجنتان لمن دونهم من المؤمنين العابدين لله سبحانه خوفا من النار أو طمعا في الجنة و هم أصحاب اليمين .


و قيل : معنى « من دونهما» بالقرب منهما ، و يستفاد من السياق حينئذ أن هاتين الجنتين أيضا لأهل الجنتين المذكورتين قبلا بل ادعى بعضهم أن هاتين الجنتين أفضل من السابقتين و الصفات المذكورة فيهما أمدح .


و أنت بالتدبر فيما قدمناه في معنى لمن خاف مقام ربه و ما يستفاد من كلامه تعالى أن أهل الجنة صنفان : المقربون أهل الإخلاص و أصحاب اليمين تعرف قوة الوجه السابق .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 111


قوله تعالى : « مدهامتان»الادهيمام من الدهمة اشتداد الخضرة بحيث تضرب إلى السواد و هو ابتهاج الشجرة .


قوله تعالى : « فيهما عينان نضاختان» أي فوارتان تخرجان من منبعهما بالدفع .


قوله تعالى : « فيهما فاكهة و نخل و رمان» المراد بالفاكهة و الرمان شجرتهما بقرينة النخل .


قوله تعالى : « فيهن خيرات حسان» ضمير « فيهن» للجنان باعتبار أنها جنتان من هاتين الجنتين ، و قيل : مرجع الضمير الجنات الأربع المذكورة في الآيات ، و قيل : الضمير للفاكهة و النخل و الرمان .


و أكثر ما يستعمل الخير في المعاني كما أن أكثر استعمال الحسن في الصور ، و على هذا فمعنى خيرات حسان أنهن حسان في أخلاقهن حسان في وجوههن .


قوله تعالى : « حور مقصورات في الخيام» الخيام جمع خيمة و هي الفسطاط ، و كونهن مقصورات في الخيام أنهن مصونات غير مبتذلات لا نصيب لغير أزواجهن فيهن .


قوله تعالى : « لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان» تقدم معناه .


قوله تعالى : « متكئين على رفرف خضر و عبقري حسان» في الصحاح ، : الرفرف ثياب خضر تتخذ منها المجالس .


انتهى .


و قيل : هي الوسائد ، و قيل : غير ذلك ، و الخضر جمع أخضر صفة لرفرف ، و العبقري قيل : الزرابي ، و قيل : الطنافس ، و قيل : الثياب الموشاة ، و قيل : الديباج .


قوله تعالى : « تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرام» ثناء جميل له تعالى بما امتلأت النشأتان الدنيا و الآخرة بنعمه و آلائه و بركاته النازلة من عنده برحمته الواسعة ، و بذلك يظهر أن المراد باسمه المتبارك هو الرحمن المفتتحة به السورة ، و التبارك كثرة الخيرات و البركات الصادرة .


فقوله : « تبارك اسم ربك» تبارك الله المسمى بالرحمن بما أفاض هذه الآلاء .


و قوله : « ذي الجلال و الإكرام» إشارة إلى تسميه بأسمائه الحسنى و اتصافه بما يدل عليه من المعاني الوصفية و نعوت الجلال و الجمال ، و لصفات الفاعل ظهور في أفعاله و أثر فيها يرتبط به الفعل بفاعله فهو تعالى خلق الخلق و نظم النظام لأنه بديع خالق مبدى‏ء فأتقن الفعل لأنه عليم حكيم و جازى أهل الطاعة بالخير لأنه ودود شكور غفور رحيم


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 112


و أهل الفسق بالشر لأنه منتقم شديد العقاب .


فتوصيف الرب - الذي أثنى على سعة رحمته - بذي الجلال و الإكرام للإشارة إلى أن لأسمائه الحسنى و صفاته العليا دخلا في نزول البركات و الخيرات من عنده ، و أن نعمه و آلاءه عليها طابع أسمائه الحسنى و صفاته العليا تبارك و تعالى .


بحث روائي


في المجمع ، : و قد جاء في الخبر : يحاط على الخلق بالملائكة و بلسان من نار ثم ينادون : « يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم إلى قوله يرسل عليكما شواظ من نار» : . أقول : و روي هذا المعنى عن مسعدة بن صدقة عن كليب عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) .


و في الكافي ، بإسناده عن داود الرقي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قول الله عز و جل : « و لمن خاف مقام ربه جنتان» قال : من علم أن الله يراه و يسمع ما يقول و يعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و ابن منيع و الحكيم في نوادر الأصول و النسائي و البزار و أبو يعلى و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه عن أبي الدرداء : أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قرأ هذه الآية « و لمن خاف مقام ربه جنتان» فقلت : « أ و إن زنى و إن سرق يا رسول الله ؟ فقال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الثانية « و لمن خاف مقام ربه جنتان» فقلت : و إن زنى و إن سرق ؟ فقال : نعم و إن رغم أنف أبي الدرداء .


أقول : الرواية لا تخلو من شي‏ء فإن الخوف من مقامه تعالى لا يجامع هذه الكبائر الموبقة ، و قد روي عن أبي الدرداء نفسه ما يدفع هذه الرواية ففي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء : في قوله : « و لمن خاف مقام ربه جنتان» قال : قيل : يا أبا الدرداء و إن زنى و إن سرق ؟ قال : من خاف مقام ربه لم يزن و لم يسرق .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « قاصرات الطرف» قال : الحور العين يقصر الطرف عنها من ضوء نورها .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 113


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله : « قاصرات الطرف» قال : لا ينظرن إلا إلى أزواجهن .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « كأنهن الياقوت و المرجان» في الحديث أن المرأة من أهل الجنة يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة من حرير .


أقول : و هذا المعنى وارد في عدة روايات .


و في تفسير العياشي ، بإسناده عن علي بن سالم قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : آية في كتاب الله مسجلة . قلت : و ما هي ؟ قال : قول الله عز و جل : « هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» جرى في الكافر و المؤمن والبر و الفاجر ، و من صنع إليه معروف فعليه أن يكافى‏ء به ، و ليس المكافأة أن يصنع كما صنع حتى يربى فإن صنعت كما صنع كان له الفضل بالابتداء .


و في المجمع ، : في قوله : « هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» : جاءت الرواية من أنس بن مالك قال : قرأ رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) هذه الآية فقال : هل تدرون ما يقول ربكم ؟ قالوا : الله و رسوله أعلم . قال : فإن ربكم يقول : هل جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة ؟ و في تفسير القمي ، : في الآية قال : ما جزاء من أنعمت عليه بالمعرفة إلا الجنة .


أقول : الرواية مروية عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) و قد أسندها في التوحيد إلى جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه‏السلام‏) عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لفظها : أن الله عز و جل قال : ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة .


و أسندها في العلل ، إلى الحسن بن علي (عليهماالسلام‏) عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و اللفظ : هل جزاء من قال : لا إله إلا الله إلا الجنة ؟ : و روي الرواية بألفاظها المختلفة في الدر المنثور ، بطرق مختلفة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قوله : أنعمت عليه ، إشارة إلى أن إحسان العبد بالحقيقة إحسان من الله إليه .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و من دونهما جنتان» : عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : قلت له : إن الناس يتعجبون منا إذا قلنا : يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة فيقولون لنا فيكونون مع أولياء الله في الجنة ؟ فقال يا علي إن الله يقول : « و من دونهما جنتان» ما يكونون مع أولياء الله .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 114


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن أبي موسى عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله : « و لمن خاف مقام ربه جنتان» و قوله : « و من دونهما جنتان» قال : جنتان من ذهب للمقربين و جنتان من ورق لأصحاب اليمين .


أقول : و الروايتان تؤيدان ما قدمناه في تفسير الآيتين .


و فيه ، أخرج الطبراني و ابن مردويه عن أبي أيوب قال : سألت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن قوله : « مدهامتان» قال : خضراوان .


و في تفسير القمي ، بإسناده إلى يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : في قوله تعالى : « نضاختان» قال : تفوران .


و فيه ، : في قوله : « فيهن خيرات حسان» قال : جوار نابتات على شط الكوثر كلما أخذت منها نبتت مكانها أخرى .


و في المجمع ، : في قوله : « خيرات حسان» أي نساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه : . روته أم سلمة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في الفقيه ، قال الصادق (عليه‏السلام‏) : الخيرات الحسان من نساء أهل الدنيا و هن أجمل من الحور العين .


و في روضة الكافي ، بإسناده عن الحلبي قال : سألت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) عن قول الله عز و جل : « فيهن خيرات حسان» قال : هن صوالح المؤمنات العارفات .


أقول : و في انطباق الآية بالنظر إلى سياقها على مورد الروايتين إبهام .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :