امروز:
چهار شنبه 26 مهر 1396
بازدید :
671
تفسيرالميزان : سوره واقعه آيات 96- 1


56- سورة الواقعة مكية و هي ست و تسعون آية 96


سورة الواقعة


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ(1) لَيْس لِوَقْعَتهَا كاذِبَةٌ(2) خَافِضةٌ رَّافِعَةٌ(3) إِذَا رُجَّتِ الأَرْض رَجًّا(4) وَ بُستِ الْجِبَالُ بَسًّا(5) فَكانَت هَبَاءً مُّنبَثًّا(6) وَ كُنتُمْ أَزْوَجاً ثَلَثَةً(7) فَأَصحَب الْمَيْمَنَةِ مَا أَصحَب الْمَيْمَنَةِ(8) وَ أَصحَب المَْشئَمَةِ مَا أَصحَب المَْشئَمَةِ(9) وَ السبِقُونَ السبِقُونَ‏(10)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 115


بيان


تصف السورة القيامة الكبرى التي فيها بعث الناس و حسابهم و جزاؤهم فتذكر أولا شيئا من أهوالها مما يقرب من الإنسان و الأرض التي يسكنها فتذكر تقليبها للأوضاع و الأحوال بالخفض و الرفع و ارتجاج الأرض و انبثاث الجبال و تقسم الناس إلى ثلاثة أزواج إجمالا ثم تذكر ما ينتهي إليه حال كل من الأزواج السابقين و أصحاب اليمين و أصحاب الشمال .


ثم تحتج على أصحاب الشمال المنكرين لربوبيته و للبعث المكذبين بالقرآن الداعي إلى التوحيد و الإيمان بالبعث .


ثم تختم الكلام بذكر الاحتضار بنزول الموت و انقسام الناس إلى ثلاثة أزواج .


و السورة مكية بشهادة سياق آياتها .


قوله تعالى : « إذا وقعت الواقعة» وقوع الحادثة هو حدوثها ، و الواقعة صفة توصف بها كل حادثة ، و المراد بها هاهنا واقعة القيامة و قد أطلقت إطلاق الأعلام كأنها لا تحتاج إلى موصوف مقدر و لذا قيل : إنها من أسماء القيامة في القرآن كالحاقة و القارعة و الغاشية .


و الجملة « إذا وقعت الواقعة» مضمنة معنى الشرط و لم يذكر جزاء الشرط إعظاما له و تفخيما لأمره و هو على أي حال أمر مفهوم مما ستصفه السورة من حال الناس يوم القيامة ، و التقدير نحو من قولنا : فاز المؤمنون و خسر الكافرون .


قوله تعالى : « ليس لوقعتها كاذبة» قال في المجمع ، : الكاذبة مصدر كالعافية و العاقبة .


انتهى .


و عليه فالمعنى : ليس في وقعتها و تحققها كذب ، و قيل : كاذبة صفة محذوفة الموصوف و التقدير : ليس لوقعتها قضية كاذبة .


قوله تعالى : « خافضة رافعة» خبران مبتدؤهما الضمير الراجع إلى الواقعة ، و الخفض خلاف الرفع و كونها خافضة رافعة كناية عن تقليبها نظام الدنيا المشهود فتظهر السرائر


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 116


و هي محجوبة اليوم و تحجب و تستر آثار الأسباب و روابطها و هي ظاهرة اليوم و تذل الأعزةمن أهل الكفر و الفسق و تعز المتقين .


قوله تعالى : « إذا رجت الأرض رجا» الرج تحريك الشي‏ء تحريكا شديدا إشارة إلى زلزلة الساعة التي يعظمها الله سبحانه في قوله : « إن زلزلة الساعة شي‏ء عظيم» : الحج : 1 ، و قد عظمها في هذه الآية حيث عبر عنها برج الأرض ثم أكد شدتها بتنكير قوله : « رجا» أي رجا لا يوصف شدته .


و الجملة بدل أو بيان لقوله : « إذا وقعت الواقعة» .


قوله تعالى : « و بست الجبال بسا فكانت هباء منبثا» عطف على رجت و البس الفت و هو عود الجسم بدق و نحوه أجزاء صغارا متلاشية كالدقيق ، و قيل : البس هوالتسيير فهو في معنى قوله : « و سيرت الجبال» : النبأ : 20 .


و قوله : « فكانت هباء منبثا» الهباء قيل : هو الغبار و قيل : هو الذرة من الغبار الظاهر في شعاع الشمس الداخل من كوة ، و الانبثات التفرق ، و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « و كنتم أزواجا ثلاثة» الزوج بمعنى الصنف و الخطاب لعامة البشر .


قوله تعالى : « فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة» متفرع على ما قبلها تفرع البيان على المبين ، فهذه الآية و الآيتان بعدها بيان للأزواج الثلاثة .


و الميمنة من اليمن مقابل الشؤم ، فأصحاب الميمنة أصحاب السعادة و اليمنمقابل أصحاب المشأمة أصحاب الشقاء و الشؤم ، و ما قيل : إن المراد بالميمنة اليمين ، أي ناحية اليمين لأنهم يؤتون كتابهم بيمينهم و غيرهم يؤتونه بشمالهم يرده مقابلة أصحاب الميمنة بأصحاب المشأمة ، و لو كان كما قيل لقيل أصحاب الشمال و هو ظاهر .


و ما في قوله : « ما أصحاب الميمنة» استفهامية و مبتدأ خبره « أصحاب الميمنة» ، و المجموع خبر لقوله : « فأصحاب الميمنة» و في الاستفهام إعظام لأمرهم و تفخيم لشأنهم .


قوله تعالى : « و أصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة» المشأمة مصدر كالشؤم مقابل اليمين ، و الميمنة و المشأمةالسعادة و الشقاء .


قوله تعالى : « و السابقون السابقون» الذي يصلح أن يفسر به السابقون الأول قوله تعالى : « فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات بإذن الله» : فاطر : 32 ، و قوله : « و لكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات» : البقرة : 148 ، و قوله : « أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون» : المؤمنون : 61 .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 117


فالمراد بالسابقين - الأول - في الآية السابقون بالخيرات من الأعمال ، و إذا سبقوا بالخيرات سبقوا إلى المغفرة و الرحمة التي بإزائها كما قال تعالى : « سابقوا إلى مغفرة من ربكم و جنة» : الحديد : 21 ، فالسابقون بالخيرات هم السابقون بالرحمة و هو قوله : « و السابقون السابقون» .


و قيل : المراد بالسابقون الثاني هو الأول على حد قوله : أنا أبو النجم و شعري شعري .


و قوله : « و السابقون السابقون» مبتدأ و خبر ، و قيل : الأول مبتدأ و الثاني تأكيد ، و الخبر قوله : « أولئك المقربون» .


و لهم في تفسير السابقين أقوال أخر فقيل : هم المسارعون إلى كل ما دعا الله إليه ، و قيل : هم الذين سبقوا إلى الإيمان و الطاعة من غير توان ، و قيل : هم الأنبياء (عليهم‏السلام‏) لأنهم مقدموا أهل الأديان ، و قيل : هم مؤمن آل فرعون و حبيب النجار المذكور في سورة يس و علي (عليه‏السلام‏) السابق إلى الإيمان بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو أفضلهم و قيل : هم السابقون إلى الهجرة ، و قيل : هم السابقون إلى الصلوات الخمس ، و قيل : هم الذين صلوا إلى القبلتين ، و قيل : هم السابقون إلى الجهاد ، و قيل غير ذلك .


و القولان الأولان راجعان إلى ما تقدم من المعنى ، و الثالث و الرابع ينبغي أن يحملا على التمثيل ، و الباقي كما ترى إلا أن يحمل على نحو من التمثيل .


بحث روائي


في الخصال، عن الزهري قال : سمعت علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) يقول : من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ، و الله ما الدنيا و الآخرة إلا ككفتي ميزان فأيهما رجح ذهب بالآخر ثم تلا قوله عز و جل : « إذا وقعت الواقعة» يعني القيامة « ليس لوقعتها كاذبة خافضة» خفضت و الله بأعداء الله في النار « رافعة» رفعت و الله أولياء الله إلى الجنة .


و في تفسير القمي ، : « إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة» قال : القيامة هي حق ، و قوله : « خافضة» قال : بأعداء الله « رافعة» لأولياء الله « إذا رجت الأرض رجا»


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 118


قال : يدق بعضها على بعض « و بست الجبال بسا» قال : قلعت الجبال قلعا « فكانت هباء منبثا» قال : الهباء الذي في الكوة من شعاع الشمس . و قوله : « و كنتم أزواجا ثلاثة» قال : يوم القيامة « فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة - و أصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة - و السابقون السابقون» الذين سبقوا إلى الجنة .


أقول : قوله : الذين سبقوا إلى الجنة تفسير للسابقون الثاني .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال : الهباء المنبث رهج 1 الذرات و الهباء المنثور غبار الشمس الذي تراه في شعاع الكوة .


و فيه ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس : في قوله : « و السابقون السابقون» قال : نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون ، و حبيب النجار الذي ذكر في يس و علي بن أبي طالب ، كل رجل منهم سابق أمته و علي أفضلهم سبقا .


و في المجمع ، عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : السابقون أربعة : ابن آدم المقتول ، و سابق أمة موسى و هو مؤمن آل فرعون ، و سابق أمة عيسى و هو حبيب و السابق في أمة محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو علي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) : . أقول : و روي هذا المعنى في روضة الواعظين ، عن الصادق (عليه‏السلام‏) .


و في أمالي الشيخ ، بإسناده إلى ابن عباس قال : سألت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن قول الله عز و جل : « و السابقون السابقون - أولئك المقربون في جنات النعيم» فقال : قال لي جبرئيل : ذلك علي و شيعته ، هم السابقون إلى الجنة المقربون من الله بكرامته لهم .


و في كمال الدين ، بإسناده إلى خيثمة الجعفي عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في حديث : و نحن السابقون السابقون و نحن الآخرون .


و في العيون ، في باب ما جاء عن الرضا (عليه‏السلام‏) من الأخبار المجموعة بإسناده عن علي (عليه‏السلام‏) قال : « و السابقون السابقون أولئك المقربون» في نزلت .


و في المجمع ، : في الآية : و قيل : إلى الصلوات الخمس : . عن علي (عليه‏السلام‏) .


أقول : الوجه حمل جميع هذه الأخبار على التمثيل كما تقدم .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 119


أُولَئك الْمُقَرَّبُونَ‏(11) فى جَنَّتِ النَّعِيمِ‏(12) ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ‏(13) وَ قَلِيلٌ مِّنَ الاَخِرِينَ‏(14) عَلى سرُرٍ مَّوْضونَةٍ(15) مُّتَّكِئِينَ عَلَيهَا مُتَقَبِلِينَ‏(16) يَطوف عَلَيهِمْ وِلْدَنٌ مخَلَّدُونَ‏(17) بِأَكْوَابٍ وَ أَبَارِيقَ وَ كَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ‏(18) لا يُصدَّعُونَ عَنهَا وَ لا يُنزِفُونَ‏(19) وَ فَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيرُونَ‏(20) وَ لحَْمِ طيرٍ مِّمَّا يَشتهُونَ‏(21) وَ حُورٌ عِينٌ‏(22) كَأَمْثَلِ اللُّؤْلُو الْمَكْنُونِ‏(23) جَزَاءَ بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ‏(24) لا يَسمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً(25) إِلا قِيلاً سلَماً سلَماً(26) وَ أَصحَب الْيَمِينِ مَا أَصحَب الْيَمِينِ‏(27) فى سِدْرٍ مخْضودٍ(28) وَ طلْحٍ مَّنضودٍ(29) وَ ظِلّ‏ٍ ممْدُودٍ(30) وَ مَاءٍ مَّسكُوبٍ‏(31) وَ فَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ(32) لا مَقْطوعَةٍ وَ لا ممْنُوعَةٍ(33) وَ فُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ(34) إِنَّا أَنشأْنَهُنَّ إِنشاءً(35) فجَعَلْنَهُنَّ أَبْكاراً(36) عُرُباً أَتْرَاباً(37) لأَصحَبِ الْيَمِينِ‏(38) ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ‏(39) وَ ثُلَّةٌ مِّنَ الاَخِرِينَ‏(40) وَ أَصحَب الشمَالِ مَا أَصحَب الشمَالِ‏(41) فى سمُومٍ وَ حَمِيمٍ‏(42) وَ ظِلّ‏ٍ مِّن يحْمُومٍ‏(43) لا بَارِدٍ وَ لا كَرِيمٍ‏(44) إِنهُمْ كانُوا قَبْلَ ذَلِك مُترَفِينَ‏(45) وَ كانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِْنثِ الْعَظِيمِ‏(46) وَ كانُوا يَقُولُونَ أَ ئذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظماً أَ ءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ‏(47) أَ وَ ءَابَاؤُنَا الأَوَّلُونَ‏(48) قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَ الاَخِرِينَ‏(49) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ‏(50) ثمَّ إِنَّكُمْ أَيهَا الضالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ‏(51) لاَكلُونَ مِن شجَرٍ مِّن زَقُّومٍ‏(52) فَمَالِئُونَ مِنهَا الْبُطونَ‏(53) فَشرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَْمِيمِ‏(54) فَشرِبُونَ شرْب الهِْيمِ‏(55) هَذَا نُزُلهُُمْ يَوْمَ الدِّينِ‏(56)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 120


بيان


الآيات تفصل ما ينتهي إليه حال كل واحد من الأزواج الثلاثة يوم القيامة .


قوله تعالى : « أولئك المقربون في جنات النعيم» الإشارة بأولئك إلى السابقين ، و « أولئك المقربون» مبتدأ و خبر ، و الجملة استئنافية ، و قيل : خبر لقوله : « و السابقون» ، و قيل : مبتدأ خبره في جنات النعيم ، و أول الوجوه الثلاثة أوجه بالنظر إلى سياق تقسيم الناس إلى ثلاثة أزواج أولا ثم تفصيل ما ينتهي إليه أمر كل منهم .


و القرب و البعد معنيان متضائفان تتصف بهما الأجسام بحسب النسبة المكانية ثم توسع فيهما فاعتبرا في غير المكان من الزمان و نحوه ، يقال : الغد قريب من اليوم و الأربعةأقرب إلى الثلاثة من الخمسة ، و الخضرة أقرب إلى السواد من البياض ثم توسع فيهما فاعتبرا في غير الأجسام و الجسمانيات من الحقائق .


و قد اعتبر القرب وصفا له تعالى بما له من الإحاطة بكل شي‏ء ، قال تعالى : « و إذا سألك عبادي عني فإني قريب» : البقرة : 186 ، و قال : « و نحن أقرب إليه منكم» : الواقعة : 85 ، و قال : « و نحن أقرب إليه من حبل الوريد» : ق : 16 .


و هذا المعنى أعني كونه تعالى أقرب إلى الشي‏ء من نفسه أعجب ما يتصور من معنى القرب ، و قد أشرنا إلى تصويره في تفسير الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 121


و اعتبر القرب أيضا وصفا للعباد في مرحلة العبودية و لما كان أمرا اكتسابيا يستعمل فيه لفظ التقرب فالعبد يتقرب بصالح العمل إلى الله سبحانه و هو وقوعه في معرض شمول الرحمة الإلهية بزوال أسباب الشقاء و الحرمان ، و الله سبحانه يقرب العبد بمعنى إنزاله منزلة يختص بنيل ما لا يناله من دونه من إكرامه تعالى و مغفرته و رحمته ، قال تعالى : « كتاب مرقوم يشهده المقربون» : المطففين : 21 ، و قال : « و مزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون» : المطففين : 28 .


فالمقربون هم النمط الأعلى من أهل السعادة كما يشير إليه قوله : « و السابقون السابقون أولئك المقربون» و لا يتم ذلك إلا بكمال العبودية كما قال : « لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله و لا الملائكة المقربون» : النساء : 172 ، و لا تكمل العبودية إلا بأن يكون العبد تبعا محضا في إرادته و عمله لمولاه لا يريد و لا يعمل إلا ما يريده و هذا هو الدخول تحت ولاية الله فهؤلاء هم أولياء الله .


و قوله : « في جنات النعيم» أي كل واحد منهم في جنة النعيم فالكل في جنات النعيم ، و يمكن أن يراد به أن كلا منهم في جنات النعيم لكن يبعده قوله في آخر السورة : « فأما إن كان من المقربين فروح و ريحان و جنة نعيم» .


و قد تقدم غير مرة أن النعيم هي الولاية و أن جنة النعيم هي جنة الولاية و هو المناسب لما تقدم آنفا أن المقربين هم أهل ولاية الله .


قوله تعالى : « ثلة من الأولين و قليل من الآخرين» الثلة - على ما قيل - الجماعة الكثيرة ، و المراد بالأولين الأمم الماضون للأنبياء السابقين ، و بالآخرين هذه الأمة على ما هو المعهود من كلامه تعالى في كل موضع ذكر فيه الأولين و الآخرين معا و منها ما سيأتي من قوله : « أ إنا لمبعوثون أ و آباؤنا الأولون قل إن الأولين و الآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم» فمعنى الآيتين : هم أي المقربون جماعة كثيرة من الأمم الماضين و قليل من هذه الأمة .


و بما تقدم يظهر أن قول بعضهم : إن المراد بالأولين و الآخرين أولوا هذه الأمة و آخروها غير سديد .


قوله تعالى : « على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين» الوضن النسج و قيل : نسج الدرع و إطلاقه على نسج السرر استعارة يراد بها إحكام نسجها .


و قوله : « متكئين عليها» حال من الضمير العائد إلى المقربين و الضمير للسرر ، و قوله :


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 122


«متقابلين» حال آخر منه أو من ضمير « متكئين» و تقابلهم كناية عن بلوغ أنسهم و حسن عشرتهم و صفاء باطنهم فلا ينظرون في قفاء صاحبهم و لا يعيبونه و لا يغتابونه .


و المعنى : هم أي المقربون مستقرون على سرر منسوجة حال كونهم متكئين عليها حال كونهم متقابلين .


قوله تعالى : « يطوف عليهم ولدان مخلدون» الولدان جمع ولد و هو الغلام ، و طوافهم عليهم كناية عن خدمتهم لهم ، و المخلدون من الخلود بمعنى الدوام أي باقون أبدا على هيئتهم من حداثة السن ، و قيل من الخلد بفتحتين و هو القرط ، و المراد أنهم مقرطون بالخلد .


قوله تعالى : « بأكواب و أباريق و كأس من معين» الأكواب جمع كوب و هو الإناء الذي لا عروة له و لا خرطوم ، و الأباريق جمع إبريق و هو الإناء الذي له خرطوم ، و قيل : عروة و خرطوم معا ، و الكأس معروف ، قيل : أفرد الكأس لأنها لا تسمى كأسا إلا إذا كانت ممتلئة ، و المراد بالمعين الخمر المعين و هو الظاهر للبصر الجاري .


قوله تعالى : « لا يصدعون عنها و لا ينزفون» أي لا يأخذهم صداع لأجل خمار يحصل من الخمر كما في خمر الدنيا و لا يزول عقلهم بالسكر الحاصل منها .


قوله تعالى : « و فاكهة مما يتخيرون و لحم طير مما يشتهون» الفاكهة و الطير معطوفان على قوله : « بأكواب» ، و المعنى : يطوف عليهم الولدان بفاكهة مما يختارون و بلحم طير مما يشتهون .


و لا يستشكل بما ورد في الروايات أن أهل الجنة إذا اشتهوا فاكهة تدلى إليهم غصن شجرتها بما لها من ثمرة فيتناولونها ، و إذا اشتهوا لحم طير وقع مقليا مشويا في أيديهم فيأكلون منها ما أرادوا ثم حيي و طار .


و ذلك لأن لهم ما شاءوا و من فنون التنعم تناول ما يريدونه من أيدي خدمهم و خاصة حال اجتماعهم و احتفالهم كما أن من فنونه تناولهم أنفسهم من غير توسيط خدمهم فيه .


قوله تعالى : « و حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون» مبتدأ محذوف الخبر على ما يفيده السياق و التقدير و لهم حور عين أو و فيها حور عين و الحور العين نساء الجنة و قد تقدم معنى الحور العين في تفسير سورة الدخان .


و قوله : « كأمثال اللؤلؤ المكنون» أي اللؤلؤ المصون المخزون في الصدف لم تمسه الأيدي فهو منته في صفائه .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 123


قوله تعالى : « جزاء بما كانوا يعملون» قيد لجميع ما تقدم و هو مفعول له ، و المعنى : فعلنا بهم ما فعلنا ليكون جزاء لهم قبال ما كانوا يستمرون عليه من العمل الصالح .


قوله تعالى : « لا يسمعون فيها لغوا و لا تأثيما» اللغو من القول ما لا فائدة فيه و لا أثر يترتب عليه ، و التأثيم النسبة إلى الإثم أي لا يخاطب أحدهم صاحبه بما لا فائدة فيه و لا ينسبه إلى الإثم إذ لا إثم هناك ، و فسر بعضهم التأثيم بالكذب .


قوله تعالى : « إلا قيلا سلاما سلاما» استثناء منقطع من اللغو و التأثيم ، و القيل مصدر كالقول ، و « سلاما » بيان لقوله : « قيلا» و تكراره يفيد تكرر الوقوع ، و المعنى : إلا قولا هو السلام بعد السلام .


قيل : و يمكن أن يكون « سلاما» مصدرا بمعنى الوصف و صفة لقيلا ، و المعنى : إلا قولا هو سالم .


قوله تعالى : « و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين» شروع في تفصيل ما انتهى إليه حال أصحاب الميمنة و في تبديله من أصحاب اليمين يعلم أن أصحاب اليمين و أصحاب الميمنة واحد و هم الذين يؤتون كتابهم بيمينهم .


و الجملة استفهامية مسوقة لتفخيم أمرهم و التعجيب من حالهم و هي خبر لقوله : « و أصحاب اليمين» .


قوله تعالى : « في سدر مخضود» السدر شجرة النبق ، و المخضود ما قطع شوكه فلا شوك له .


قوله تعالى : « و طلح منضود» الطلح شجر الموز ، و قيل : ليس بالموز بل شجر له ظل بارد رطب ، و قيل : شجرة أم غيلان لها أنوار طيبة الرائحة ، و نضد الأشياء جعل بعضها على بعض ، و المعنى : و في شجر موز منضود الثمر بعضه على بعض من أسفله إلى أعلاه .


قوله تعالى : « و ظل ممدود و ماء مسكوب» قيل : الممدود من الظل هو الدائم الذي لا تنسخه شمس فهو باق لا يزول ، و الماء المسكوب هو المصبوب الجاري من غير انقطاع .


قوله تعالى : « و فاكهة كثيرة لا مقطوعة و لا ممنوعة» أي لا مقطوعة في بعض الأزمان كانقطاع الفواكه في شتاء و نحوه في الدنيا ، و لا ممنوعة التناول لمانع من قبل أنفسهم كسأمة أو شبع أو من خارج كبعد المكان أو شوكة تمنع القطف أو غير ذلك .


قوله تعالى : « و فرش مرفوعة» الفرش جمع فراش و هو البساط ، و المرفوعة العالية ، و قيل : المراد بالفرش المرفوعة النساء المرتفعات قدرا في عقولهن و جمالهن و كمالهن و المرأة


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 124


تسمى فراشا ، و يناسب هذا المعنى قوله بعد : « إنا أنشأناهن إنشاء» إلخ .


قوله تعالى : « إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا» أي إنا أوجدناهن و أحدثناهن و ربيناهن أحداثا و تربية خاصة ، و فيه تلويح إلى أنهن لا يختلف حالهن بالشباب و الشيب و صباحة المنظر و خلافها ، و قوله : « فجعلناهن أبكارا» أي خلقناهن عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا .


و قوله : « عربا أترابا» العرب جمع عروب و هي المتحننة إلى زوجها أو الغنجة أو العاشقة لزوجها ، و الأتراب جمع ترب بالكسر فالسكون بمعنى المثل أي أنهن أمثال أو أمثال في السن لأزواجهن .


قوله تعالى : « لأصحاب اليمين ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين» يتضح معناه بما تقدم ، و يستفاد من الآيات أن أصحاب اليمين في الآخرين جمع كثير كالأولين لكن السابقين المقربين في الآخرين أقل جمعا منهم في الأولين .


قوله تعالى : « و أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال» مبتدأ و خبر ، و الاستفهام للتعجيب و التهويل ، و قد بدل أصحابالمشأمة من أصحاب الشمال إشارة إلى أنهم الذين يؤتون كتابهم بشمالهم كما مر نظيره في أصحاب اليمين .


قوله تعالى : « في سموم و حميم و ظل من يحموم لا بارد و لا كريم» السموم - على ما في الكشاف ، - حر نار ينفذ في المسام ، و الحميم الماء الشديد الحرارة ، و التنوين فيهما لتعظيم الأمر ، و اليحموم الدخان الأسود ، و قوله : « لا بارد و لا كريم» الظاهر أنهما صفتان للظل لا ليحموم ، و ذلك أن الظل هو الذي يتوقع منه أن يتبرد بالاستظلال به و يستراح فيه دون الدخان .


قوله تعالى : « إنهم كانوا قبل ذلك مترفين» تعليل لاستقرار أصحاب الشمال في العذاب ، و الإشارة بذلك إلى ما ذكر من عذابهم يوم القيامة ، و إتراف النعمة الإنسان إبطارها و إطغاؤها له ، و ذلك إشغالها نفسه بحيث يغفل عما وراءها فكون الإنسان مترفا تعلقه بما عنده من نعم الدنيا و ما يطلبه منها سواء كانت كثيرة أو قليلة .


فلا يرد ما استشكل من أن كثيرا من أصحاب الشمال ليسوا من المترفين بمعنى المتوسعين في التنعم و ذلك أن الإنسان محفوف بنعم ربه و ليست النعمة هي المال فحسب فاشتغاله بنعم ربه عن ربه ترفه منه ، و المعنى : أنا إنما نعذبهم بما ذكر لأنهم كانوا قبل ذلك في


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 125


الدنيا بطرين طاغين بالنعم .


قوله تعالى : « و كانوا يصرون على الحنث العظيم» في المجمع ، : الحنث نقض العهد المؤكد بالحلف ، و الإصرار أن يقيم عليه فلا يقلع عنه .


انتهى .


و لعل المستفاد من السياق أن إصرارهم على الحنث العظيم هو استكبارهم عن عبودية ربهم التي عاهدوا الله عليها بحسب فطرتهم و أخذ منهم الميثاق عليها في عالم الذر فيطيعون غير ربهم و هو الشرك المطلق .


و قيل : الحنث الذنب العظيم فتوصيفه بالعظيم مبالغة و الحنث العظيم الشرك بالله ، و قيل : الحنث العظيم جنس المعاصي الكبيرة ، و قيل : هو القسم على إنكار البعث المشار إليه بقوله تعالى : « و أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت» : النحل : 38 ، و لفظ الآية مطلق .


قوله تعالى : « و كانوا يقولون أ إذا متنا و كنا ترابا و عظاما أ إنا لمبعوثون أ و آباؤنا الأولون» قول منهم مبني على الاستبعاد و لذا أكدوا استبعاد بعث أنفسهم ببعث آبائهم لأن الاستبعاد في موردهم آكد ، و التقدير أ و آباؤنا الأولون مبعوثون .


قوله تعالى : « قل إن الأولين و الآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم» أمر منه تعالى لنبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يجيب عن استبعادهم البعث بتقريره ثم إخبارهم عما يعيشون به يوم البعث من طعام و شراب و هما الزقوم و الحميم .


و محصل القول إن الأولين و الآخرين - من غير فرق بينهم لا كما فرقوا فجعلوا بعث أنفسهم مستبعدا و بعث آبائهم الأولين أشد استبعادا و آكد - لمجموعون محشورين إلى ميقات يوم معلوم .


و الميقات ما وقت به الشي‏ء و هو وقته المعين ، و المراد بيوم معلوم يوم القيامة المعلوم عند الله فإضافة الميقات إلى يوم معلوم بيانية .


قوله تعالى : « ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون»من تمام كلام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يخبرهم عما ينتهي إليه حالهم يوم القيامة و يعيشون به من طعام و شراب .


و في خطابهم بالضالين المكذبين إشارة إلى ملاك شقائهم و خسرانهم يوم البعث و هو ضلالهم عن طريق الحق و استقرار ذلك في نفوسهم باستمرارهم على تكذيبهم و إصرارهم على الحنث ، و لو كانوا ضالين فحسب من غير تكذيب لكان من المرجو أن ينجوا و لا يهلكوا .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 126


و « من» في قوله : « من شجر» للابتداء ، و في قوله : « من زقوم» بيانية و يحتمل أن يكون « من زقوم» بدلا من « من شجر» ، و ضمير « منها» للشجر أو الثمر و كل منهما يؤنث و يذكر و لذا جي‏ء هاهنا بضمير التأنيث و في الآية التالية في قوله : « فشاربون عليه» بضمير التذكير ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم» كلمة « على» للاستعلاء و تفيد في المورد كون الشرب عقيب الأكل من غير ريث ، و الهيم جمع هيماء الإبل التي أصابها الهيام بضم الهاء و هو داء شبه الاستسقاء يصيب الإبل فتشرب الماء حتى تموت أو تسقم سقما شديدا ، و قيل : الهيم الرمال التي لا تروى بالماء .


و المعنى : فشاربون عقيب ما أكلتم من الزقوم من الماء الشديد الحرارة فشاربون كشرب الإبل الهيم أو كشرب الرمال الهيم و هذا آخر ما أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يقوله لهم .


قوله تعالى : « هذا نزلهم يوم الدين» أي يوم الجزاء و النزل ما يقدم للضيف النازل من طعام و شراب إكراما له ، و المعنى : هذا الذي ذكر من طعامهم و شرابهم هو نزل الضالين المكذبين ففي تسمية ما أعد لهم بالنزل نوع تهكم ، و الآية من كلامه تعالى خطابا للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و لو كان من كلام النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خطابا لهم لقيل : هذا نزلكم .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه و ابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله قال : لما نزلت إذا وقعت الواقعة ذكر فيها « ثلة من الأولين و قليل من الآخرين» قال عمر : يا رسول الله ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : تعال و استمع ما قد أنزل الله ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين» . ألا و إن من آدم إلى ثلة و أمتي ثلة و لن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان رعاة الإبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له : . قال السيوطي و أخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عروة بن رويم مرسلا و فيه ، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : لما نزلت « ثلة من الأولين و قليل من الآخرين» حزن أصحاب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قالوا : إذن لا يكون من أمة محمد إلا قليل


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 127


فنزلت نصف النهار « ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين» تقابلون الناس فنسخت الآية « و قليل من الآخرين» .


أقول : قال في الكشاف ، في تفسير الآية : فإن قلت : فقد روي أنها لما نزلت شق ذلك على المسلمين فما زال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يراجع ربه حتى نزلت « ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين» .


قلت : هذا لا يصح لأمرين : أحدهما : أن هذه الآية واردة في السابقين ورودا ظاهرا و كذلك الثانية في أصحاب اليمين ، أ لا ترى كيف عطف أصحاب اليمين و وعدهم على السابقين و وعدهم ؟ الثاني : أن النسخ في الأخبار غير جائز .


انتهى .


و أجيب عنه بأنه يمكن أن يحمل الحديث على أن الصحابة لما سمعوا الآية الأولى حسبوا أن الأمر في هذه الأمة يذهب على هذا النهج فيكون أصحاب اليمين ثلة من الأولين و قليلا منهم فيكون الفائزون بالجنة في هذه الأمة أقل منهم في الأمم السالفة فنزلت « ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين» فزال حزنهم ، و معنى نسخ الآية السابقة إزالة حسبانهم المذكور .


و أنت خبير بأنه حمل على ما لا دليل عليه من جهة اللفظ و اللفظ يأباه و خاصة حمل نسخ الآية على إزالة الحسبان ، و حال الرواية الأولى و خاصة من جهة ذيلها كحال هذه الرواية .


و في المجمع ، في قوله تعالى : « يطوف عليهم ولدان مخلدون» اختلف في هذه الولدان فقيل : إنهم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها و لا سيئات فيعاقبوا عليها فأنزلوا هذه المنزلة .


قال : و قد روي عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أنه سئل عن أطفال المشركين ؟ فقال : هم خدم أهل الجنة : . أقول : و رواه في الدر المنثور عن الحسن ، و الرواية ضعيفة لا تعويل عليها .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة و البزار و ابن مردويه و البيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود قال : قال لي رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا .


أقول : و في هذا المعنى روايات كثيرة و في بعضها أن المؤمن يأكل ما يشتهيه ثم يعود الباقي إلى ما كان عليه و يحيا فيطير إلى مكانه و يباهي بذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 128


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « لا يسمعون فيها لغوا و لا تأثيما» قال : الفحش و الكذب و الغنا .


أقول : لعل المراد بالغنا ما يكون منه لهوا أو الغنا مصحف الخنا .


و فيه ، : في قوله تعالى : « و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين» قال : علي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) و أصحابه و شيعته .


أقول : الرواية مبنية على ما ورد في ذيل قوله تعالى : « يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه» : إسراء : 71 ، إن اليمين هو الإمام الحق و معناها أن اليمين هو علي (عليه‏السلام‏) و أصحاب اليمين شيعته ، و الرواية من الجري .


و فيه ، : في قوله تعالى : « في سدر مخضود» شجر لا يكون له ورق و لا شوك فيه ، و قرأ أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : « و طلع منضود» قال : بعضه على بعض .


و في الدر المنثور ، أخرج الحاكم و صححه و البيهقي في البعث عن أبي أمامة قال : كان أصحاب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقولون : إن الله ينفعنا بالأعراب و مسائلهم . أقبل أعرابي يوما فقال : يا رسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية . و ما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها . فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : و ما هي ؟ قال : السدر فإن لها شوكا ، فقال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أ ليس يقول الله : « في سدر مخضود» يخضده الله من شوكه فيجعل مكان كل شوكة ثمرة أنها تنبت ثمرا تفتق الثمر منها عن اثنين و سبعين لونا من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر .


و في المجمع ، : و روت العامة عن علي (عليه‏السلام‏) : أنه قرأ رجل عنده « و طلح منضود» فقال : ما شأن الطلح إنما هو « و طلع» كقوله : « و نخل طلعها هضيم» فقيل له : أ لا تغيره ؟ قال : إن القرآن لا يهاج اليوم و لا يحرك : ، رواه عنه ابنه الحسن (عليه‏السلام‏) و قيس بن سعد .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق و الفاريابي و هناد و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن مردويه عن علي بن أبي طالب : في قوله : « و طلح منضود» قال : هو الموز .


و في المجمع ، ورد في الخبر : أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها اقرءوا إن شئتم « و ظل ممدود» و روي أيضا : أن أوقات الجنة كغدوات الصيف لا يكون فيها حر و لا برد .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 129


أقول : و روي الأول في الدر المنثور عن أبي سعيد و أنس و غيرهما عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في روضة الكافي ، بإسناده عن علي بن إبراهيم عن ابن محبوب عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في حديث يصف فيه الجنة و أهلها : و يزور بعضهم بعضا و يتنعمون في جناتهم في ظل ممدود في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس و أطيب من ذلك .


و في تفسير القمي ، : و قوله : « إنا أنشأناهن إنشاء» قال : الحور العين في الجنة « فجعلناهن أبكارا عربا» قال : لا يتكلمون إلا بالعربية .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : قال رسولالله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله : « عربا» قال : كلامهن عربي .


أقول : و فيه روايات أخر أن عربا جمع عروب و هي الغنجة .


و فيه ، أخرج مسدد في مسنده و ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه بسند حسن عن أبي بكرة عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : في قوله تعالى : « ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين» قال : هما جميعا من هذه الأمة .


أقول : و هذا المعنى مروي في غير واحد من الروايات لكن ظاهر آيات السورة أن القسمة لكافة البشر لا لهذه الأمة خاصة ، و لعل المراد من هذه الروايات بيان بعض المصاديق و إن كان بعيدا ، و كذا المراد مما ورد أن أصحاب اليمين أصحاب أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) ، و ما ورد أن أصحاب الشمال أعداء آل محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في المحاسن ، بإسناده عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن الشرب بنفس واحد فكرهه و قال : ذلك شرب الهيم . قلت : و ما الهيم ؟ قال : الإبل .


و فيه ، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : أنه كان يكره أن يتشبه بالهيم . قلت : و ما الهيم ؟ قال الرمل .


أقول : و المعنيان جميعا واردان في روايات أخر .


نحْنُ خَلَقْنَكُمْ فَلَوْ لا تُصدِّقُونَ‏(57) أَ فَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ‏(58) ءَ أَنتُمْ تخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَْلِقُونَ‏(59) نحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكمُ الْمَوْت وَ مَا نحْنُ بِمَسبُوقِينَ‏(60) عَلى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَ نُنشِئَكُمْ فى مَا لا تَعْلَمُونَ‏(61) وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشأَةَ الأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ‏(62) أَ فَرَءَيْتُم مَّا تحْرُثُونَ‏(63) ءَ أَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نحْنُ الزَّرِعُونَ‏(64) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنَهُ حُطماً فَظلْتُمْ تَفَكَّهُونَ‏(65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ‏(66) بَلْ نحْنُ محْرُومُونَ‏(67) أَ فَرَءَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِى تَشرَبُونَ‏(68) ءَ أَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نحْنُ الْمُنزِلُونَ‏(69) لَوْ نَشاءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجاً فَلَوْ لا تَشكُرُونَ‏(70) أَ فَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتى تُورُونَ‏(71) ءَ أَنتُمْ أَنشأْتُمْ شجَرَتهَا أَمْ نحْنُ الْمُنشِئُونَ‏(72) نحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَ مَتَعاً لِّلْمُقْوِينَ‏(73) فَسبِّحْ بِاسمِ رَبِّك الْعَظِيمِ‏(74) × فَلا أُقْسِمُ بِمَوَقِع النُّجُومِ‏(75) وَ إِنَّهُ لَقَسمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ‏(76) إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ‏(77) فى كِتَبٍ مَّكْنُونٍ‏(78) لا يَمَسهُ إِلا الْمُطهَّرُونَ‏(79) تَنزِيلٌ مِّن رَّب الْعَلَمِينَ‏(80) أَ فَبهَذَا الحَْدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ‏(81) وَ تجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ‏(82) فَلَوْ لا إِذَا بَلَغَتِ الحُْلْقُومَ‏(83) وَ أَنتُمْ حِينَئذٍ تَنظرُونَ‏(84) وَ نحْنُ أَقْرَب إِلَيْهِ مِنكُمْ وَ لَكِن لا تُبْصِرُونَ‏(85) فَلَوْ لا إِن كُنتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ‏(86) تَرْجِعُونهَا إِن كُنتُمْ صدِقِينَ‏(87) فَأَمَّا إِن كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏(88) فَرَوْحٌ وَ رَيحَانٌ وَ جَنَّت نَعِيمٍ‏(89) وَ أَمَّا إِن كانَ مِنْ أَصحَبِ الْيَمِينِ‏(90) فَسلَمٌ لَّك مِنْ أَصحَبِ الْيَمِينِ‏(91) وَ أَمَّا إِن كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضالِّينَ‏(92) فَنزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ‏(93) وَ تَصلِيَةُ جَحِيمٍ‏(94) إِنَّ هَذَا لهَُوَ حَقُّ الْيَقِينِ‏(95) فَسبِّحْ بِاسمِ رَبِّك الْعَظِيمِ‏(96)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 130


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 131


بيان


لما فصل سبحانه القول فيما ينتهي إليه حال كل من الأزواج الثلاثة ففصل حال أصحاب الشمال و أن الذي ساقهم إلى ذلك نقضهم عهدالعبودية و تكذيبهم للبعث و الجزاء و أمر نبيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يرد عليهم بتقرير البعث و الجزاء و بيان ما يجزون به يوم البعث .


وبخهم على تكذيبهم بالمعاد مع أن الذي يخبرهم به هو خالقهم الذي يدبر أمرهم و يقدر لهم الموت ثم الإنشاء فهو يعلم ما يجري عليهم مدى وجودهم و ما ينتهي إليه حالهم و مع أن الكتاب الذي ينبئهم بالمعاد هو قرآن كريم مصون من أن يلعب به أيدي الشياطين و أولياؤهم المضلين .


ثم يعيد الكلام إلى ما بدى‏ء به من حال الأزواج الثلاثة و يذكر أن اختلاف أحوال الأقسام يأخذ من حين الموت و بذلكتختتم السورة .


قوله تعالى : « نحن خلقناكم فلو لا تصدقون» السياق سياق الكلام في البعث و الجزاء و قد أنكروه و كذبوا به ، فقوله : « فلو لا تصدقون» تحضيض على تصديق حديث المعاد و ترك التكذيب به ، و قد علله بقوله : « نحن خلقناكم» كما يستفاد من التفريع الذي في قوله : « فلو لا تصدقون» .


و إيجاب خلقه تعالى لهم وجوب تصديقه فيما يخبر به من المعاد من وجهين : أحدهما : أنه تعالى خلقهم أول مرة فهو قادر على إعادة خلقهم ثانيا كما قال : « قال من يحيي العظام و هي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة و هو بكل خلق عليم» : يس : 79 .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 132


و ثانيهما : أنه تعالى لما كان هو خالقهم و هو المدبر لأمرهم المقدر لهم خصوصيات خلقهم و أمرهم فهو أعلم بما يفعل بهم و سيجري عليهم فإذا أنبأهم بأنه سيبعثهم بعد موتهم و يجزيهم بما عملوا إن خيرا و إن شرا لم يكن بد من تصديقه فلا عذر لمن كذب بما أخبر به كتابه من البعث و الجزاء ، قال تعالى : « أ لا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير» : الملك : 14 ، و قال : « كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين» : الأنبياء : 104 ، و قال : « وعد الله حقا و من أصدق من الله قيلا» : النساء : 122 .


فمحصل الآية : نحن خلقناكم و نعلم ما فعلنا و ما سنفعل بكم فنخبركم أنا سنبعثكم و نجزيكم بما عملتم فهلا تصدقون بما نخبركم به فيما أنزلناه من الكتاب .


و في الآية و ما يتلوها من الآيات التفات من الغيبة إلى الخطاب لأن السياق سياق التوبيخ و المعاتبة و ذلك بالخطاب أوقع و آكد .


قوله تعالى : « أ فرأيتم ما تمنون» الأمناء قذف المني و صبه و المراد قذفه و صبه في الأرحام ، و المعنى : أ فرأيتم المني الذي تصبونه في أرحام النساء .


قوله تعالى : « أ أنتم تخلقونه أم نحن الخالقون» أي أ أنتم تخلقونه بشرا مثلكم أم نحن خالقوه بشرا .


قوله تعالى : « نحن قدرنا بينكم الموت و ما نحن بمسبوقين» تدبير أمر الخلق بجميع شئونه و خصوصياته من لوازم الخلق بمعنى إفاضة الوجود فوجود الإنسان المحدود بأول كينونته إلى آخر لحظة من حياته الدنيا بجميع خصوصياته التي تتحول عليه بتقدير من خالقه عز و جل .


فموته أيضا كحياته بتقدير منه ، و ليس يعتريه الموت لنقص من قدرة خالقه أن يخلقه بحيث لا يعتريه الموت أو من جهة أسباب و عوامل تؤثر فيه بالموت فتبطل الحياة التي أفاضها عليه خالقه تعالى فإن لازم ذلك أن تكون قدرته تعالى محدودة ناقصة و أن يعجزه بعض الأسباب و تغلب إرادته إرادته و هو محال كيف ؟ و القدرة مطلقة و الإرادة غير مغلوبة .


و يتبين بذلك أن المراد بقوله : « نحن قدرنا بينكم الموت» أن الموت حق مقدر و ليس أمرا يقتضيه و يستلزمه نحو وجود الحي بل هو تعالى قدر له وجودا كذا ثم موتا يعقبه .


و أن المراد بقوله : « و ما نحن بمسبوقين» و - السبق هو الغلبة و المسبوق المغلوب - و لسنا مغلوبين في عروض الموت عن الأسباب المقارنة له بأن نفيض عليكم حياة نريد أن


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 133


يدوم ذلك عليكم فيسبقنا الأسباب و تغلبنا فتبطل بالموت الحياة التي كنا نريد دوامها .


قوله تعالى : « على أن نبدل أمثالكم و ننشئكم فيما لا تعلمون» « على» متعلقه بقوله : « قدرنا» و جملة الجار و المجرور في موضع الحال أي نحن قدرنا بينكم الموت حال كونه على أساس تبديل الأمثال و الإنشاء فيما لا تعلمون .


و الأمثال جمع مثل بالكسر فالسكون و مثل الشي‏ء ما يتحد معه في نوعه كالفرد من الإنسان بالنسبة إلى فرد آخر ، و المراد بقوله : « أن نبدل أمثالكم» أن نبدل أمثالكم من البشر منكم أو نبدل أمثالكم مكانكم ، و المعنى على أي حال تبديل جماعة من أخرى و جعل الأخلاف مكان الأسلاف .


و قوله : « و ننشئكم فيما لا تعلمون» ما موصولة و المراد به الخلق و الجملة معطوفة على « نبدل» و التقدير و على أن ننشئكم و نوجدكم في خلق آخر لا تعلمونه و هو الوجود الأخروي غير الوجود الدنيوي الفاني .


و محصل معنى الآيتين أن الموت بينكم إنما هو بتقدير منا لا لنقص في قدرتنا بأن لا يتيسر لنا إدامة حياتكم و لا لغلبة الأسباب المهلكة المبيدة و قهرها و تعجيزها لنا في حفظ حياتكم و إنما قدرناه بينكم على أساس تبديل الأمثال و إذهاب قوم و الإتيان بآخرين و إنشاء خلق لكم يناسب الحياة الآخرة وراء الخلق الدنيوي الداثر فالموت انتقال من دار إلى دار و تبدل خلق إلى خلق آخر و ليس بانعدام و فناء .


و احتمل بعضهم أن يكون الأمثال في الآية جمع مثل بفتحتين و هو الوصف فتكون الجملتان « على أن نبدل» إلخ ، و « ننشئكم» إلخ ، تفيدان معنى واحدا ، و المعنى : على أن نغير أوصافكم و ننشئكم في وصف لا تعرفونه أو لا تعلمونه كحشركم في صفة الكلب أو الخنزير أو غيرهما من الحيوان بعد ما كنتم في الدنيا على صفة الإنسان ، و المعنى السابق أجمع و أكثر فائدة .


قوله تعالى : « و لقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون» المراد بالنشأة الأولى نشأة الدنيا ، و العلم بها بخصوصياتها يستلزم الإذعان بنشأة أخرى خالدة فيها الجزاء ، فإن من المعلوم من النظام الكوني أن لا لغو و لا باطل في الوجود فلهذه النشأة الفانية غاية باقية ، و أيضا من ضروريات هذا النظام هداية كل شي‏ء إلى سعادة نوعه و هداية الإنسان تحتاج إلى بعث الرسل و تشريع الشرائع و توجيه الأمر و النهي ، و الجزاء على خير الأعمال و شرها


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 134


و ليس في الدنيا فهو في دار أخرى و هي النشأة الآخرة 1 .


على أنهم شاهدوا النشأة الأولى و عرفوها و علموا أن الذي أوجدها عن كتم العدم هو الله سبحانه و إذ قدر عليها أولا فهو على إيجاد مثلها ثانيا قادر ، قال تعالى : « قل يحييها الذي أنشأها أول مرة» : يس : 79 ، و هذا برهان على الإمكان يرتفع به استبعادهم للبعث .


و بالجملة يحصل لهم بالعلم بالنشأة الأولى علم بمبادى‏ء البرهان على إمكان البعث فيرتفع به استبعاد البعث فلا استبعاد مع الإمكان .


و هذا - كما ترى - برهان على إمكان حشر الأجساد ، محصله أن البدن المحشور مثل البدن الدنيوي و إذ جاز صنع البدن الدنيوي و إحياؤه فليجز صنع البدن الأخروي و إحياؤه لأنه مثله و حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد .


فمن العجيب قول الزمخشري في الكشاف ، في الآية : و في هذا دليل على صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى بالأولى .


انتهى .


و ذلك لأن الذي في الآية قياس برهاني منطقي و الذي يستدل بها عليه قياس فقهي مفيد للظن فأين أحدهما من الآخر ؟ .


و قال في روح المعاني ، في الآية : فهلا تتذكرون أن من قدر عليها يعني على النشأة الأولى فهو على النشأة الأخرى أقدر و أقدر فإنها أقل صنعا لحصول المواد و تخصيص الأجزاء و سبق المثال ، و هذا على ما قالوا دليل على صحة القياس لكن قيل : لا يدل إلا على قياس الأولي لأنه الذي في الآية .


انتهى .


و فيه ما في سابقه .


على أن الذي في الآية ليس من قياس الأولي في شي‏ء لأن الجامع بين النشأة الأولى و الأخرى أنهما مثلان و مبدأ القياس أن حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد .


و أما قوله : إن النشأة الأخرى أقل صنعا لحصول المواد و تخصيص الأجزاء ، فهو ممنوع فإن المواد تحتاج إلى إفاضة الوجود بقاء كما تحتاج إليها في حدوثها و أول حصولها ، و كذا تخصص الأجزاء يحتاج إليها بقاء كما تحتاج إليها فالصنع ثانيا كالصنع أولا .


و أما قوله : و سبق المثال، فقد خلط بين المثل و المثال فالبدن الأخروي بالنظر إلى نفسه مثل البدن الدنيوي لا على مثاله و لو كان على مثاله كانت الآخرة دنيا لا آخرة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 135


فإن قلت : لو كان البدن الأخروي مثلا للبدن الدنيوي و مثل الشي‏ء غيره كان الإنسان المعاد في الآخرة غير الإنسان المبتدء في الدنيا لأنه مثله لا عينه .


قلت : قد تقدم في المباحث السابقة غير مرة أن شخصية الإنسان بروحه لا ببدنه ، و الروح لا تنعدم بالموت و إنما يفسد البدن و تتلاشى أجزاؤه ثم إذا سوي ثانيا مثل ما كان في الدنيا ثم تعلقت به الروح كان الإنسان عين الإنسان الذي في الدنيا كما كان زيد الشائب مثلا عين زيد الشاب لبقاء الروح على شخصيتها مع تغير البدن لحظة بعد لحظة .


قوله تعالى : « أ فرأيتم ما تحرثون - إلى قوله - محرومون» بعد ما ذكرهم بكيفية خلق أنفسهم و تقدير الموت بينهم تمهيدا للبعث و الجزاء و كل ذلك من لوازم ربوبيته عد لهم أمورا ثلاثة من أهم ما يعيشون به في الدنيا و هي الزرع الذي يقتاتون به و الماء الذي يشربونه و النار التي يصطلون بها و يتوسلون بها إلى جمل من مآربهم ، و تثبت بذلك ربوبيته لهم فليست الربوبية إلا التدبير عن ملك .


فقال : « أ فرأيتم ما تحرثون» الحرث العمل في الأرض و إلقاء البذر عليها « أ أنتم تزرعونه» أي تنبتونه و تنمونه حتى يبلغ الغاية ، و ضمير « تزرعونه» للبذر أو الحرث المعلوم من المقام « أم نحن الزارعون» المنبتون المنمون حتى يكمل زرعا « لو نشاء لجعلناه حطاما» أي هشيما متكسرا متفتتا « فظلتم» أي فظللتم و صرتم « تفكهون» أي تتعجبون مما أصيب به زرعكم و تتحدثون بما جرى قائلين « إنا لمغرمون» موقعون في الغرامة و الخسارة ذهب مالنا و ضاع وقتنا و خاب سعينا « بل نحن محرومون» ممنوعون من الرزق و الخير .


و لا منافاة بين نفي الزرع عنهم و نسبته إليه تعالى و بين توسط عوامل و أسباب طبيعية في نبات الزرع و نموه فإن الكلام عائد في تأثير هذه الأسباب و صنعها و ليس نحو تأثيرها باقتضاء من ذاتها منقطعة عنه تعالى بل بجعله و وضعه و موهبته ، و كذا الكلام في أسباب هذه الأسباب ، و ينتهي الأمر إلى الله سبحانه و أن إلى ربك المنتهى .


قوله تعالى : « أ فرأيتم الماء الذي تشربون - إلى قوله - فلو لا تشكرون» المزن السحاب ، و قوله : « فلو لا تشكرون» تحضيض على الشكر ، و شكره تعالى جميل ذكره تعالى على نعمه و هو إظهار عبوديته قولا و عملا .


و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « أ فرأيتم النار التي تورون - إلى قوله - و متاعا للمقوين» قال في المجمع، :


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 136


الإيراء إظهار النار بالقدح ، يقال أورى يوري ، قال : و يقال قدح فأورى إذا أظهر فإذا لم يور يقال : قدح فأكبى ، و قال : و المقوي النازل بالقواء من الأرض ليس بها أحد ، و أقوت الدار خلت من أهلها .


انتهى .


و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « فسبح باسم ربك العظيم» خطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


لما ذكر سبحانه شواهد ربوبيته لهم و أنه الذي يخلقهم و يدبر أمرهم و من تدبيره أنه سيبعثهم و يجزيهم بأعمالهم و هم مكذبون بذلك أعرض عن خطابهم و التفت إلى خطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إشعارا بأنهم لا يفقهون القول فأمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن ينزهه تعالى عن إشراكهم به و إنكارهم البعث و الجزاء .


فقوله : « فسبح باسم» إلخ ، الفاء لتفريع التسبيح على ما تقدم من البيان ، و الباء للاستعانة أو الملابسة ، و المعنى : فإذا كان كذلك فسبح مستعينا بذكر اسم ربك ، أو المراد بالاسم الذكر لأن إطلاق اسم الشي‏ء ذكر له كما قيل أو الباء للتعدية لأن تنزيه اسم الشي‏ء تنزيه له ، و المعنى : نزه اسم ربك من أن تذكر له شريكا أو تنفي عنه البعث و الجزاء ، و العظيم صفة الرب أو الاسم .


قوله تعالى : « فلا أقسم بمواقع النجوم» « لا أقسم» قسم و قيل : لا زائدة و أقسم هو القسم ، و قيل : لا نافية و أقسم هو القسم .


و « مواقع» جمع موقع و هو المحل ، و المعنى : أقسم بمحال النجوم من السماء ، و قيل : مواقع جمع موقع مصدر ميمي بمعنى السقوط يشير به إلى سقوط الكواكب يوم القيامة أو وقوع الشهب على الشياطين ، أو مساقط الكواكب في مغاربها ، و أول الوجوه هو السابق إلى الذهن .


قوله تعالى : «و إنه لقسم لو تعلمون عظيم» تعظيم لهذا القسم و تأكيد على تأكيد .


قوله تعالى : « إنه لقرآن كريم - إلى قوله - من رب العالمين» لما كان إنكارهم حديث وحدانيته تعالى في ربوبيته و ألوهيته و كذا إنكارهم للبعث و الجزاء إنما أبدوه بإنكار القرآن النازل على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الذي فيه نبأ التوحيد و البعث كان إنكارهم منشعبا إلى إنكار أصل التوحيد و البعث أصلا ، و إلى إنكار ذلك بما أن القرآن ينبئهم به ، فأورد تعالى أولا بيانا لإثبات أصل الوحدانية و البعث بذكر شواهد من آياته تثبت ذلك و هو قوله : « نحنخلقناكم - إلى قوله - و متاعا للمقوين» ، و ثانيا بيانا يؤكد فيه كون القرآن الكريم كلامه المحفوظ عنده النازل منه و وصفه بأحسن أوصافه .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 137


فقوله : « إنه لقرآن كريم» جواب للقسم السابق ، الضمير للقرآن المعلوم من السياق السابق و يستفاد من توصيفه بالكريم من غير تقييد في مقام المدح أنه كريم على الله عزيز عنده و كريم محمود الصفات و كريم بذال نفاع للناس لما فيه من أصول المعارف التي فيها سعادة الدنيا و الآخرة .


و قوله : « في كتاب مكنون» وصف ثان للقرآن أي محفوظ مصون عنالتغيير و التبديل ، و هو اللوح المحفوظ كما قال تعالى : « بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ» : البروج : 22 .


و قوله : « لا يمسه إلا المطهرون» صفة الكتاب المكنون و يمكن أن يكون وصفا ثالثا للقرآن و مآل الوجهين على تقدير كون لا نافية واحد .


و المعنى : لا يمس الكتاب المكنون الذي فيه القرآن إلا المطهرون أو لا يمس القرآن الذي في الكتاب إلا المطهرون .


و الكلام على أي حال مسوق لتعظيم أمر القرآن و تجليله فمسه هو العلم به و هو في الكتاب المكنون كما يشير إليه قوله : « إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون و إنه في أمالكتاب لدينا لعلي حكيم» : الزخرف : 4 .


و المطهرون - اسم مفعول من التطهير - هم الذين طهر الله تعالى نفوسهم من أرجاس المعاصي و قذارات الذنوب أو مما هو أعظم من ذلك و أدق و هو تطهير قلوبهم من التعلق بغيره تعالى ، و هذا المعنى من التطهير هو المناسب للمس الذي هو العلم دون الطهارة من الخبث أو الحدث كما هو ظاهر .


فالمطهرون هم الذين أكرمهم الله تعالى بتطهير نفوسهم كالملائكة الكرام و الذين طهرهم الله من البشر ، قال تعالى : « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا» : الأحزاب : 33 ، و لا وجه لتخصيص المطهرين بالملائكة كما عن جل المفسرين لكونه تقييدا من غير مقيد .


و ربما جعل « لا» في « لا يمسه» ناهية ، و المراد بالمس على هذا مس كتابة القرآن ، و بالطهارة الطهارة من الحدث أو الحدث و الخبث جميعا - و قرى‏ء « المطهرون» بتشديد الطاء و الهاء و كسر الهاء أي المتطهرون - و مدلول الآية تحريم مس كتابة القرآن على غير طهارة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 138


و يمكن حمل الآية على هذا المعنى على تقدير كون لا نافية بأن تكون الجملة إخبارا أريد به الإنشاء و هو أبلغ من الإنشاء .


قال في الكشاف، : و إن جعلتها يعني جملة « لا يمسه إلا المطهرون» صفة للقرآن فالمعنى : لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس يعني مس المكتوب منه ، انتهى و قد عرفت صحة أن يراد بالمس العلم و الاطلاع على تقدير كونها صفة للقرآن كما يصح على تقدير كونها صفة لكتاب مكنون .


و قوله : « تنزيل من رب العالمين» وصف آخر للقرآن ، و المصدر بمعنى اسم المفعول أي منزل من عند الله إليكم تفتهمونه و تعقلونه بعد ما كان في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون .


و التعبير عنه تعالى برب العالمين للإشارة إلى أن ربوبيته تعالى منبسطة على جميع العالمين و هم من جملتهم فهو تعالى ربهم و إذا كان ربهم كان عليهم أن يؤمنوا بكتابه و يصغوا لكلامه و يصدقوه من غير تكذيب .


قوله تعالى : « أ فبهذا الحديث أنتم مدهنون» الإشارة بهذا الحديث إلى القرآن ، و الإدهان به التهاون به و أصله التليين بالدهن استعير للتهاون ، و الاستفهام للتوبيخ يوبخهم تعالى على عدهم أمر القرآن هينا لا يعتنى به .


قوله تعالى : « و تجعلون رزقكم أنكم تكذبون» قيل : المراد بالرزق حظهم من الخير ، و المعنى : و تجعلون حظكم من الخير الذي لكم أن تنالوه بالقرآن أنكم تكذبون به أي تضعونه موضعه ، و قيل : المراد بالرزق القرآن رزقهم الله إياه ، و المعنى : تأخذون التكذيب مكان هذا الرزق الذي رزقتموه ، و قيل : الكلام بحذف مضاف و التقدير : و تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون أي وضعتم التكذيب موضع الشكر .


قوله تعالى : « فلو لا إذا بلغت الحلقوم - إلى قوله صادقين» رجوع إلى أول الكلام بالتفريع على تكذيبهم بأنكم إن كنتم صادقين في نفيكم للبعث مصيبين في تكذيبكم لهذا القرآن الذي ينبؤكم بالبعث رددتم نفس المحتضر التي بلغت الحلقوم إذ لو لم يكن الموت بتقدير من الله كان من الأمور الاتفاقية التي ربما أمكن الاحتيال لدفعها، فإذا لم تقدروا على رجوعها و إعادة الحياة معها فاعلموا أن الموت حق مقدر من الله لسوق النفوس إلى البعث و الجزاء .


فقوله : « فلو لا إذا بلغت الحلقوم» تفريع على تكذيبهم بالقرآن و بما أخبر به من


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 139


البعث و الجزاء ، و لو لا للتحضيض تعجيزا و تبكيتا لهم ، و ضمير « بلغت» للنفس ، و بلوغ النفس الحلقوم كناية عن الإشراف التام للموت .


و قوله : « و أنتم حينئذ تنظرون» أي تنظرون إلى المحتضر أي هو بمنظر منكم .


و قوله : « و نحن أقرب إليه منكم و لكن لا تبصرون» أي و الحال أنا أقرب إليه منكم لإحاطتنا به وجودا و رسلنا القابضون لروحه أقرب إليه منكم و لكن لا تبصروننا و لا رسلنا .


قال تعالى : « الله يتوفى الأنفس حين موتها» : الزمر : 26 ، و قال : « قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم» : السجدة : 11 ، و قال : « حتى إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا» : الأنعام : 61 .


و قوله : « فلو لا إن كنتم غير مدينين» تكرار لو لا لتأكيد لو لا السابقة ، و « مدينين» أي مجزيين من دان يدين بمعنى جزى يجزي ، و المعنى : إن كنتم غير مجزيين ثوابا و عقابا بالبعث .


و قوله : « ترجعونها إن كنتم صادقين» أي إن كنتم صادقين في دعواكم أن لا بعث و لا جزاء ، و قوله : « ترجعونها» مدخول لو لا التحضيضية بحسب التقدير و ترتيب الآيات بحسب التقدير فلو لا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم مدينين .


قوله تعالى : « فأما إن كان من المقربين فروح و ريحان و جنة نعيم» رجوع إلى بيان حال الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة عند الموت و بعده و ضمير « كان» للمتوفى المعلوم من السياق ، و المراد بالمقربين السابقون المقربون المذكورون سابقا ، و الروح الراحة ، و الريحان الرزق ، و قيل : هو الريحان المشموم من ريحان الجنة يؤتى به إليه فيشمه و يتوفى .


و المعنى : فأما إن كان المتوفى من المقربين فله - أو فجزاؤه - راحة من كل هم و غم و ألم و رزق من رزق الجنة و جنة نعيم .


قوله تعالى : « و أما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين» يمكن أن يكون اللام للاختصاص الملكي و معنى « سلام لك» أنك تختص بالسلام من أصحاب اليمين الذين هم قرناؤك و رفقاؤك فلا ترى منهم إلا خيرا و سلاما .


و قيل : لك بمعنى عليك أي يسلم عليك أصحاب اليمين ، و قيل غير ذلك .


و الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للدلالة على أنه يخاطب بهذا الخطاب : سلام لك من


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 140


أصحاب اليمين .


قوله تعالى : « و أما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم و تصلية جحيم» تصلية النار الإدخال فيها ، و قيل : مقاساة حرها و عذابها .


و المعنى : و أما إن كان من أهل التكذيب و الضلال فلهم نزل من ماء شديد الحرارة ، و مقاساة حر نار جحيم .


و قد وصفهم الله بالمكذبين الضالين فقدم التكذيب على الضلال لأن ما يلقونه من العذاب تبعة تكذيبهم و عنادهم للحق و لو كان ضلالا بلا تكذيب و عناد كانوا مستضعفين غير نازلين هذه المنزلة ، و أما قوله سابقا : « ثم إنكم أيها الضالون المكذبون» فإذ كان المقام هناك مقام الرد لقولهم : « أ إذا متنا و كنا ترابا و عظاما أ إنا لمبعوثون» إلخ ، كان الأنسب توصيفهم أولا بالضلال ثم بالتكذيب .


قوله تعالى : « إن هذا لهو حق اليقين» الحق هو العلم من حيث إن الخارج الواقع يطابقه ، و اليقين هو العلم الذي لا لبس فيه و لا ريب فإضافة الحق إلى اليقين نحو من الإضافة البيانية جي‏ء بها للتأكيد .


و المعنى : أن هذا الذي ذكرناه من حال أزواج الناس الثلاثة هو الحق الذي لا تردد فيه و العلم الذي لا شك يعتريه .


قوله تعالى : « فسبح باسم ربك العظيم» تقدم تفسيره ، و هو تفريع على ما تقدمه من صفة القرآن و بيان حال الأزواج الثلاثة بعد الموت و في الحشر .


و المعنى : فإذا كان القرآن على هذه الصفات و صادقا فيما ينبى‏ء به من حال الناس بعد الموت فنزه ربك العظيم مستعينا أو ملابسا باسمه و أنف ما يراه و يدعيه هؤلاء المكذبون الضالون .


بحث روائي


في المجمع ، : في قوله تعالى : « أ أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون» : و روي عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : لا يقولن أحدكم زرعت و ليقل حرثت : . أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن عدة من أصحاب الجوامع عن أبي هريرة عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 141


و في تفسير القمي ، : « أ أنتم أنزلتموه من المزن» قال : من السحاب « نحن جعلناها تذكرة» لنار يوم القيامة « و متاعا للمقوين» قال : المحتاجين .


و في المجمع ، في قوله تعالى : « فسبح باسم ربك العظيم» : فقد صح عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أنه لما نزلت هذه الآية قال : اجعلوها في ركوعكم : . أقول : و رواه في الفقيه ، مرسلا ، و رواه في الدر المنثور ، عن الجهني عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في الدر المنثور ، أخرج النسائي و ابن جرير و محمد بن نصر و الحاكم و صححه و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال : أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين و في لفظ ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوما ثم قرأ « فلا أقسم بمواقع النجوم» .


أقول : و ظاهره تفسير مواقع النجوم بأوقات نزول نجوم القرآن .


و في تفسير القمي ، : و قوله : « فلا أقسم بمواقع النجوم» قال : معناه أقسم بمواقع النجوم .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه بسند رواه عن ابن عباس عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون» قال : عند الله في صحف مطهرة « لا يمسه إلا المطهرون» قال : المقربون .


أقول : و تفسير المطهرين بالمقربين يؤيد ما أوردناه في البيان المتقدم ، و قد أوردنا في ذيل قوله : « هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق» الآية : الجاثية : 29 ، حديثا عن الصادق (عليه‏السلام‏) في الكتاب المكنون .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « لا يمسه إلا المطهرون» و قالوا : لا يجوز للجنب و الحائض و المحدث مس المصحف : عن محمد بن علي (عليهماالسلام‏) .


أقول : المراد بمس المصحف مس كتابته بدليلالروايات الأخر .


و في الكافي ، بإسناده عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن التعويذ يعلق على الحائض قال : نعم لا بأس . و قال : تقرؤه و تكتبه و لا تصيبه يدها .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق و ابن أبي داود و ابن المنذر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال : في كتاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لعمرو بن حزم : و لا تمس القرآن إلا عن طهور .


أقول : و الروايات فيه كثيرة من طرق الشيعة و أهل السنة .


و فيه ، أخرج مسلم و ابن المنذر و ابن مردويه عن ابن عباس قال : مطر الناس علىعهد


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 142


رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أصبح من الناس شاكر و منهم كافر قالوا : هذه رحمة وضعها الله و قال بعضهم : لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الآية « فلا أقسم بمواقع النجوم» حتى بلغ « و تجعلون رزقكم أنكم تكذبون» .


أقول : و قد استفاضت الرواية من طرق أهل السنة أن الآيات نزلت في الأنواء و ظاهرها أنها مدنية لكنها لا تلائم سياق آيات السورة كما عرفت .


و في المجمع ، و قراءة علي (عليه‏السلام‏) و ابن عباس و رويت عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : و تجعلون شكركم : . أقول : و رواه في الدر المنثور ، عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و علي (عليه‏السلام‏) .


و في تفسير القمي ، : في قوله : « غير مدينين» قال : معناه فلو كنتم غير مجازين على أعمالكم « ترجعونها» يعني به الروح إذا بلغت الحلقوم تردونها في البدن « إن كنتم صادقين» .


و فيه ، بإسناده عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : « فأما إن كان من المقربين فروح و ريحان» في قبره « و جنة نعيم» في الآخرة .


و في الدر المنثور ، أخرج القاسم بن مندة في كتابالأحوال و الإيمان بالسؤال عن سلمان قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : إن أول ما يبشر به المؤمن عند الوفاة بروح و ريحان و جنة نعيم و إن أول ما يبشر به المؤمن في قبره أن يقال : أبشر برضا الله تعالى و الجنة قدمت خير مقدم قد غفر الله لمن شيعك إلى قبرك ، و صدق من شهد لك ، و استجاب لمن استغفر لك .


و فيه ، أخرج ابن جرير و ابن المنذر عن ابن عباس : في قوله : « فسلام لك من أصحاب اليمين» قال : تأتيه الملائكة بالسلام من قبل الله تسلم عليه و تخبره أنه من أصحاب اليمين .


أقول : و ما أورده من المعنى مبني على كون الآية حكاية خطاب الملائكة ، و التقدير قالت الملائكة سلام لك حال كونك من أصحاب اليمين فهي سلام و بشارة .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :