امروز:
يکشنبه 2 مهر 1396
بازدید :
693
تفسيرالميزان : سوره نوح آيات 28- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :25


71-سورة نوح مكية و هي ثمان و عشرونآية 28



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :26


سورة نوح‏


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَرْسلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَك مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏(1) قَالَ يَقَوْمِ إِنى لَكمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏(2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ‏(3) يَغْفِرْ لَكم مِّن ذُنُوبِكمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُّسمًّىإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُلَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏(4) قَالَ رَب إِنى دَعَوْت قَوْمِى لَيْلاً وَ نَهَاراً(5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِى إِلا فِرَاراً(6) وَ إِنى كلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصبِعَهُمْ فى ءَاذَانهِمْ وَ استَغْشوْا ثِيَابهُمْ وَ أَصرُّوا وَ استَكْبرُوا استِكْبَاراً(7) ثُمَّ إِنى دَعَوْتهُمْ جِهَاراً(8) ثُمَّ إِنى أَعْلَنت لهَُمْ وَ أَسرَرْت لهَُمْ إِسرَاراً(9) فَقُلْت استَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً(10) يُرْسِلِ السمَاءَ عَلَيْكم مِّدْرَاراً(11) وَ يُمْدِدْكم بِأَمْوَلٍ وَ بَنِينَ وَ يجْعَل لَّكمْ جَنَّتٍ وَ يجْعَل لَّكمْ أَنهَراً(12) مَّا لَكمْ لا تَرْجُونَ للَّهِ وَقَاراً(13) وَ قَدْ خَلَقَكمْ أَطوَاراً(14) أَ لَمْ تَرَوْا كَيْف خَلَقَ اللَّهُ سبْعَ سمَوَتٍ طِبَاقاً(15) وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشمْس سِرَاجاً(16) وَ اللَّهُ أَنبَتَكم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً(17) ثمَّ يُعِيدُكمْ فِيهَا وَ يخْرِجُكمْ إِخْرَاجاً(18) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكمُ الأَرْض بِساطاً(19) لِّتَسلُكُوا مِنهَا سبُلاً فِجَاجاً(20) قَالَ نُوحٌ رَّب إِنهُمْ عَصوْنى وَ اتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلا خَساراً(21) وَ مَكَرُوا مَكْراً كبَّاراً(22) وَ قَالُوا لا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سوَاعاً وَ لا يَغُوث وَ يَعُوقَ وَ نَسراً(23) وَ قَدْ أَضلُّوا كَثِيراًوَ لا تَزِدِ الظلِمِينَ إِلا ضلَلاً(24)


بيان


تشير السورة إلى رسالة نوح (عليه‏السلام‏) إلى قومه و إجمال دعوته و عدم استجابتهم له ثم شكواه إلى ربه منهم و دعائه عليهم و استغفاره لنفسه و لوالديه و لمن دخل بيته مؤمنا و للمؤمنين و المؤمنات ثم حلول العذاب بهم و إهلاكهم بالإغراق و السورة مكية بشهادة سياق آياتها .


قوله تعالى : « إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم » « أن أنذر قومك » إلخ ، تفسير لرسالته أي أوحينا إليه أن أنذر « إلخ » .


و في الكلام دلالة على أن قومه كانوا عرضة للعذاب بشركهم و معاصيهم كما يدل عليه ما حكي من قوله (عليه‏السلام‏) في الآية التالية : « اعبدوا الله و اتقوه » و ذلك أن الإنذار تخويف و التخويف إنما يكون من خطر محتمل لا دافع له لو لا التحذر ، و قد أفاد قوله : « من قبل أن يأتيهم عذاب أليم » إنه متوجه إليهم غير تاركهم لو لا تحذرهم منه .


قوله تعالى : « قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله و اتقوه و أطيعون » بيان لتبليغه رسالته إجمالا بقوله : « إني لكم نذير مبين » و تفصيلا بقوله : « أن اعبدوا الله » إلخ .


و في إضافته اليوم إلى نفسه إظهار إشفاق و رحمة أي أنكم قومي يجمعكم و إياي مجتمعنا القومي تسوؤني ما أساءكم فلست أريد إلا ما فيه خيركم و سعادتكم إني لكم نذير إلخ .


و في قوله : « أن اعبدوا الله » دعوتهم إلى توحيده تعالى في عبادته فإن القوم كانوا وثنيين يعبدون الأصنام ، و الوثنية لا تجوز عبادة الله سبحانه لا وحده و لا مع غيره ، و إنما يعبدون أرباب الأصنام بعبادة الأصنام ليكونوا شفعاء لهم عند الله ، و لو جوزوا


الميزان في تفسير القرآن ج:20ص :27


عبادته تعالى لعبدوه وحده فدعوتهم إلى عبادة الله دعوة لهم إلى توحيده في العبادة .


و في قوله : « و اتقوه » دعوتهم إلى اجتناب معاصيه من كبائر الإثم و صغائره و هي الشرك فما دونه ، و فعل الأعمال الصالحة التي في تركها معصية .


و في قوله : « و أطيعون » دعوة لهم إلى طاعة نفسه المستلزم لتصديق رسالته و أخذ معالم دينهم مما يعبد به الله سبحانه و يستن به في الحياة منه (عليه‏السلام‏) ففي قوله : « اعبدوا الله و اتقوه و أطيعون » ندب إلى أصول الدين الثلاثة : التوحيد المشار إليه بقوله : « اعبدوا الله » و المعاد الذي هو أساس التقوى و التصديق بالنبوة المشار إليه بالدعوة إلى الطاعة المطلقة .


قوله تعالى : « يغفر لكم من ذنوبكم » مجزوم في جواب الأمر و كلمة « من » للتبعيض على ما هو المتبادر من السياق ، و المعنى أن تعبدوه و تتقوه و تطيعوني يغفر لكم بعض ذنوبكم و هي الذنوب التي قبل الإيمان : الشرك فما دونه ، و أما الذنوب التي لم تقترف بعد مما سيستقبل فلا معنى لمغفرتها قبل تحققها ، و لا معنى أيضا للوعد بمغفرتها إن تحققت في المستقبل أو كلما تحققت لاستلزام ذلك إلغاء التكاليف الدينية بإلغاء المجازاة على مخالفتها .


و يؤيد ذلك ظاهر قوله تعالى : « يا قومنا أجيبوا داعي الله و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم » : الأحقاف 31 ، و قوله : « يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم » : إبراهيم 10 و قوله : « قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف » : الأنفال 38 .


و أما قوله تعالى يخاطب المؤمنين من هذه الأمة : « يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم و يدخلكم جنات » : الصف 12 فهو و إن كان ظاهرا في مغفرة جميع الذنوب لكنرتبت المغفرة فيه على استمرار الإيمان و العمل الصالح و إدامتهما ما دامت الحياة فلا مغفرة فيه متعلقة بما لم يتحقق بعد من المعاصي و الذنوب المستقبلة و لا وعد بمغفرتها كلما تحققت .


و قد مال بعضهم اعتمادا على عموم المغفرة في آية الصف إلى القول بأن المغفور بسبب الإيمان في هذه الأمة جميع الذنوب و في سائر الأمم بعضها كما هو ظاهر قول نوح لأمته :


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :28


«يغفر لكم من ذنوبكم » و قول الرسل : كما في سورة إبراهيم « يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم » و قول الجن كما في سورة الأحقاف لقومهم : «يا قومنا أجيبوا داعي الله و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم » .


و فيه أن آية الصف موردها غير مورد المغفرة بسبب الإيمان فقط كما أشرنا إليه .


على أن آية الأنفال صريحة في مغفرة ما قد سلف ، و المخاطب به كفار هذه الأمة .


و ذهب بعضهم إلى كون « من » في قوله : « من ذنوبكم » زائدة ، و لم تثبت زيادة « من » في الإثبات فهو ضعيف و مثله في الضعف قول من ذهب إلى أن « من » بيانية ، و قول من ذهب إلى أنها لابتداء الغاية .


قوله تعالى : « و يؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون » تعليق تأخيرهم إلى أجل مسمى على عبادة الله و التقوى و طاعة الرسول يدل على أن هناك أجلين أجل مسمى يؤخرهم الله إليه إن أجابوا الدعوة ، و أجل غيره يعجل إليهم لو بقوا على الكفر ، و إن الأجل المسمى أقصى الأجلين و أبعدهما .


ففي الآية وعدهم بالتأخير إلى الأجل المسمى إن آمنوا و في قوله : « إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر » تعليل للتأخير إلى الأجل المسمى إن آمنوا فالمراد بأجل الله إذا جاء مطلق الأجل المقضي المتحتم أعم من الأجل المسمى و غير المسمى فلا راد لقضائه تعالى و لا معقب لحكمه .


و المعنى : أن اعبدوا الله و اتقوه و أطيعوني يؤخركم الله إلى أجل مسمى هو أقصى الأجلين فإنكم إن لم تفعلوا ذلك جاءكم الأجل غير المسمى بكفركم و لم تؤخروا فإن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ، ففي الكلام مضافا إلى وعد التأخير إلى الأجل المسمى إن آمنوا ، تهديد بعذاب معجل إن لم يؤمنوا .


و قد ظهر بما تقدم عدم استقامة تفسير بعضهم لأجل الله بالأجل غير المسمى و أضعف منه تفسيره بالأجل المسمى .


و ذكر بعضهم : أن المراد بأجل الله يوم القيامة و الظاهر أنه يفسر الأجل المسمى أيضا بيوم القيامة فيرجع معنى الآية حينئذ إلى مثل قولنا : إن لم تؤمنوا عجل الله إليكم بعذاب الدنيا وإن آمنتم أخركم إلى يوم القيامة أنه إذا جاء لا يؤخر .


و أنت خبير بأنه لا يلائم التبشير الذي في قوله : « يغفر لكم من ذنوبكم » .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :29


و قوله : « لو كنتم تعلمون » متعلق بأول الكلام أي لو كنتم تعلمون أن لله أجلين و أن أجله إذا جاء لا يؤخر استجبتم دعوتي و عبدتم الله و اتقيتموه و أطعتموني هذا فمفعول « تعلمون » محذوف يدل عليه سابق الكلام .


و قيل : إن « تعلمون » منزل منزلة الفعل اللازم ، و جواب لو متعلق بأول الكلام ، و المعنى : لو كنتم من أهل العلم لاستجبتم دعوتي و آمنتم ، أو متعلق بآخر الكلام ، و المعنى : لو كنتم من أهل العلم لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر .


قوله تعالى : « قال ربي إني دعوت قومي ليلا و نهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا » القائل هو نوح (عليه‏السلام‏) و الذي دعا إليه هو عبادة الله و تقواه و طاعة رسوله ، و الدعاء ليلا و نهارا كناية عن دوامه من غير فتور و لا توان .


و قوله : « فلم يزدهم دعائي إلا فرارا » أي من إجابة دعوتي فالمراد بالفرار التمرد و التأبي عن القبول استعارة ، و إسناد زيادة الفرار إلى دعائه لما فيه من شائبة السببية لأن الخير إذا وقع في محل غير صالح قاومه المحل بما فيه من الفساد فأفسده فانقلب شرا ، و قد قال تعالى في صفة القرآن : « و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لا يزيد الظالمين إلا خسارا » : إسراء 82 .


قوله تعالى : « و إني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم » إلخ ذكر مغفرته تعالى غاية لدعوته و الأصل دعوتهم ليؤمنوا فتغفر لهم » لأن الغرض الإشارة إلى أنه كان ناصحا لهم في دعوته و لم يرد إلا ما فيه خير دنياهم و عقباهم .


و قوله : « جعلوا أصابعهم في آذانهم » كناية عن استنكافهم عن الاستماع إلى دعوته ، و قوله : « و استغشوا ثيابهم » أي غطوا بها رءوسهم و وجوههم لئلا يروني و لا يسمعوا كلامي و هو كناية عن التنفر و عدم الاستماع إلى قوله .


و قوله : « و أصروا و استكبروا استكبارا » أي و ألحوا على الامتناع من الاستماع و استكبروا عن قبول دعوتي استكبارا عجيبا .


قوله تعالى : « ثم إني دعوتهم جهارا » « ثم » للتراخي بحسب رتبة الكلام و الجهار النداء بأعلى الصوت .


قوله تعالى : « ثم إني أعلنت لهم و أسررت لهم إسرارا » الإعلان و الإسرار متقابلان


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :30


و هما الإظهار و الإخفاء ، و ظاهر السياق أن مرجع ضمير لهم في الموضعين واحد فالمعنى دعوتهم سرا و علانية فتارة علانية و تارة سرا سالكا في دعوتي كل مذهب ممكن و سائرا في كل مسير مرجو .


قوله تعالى : « فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا - إلى قوله - أنهارا » علل أمرهم بالاستغفار بقوله : « إنه كان غفارا » دلالة على أنه تعالى كثير المغفرة و هي مضافا إلى كثرتها منه سنة مستمرة له تعالى .


و قوله : « يرسل السماء عليكم مدرارا » مجزوم في جواب الأمر ، و المراد بالسماء السحاب ، و المدرار كثير الدرور بالأمطار .


و قوله : « و يمددكم بأموال و بنين » الأمداد إلحاق المدد و هو ما يتقوى به الممد على حاجته ، و الأموال و البنون أقرب الأعضاد الابتدائية التي يستعين بها المجتمع الإنساني على حوائجه الحيوية .


و قوله : « و يجعل لكم جنات و يجعل لكم أنهارا » هما من قسم الأموال غير أنهما لكونهما من أبسط ضروريات المعاش خصا بالذكر .


و الآيات - كما ترى - تعد النعم الدنيوية و تحكي عنه (عليه‏السلام‏) أنه يعد قومه توافر النعم و تواترها عليهم أن استغفروا ربهم فلمغفرة الذنوب أثر بالغ في رفع المصائب و النقمات العامة و انفتاح أبواب النعم من السماء و الأرض أي إن هناك ارتباطا خاصابين صلاح المجتمع الإنساني و فساده و بين الأوضاع العامة الكونية المربوطة بالحياة الإنسانية و طيب عيشه و نكده .


كما يدل عليه قوله تعالى : « ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس » : الروم 41 ، و قوله : « و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم » : الشورى 30 ، و قوله : « و لو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض » : الأعراف 94 ، و قد تقدم في تفسير الآيات ما لا يخلو من نفع في هذا المقام .


قوله تعالى : « ما لكم لا ترجون لله وقارا » استفهام إنكاري و الوقار - كما في المجمع، - بمعنى العظمة اسم من التوقير بمعنى التعظيم ، و الرجاء مقابل الخوف و هو الظن بما فيه مسرة ، و المراد به في الآية مطلق الاعتقاد على ما قيل ، و قيل : المراد به الخوف للملازمة بينهما .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :31


و المعنى : أي سبب حصل لكم حال كونكم لا تعتقدون أو لا تخافون لله عظمة توجب أن تعبدوه .


و الحق أن المراد بالرجاء معناه المعروف و هو ما يقابل الخوف و نفيه كناية عن اليأس فكثيرا ما يكنى به عنه يقال : لا أرجو فيه خيرا أي أنا آيس من أن يكون فيه خير ، و الوقار الثبوت و الاستقرار و التمكنو هو الأصل في معناه كما صرح به في المجمع ، و وقاره تعالى ثبوته و استقراره في الربوبية المستتبع لألوهيته و معبوديته .


كان الوثنيين طلبوا ربا له وقار في الربوبية لعبدوه فيئسوا منه تعالى فعبدوا غيره و هو كذلك فإنهم يرون أنه تعالى لا يحيط به أفهامنا فلا سبيل للتوجه العبادي إليه ، و العبادة أداء لحق الربوبية التي يتفرع عليها تدبير الأمر و تدبير أمور العالم مفوض إلى أصناف الملائكة و الجن فهم أربابنا الذين يجب علينا عبادتهم ليكونوا شفعاء لنا عند الله ، و أما هو تعالى فليس له إلا الإيجاد إيجاد الأرباب و مربوبيهمجميعا دون التدبير .


و الآية أعني قوله : « ما لكم لا ترجون لله وقارا » و ما يتلوها إلى تمام سبع آيات مسوقة لإثبات وقاره تعالى في الربوبية و حجة قاطعة في نفي ما لفقوه لوجوب عبادة غيره من الملائكة و غيرهم لاستناد تدبير العالم إليهم ، و يتبين به إمكان التوجه العبادي إليه تعالى .


و محصل الحجة : ما الذي دعاكم إلى نفي ربوبيته تعالى المستتبع للألوهية و المعبودية و اليأس عن وقاره ؟ و أنتم تعلمون أنه تعالى خلقكم و خلق العالم الذي تعيشون فيه طورا من الخلق لا ينفك عن هذا النظام الجاري فيه ، و ليس تدبير الكون و من فيه من الإنسان إلا التطورات المخلوقة في أجزائه و النظام الجاري فيه فكونه تعالى خالقا هو كونه مالكا مدبرا فهو الرب لا رب سواه فيجب أن يتخذ إلها معبودا .


و يتبين به صحة التوجه إليه تعالى بالعبادة فإنا نعرفه بصفاته الكريمة من الخلق و الرزق و الرحمة و سائر صفاته الفعلية فلنا أن نتوجه إليه بما نعرفه من صفاته .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :32


قوله تعالى : « و قد خلقكم أطوارا » حال من فاعل « لا ترجون » و الأطوار جمع طور و هو حد الشي‏ء و حاله التي هو عليها .


و محصل المعنى - لا ترجون لله وقارا في ربوبية - و الحال أنه أنشأكم طورا بعد طور يستعقب طورا آخر فأنشأ الواحد منكم ترابا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا ثم طفلا ثم شابا ثم شيخا و أنشأ جمعكم مختلفة الأفراد في الذكورة و الأنوثة و الألوان و الهيئات و القوة و الضعف إلى غير ذلك ، و هل هذا إلا التدبير فهو مدبر أمركم فهو ربكم .


قوله تعالى : « أ لم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا » مطابقة السماوات السبع بعضها لبعض كون بعضها فوق بعض أو تطابقهن و تماثلهن على الاحتمالين المتقدمين في تفسير أوائل سورة الملك .


و المراد بالرؤية العلم ، و توصيف السماوات السبع - و الكلام مسوق سوق الحجة - يدل على أنهم كانوا يرون كونها سبعا و يسلمون ذلك فاحتج عليهم بالمسلم عندهم .


و كيف كان فوقوع حديث السماوات السبع في كلام نوح دليل على كونه مأثورا من الأنبياء (عليهم‏السلام‏) من أقدم العهود .


قوله تعالى : « و جعل القمر فيهن نورا و جعل الشمس سراجا » الآيات - كما يشهد به سياقها - مسوقة لبيان وقوع التدبير الإلهي على الإنسان بما يفيض عليه من النعم حتى تثبت ربوبيته فتجب عبادته .


و على هذا فكون الشمس سراجا هو كونها مضيئة لعالمنا و لولاها لانغمرنا في ظلمة ظلماء ، و كون القمر نورا هو كونه منورا لأرضنا بنور مكتسب من الشمس فليس منورا بنفسه حتى يعد سراجا .


و أما أخذ السماوات ظرفا للقمر في قوله : « و جعل القمر فيهن نورا » فالمراد به كما قيل كونه في حيزهن و إن كان في واحدة منها كما تقول : إن في هذه الدور لبئرا و إن كانت في واحدة منها لأن ما كان في إحداهن كان فيهن و كما تقول : أتيت بني تميم و إنما أتيت بعضهم .


قوله تعالى : « و الله أنبتكم من الأرض نباتا » أي أنبتكم إنبات النبات و ذلك أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :33


الإنسان تنتهي خلقته إلى عناصر أرضية تركبت تركبا خاصا به يغتذي و ينمو و يولد المثل ، و هذه حقيقة النبات ، فالكلام مسوق سوق الحقيقة من غير تشبيه و استعارة .


قوله تعالى : « ثم يعيدكم فيها و يخرجكم إخراجا » الإعادة فيها بالإماتة و الإقبار ، و الإخراج للجزاء يوم القيامة فالآية و التي قبلها قريبتا المعنى من قوله تعالى : « فيها تحيون و فيها تموتون و منها تخرجون » : الأعراف : 25 .


و في قوله : « و يخرجكم » دون أن يقول : ثم يخرجكم إيماء إلى أن الإعادة و الإخراج كالصنع الواحد و الإعادة مقدمة للإخراج ، و الإنسان في حالتي الإعادة و الإخراج في دار الحق كما أنه في الدنيا في دار الغرور .


قوله تعالى : « و الله جعل لكم الأرض بساطا » أي كالبساط يسهل لكم التقلب من جانب إلى جانب ، و الانتقال من قطر إلى قطر .


قوله تعالى : « لتسلكوا منها سبلا فجاجا » السبل جمع سبيل بمعنى الطريق و الفجاج جمع فج بمعنى الطريق الواسعة ، و قيل : الطريق الواقعة بين الجبلين .


قوله تعالى : « قال نوح رب إنهم عصوني و اتبعوا من لم يزده ماله و ولده إلا خسارا » رجوع منه (عليه‏السلام‏) إلى شكواه من قومه إلى ربه بعد ما ذكر تفصيل دعوته لهم و ما ألقاه من القول إليهم من قوله : « ثم إني دعوتهم جهارا » إلى آخر الآيات .


و شكواه السابق له قوله : « فلم يزدهم دعائي إلا فرارا » بعد ما أخبر بإجمال دعوته بقوله : « رب إني دعوت قومي ليلا و نهارا » .


و في الآية دلالة على أن العظماء المترفين من قومه (عليه‏السلام‏) كانوا يصدون الناس عنه و يحرضونهم على مخالفته و إيذائه .


و معنى قوله : « لم يزده ماله و ولده إلا خسارا » - و قد عد المال و الولد في سابق كلامه من النعم - أن المال و الولد اللذين هما من نعمك و كان يجب عليهم شكرهما لم يزيداهم إلا كفرا و أورثهم ذلك خسرانا من رحمتك .


قوله تعالى : « و مكروا مكرا كبارا » الكبار اسم مبالغة من الكبر .


قوله تعالى : « و قالوا لا تذرن آلهتكم و لا تذرن ودا و لا سواعا و لا يغوث و يعوق و نسرا » توصية منهم بالتمسك بآلهتهم و عدم ترك عبادتها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :34


و ود و سواع و يغوث و يعوق و نسر خمس من آلهتهم لهم اهتمام تام بعبادتهن و لذا خصوها بالذكر مع الوصية بمطلق الآلهة ، و لعل تصدير ود و ذكر سواع و يغوث بلا المؤكدة للنفي لكونها أعظم أمرا عندهم من يعوق و نسر و الله أعلم .


قوله تعالى : « و قد أضلوا كثيرا و لا تزد الظالمين إلا ضلالا » ضمير « أضلوا » للرؤساء المتبوعين و يتأيد به أنهم هم المحدث عنهم في قوله : « و مكروا » « و قالوا لا تذرن آلهتكم » و قيل : الضمير للأصنام فهم المضلون ، و لا يخلو من بعد .


و قوله : « و لا تزد الظالمين إلا ضلالا » دعاء من نوح على الظالمين بالضلال و المراد به الضلال مجازاة دون الضلال الابتدائي فهو دعاء منه أن يجازيهم الله بكفرهم و فسقهم مضافا إلى ما سيحكي عنه من دعائه عليهم بالهلاك .


بحث روائي


في نهج البلاغة ، : و قد جعل الله سبحانه الاستغفار سببا لدرور الرزق و رحمة الخلق فقال سبحانه : « استغفروا ربكم إنه كان غفارا - يرسل السماء عليكم مدرارا و يمددكم بأموال و بنين » فرحم الله امرأ استقبل توبته ، و استقال خطيئته ، و بادر منيته أقول : و الروايات في استفادة سببية الاستغفار لسعة الرزق و الأمداد بالأولاد من هذه الآيات كثيرة .


و في الخصال ، عن علي (عليه‏السلام‏) في حديث الأربعمائة : أكثر الاستغفار تجلب الرزق .


و في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قوله تعالى : « لا ترجون لله وقارا » قال ؟ لا تخافون لله عظمة : . أقول : و قد روي هذا المعنى من طرق أهل السنة عن ابن عباس .


و فيه ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قوله تعالى : « سبع سماوات طباقا » يقول بعضها فوق بعض .


و فيه ، : في قوله تعالى : « رب إنهم عصوني - و اتبعوا من لم يزده ماله و ولده إلا خسارا » قال : اتبعوا الأغنياء .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :35


و في الدر المنثور ، أخرج البخاري و ابن المنذر و ابن مردويه عن ابن عباس قال : صارت الأصنام و الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد . أما ود فكانت لكلب في دومة الجندل ، و أما سواع فكانت لهذيل ، و أما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف عند سبإ ، و أما يعوق فكانت لهمدان، و أما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع . و كانوا أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا و سموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك و نسخ العلم عبدت .


أقول : لعل المراد بصيرورة تلك الأصنام التي كانت لقوم نوح إلى العرب مطابقة ما عند العرب لما كان عندهم في الأسماء أو في الأوصاف و الأسماء ، و أما انتقال تلك الأصنام بأشخاصهن إلى العرب فبعيد غايته .


و روي القصة أيضا في علل الشرائع ، بإسناده عن جعفر بن محمد (عليهماالسلام‏) كما في الرواية و في روضة الكافي ، بإسناده عن المفضل عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) في حديث : فعمل نوح سفينته في مسجد الكوفة بيده فأتي بالخشب من بعد حتى فرغ منها . قال : فالتفت عن يساره و أشار بيده إلى موضع دار الداريين و هو موضع دار ابن حكيم ، و ذاك فرات اليوم ، فقال لي يا مفضل و هنا نصبت أصنام قوم نوح : يغوث و يعوق و نسر .


مِّمَّا خَطِيئَتهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يجِدُوا لهَُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصاراً(25) وَ قَالَ نُوحٌ رَّب لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّاراً(26) إِنَّك إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَك وَ لا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كفَّاراً(27) رَّب اغْفِرْ لى وَ لِوَلِدَى وَ لِمَن دَخَلَ بَيْتىَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ وَ لا تَزِدِ الظلِمِينَ إِلا تَبَارَا(28)



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :36


بيان


تتضمن الآيات هلاك القوم و تتمة دعاء نوح (عليه‏السلام‏) عليهم .


قوله تعالى : « مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا » إلخ « من » لابتداء الغاية تفيد بحسب المورد التعليل و « ما » زائدة لتأكيد أمر الخطايا و تفخيمه ، و الخطيئات المعاصي و الذنوب ، و تنكير النار للتفخيم .


و المعنى : من أجل معاصيهم و ذنوبهم أغرقوا بالطوفان فأدخلوا - أدخلهم الله - نارا لا يقدر عذابها بقدر ، و من لطيف نظم الآية الجمع بين الإغراق بالماء و إدخال النار .


و المراد بالنار نار البرزخ التي يعذب بها المجرمون بين الموت و البعث دون نار الآخرة ، و الآية من أدلة البرزخ إذ ليس المراد أنهم أغرقوا و سيدخلون النار يوم القيامة ، و لا يعبأ بما قيل : إن من الجائز أن يراد بها نار الآخرة .


و قوله : « فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا » أي ينصرونهم في صرف الهلاك و العذاب عنهم .


تعريض لأصنامهم و آلهتهم .


قوله تعالى : « و قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا » الديار نازل الدار ، و الآية تتمة دعائه (عليه‏السلام‏) عليهم ، و كان قوله : « مما خطيئاتهم أغرقوا » إلخ معترضا واقعا بين فقرتي الدعاء للإشارة إلى أنهم أهلكوا لما عد نوح من خطيئاتهم و لتكون كالتمهيد لسؤاله الهلاك فيتبين أن إغراقهم كان استجابة لدعائه ، و أن العذاب استوعبهم عن آخرهم .


قوله تعالى : « إنك إن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا إلا فاجرا كفارا » تعليل لسؤال إهلاكهم عن آخرهم مفاده أن لا فائدة في بقائهم لا لمن دونهم من المؤمنين فإنهم يضلونهم ، و لا فيمن يلدونه من الأولاد فإنهم لا يلدون إلا فاجرا كفارا - و الفجور الفسق الشنيع و الكفار المبالغ في الكفر .


و قد استفاد (عليه‏السلام‏) ما ذكره من صفتهم من الوحي الإلهي على ما تقدم في تفسير قصة نوح من سورة هود .


قوله تعالى : « رب اغفر لي و لوالدي و لمن دخل بيتي مؤمنا و للمؤمنين و المؤمنات »


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :37


«إلخ » المراد بمن دخل بيته مؤمنا المؤمنون به من قومه ، و بالمؤمنين و المؤمنات عامتهم إلى يوم القيامة .


و قوله : « و لا تزد الظالمين إلا تبارا » التبار الهلاك ، و الظاهر أن المراد بالتبار ما يوجب عذاب الآخرة و هو الضلال و هلاك الدنيا بالغرق ، و قد تقدما جميعا في دعائه ، و هذا الدعاء آخر ما نقل من كلامه (عليه‏السلام‏) في القرآن الكريم .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :