امروز:
شنبه 1 مهر 1396
بازدید :
659
تفسيرالميزان : سوره قلم آيات 52- 1


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 366


68-سورة القلم مكية و هي اثنتان و خمسون آية 52



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 367


سورة القلم‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ نوَ الْقَلَمِ وَ مَا يَسطرُونَ‏(1) مَا أَنت بِنِعْمَةِ رَبِّك بِمَجْنُونٍ‏(2) وَ إِنَّ لَك لأَجْراً غَيرَ مَمْنُونٍ‏(3) وَ إِنَّك لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏(4) فَستُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ‏(5) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ‏(6) إِنَّ رَبَّك هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضلَّ عَن سبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏(7) فَلا تُطِع الْمُكَذِّبِينَ‏(8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ‏(9) وَ لا تُطِعْ كلَّ حَلافٍ مَّهِينٍ‏(10) هَمَّازٍ مَّشاءِ بِنَمِيمٍ‏(11) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ‏(12) عُتُلّ‏ِ بَعْدَ ذَلِك زَنِيمٍ‏(13) أَن كانَ ذَا مَالٍ وَ بَنِينَ‏(14) إِذَا تُتْلى عَلَيْهِ ءَايَتُنَا قَالَ أَسطِيرُ الأَوَّلِينَ‏(15) سنَسِمُهُ عَلى الخُْرْطومِ‏(16) إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصحَب الجَْنَّةِ إِذْ أَقْسمُوا لَيَصرِمُنهَا مُصبِحِينَ‏(17) وَ لا يَستَثْنُونَ‏(18) فَطاف عَلَيهَا طائفٌ مِّن رَّبِّك وَ هُمْ نَائمُونَ‏(19) فَأَصبَحَت كالصرِيمِ‏(20) فَتَنَادَوْا مُصبِحِينَ‏(21) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكمْ إِن كُنتُمْ صرِمِينَ‏(22) فَانطلَقُوا وَ هُمْ يَتَخَفَتُونَ‏(23) أَن لا يَدْخُلَنهَا الْيَوْمَ عَلَيْكم مِّسكِينٌ‏(24) وَ غَدَوْا عَلى حَرْدٍ قَدِرِينَ‏(25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضالُّونَ‏(26) بَلْ نحْنُ محْرُومُونَ‏(27) قَالَ أَوْسطهُمْ أَ لَمْ أَقُل لَّكمْ لَوْ لا تُسبِّحُونَ‏(28) قَالُوا سبْحَنَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظلِمِينَ‏(29) فَأَقْبَلَ بَعْضهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلَوَمُونَ‏(30) قَالُوا يَوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طغِينَ‏(31) عَسى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيراً مِّنهَا إِنَّا إِلى رَبِّنَا رَغِبُونَ‏(32) كَذَلِك الْعَذَابوَ لَعَذَاب الاَخِرَةِ أَكْبرُلَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏(33)


بيان


السورة تعزى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إثر ما رماه المشركون بالجنون و تطيب نفسه بالوعد الجميل و الشكر على خلقه العظيم و تنهاه نهيا بالغا عن طاعتهم و مداهنتهم ، و تأمره أمرا أكيدا بالصبر لحكم ربه .


و سياق آياتها على الجملة سياق مكي ، و نقل عن ابن عباس و قتادة أن صدرها إلى قوله : سنسمه على الخرطوم - ست عشرة آية - مكي ، و ما بعده إلى قوله : « لو كانوا يعلمون - سبع عشرة آية - مدني ، و ما بعده إلى قوله : « يكتبون - خمس عشرة آية - مكي ، و ما بعده إلى آخر السورة - أربع آيات مدني .


و لا يخلو من وجه بالنسبة إلى الآيات السبع عشرة « إنا بلوناهم - إلى قوله - لو كانوا يعلمون» فإنها أشبه بالمدنية منها بالمكية .


قوله تعالى : « ن» تقدم الكلام في الحروف المقطعة التي في أوائل السور في تفسير سورة الشورى .


قوله تعالى : « و القلم و ما يسطرون» القلم معروف ، و السطر بالفتح فالسكون و ربما يستعمل بفتحتين - كما في المفردات - الصف من الكتابة ، و من الشجر المغروس و من القوم الوقوف و سطر فلان كذا كتب سطرا سطرا .


أقسم سبحانه بالقلم و ما يسطرون به و ظاهر السياق أن المراد بذلك مطلق القلم


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 368


و مطلق ما يسطرون به و هو المكتوب فإن القلم و ما يسطر به من الكتابة من أعظم النعم الإلهية التي اهتدى إليها الإنسان يتلو الكلام في ضبط الحوادث الغائبة عن الأنظار و المعاني المستكنة في الضمائر ، و به يتيسر للإنسان أن يستحضر كل ما ضرب مرور الزمان أو بعد المكان دونه حجابا .


و قد امتن الله سبحانه على الإنسان بهدايته إليهما و تعليمهما له فقال في الكلام « خلق الإنسان علمه البيان» : الرحمن : 4 و قال في القلم : « علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم : العلق : 5 .


فإقسامه تعالى بالقلم و ما يسطرون إقسام بالنعمة ، و قد أقسم تعالى في كلامه بكثير من خلقه بما أنه رحمة و نعمة كالسماء و الأرض و الشمس و القمر و الليل و النهار إلى غير ذلك حتى التين و الزيتون .


و قيل : « ما» في قوله : « و ما يسطرون» مصدرية و المراد به الكتابة .


و قيل : المراد بالقلم القلم الأعلى الذي في الحديث أنه أول ما خلق الله و بما يسطرون ما يسطره الحفظة و الكرام الكاتبون و احتمل أيضا أن يكون الجمع في « يسطرون» للتعظيم لا للتكثير و هو كما ترى ، و احتمل أن يكون المراد ما يسطرون فيه و هو اللوح المحفوظ و احتمل أن يكون المراد بالقلم و ما يسطرون أصحاب القلم و مسطوراتهم و هي احتمالات واهية .


قوله تعالى : « ما أنت بنعمة ربكبمجنون» مقسم عليه و الخطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و الباء في « بنعمة» للسببية أو المصاحبة أي ما أنت بمجنون بسبب النعمة - أو مع النعمة - التي أنعمها عليك ربك .


و السياق يؤيد أن المراد بهذه النعمة النبوة فإن دليل النبوة يدفع عن النبي كل اختلال عقلي حتى تستقيم الهداية الإلهية اللازمة في نظام الحياة الإنسانية ، و الآية ترد ما رموه به من الجنون كما يحكي عنهم في آخر السورة « و يقولون إنه لمجنون» .


و قيل : المراد بالنعمة فصاحته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و عقله الكامل و سيرته المرضية و براءتهمن كل عيب و اتصافه بكل مكرمة فظهور هذه الصفات فيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ينافي حصول الجنون فيه و ما قدمناه أقطع حجة و الآية و ما يتلوها كما ترى تعزية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تطييب لنفسه الشريفة و تأييد له كما أن فيها تكذيبا لقولهم .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 369


قوله تعالى : « و إن لك لأجرا غير ممنون» الممنون من المن بمعنى القطع يقال : منه لسير منا إذا قطعه و أضعفه لا من المنة بمعنى تثقيل النعمة قولا .


و المراد بالأجر أجر الرسالة عند الله سبحانه ، و فيه تطييب لنفس النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و أن له على تحمل رسالة الله أجرا غير مقطوع و ليس يذهب سدى .


و ربما أخذ المن بمعنى ذكر المنعم إنعامه على المنعم عليه بحيث يثقل عليه و يكدر عيشه بتقريب أن ما يعطيه الله أجر في مقابل عمله فهو يستحقه عليه تعالى فلا منه عليه و هو غير سديد فإن كل عامل مملوك لله سبحانه بحقيقة معنى الملك بذاته و صفاته و أعماله فما يعطيه العبد من ذلك فهو موهبة و عطية و ما يملكه العبد من ذلك فإنما يملكه بتمليك الله و هو المالك لما ملكه من قبل و من بعد فهو تفضل منه تعالى و لئن سمى ما يعطيه بإزاء العمل أجرا و سمى ما بينه و بين عبده من مبادلة العمل و الأجر معاملة فذلك تفضل آخر فلله سبحانه المنة على جميع خلقه و الرسول و من دونه فيه سواء .


قوله تعالى : « و إنك لعلى خلق عظيم» الخلق هو الملكة النفسانية التي تصدر عنها الأفعال بسهولة و ينقسم إلى الفضيلة و هي الممدوحة كالعفة و الشجاعة ، و الرذيلة و هي المذمومة كالشره و الجبن لكنه إذا أطلق فهم منه الخلق الحسن .


قال الراغب : و الخلق - بفتح الخاء - و الخلق - بضم الخاء - في الأصل واحد كالشرب و الشرب و الصرم و الصرم لكن خص الخلق - بالفتح - بالهيئات و الأشكال و الصور المدركة بالبصر ، و خص الخلق - بالضم - بالقوى و السجايا المدركة بالبصيرة قال تعالى : « و إنك لعلى خلق عظيم» انتهى .


و الآية و إن كانت في نفسها تمدح حسن خلقه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تعظمه غير أنها بالنظر إلى خصوص السياق ناظرة إلى أخلاقه الجميلة الاجتماعية المتعلقة بالمعاشرة كالثبات على الحق و الصبر على أذى الناس و جفاء أجلافهم و العفو و الإغماض و سعة البذل و الرفق و المداراة و التواضع و غير ذلك ، و قد أوردنا في آخر الجزء السادس من الكتاب ما روي في جوامع أخلاقه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و مماتقدم يظهر أن ما قيل : إن المراد بالخلق الدين و هو الإسلام غير مستقيم إلا بالرجوع إلى ما تقدم .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 370


قوله تعالى : « فستبصر و يبصرون بأيكم المفتون» تقريع على محصل ما تقدم أي فإذا لم تكن مجنونا بل متلبسا بالنبوة و متخلقا بالخلق و لك عظيم الأجر من ربك فسيظهر أمر دعوتك و ينكشف على الأبصار و البصائر من المفتون بالجنون أنت أو المكذبون الرامون لك بالجنون .


و قيل : المراد ظهور عاقبة أمر الدعوة له و لهم في الدنيا أو في الآخرة ؟ الآية تقبل الحمل على كل منها .


و لكل قائل، و لا مانع من الجمع فإن الله تعالى أظهر نبيه عليهم و دينه على دينهم ، و رفع ذكره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و محا أثرهم في الدنيا و سيذوقون وبال أمرهم غدا و يعلمون أن الله هو الحق المبين يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون .


و قوله : « بأيكم المفتون» الباء زائدة للصلة ، و المفتون اسم مفعول من الفتنة بمعنى الابتلاء يريد به المبتلى بالجنون و فقدان العقل ، و المعنى : فستبصر و يبصرون أيكم المفتون المبتلى بالجنون ؟ أنت أم هم ؟ .


و قيل : المفتون مصدر على زنة مفعول كمعقول و ميسورو معسور في قولهم : ليس له معقول ، و خذ ميسوره ، و دع معسوره ، و الباء في « بأيكم» بمعنى في و المعنى : فستبصر و يبصرون في أي الفريقين الفتنة .


قوله تعالى : « إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين» لما أفيد بما تقدم من القول إن هناك ضلالا و اهتداء ، و أشير إلى أن الرامين للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالجنون هم المفتونون الضالون و سيظهر أمرهم و أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مهتد و كان ذلك ببيان من الله سبحانه أكد ذلك بأن الله أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين لأن السبيل سبيله و هو أعلم بمن هو في سبيله و من ليس فيه و إليه أمر الهداية .


قوله تعالى : « فلا تطع المكذبين» تفريع على المحصل من معنى الآيات السابقة و في المكذبين معنى العهد و المراد بالطاعة مطلق الموافقة عملا أو قولا ، و المعنى : فإذا كان هؤلاء المكذبون لك مفتونين ضالين فلا تطعهم .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 371


قوله تعالى : « ودوا لو تدهن فيدهنون» الإدهان من الدهن يراد به التليين أي ود و أحب هؤلاء المكذبون أن تلينهم بالاقتراب منهم في دينك فيلينوك بالاقتراب منك في دينهم ، و محصله أنهم ودوا أن تصالحهم و يصالحوك على أن يتسامح كل منكم بعض المسامحة في دين الآخر كما قيل : إنهم عرضوا عليه أن يكف عن ذكر آلهتهم فيكفوا عنه و عن ربه .


و بما تقدم ظهر أن متعلق مودتهم مجموع « لو تدهن فيدهنون» و أن الفاء في « فيدهنون» للتفريع لا للسببية .


قوله تعالى : « و لا تطع كل حلاف مهين - إلى قوله - زنيم» الحلاف كثير الحلف ، و لازم كثرة الحلف و الإقسام في كل يسير و خطير و حق و باطل أن لا يحترم الحالف شيئا مما يقسم به ، و إذا كان حلفه بالله فهو لا يستشعر عظمة الله عز اسمه و كفى به رذيلة .


و المهين من المهانة بمعنى الحقارة و المراد به حقارة الرأي ، و قيل : هو المكثار في الشر ، و قيل : هو الكذاب .


و الهماز مبالغة من الهمز و المراد به العياب و الطعان ، و قيل : الطعان بالعين و الإشارة و قيل : كثير الاغتياب .


و المشاء بنميم النميم : السعاية و الإفساد ، و المشاء به هو نقال الحديث من قوم إلى قوم على وجه الإفساد بينهم .


و المناع للخير كثير المنع لفعل الخير أو للخير الذي ينال أهله .


و المعتدي من الاعتداء و هو المجاوزة للحد ظلما .


و الأثيم هو الذي كثر إثمه حتى استقر فيه من غير زوال و الإثم هو العمل السيى‏ء الذي يبطي‏ء الخير .


و العتل بضمتين هو الفظ الغليظ الطبع ، و فسر بالفاحش السيى‏ء الخلق ، و بالجافي الشديد الخصومة بالباطل ، و بالأكول المنوع للغير ، و بالذي يعتل الناس و يجرهم إلى حبس أو عذاب .


و الزنيم هو الذي لا أصل له ، و قيل : هو الدعي الملحق بقوم و ليس منهم ، و قيل : هو المعروف باللؤم ، و قيل : هو الذي له علامة في الشر يعرف بها و إذا ذكر الشر سبق هو إلى الذهن ، و المعاني متقاربة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 372


فهذه صفات تسع رذيلة وصف الله بها بعض أعداء الدين ممن كان يدعو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إلى الطاعة و المداهنة ، و هي جماع الرذائل .


و قوله : « عتل بعد ذلك زنيم» معناه أنه بعد ما ذكر من مثالبه و رذائله عتل زنيم قيل : و فيه دلالة على أن هاتين الرذيلتين أشد معايبه .


و الظاهر أن فيه إشارة إلى أن له خبائث من الصفات لا ينبغي معها أن يطاع في أمر الحق و لو أغمض عن تلك الصفات فإنه فظ خشن الطبع لا أصل له لا ينبغي أن يعبأ بمثله في مجتمع بشري فليطرد و لا يطع في قول و لا يتبع في فعل .


قوله تعالى : « أن كان ذا مال و بنين» الظاهر أنه بتقدير لام التعليل و هو متعلق بفعل محصل من مجموع الصفات الرذيلة المذكورة أي هو يفعل كذا و كذا لأن كان ذا مال و بنين فبطر بذلك و كفر بنعمة الله و تلبس بكل رذيلة خبيثة بدل أن يشكر الله على نعمته و يصلح نفسه ، فالآية في إفادة الذم و التهكم تجري مجرى قوله : « أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك» .


و قيل : إنه متعلق بقوله السابق « لا تطع» ، و المعنى : لا تطعه لكونه ذا مال و بنين أي لا يحملك كونه ذا مال و بنين على طاعته ، و المعنى المتقدم أقرب و أوسع .


قيل : و لا يجوز تعلقه بقوله : « قال» في الشرطية التالية لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله عند النحاة .


قوله تعالى : « إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين» الأساطير جمع أسطورة و هي القصة الخرافية ، و الآية تجري مجرى التعليل لقوله السابق : « لا تطع» .


قوله تعالى : « سنسمه على الخرطوم» الوسم و السمة وضع العلامة ، و الخرطوم الأنف ، و قيل : إن في إطلاق الخرطوم على أنفه و إنما يطلق في الفيل و الخنزير تهكما ، و في الآية وعيد على عداوته الشديدة لله و رسوله و ما نزله على رسوله .


و الظاهر أن الوسم على الأنف أريد به نهاية إذلاله بذلة ظاهرة يعرفه بها كل من رآه فإن الأنف مما يظهر فيه العزة و الذلة كما يقال : شمخ فلان بأنفه و حمي فلان أنفه و أرغمت أنفه و جدع أنفه .


و الظاهر أن الوسم على الخرطوم مما سيقع يوم القيامة لا في الدنيا و إن تكلف بعضهم في توجيه حمله على فضاحته في الدنيا .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 373


قوله تعالى : « إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة - إلى قوله - كالصريم البلاء الاختبار و إصابة المصيبة ، و الصرم قطع الثمار من الأشجار ، و الاستثناء عزل البعض من حكم الكل و أيضا الاستثناء قول إن شاء الله عند القطع بقول و ذلك أن الأصل فيه الاستثناء فالأصل في قولك : أخرج غدا إن شاء الله هو أخرج غدا إلا أن يشاء الله أن لا أخرج ، و الطائف العذاب الذي يأتي بالليل ، و الصريم الشجر المقطوع ثمره ، و قيل : الليل الأسود ، و قيل : الرمل المقطوع من سائر الرمل و هو لا ينبت شيئا و لا يفيد فائدة .


الآيات أعني قوله : « إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة» إلى تمام سبع عشرة آية وعيد لمكذبي النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الرامين له بالجنون ، و في التشبيه و التنظير دلالة على أن هؤلاء المكذبين معذبون لا محالة و العذاب الواقع عليهم قائم على ساقه ، غير أنهم غافلون و سيعلمون ، فهم مولعون اليوم بجمع المال و تكثير البنين مستكبرون بها معتمدون عليها و على سائر الأسباب الظاهرية التي توافقهم و تشايع أهواءهم من غير أن يشكروا ربهم على هذه النعم و يسلكوا سبيل الحق و يعبدوا ربهم حتى يأتيهم الأجل و يفاجئهم عذاب الآخرة أو عذاب دنيوي من عنده كما فاجأهم يوم بدر فيروا انقطاع الأسباب عنهم و أن المال و البنين سدى لا ينفعهم شيئا كما شاهد نظير ذلك أصحاب الجنة من جنتهم و سيندمون على صنيعهم و يرغبون إلى ربهم و لا يرد ذلك عذاب الله كما ندم أصحاب الجنة و تلاوموا و رغبوا إلى ربهم فلم ينفعهم ذلك شيئا كذلك العذاب و لعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ، هذا على تقدير اتصال الآيات بما قبلها و نزولها معها .


و أما على ما رووا أن الآيات نزلت في القحط و السنة الذي أصاب أهل مكة و قريشا إثر دعاء النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عليهم بقوله : اللهم اشدد وطأتك على مضر و اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ، فالمراد بالبلاء إصابتهم بالقحط و تناظر قصتهم قصة أصحاب الجنة غير أن في انطباق ما في آخر قصتهم من قوله : « فأقبل بعضهم على بعض» إلخ ، على قصة أهل مكة خفاء .


و كيف كان فالمعنى : « إنا بلوناهم» أصبناهم بالبلية « كما بلونا» و أصبنا بالبلية « أصحاب الجنة» و كانوا قوما من اليمن و جنتهم فيها و سيأتي إن شاء الله قصتهم في البحث الروائي الآتي « إذ» ظرف لبلونا « أقسموا» و حلفوا « ليصرمنها» أي ليقطعن و يقطفن ثمار جنتهم « مصبحين» داخلين في الصباح و كأنهم ائتمروا و تشاوروا ليلا فعزموا على


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 374


الصرم صبيحة ليلتهم « و لا يستثنون» لم يقولوا إلا أن يشاء الله اعتمادا على أنفسهم و اتكاء على ظاهر الأسباب .


أو المعنى : قالوا و هم لا يعزلون نصيبا من ثمارهم للفقراء و المساكين .


«فطاف عليها» على الجنة « طائف»أي بلاء يطوف عليها و يحيط بها ليلا « من» ناحية « ربك ، فأصبحت» و صارت الجنة « كالصريم» و هو الشجر المقطوع ثمره أو المعنى : فصارت الجنة كالليل الأسود لما اسودت بإحراق النار التي أرسلها الله إليها أو المعنى : فصارت الجنة كالقطعة من الرمل لا نبات بها و لا فائدة .


قوله تعالى : « فتنادوا مصبحين - إلى قوله - قادرين» التنادي نداء بعض القوم بعضا ، و الإصباح الدخول في الصباح ، و صارمين من الصرم بمعنى قطع الثمار من الشجرة ، و المراد به في الآية القاصدون لقطع الثمار ، و الحرث الزرع و الشجر ، و الخفت الإخفاء والكتمان ، و الحرد المنع و قادرين من القدر بمعنى التقدير .


و المعنى : « فتنادوا» أي فنادى بعض القوم بعضا « مصبحين» أي و الحال أنهم داخلون في الصباح « أن اغدوا على حرثكم» تفسير للتنادي أي بكروا مقبلين على جنتكم - فاغدوا أمر بمعنى بكروا مضمن معنى أقبلوا و لذا عدي بعلى و لو كان غير مضمن عدي بإلى كما في الكشاف - « إن كنتم صارمين» أي قاصدين عازمين على الصرم و القطع .


«فانطلقوا» و ذهبوا إلى جنتهم « و هم يتخافتون» أي و الحال أنهم يأتمرون فيما بينهم بطريق المخافتة و المكاتمة « أن لا يدخلنها» أي الجنة « اليوم عليكم مسكين» أي أخفوا ورودكم الجنة للصرم من المساكين حتى لا يدخلوا عليكم فيحملكم ذلك على عزل نصيب من الثمر المصروم لهم « و غدوا» و بكروا إلى الجنة « على حرد» أي على منع للمساكين « قادرين» مقدرين في أنفسهم أنهم سيصرمونها و لا يساهمون المساكين بشي‏ء منها .


قوله تعالى : « فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون» أي فلما رأوا الجنة و شاهدوها و قد أصبحت كالصريم بطواف طائف من عند الله قالوا : إنا لضالون عن الصواب في غدونا إليها بقصد الصرم و منع المساكين .


و قيل : المراد إنا لضالون طريق جنتنا و ما هي بها .


و قوله : « بل نحن محرومون» إضراب عن سابقه أي ليس مجرد الضلال عن الصواب بل حرمنا الزرع .


قوله تعالى : « قال أوسطهم أ لم أقل لكم لو لا تسبحون - إلى قوله - راغبون» أي


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 375


«قال أوسطهم» أي أعدلهم طريقا و ذلك أنه ذكرهم بالحق و إن تبعهم في العمل و قيل : المراد أوسطهم سنا و ليس بشي‏ء « أ لم أقل لكم» و قد كان قال لهم ذلك و إنما لم يذكر قبل في القصة إيجازا بالتعويل على ذكره هاهنا .


«لو لا تسبحون» المراد بتسبيحهم له تعالى تنزيههم له من الشركاء حيث اعتمدوا على أنفسهم و على سائر الأسباب الظاهرية فأقسموا ليصرمنها مصبحين و لم يستثنوا لله مشية فعزلوه تعالى عن السببية و التأثير و نسبوا التأثير إلى أنفسهم و سائر الأسباب الظاهرية ، و هو إثبات للشريك ، و لو قالوا : لنصرمنها مصبحين إلا أن يشاء الله كان معنى ذلك نفي الشركاء و أنهم إن لم يصرموا كان لمشية من الله و إن صرموا كان ذلك بإذن من الله فلله الأمر وحده لا شريك له .


و قيل : المراد بتسبيحهم لله ذكر الله تعالى و توبتهم إليه حيث نووا أن يصرموها و يحرموا المساكين منها ، و له وجه على تقدير أن يراد بالاستثناء عزل نصيب من الثمار للمساكين .


قوله تعالى : « قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين» تسبيح منهم لله سبحانه إثر توبيخ أوسطهم لهم ، أي ننزه الله تنزيها من الشركاء الذين أثبتناهم فيما حلفنا عليه فهو ربنا الذي يدبر بمشيته أمورنا لأنا كنا ظالمين في إثباتنا الشركاء فهو تسبيح و اعتراف بظلمهم على أنفسهم في إثبات الشركاء .


و على القول الآخر توبة و اعتراف بظلمهم على أنفسهم و على المساكين .


قوله تعالى : « فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون» أي يلوم بعضهم بعضا على ما ارتكبوه من الظلم .


قوله تعالى : « قالوا يا ويلنا - إلى قوله - راغبون» الطغيان تجاوز الحد و ضمير « منها» للجنة باعتبار ثمارها و المعنى : قالوا يا ويلنا إنا كنا متجاوزين حد العبودية إذ أثبتنا شركاء لربنا و لم نوحده ، و نرجو من ربنا أن يبدلنا خيرا من هذه الجنة التي طاف عليها طائف منه لأنا راغبون إليه معرضون عن غيره .


قوله تعالى : « كذلك العذاب و لعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون» العذاب مبتدأ مؤخر ، و كذلك خبر مقدم أي إنما يكون العذاب على ما وصفناه في قصة أصحاب الجنة و هو أن الإنسان يمتحن بالمال و البنين فيطغى مغترا بذلك فيستغني بنفسه و ينسى ربه و يشرك بالأسباب الظاهرية و بنفسه و يجترى‏ء على المعصية و هو غافل عما يحيط به من وبال


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 376


عمله و يهيى‏ء له من العذاب كذلك حتى إذا فاجأه العذاب و برز له بأهول وجوهه و أمرها انتبه من نومة الغفلة و تذكر ما جاءه من النصح قبلا و ندم على ما فرط بالطغيان و الظلم و سأل الله أن يعيد عليه النعمة فيشكر كما انتهى إليه أمر أصحاب الجنة ، ففي ذلك إعطاء الضابط بالمثال .


و قوله : « و لعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون» لأنه ناش عن قهر إلهي لا يقوم له شي‏ء لا رجاء للتخلص منه و لو بالموت و الفناء كما في شدائد الدنيا ، محيط بالإنسان من جميع أقطار وجوده لا كعذاب الدنيا دائم لا انتهاء لأمده كما في الابتلاءات الدنيوية .


بحث روائي


في المعاني ، بإسناده عن سفيان بن سعيد الثوري عن الصادق (عليه‏السلام‏) في تفسير الحروف المقطعة في القرآن قال : و أما ن فهو نهر في الجنة قال الله عز و جل : اجمد فجمد فصار مدادا ثم قال للقلم : اكتب فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة فالمداد مداد من نور و القلم قلم من نور و اللوح لوح من نور . قال سفيان : فقلت له : يا بن رسول الله بين أمر اللوح و القلمو المداد فضل بيان و علمني مما علمك الله فقال : يا ابن سعيد لو لا أنك أهل للجواب ما أجبتك فنون ملك يؤدي إلى القلم و هو ملك ، و القلم يؤدي إلى اللوح و هو ملك ، و اللوح يؤدي إلى إسرافيل و إسرافيل يؤدي إلى ميكائيل و ميكائيل يؤدي إلى جبرائيل و جبرائيل يؤدي إلى الأنبياء و الرسل . قال : ثم قال : قم يا سفيان فلا آمن عليك .


و فيه ، بإسناده عن إبراهيم الكرخي قال : سألت جعفر بن محمد (عليهماالسلام‏) عن اللوح و القلم قال : هما ملكان .


و فيه ، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) : « ن و القلم و ما يسطرون» القلم قلم من نور و كتاب من نور في لوح محفوظ يشهده المقربون و كفى بالله شهيدا .


أقول : و في المعاني المتقدمة روايات أخرى عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) ، و قد تقدم في ذيل قوله تعالى : « هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق» : الجاثية : 29 ، حديث القمي عن عبد الرحيم القصير عن الصادق (عليه‏السلام‏) في اللوح و القلم و فيه : ثم ختم على فم القلم فلم ينطق بعد ذلك و لا ينطق أبدا و هو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 377


و في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « ن و القلم و ما يسطرون» قال : لوح من نور و قلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة .


أقول : و في معناه روايات أخر ، و قوله : يجري بما هو كائن إلخ ، أي منطبق على متن الكائنات من دون أن يتخلف شي‏ء منها عما كتب هناك و نظيره ما في رواية أبي هريرة : ثم ختم علي في القلم فلم ينطق و لا ينطق إلى يوم القيامة .


و في المعاني ، بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قول الله عز و جل : « و إنك لعلى خلق عظيم» قال : هو الإسلام .


و في تفسير القمي ، عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قوله : « و إنك لعلى خلق عظيم» قال : على دين عظيم .


أقول : يريد اشتمال الدين و الإسلام على كمال الخلق و استنانه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) به ، و في الرواية المعروفة عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .


و في المجمع ، بإسناده عن الحاكم بإسناده عن الضحاك قال : لما رأت قريش تقديم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عليا و إعظامه له نالوا من علي و قالوا : قد افتتن به محمد فأنزل الله تعالى : « ن و القلم و ما يسطرون» قسم أقسم الله به « ما أنت بنعمة ربك بمجنون - و إن لك لأجرا غير ممنون - و إنك لعلى خلق عظيم يعني القرآن إلى قوله بمن ضل عن سبيله» وهم النفر الذين قالوا ما قالوا « و هو أعلم بالمهتدين» يعني علي بن أبي طالب .


أقول : و رواه في تفسير البرهان ، عن محمد بن العباس بإسناده إلى الضحاك و ساق نحوا مما مر و في آخره : و سبيله علي بن أبي طالب .


و فيه ، : في قوله تعالى : « و لا تطع كل حلاف» إلخ ، قيل : يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) المال ليرجع عن دينه ، و قيل : يعني الأخنس بن شريق عن عطاء ، و قيل : يعني الأسود بن عبد يغوث : عن مجاهد .


أقول : و في ذلك روايات في الدر المنثور و غيره تركنا إيرادها من أرادها فليراجع جوامع الروايات .


و فيه ، عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لا يدخل الجنة جواظ و لا جعظري و لا عتل زنيم . قلت : فما الجواظ ؟ قال : كل جماع مناع . قلت : فما الجعظري ؟


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 378


قال : الفظ الغليظ . قلت : فما العتل الزنيم ؟ قال : كل رحيب الجوف سي‏ء الخلق أكول شروب غشوم ظلوم زنيم .


و فيه ، في معنى الزنيم : قيل : هو الذي لا أصل له .


و فيه ، في تفسير القمي ، : في قوله : « عتل بعد ذلك زنيم» قال : العتل العظيم الكفر الزنيم الدعي .


و فيه ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : في قوله : « إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة» إن أهل مكة ابتلوا بالجوع كما ابتلي أصحاب الجنة و هي كانت في الدنيا و كانت باليمن يقال له الرضوان على تسعة أميال من صنعاء .


و فيه ، بإسناده إلى ابن عباس : أنه قيل له إن قوما من هذه الأمة يزعمون أن العبد يذنب فيحرم به الرزق ، فقال ابن عباس : فو الله الذي لا إله إلا هو هذا أنور في كتاب الله من الشمس الضاحية ذكره الله في سورة ن و القلم . إنه كان شيخ و كان له جنة و كان لا يدخل إلى بيته ثمرة منها و لا إلى منزله حتى يعطي كل ذي حق حقه فلما قبض الشيخ ورثه بنوه و كان له خمس من البنين فحملت جنتهم في تلك السنة التي هلك فيها أبوهم حملا لم يكن حملته قبل ذلك فراحوا الفتية إلى جنتهم بعد صلاة العصر فأشرفوا على ثمرة و رزق فاضل لم يعاينوا مثله في حياة أبيهم . فلما نظروا إلى الفضل طغوا و بغوا و قال بعضهم لبعض : إن أبانا كان شيخا كبيرا قد ذهب عقله و خرف فهلموا نتعاقد فيما بيننا أن لا نعطي أحدا من فقراء المسلمين في عامنا شيئا حتى نستغني و يكثر أموالنا ثم نستأنف الصنيعة فيما استقبل من السنين المقبلة فرضي بذلك منهم أربعة و سخط الخامس و هو الذي قال الله : « قال أوسطهم أ لم أقل لكم لو لا تسبحون» . فقال الرجل : يا ابن عباس كان أوسطهم في السن ؟ فقال : لا بل كان أصغرهم سنا و أكبرهم عقلا و أوسط القوم خير القوم ، و الدليل عليه في القرآن قوله : إنكم يا أمة محمد أصغر الأمم و خير الأمم قوله عز و جل : « و كذلك جعلناكم أمة وسطا» . قال لهم أوسطهم : اتقوا و كونوا على منهاج أبيكم تسلموا و تغنموا فبطشوا به و ضربوه ضربا مبرحا فلما أيقن الأخ منهم أنهم يريدون قتله دخل معهم في مشورتهم كارها لأمرهم غير طائع .


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 379


فراحوا إلى منازلهم ثم حلفوا بالله ليصرمن إذا أصبحوا و لم يقولوا إن شاء الله فابتلاهم الله بذلك الذنب و حال بينهم و بين ذلك الرزق الذي كانوا أشرفوا عليه فأخبر عنهم في الكتاب فقال : « إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة - إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين و لا يستثنون - فطاف عليها طائف من ربك و هم نائمون - فأصبحت كالصريم» قال : كالمحترق . فقال الرجل : يا ابن عباس ما الصريم ؟ قال : الليل المظلم ، ثم قال : لا ضوء له و لا نور . فلما أصبح القوم « فتنادوا مصبحين - أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين» قال : « فانطلقوا و هم يتخافتون» قال الرجل : و ما التخافت يا ابن عباس ؟ قال : يتشاورون فيشاور بعضهم بعضا لكيلا يسمع أحد غيرهم فقالوا : « لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين - و غدوا على حرد قادرين» في أنفسهم أن يصرموها و لا يعلمون ما قد حل بهم من سطوات الله و نقمته . « فلما رأوها» و ما قد حل بهم « قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون» فحرمهم الله ذلك الرزق بذنب كان منهم و لم يظلمهم شيئا . « قال أوسطهم أ لم أقل لكم لو لا تسبحون - قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين - فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون» قال : يلومون أنفسهم فيما عزموا عليه « قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا - أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون» فقال الله : « كذلك العذاب و لعذاب الآخرة أكبر - لو كانوا يعلمون» .


أقول : و قد ورد ما يقرب من مضمون هذا الحديث و الذي قبله في روايات أخر و في بعض الروايات أن الجنة كانت لرجل من بني إسرائيل ثم مات و ورثه بنوه فكان من أمرهم ما كان .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 380


إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَرَبهِمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ‏(34) أَ فَنَجْعَلُ المُْسلِمِينَ كالمُْجْرِمِينَ‏(35) مَا لَكمْ كَيْف تحْكُمُونَ‏(36) أَمْ لَكمْ كِتَبٌ فِيهِ تَدْرُسونَ‏(37) إِنَّ لَكمْ فِيهِ لمََا تخَيرُونَ‏(38) أَمْ لَكمْ أَيْمَنٌ عَلَيْنَا بَلِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيَمَةِإِنَّ لَكمْ لمََا تحْكُمُونَ‏(39) سلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِك زَعِيمٌ‏(40) أَمْ لهَُمْ شرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشرَكائهِمْ إِن كانُوا صدِقِينَ‏(41) يَوْمَ يُكْشف عَن ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلى السجُودِ فَلا يَستَطِيعُونَ‏(42) خَشِعَةً أَبْصرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌوَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلى السجُودِ وَ هُمْ سلِمُونَ‏(43) فَذَرْنى وَ مَن يُكَذِّب بهَذَا الحَْدِيثِسنَستَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْث لا يَعْلَمُونَ‏(44) وَ أُمْلى لهَُمْإِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ‏(45) أَمْ تَسئَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ‏(46) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْب فَهُمْ يَكْتُبُونَ‏(47) فَاصبرْ لحُِكْمِ رَبِّك وَ لا تَكُن كَصاحِبِ الحُْوتِ إِذْ نَادَى وَ هُوَ مَكْظومٌ‏(48) لَّوْ لا أَن تَدَرَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ‏(49) فَاجْتَبَهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصلِحِينَ‏(50) وَ إِن يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيزْلِقُونَك بِأَبْصرِهِمْ لَمَّا سمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لمََجْنُونٌ‏(51) وَ مَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَلَمِينَ‏(52)


بيان


فيها تذييل لما تقدم من الوعيد لمكذبي النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تسجيل العذاب عليهم في الآخرة إذ المتقون في جنات النعيم ، و تثبيت أنهم و المتقون لا يستوون بحجة قاطعة فليس لهم أن


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 381


يرجوا كرامة من الله و هم مجرمون فما يجدونه من نعم الدنيا استدراج و إملاء .


و فيها تأكيد أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالصبر لحكم ربه .


قوله تعالى : « إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم» بشرى و بيان لحال المتقين في الآخرة قبال ما بين من حال المكذبين فيها .


و في قوله : « عند ربهم» دون أن يقال : عند الله إشارة إلى رابطة التدبير و الرحمة بينهم و بينه سبحانه و أن لهم ذلك قبال قصرهم الربوبية فيه تعالى و إخلاصهم العبودية له .


و إضافة الجنات إلى النعيم و هو النعمة للإشارة إلى أن ما فيها من شي‏ء نعمة لا تشوبها نقمة و لذة لا يخالطها ألم ، و سيجي‏ء إن شاء الله في تفسير قوله تعالى : « ثم لتسألن يومئذ عن النعيم» : التكاثر : 8 ، أن المراد بالنعيم الولاية .


قوله تعالى : « أ فنجعل المسلمين كالمجرمين» تحتمل الآية في بادى‏ء النظر أن تكون مسوقة حجة على المعاد كقوله تعالى : « أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار» : ص : 28 ، و قد تقدم تفسيره .


و أن تكون ردا على قول من قال منهم للمؤمنين : لو كان هناك بعث و إعادة لكنا منعمين كما في الدنيا و قد حكى سبحانه ذلك عن قائلهم : « و ما أظن الساعة قائمة و لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى»: حم السجدة : 50 .


ظاهر سياق الآيات التالية التي ترد عليهم الحكم بالتساوي هو الاحتمال الثاني ، و هو الذي رووه أن المشركين لما سمعوا حديث البعث و المعاد قالوا : إن صح ما يقوله محمد و الذين آمنوا معه لم تكن حالنا إلا أفضل من حالهم كما في الدنيا و لا أقل من أن تتساوى حالنا و حالهم .


غير أنه يرد عليه أن الآية لو سيقت لرد قولهم ، سنساويهم في الآخرة أو نزيد عليهم كما في الدنيا ، كان مقتضى التطابق بين الرد و المردود أن يقال : أ فنجعل المجرمين كالمسلمين و قد عكس .


و التدبر في السياق يعطي أن الآية مسوقة لرد دعواهم التساوي لكن لا من جهة نفي مساواتهم على إجرامهم للمسلمين بل تزيد على ذلك بالإشارة إلى أن كرامة المسلمين تأبى أن يساويهم المجرمون كأنه قيل : إن قولكم : سنتساوى نحن و المسلمون باطل فإن الله لا يرضى أن يجعل المسلمين بما لهم من الكرامة عنده كالمجرمين و أنتم مجرمون .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 382


فالآية تقيم الحجة على عدم تساوي الفريقين من جهة منافاته لكرامة المسلمين عليه تعالى لا من جهة منافاة مساواة المجرمين للمسلمين عدله تعالى .


و المراد بالإسلام تسليم الأمر لله فلا يتبع إلا ما أرادهسبحانه من فعل أو ترك يقابله الإجرام و هو اكتساب السيئة و عدم التسليم .


و الآية و ما بعدها إلى قوله : « أم عندهم الغيب فهم يكتبون» في مقام الرد لحكمهم بتساوي المجرمين و المسلمين حالا يوم القيامة تورد محتملات هذا الحكم من حيث منشئه في صور استفهامات إنكارية و تردها .


و تقرير الحجة : أن كون المجرمين كالمسلمين يوم القيامة على ما حكموا به إما أن يكون من الله تعالى موهبة و رحمة و إما أن لا يكون منه .


و الأول إما أن يدل عليه دليل العقل و لا دليل عليه كذلك و ذلك قوله : « ما لكم كيف تحكمون» .


و إما أن يدل عليه النقل و ليس كذلك و هو قوله : « أم لكم كتاب» إلخ ، و إما أن يكون لا لدلالة عقل أو نقل بل عن مشافهة بينهم و بين الله سبحانه عاهدوه و واثقوه على أن يسوي بينهما و ليس كذلك فهذه ثلاثة احتمالات .


و إما أن لا يكون من الله فإما أن يكون حكمهم بالتساوي حكما جديا أو لا يكون فإن كان جديا فإما أن يكون التساوي الذي يحكمون به مستندا إلى أنفسهم بأن يكون لهم قدرة على أن يصيروا يوم القيامة كالمسلمين حالا و إن لم يشأ الله ذلك و ليس كذلك و هو قوله : « سلهم أيهم بذلك زعيم» أو يكون القائم بهذا الأمر المتصدي له شركاؤهم ولا شركاء و هو قوله : « أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم» إلخ .


و إما أن يكون ذلك لأن الغيب عندهم و الأمور التي ستستقبل الناس قدرها و قضاؤها منوطان بمشيتهم تكون و تقع كيف يكتبون فكتبوا لأنفسهم المساواة مع المسلمين ، و ليس كذلك و لا سبيل لهم إلى الغيب و ذلك قوله : « أم عندهم الغيب فهم يكتبون» و هذه ثلاثة احتمالات .


و إن لم يكن حكمهم بالمساواة حكما جديا بل إنما تفوهوا بهذا القول تخلصا و فرارا من اتباعك على دعوتك لأنك تسألهم أجرا على رسالتك و هدايتك لهم إلى الحق فهم مثقلون من غرامته ، و ليس كذلك ، و هو قوله : «أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون»


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 383


و هذا سابع الاحتمالات .


هذا ما يعطيه التدبر في الآيات في وجه ضبط ما فيها من الترديد و قد ذكروا في وجه الضبط غير ذلك من أراد الوقوف عليه فليراجع المطولات .


فقوله : « ما لكم كيف تحكمون» مسوق للتعجب من حكمهم بكون المجرمين يوم القيامة كالمسلمين ، و هو إشارة إلى تأبي العقل عن تجويز التساوي ، و محصله نفي حكم العقل بذلك إذ معناه : أي شي‏ء حصل لكم من اختلال الفكر و فساد الرأي حتى حكمتم بذلك ؟ .


قوله تعالى : « أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون» إشارة إلى انتفاء الحجة على حكمهم بالتساوي من جهة السمع كما أن الآية السابقة كانت إشارة إلى انتفائها من جهة العقل .


و المراد بالكتاب الكتاب السماوي النازل من عند الله و هو حجة ، و درس الكتاب قراءته ، و التخير الاختيار ، و قوله : « إن لكم فيه لما تخيرون» في مقام المفعول لتدرسون و الاستفهام إنكاري .


و المعنى : بل أ لكم كتاب سماوي تقرءون فيه أن لكم في الآخرة - أو مطلقا - لما تختارونه فاخترتم السعادة و الجنة .


قوله تعالى : « أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكملما تحكمون» إشارة إلى انتفاء أن يملكوا الحكم بعهد و يمين شفاهي لهم على الله سبحانه .


و الأيمان جمع يمين و هو القسم ، و البلوغ هو الانتهاء في الكمال فالأيمان البالغة هي المؤكدة نهاية التوكيد ، و قوله : « إلى يوم القيامة» على هذا ظرف مستقر متعلق بمقدر و التقدير : أم لكم علينا أيمان كائنة إلى يوم القيامة مؤكدة نهاية التوكيد ، إلخ .


و يمكن أن يكون « إلى يوم القيامة» متعلقا ببالغة و المراد ببلوغ الأيمان انطباقها على امتداد الزمان حتى ينتهي إلى يوم القيامة .


و قد فسروا الإيمان بالعهود و المواثيق فيكون من باب إطلاق اللازم و إرادة الملزوم كناية ، و احتمل أن يكون من باب إطلاق الجزء و إرادة الكل .


و قوله : « إن لكم لما تحكمون» جواب القسم و هو المعاهد عليه ، و الاستفهام للإنكار .


و المعنى : بل أ لكم علينا عهود أقسمنا فيها أقساما مؤكدا إلى يوم القيامة إنا سلمنا


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 384


لكم أن لكم لما تحكمون به .


قوله تعالى : « سلهم أيهم بذلك زعيم» إعراض عن خطابهم و التفات إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بتوجيه الخطاب لسقوطهم عن درجة استحقاق الخطاب و لذلك أورد بقية السؤالات و هي مسائل أربع في سياق الغيبة أولها قوله : « سلهم أيهم بذلك زعيم» و الزعيم القائم بالأمر المتصدي له ، و الاستفهام إنكاري .


و المعنى : سل المشركين أيهم قائم بأمر التسوية الذي يدعونه أي إذا ثبت أن الله لا يسوي بين الفريقين لعدم دليل يدل عليه فهل الذي يقوم بهذا الأمر و يتصداه هو منهم ؟ فأيهم هو ؟ و من الواضح بطلانه لا يتفوه به إلا مصاب في عقله .


قوله تعالى : « أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين» رد لهم على تقدير أن يكون حكمهم بالتساوي مبنيا على دعواهم أن لهم آلهة يشاركون الله سبحانه في الربوبية سيشفعون لهم عند الله فيجعلهم كالمسلمين و الاستفهام إنكاري يفيد نفي الشركاء .


و قوله : « فليأتوا بشركائهم» إلخ ، كناية عن انتفاء الشركاء يفيد تأكيد ما في قوله : « أم لهم شركاء» من النفي .


و قيل : المراد بالشركاء شركاؤهم في هذا القول ، و المعنى : أم لهم شركاء يشاركونهم في هذا القول و يذهبون مذهبهم فليأتوا بهم إن كانوا صادقين .


و أنت خبير بأن هذا المعنى لا يقطع الخصام .


و قيل : المراد بالشركاء الشهداء و المعنى : أم لهم شهداء على هذا القول فليأتوا بهم إن كانوا صادقين .


و هو تفسير بما لا دليل عليه منجهة اللفظ .


على أنه مستدرك لأن هؤلاء الشهداء شهداء على كتاب من عند الله أو وعد بعهد و يمين و قد رد كلا الاحتمالين فيما تقدم .


و قيل : المراد بالشركاء شركاء الألوهية على ما يزعمون لكن المعنى من إتيانهم بهم إتيانهم بهم يوم القيامة ليشهدوا لهم أو ليشفعوا لهم عند الله سبحانه .


و أنت خبير بأن هذا المعنى أيضا لا يقطع الخصام .


قوله تعالى : « يوم يكشف عن ساق و يدعون إلى السجود فلا يستطيعون - إلى قوله - و هم سالمون» يوم ظرف متعلق بمحذوف كاذكر و نحوه ، و الكشف عن الساق تمثيل في اشتداد الأمر اشتدادا بالغا لما أنهم كانوا يشمرون عن سوقهم إذا اشتد الأمر


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 385


للعمل أو للفرار قال في الكشاف : فمعنى « يوم يكشف عن ساق» في معنى يوم يشتد الأمر و يتفاقم ، و لا كشف ثم و لا ساق كما تقول للأقطع الشحيح : يده مغلولة و لا يد ثم و لا غل و إنما هو مثل في البخل انتهى .


و الآية و ما بعدها إلى تمام خمس آيات اعتراض وقع في البين بمناسبة ذكر شركائهم الذين يزعمون أنهم سيسعدونهم لو كان هناك بعث و حساب فذكر سبحانه أن لا شركاء لله و لا شفاعة و إنما يحرز الإنسان سعادة الآخرة بالسجود أي الخضوع للهسبحانه بتوحيد الربوبية في الدنيا حتى يحمل معه صفة الخضوع فيسعد بها يوم القيامة .


و هؤلاء المكذبون المجرمون لم يسجدوا لله في الدنيا فلا يستطيعون السجود في الآخرة فلا يسعدون و لا تتساوى حالهم و حال المسلمين فيها البتة بل الله سبحانه يعاملهم في الدنيا لاستكبارهم عن سجوده معاملة الاستدراج و الإملاء حتى يتم لهم شقاؤهم فيردوا العذاب الأليم في الآخرة .


فقوله : « يوم يكشف عن ساق و يدعون إلى السجود فلا يستطيعون» معناه اذكر يوم يشتد عليهم الأمر و يدعون إلى السجود لله خضوعا فلا يستطيعون لاستقرار ملكة الاستكبار في سرائرهم و اليوم تبلى السرائر .


و قوله : « خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة» حالان من نائب فاعل يدعون أي حال كون أبصارهم خاشعة و حال كونهم يغشاهم الذلة بقهر ، و نسبة الخشوع إلى الأبصار لظهور أثره فيها .


و قوله : « و قد كانوا يدعون إلى السجود و هم سالمون» المراد بالسلامة سلامتهم من الآفات و العاهات التي لحقت نفوسهم بسبب الاستكبار عن الحق فسلبتها التمكن من إجابة الحق أو المراد مطلق استطاعتهم منه في الدنيا .


و المعنى : و قد كانوا في الدنيا يدعون إلى السجود لله و هم سالمون متمكنون منه أقوى تمكن فلا يجيبون إليه .


و قيل : المراد بالسجود الصلاة و هو كما ترى .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 386


قوله تعالى : « فذرني و من يكذب بهذا الحديث» المراد بهذا الحديث القرآن الكريم و قوله : « فذرني و من يكذب» إلخ ، كناية عن أنه يكفيهم وحده و هو غير تاركهم و فيه نوع تسلية للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و تهديد للمشركين .


قوله تعالى : « سنستدرجهم من حيث لا يعلمون» استئناف فيه بيان كيفية أخذه تعالى لهم و تعذيبه إياهم المفهوم من قوله : « فذرني» إلخ .


و الاستدراج هو استنزالهم درجة فدرجة حتى يتم لهم الشقاء فيقعوا في ورطة الهلاك و ذلك بأن يؤتيهم الله نعمة بعد نعمة و كلما أوتوا نعمة اشتغلوا بها و فرطوا في شكرها و زادوا نسيانا له و ابتعدوا عن ذكره .


فالاستدراج إيتاؤهم النعمة بعد النعمة الموجب لنزولهم درجة بعد درجة و اقترابهم من ورطة الهلاك ، و كونه من حيث لا يعلمون إنما هو لكونه من طريق النعمة التي يحسبونها خيرا و سعادة لا شر فيها و لا شقاء .


قوله تعالى : « و أملي لهم إن كيدي متين» الإملاء الإمهال ، و الكيد ضرب من الاحتيال ، و المتين القوي .


و المعنى : و أمهلهم حتى يتوسعوا في نعمنا بالمعاصي كما يشاءون إن كيدي قوي .


و النكتة في الالتفات الذي في « سنستدرجهم» عن التكلم وحده إلى التكلم مع الغير الدالة على العظمة و أن هناك موكلين على هذه النعم التي تصب عليهم صبا ، و الالتفات في قوله : « و أملي لهم» عن التكلم مع الغير إلى التكلم وحده لأن الإملاء تأخير في الأجل و لم ينسب أمر الأجل في القرآن إلى غير الله سبحانه قال تعالى : « ثم قضى أجلا و أجل مسمى عنده» : الأنعام : 2 .


قوله تعالى : « أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون» المغرم الغرامة ، و الإثقال تحميل الثقل ، و الجملة معطوفة على قوله : « أم لهم شركاء» إلخ .


و المعنى : أم تسأل هؤلاء المجرمين - الذين يحكمون بتساوي المجرمين و المسلمين يوم القيامة - أجرا على دعوتك فهم من غرامة تحملها عليهم مثقلون فيواجهونك بمثل هذا القول تخلصا من الغرامة دون أن يكون ذلك منهم قولا جديا .


قوله تعالى : « أم عندهم الغيب فهم يكتبون» ظاهر السياق أن يكون المراد بالغيب


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 387


غيب الأشياء الذي منه تنزل الأمور بقدر محدود فتستقر في منصة الظهور ، و المراد بالكتابة على هذا هو التقدير و القضاء ، و المراد بكون الغيب عندهم تسلطهم عليه و ملكهم له .


فالمعنى : أم بيدهم أمر القدر و القضاء فهم يقضون كما شاءوا فيقضون لأنفسهم أن يساووا المسلمين يوم القيامة .


و قيل : المراد بكون الغيب عندهم علمهم بصحة ما حكموا به و الكتابة على ظاهر معناه و المعنى : أم عندهم علم بصحة ما يدعونه اختصوا به و لا يعلمه غيرهم فهم يكتبونه و يتوارثونه و ينبغي أن يبرزوه .


و هو بعيد بل مستدرك و الاحتمالات الأخر المذكورة مغنية عنه .


و إنما أخر ذكر هذا الاحتمال عن غيره حتى عن قوله : « أم تسئلهم أجرا» مع أن مقتضى الظاهر أن يتقدم عليه ، لكونه أضعف الاحتمالات و أبعدها .


قوله تعالى : «فاصبر لحكم ربك و لا تكن كصاحب الحوت إذ نادى و هو مكظوم» صاحب الحوت يونس النبي (عليه‏السلام‏) و المكظوم من كظم الغيظ إذا تجرعه و لذا فسر بالمختنق بالغم حيث لا يجد لغيظه شفاء ، و نهيه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن أن يكون كيونس (عليه‏السلام‏) و هو في زمن النداء مملوء بالغم نهي عن السبب المؤدي إلى نظير هذا الابتلاء و هو ضيق الصدر و الاستعجال بالعذاب .


و المعنى : فاصبر لقاء ربك أن يستدرجهم و يملى‏ء لهم و لا تستعجل لهم العذاب لكفرهم و لا تكن كيونس فتكون مثله و هو مملوء غما أو غيظا ينادي بالتسبيح و الاعتراف بالظلم أي فاصبر و احذر أن تبتلي بما يشبه ابتلاءه ، و نداؤه قوله في بطن الحوت : « لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» كما في سورة الأنبياء .


و قيل : اللام في « لحكم ربك» بمعنى إلى و فيه تهديد لقومه و وعيد لهم أن سيحكم الله بينه و بينهم ، و الوجه المتقدم أنسب لسياق الآيات السابقة .


قوله تعالى : « لو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء و هو مذموم» في مقام التعليل للنهي السابق : « لا تكن كصاحب الحوت» و التدارك الإدراك و اللحوق ، و فسرت النعمة بقبول التوبة ، و النبذ الطرح ، و العراء الأرض غير المستورة بسقف أو نبات ، و الذم مقابل المدح .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 388


و المعنى : لو لا أن أدركته و لحقت به نعمة من ربه و هو أن الله قبل توبته لطرح بالأرض العراء و هو مذموم بما فعل .


لا يقال : إن الآية تنافي قوله تعالى : « فلو لا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون» : الصافات : 144 ، فإن مدلوله أن مقتضى عمله أن يلبث في بطنه إلى يوم القيامة و مقتضى هذه الآية أن مقتضاه أن يطرح في الأرض العراء مذموما و هما تبعتان متنافيتان لا تجتمعان .


فإنه يقال : الآيتان تحكيان عن مقتضيين مختلفين لكل منهما أثر على حدة فآية الصافات تذكر أنه (عليه‏السلام‏) كان مداوما للتسبيح مستمرا عليه طول حياته قبل ابتلائه - و هو قوله : كان من المسبحين - و لو لا ذلك للبث في بطنه إلى يوم القيامة ، و الآية التي نحن فيها تدل على أن النعمة و هو قبول توبته في بطن الحوت شملته فلم ينبذ بالعراء مذموما .


فمجموع الآيتين يدل على أن ذهابه مغاضبا كان يقتضي أن يلبث في بطنه إلى يوم القيامة فمنع عنه دوام تسبيحه قبل التقامه و بعده ، و قدر أن ينبذ بالعراء و كان مقتضى عمله أن ينبذ مذموما فمنع من ذلك تدارك نعمة ربه له فنبذ غير مذموم بل اجتباه الله و جعله من الصالحين فلا منافاة بين الآيتين .


و قد تكرر في مباحثنا السابقة أن حقيقة النعمة الولاية و على ذلك يتعين لقوله : « لو لا أن تداركه نعمة من ربه» معنى آخر .


قوله تعالى : « فاجتباه ربه فجعله من الصالحين» تقدم توضيح معنى الاجتباء و الصلاح في مباحثنا المتقدمة .


قوله تعالى : « و إن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر» إن مخففة من الثقيلة ، و الزلق هو الزلل ، و الإزلاق الإزلال و هو الصرع كناية عن القتل و الإهلاك .


و المعنى : أنه قارب الذين كفروا أن يصرعوك بأبصارهم لما سمعوا الذكر .


و المراد بإزلاقه بالأبصار و صرعه بها - على ما عليه عامة المفسرين - الإصابة بالأعين ، و هو نوع من التأثير النفساني لا دليل على نفيه عقلا و ربما شوهد من الموارد ما يقبل الانطباق عليه ، و قد وردت في الروايات فلا موجب لإنكاره .


و قيل : المعنى أنهم ينظرون إليك إذا سمعوا منك الذكر الذي هو القرآن نظرا مليئا بالعداوة و البغضاء يكادون يقتلونك بحديد نظرهم .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 389


قوله تعالى : « و يقولون إنه لمجنون و ما هو إلا ذكر للعالمين» رميهم له بالجنون عند ماسمعوا الذكر دليل على أن مرادهم به رمي القرآن بأنه من إلقاء الشياطين ، و لذا رد قولهم بأن القرآن ليس إلا ذكرا للعالمين .


و قد رد قولهم : « إنه لمجنون» في أول السورة بقوله : « ما أنت بنعمة ربك بمجنون» و به ينطبق خاتمة السورة على فاتحتها .


بحث روائي


في المعاني ، بإسناده عن الحسين بن سعيد عن أبي الحسن (عليه‏السلام‏) في قوله عز و جل : « يوم يكشف عن ساق و يدعون إلى السجود» قال : حجاب من نور يكشف فيقع المؤمنون سجدا و تدمج أصلاب المنافقين فلا يستطيعون السجود .


و فيه ، بإسناده عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : سألته عن قول الله عز و جل : « يوم يكشف عن ساق» قال : كشف إزاره عن ساقه فقال : سبحان ربي الأعلى .


أقول : قال الصدوق بعد نقل الحديث : قوله : سبحان ربي الأعلى تنزيه الله سبحانه أن يكون له ساق .


انتهى .


و في هذا المعنى رواية أخرى عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) .


و فيه ، بإسناده عن معلى بن خنيس قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : ما يعني بقوله : « و قد كانوا يدعون إلى السجود و هم سالمون» قال : و هم مستطيعون .


و في الدر المنثور ، أخرج البخاري و ابن المنذر و ابن مردويه عن أبي سعيد : سمعت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن و مؤمنة ، و يبقى من كان يسجد في الدنيا رياء و سمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا .


و فيه ، أخرج ابن مندة في الرد على الجهمية عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : « يوم يكشف عن ساق» قال : يكشف الله عن ساقه .


و فيه ، أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده و عبد بن حميد و ابن أبي الدنيا و الطبراني و الآجري في الشريعة و الدارقطني في الرؤية و الحاكم و صححه و ابن مردويه و البيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : يجمع الله الناس يوم القيامة و ينزل الله في ظلل من الغمام فينادي مناديا أيها الناس أ لم ترضوا من ربكم ] الذي [ خلقكم و صوركم


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 390


و رزقكم أن يولي كل إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا و يتولى ؟ أ ليس ذلك من ربكم عدلا ؟ قالوا : بلى . قال : فينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يعبد في الدنيا و يتمثل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ، و يتمثل لمن كان يعبد عزيزا شيطان عزيز حتى يمثل لهم الشجرة و العود و الحجر . و يبقى أهل الإسلام جثوما فيتمثل لهم الرب عز و جل فيقول لهم : ما لكم لم تنطلقوا كما انطلق الناس ؟ فيقولون : إن لنا ربا ما رأيناه بعد فيقول : فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه ؟ قالوا : بيننا و بينه علامة إن رأيناه عرفناه ؟ قال : و ما هي ؟ قالوا : يكشف عن ساق . فيكشف عند ذلك عن ساق فيخر كل من كان يسجد طائعا ساجدا و يبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون .


الحديث .


أقول : و الروايات الثلاث مبنية على التشبيه المخالف للبراهين العقلية و نص الكتاب العزيز فهي مطروحة أومؤولة .


و في الكافي ، بإسناده عن سفيان بن السمط قال : قال أبو عبد الله (عليه‏السلام‏) : إن الله إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة و ذكره الاستغفار ، فإذا أراد بعبد شرا فأذنب ذنبا أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار و يتمادى بها ، و هو قول الله عز و جل : « سنستدرجهم من حيث لا يعلمون» بالنعم و المعاصي .


أقول : و قد تقدم بعض روايات الاستدراج في ذيل قوله تعالى : « سنستدرجهم من حيث لا يعلمون» : الآية 182 من سورة الأعراف .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « إذ نادى و هو مكظوم» : في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) : يقول : مغموم .


و فيه ، : في قوله تعالى : « لو لا أن تداركه نعمة من ربه» قال : النعمة الرحمة .


و فيه ، : في قوله تعالى : « لنبذ بالعراء» قال : الموضع الذي لا سقف له .


و في الدر المنثور ، : في قوله تعالى : « و إن يكاد الذين كفروا» : أخرج البخاري عن ابن عباس أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : العين حق .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 391


و فيه ، أخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : العين تدخل الرجل القبر و الجمل القدر .


أقول : و هناك روايات تطبق الآيات السابقة على الولاية و هي من الجري دون التفسير و لذلك لم نوردها

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :