امروز:
سه شنبه 25 مهر 1396
بازدید :
700
تفسيرالميزان : سوره حاقه آيات 52- 1


69-سورة الحاقة مكية و هي اثنتان و خمسون آية 52


سورة الحاقة


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَْاقَّةُ(1) مَا الحَْاقَّةُ(2) وَ مَا أَدْرَاك مَا الحَْاقَّةُ(3) كَذَّبَت ثَمُودُ وَ عَادُ بِالْقَارِعَةِ(4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكوا بِالطاغِيَةِ(5) وَ أَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكوا بِرِيحٍ صرْصرٍ عَاتِيَةٍ(6) سخَّرَهَا عَلَيهِمْ سبْعَ لَيَالٍ وَ ثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسوماً فَترَى الْقَوْمَ فِيهَا صرْعَى كَأَنهُمْ أَعْجَازُ نخْلٍ خَاوِيَةٍ(7) فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ(8) وَ جَاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَن قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكَت بِالخَْاطِئَةِ(9) فَعَصوْا رَسولَ رَبهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً(10) إِنَّا لَمَّا طغَا الْمَاءُ حَمَلْنَكمْ فى الجَْارِيَةِ(11) لِنَجْعَلَهَا لَكمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيهَا أُذُنٌ وَعِيَةٌ(12)


بيان


السورة تذكر الحاقة و هي القيامة و قد سمتها أيضا بالقارعة و الواقعة .


و قد ساقت الكلام فيها في فصول ثلاثة : فصل تذكر فيه إجمالا الأمم الذين كذبوا بها


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 392


فأخذهم الله أخذة رابية ، و فصل تصف فيه الحاقة و انقسام الناس فيها إلى أصحاب اليمين و أصحاب الشمال و اختلاف حالهم بالسعادة و الشقاء ، و فصل تؤكد فيه صدق القرآن في إنبائه بها و أنه حق اليقين ، و السورة مكية بشهادة سياق آياتها .


قوله تعالى : « الحاقة ما الحاقة و ما أدراك ما الحاقة» المراد بالحاقة القيامة الكبرى سميت بها لثبوتها ثبوتا لا مرد له و لا ريب فيه ، من حق الشي‏ء بمعنى ثبت و تقرر تقررا واقعيا .


و « ما» في « ما الحاقة» استفهامية تفيد تفخيم أمرها ، و لذلك بعينه وضع الظاهر موضع الضمير و لم يقل : ما هي ، و الجملة الاستفهامية خبر الحاقة .


فقوله : « الحاقة ما الحاقة» مسوق لتفخيم أمر القيامة يفيد تفخيم أمرها و إعظام حقيقتها إفادة بعد إفادة .


و قوله : « و ما أدراك ما الحاقة» خطاب بنفي العلم بحقيقة اليوم و هذا التعبير كناية عن كمال أهمية الشي‏ء و بلوغه الغاية في الفخامة و لعل هذا هو المراد مما نقل عن ابن عباس : أن ما في القرآن من قوله تعالى : « ما أدراك» فقد أدراه و ما فيه من قوله : « ما يدريك» فقد طوى عنه ، يعني أن « ما أدراك» كناية و « ما يدريك» تصريح .


قوله تعالى : « كذبت ثمود و عاد بالقارعة» المراد بالقارعة القيامة و سميت بها لأنها تقرع و تدك السماوات و الأرض بتبديلها و الجبال بتسييرها و الشمس بتكويرها و القمر بخسفها و الكواكب بنثرها و الأشياء كلها بقهرها على ما نطقت به الآيات ، و كان مقتضى الظاهر أن يقال : كذبت ثمود و عاد بها فوضع القارعة موضع الضمير لتأكيد تفخيم أمرها .


و هذه الآية و ما يتلوها إلى تمام تسع آيات و إن كانت مسوقة للإشارة إلى إجمال قصص قوم نوح و عاد و ثمود و فرعون و من قبله و المؤتفكات و إهلاكهم لكنها في الحقيقة بيان للحاقه ببعض أوصافها و هو أن الله أهلك أمما كثيرة بالتكذيب بها فهي في الحقيقة جواب للسؤال بما الاستفهامية كما أن قوله : « فإذا نفخ في الصور» إلخ ، جواب آخر .


و محصل المعنى : هي القارعة التي كذبت بها ثمود و عاد و فرعون و من قبله و المؤتفكات و قوم نوح فأخذهم الله أخذة رابية و أهلكهم بعذاب الاستئصال .


قوله تعالى : « فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية» بيان تفصيلي لأثر تكذيبهم بالقارعة،


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 393


و المراد بالطاغية الصيحة أو الرجفة أو الصاعقة على اختلاف ظاهر تعبير القرآن في سبب هلاكهم في قصتهم قال تعالى : « و أخذ الذين ظلموا الصيحة» : هود : 67 ، و قال أيضا : « فأخذتهم الرجفة» : الأعراف : 87 ، و قال أيضا : « فأخذتهم صاعقة العذاب الهون» : حم السجدة : 17 .


و قيل : الطاغية مصدر كالطغيان و الطغوى و المعنى : فأما ثمود فأهلكوا بسبب طغيانهم ، و يؤيده قوله تعالى : « كذب ثمود بطغواها» : الشمس : 11 .


و أول الوجهين أنسب لسياق الآيات التالية حيث سيقت لبيان كيفية إهلاكهم من الإهلاك بالريح أو الأخذ الرابي أو طغيان الماء فليكن هلاك ثمود بالطاغية ناظرا إلى كيفية إهلاكهم .


قوله تعالى : « و أما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية» الصرصر الريح الباردة الشديدة الهبوب ، و عاتية من العتو بمعنى الطغيان و الابتعاد من الطاعة و الملاءمة .


قوله تعالى : « سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية» تسخيرها عليهم تسليطها عليهم ، و الحسوم جمع حاسم كشهود جمع شاهد من الحسم بمعنى تكرار الكي مرات متتالية ، و هي صفة لسبع أي سبع ليال و ثمانية أيام متتالية متتابعة و صرعى جمع صريع و أعجاز جمع عجز بالفتح فالضم آخر الشي‏ء ، و خاوية الخالية الجوف الملقاة و المعنى ظاهر .


قوله تعالى : « فهل ترىلهم من باقية» أي من نفس باقية ، و الجملة كناية عن استيعاب الهلاك لهم جميعا ، و قيل : الباقية مصدر بمعنى البقاء و قد أريد به البقية و ما قدمناه من المعنى أقرب .


قوله تعالى : « و جاء فرعون و من قبله و المؤتفكات بالخاطئة» المراد بفرعون فرعون موسى ، و بمن قبله الأمم المتقدمة عليه زمانا من المكذبين ، و بالمؤتفكات قرى قوم لوط و الجماعة القاطنة بها ، و « خاطئة» مصدر بمعنى الخطاء و المراد بالمجي‏ء بالخاطئة إخطاء طريق العبودية ، و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية» ضمير « عصوا»لفرعون


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 394


و من قبله و المؤتفكات ، و المراد بالرسول جنسه ، و الرابية الزائدة من ربا يربو ربوة إذا زاد ، و المراد بالأخذة الرابية العقوبة الشديدة و قيل : العقوبة الزائدة على سائر العقوبات و قيل : الخارقة للعادة .


قوله تعالى : « إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية» إشارة إلى طوفان نوح و الجارية السفينة ، و عد المخاطبين محمولين في سفينة نوح و المحمول في الحقيقة أسلافهم لكون الجميع نوعا واحدا ينسب حال البعض منه إلى الكل و الباقي ظاهر .


قوله تعالى : « لنجعلها لكم تذكرة و تعيها أذن واعية» تعليل لحملهم في السفينة فضمير « لنجعلها» للحمل باعتبار أنه فعله أي فعلنا بكم تلك الفعلة لنجعلها لكم أمرا تتذكرون به و عبرة تعتبرون بها و موعظة تتعظون بها .


و قوله : « و تعيها أذن واعية» الوعي جعل الشي‏ء في الوعاء ، و المراد بوعي الأذن لها تقريرها في النفس و حفظها فيها لترتب عليها فائدتها و هي التذكر و الاتعاظ .


و في الآية بجملتيها إشارة إلى الهداية الربوبية بكلا قسميها أعني الهداية بمعنى إراءة الطريق و الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب .


توضيح ذلك أن من السنة الربوبية العامة الجارية في الكون هداية كل نوع من أنواع الخليقة إلى كماله اللائق به بحسب وجوده الخاص بتجهيزه بما يسوقه نحو غايته كما يدل عليه قوله تعالى : « الذي أعطى كل شي‏ء خلقه ثم هدى» : طه : 50 ، و قوله : « الذي خلق فسوى و الذي قدر فهدى» : الأعلى : 3 ، و قد تقدم توضيح ذلك في تفسير سورتي طه و الأعلى و غيرهما .


و الإنسان يشارك سائر الأنواع المادية في أن له استكمالا تكوينيا و سلوكا وجوديا نحو كماله الوجودي بالهداية الربوبية التي تسوقه نحو غايته المطلوبة و يختص من بينها بالاستكمال التشريعي فإن للنفس الإنسانية استكمالامن طريق أفعالها الاختيارية بما يلحقها من الأوصاف و النعوت و تتلبس به من الملكات و الأحوال في الحياة الدنيا و هي غاية وجود الإنسان التي تعيش بها عيشة سعيدة مؤبدة .


و هذا هو السبب الداعي إلى تشريع السنة الدينية بإرسال الرسل و إنزال الكتب و الهداية إليها « لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل» : النساء : 165 ، و قد تقدم تفصيله في أبحاث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب و غيره ، و هذه هداية بمعنى إراءة


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 395


الطريق و إعلام الصراط المستقيم الذي لا يسع الإنسان إلا أن يسلكه ، قال تعالى : « إنا هديناه السبيل إما شاكرا و إما كفورا» : الدهر : 3 ، فإن لزم الصراط و سلكه حي بحياة طيبة سعيدة و إن تركه و أعرض عنه هلك بشقاء دائم و تمت عليه الحجة على أي حال ، قال تعالى : « ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة» : الأنفال : 42 .


إذا تقرر هذا تبين أن من سنة الربوبية هداية الناس إلى سعادة حياتهم بإراءة الطريق الموصل إليها ، و إليها الإشارة بقوله : « لنجعلها لكم تذكرة» فإن التذكرة لا تستوجب التذكر ممن ذكر بها بل ربما أثرت و ربما تخلفت .


و من سنة الربوبية هداية الأشياء إلى كمالاتها بمعنى إنهائها و إيصالها إليها بتحريكها و سوقها نحوه ، و إليها الإشارة بقوله : « و تعيها أذن واعية» فإن الوعي المذكور من مصاديق الاهتداء بالهداية الربوبية و إنما لم ينسب تعالى الوعي إلى نفسه كما نسب التذكرة إلى نفسه لأن المطلوب بالتذكرة إتمام الحجة و هو من الله و أما الوعي فإنه و إن كان منسوبا إليه كما أنه منسوب إلى الإنسان لكن السياق سياق الدعوة و بيان الأجر و المثوبة على إجابة الدعوة و الأجر و المثوبة من آثار الوعي بما أنه فعل للإنسان منسوب إليه لا بما أنه منسوب إلى الله تعالى .


و يظهر من الآية الكريمة أن للحوادث الخارجية تأثيرا في أعمال الإنسان كما يظهر من مثل قوله : « و لو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض» : الأعراف : 96 أن لأعمال الإنسان تأثيرا في الحوادث الخارجية و قد تقدم بعض الكلام فيه .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر عن ابن جريح في قوله : « لنجعلها لكم تذكرة» قال : لأمة محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و كم من سفينة قد هلكت و أثر قد ذهب يعني ما بقي من السفينة حتى أدركته أمة محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فرأوه كانت ألواحها ترى على الجودي .


أقول : و تقدم ما يؤيد ذلك في قصة نوح في تفسير سورة هود .


و فيه ، أخرج سعيد بن منصور و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن مكحول قال : لما نزلت « و تعيها أذن واعية» قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : سألت ربي أن يجعلها


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 396


أذن علي . قال مكحول : فكان علي يقول : ما سمعت عن رسول الله شيئا فنسيته .


و فيه ، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و الواحدي و ابن مردويه و ابن عساكر و ابن النجاري عن بردة قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لعلي : إن الله أمرني أن أدنيك و لا أقصيك و أن أعلمك و أن تعي و حق لك أن تعي فنزلت هذه الآية « و تعيها أذن واعية» .


و فيه ، أخرج أبو نعيم في الحلية عن علي قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يا علي إن الله أمرني أن أدنيك و أعلمك لتعي فأنزلت هذه الآية « و تعيها أذن واعية» فأنت أذن واعية لعلمي : . أقول : و روي هذا المعنى في تفسير البرهان ، عن سعد بن عبد الله بإسناده عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) ، و عن الكليني بإسناده عنه (عليه‏السلام‏) ، و عن ابن بابويه بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) . و رواه أيضا عن ابن شهرآشوب عن حلية الأولياء عن عمر بن علي ، و عن الواحدي في أسباب النزول عن بريدة ، و عن أبي القاسم بن حبيب في تفسيره عن زر بن حبيش عن علي (عليه‏السلام‏) . و قد روي في غاية المرام ، من طرق الفريقين ستة عشر حديثا في ذلك و قال في البرهان إن محمد بن العباس روى فيه ثلاثين حديثا من طرق العامة و الخاصة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 397


فَإِذَا نُفِخَ فى الصورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ(13) وَ حُمِلَتِ الأَرْض وَ الجِْبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَحِدَةً(14) فَيَوْمَئذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ(15) وَ انشقَّتِ السمَاءُ فَهِىَ يَوْمَئذٍ وَاهِيَةٌ(16) وَ الْمَلَك عَلى أَرْجَائهَاوَ يحْمِلُ عَرْش رَبِّك فَوْقَهُمْ يَوْمَئذٍ ثمَنِيَةٌ(17) يَوْمَئذٍ تُعْرَضونَ لا تخْفَى مِنكمْ خَافِيَةٌ(18) فَأَمَّا مَنْ أُوتىَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَبِيَهْ‏(19) إِنى ظنَنت أَنى مُلَقٍ حِسابِيَهْ‏(20) فَهُوَ فى عِيشةٍ رَّاضِيَةٍ(21) فى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22) قُطوفُهَا دَانِيَةٌ(23) كلُوا وَ اشرَبُوا هَنِيئَا بِمَا أَسلَفْتُمْ فى الأَيَّامِ الخَْالِيَةِ(24) وَ أَمَّا مَنْ أُوتىَ كِتَبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَلَيْتَنى لَمْ أُوت كِتَبِيَهْ‏(25) وَ لَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ‏(26) يَلَيْتهَا كانَتِ الْقَاضِيَةَ(27) مَا أَغْنى عَنى مَالِيَهْ‏(28) هَلَك عَنى سلْطنِيَهْ‏(29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ‏(30) ثُمَّ الجَْحِيمَ صلُّوهُ‏(31) ثُمَّ فى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسلُكُوهُ‏(32) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ‏(33) وَ لا يحُض عَلى طعَامِ الْمِسكِينِ‏(34) فَلَيْس لَهُ الْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ‏(35) وَ لا طعَامٌ إِلا مِنْ غِسلِينٍ‏(36) لا يَأْكلُهُ إِلا الخَْطِئُونَ‏(37)


بيان


هذا هو الفصل الثاني من الآيات يعرف الحاقة ببعض أشراطها و نبذة مما يقع فيها .


قوله تعالى : « فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» قد تقدم أن النفخ في الصور كناية عن البعث و الإحضار لفصل القضاء ، و في توصيف النفخة بالواحدة إشارة إلى مضي الأمر و نفوذ القدرة فلا وهن فيه حتى يحتاج إلى تكرار النفخة ، و الذي يسبق إلى الفهم من سياق الآيات أنها النفخة الثانية التي تحيي الموتى .


قوله تعالى : « و حملت الأرض و الجبال فدكتا دكة واحدة» الدك أشد الدق و هو كسر الشي‏ء و تبديله إلى أجزاء صغار ، و حمل الأرض و الجبال إحاطة القدرة بها ، و توصيف الدكة بالواحدة للإشارة إلى سرعة تفتتهما بحيث لا يفتقر إلى دكة ثانية .


قوله تعالى : « فيومئذ وقعت الواقعة» أي قامت القيامة .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 398


قوله تعالى : « و انشقت السماء فهي يومئذ واهية» انشقاق الشي‏ء انفصال شطر منه من شطر آخر ، و واهية من الوهي بمعنى الضعف ، و قيل : من الوهي بمعنى شق الأديم و الثوب و نحوهما .


و يمكن أن تكون الآية أعني قوله : « و انشقت السماء فهي يومئذ واهية و الملك على أرجائها» في معنى قوله : « و يوم تشقق السماء بالغمام و نزل الملائكة تنزيلا» : الفرقان : 25 .


قوله تعالى : « و الملك على أرجائها و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية» قال الراغب : رجا البئر و السماء و غيرهما جانبها و الجمع أرجاء قال تعالى : « و الملك على أرجائها» انتهى ، و الملك - كما قيل - يطلق على الواحد و الجمع و المراد به في الآية الجمع .


و قوله : « و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية» ضمير « فوقهم» على ظاهر ما يقتضيه السياق للملائكة ، و قيل : الضمير للخلائق .


و ظاهر كلامه أن للعرش اليوم حملة من الملائكة قال تعالى : « الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يؤمنون به و يستغفرون للذين آمنوا» : المؤمن : 7 و قد وردت الروايات أنهم أربعة ، و ظاهر الآية أعني قوله : « و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية» أن الحملة يوم القيامة ثمانية و هل هم من الملائكة أو من غيرهم ؟ الآية ساكتة عن ذلك و إن كان لا يخلو السياق من إشعار ما بأنهم من الملائكة .


و من الممكن - كما تقدمت الإشارة إليه - أن يكون الغرض من ذكر انشقاق السماء و كون الملائكة على أرجائها و كون حملة العرش يومئذ ثمانية بيان ظهور الملائكة و السماء و العرش للإنسان يومئذ ، قال تعالى : « و ترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم» : الزمر : 75 .


قوله تعالى : « يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية» الظاهر أن المراد به العرض على الله كما قال تعالى : « و عرضوا على ربك صفا» : الكهف : 48 ، و العرض إراءة البائع سلعته للمشتري ببسطها بين يديه ، فالعرض يومئذ على الله و هو يوم القضاء إبراز ما عند الإنسان من اعتقاد و عمل إبرازا لا يخفى معه عقيدة خافية و لا فعلة خافية و ذلك بتبدل الغيب شهادة و السر علنا قال : « يوم تبلى السرائر» : الطارق : 9 ، و قال : « يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شي‏ء» : المؤمن : 16 .


و قد تقدم في أبحاثنا السابقة أن ما عد في كلامه تعالى من خصائص يوم القيامة


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 399


كاختصاص الملك بالله ، و كون الأمر له ، و أن لا عاصم منه ، و بروز الخلق له و عدم خفاء شي‏ء منهم عليه و غير ذلك ، كل ذلك دائمية الثبوت له تعالى ، و إنما المراد ظهور هذه الحقائق يومئذ ظهورا لا ستر عليه و لا مرية فيه .


فالمعنى : يومئذ يظهر أنكم في معرض على علم الله و يظهر كل فعلة خافية من أفعالكم .


قوله تعالى : « فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه» قال في المجمع، هاؤم أمر للجماعة بمنزلة هاكم ، تقول للواحد : هاء يا رجل ، و للاثنين : هاؤما يا رجلان ، و للجماعة : هاؤم يا رجال ، و للمرأة : هاء يا امرأة بكسر الهمزة و ليس بعدها ياء ، و للمرأتين : هاؤما ، و للنساء : هاؤن .


هذه لغة أهل الحجاز .


و تميم و قيس يقولون : هاء يا رجل مثل قول أهل الحجاز ، و للاثنين : هاءا ، و للجماعة : هاؤا ، و للمرأة : هائي ، و للنساء هاؤن .


و بعض العرب يجعل مكان الهمزة كافا فيقول : هاك هاكما هاكم هاك هاكما هاكن ، و معناه : خذ و تناول ، و يؤمر بها و لا ينهى .


انتهى .


و الآية و ما بعدهاإلى قوله : « الخاطئون» بيان تفصيلي لاختلاف حال الناس يومئذ من حيث السعادة و الشقاء ، و قد تقدم في تفسير قوله تعالى : « فمن أوتي كتابه بيمينه» : إسراء : 71 كلام في معنى إعطاء الكتاب باليمين ، و الظاهر أن قوله : « هاؤم اقرءوا كتابيه» خطاب للملائكة ، و الهاء في « كتابيه» و كذا في أواخر الآيات التالية للوقف و تسمى هاء الاستراحة .


و المعنى : فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول للملائكة : خذوا و اقرءوا كتابيه أي إنها كتاب يقضي بسعادتي .


قوله تعالى : « إني ظننت أني ملاق حسابيه» الظن بمعنى اليقين ، و الآية تعليل لما يتحصل من الآية السابقة و محصل التعليل إنما كان كتابي كتاب اليمين و قاضيا بسعادتي لأني أيقنت في الدنيا أني سألاقي حسابي فآمنت بربي و أصلحت عملي .


قوله تعالى : « فهو في عيشة راضية» أي يعيش عيشة يرضاها فنسبة الرضا إلى العيشة من المجاز العقلي .


قوله تعالى : « في جنة عالية - إلى قوله - الخالية» أي هو في جنة عالية قدرا فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 400


و قوله : « قطوفها دانية» القطوف جمع قطف بالكسر فالسكون و هو ما يجتنى من الثمر و المعنى : أثمارها قريبة منه يتناوله كيف يشاء .


و قوله : « كلوا و اشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية» أي يقال لهم : كلوا و اشربوا من جميع ما يؤكل فيها و ما يشرب حال كونه هنيئا لكم بما قدمتم من الإيمان و العمل الصالح في الدنيا التي تقضت أيامها .


قوله تعالى : « و أما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه و لم أدر ما حسابيه» و هؤلاء هم الطائفة الثانية و هم الأشقياء المجرمون يؤتون صحيفة أعمالهم بشمالهم و قد مر الكلام في معناه في سورة الإسراء ، و هؤلاء يتمنون أن لو لم يكونوا يؤتون كتابهمو يدرون ما حسابهم يتمنون ذلك لما يشاهدون من أليم العذاب المعد لهم .


قوله تعالى : « يا ليتها كانت القاضية» ذكروا أن ضمير « ليتها» للموتة الأولى التي ذاقها الإنسان في الدنيا .


و المعنى : يا ليت الموتة الأولى التي ذقتها كانت قاضية علي تقضي بعدمي فكنت انعدمت و لم أبعث حيا فأقع في ورطة العذاب الخالد و أشاهد ما أشاهد .


قوله تعالى : « ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانية» كلمتا تحسر يقولهما حيث يرى خيبة سعيه في الدنيا فإنه كان يحسب أن مفتاح سعادته في الحياة هو المال و السلطان يدفعان عنه كل مكروه و يسلطانه على كل ما يحب و يرضى فبذل كل جهده في تحصيلهما و أعرض عن ربه و عن كل حق يدعى إليه و كذب داعيه فلما شاهد تقطع الأسباب و أنه في يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون ذكر عدم نفع ماله و بطلان سلطانه تحسرا و توجعا و ما ذا ينفع التحسر ؟ .


قوله تعالى : « خذوه فغلوه - إلى قوله - فاسلكوه» حكاية أمره تعالى الملائكة بأخذه و إدخاله النار ، و التقدير يقال للملائكة خذوه إلخ ، و « غلوه» أمر من الغل بالفتح و هو الشد بالغل الذي يجمع بين اليد و الرجل و العنق .


و قوله : « ثم الجحيم صلوه» أي أدخلوه النار العظيمة و ألزموه إياها .


و قوله : « ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه» السلسلة القيد ، و الذرع الطول ، و الذراع بعد ما بين المرفق و رأس الأصابع و هو واحد الطول و سلوكه فيه جعله فيه ، و المحصل ثم اجعلوه في قيد طوله سبعون ذراعا .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 401


قوله تعالى : « إنه كان لا يؤمن بالله العظيم و لا يحض على طعام المسكين» الحض التحريض و الترغيب ، و الآيتان في مقام التعليل للأمر بالأخذ و الإدخال في النار أي إن الأخذ ثم التصلية في الجحيم و السلوك في السلسلة لأجل أنه كان لا يؤمن بالله العظيم و لا يحض على طعام المسكين أي يساهل في أمر المساكين و لا يبالي بما يقاسونه .


قوله تعالى : « فليس له اليوم هاهنا حميم - إلى قوله - الخاطئون» الحميم الصديق و الآية تفريع على قوله : « إنه كان لا يؤمن» إلخ ، و المحصل : أنه لما كان لا يؤمن بالله العظيم فليس له اليوم هاهنا صديق ينفعه أي شفيع يشفع له إذ لا مغفرة لكافر فلا شفاعة .


و قوله : « و لا طعام إلا من غسلين» الغسلين الغسالة و كان المراد به ما يسيل من أبدان أهل النار من قيح و نحوه و الآية عطف على قوله في الآية السابقة : « حميم» و متفرع على قوله : « و لا يحض» إلخ، و المحصل : أنه لما كان لا يحرض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا طعام إلا من غسلين أهل النار .


و قوله : « لا يأكله إلا الخاطئون» وصف لغسلين و الخاطئون المتلبسون بالخطيئة و الإثم .


بحث روائي


في الدر المنثور ، في قوله تعالى : « و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية» أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يحمله اليوم أربعة و يوم القيامة ثمانية .


أقول : و في تقييد الحاملين في الآية بقوله : « يومئذ» إشعار بل ظهور في اختصاص العدد بالقيامة .


و في تفسير القمي ، وفي حديث آخر قال : حمله ثمانية أربعة من الأولين و أربعة من الآخرين فأما الأربعة من الأولين فنوح و إبراهيم و موسى و عيسى ، و أما الأربعة من الآخرين فمحمد و علي و الحسن و الحسين (عليهماالسلام‏) .


أقول : و في غير واحد من الروايات أن الثمانية مخصوصة بيوم القيامة ، و في بعضها أن حملة العرش - و العرش العلم - أربعة منا و أربعة ممن شاء الله .


و في تفسير العياشي ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : إنه إذا كان يوم القيامة يدعى كل أناس بإمامه الذي مات في عصره فإن أثبته أعطي كتابه بيمينه لقوله : « يوم ندعوا


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 402


كل أناس بإمامهم» فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ، و اليمين إثبات الإمام لأنه كتابه يقرؤه إلى أن قال و من أنكر كان من أصحاب الشمال الذين قال الله : « و أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال - في سموم و حميم و ظل من يحموم» إلخ .


أقول : و في عدة من الروايات تطبيق قوله : « فأما من أوتي كتابه بيمينه» إلخ ، على علي (عليه‏السلام‏) ، و في بعضها عليه و على شيعته ، و كذا تطبيق قوله : « و أما من أوتي كتابه بشماله» إلخ ، على أعدائه ، و هي من الجري دون التفسير .


و في الدر المنثور ، أخرج الحاكم و صححه عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : لو أن دلوا من غسلين يهراق في الدنيا لأنتن بأهل الدنيا .


و فيه ، أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن صعصعة بن صوحان قال : جاء أعرابي إلى علي بن أبي طالب فقال : كيف هذا الحرف : لا يأكله إلا الخاطون ؟ كل و الله يخطو . فتبسم علي و قال : يا أعرابي « لا يأكله إلا الخاطئون» قال : صدقت و الله يا أمير المؤمنين ما كان الله ليسلم عبده . ثم التفت علي إلى أبي الأسود فقال : إن الأعاجم قد دخلت في الدين كافة فضع للناس شيئا يستدلون به على صلاح ألسنتهم فرسم لهم الرفع و النصب و الخفض .


و في تفسير البرهان ، عن ابن بابويه في الدروع الواقية في حديث عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : و لو أن ذراعا من السلسلة التي ذكرها الله في كتابه وضع على جميع جبال الدنيا لذابت عن حرها .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 403


فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ‏(38) وَ مَا لا تُبْصِرُونَ‏(39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَرِيمٍ‏(40) وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍقَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ‏(41) وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍقَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ‏(42) تَنزِيلٌ مِّن رَّب الْعَلَمِينَ‏(43) وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْض الأَقَاوِيلِ‏(44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ‏(45) ثمَّ لَقَطعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ‏(46) فَمَا مِنكم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ‏(47) وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ‏(48) وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكم مُّكَذِّبِينَ‏(49) وَ إِنَّهُ لَحَسرَةٌ عَلى الْكَفِرِينَ‏(50) وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ‏(51) فَسبِّحْ بِاسمِ رَبِّك الْعَظِيمِ‏(52)


بيان


هذا هو الفصل الثالث من آيات السورة يؤكد ما تقدم من أمر الحاقة بلسانتصديق القرآن الكريم ليثبت بذلك حقية ما أنبأ به من أمر القيامة .


قوله تعالى : « فلا أقسم بما تبصرون و ما لا تبصرون» ظاهر الآية أنه إقسام بما هو مشهود لهم و ما لا يشاهدون أي الغيب و الشهادة فهو إقسام بمجموع الخليقة و لا يشمل ذاته المتعالية فإن من البعيد من أدب القرآن أن يجمع الخالق و الخلق في صف واحد و يعظمه تعالى و ما صنع تعظيما مشتركا في عرض واحد .


و في الإقسام نوع تعظيم و تجليل للمقسم به و خلقه تعالى بما أنه خلقه جليل جميل لأنه تعالى جميل لا يصدر منه إلا الجميل و قد استحسن تعالى فعل نفسه و أثنى على نفسه بخلقه في قوله : « الذي أحسن كل شي‏ء خلقه» : الم السجدة : 7 ، و قوله : « فتبارك الله أحسن الخالقين» : المؤمنون : 14 فليس للموجودات منه تعالى إلا الحسن و ما دون ذلك من مساءة فمن أنفسها و بقياس بعضها إلى بعض .


و في اختيار ما يبصرون و ما لا يبصرون للأقسام به على حقية القرآن ما لا يخفى من المناسبة فإن النظام الواحد المتشابك أجزاؤه الجاري في مجموع العالم يقضي بتوحده تعالى و مصير الكل إليه و ما يترتب عليه من بعث الرسل و إنزال الكتب و القرآن خير كتاب سماوي يهدي إلى الحق في جميع ذلك و إلى طريق مستقيم .


و مما تقدم يظهر عدم استقامة ما قيل : إن المراد بما تبصرون و ما لا تبصرون الخلق و الخالق فإن السياق لا يساعد عليه ، و كذا ما قيل : إن المراد النعم الظاهرة و الباطنة ، و ما قيل : إن المراد الجن و الإنس و الملائكة أو الأجسام و الأرواح أو الدنيا و الآخرة أو ما يشاهد من آثار القدرة و ما لا يشاهد من أسرارها فاللفظ أعم مدلولا من جميع ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 404


قوله تعالى : « إنه لقول رسول كريم» الضمير للقرآن ، و المستفاد من السياق أن المراد برسول كريم النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هوتصديق لرسالته قبال ما كانوا يقولون إنه شاعر أو كاهن .


و لا ضير في نسبة القرآن إلى قوله فإنه إنما ينسب إليه بما أنه رسول و الرسول بما أنه رسول لا يأتي إلا بقول مرسله ، و قد بين ذلك فضل بيان بقوله بعد : « تنزيل من رب العالمين» .


و قيل : المراد برسول كريم جبريل ، و السياق لا يؤيده إذ لو كان هو المراد لكان الأنسب نفي كونه مما نزلت به الشياطين كما فعل في سورة الشعراء .


على أن قوله بعد : « و لو تقول علينا بعض الأقاويل» و ما يتلوه إنما يناسب كونه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) هو المراد برسول كريم .


قوله تعالى : « و ما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون» نفي أن يكون القرآن نظما ألفه شاعر و لم يقل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) شعرا و لم يكن شاعرا .


و قوله : « قليلا ما تؤمنون» توبيخ لمجتمعهم حيث إن الأكثرين منهم لم يؤمنوا و ما آمن به إلا قليل منهم .


قوله تعالى : « و لا بقول كاهن قليلا ما تذكرون» نفي أن يكون القرآن كهانة و النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كاهنا يأخذ القرآن من الجن و هم يلقونه إليه .


و قوله : « قليلا ما تذكرون» توبيخ أيضا لمجتمعهم .


قوله تعالى : « تنزيل من رب العالمين» أي منزل من رب العالمين و ليس من صنع الرسول نسبه إلى الله كما تقدمت الإشارة إليه .


قوله تعالى : « و لو تقول علينا بعض الأقاويل - إلى قوله - حاجزين» يقال : تقول على فلان أي اختلق قولا من نفسه و نسبه إليه ، و الوتين - على ما ذكره الراغب - عرق يسقي الكبد و إذا انقطع مات صاحبه ، و قيل : هو رباط القلب .


و المعنى : « و لو تقول علينا» هذا الرسول الكريم الذي حملناه رسالتنا و أرسلناه إليكم بقرآن نزلناه عليه و اختلق « بعض الأقاويل» و نسبه إلينا « لأخذنا منه باليمين» كما يقبض على المجرم فيؤخذ بيده أو المراد قطعنا منه يده اليمنى أو المراد لانتقمنا منه بالقوة كما في رواية القمي « ثم لقطعنا منه الوتين» و قتلناه لتقوله علينا « فما منكم من أحد عنه


الميزان في تفسير القرآن ج :19ص : 405


حاجزين» تحجبونه عنا و تنجونه من عقوبتنا و إهلاكنا .


و هذا تهديد للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على تقدير أن يفتري على الله كذبا و ينسب إليه شيئا لم يقله و هو رسول من عنده أكرمه بنبوته و اختاره لرسالته .


فالآيات في معنى قوله : « لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذن لأذقناك ضعف الحياة و ضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا» : إسراء : 75 ، و كذا قوله في الأنبياء بعد ذكر نعمه العظمى عليهم : « و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون» : الأنعام : 88 .


فلا يرد أن مقتضى الآيات أن كل من ادعى النبوة و افترى على الله الكذب أهلكه الله و عاقبه في الدنيا أشد العقاب و هو منقوض ببعض مدعي النبوة من الكذابين .


و ذلك أن التهديد في الآية متوجهة إلى الرسول الصادق في رسالته لو تقول على الله و نسب إليه بعض ما ليس منه لا مطلق مدعي النبوة المفتري على الله في دعواه النبوة و إخباره عن الله تعالى .


قوله تعالى : « و إنه لتذكرة للمتقين» يذكرهم كرامة تقواهم و معارف المبدأ و المعاد بحقائقها ، و يعرفهم درجاتهم عند الله و مقاماتهم في الآخرة و الجنة و ما هذا شأنه لا يكون تقولا و افتراء فالآية مسوقة حجة على كون القرآن منزها عن التقول و الفرية .


قوله تعالى : « و إنا لنعلم أن منكم مكذبين و إنه لحسرة على الكافرين» ستظهر لهم يوم الحسرة .


قوله تعالى : « و إنه لحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم» قد تقدم كلام في نظيرتي الآيتين في آخر سورة الواقعة ، و السورتان متحدتان في الغرض و هو وصف يوم القيامة و متحدتان في سياق خاتمتهما و هي الإقسام على حقيقة القرآن المنبى‏ء عن يوم القيامة ، و قد ختمت السورتان بكون القرآن و ما أنبأ به عن وقوع الواقعة حق اليقين ثم الأمر بتسبيح اسم الرب العظيم المنزه عن خلق العالم باطلا لا معاد فيه و عن أن يبطل المعارف الحقة التي يعطيها القرآن في أمر المبدأ و المعاد .


تم و الحمد لله .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
*پست الکترونیک :
* متن نظر :