امروز:
شنبه 1 مهر 1396
بازدید :
677
تفسيرالميزان : سوره مجادله آيات 22- 1


58-سورة المجادلة مدنية ، و هي اثنتان و عشرون آية 22


سورة المجادلة


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ سمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتى تجَدِلُك فى زَوْجِهَا وَ تَشتَكِى إِلى اللَّهِ وَ اللَّهُ يَسمَعُ تحَاوُرَكُمَاإِنَّ اللَّهَ سمِيعُ بَصِيرٌ(1) الَّذِينَ يُظهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسائهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْإِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلا الَّئِى وَلَدْنَهُمْوَ إِنهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكراً مِّنَ الْقَوْلِ وَ زُوراًوَ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ(2) وَ الَّذِينَ يُظهِرُونَ مِن نِّسائهِمْ ثمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاساذَلِكمْ تُوعَظونَ بِهِوَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(3) فَمَن لَّمْ يجِدْ فَصِيَامُ شهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسافَمَن لَّمْ يَستَطِعْ فَإِطعَامُ سِتِّينَ مِسكِيناًذَلِك لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسولِهِوَ تِلْك حُدُودُ اللَّهِوَ لِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(4) إِنَّ الَّذِينَ يحَادُّونَ اللَّهَ وَ رَسولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِت الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْوَ قَدْ أَنزَلْنَا ءَايَتِ بَيِّنَتٍوَ لِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏(5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواأَحْصاهُ اللَّهُ وَ نَسوهُوَ اللَّهُ عَلى كلّ‏ِ شىْ‏ءٍ شهِيدٌ(6)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 177


بيان


تتعرض السورة لمعان متنوعة من حكم و أدب و صفة فشطر منها في حكم الظهار و النجوى و أدب الجلوس في المجالس و شطر منها يصف حال الذين يحادون الله و رسوله ، و الذين يوادون أعداء الدين و يصف الذين يتحرزون من موادتهم من المؤمنين و يعدهم وعدا جميلا في الدنيا و الآخرة .


و السورة مدنية بشهادة سياق آياتها .


قوله تعالى : « قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي إلى الله و الله يسمع تحاوركما» إلخ ، قال في المجمع ، : الاشتكاء إظهار ما بالإنسان من مكروه ، و الشكاية إظهار ما يصنعه به غيره من المكروه .


قال : و التحاور التراجع و هي المحاورة يقال : حاوره محاورة أي راجعه الكلام و تحاورا .


انتهى .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 178


الآيات الأربع أو الست نزلت في الظهار و كان من أقسام الطلاقعند العرب الجاهلي كان الرجل يقول لامرأته : أنت مني كظهر أمي فتنفصل عنه و تحرم عليه مؤبدة و قد ظاهر بعض الأنصار من امرأته ثم ندم عليه فجاءت امرأته إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تسائله فيه لعلها تجد طريقا إلى رجوعه إليها و تجادله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في ذلك و تشتكي إلى الله فنزلت الآيات .


و المراد بالسمع في قوله : « قد سمع الله» استجابة الدعوة و قضاء الحاجة من باب الكناية و هو شائع و الدليل عليه قوله : « تجادلك في زوجها و تشتكي إلى الله» الظاهر في أنها كانت تتوخى طريقا إلى أن لا تنفصل عن زوجها ، و أما قوله : « و الله يسمع تحاوركما» فالسمع فيه بمعناه المعروف .


و المعنى : قد استجاب الله للمرأة التي تجادلك في زوجها - و قد ظاهر منها - و تشتكي غمها و ما حل بها من سوء الحال إلى الله و الله يسمع تراجعكما في الكلام أن الله سميع للأصوات بصير بالمبصرات .


قوله تعالى : « الذين يظاهرون من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم» إلخ ، نفي لحكم الظهار المعروف عندهم و إلغاء لتأثيره بالطلاق و التحريم الأبدي بنفي أمومة الزوجة للزوج بالظهار فإن سنة الجاهلية تلحق الزوجة بالأم بسبب الظهار فتحرم على زوجها حرمة الأم على ولدها حرمة مؤبدة .


فقوله : « ما هن أمهاتهم» أي بحسب اعتبار الشرع بأن يلحقن شرعا بهن بسبب الظهار فيحرمن عليهم أبدا ثم أكده بقوله : « إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم» أي ليس أمهات أزواجهن إلا النساء اللاتي ولدنهم .


ثم أكد ذلك ثانيا بقوله : « و إنهم ليقولون منكرا من القول و زورا» بما فيه من سياق التأكيد أي و إن هؤلاء الأزواج المظاهرين ليقولون بالظهار منكرا من القول ينكره الشرع حيث لم يعتبره و لم يسنه ، و كذبا باعتبار أنه لا يوافق الشرع كما لا يطابق الخارج الواقع في الكون فأفادت الآية أن الظهار لا يفيد طلاقا و هذا لا ينافي وجوب الكفارة عليه لو أراد المواقعة بعد الظهار فالزوجية على حالها و إن حرمت المواقعة قبل الكفارة .


و قوله : « و إن الله لعفو غفور» لا يخلو من دلالة على كونه ذنبا مغفورا لكن ذكر الكفارة في الآية التالية مع تذييلها بقوله : « و تلك حدود الله و للكافرين عذاب أليم» ربما دل على أن المغفرة مشروطة بالكفارة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 179


قوله تعالى : « و الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا» إلخ ، الكلام في معنى الشرط و لذلك دخلت الفاء في الخبر لأنه في معنى الجزاء و المحصل : أن الذين ظاهروا منهن ثم أرادوا العود لما قالوا فعليهم تحرير رقبة .


و في قوله : « من قبل أن يتماسا» دلالة على أن الحكم في الآية لمن ظاهر ثم أراد الرجوع إلى ما كان عليه قبل الظهار و هو قرينة على أن المراد بقوله : « يعودون لما قالوا» إرادة العود إلى نقض ما أبرموه بالظهار .


و المعنى : و الذين يظاهرون من نسائهم ثم يريدون أن يعودوا إلى ما تكلموا به من كلمة الظهار فينقضوها بالمواقعة فعليهم تحرير رقبة من قبل أن يتماسا .


و قيل : المراد بعودهم لماقالوا ندمهم على الظهار ، و فيه أن الندم عليه يصلح أن يكون محصل المعنى لا أن يكون معنى الكلمة « يعودون لما قالوا» .


و قيل : المراد بعودهم لما قالوا رجوعهم إلى ما تلفظوا به من كلمة الظهار بأن يتلفظوا بها ثانيا و فيه أن لازمه ترتب الكفارة دائما على الظهار الثاني دون الأول و الآية لا تفيد ذلك و السنة إنما اعتبرت تحقق الظهار دون تعدده .


ثم ذيل الآية بقوله : « ذلكم توعظون به و الله بما تعملون خبير» إيذانا بأن ما أمر به من الكفارة توصية منه بها عن خبره بعملهم ذاك ، فالكفارة هي التي ترتفع بها ما لحقهم من تبعة العمل .


قوله تعالى : « فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا» إلى آخر الآية خصلة ثانية من الكفارة مترتبة على الخصلة الأولى لمن لا يتمكن منها و هي صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ، و قيد ثانيا بقوله : « من قبل أن يتماسا» لدفع توهم اختصاص القيد بالخصلة الأولى .


و قوله : « فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا» بيان للخصلة الثالثة فمن لم يطق صيام شهرين متتابعين فعليه إطعام ستين مسكينا و تفصيل الكلام في ذلك كله في الفقه .


و قوله : « ذلك لتؤمنوا بالله و رسوله» أي ما جعلناه من الحكم و افترضناه من الكفارة فأبقينا علقة الزوجية و وضعنا الكفارة لمن أراد أن يرجع إلى المواقعة جزاء بما أتى بسنة من سنن الجاهلية كل ذلك لتؤمنوا بالله و رسوله و ترفضوا أباطيل السنن .


و قوله : « و تلك حدود الله و للكافرين عذاب أليم» حد الشي‏ء ما ينتهي إليه و لا


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 180


يتعداه و أصله المنع ، و المراد أن ما افترضناه من الخصال أو ما نضعها من الأحكام حدود الله فلا تتعدوها بالمخالفة و للكافرين بما حكمنا به في الظهار أو بما شرعناه من الأحكام بالمخالفة و المحادة عذاب أليم .


و الظاهر أن المراد بالكفر رد الحكم و الأخذ بالظهار بما أنه سنة مؤثرة مقبولة ، و يؤيده قوله : « ذلك لتؤمنوا بالله و رسوله» أي تذعنوا بأن حكم الله حق و أن رسوله صادق أمين في تبليغه ، و قد أكده بقوله : « و تلك حدود الله» إلخ ، و يمكن أن يكون المراد بالكفر الكفر في مقام العمل و هو العصيان .


قوله تعالى : « إن الذين يحادون الله و رسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم» إلخ ، المحادة الممانعة و المخالفة ، و الكبت الإذلال و الإخزاء .


و الآية و التي تتلوها و إن أمكن أن تكونا استئنافا يبين أمر محادة الله و رسوله من حيث تبعتها و أثرها لكن ظاهر السياق أن تكونا مسوقتين لتعليل ذيل الآية السابقة الذي معناه النهي عن محادة الله و رسوله ، و المعنى : إنما أمرناكم بالإيمان بالله و رسوله و نهيناكم عن تعدي حدود الله و الكفر بها لأن الذين يحادون الله و رسوله بالمخالفة أذلوا و أخزوا كما أذل و أخزى الذين من قبلهم .


ثم أكده بقوله : « و قد أنزلنا آيات بينات و للكافرين عذاب مهين» أي لا ريب في كونها منا و في أن رسولنا صادق أمين في تبليغها ، و للكافرين بها الرادين لها عذاب مهين مخز .


قوله تعالى : « يوم يبعثهم الله فينبؤهم بما عملوا» ظرف لقوله : «و للكافرين عذاب أليم» أي لهم أليم العذاب في يوم يبعثهم الله و هو يوم الحساب و الجزاء فيخبرهم بحقيقة جميع ما عملوا في الدنيا .


و قوله : « أحصاه الله و نسوه» الإحصاء الإحاطة بعدد الشي‏ء من غير أن يفوت منه شي‏ء ، قال الراغب : الإحصاء التحصيل بالعدد يقال : أحصيت كذا ، و ذلك من لفظ الحصى ، و استعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه على الأصابع .


انتهى .


و قوله : « و الله على كل شي‏ء شهيد» تعليل لقوله : « أحصاه الله» و قد مر تفسير شهادة الله على كل شي‏ء في آخر سورة حم السجدة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 181


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن ماجة و ابن أبي حاتم و الحاكم و صححه و ابن مردويه و البيهقي عن عائشة قالت : تبارك الذي وسع سمعه كل شي‏ء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة و يخفى علي بعضه و هي تشتكي زوجها إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هي تقول : يا رسول الله أكل شبابي و نثرت له بطني حتى إذا كبر سني و انقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبرئيل بهذه الآيات « قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها» و هو أوس بن الصامت .


أقول : و الروايات من طرق أهل السنة في هذا المعنى كثيرة جدا ، و اختلفت في اسم المرأة و اسم أبيها و اسم زوجها و اسم أبيه و الأعرف أن اسمها خولة بنت ثعلبة و اسم زوجها أوس بن الصامت الأنصاري و أورد القمي إجمال القصة في رواية ، و له رواية أخرى ستوافيك .


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « و الذين يظاهرون من نسائهم - ثم يعودون لما قالوا» فأما ما ذهب إليه أئمة الهدى من آل محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فهو أن المراد بالعود إرادة الوطء و نقض القول الذي قاله فإن الوطء لا يجوز له إلا بعد الكفارة ، و لا يبطل حكم قوله الأول إلا بعد الكفارة .


و في تفسير القمي ، حدثنا علي بن الحسين قال : حدثنا محمد بن أبي عبد الله عن الحسن بن محبوب عن أبي ولاد عن حمران عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : إن امرأة من المسلمات أتت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقالت : يا رسول الله إن فلانا زوجي و قد نثرت له بطني و أعنته على دنياه و آخرته لم تر مني مكروها أشكوه إليك . قال : فيم تشكونيه ؟ قالت : إنه قال : أنت علي حرام كظهر أمي و قد أخرجني من منزلي فانظر في أمري . فقال لها رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : ما أنزل الله تبارك و تعالى كتاباأقضي فيه بينك و بين زوجك و أنا أكره أن أكون من المتكلفين ، فجعلت تبكي و تشتكي ما بها إلى الله عز و جل و إلى رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و انصرفت . قال : فسمع الله تبارك و تعالى مجادلتها لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في زوجها و ما شكت إليه ، و أنزل الله في ذلك قرآنا « بسم الله الرحمن الرحيم ، قد سمع الله قول التي تجادلك في


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 182


زوجها إلى قوله و إن الله لعفو غفور» . قال : فبعث رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى المرأة فأتته فقال لها : جيئي بزوجك ، فأتته فقال له : أ قلت لامرأتك هذه : أنت حرام علي كظهر أمي ؟ فقال : قد قلت لها ذلك . فقال له رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : قد أنزل الله تبارك و تعالى فيك و في امرأتك قرآنا و قرأ : « بسم الله الرحمن الرحيم - قد سمع الله قول التي تجادلك إلى قوله إن الله لعفو غفور» ، فضم إليك امرأتك فإنك قد قلت منكرا من القول و زورا ، و قد عفا الله عنك و غفر لك و لا تعد . قال : فانصرف الرجل و هو نادم على ما قال لامرأته ، و كره الله عز و جل ذلك للمؤمنين بعد و أنزل الله : « الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا» يعني لما قال الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي . قال : فمن قالها بعد ما عفا الله و غفر للرجل الأول فإن عليه « تحرير رقبة من قبل أن يتماسا» يعني مجامعتها « ذلكم توعظون به و الله بما تعملون خبير - فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا - فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا» قال : فجعل الله عقوبة من ظاهر بعد النهي هذا . ثم قال : « ذلك لتؤمنوا بالله و رسوله و تلك حدود الله» قال : هذا حد الظهار .


الحديث .


أقول : الآية بما لها من السياق و خاصة ما في آخرها من ذكر العفو و المغفرة أقرب انطباقا علىما سيق من القصة في هذه الرواية ، و لا بأس بها من حيث السند أيضا غير أنها لا تلائم ظاهر ما في الآية من قوله : « الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا» .


أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِمَا يَكونُ مِن نجْوَى ثَلَثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لا خَمْسةٍ إِلا هُوَ سادِسهُمْ وَ لا أَدْنى مِن ذَلِك وَ لا أَكْثرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كانُواثمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَمَةِإِنَّ اللَّهَ بِكلّ‏ِ شىْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏(7) أَ لَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ نهُوا عَنِ النَّجْوَى ثمَّ يَعُودُونَ لِمَا نهُوا عَنْهُ وَ يَتَنَجَوْنَ بِالاثْمِ وَ الْعُدْوَنِ وَ مَعْصِيَتِ الرَّسولِ وَ إِذَا جَاءُوك حَيَّوْك بِمَا لَمْ يحَيِّك بِهِ اللَّهُ وَ يَقُولُونَ فى أَنفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُحَسبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصلَوْنهَافَبِئْس الْمَصِيرُ(8) يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَنَجَيْتُمْ فَلا تَتَنَجَوْا بِالاثْمِ وَ الْعُدْوَنِ وَ مَعْصِيَتِ الرَّسولِ وَ تَنَجَوْا بِالْبرِّ وَ التَّقْوَىوَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تحْشرُونَ‏(9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشيْطنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ لَيْس بِضارِّهِمْ شيْئاً إِلا بِإِذْنِ اللَّهِوَ عَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنُونَ‏(10) يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسحُوا فى الْمَجَلِسِ فَافْسحُوا يَفْسح اللَّهُ لَكُمْوَ إِذَا قِيلَ انشزُوا فَانشزُوا يَرْفَع اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَتٍوَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(11) يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَى نجْوَاشْ صدَقَةًذَلِك خَيرٌ لَّكمْ وَ أَطهَرُفَإِن لَّمْ تجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏(12) ءَ أَشفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَى نجْوَاشْ صدَقَتٍفَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَاب اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصلَوةَ وَ ءَاتُوا الزَّكَوةَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسولَهُوَ اللَّهُ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ‏(13)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 183


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 184


بيان


آيات في النجوى و بعض آداب المجالسة .


قوله تعالى : « أ لم تر أن الله يعلم ما في السماوات و ما في الأرض» الاستفهام إنكاري ، و المراد بالرؤية العلم اليقيني على سبيل الاستعارة ، و الجملة تقدمه يعلل بها ما يتلوها من كونه تعالى مع أهل النجوى مشاركا لهم في نجواهم .


قوله تعالى : « ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم و لا خمسة إلا هو سادسهم» إلى آخر الآية النجوى مصدر بمعنى التناجي و هو المسارة ، و ضمائر الإفراد لله سبحانه ، و المراد بقوله : « رابعهم» و « سادسهم» جاعل الثلاثة أربعة و جاعل الخمسة ستة بمشاركته لهم في العلم بما يتناجون فيه و معيته لهم في الاطلاع على ما يسارون فيه كما يشهد به ما احتف بالكلام من قوله في أول الآية : « أ لم تر أن الله يعلم» إلخ ، و في آخرها من قوله : « إن الله بكل شي‏ء عليم» .


و قوله : « و لا أدنى من ذلك و لا أكثر» أي و لا أقل مما ذكر من العدد و لا أكثر مما ذكر ، و بهاتين الكلمتين يشمل الكلام عدد أهل النجوى أيا ما كان أما الأدنى من ذلك فالأدنى من الثلاثة الاثنان و الأدنى من الخمسة الأربعة ، و أما الأكثر فالأكثر من خمسة الستة فما فوقها .


و من لطف سياق الآية ترتب ما أشير إليه من مراتب العدد : الثلاثة و الأربعة و الخمسة و الستة من غير تكرار فلم يقل : من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم و لا أربعة إلا هو خامسهم و هكذا .


و قوله : « إلا هو معهم أينما كانوا» المراد به المعية من حيث العلم بما يتناجون به و المشاركة لهم فيه .


و بذلك يظهر أن المراد بكونه تعالى رابع الثلاثة المتناجين و سادس الخمسة المتناجين معيته لهم في العلم و مشاركته لهم في الاطلاع على ما يسارون لا مماثلته لهم في تتميم العدد فإن كلا منهم شخص واحد جسماني يكون بانضمامه إلى مثله عدد الاثنين و إلى مثليه الثلاثة و الله سبحانه منزه عن الجسمية بري‏ء من المادية .


و ذلك أن مقتضى السياق أن المستثنى من قوله : « ما يكون من نجوى» إلخ ، معنى


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 185


واحد و هو أن الله لا يخفى عليه نجوى فقوله : « إلا هو رابعهم» « إلا هو سادسهم» في معنى قوله : « إلا هو معهم» و هو المعية العلمية أي أنه يشاركهم في العلم و يقارنهم فيه أو المعية الوجودية بمعنى أنه كلما فرض قوم يتناجون فالله سبحانه هناك سميع عليم .


و في قوله : « أينما كانوا» تعميم من حيث المكان إذ لما كانت معيته تعالى لهم من حيث العلم لا بالاقتران الجسماني لم يتفاوت الحال و لم يختلف باختلاف الأمكنة بالقرب و البعد فالله سبحانه لا يخلو منه مكان و ليس في مكان .


و بما تقدم يظهر أيضا أن - ما تفيده الآية من معيته تعالى لأصحاب النجوى و كونه رابع الثلاثة منهم و سادس الخمسة منهم لا ينافي ما تقدم تفصيلا في ذيل قوله تعالى : « لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة» : المائدة : 73 ، من أن وحدته تعالى ليست وحدة عددية بل وحدة أحدية يستحيل معها فرض غير معه يكون ثانيا له فالمراد بكونه معهم و رابعا للثلاثة منهم و سادسا للخمسة منهم أنه عالم بما يتناجون به و ظاهر مكشوف له ما يخفونه من غيرهم لا أن له وجودا محدودا يقبل العد يمكن أن يفرض له ثان و ثالث و هكذا .


و قوله : « ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة أي يخبرهم بحقيقة ما عملوا من عمل و منه نجواهم و مسارتهم .


و قوله : « إن الله بكل شي‏ء عليم» تعليل لقوله : « ثم ينبئهم» إلخ ، و تأكيد لما تقدم من علمه بما في السماوات و ما في الأرض ، و كونه مع أصحاب النجوى .


و الآية تصلح أن تكون توطئة و تمهيدا لمضمون الآيات التالية و لا يخلو ذيلها من لحن شديد يرتبط بما في الآيات التالية من الذم و التهديد .


قوله تعالى : « أ لم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه» إلى آخر الآية سياق الآيات يدل على أن قوما من المنافقين و الذين في قلوبهم مرض من المؤمنين كانوا قد أشاعوا بينهم النجوى محادة للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنين يتناجون بينهم بالإثم و العدوان و معصية الرسول و ليؤذوا بذلك المؤمنين و يحزنون و كانوا يصرون على ذلك من غير أن ينتهوا بنهي فنزلت الآيات .


فقوله : « أ لم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه» ذم و توبيخ غيابي لهم ، و قد خاطب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و لم يخاطبهم أنفسهم مبالغة في تحقير أمرهم و إبعادا لهم


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 186


عن شرف المخاطبة .


و المعنى : أ لم تنظر إلى الذين نهوا عن التناجي بينهم بما يغم المؤمنين و يحزنهم ثم يعودون إلى التناجي الذي نهوا عنه عود بعد عودة ، و في التعبير بقوله : « يعودون» دلالة على الاستمرار ، و في العدول عن ضمير النجوى إلى الموصول و الصلة حيث قيل : « يعودون لما نهوا عنه» و لم يقل يعودون إليها دلالة على سبب الذم و التوبيخ و مساءة العود لأنها أمر منهي عنه .


و قوله : « يتناجون بالإثم و العدوان و معصيت الرسول» المقابلة بين الأمور الثلاثة : الإثم و العدوان و معصية الرسول تفيد أن المراد بالإثم هو العمل الذي له أثر سيى‏ء لا يتعدى نفس عامله كشرب الخمر و الميسر و ترك الصلاة مما يتعلق من المعاصي بحقوق الله ، و العدوان هو العمل الذي فيه تجاوز إلى الغير مما يتضرر به الناس و يتأذون مما يتعلق من المعاصي بحقوق الناس ، و القسمان أعني الإثم و العدوان جميعا من معصية الله ، و معصية الرسول مخالفته في الأمور التي هي جائزة في نفسها لا أمر و لا نهي من الله فيها لكن الرسول أمر بها أو نهى عنها لمصلحة الأمة بما له ولاية أمورهم و النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما نهاهم عن النجوى و إن لم يشتمل على معصية .


كان ما تقدم من قوله : « الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه» ذما و توبيخا لهم على نفس نجواهم بما أنها منهي عنها مع الغض عن كونها بمعصية أو غيرها : و هذا الفصل أعني قوله : « و يتناجون بالإثم و العدوان و معصية الرسول» ذم و توبيخ لهم بما يشتمل عليه تناجيهم من المعصية بأنواعها و هؤلاء القوم هم المنافقون و مرضى القلوب كانوا يكثرون من النجوى بينهم ليغتم بها المؤمنون و يحزنوا و يتأذوا .


و قيل : المنافقون و اليهود كان يناجي بعضهم بعضا ليحزنوا المؤمنين و يلقوا بينهم الوحشة و الفزع و يوهنوا عزمهم لكن في شمول قوله : « الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه» لليهود خفاء .


و قوله : « و إذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله» فإن الله حياه بالتسليم و شرع له ذلك تحية من عند الله مباركة طيبة و هم كانوا يحيونه بغيره .


قالوا : هؤلاء هم اليهود كانوا إذا أتوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قالوا : السام عليك - و السام هو الموت - و هم يوهمون أنهم يقولون : السلام عليك ، و لا يخلو من شي‏ء فإن الضمير في « جاءوك» و « حيوك» للموصول


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 187


في قوله : « الذين نهوا عن النجوى» و قد عرفت أن في شموله لليهود خفاء .


و قوله : « و يقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول» معطوف على « حيوك» أو حال و ظاهره أن ذلك منهم من حديث النفس مضمرين ذلك في قلوبهم ، و هو تحضيض بداعي الطعن و التهكم فيكون من المنافقين إنكارا لرسالة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على طريق الكناية و المعنى : أنهم يحيونك بما لم يحيك به الله و هم يحدثون أنفسهم بدلالة قولهم ذلك - و لو لا يعذبهم الله به - على أنك لست برسول من الله و لو كنت رسوله لعذبهم بقولهم .


و قيل : المراد بقوله : « و يقولون في أنفسهم» يقولون فيمابينهم بتحديث بعض منهم لبعض و لا يخلو من بعد .


و قد رد الله عليهم احتجاجهم بقولهم : « لو لا يعذبنا الله بما نقول» بقوله : « حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير» أي إنهم مخطئون في نفيهم العذاب فهم معذبون بما أعد لهم من العذاب و هو جهنم التي يدخلونها و يقاسون حرها و كفى بها عذابا لهم .


و كان المنافقين و من يلحق بهم لما لم ينتهوا بهذه المناهي و التشديدات نزل قوله تعالى : « لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض و المرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ، ملعونين أين ما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا» : الآيات الأحزاب : 61 .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم و العدوان و معصيت الرسول» إلخ ، لا يخلو سياق الآيات من دلالة على أن الآية نزلت في رفع الخطر و قد خوطب فيها المؤمنون فأجيز لهم النجوى و اشترط عليهم أن لا يكون تناجيا بالإثم و العدوان و معصية الرسول و أن يكون تناجيا بالبر و التقوى و البر و هو التوسع في فعل الخير يقابل العدوان ، و التقوى مقابل الإثم ثم أكد الكلام بالأمر بمطلق التقوى بإنذارهم بالحشر بقوله : « و اتقوا الله الذي إليه تحشرون» .


قوله تعالى : « إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله» إلخ ، المراد بالنجوى - على ما يفيده السياق - هو النجوى الدائرة في تلك الأيام بين المنافقين و مرضى القلوب و هي من الشيطان فإنه الذي يزينها في قلوبهم ليتوسل بها إلى حزنهم و يشوش قلوبهم ليوهمهم أنها في نائبة حلت بهم و بلية أصابتهم .


ثم طيب الله سبحانه قلوب المؤمنين بتذكيرهم أن الأمر إلى الله سبحانه و أن الشيطان


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 188


أو التناجي لا يضرهم شيئا إلا بإذن الله فليتوكلوا عليه و لا يخافوا ضره و قد نص سبحانه في قوله : « و من يتوكل على الله فهو حسبه» : الطلاق : 3 إنه يكفي من توكل عليه ، و استنهضهم على التوكل بأنه من لوازم إيمان المؤمن فإن يكونوا مؤمنين فليتوكلوا عليه فهو يكفيهم .


و هذا معنى قوله : « و ليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله و على الله فليتوكل المؤمنون» .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم» إلخ ، التفسح الاتساع و كذا الفسح ، و المجالس جمع مجلس اسم مكان ، و الاتساع في المجلس أن يتسع الجالس ليسع المكان غيره و فسح الله له أن يوسع له في الجنة .


و الآية تتضمن أدبا من آداب المعاشرة ، و يستفاد من سياقها أنهم كانوا يحضرون مجلس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فيجلسون ركاما لا يدع لغيرهم من الواردين مكانا يجلس فيه فأدبوا بقوله : « إذا قيل لكم تفسحوا» إلخ ، و الحكم عام و إن كان مورد النزول مجلس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و المعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم توسعوا في المجالس ليسع المكان معكم غيركم فتوسعوا وسع الله لكم في الجنة .


و قوله : « و إذا قيل انشزوا فانشزوا» يتضمن أدبا آخر ، و النشوز - كما قيل - الارتفاع عن الشي‏ء بالذهاب عنه ، و النشوز عن المجلس أن يقوم الإنسان عن مجلسه ليجلس فيه غيره إعظاما له و تواضعا لفضله .


و المعنى : و إذا قيل لكم قوموا ليجلس مكانكم من هو أفضل منكم في علم أو تقوى فقوموا .


و قوله : « يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات» لا ريب في أن لازم رفعه تعالى درجة عبد من عباده مزيد قربه منه تعالى ، و هذا قرينة عقلية على أن المراد بهؤلاء الذين أوتوا العلم العلماء من المؤمنين فتدل الآية على انقسام المؤمنين إلى طائفتين : مؤمن و مؤمن عالم ، و المؤمن العالم أفضل و قد قال تعالى : « هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون» : الزمر : 9 .


و يتبين بذلك أن ما ذكر من رفع الدرجات في الآية مخصوص بالذين أوتوا العلم و يبقى لسائر المؤمنين من الرفع الرفع درجة واحدة و يكون التقدير يرفع الله الذين آمنوا منكم درجة و يرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات .


و في الآية من تعظيم أمر العلماء و رفع قدرهم ما لا يخفى .


و أكد الحكم بتذييل الآية


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 189


بقوله : « و الله بما تعملون خبير» .


قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة» إلخ ، أي إذا أردتم أن تناجوا الرسول فتصدقوا قبلها .


و قوله : « ذلك خير لكم و أطهر» تعليل للتشريع نظير قوله : « و أن تصوموا خير لكم» : البقرة : 184 ، و لا شك أن المراد بكونها خيرا لهم و أطهر أنها خير لنفوسهم و أطهر لقلوبهم و لعل الوجه في ذلك أن الأغنياء منهم كانوا يكثرون من مناجاة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يظهرون بذلك نوعا من التقرب إليه و الاختصاص به و كان الفقراء منهم يحزنون بذلك و ينكسر قلوبهم فأمروا أن يتصدقوا بين يدي نجواهم على فقرائهم بما فيها من ارتباط النفوس و إثارة الرحمة و الشفقة و المودة و صلة القلوب بزوال الغيظ و الحنق .


و في قوله : « ذلك» التفات إلى خطاب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بين خطابين للمؤمنين و فيه تجليل لطيف له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حيث إن حكم الصدقة مرتبط بنجواه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الالتفات إليه فيما يرجع إليه من الكلام مزيد عناية به .


و قوله : « فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم» أي فإن لم تجدوا شيئا تتصدقون به فلا يجب عليكم تقديمها و قد رخص الله لكم في نجواه و عفا عنكم إنه غفور رحيم فقوله : « فإن الله غفور رحيم» من وضع السبب موضع المسبب .


و فيه دلالة على رفع الوجوب عن المعدمين كما أنه قرينة على إرادة الوجوب في قوله : « فقدموا» إلخ ، و وجوبه على الموسرين .


قوله تعالى : « أ أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات» إلخ ، الآية ناسخة لحكم الصدقة المذكور في الآية السابقة ، و فيه عتاب شديد لصحابة النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنين حيث إنهم تركوا مناجاته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) خوفا من بذل المال بالصدقة فلم يناجه أحد منهم إلا علي (عليه‏السلام‏) فإنه ناجاه عشر نجوات كلما ناجاه قدم بين يدي نجواه صدقة ثم نزلت الآية و نسخت الحكم .


و الإشفاق الخشية ، و قوله : « أن تقدموا» إلخ ، مفعوله و المعنى : أ خشيتم التصدق و بذل المال للنجوى ، و احتمل أن يكون المفعول محذوفا و التقدير أ خشيتم الفقر لأجل بذل المال .


قال بعضهم : جمع الصدقات لما أن الخوف لم يكن في الحقيقة من تقديم صدقة واحدة


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 190


لأنه ليس مظنة الفقر بل من استمرار الأمر و تقديم صدقات .


و قوله : « فإذ لم تفعلوا و تاب الله عليكم فأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة» إلخ ، أي فإذ لم تفعلوا ما كلفتم به و رجع الله إليكم العفو و المغفرة فأثبتوا على امتثال سائر التكاليف من إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة .


ففي قوله : « و تاب الله عليكم» دلالة على كون ذلك منهم ذنبا و معصية غير أنه تعالى غفر لهم ذلك .


و في كون قوله : « فأقيموا الصلاة» إلخ ، متفرعا على قوله : « فإذ لم تفعلوا» إلخ ، دلالة على نسخ حكم الصدقة قبل النجوى .


و في قوله : « و أطيعوا الله و رسوله» تعميم لحكم الطاعة لسائر التكاليف بإيجاب الطاعة المطلقة ، و في قوله : « و الله خبير بما تعملون» نوع تشديد يتأكد به حكم وجوب طاعة الله و رسوله .


بحث روائي


في المجمع ، : و قرأ حمزة و رويس عن يعقوب « ينتجون» و الباقون « يتناجون» و يشهد لقراءة حمزة قول النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في علي (عليه‏السلام‏) لما قال له بعض أصحابه : أ تناجيه دوننا ؟ ما أنا انتجيته بل الله انتجاه .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و عبد بن حميد و البزار و ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان بسند جيد عن ابن عمر : أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : سام عليك يريدون بذلك شتمه ثم يقولون في أنفسهم : « لو لا يعذبنا الله بما نقول» فنزلت هذه الآية « و إذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله» .


و فيه ، أخرج عبد الرزاق و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن ابن عباس : في هذه الآية قال : كان المنافقون يقولون لرسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : سام عليك فنزلت .


أقول : و هذه الرواية أقرب إلى التصديق من سابقتها لما تقدم في تفسير الآية ، و في رواية القمي في تفسيره أنهم كانوا يحيونه بقولهم : أنعم صباحا و أنعم مساء ، و هو تحية أهل الجاهلية .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 191


و في المجمع ، : في قوله تعالى : « يرفع الله الذين آمنوا منكم - و الذين أوتوا العلم درجات» : و قد ورد أيضا في الحديث أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : فضل العالم على الشهيد درجة ، و فضل الشهيد على العابد درجة ، و فضل النبي على العالم درجة ، و فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه ، و فضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم : رواه جابر بن عبد الله .


أقول : و ذيل الرواية لا يخلو من شي‏ء فإن ظاهر رجوع الضمير في « أدناهم» إلى الناس اعتبار مراتب في الناس فمنهم الأعلى و منهم المتوسط ، و إذا كان فضل العالم على سائر الناس و فيهم الأعلى رتبة كفضل النبي على أدنى الناس كان العالم أفضل من النبي و هو كما ترى .


اللهم إلا أن يكون أدنى بمعنى الأقرب و المراد بأدناهم أقربهم من النبي و هو العالم كما يلوح من قوله : و فضل النبي على العالم درجة ، فيكون المفاد أن فضل العالم على سائر الناس كفضلي على أقربهم مني و هو العالم .


و في الدر المنثور ، أخرج سعيد بن منصور و ابن راهويه و ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و الحاكم و صححه عن علي قال : إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي و لا يعمل بها بعدي آية النجوى « يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول - فقدموا بين يدي نجواكم صدقة» كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلما ناجيت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قدمت بين يدي نجواي درهما ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت « أ أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات» الآية .


و في تفسير القمي ، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن قول الله عز و جل : « إذا ناجيتم الرسول - فقدموا بين يدي نجواكم صدقة» قال : قدم علي بن أبي طالب (عليه‏السلام‏) بين يدي نجواه صدقة ثم نسخها بقوله : « أ أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات» .


أقول : و في هذا المعنى روايات أخر من طرق الفريقين .


أَ لَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِب اللَّهُ عَلَيهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَ لا مِنهُمْ وَ يحْلِفُونَ عَلى الْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏(14) أَعَدَّ اللَّهُ لهَُمْ عَذَاباً شدِيداًإِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ‏(15) اتخَذُوا أَيْمَنهُمْ جُنَّةً فَصدُّوا عَن سبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏(16) لَّن تُغْنىَ عَنهُمْ أَمْوَلهُُمْ وَ لا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شيْئاًأُولَئك أَصحَب النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ‏(17) يَوْمَ يَبْعَثهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يحْلِفُونَ لَكمْوَ يحْسبُونَ أَنهُمْ عَلى شىْ‏ءٍأَلا إِنهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ‏(18) استَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشيْطنُ فَأَنساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِأُولَئك حِزْب الشيْطنِأَلا إِنَّ حِزْب الشيْطنِ هُمُ الخَْسِرُونَ‏(19) إِنَّ الَّذِينَ يحَادُّونَ اللَّهَ وَ رَسولَهُ أُولَئك فى الأَذَلِّينَ‏(20) كتَب اللَّهُ لأَغْلِبنَّ أَنَا وَ رُسلىإِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ(21) لا تجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسولَهُ وَ لَوْ كانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتهُمْأُولَئك كتَب فى قُلُوبهِمُ الايمَنَ وَ أَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُوَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَارَضىَ اللَّهُ عَنهُمْ وَ رَضوا عَنْهُأُولَئك حِزْب اللَّهِأَلا إِنَّ حِزْب اللَّهِ هُمُ المُْفْلِحُونَ‏(22)



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 192


بيان


تذكر الآيات قوما من المنافقين يتولون اليهود و يوادونهم و هم يحادون الله و رسوله و تذمهم على ذلك و تهددهم بالعذاب و الشقوة تهديدا شديدا ، و تقطع بالآخرة أن الإيمان


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 193


بالله و اليوم الآخر يمنع عن موادة من يحاد الله و رسوله كائنا من كان ، و تمدح المؤمنين المتبرئين من أعداء الله و تعدهم إيمانا مستقرا و روحا من الله و جنة و رضوانا .


قوله تعالى : « أ لم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم» إلخ ، القوم المغضوب عليهم هم اليهود ، قال تعالى : « من لعنه الله و غضب عليه و جعل منهم القردة و الخنازير و عبد الطاغوت» : المائدة : 60 .


و قوله : « ما هم منكم و لا منهم» ضمير « هم» للمنافقين و ضمير « منهم» لليهود ، و المعنى : أن هؤلاء المنافقين لتذبذبهم بين الكفر و الإيمان ليسوا منكم و لا من اليهود ، قال تعالى : « مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء» : النساء : 143 .


و هذه صفتهم بحسب ظاهر حالهم و أما بحسب الحقيقة فهم ملحقون بمن تولوهم ، قال تعالى : « و من يتولهم منكم فإنه منهم» : المائدة : 51 ، فلا منافاة بين قوله : « ما هم منكم و لا منهم» و قوله : « فإنه منهم» .


و احتمل بعضهم أن ضمير « هم» للقوم و هم اليهود و ضمير « منهم» للموصول و هم المنافقون ، و المعنى : تولوا اليهود الذين ليسوا منكم و أنتم مؤمنون و لا من هؤلاء المنافقين أنفسهم بل أجنبيون برآء من الطائفتين ، و فيه نوع من الذم ، و هو بعيد .


و قوله : « و يحلفون على الكذب و هم يعلمون» أي يحلفون لكم على الكذب أنهم منكم مؤمنون أمثالكم و هم يعلمون أنهم كاذبون في حلفهم .


قوله تعالى : « أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون» الإعداد التهيئة ، و قوله : « إنهم ساء» إلخ ، تعليل للإعداد ، و في قوله : « كانوا يعملون » دلالة على أنهم كانوا مستمرين في عملهم مداومين عليه .


و المعنى : هيأ الله لهم عذابا شديدا لاستمرارهم على عملهم السيى‏ء .


قوله تعالى : « اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين» الأيمان جمع يمين و هو الحلف ، و الجنة السترة التي يتقى بها الشر كالترس ، و المهين اسم فاعل من الإهانة بمعنى الإذلال و الإخزاء .


و المعنى : اتخذوا أيمانهم سترة يدفعون بها عن نفوسهم التهمة و الظنة كلما ظهر منهم أمر يريب المؤمنين فصرفوا أنفسهم و غيرهم عن سبيل الله و هو الإسلام فلهم - لأجل ذلك -


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 194


عذاب مذل مخز .


قوله تعالى : « لن تغني عنهم أموالهم و لا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» أي إن الذي دعاهم إلى ما هم عليه متاع الحياة الدنيا الذي هو الأموال و الأولاد لكنهم في حاجة إلى التخلص من عذاب خالد لا يقضيها لهم إلا الله سبحانه فهم في فقر إليه لا يغنيهم عنه أموالهم و لا أولادهم شيئا فليؤمنوا به و ليعبدوه .


قوله تعالى : « يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم و يحسبون أنهم على شي‏ء» إلخ ، ظرف لما تقدم من قوله : « أعد الله لهم عذابا شديدا» أو لقوله : « أولئك أصحاب النار» و قوله : « فيحلفون له كما يحلفون لكم» أي يحلفون لله يوم البعث كما يحلفون لكم في الدنيا .


و قد قدمنافي تفسير قوله تعالى : « ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا و الله ربنا ما كنا مشركين» : الأنعام : 23 أن حلفهم على الكذب يوم القيامة مع ظهور حقائق الأمور يومئذ من ظهور ملكاتهم هناك لرسوخها في نفوسهم في الدنيا فقد اعتادوا فيها على إظهار الباطل على الحق بالأيمان الكاذبة و كما يعيشون يموتون و كما يموتون يبعثون .


و من هذا القبيل سؤالهم الرد إلى الدنيا يومئذ ، و الخروج من النار و خصامهم في النار و غير ذلك مما يقصه القرآن الكريم ، و هم يشاهدون مشاهدة عيان أن لا سبيل إلى شي‏ء من ذلك و اليوم يوم جزاء لا يوم عمل .


وأما قوله : « و يحسبون أنهم على شي‏ء» أي مستقرون على شي‏ء يصلح أن يستقر عليه و يتمكن فيه فيمكنهم الستر على الحق و المنع عن ظهور كذبهم بمثل الإنكار و الحلف الكاذب .


فيمكن أن يكون قيدا لقوله : « كما يحلفون لكم» فيكون إشارة إلى وصفهم في الدنيا و أنهم يحسبون أن حلفهم لكم ينفعهم و يرضيكم ، و يكون قوله : « ألا إنهم هم الكاذبون» قضاء منه تعالى في حقهم بأنهم كاذبون فلا يصغى إلى ما يهذون به و لا يعتنى بما يحلفون به .


و يمكن أن يكون قيدا لقوله : « فيحلفون له» فيكون من قبيل ظهور الملكات يومئذ كما تقدم في معنى حلفهم آنفا ، و يكون قوله : « ألا إنهم هم الكاذبون» حكما منه تعالى بكذبهم يوم القيامة أو مطلقا .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 195


قوله تعالى : « استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون» الاستحواذ الاستيلاء و الغلبة ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين» تعليل لكونهم هم الخاسرين أي إنما كانوا خاسرين لأنهم يحادون الله و رسوله بالمخالفة و المعاندة و المحادون لله و رسوله في جملة الأذلين من خلق الله تعالى .


قيل : إنما كانوا في الأذلين لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر و إذ كانت العزة لله جميعا فلا يبقى لمن حاده إلا الذلة محضا .


قوله تعالى : « كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز» الكتابة هي القضاء منه تعالى .


و ظاهر إطلاق الغلبة شمولها للغلبة من حيث الحجة و من حيث التأييد الغيبي و من حيث طبيعة الإيمان بالله و رسوله .


أما من حيث الحجة فإن الإنسان مفطور على صلاحية إدراك الحق و الخضوع له فلو بين له الحق من السبيل التي يألفها لم يلبث دون أن يعقله و إذا عقله اعترفت له فطرته و خضعت له طويتهو إن لم يخضع له عملا اتباعا لهوى أو أي مانع يمنعه عن ذلك .


و أما الغلبة من حيث التأييد الغيبي و القضاء للحق على الباطل فيكفي فيها أنواع العذاب التي أنزلها الله تعالى على مكذبي الأمم الماضين كقوم نوح و هود و صالح و لوط و شعيب و على آل فرعون و غيرهم ممن يشير تعالى إليهم بقوله : « ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا و جعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون » : المؤمنون : 44 ، و على ذلك جرت السنة الإلهية و قد أجمل ذكرها في قوله : « و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط و هم لا يظلمون : يونس : 47 .


و أما الغلبة من حيث طبيعة الإيمان بالله و رسوله فإن إيمان المؤمن يدعوه إلى الدفاع و الذب عن الحق و المقاومة تجاه الباطل مطلقا و هو يرى أنه إن قتل فاز و إن قتل فاز فثباته على الدفاع غير مقيد بقيد و لا محدود بحد و هذا بخلاف من يدافع لا عن الحق بما هو حق بل عن شي‏ء من المقاصد الدنيوية فإنه إنما يدافع لأجل نفسه فلو شاهد نفسه مشرفة على هلكة أو راكبة مخاطرة تولى منهزما فهو إنما يدافع على شرط و إلى حد و هو سلامة النفس و عدم الإشراف على الهلكة و من الضروري أن العزيمة المطلقة تغلب العزيمة المقيدة


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 196


بقيد المحدودة بحد و من الشاهد عليه غزوات رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بما أدت إليه من الفتح و الظفر في عين أنها كانت سجالا لكن لم تنته إلا إلى تقدم المسلمين و غلبتهم .


و لم تقف الفتوحات الإسلامية و لا تفرقت جموع المسلمين أيادي سبإ إلا بفساد نياتهم و تبديل سيرة التقوى و الإخلاص لله و بسط الدين الحق من بسط السلطة و توسعة المملكة « ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» 1 و قد اشترط الله عليهم حين أكمل دينهم و أمنهم من عدوهم أن يخشوه إذ قال : « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم و اخشون» .


و يكفي في تسجيل هذه الغلبة قوله تعالى فيما يخاطب المؤمنين : « و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين» : آل عمران : 139 .


قوله تعالى : « لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم» إلخ ، نفي وجدان قوم على هذه الصفة كناية عن أن الإيمان الصادق بالله و اليوم الآخر لا يجامع موادة أهل المحادة و المعاندة من الكفار و لو قارن أي سبب من أسباب المودة كالأبوة و البنوة و الأخوة و سائر أقسام القرابة فبين الإيمان و موادة أهل المحادة تضاد لا يجتمعان لذلك .


و قد بان أن قوله : « و لو كانوا آباءهم» إلخ ، إشارة إلى أسباب المودة مطلقا و قد خصت مودة النسب بالذكر لكونه أقوى أسباب المودة من حيث ثباته و عدم تغيره .


و قوله : « أولئك كتب في قلوبهم الإيمان» الإشارة إلى القوم بما ذكر لهم من الصفة ، و الكتابة الإثبات بحيث لا يتغير و لا يزول و الضمير لله و فيه نص على أنهم مؤمنون حقا .


و قوله : « و أيدهم بروح منه» التأييد التقوية ، و ضمير الفاعل في « أيدهم»لله تعالى و كذا ضمير منه و من ابتدائية ، و المعنى : و قواهم الله بروح من عنده تعالى ، و قيل : الضمير للإيمان ، و المعنى : و قواهم الله بروح من جنس الإيمان يحيي بها قلوبهم ، و لا بأس به .


و قيل : المراد بالروح جبرائيل ، و قيل : القرآن ، و قيل : المراد بها الحجة و البرهان ، و هذه وجوه ضعيفة لا شاهد لها من جهة اللفظ .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 197


ثم الروح - على ما يتبادر من معناها - هي مبدأ الحياة التي تترشح منها القدرة و الشعور فإبقاء قوله : « و أيدهم بروح منه» على ظاهره يفيد أن للمؤمنين وراء الروح البشرية التي يشترك فيها المؤمن و الكافر روحا أخرى تفيض عليهم حياة أخرى و تصاحبها قدرة و شعور جديدان ، و إلى ذلك يشير قوله تعالى : « أ و من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها» : الأنعام : 122 ، و قوله : « من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة» : النحل : 97 .


و ما في الآية من طيب الحياة يلازم طيب أثرها و هو القدرة و الشعور المتفرع عليهما الأعمال الصالحة ، و هما المعبر عنهما في آية الأنعام المذكورة آنفا بالنور و نظيرها قوله : « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به» : الحديد : 28 .


و هذه حياة خاصة كريمة لها آثار خاصة ملازمة لسعادة الإنسان الأبدية وراء الحياة المشتركة بين المؤمن و الكافر التي لها آثار مشتركة فلها مبدأ خاص و هو روح الإيمان التي تذكرها الآية وراء الروح المشتركة بين المؤمن و الكافر .


و على هذا فلا موجب لما ذكروا أن المراد بالروح نور القلب و هو نور العلم الذي يحصل به الطمأنينة و أن تسميته روحا مجاز مرسل لأنه سبب للحياة الطيبة الأبدية أو من الاستعارة لأنه في ملازمته وجوه العلم الفائض على القلب - و العلم حياة القلب كما أن الجهل موته - يشبه الروح المفيض للحياة .


انتهى .


و قوله : « و يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها» وعد جميل و وصف لحياتهم الآخرة الطيبة .


و قوله : « رضي الله عنهم و رضوا عنه» استئناف يعلل قوله : « و يدخلهم جنات» إلخ ، و رضا الله سبحانه عنهم رحمته لهم لإخلاصهم الإيمان له و رضاهم عنه و ابتهاجهم بما رزقهم من الحياة الطيبة و الجنة .


و قوله : « أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون» تشريف لهؤلاء المخلصين في إيمانهم بأنهمحزبه تعالى كما أن أولئك المنافقين الموالين لأعداء الله حزب الشيطان و هؤلاء مفلحون كما أن أولئك خاسرون .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 198


و في قوله : « ألا إن حزب الله» وضع الظاهر موضع الضمير ليجري الكلام مجرى المثل السائر .


بحث روائي


في المجمع ، : في قوله تعالى : « كتب الله لأغلبن أنا و رسلي» روي أن المسلمين قالوا لما رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى : ليفتحن الله علينا الروم و فارس فقال المنافقون : أ تظنون أن فارس و الروم كبعض القرى التي غلبتم عليها ؟ فأنزل الله هذه الآية .


أقول : الظاهر أنه من قبيل تطبيق الآية على القصة و نظائره كثيرة ، و لذا ورد : في قوله تعالى : « لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر» إنه نزل في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر ، و في بعضها : أنه نزل في أبي بكر سب النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فصكه أبو بكر صكة سقط على الأرض فنزلت الآية . و في عبد الرحمن بن ثابت بن قيس بن الشماس استأذن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن يزور خاله من المشركين فأذن له فلما قدم قرأ عليه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و من حوله من المسلمين الآية .


و هذه روايات لا يلائمها ما في الآيات من الاتصال الظاهر .


و في الدر المنثور ، أخرج الطيالسي و ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أوثق عرى الإيمان الحب في الله و البغض في الله .


و في الكافي ، بإسناده إلى أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : ما من مؤمن إلا و لقلبه أذنان في جوفه : أذن ينفث فيها الوسواس الخناس و أذن ينفث فيها الملك فيؤيد الله المؤمن بالملك فذلك قوله : « و أيدهم بروح منه» .


أقول : ليس معناه تفسير الروح بالملك بل الملك يصاحب الروح و يعمل به ، قال تعالى : « ينزل الملائكة بالروح من أمره» : النحل : 2 .


و فيه ، بإسناده إلى ابن بكير قال : قلت لأبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قول رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إذا زنا الرجل فارقه روح الإيمان . قال : هو قوله : « و أيدهم بروح منه» ذلك الذي يفارقه .


و فيه ، بإسناده إلى محمد بن سنان عن أبي خديجة قال : دخلت على أبي الحسن (عليه‏السلام‏) فقال لي : إن الله تبارك و تعالى أيد المؤمن بروح تحضره في كل وقت يحسن فيه و يتقي


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 199


و تغيب عنه في كل وقت يذنب فيه و يعتدي فهي معه تهتز سرورا عند إحسانه و تسيخ في الثرى عند إساءته ، فتعاهدوا عباد الله نعمه بإصلاحكم أنفسكم تزدادوا يقينا و تربحوا نفيسا ثمينا ، رحم الله امرءا هم بخير فعمله أو هم بشر فارتدع عنه . ثم قال : نحن نؤيد الروح بالطاعة لله و العمل له .


أقول : قد تبين مما تقدم في ذيل الآية أن هذه الروح من مراتب الروح الإنساني ينالها المؤمن عند ما يستكمل الإيمان فليست مفارقة له كما أن الروح النباتية و الحيوانية و الإنسانية المشتركة بين المؤمن و الكافر من مراتب روحه غير مفارقة له غير أنها تبتدى‏ء هيئة حسنة في النفس ربما زالت لعروض هيئة سيئة تضادها ثم ترجع إذا زالت الموانع المضادة حتى إذا استقرت و رسخت و تصورت النفس بها ثبتت و لم تتغير .


و بذلك يظهر أن المراد بقوله (عليه‏السلام‏) : بروح تحضره ، و قوله : فهي معه ، حضور صورتها حضور الهيأة العارضة القابلة للزوال ، و بقوله : تسيخ في الثرى زوال الهيأة على طريق الاستعارة ، و كذا قوله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في الرواية السابقة : فارقه روح الإيمان

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :