امروز:
جمعه 31 شهريور 1396
بازدید :
670
تفسيرالميزان : سوره حديد آيات 29- 1


57- سورة الحديد مدنية و هي تسع و عشرون آية 29


سورة الحديد


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سبَّحَ للَّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِوَ هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ‏(1) لَهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِيحْىِ وَ يُمِيتوَ هُوَ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ قَدِيرٌ(2) هُوَ الأَوَّلُ وَ الاَخِرُ وَ الظهِرُ وَ الْبَاطِنُوَ هُوَ بِكلّ‏ِ شىْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏(3) هُوَ الَّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض فى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثمَّ استَوَى عَلى الْعَرْشِيَعْلَمُ مَا يَلِجُ فى الأَرْضِ وَ مَا يخْرُجُ مِنهَا وَ مَا يَنزِلُ مِنَ السمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَاوَ هُوَ مَعَكمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْوَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4) لَّهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِوَ إِلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ(5) يُولِجُ الَّيْلَ فى النهَارِ وَ يُولِجُ النهَارَ فى الَّيْلِوَ هُوَ عَلِيمُ بِذَاتِ الصدُورِ(6)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 143


بيان


غرض السورة حث المؤمنين و ترغيبهم في الإنفاق في سبيل الله كما يشعر به تأكيد الأمر به مرة بعد مرة في خلال آياتها « آمنوا بالله و رسوله و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه» الآية ، « من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا» الآية ، « إن المصدقين و المصدقات و أقرضوا الله قرضا حسنا» و قد سمت إنفاقهم ذلك إقراضا منه لله عز اسمه فالله سبحانه خير مطلوب و هو لا يخلف الميعاد و قد وعدهم إن أقرضوه أن يضاعفه لهم و أن يؤتيهم أجرا كريما كثيرا .


و قد أشار إلى أن هذا الإنفاق من التقوى و الإيمان بالرسول و أنه يستتبع مغفرة الذنوب و إتيان كفلين من الرحمة و لزوم النور بل و اللحوق بالصديقينو الشهداء عند الله سبحانه .


و في خلال آياتها معارف راجعة إلى المبدأ و المعاد ، و دعوة إلى التقوى و إخلاص الإيمان و الزهد و موعظة .


و السورة مدنية بشهادة سياق آياتها و قد ادعى بعضهم إجماع المفسرين على ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 144


و لقد افتتحت السورة بتسبيحه و تنزيهه تعالى بعده من أسمائه الحسنى لما في غرض السورة و هو الحث على الإنفاق من شائبة توهم الحاجة و النقص في ناحيته و نظيرتها في ذلك جميع السور المفتتحة بالتسبيح و هي سور الحشر و الصف و الجمعة و التغابن المصدرة بسبح أو يسبح .


قوله تعالى : « سبح لله ما في السماوات و الأرض و هو العزيز الحكيم» التسبيح التنزيه و هو نفي ما يستدعي نقصا أو حاجة مما لا يليق بساحة كماله تعالى ، و ما موصولة و المراد بها ما يعم العقلاء مما في السماوات و الأرض كالملائكة و الثقلين و غير العقلاء كالجمادات و الدليل عليه ما ذكر بعد من صفاته المتعلقة بالعقلاء كالإحياء و العلم بذات الصدور .


فالمعنى : نزه الله سبحانه ما في السماوات و الأرض من شي‏ء و هو جميع العالم .


و المراد بتسبيحها حقيقة معنى التسبيح دون المعنى المجازي الذي هو دلالة وجود كل موجود في السماوات و الأرض على أن له موجدا منزها من كل نقص متصفا بكل كمال ، و دون عموم المجاز و هو دلالة كل موجود على تنزهه تعالى إما بلسان القال كالعقلاء و إما بلسان الحال كغير العقلاء من الموجودات و ذلك لقوله تعالى : « و إن من شي‏ء إلا يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم» : إسراء : 44 ، حيث استدرك أنهم لا يفقهون تسبيحهم و لو كان المراد بتسبيحهم دلالة وجودهم على وجوده و هي قيام الحجة على الناس بوجودهم أو كان المراد تسبيحهم و تحميدهم بلسان الحال و ذلك مما يفقه الناس لم يكن للاستدراك معنى .


فتسبيح ما في السماوات و الأرضتسبيح و نطق بالتنزيه بحقيقة معنى الكلمة و إن كنا لا نفقهه ، قال تعالى : « قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شي‏ء» : حم السجدة : 21 .


و قوله : « و هو العزيز الحكيم» أي المنيع جانبه يغلب و لا يغلب ، المتقن فعله لا يعرض على فعله ما يفسده عليه و لا يتعلق به اعتراض معترض .


قوله تعالى : « له ملك السماوات و الأرض يحيي و يميت و هو على كل شي‏ء قدير» الكلام موضوع على الحصر فهو المليك في السماوات و الأرض يحكم ما يشاء لأنه الموجد لكل شي‏ء فما في السماوات و الأرض يقوم به وجوده و آثار وجوده فلا حكم إلا له فلا ملك و لا سلطنة إلا له .


و قوله : « يحيي و يميت» إشارة إلى اسمية المحيي و المميت ، و إطلاق « يحيي و يميت» يفيد شمولهما لكل إحياء و إماتة كإيجاده الملائكة أحياء من غير سبق موت ، و إحيائه


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 145


الجنين في بطن أمه و إحيائه الموتى في البعث و إيجاده الجماد ميتا من غير سبق حياة و إماتته الإنسان في الدنيا و إماتته ثانيا في البرزخ على ما يشير إليه قوله : « ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين» : المؤمن : 11 و في « يحيي و يميت» دلالة على الاستمرار .


و قوله : « و هو على كل شي‏ء قدير» فيه إشارة إلى صفة قدرته و أنها مطلقة غير مقيدة بشي‏ء دون شي‏ء ، و في تذييل الآية بالقدرة على كل شي‏ء مناسبة مع ما تقدمها من الإحياء و الإماتة لما ربما يتوهمه المتوهم أن لا قدرة على إحياء الموتى و لا عين منهم و لا أثر .


قوله تعالى : « هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شي‏ء عليم» لما كان تعالى قديرا على كل شي‏ء مفروض كان محيطا بقدرته على كل شي‏ء من كل جهة فكل ما فرض أولا فهو قبله فهو الأول دون الشي‏ء المفروض أولا ، و كل ما فرض آخرا فهو بعده لإحاطة قدرته به من كل جهة فهو الآخر دون الشي‏ء المفروض آخرا ، و كل شي‏ء فرض ظاهرا فهو أظهر منه لإحاطة قدرته به من فوقه فهو الظاهر دون المفروض ظاهرا ، و كل شي‏ء فرض أنه باطن فهو تعالى أبطن منه لإحاطته به من ورائه فهو الباطن دون المفروض باطنا فهو تعالى الأول و الآخر و الظاهر و الباطن على الإطلاق و ما في غيره تعالى من هذه الصفات فهي إضافية نسبية .


و ليست أوليته تعالى و لا آخريته و لا ظهوره و لا بطونه زمانية و لا مكانية بمعنى مظروفيته لهما و إلا لم يتقدمهما و لا تنزه عنهما سبحانه بل هو محيط بالأشياء على أي نحو فرضت و كيفما تصورت .


فبان مما تقدم أن هذه الأسماء الأربعة الأول و الآخر و الظاهر و الباطن من فروع اسمه المحيط و هو فرع إطلاق القدرة فقدرته محيطة بكل شي‏ء و يمكن تفريع الأسماء الأربعة على إحاطة وجوده بكل شي‏ء فإنه تعالى ثابت قبل ثبوت كل شي‏ء و ثابت بعد فناء كل شي‏ء و أقرب من كل شي‏ء ظاهر و أبطن من الأوهام و العقول من كل شي‏ء خفي باطن .


و كذا للأسماء الأربعة نوع تفرع على علمه تعالى و يناسبه تذييل الآية بقوله : « و هو بكل شي‏ء عليم» .


و فسر بعضهم الأسماء الأربعة بأنه الأول قبل كل شي‏ء و الآخر بعد هلاك كل شي‏ء الظاهر بالأدلة الدالة عليه و الباطن غير مدرك بالحواس .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 146


و قيل : الأول قبل كل شي‏ء بلا ابتداء ، و الآخر بعد كل شي‏ء بلا انتهاء ، و الظاهر الغالب العالي على كل شي‏ء فكل شي‏ء دونه ، و الباطن العالم بكل شي‏ء فلا أحد أعلم منه .


و قيل : الأول بلا ابتداء و الآخر بلا انتهاء و الظاهر بلا اقتراب و الباطن بلا احتجاب .


و هناك أقوال أخر في معناها غير جيدة أغمضنا عن إيرادها .


قوله تعالى : « هو الذي خلق السماوات و الأرض في ستة أيام» تقدم تفسيره .


قوله تعالى : « ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض و ما يخرج منها و ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها» تقدم تفصيل القول في معنى العرش في سورة الأعراف آية : 54 .


و تقدم أن الاستواء على العرش كناية عن الأخذ في تدبير الملك و لذا عقبه بالعلم بجزئيات الأحوال لأن العلم من لوازم التدبير .


و قوله : « يعلم ما يلج في الأرض و ما يخرج منها و ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها» الولوج - كما قال الراغب - الدخول في مضيق ، و العروج ذهاب في صعود ، و المعنى : يعلم ما يدخل و ينفذ في الأرض كماء المطر و البذور و غيرهما و ما يخرج من الأرض كأنواع النبات و الحيوان و الماء و ما ينزل من السماء كالأمطار و الأشعة و الملائكة و ما يعرج فيها و يصعد كالأبخرة و الملائكة و أعمال العباد .


قوله تعالى : « و هو معكم أينما كنتم» لإحاطته بكم فلا تغيبون عنه أينما كنتم و في أي زمان عشتم و في أي حال فرضتم فذكر عموم الأمكنة « أينما كنتم» لأن الأعرف في مفارقة شي‏ء شيئا و غيبته عنه أن يتوسل إلى ذلك بتغيير المكان و إلا فنسبته تعالى إلى الأمكنة و الأزمنة و الأحوال سواء .


و قيل : المعية مجاز مرسل عن الإحاطة العلمية .


قوله تعالى : « و الله بما تعملون بصير» كالفرع المترتب على ما قبله من كونه معهم أينما كانوا و كونه بكل شي‏ء عليما فإن لازم حضوره عندهم من دون مفارقة ما و احتجاب و هو عليم أن يكون بصيرا بأعمالهم يبصر ظاهر عملهم ، و ما في باطنهم من نية و قصد .


قوله تعالى : « له ملك السماوات و الأرض و إلى الله ترجع الأمور» كرر قوله : « له ملك» إلخ ، لابتناء رجوع الأشياء إليه على عموم الملك فصرح به ليفيد الابتناء ، قال تعالى : « يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شي‏ء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار» : المؤمن : 16 .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 147


و قوله : « و إلى الله ترجع الأمور» الأمور جمع محلى باللام يفيد العموم كقوله : « ألا إلى الله تصير الأمور» : الشورى : 53 ، فما من شي‏ء إلا و يرجع إلى الله ، و لا راد إليه تعالى إلا هو لاختصاص الملك به فله الأمر و له الحكم .


و في الآية وضع الظاهر موضع الضمير في « إلى الله» و كذا في الآية السابقة « و الله بما تعملون بصير» و لعل الوجه في ذلك أن تقرع الجملتان قلوبهم كما يقرع المثل السائر لما سيجي‏ء من ذكر يوم القيامة و جزيل أجر المنفقين في سبيل الله فيه .


قوله تعالى : « يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل و هو عليم بذات الصدور» إيلاج الليل في النهار و إيلاج النهار في الليل اختلاف الليل و النهار في الطول و القصر باختلاف فصول السنة في كل من البقاع الشمالية و الجنوبية بعكس الأخرى ، و قد تقدم في كلامه تعالى غير مرة .


و المراد بذات الصدور الأفكار المضمرة و النيات المكنونة التي تصاحب الصدور و تلازمها لما أنها تنسب إلى القلوب و القلوب في الصدور ، و الجملة أعني قوله : « و هو عليم بذات الصدور» بيان لإحاطة علمه بما في الصدور بعد بيان إحاطة بصره بظواهر أعمالهم بقوله : « و الله بما تعملون بصير» .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج أحمد و أبوداود و الترمذي و حسنه و النسائي و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان عن عرباض بن سارية : أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد ، و قال : إن فيهن آية أفضل من ألف آية : . أقول : و رواه أيضا عن ابن الضريس عن يحيى بن أبي كثير عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و في الكافي ، بإسناده عن عاصم بن حميد قال : سئل علي بن الحسين (عليهماالسلام‏) عن التوحيد فقال : إن الله عز و جل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى : « قل هو الله أحد» و الآيات من سورة الحديد إلى قوله : « عليم بذات الصدور» فمن رام وراء ذلك فقد هلك .


و في تفسير القمي ، : « سبح لله ما في السماوات و الأرض و هو العزيز الحكيم» قال : هو


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 148


قوله : أوتيت جوامع الكلم ، و قوله : « هو الأول» قال : أي قبل كل شي‏ء ، « و الآخر» قال : يبقى بعد كل شي‏ء ، « و هو عليم بذات الصدور» قال : بالضمائر .


و في الكافي ، و روي : أنه يعني عليا (عليه‏السلام‏) سئل أين كان ربنا قبل أن يخلق سماء و أرضا ؟ قال : أين سؤال عن مكان و كان الله و لا مكان .


و في التوحيد ، خطبة للحسن بن علي (عليهماالسلام‏) و فيها : الحمد لله الذي لم يكن فيه أول معلوم ، و لا آخر متناه ، و لا قبل مدرك ، و لا بعد محدود ، فلا تدرك العقول و أوهامها و لا الفكر و خطراتها و لا الألباب و أذهانها صفته فتقول : متى و لا بدى‏ء مما ، و لا ظاهر على ما ، و لا باطن فيما .


أقول : و قوله أول معلوم إلخ ، أوصاف توضيحية أي ليس له أول و لو كان له أول كان من الجائز أن يتعلق به علم و لا آخر و لو كان له آخر كان متناهيا ، و لا قبل و لو كان لكان جائز الإدراك و لا بعد و إلا لكان محدودا .


و قوله : و لا بدى‏ء مما أي لم يبتدأ من شي‏ء حتى يكون له أول و لا ظاهر على ما أي يتفوق على شي‏ء بالوقوع و الاستقرار عليه كالجسم على الجسم « و لا باطن فيما» أي لم يتبطن في شي‏ء بالدخول فيه و الاستتار به .


و في نهج البلاغة ، : و كل ظاهر غيره غير باطن ، و كل باطن غيره غير ظاهر .


أقول : معناه أن حيثية الظهور في غيره تعالى غير حيثية البطون و بالعكس ، و أما هو تعالى فلما كان أحدي الذات لا تنقسم و لا تتجزى إلى جهة و جهة كان ظاهرا من حيث هو باطن و باطنا من حيث هو ظاهر فهو باطن خفي من كمال ظهوره و ظاهر جلي من كمال بطونه .


و فيه ، : الحمد لله الأول فلا شي‏ء قبله ، و الآخر فلا شي‏ء بعده ، و الظاهر فلا شي‏ء فوقه ، و الباطن فلا شي‏ء دونه .


أقول : المراد بالقبلية و البعدية ليس هو القبلية و البعدية الزمانية بأن يفرض هناك امتداد زماني غير متناهي الطرفين و قد حل العالم قطعة منه خاليا عنه طرفاه و يكون وجوده تعالى و تقدس منطبقا على الزمان كله غير خال عنه شي‏ء من جانبيه و إن ذهبا إلى غير النهاية فيتقدم وجوده تعالى على العالم زمانا و يتأخر عنه زمانا و لو كان كذلك لكان تعالى متغيرا في ذاته و أحواله بتغير الأزمنة المتجددة عليه ، و كان قبليته


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 149


و بعديته بتبع الزمان و كان الزمان هو الأول و الآخر بالأصالة .


و كذلك ليست ظاهريته و باطنيته بحسب المكان بنظير البيان بل هو تعالى سابق بنفس ذاته المتعالية على كل شي‏ء مفروض و آخر بنفس ذاته عن كل أمر مفروض أنه آخر ، و ظاهر ، و باطن كذلك ، و الزمان مخلوق له متأخر عنه .


و في الدر المنثور ، أخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر و أبي سعيد عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : لا يزال الناس يسألون عن كل شي‏ء حتى يقولوا : هذا الله كان قبل كل شي‏ء فما ذا كان قبل الله فإن قالوا لكم ذلك فقولوا : هو الأول قبل كل شي‏ء و هو الآخر فليس بعده شي‏ء و هو الظاهر فوق كل شي‏ء و هو الباطن دون كل شي‏ء و هو بكل شي‏ء عليم .


و في التوحيد ، بإسناده إلى أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : لم يزل الله عز و جل ربنا و العلم ذاته و لا معلوم فلما أحدث الأشياء وقع العلم منه على المعلوم .


أقول : ليس المراد بهذا العلم الصور الذهنية فيكون تعالى كباني دار يتصور للدار صورة و هيئة قبل بنائها ثم يبنيها على ما تصور فتنطبق الصورة الذهنية على البناء الخارجي ثم تنهدم الدار و الصورة الذهنية على حالها ، وهذا هو المسمى بالعلم الكلي و هو مستحيل عليه تعالى بل ذاته تعالى عين العلم بمعلومه ثم المعلوم إذا تحقق في الخارج كان ذات المعلوم عين علمه تعالى به ، و يسمى الأول العلم الذاتي و الثاني العلم الفعلي .


و فيه ، خطبة لعلي (عليه‏السلام‏) و فيها : و علمها لا بأداة لا يكون العلم إلا بها ، و ليس بينه و بين معلومه علم غيره .


أقول : المراد به أن ذاته تعالى عين علمه ، و ليست هناك صورة زائدة .


ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسولِهِ وَ أَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكم مُّستَخْلَفِينَ فِيهِفَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكمْ وَ أَنفَقُوا لهَُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(7) وَ مَا لَكمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِوَ الرَّسولُ يَدْعُوكمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكمْ وَ قَدْ أَخَذَ مِيثَقَكمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏(8) هُوَ الَّذِى يُنزِّلُ عَلى عَبْدِهِ ءَايَتِ بَيِّنَتٍ لِّيُخْرِجَكم مِّنَ الظلُمَتِ إِلى النُّورِوَ إِنَّ اللَّهَ بِكمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ‏(9) وَ مَا لَكمْ أَلا تُنفِقُوا فى سبِيلِ اللَّهِ وَ للَّهِ مِيرَث السمَوَتِ وَ الأَرْضِلا يَستَوِى مِنكم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْح وَ قَتَلَأُولَئك أَعْظمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَ قَتَلُواوَ ُكلاً وَعَدَ اللَّهُ الحُْسنىوَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(10) مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِض اللَّهَ قَرْضاً حَسناً فَيُضعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ‏(11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ يَسعَى نُورُهُم بَينَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَنِهِم بُشرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاذَلِك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏(12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَ الْمُنَفِقَت لِلَّذِينَ ءَامَنُوا انظرُونَا نَقْتَبِس مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسوا نُوراً فَضرِب بَيْنهُم بِسورٍ لَّهُ بَاب بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَاب‏(13) يُنَادُونهُمْ أَ لَمْ نَكُن مَّعَكُمْقَالُوا بَلى وَ لَكِنَّكمْ فَتَنتُمْ أَنفُسكُمْ وَ تَرَبَّصتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الأَمَانىُّ حَتى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَ غَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ(14) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوامَأْوَاكُمُ النَّارُهِىَ مَوْلَاكُمْوَ بِئْس الْمَصِيرُ(15)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 150


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 151


بيان


أمر مؤكد بالإنفاق في سبيل الله و خاصة الجهاد على ما يؤيده قوله : « لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل» الآية ، و يتأيد بذلك ما قيل : إن قوله : « آمنوا بالله و رسوله و أنفقوا» إلخ ، نزل في غزوة تبوك .


قوله تعالى : « آمنوا بالله و رسوله و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه» إلخ ، المستفاد من سياق الآيات أن الخطاب في الآية للمؤمنين بالله و رسوله لا للكفار و لا للمؤمنين و الكفار جميعا كما قيل ، و أمر الذين تلبسوا بالإيمان بالله و رسوله بالإيمان معناه الأمر بتحقيق الإيمان بترتيب آثاره عليه إذ لو كانت صفة من الصفات كالسخاء و العفة و الشجاعة ثابتة في نفس الإنسان حق ثبوتها لم يتخلف عنها أثرها الخاص و من آثار الإيمان بالله و رسوله الطاعة فيما أمر الله و رسوله به .


و من هنا يظهر أولا : أن أمر المؤمن بالإيمان في الحقيقة أمر للمتحقق بمرتبة من الإيمان أن يتلبس بمرتبة هي أعلى منها ، و هذا النوع من الأمر فيه إيماء إلى أن الذي عند المأمور من المأمور به لا يرضي الآمر كل الإرضاء .


و ثانيا : أن قوله : « آمنوا بالله و رسوله و أنفقوا» أمر بالإنفاق مع التلويح إلى أنه أثر صفة هم متلبسون بها فعليهم أن ينفقوا لما اتصفوا بها فيئول إلى تعليل الإنفاق بإيمانهم .


و قوله : « و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه» استخلاف الإنسان جعله خليفة ، و المراد به إما خلافتهم عن الله سبحانه يخلفونه في الأرض كما يشير إليه قوله : « إني جاعل في الأرض خليفة» : البقرة : 30 ، و التعبير عما بأيديهم من المال بهذا التعبير لبيان الواقع و لترغيبهم في الإنفاق فإنهم إذا أيقنوا أن المال لله و هم مستخلفون عليه وكلاء من ناحيته يتصرفون فيه كما أذن لهم سهل عليهم إنفاقه و لم تتحرج نفوسهم من ذلك .


و إما خلافتهم عمن سبقهم من الأجيال كما يخلف كل جيل سابقه ، و في التعبير به أيضا ترغيب في الإنفاق فإنهم إذا تذكروا أن هذا المال كان لغيرهم فلم يدم عليهم علموا أنه كذلك لا يدوم لهم و سيتركونه لغيرهم و هان عليهم إنفاقه و سخت بذلك نفوسهم .


و قوله : « فالذين آمنوا منكم و أنفقوا لهم أجر كبير» وعد للأجر على الإنفاق تأكيدا للترغيب ، و المراد بالإيمان الإيمان بالله و رسوله .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 152


قوله تعالى : « و ما لكم لا تؤمنون بالله و الرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم» إلخ ، المراد بالإيمان الإيمان بحيث يترتب عليه آثاره و منها الإنفاق في سبيل الله - و إن شئت فقل : المراد ترتيب آثار ما عندهم من الإيمان عليه - .


و قوله : « و الرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم» عبر الرب بالرب و إضافة إليهم تلويحا إلى علة توجه الدعوة و الأمر كأنه قيل : يدعوكم لتؤمنوا بالله لأنه ربكم يجب عليكم أن تؤمنوا به .


و قوله : « و قد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين» تأكيد للتوبيخ المفهوم من أول الآية ، و ضمير « أخذ» لله سبحانه أو للرسول و على أي حال المراد بالميثاق المأخوذ هو الذي تدل عليه شهادتهم على وحدانية الله و رسالة رسوله يوم آمنوا به (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من أنهم على السمع و الطاعة .


و قيل : المراد بالميثاق هو الميثاق المأخوذ منهم في الذر ، و على هذا فضمير « أخذ» لله سبحانه ، و فيه أنه بعيد عن سياق الاحتجاج عليهم فإنهم غافلون عنه ، على أن أخذ الميثاق في الذر لا يختص بالمؤمنين بل يعم المنافقين و الكفار .


قوله تعالى : « هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور» إلخ ، المراد بالآيات البينات آيات القرآن الكريم المبينة لهم ما عليهم من فرائض الدين ، و فاعل « ليخرجكم» الضمير العائد إلى الله أو إلى رسوله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و مرجع الثاني أيضا هو الأول فالميثاق ميثاقه و قد أخذه بواسطة رسوله أو بغير واسطته كما أن الإيمان به و برسوله إيمان به و لذلك قال في صدر الآية : « و ما لكم لا تؤمنون بالله» فذكر نفسه و لم يذكر رسوله إشارة إلى أن الإيمان برسوله إيمان به .


و قوله : « و إن الله بكم لرءوف رحيم» في تذييل الآية برأفته تعالى و رحمته إشارة إلى أن الإيمان الذي يدعوهم إليه رسوله خير لهم و أصلح و هم الذين ينتفعون به دون الله و رسوله ، ففيه تأكيد ترغيبهم على الإيمان و الإنفاق .


قوله تعالى : « و ما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله و لله ميراث السماوات و الأرض» الميراث و التراث المال الذي ينتقل من الميت إلى من بقي بعده من وراثه ، و إضافة الميراث إلى السماوات و الأرض بيانية فالسماوات و الأرض هي الميراث بما فيهما من الأشياء التي خلق منهما مما يمتلكه ذوو الشعور من سكنتهما فالسماوات و الأرض شاملة لما فيهما مما خلق منهما


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 153


و يتصرف فيها ذوو الشعور كالإنسان مثلا بتخصيص ما يتصرفون فيه لأنفسهم و هو الملك الاعتباري الذي هداهم الله سبحانه إلى اعتباره فيما بينهملينتظم بذلك جهات حياتهم الدنيا .


غير أنهم لا يبقون و لا يبقى لهم بل يذهبهم الموت المقدر بينهم فينتقل ما في أيديهم إلى من بعدهم و هكذا حتى يفنى الجميع و لا يبقى إلا هو سبحانه .


فالأرض مثلا و ما فيها و عليها من مال ميراث من جهة أن كل جيل من سكانها يرثها ممن قبله فكانت ميراثا دائما دائرا بينهم خلفا عن سلف ، و ميراث من جهة أنهم سيفنون جميعا و لا يبقى لها إلا الله الذي استخلفهم عليها .


و لله سبحانه ميراث السماوات و الأرض بكلا المعنيين ، أما الأول : فلأنه الذي يملكهم المال و هو المالك لما ملكهم ، قال تعالى : «لله ما في السماوات و الأرض» : لقمان : 26 ، و قال : « و لله ملك السماوات و الأرض» : النور : 42 ، و قال : « و آتوهم من مال الله الذي آتاكم» : النور : 33 .


و أما الثاني : فظاهر آيات القيامة كقوله تعالى : « كل من عليها فان» : الرحمن : 26 و غيره ، و الذي يسبق إلى الذهن أن المراد بكونهما ميراثا هو المعنى الثاني .


و كيف كان ففي الآية توبيخ شديد لهم على عدم إنفاقهم في سبيل الله من المال الذي لا يرثه بالحقيقة إلا هو تعالى و لا يبقى لهم و لا لغيرهم ، و الإظهار في موضع الإضمار في قوله : « و لله» لتشديد التوبيخ .


قوله تعالى : « لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد و قاتلوا» إلخ ، الاستواء بمعنى التساوي ، و قسيم قوله : « من أنفق من قبل الفتح و قاتل» محذوف إيجازا لدلالة قوله : « أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد و قاتلوا» عليه .


و المراد بالفتح - كما قيل - فتح مكة أو فتح الحديبية و عطف القتال على الإنفاق لا يخلو من إشعار بل دلالة على أن المراد بالإنفاق في سبيل الله المندوب إليه في الآيات هو الإنفاق في الجهاد .


و كان الآية مسوقة لبيان أن الإنفاق في سبيلالله كلما عجل إليها كان أحب عند الله و أعظم درجة و منزلة و إلا فظاهر أن هذه الآيات نزلت بعد الفتح و القتال الذي بادروا إليه قبل الفتح و بعض المقاتل التي بعده .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 154


و قوله : « و كلا وعد الله الحسنى» أي وعد الله المثوبة الحسنى كل من أنفق و قاتل قبل الفتح أو أنفق و قاتل بعده و إن كانت الطائفة الأولى أعظم درجة من الثانية ، و فيه تطييب لقلوب المتأخرين إنفاقا و قتالا أن لهم نيلا من رحمته و ليسوا بمحرومين مطلقا فلا موجب لأن ييأسوا منها و إن تأخروا .


و قوله : « و اللهبما تعملون خبير» تذييل متعلق بجميع ما تقدم ففيه تشديد للتوبيخ و تقرير و تثبيت لقوله : « لا يستوي منكم» إلخ ، و لقوله : « و كلا وعد الله الحسنى» و يمكن أن يتعلق بالجملة الأخيرة لكن تعلقه بالجميع أعم و أشمل .


قوله تعالى : « من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له و له أجر كريم» قال الراغب : و سمي ما يدفع إلى الإنسان من المال بشرط رد بدله قرضا .


انتهى ، و قال في المجمع ، : و أصله القطع فهو قطعة عن مالكه بإذنه على ضمان رد مثله .


قال : و المضاعفة الزيادة على المقدار مثله أو أمثاله .


انتهى ، و قال الراغب : الأجر و الأجرة ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان أو أخرويا قال : و لا يقال إلا في النفع دون الضر بخلاف الجزاء فإنه يقال في النفع و الضر .


انتهى ملخصا .


و ما يعطيه تعالى من الثواب على عمل العبد تفضل منه من غير استحقاق من العبد فإن العبد و ما يأتيه من عمل ملك طلق له سبحانه ملكا لا يقبل النقل و الانتقال غير أنه اعتبر اعتبارا تشريعيا العبد مالكا و ملكه عمله ، و هو المالك لما ملكه و هو تفضل آخر ثم اختار ما أحبه من عمله فوعده ثوابا على عمله و سماه أجرا و جزاء و هو تفضل آخر ، و لا ينتفع به في الدنيا و الآخرة إلا العبد قال تعالى : « للذين أحسنوا منهم و اتقوا أجر عظيم» : آل عمران : 172 ، و قال : « إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون » : حم السجدة : 8 ، و قال بعد وصف الجنة و نعيمها : « إن هذا كان لكم جزاء و كان سعيكم مشكورا» : الإنسان : 22 ، و ما وعده من الشكر و عدم المن عند إيتاء الثواب تمام التفضل .


و في الآية حث بليغ على ما ندب إليه من الإنفاق في سبيل الله حيث استفهم عن الذي ينفق منهم في سبيل الله و مثل إنفاقه بأنه قرض يقرضه الله سبحانه و عليه أن يرده ثم قطع أنه لا يرد مثله إليه بل يضاعفه و لم يكتف بذلك بل أضاف إليه أجرا كريما في الآخرة و الأجر الكريم هو المرضي في نوعه و الأجر الأخروي كذلك لأنه غاية ما يتصور


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 155


من النعمة عند غاية ما يتصور من الحاجة .


قوله تعالى : « يوم ترى المؤمنين و المؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم و بأيمانهم» إلخ ، اليوم ظرف لقوله : « له أجر كريم» و المراد به يوم القيامة ، و الخطاب في « ترى» للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أو لكل سامع يصح خطابه ، و الظاهر أن الباء في « بأيمانهم» بمعنى في .


و المعنى : لمن أقرض الله قرضا حسنا أجر كريم يوم ترى أنت يا رسول الله - أو كل من يصح منه الرؤية - المؤمنين بالله و رسوله و المؤمنات يسعى نورهم أمامهم و في أيمانهم و اليمين هو الجهة التي منها سعادتهم .


و الآية مطلقة تشمل مؤمني جميع الأمم و لا تختص بهذه الأمة ، و التعبير عن إشراق النور بالسعي يشعر بأنهم ساعون إلى درجات الجنة التي أعدها الله سبحانه لهم و تستنير لهم جهات السعادة و مقامات القرب واحدة بعد واحدة حتى يتم لهم نورهم كما قال تعالى : « و سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا» : الزمر : 73 ، و قال : « يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا» : مريم : 85 ، و قال : « يوم لا يخزي الله النبي و الذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم و بأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا» : التحريم : 8 .


و للمفسرين في تفسير مفردات الآية أقوال مختلفة أغمضنا عنها لعدم دليل من لفظ الآية عليها ، و سيوافيك ما في الروايات المأثورة في البحث الروائي الآتي إن شاء الله .


و قوله : « بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها» حكاية ما يقال للمؤمنين و المؤمنات يوم القيامة ، و القائل الملائكة بأمر من الله و التقدير يقال لهم : « بشراكم» إلخ ، و المراد بالبشرى مايبشر به و هو الجنة و الباقي ظاهر .


و قوله : « ذلك هو الفوز العظيم» كلام الله سبحانه و الإشارة إلى ما ذكر من سعي النور و البشرى أو من تمام قول الملائكة و الإشارة إلى الجنات و الخلود فيها .


قوله تعالى : « يوم يقول المنافقون و المنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم» إلى آخر الآية ، النظر إذا تعدى بنفسه أفاد معنى الانتظار و الإمهال ، و إذا عدي بإلى نحو نظر إليه كان بمعنى إلقاء البصر نحو الشي‏ء و إذا عدي بفي كان بمعنى التأمل ، و الاقتباس أخذ قبس من النار .


و السياق يفيد أنهم اليوم في ظلمة أحاطت بهم سرادقها و قد ألجئوا إلى المسير نحو دارهم التي يخلدون فيها غير أن المؤمنين و المؤمنات يسيرون بنورهم الذي يسعى بين


الميزان في تفسير القرآن ج :19 ص : 156


أيديهم و بأيمانهم فيبصرون الطريق و يهتدون إلى مقاماتهم ، و أما المنافقون و المنافقات فهم مغشيون بالظلمة لا يهتدون سبيلا و هم مع المؤمنين كما كانوا في الدنيا معهم و معدودين منهم فيسبق المؤمنون و المؤمنات إلى الجنة و يتأخر عنهم المنافقون و المنافقات في ظلمة تغشاهم فيسألون المؤمنين و المؤمنات أن ينتظروهم حتى يلحقوا بهم و يأخذوا قبسا من نورهم ليستضيئوا به في طريقهم .


و قوله : « قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا» القائل به إما الملائكة أو قوم من كمل المؤمنين كأصحاب الأعراف .


و كيف كان فهو من الله و بإذنه ، و الخطاب بقوله : « ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا» قيل : إنه خطاب مبني على التهكم و الاستهزاء كما كانوا يستهزءون في الدنيا بالمؤمنين ، و الأظهر على هذا أن يكون المراد بالوراء الدنيا ، و محصل المعنى : ارجعوا إلى الدنيا التي تركتموها وراء ظهوركم و عملتم فيها ما عملتم على النفاق ، و التمسوا من تلك الأعمال نورا فإنما النور نور الأعمال أو الإيمان و لا إيمان لكم و لا عمل .


و يمكن أن يجعل هذا وجها على حياله من غير معنى الاستهزاء بأن يكون قوله : « ارجعوا» أمرا بالرجوع إلى الدنيا و اكتساب النور بالإيمان و العمل الصالح و ليسوا براجعين و لا يستطيعون فيكون الأمر بالرجوع كالأمر بالسجود المذكور في قوله تعالى : « يوم يكشف عن ساق و يدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة و قد كانوا يدعون إلى السجود و هم سالمون» : القلم : 43 .


و قيل : المراد ارجعوا إلى المكان الذي قسم فيه النور و التمسوا من هناك فيرجعون فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم و قد ضرب بينهم بسور ، و هذا خدعة منه تعالى يخدعهم بها كما كانوا في الدنيا يخادعونه كما قال : « إن المنافقين يخادعون الله و هو خادعهم» : النساء : 142 .


قوله تعالى : « فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب» سور المدينة حائطها الحاجز بينها و بين الخارج منها ، و الضمير في « فضرب بينهم بسور» راجع إلى المؤمنين و المنافقين جميعا أي ضرب بين المؤمنين و بين المنافقين بسور حاجز يحجز إحدى الطائفتين عن الأخرى .


قيل : السور هو الأعراف و هو غير بعيد و قد تقدمت إشارة إليه في تفسير قوله


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 157


تعالى : « و بينهما حجاب و على الأعراف رجال» الآية : الأعراف : 46 ، و قيل : السور غير الأعراف .


و قوله : « له باب» أي للسور باب و هذا يشبه حال المنافقين في الدنيا فقد كانوا فيها بين المؤمنين لهم اتصال بهم و ارتباط و هم مع ذلك محجوبون عنهم بحجاب .


على أنهم يرون أهل الجنة و يزيد بذلك حسرتهم و ندامتهم .


و قوله : « باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب» « باطنه» مبتدأ و جملة فيه الرحمة» مبتدأ و خبر و هي خبر باطنه و كذا ظاهره مبتدأ و جملة من قبله العذاب مبتدأ و خبر هي خبره ، و ضميرا فيه و من قبله للباطن و الظاهر .


و يظهر من كون باطن السور فيه رحمة و ظاهره من قبله العذاب أن السور محيط بالمؤمنين و هم في داخله و المنافقون في الخارج منه .


و في اشتمال داخله الذي يلي المؤمنين على الرحمة و ظاهره الذي يلي المنافقين على العذاب مناسبة لحال الإيمان في الدنيا فإنه نعمة لأهل الإخلاص من المؤمنين يبتهجون بها و يلتذون و عذاب لأهل النفاق يتحرجون من التلبس به و يتألمون منه .


قوله تعالى : « ينادونهم أ لم نكن معكم» إلى آخر الآية استئناف في معنى جواب السؤال كأنه قيل : فما ذا يفعل المنافقون و المنافقات بعد ضرب السور و مشاهدة العذاب من ظاهره ؟ فقيل : ينادونهم إلخ .


و المعنى : ينادي المنافقون و المنافقات المؤمنين و المؤمنات بقولهم : « أ لم نكن معكم» يريدون به كونهم في الدنيا مع المؤمنين و المؤمنات في ظاهر الدين .


و قوله : « قالوا بلى» إلى آخر الآية جواب المؤمنين و المؤمنات لهم و المعنى : « قالوا» أي قال المؤمنون و المؤمنات جوابا لهم « بلى» كنتم في الدنيا معنا « و لكنكم فتنتم» أي محنتم و أهلكتم « أنفسكم و تربصتم» الدوائر بالدين و أهله « و ارتبتم» و شككتم في دينكم « و غرتكم الأماني» و منها أمنيتكم أن الدين سيطفأ نوره و يتركه أهله « حتى جاء أمر الله» و هو الموت « و غركم بالله الغرور» بفتح الغين و هو الشيطان .


و الآية - كما ترى - تفيد أن المنافقين و المنافقات يستنصرون المؤمنين و المؤمنات على ما هم فيه من الظلمة متوسلين بأنهم كانوا معهم في الدنيا ثم تفيد أن المؤمنين و المؤمنات يجيبون بأنهم كانوا معهم لكن قلوبهم كانت لا توافق ظاهر حالهم حيث يفتنون أنفسهم


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 158


و يتربصون و يرتابون و تغرهم الأماني و يغرهم بالله الغرور ، و هذه الصفات الخبيثة آفات القلوب فكانت القلوب غير سليمة و لا ينفع يوم القيامة إلا القلب السليم قال تعالى : « يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم» : الشعراء : 89 .


قوله تعالى : « فاليوم لا يؤخذ منكم فدية و لا من الذين كفروا» تتمة كلام المؤمنين و المؤمنات يخاطبون به المنافقين و المنافقات و يضيفون إليهم الكفار و هم المعلنون لكفرهم أنهم رهناء أعمالهم كما قال تعالى : « كل نفس بما كسبت رهينة» : المدثر : 38 ، لا يؤخذ منهم فدية يخلصون بها أنفسهم و الفدية أحد الأمرين اللذين بهما التخلص من الرهانة و الآخر ناصر ينصر فينجي و قد نفوه بقولهم : « مأواكم النار» إلخ .


فقوله : « مأواكم النار هي مولاكم و بئس المصير» ينفي أي ناصر ينصرهم و ينجيهم من النار غير النار على ما يفيده قوله : « هي مولاكم» من الحصر ، و المولى هو الناصر و الجملة مسوقة للتهكم .


و يمكن أن يكون المولى بمعنى من يلي الأمر فإنهم كانوا يدعون لحوائجهم من المأكل و المشرب و الملبس و المنكح و المسكن غير الله سبحانه و حقيقته النار فاليوم مولاهم النار و هي التي تعد لهم ذلك فمأكلهم من الزقوم و مشربهم من الحميم و ملبسهم من ثياب قطعت من النار و قرناؤهم الشياطين و مأواهم النار على ما أخبر الله سبحانه به في آيات كثيرة من كلامه .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و أبو نعيم في الدلائل من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : خرجنا مع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عام الحديبية حتى إذا كان بعسفان قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم قلنا : من هم يا رسول الله أ قريش ؟ قال : لا و لكنهم أهل اليمن هم أرق أفئدة و ألين قلوبا . قلنا : أ هم خير منا يا رسول الله ؟ قال : لو كانلأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم و لا نصيفه ألا إن هذا فصل ما بيننا و بين الناس « لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل» الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 159


أقول : روي هذا المعنى بغير واحد من الطرق بألفاظ متقاربة و هي مشتملة على الآية و يشكل بأن ظاهر سياق الآيات أنها نزلت بعد الفتح و المراد به إما الحديبية أو فتح مكة فلا تنطبق على ما قبل الفتح .


و فيه ، أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر عن عكرمة قال : لما نزلت هذه الآية « لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل» قال أبو الدحداح : و الله لأنفقن اليوم نفقة أدرك بها من قبلي و لا يسبقني بها أحد بعدي فقال : اللهم كل شي‏ء يملكه أبو الدحداح فإن نصفه لله حتى بلغ فرد نعله ثم قال : و هذا .


و في تفسير القمي ، : في قوله : « يوم ترى المؤمنين و المؤمنات - يسعى نورهم بين أيديهم و بأيمانهم» قال : يقسم النور بين الناس يوم القيامة على قدر إيمانهم يقسم للمنافق فيكون نوره بين إبهام رجله اليسرى فينظر نوره ثم يقول للمؤمنين : مكانكم حتى أقتبس من نوركم فيقول المؤمنون لهم : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا و يضرب بينهم بسور له باب فينادون من وراء السور للمؤمنين : « أ لم نكن معكم قالوا : بلى و لكنكم فتنتم أنفسكم» قال : بالمعاصي « و تربصتم و ارتبتم» قال : أي شككتم و تربصتم . و قوله : « فاليوم لا يؤخذ منكم فدية» قال : و الله ما عنى بذلك اليهود و النصارى و ما عنى به إلا أهل القبلة ثم قال : « مأواكم النار هي مولاكم» قال : هي أولى بكم .


أقول : يعني بأهل القبلة المنافقين منهم .


و في الكافي ، بإسناده عن أبان بن تغلب قال : سمعت أبا عبد الله (عليه‏السلام‏) يقول : تجنبوا المنى فإنها تذهب بهجة ما خولتم و تستصغرون بها مواهب الله جل و عز عندكم و تعقبكم الحسرات فيما وهمتم به أنفسكم .


أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تخْشعَ قُلُوبهُمْ لِذِكرِ اللَّهِ وَ مَا نَزَلَ مِنَ الحَْقّ‏ِ وَ لا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ فَقَست قُلُوبهُمْوَ كَثِيرٌ مِّنهُمْ فَسِقُونَ‏(16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يحْىِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَاقَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏(17) إِنَّ الْمُصدِّقِينَ وَ الْمُصدِّقَتِ وَ أَقْرَضوا اللَّهَ قَرْضاً حَسناً يُضعَف لَهُمْ وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ‏(18) وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسلِهِ أُولَئك هُمُ الصدِّيقُونَوَ الشهَدَاءُ عِندَ رَبهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْوَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كذَّبُوا بِئَايَتِنَا أُولَئك أَصحَب الجَْحِيمِ‏(19) اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَْيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لهَْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفَاخُرُ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فى الأَمْوَلِ وَ الأَوْلَدِكَمَثَلِ غَيْثٍ أَعجَب الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثمَّ يهِيجُ فَترَاهُ مُصفَرًّا ثمَّ يَكُونُ حُطماًوَ فى الاَخِرَةِ عَذَابٌ شدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رِضوَنٌوَ مَا الحَْيَوةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَعُ الْغُرُورِ(20) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضهَا كَعَرْضِ السمَاءِ وَ الأَرْضِ أُعِدَّت لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسلِهِذَلِك فَضلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُوَ اللَّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ‏(21) مَا أَصاب مِن مُّصِيبَةٍ فى الأَرْضِ وَ لا فى أَنفُسِكُمْ إِلا فى كتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبرَأَهَاإِنَّ ذَلِك عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ(22) لِّكَيْلا تَأْسوْا عَلى مَا فَاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَامْوَ اللَّهُ لا يحِب كلَّ مخْتَالٍ فَخُورٍ(23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبُخْلِوَ مَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنىُّ الحَْمِيدُ(24)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 160


بيان


جرى على وفق مقصد الكلام السابق و هو الحث و الترغيب في الإيمان بالله و رسوله


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 161


و الإنفاق في سبيل الله و تتضمن عتاب المؤمنين على ما يظهر من علائم قسوة القلوب منهم ، و تأكيد الحث على الإنفاق ببيان درجة المنفقين عند الله و الأمر بالمسابقة إلى المغفرة و الجنة و ذم الدنيا و أهلها الذين يبخلون و يأمرون الناس بالبخل .


و قد تغير السياق خلال الآيات إلى سياق عام يشمل المسلمين و أهل الكتاب بعد اختصاص السياق السابق بالمسلمين و سيجي‏ء توضيحه .


قوله تعالى : « أ لم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله و ما نزل من الحق» إلى آخر الآية ، يقال : أنى يأني إنى و إناء أي جاء وقته ، و خشوع القلب تأثره قبال العظمة و الكبرياء ، و المراد بذكر الله ما يذكر به الله ، و ما نزل من الحق هو القرآن النازل من عنده تعالى و « من الحق» بيان لما نزل ، و من شأن ذكر الله تعالى عند المؤمن أن يعقب خشوعا كما أن من شأن الحق النازل من عنده تعالى أن يعقب خشوعا ممن آمن بالله و رسله .


و قيل : المراد بذكر الله و ما نزل من الحق جميعا القرآن ، و على هذا فذكر القرآن بوصفيه لكون كل من الوصفين مستدعيا لخشوع المؤمن فالقرآن لكونه ذكر الله يستدعي الخشوع كما أنه لكونه حقا نازلا من عنده تعالى يستدعي الخشوع .


و في الآية عتاب للمؤمنين على ما عرض لقلوبهم من القسوة و عدم خشوعها لذكر الله و الحق النازل من عنده تعالى و تشبيه لحالهم بحال أهل الكتاب الذين نزل عليهم الكتاب و طال عليهم الأمد فقست قلوبهم .


و قوله : « و لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم» عطف على قوله : « تخشع» إلخ ، و المعنى : أ لم يأن لهم أن تخشع قلوبهم و أن لا يكونوا إلخ ، و الأمد الزمان ، قال الراغب : الفرق بين الزمان و الأمد أن الأمد يقال باعتبار الغاية و الزمان عام في المبدأ و الغاية و لذلك قال بعضهم : إن المدى و الأمد يتقاربان .


انتهى .


و قد أشار سبحانه بهذا الكلام إلى صيرورة قلوبهم كقلوب أهل الكتاب القاسية و القلب القاسي حيث يفقد الخشوع و التأثر عن الحق ربما خرج عن زي العبودية فلم يتأثر عن المناهي و اقترف الإثم و الفسوق ، و لذا أردف قوله : « فقست قلوبهم» بقوله : « و كثير منهم فاسقون» .


قوله تعالى : « اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها» إلى آخر الآية في تعقيب عتاب


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 162


المؤمنين على قسوة قلوبهم بهذا التمثيل تقوية لرجائهم و ترغيب لهم في الخشوع .


و يمكن أن يكون من تمام العتاب السابق و يكون تنبيها على أن الله لا يخلي هذا الدين على ما هو عليه من الحال بل كلما قست قلوب و حرموا الخشوع لأمر الله جاء بقلوب حية خاشعة له يعبد بها كما يريد .


فتكون الآية في معنى قوله : « ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل و من يبخل فإنما يبخل عن نفسه و الله الغني و أنتم الفقراء و إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم» : سورة محمد : 38 .


و لذلك ذيل الآية بقوله : « قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون» .


قوله تعالى : « إن المصدقين و المصدقات و أقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم و لهم أجر كريم» تكرار لحديث المضاعفة و الأجر الكريم للترغيب في الإنفاق في سبيل الله و قد أضيف إلى الذين أقرضوا الله قرضا حسنا المصدقون و المصدقات .


و المصدقون و المصدقات - بتشديد الصاد و الدال - المتصدقون و المتصدقات ، و قوله : « و أقرضوا الله» عطف على مدخول اللام في « المصدقين» ، و المعنى : أن الذين تصدقوا و الذين أقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ما أعطوه و لهم أجر كريم .


قوله تعالى : « و الذين آمنوا بالله و رسله أولئك هم الصديقون و الشهداء عند ربهم» إلخ ، لم يقل : آمنوا بالله و رسوله كما قال في أول السورة : « آمنوا بالله و رسوله و أنفقوا» و قال في آخرها : « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله» لأنه تعالى لما ذكر أهل الكتاب في الآية السابقة بقوله : « و لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل» عدل عنالسياق السابق إلى سياق عام يشمل المسلمين و أهل الكتاب جميعا كما قال بعد : « لقد أرسلنا رسلنا بالبينات» و أما الآيتان المذكورتان في أول السورة و آخرها فالخطاب فيهما لمؤمني هذه الأمة خاصة و لذا جي‏ء فيهما بالرسول مفردا .


و المراد بالإيمان بالله و رسله محض الإيمان الذي لا يفارق بطبعه الطاعة و الاتباع كما مرت الإشارة إليه في قوله : « آمنوا بالله و رسوله» الآية ، و المراد بقوله : « أولئك هم الصديقون و الشهداء» إلحاقهم بالصديقين و الشهداء بقرينة قوله : « عند ربهم» و قوله : « لهم أجرهم و نورهم» فهم ملحقون بالطائفتين يعامل معهم معاملة الصديقين و الشهداء فيعطون مثل أجرهم و نورهم .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 163


و الظاهر أن المراد بالصديقين و الشهداء هم المذكورون في قوله : « و من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا» : النساء : 69 ، و قد تقدم في تفسير الآية أن المراد بالصديقين هم الذين سرى الصدق في قولهم و فعلهم فيفعلون ما يقولون و يقولون ما يفعلون ، و الشهداء هم شهداء الأعمال يوم القيامة دون الشهداء بمعنى المقتولين في سبيل الله .


فهؤلاء الذين آمنوا بالله و رسله ملحقون بالصديقين و الشهداء منزلون منزلتهم عند الله أي بحكم منه لهم أجرهم و نورهم .


و قوله : « لهم أجرهم و نورهم» ضمير « لهم» للذين آمنوا ، و ضمير « أجرهم و نورهم» للصديقين و الشهداء أي للذين آمنوا أجر من نوع أجر الصديقين و الشهداء و نور من نوع نورهم ، و هذا معنى قول من قال : إن المعنى : لهم أجر كأجرهم و نور كنورهم .


و ربما قيل : إن الآية مسوقة لبيان أنهم صديقون و شهداء على الحقيقة من غير إلحاق و تنزيل فهم هم لهم أجرهم و نورهم ، و لعل السياق لا يساعد عليه .


و ربما قيل : إن قوله : « و الشهداء» ليس عطفا على قوله : « الصديقون» بل استئناف و « الشهداء» مبتدأ خبره « عند ربهم» و خبره الآخر « لهم أجرهم» فقد قيل : و الذين آمنوا بالله و رسله أولئك هم الصديقون ، و قد تم الكلام ثم استؤنف و قيل : « و الشهداء عند ربهم» كما قيل : « بل أحياء عند ربهم» : آل عمران : 169 ، و المراد بالشهداء المقتولون في سبيل الله ، ثم تمم الكلام بقوله : « لهم أجرهم و نورهم» .


و قوله : « و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم» أي لا يفارقونها و هم فيها دائمين .


و قد تعرضسبحانه في الآية لشأن الملحقين بالصديقين و الشهداء و هم خيار الناس و الناجون قطعا ، و الكفار المكذبين لآياته و هم شرار الناس و الهالكون قطعا و بقي فريق بين الفريقين و هم المؤمنون المقترفون للمعاصي و الذنوب على طبقاتهم في التمرد على الله و رسوله ، و هذا دأب القرآن في كثير من موارد التعرض لشأن الناس يوم القيامة .


و ذلك ليكون بعثا لقريحتي الخوف و الرجاء في ذلك الفريق المتخلل بين الخيار و الشرار فيميلوا إلى السعادة و يختاروا النجاة على الهلاك .


و لذلك أعقب الآية بذم الحياة الدنيا التي تعلق بها هؤلاء الممتنعون من الإنفاق في سبيل الله


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 164


ثم بدعوتهم إلى المسابقة إلى المغفرة و الجنة ثم بالإشارة إلى أن ما يصيبهم من المصيبة في أموالهم و أنفسهم مكتوبة في كتاب سابق و قضاء متقدم فليس ينبغي لهم أن يخافوا الفقر في الإنفاق في سبيل الله ، فيبخلوا و يمسكوا أو يخافوا الموت في الجهاد في سبيل الله فيتخلفوا و يقعدوا .


قوله تعالى : « اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد» إلخ ، اللعب عمل منظوم لغرض خيالي كلعب الأطفال ، و اللهو ما يشغل الإنسان عما يهمه ، و الزينة بناء نوع و ربما يراد به ما يتزين به و هي ضم شي‏ء مرغوب فيه إلى شي‏ء آخر ليرغب فيه بما اكتسب به من الجمال ، و التفاخر المباهاة بالأنساب و الأحساب ، و التكاثر في الأموال و الأولاد .


و الحياة الدنيا عرض زائل و سراب باطل لا يخلو من هذه الخصال الخمس المذكورة : اللعب و اللهو و الزينة و التفاخر و التكاثر و هي التي يتعلق بها هوى النفس الإنسانية ببعضها أو بجميعها و هي أمور وهمية و أعراض زائلة لا تبقى للإنسان و ليست و لا واحدة منها تجلب للإنسان كمالا نفسيا و لا خيرا حقيقيا .


و عن شيخناالبهائي رحمه الله أن الخصال الخمس المذكورة في الآية مترتبة بحسب سني عمر الإنسان و مراحل حياته فيتولع أولا باللعب و هو طفل أو مراهق ثم إذا بلغ و اشتد عظمه تعلق باللهو و الملاهي ثم إذا بلغ أشده اشتغل بالزينة من الملابس الفاخرة و المراكب البهية و المنازل العالية و توله للحسن و الجمال ثم إذا اكتهل أخذ بالمفاخرة بالأحساب و الأنساب ثم إذا شاب سعى في تكثير المال و الولد .


و قوله : « كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما» مثل لزينة الحياة الدنيا التي يتعلق بها الإنسان غرورا ثم لا يلبث دونأن يسلبها .


و الغيث المطر و الكفار جمع كافر بمعنى الحارث ، و يهيج من الهيجان و هو الحركة ، و الحطام الهشيم المتكسر من يابس النبات .


و المعنى : أن مثل الحياة الدنيا في بهجتها المعجبة ثم الزوال كمثل مطر أعجب الحراث نباته الحاصل بسببه ثم يتحرك إلى غاية ما يمكنه من النمو فتراه مصفر اللون ثم يكون هشيما متكسرا - متلاشيا تذروه الرياح - .


و قوله : « و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة من الله و رضوان» سبق المغفرة على


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 165


الرضوان لتطهير المحل ليحل به الرضوان ، و توصيف المغفرة بكونه من الله دون العذاب لا يخلو من إيماء إلى أن المطلوب بالقصد الأول هو المغفرة و أما العذاب فليس بمطلوب في نفسه و إنما يتسبب إليه الإنسان بخروجه عن زي العبودية كما قيل .


و قوله : « و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» أي متاع التمتع منه هو الغرور به ، و هذا للمتعلق المغرور بها .


و الكلام أعني قوله : « و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة من الله و رضوان» إشارة إلى وجهي الحياة الآخرة ليأخذ السامع حذره فيختار المغفرة و الرضوان على العذاب ، ثم في قوله : « و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» تنبيه و إيقاظ لئلا تغره الحياة الدنيا بخاصة غروره .


قوله تعالى : « سابقوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها كعرض السماء و الأرض» إلخ المسابقة هي المغالبة في السبق للوصول إلى غرض بأن يريد كل من المسابقين جعل حركته أسرع من حركة صاحبه ففي معنى المسابقة ما يزيد على معنى المسارعة فإن المسارعة الجد في تسريع الحركة و المسابقة الجد في تسريعها بحيث تزيد في السرعة على حركة صاحبه .


و على هذا فقوله : « سابقوا إلى مغفرة» إلخ ، يتضمن من التكليف ما هو أزيد مما يتضمنه قوله : « سارعوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السماوات و الأرض أعدتللمتقين» : آل عمران : 133 .


و يظهر به عدم استقامة ما قيل : إن آية آل عمران في السابقين المقربين و الآية التي نحن فيها في عامة المؤمنين حيث لم يذكر فيها إلا الإيمان بالله و رسله بخلاف آية آل عمران فإنها مذيلة بجملة الأعمال الصالحة ، و لذا أيضا وصف الجنة الموعودة هناك بقوله : « عرضها السماوات و الأرض» بخلاف ما هاهنا حيث قيل : « عرضها كعرض السماء و الأرض» فدل على أن جنة أولئك أوسع من جنة هؤلاء .


وجه عدم الاستقامة ما عرفت أن المكلف به في الآية المبحوث عنها معنى فوق ما كلف به في آية آل عمران .


على أن اللام في « السماء» للجنس فتنطبق على « السماوات» في تلك الآية .


و تقديم المغفرة على الجنة في الآية لأن الحياة في الجنة حياة طاهرة في عالم الطهارة فيتوقف التلبس بها على زوال قذارات الذنوب و أوساخها .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 166


و المراد بالعرض السعة دون العرض المقابل للطول و هو معنى شائع ، و الكلام كأنه مسوق للدلالة على انتهائها في السعة .


و قيل : المراد بالعرض ما يقابل الطول و الاقتصار على ذكر العرض أبلغ من ذكر الطول معه فإن العرض أقصر الامتدادين و إذا كان كعرض السماء و الأرض كان طولها أكثر من طولهما .


و لا يخلو الوجه من تحكم إذ لا دليل على مساواة طول السماء و الأرض لعرضهما ثم على زيادة طول الجنة على عرضها حتى يلزم زيادة طول الجنة على طولهما و الطول قد يساوي العرض كما في المربع و الدائرة و سطح الكرة و غيرها و قد يزيد عليه .


و قوله : « أعدت للذين آمنوا بالله و رسله» قد عرفت في ذيل قوله : « آمنوا بالله و رسله» و قوله : « و الذين آمنوا بالله و رسله» أن المراد بالإيمان بالله و رسله هو مرتبة عالية من الإيمان تلازم ترتب آثاره عليه من الأعمال الصالحة و اجتناب الفسوق و الإثم .


و بذلك يظهر أن قول بعضهم : إن في الآية بشارة لعامة المؤمنين حيث قال : « أعدت للذين آمنوا بالله و رسله» و لم يقيد الإيمان بشي‏ء من العمل الصالح و نحوه غير سديد فإن خطاب الآية و إن كان بظاهر لفظه يعم الكافر و المؤمن الصالح و الطالح لكن وجه الكلام إلى المؤمنين يدعوهم إلى الإيمان الذي يصاحب العمل الصالح ، و لو كان المراد بالإيمان بالله و رسله مجرد الإيمان و لو لم يصاحبه عمل صالح و كانت الجنة معدة لهم و الآية تدعو إلى السباق إلى المغفرة و الجنة كان خطاب « سابقوا» متوجها إلى الكفار فإن المؤمنين قد سبقوا و سياق الآيات يأباه .


و قوله : « ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» و قد شاء أن يؤتيه الذين آمنوا بالله و رسله ، و قد تقدم بيان أن ما يؤتيه الله من الأجر لعباده المؤمنين فضل منه تعالى من غير أن يستحقوه عليه .


و قوله : « و الله ذو الفضل العظيم» إشارة إلى عظمة فضله ، و أن ما يثيبهم به من المغفرة و الجنة من عظيم فضله .


قوله تعالى : « ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها» إلخ ، المصيبة الواقعة التي تصيب الشي‏ء مأخوذة من إصابة السهم الغرض و هي بحسب المفهوم أعم من الخير و الشر لكن غلب استعمالها في الشر فالمصيبة هي النائبة ،


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 167


و المصيبة التي تصيب في الأرض كالجدب و عاهة الثمار و الزلزلة المخربة و نحوها ، و التي تصيب في الأنفس كالمرض و الجرح و الكسر و القتل و الموت ، و البرء و البروء الخلق من العدم ، و ضمير « نبرأها» للمصيبة ، و قيل : للأنفس ، و قيل : للأرض ، و قيل : للجميع من الأرض و الأنفس و المصيبة ، و يؤيد الأول أن المقام مقام بيان ما في الدنيا من المصائب الموجبة لنقص الأموال و الأنفس التي تدعوهم إلى الإمساك عن الإنفاق و التخلف عن الجهاد .


و المراد بالكتاب اللوح المكتوب فيه ما كان و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة كما تدل عليه الآيات و الروايات و إنما اقتصر على ذكر ما يصيب في الأرض و في أنفسهم من المصائب لكون الكلام فيها .


قيل : إنما قيد المصيبة بما في الأرض و في الأنفس لأن مطلق المصائب غير مكتوبة في اللوح لأن اللوح متناه و الحوادث غير متناهية و لا يكون المتناهي ظرفا لغير المتناهي .


و الكلام مبني على أن المراد باللوح لوح فلزي أو نحوه منصوب في ناحية من نواحي الجو مكتوب فيه الحوادث بلغة من لغاتنا بخط يشبه خطوطنا ، و قد مر كلام في معنى اللوح والقلم و سيجي‏ء له تتمة .


و قيل : المراد بالكتاب علمه تعالى و هو خلاف الظاهر إلا أن يراد به أن الكتاب المكتوب فيه الحوادث من مراتب علمه الفعلي .


و ختم الآية بقوله : « إن ذلك على الله يسير» للدلالة على أن تقدير الحوادث قبل وقوعها و القضاء عليها بقضاء لا يتغير لا صعوبة فيه عليه تعالى .


قوله تعالى : « لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم» إلخ ، تعليل راجع إلى الآية السابقة و هو تعليل للإخبار عن كتابة الحوادث قبل وقوعها لا لنفس الكتابة ، و الأسى الحزن ، و المراد بما فات و ما آتى النعمة الفائتةو النعمة المؤتاة .


و المعنى : أخبرناكم بكتابة الحوادث قبل حدوثها و تحققها لئلا تحزنوا بما فاتكم من النعم و لا تفرحوا بما أعطاكم الله منها لأن الإنسان إذا أيقن أن الذي أصابه مقدر كائن لا محالة لم يكن ليخطئه و أن ما أوتيه من النعم وديعة عنده إلى أجل مسمى لم يعظم حزنه إذا فاته و لا فرحه إذا أوتيه .


قيل : إن اختلاف الإسناد في قوليه : « ما فاتكم» و « ما آتاكم» حيث أسند الفوت


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 168


إلى نفس الأشياء و الإيتاء إلى الله سبحانه لأن الفوات و العدم ذاتي للأشياء فلو خليت و نفسها لم تبق بخلاف حصولها و بقائها فإنه لا بد من استنادهما إلى الله تعالى .


و قوله : « و الله لا يحب كل مختال فخور» المختال من أخذته الخيلاء و هي التكبر عن تخيل فضيلة تراءت له من نفسه - على ما ذكره الراغب - و الفخور الكثير الفخر و المباهاة و الاختيال و الفخر ناشئان عن توهم الإنسان أنه يملك ما أوتيه من النعم باستحقاق من نفسه ، و هو مخالف لما هو الحق من استناد ذلك إلى تقدير من الله لا لاستقلال من نفس الإنسان فهما من الرذائل و الله لا يحبها .


قوله تعالى : « الذين يبخلون و يأمرون الناس بالبخل» وصف لكل مختال فخور يفيد تعليل عدم حبه تعالى .


و الوجه في بخلهم الاحتفاظ للمال الذي يعتمد عليه اختيالهم و فخرهم و الوجه في أمرهم الناس بالبخل أنهم يحبونه لأنفسهم فيحبونه لغيرهم ، و لأن شيوع السخاء و الجود بين الناس و إقبالهم على الإنفاق في سبيل الله يوجب أن يعرفوا بالبخل المذموم .


و قوله : « و من يتول فإن الله هو الغني الحميد» أي و من يعرض عن الإنفاق و لم يتعظ بعظة الله و لا اطمأن قلبه بما بينه من صفات الدنيا و نعت الجنة و تقدير الأمور فإن الله هو الغني فلا حاجة له إلى إنفاقهم ، و المحمود في أفعاله .


و الآيات الثلاث أعني قوله : « و ما أصاب من مصيبة - إلى قوله - الغني الحميد» كما ترى حث على الإنفاق و ردع عن البخل و الإمساك بتزهيدهم عن الأسى بما فاتهم و الفرح بما آتاهم لأن الأمور مقدرة مقضية مكتوبة في كتاب معينة قبل أن يبرأها الله سبحانه .


بحث روائي


في الدر المنثور ، : في قوله تعالى : « أ لم يأن» الآية : أخرج ابن المبارك و عبد الرزاق و ابن المنذر عن الأعمش قال : لما قدم أصحاب رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من الجهد فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا فنزلت : « أ لم يأن للذين آمنوا» .


أقول : هذه أعدل الروايات في نزول السورة و هناك رواية عن ابن مسعود قال : ما


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 169


كان بين إسلامنا و بين أن عاتبنا الله بهذه « أ لم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله» إلا أربع سنين ، و ظاهره كون السورة مكية ، و في معناه ما ورد أن عمر آمن بعد نزول هذه السورة و قد عرفت أن سياق آيات السورة تأبى إلا أن تكون مدنية ، و يمكن حمل رواية ابن مسعود على كون آية « أ لم يأن» إلخ ، أو هي و التي تتلوها مما نزل بمكة دون باقي آيات السورة .


و في رواية عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن فأنزل الله « أ لم يأن» الآية ، و لازمه نزول السورة سنة أربع أو خمس من الهجرة ، و في رواية أخرى عن ابن عباس قال : إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال : « أ لم يأن» إلخ ، و لازمه نزول السورة أيام الهجرة ، و الروايتان أيضا لا تلائمان سياق آياتها .


و فيه ، أخرج ابن جرير عن البراء بن عازب قال : سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : مؤمنوا أمتيشهداء ، ثم تلا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « و الذين آمنوا بالله و رسله أولئك هم الصديقون - و الشهداء عند ربهم» .


و في تفسير العياشي ، بإسناده عن منهال القصاب قال : لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : ادع الله أن يرزقني الشهادة فقال : إن المؤمن شهيد و قرأ هذه الآية .


أقول : و في معناه روايات أخرى و ظاهر بعضها كهذه الرواية تفسير الشهادة بالقتل في سبيل الله .


و في تفسير القمي ، بإسناده عن حفص بن غياث قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : جعلت فداك فما حد الزهد في الدنيا ؟ فقال : قد حده الله في كتابه فقال عز و جل : « لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم» .


و في نهج البلاغة ، قال (عليه‏السلام‏) : الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال الله تعالى : « لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم» و من لم يأس على الماضي و لم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه .


أقول : و الأساس الذي يبتنيان عليه عدم تعلق القلب بالدنيا ، و في الحديث المعروف : حب الدنيا رأس كل خطيئة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 170


لَقَدْ أَرْسلْنَا رُسلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَ أَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَب وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاس بِالْقِسطِوَ أَنزَلْنَا الحَْدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شدِيدٌ وَ مَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصرُهُ وَ رُسلَهُ بِالْغَيْبِإِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ(25) وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا نُوحاً وَ إِبْرَهِيمَ وَ جَعَلْنَا فى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكتَبفَمِنهُم مُّهْتَدٍوَ كثِيرٌ مِّنهُمْ فَسِقُونَ‏(26) ثمَّ قَفَّيْنَا عَلى ءَاثَرِهِم بِرُسلِنَا وَ قَفَّيْنَا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وَ ءَاتَيْنَهُ الانجِيلَ وَ جَعَلْنَا فى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَافَئَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنهُمْ أَجْرَهُمْوَ كَثِيرٌ مِّنهُمْ فَسِقُونَ‏(27) يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ءَامِنُوا بِرَسولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِن رَّحْمَتِهِ وَ يجْعَل لَّكمْ نُوراً تَمْشونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْوَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏(28) لِّئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكتَبِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلى شىْ‏ءٍ مِّن فَضلِ اللَّهِوَ أَنَّ الْفَضلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُوَ اللَّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ‏(29)


بيان


ثم إنه تعالى إثر ما أشار إلى قسوة قلوب المؤمنين و تثاقلهم و فتورهم في امتثال التكاليف الدينية و خاصة في الإنفاق في سبيل الله ، الذي به قوام أمر الجهاد و شبههم بأهل الكتاب


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 171


حيث قست قلوبهم لما طال عليهم الأمد .


ذكر أن الغرض الإلهي من إرسال الرسل و إنزال الكتاب و الميزان معهم أن يقوم الناس بالقسط ، و أن يعيشوا في مجتمع عادل ، و قد أنزل الحديد ليمتحن عباده في الدفاععن مجتمعهم الصالح و بسط كلمة الحق في الأرض مضافا إلى ما في الحديد من منافع ينتفعون بها .


ثم ذكر أنه أرسل نوحا و إبراهيم (عليه‏السلام‏) و جعل في ذريتهما النبوة و الكتاب و أتبعهم بالرسول بعد الرسول فاستمر الأمر في كل من الأمم على إيمان بعضهم و اهتدائه و كثير منهم فاسقون ، ثم ختم الكلام في السورة بدعوتهم إلى تكميل إيمانهم ليؤتوا كفلين من الرحمة .


قوله تعالى : « لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط» إلخ ، استئناف يتبين به معنى تشريع الدين بإرسال الرسل و إنزال الكتاب و الميزان و أن الغرض من ذلك قيام الناس بالقسط و امتحانهم بذلك و بإنزال الحديد ليتميز من ينصر الله بالغيب و يتبين أن أمر الرسالة لم يزل مستمرا بين الناس و لم يزالوا يهتدي من كل أمة بعضهم و كثير منهم فاسقون .


فقوله : « لقد أرسلنا رسلنا بالبينات» أي بالآيات البينات التي يتبين بها أنهم مرسلون من جانب الله سبحانه من المعجزات الباهرة و البشارات الواضحة و الحجج القاطعة .


و قوله : « و أنزلنا معهم الكتاب» و هو الوحي الذي يصلح أن يكتب فيصير كتابا ، المشتمل على معارف الدين من اعتقاد و عمل و هو خمسة : كتاب نوح و كتاب إبراهيم و التوراة و الإنجيل و القرآن .


و قوله : « و الميزان ليقوم الناس بالقسط» فسروا الميزان بذي الكفتين الذي يوزن به الأثقال ، و أخذوا قوله : « ليقوم الناس بالقسط» غاية متعلقة بإنزال الميزان و المعنى : و أنزلنا الميزان ليقوم الناس بالعدل في معاملاتهم فلا يخسروا باختلال الأوزان و النسب بين الأشياء فقوام حياة الإنسان بالاجتماع ، و قوام الاجتماع بالمعاملات الدائرة بينهم و المبادلات في الأمتعة و السلع و قوام المعاملات في ذوات الأوزان بحفظ النسب بينها و هو شأن الميزان .


و لا يبعد - و الله أعلم - أن يراد بالميزان الدين فإن الدين هو الذي يوزن به عقائد أشخاص الإنسان و أعمالهم ، و هو الذي به قوام حياة الناس السعيدة مجتمعين و منفردين ، و هذا المعنى أكثر ملائمة للسياق المتعرض لحال الناس من حيث خشوعهم و قسوة قلوبهم


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 172


و جدهم و مساهلتهم في أمر الدين .


و قيل : المراد بالميزان هنا العدل و قيل : العقل .


و قوله : « و أنزلنا الحديد» الظاهر أنه كقوله تعالى : « و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج» : الزمر : 6 ، و قد تقدم في تفسير الآية أن تسمية الخلق في الأرض إنزالا إنما هو باعتبار أنه تعالى يسمي ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم يكن إنزالا لها من خزائنه التي عنده و من الغيب إلى الشهادة قال تعالى : « و إن من شي‏ء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم» : الحجر : 21 .


و قوله : « فيه بأس شديد و منافع للناس» البأس هو الشدة في التأثير و يغلب استعماله في الشدة في الدفاع و القتال ، و لا تزال الحروب و المقاتلات و أنواع الدفاع ذات حاجة شديدة إلى الحديد و أقسام الأسلحة المعمولة منه منذ تنبه البشر له و استخرجه .


و أما ما فيه من المنافع للناس فلا يحتاج إلى البيان فله دخل فيجميع شعب الحياة و ما يرتبط بها من الصنائع .


و قوله : « و ليعلم الله من ينصره و رسله بالغيب» غاية معطوفة على محذوف و التقدير و أنزلنا الحديد لكذا و ليعلم الله من ينصره إلخ ، و المراد بنصره و رسله الجهاد في سبيله دفاعا عن مجتمع الدين و بسطا لكلمة الحق ، و كون النصر بالغيب كونه في حال غيبته منهم أو غيبتهم منه ، و المراد بعلمه بمن ينصره و رسله تميزهم ممن لا ينصر .


و ختم الآية بقوله : « إن الله قوي عزيز» و كان وجهه الإشارة إلى أن أمره تعالى لهم بالجهاد إنما هو ليتميز الممتثل منهم من غيره لا لحاجة منه تعالى إلى ناصر ينصره أنه تعالى قوي لا سبيل للضعف إليه عزيز لا سبيل للذلة إليه .


قوله تعالى : « و لقد أرسلنا نوحا و إبراهيم و جعلنا في ذريتهما النبوة و الكتاب فمنهم مهتد و كثير منهم فاسقون» شروع في الإشارة إلى أن الاهتداء و الفسق جاريان في الأمم الماضية حتى اليوم فلم تصلح أمة من الأمم بعامة أفرادها بل لم يزل كثير منهم فاسقين .


و ضمير « فمنهم» و « منهم» للذرية و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « ثم قفينا على آثارهم برسلنا و قفينا بعيسى بن مريم و آتيناه الإنجيل» في المجمع ، : التقفية جعل الشي‏ء في إثر شي‏ء على الاستمرار فيه ، و لهذا قيل لمقاطع الشعر قواف إذ كانت تتبع البيت على أثره مستمرة في غيره على منهاجه .


انتهى .


و ضمير « على آثارهم» لنوح و إبراهيم و السابقين من ذريتهما ، و الدليل عليه أنه لا نبي


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 173


بعد نوح إلا من ذريته لأن النسل بعده له .


على أن عيسى من ذرية إبراهيم قال تعالى في نوح : « و جعلنا ذريته هم الباقين» : الصافات : 77 ، و قال : « و من ذريته داود و سليمان - إلى أن قال - و عيسى» : الأنعام : 85 ، فالمراد بقوله : « ثم قفينا على آثارهم برسلنا» إلخ ، التقفية باللاحقين من ذريتهما على آثارهما و السابقين من ذريتهما .


و في قوله : « على آثارهم» إشارة إلى أن الطريق المسلوك واحد يتبع فيه بعضهم أثر بعض .


و قوله : « و قفينا بعيسى بن مريم و آتيناه الإنجيل و جعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة و رحمة» الرأفة و الرحمة - على ما قالوا - مترادفان ، و نقل عن بعضهم أن الرأفة يقال في درء الشر و الرحمة في جلب الخير .


و الظاهر أن المراد بجعل الرأفة و الرحمة في قلوب الذين اتبعوه توفيقهم للرأفة و الرحمة فيما بينهم فكانوا يعيشون على المعاضدة و المسالمة كما وصف الله سبحانهالذين مع النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالرحمة إذ قال : « رحماء بينهم» : الفتح : 29 ، و قيل : المراد بجعل الرأفة و الرحمة في قلوبهم الأمر بهما و الترغيب فيهما و وعد الثواب عليهما .


و قوله : « و رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» الرهبانية من الرهبة و هي الخشية ، و يطلق عرفا على انقطاع الإنسان من الناس لعبادة الله خشية منه ، و الابتداع إتيان ما لم يسبق إليه في دين أو سنة أو صنعة ، و قوله : « ما كتبناها عليهم» في معنى الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : ما معنى ابتداعهم لها ؟ فقيل : ما كتبناها عليهم .


و المعنى : أنهم ابتدعوا من عند أنفسهم رهبانية من غير أن نشرعه نحن لهم .


و قوله : « إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها» استثناء منقطع معناه ما فرضناها عليهم لكنهم وضعوها من عند أنفسهم ابتغاء لرضوان الله و طلبا لمرضاته فما حافظوا عليها حق محافظتها بتعديهم حدودها .


و فيه إشارة إلى أنها كانت مرضية عنده تعالى و إن لم يشرعها بل كانوا هم المبتدعين لها .


و قوله : « فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم و كثير منهم فاسقون» إشارة إلى أنهم كالسابقين من أمم الرسل منهم مؤمنون مأجورون على إيمانهم و كثير منهم فاسقون ، و الغلبة للفسق .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته»


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 174


إلخ ، أمر الذين آمنوا بالتقوى و الإيمان بالرسول مع أن الذين استجابوا الدعوة فآمنوا بالله آمنوا برسوله أيضا دليل على أن المراد بالإيمان بالرسول الاتباع التام و الطاعة الكاملة لرسوله فيما يأمر به و ينهى عنه سواء كان ما يأمر به أو ينهى عنه حكما من الأحكام الشرعية أو صادرا عنه بما له من ولاية أمور الأمة كما قال تعالى : « فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجربينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما» : النساء : 65 .


فهذا إيمان بعد إيمان و مرتبة فوق مرتبة الإيمان الذي ربما يتخلف عنه أثره فلا يترتب عليه لضعفه ، و بهذا يناسب قوله : « يؤتكم كفلين من رحمته» و الكفل الحظ و النصيب فله ثواب على ثواب كما أنه إيمان على إيمان .


و قيل : المراد بإيتاء كفلين من الرحمة إيتاؤهم أجرين كمؤمني أهل الكتاب كأنه قيل : يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجرين لأنكم مثلهم في الإيمان بالرسل المتقدمين و بخاتمهم (عليهم‏السلام‏) لا تفرقون بين أحد من رسله .


و قوله : « و يجعل لكم نورا تمشون به» قيل : يعني يوم القيامة و هو النور الذي أشير إليه بقوله : « يسعى نورهم بين أيديهم و بأيمانهم» .


و فيه أنه تقييد من غير دليل بل لهم نورهم في الدنيا و هو المدلول عليه بقوله تعالى : « أ و من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها : الأنعام : 122 ، و نورهم في الآخرة و هو المدلول عليه بقوله : « يوم ترى المؤمنين و المؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم و بأيمانهم» الآية : 12 من السورة و غيره .


ثم كمل تعالى وعده بإيتائهم كفلين من رحمته و جعل نور يمشون به بالمغفرة فقال : « و يغفر لكم و الله غفور رحيم» .


قوله تعالى : « لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شي‏ء من فضل الله» ظاهر السياق أن في الآية التفاتا من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و المراد بالعلم مطلق الاعتقاد كالزعم ، و « أن» مخففة من الثقيلة ، و ضمير « يقدرون» للمؤمنين ، و في الكلام تعليل لمضمون الآية السابقة .


و المعنى : إنما أمرناهم بالإيمان بعد الإيمان و وعدناهم كفلين من الرحمة و جعل النور و المغفرة لئلا يعتقد أهل الكتاب أن المؤمنين لا يقدرون على شي‏ء من فضل الله بخلاف المؤمنين من أهل الكتاب حيث يؤتون أجرهم مرتين أن آمنوا .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 175


و قيل : إن لا في « لئلا يعلم» زائدة و ضمير « يقدرون» لأهل الكتاب ، و المعنى : إنما وعدنا المؤمنين بما وعدنا لأن يعلم أهل الكتاب القائلون : إن من آمن منا بكتابكم فله أجران و من لم يؤمن فله أجر واحد لإيمانه بكتابنا ، إنهم لا يقدرون على شي‏ء من فضل الله إن لم يؤمنوا ، هذا و لا يخفى عليك ما فيه من التكلف .


و قوله : « و أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم» معطوف على ألا يعلم» ، و المعنى : إنما وعدنا بما وعدنا لأن كذا كذا و لأن الفضل بيد الله و الله ذو الفضل العظيم .


و في الآية أقوال و احتمالات أخر لا جدوى في إيرادها و البحث عنها .


بحث روائي


عن جوامع الجامع ، روي : أن جبرئيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح (عليه‏السلام‏) و قال : مر قومك يزنوا به .


و في الاحتجاج ، عن علي (عليه‏السلام‏) في حديث و قال : « و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد» فإنزاله ذلك خلقه إياه .


و في المجمع ، عن ابن مسعود قال : كنت رديف رسول الله على الحمار فقال : يا ابن أم عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية ؟ فقلت : الله و رسوله أعلم . فقال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى (عليه‏السلام‏) يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل . فقالوا : إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا و لم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى يعنون محمدا (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فتفرقوا في غيران 1 الجبال و أحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ، و منهم من كفر . ثم تلا هذه الآية « و رهبانية ابتدعوها - ما كتبناها عليهم» إلى آخرها . ثم قال : يا ابن أم عبد أ تدري ما رهبانية أمتي ؟ قلت : الله و رسوله أعلم . قال : الهجرة و الجهاد و الصلاة و الصوم و الحج و العمرة .


و في الكافي ، بإسناده عن أبي الجارود قال : قلت لأبي جعفر (عليه‏السلام‏) لقد آتى الله


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 176


أهل الكتاب خيرا كثيرا . قال : و ما ذاك ؟ قلت : قول الله عز و جل : « الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون إلى قوله أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا» قال : فقال : آتاكم الله كما آتاهم ثم تلا : « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله - يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به» يعني إماما تأتمون به .


و في المجمع ، عن سعيد بن جبير : بعث رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه فقدم عليه و دعاه فاستجاب له و آمن به فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته و هم أربعون رجلا : ائذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم به . فقدموا مع جعفر فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قالوا : يا نبي الله إن لنا أموالا و نحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فأنزل الله فيهم : « الذين آتيناهم الكتاب من قبله - هم به يؤمنون إلى قوله و مما رزقناهم ينفقون» فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين . فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن به قوله : « أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا» فخروا على المسلمين فقالوا : يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابنا و كتابكم فله أجران ، و من آمن منا بكتابنا فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا ؟ فنزل قوله : « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله - و آمنوا برسوله» الآية ، فجعل لهم أجرين و زادهم النور و المغفرة ثم قال : « لئلا يعلم أهل الكتاب» .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :