امروز:
سه شنبه 4 مهر 1396
بازدید :
645
تفسيرالميزان : سوره مدثر آيات 56- 1


74- سورة المدثر مكية و هي ست و خمسون آية 56


سورة المدثر


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَأَيهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنذِرْ(2) وَ رَبَّك فَكَبرْ(3) وَ ثِيَابَك فَطهِّرْ(4) وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ(5) وَ لا تَمْنُن تَستَكْثرُ(6) وَ لِرَبِّك فَاصبرْ(7)



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :79


بيان


تتضمن السورة أمر النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالإنذار في سياق يلوح منه كونه من أوامر أوائل البعثة ثم الإشارة إلى عظم شأن القرآن الكريم و جلالة قدره ، و الوعيد الشديد على من يواجهه بالإنكار و الرمي بالسحر ، و ذم المعرضين عن دعوته .


و السورة مكية من العتائق النازلة في أوائل البعثة و ظهور الدعوة حتى قيل : إنها أول سورة نزلت من القرآن و إن كان يكذبه نفس آيات السورة الصريحة في سبق قراءته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) القرآن على القوم و تكذيبهم به و إعراضهم عنهم و رميهم له بأنه سحر يؤثر .


و لذا مال بعضهم إلى أن النازل أولا هي الآيات السبع الواقعة في أول السورة و لازمه كون السورة غير نازلة دفعة و هو و إن كان غير بعيد بالنظر إلى متن الآيات السبع لكن يدفعه سياق أول سورة العلق الظاهر في كونه أول ما نزل من القرآن .


و احتمل بعضهم أن تكون السورة أول ما نزل على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عند الأمر بإعلان الدعوة بعد إخفائها مدة في أول البعثة فهي في معنى قوله : « فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين » : الحجر 94 ، و بذلك جمع بين ما ورد من أنها أول ما نزل ، و ما ورد أنها نزلت بعد سورة العلق ، و ما ورد أن سورتي المزمل و المدثر نزلتا معا ، و هذا القول لا يتعدى طور الاحتمال .


و كيف كان فالمتيقن أن السورة من أوائل ما نزل على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من السور القرآنية، و الآيات السبع التي نقلناها تتضمن الأمر بالإنذار و سائر الخصال التي تلزمه مما وصاه الله به .


قوله تعالى : « يا أيها المدثر » المدثر بتشديد الدال و الثاء أصله المتدثر اسم فاعل من التدثر بمعنى التغطي بالثياب عند النوم .


و المعنى : يا أيها المتغطي بالثياب للنوم خطاب للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قد كان على هذه الحال فخوطب بوصف مأخوذ من حاله تأنيسا و ملاطفة نظير قوله : « يا أيها المزمل » .


و قيل : .


المراد بالتدثر تلبسه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالنبوة بتشبيهها بلباس يتحلى به و يتزين و قيل : المراد به اعتزاله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و غيبته عن النظر فهو خطاب له بما كان عليه في غار حراء ، و قيل : المراد به الاستراحة و الفراغ فكأنه قيل له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : يا أيها المستريح الفارغ قد


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :80


انقضى زمن الراحة و أقبل زمن متاعب التكاليف و هداية الناس .


و هذه الوجوه و إن كانت في نفسها لا بأس بها لكن الذي يسبق إلى الذهن هو المعنى الأول .


قوله تعالى : « قم فأنذر » الظاهر أن المراد به الأمر بالإنذار من غير نظر إلى من ينذر فالمعنى افعل الإنذار ، و ذكر بعضهم أن مفعول الفعل محذوف ، و التقدير أنذر عشيرتك الأقربين لمناسبته لابتداء الدعوة كما ورد في سورة الشعراء .


و ذكر آخرون أن المفعول المحذوف عام و هو جميع الناس لقوله : « و ما أرسلناك إلا كافة للناس » : سبأ : 28 .


و لم يذكر التبشير مع الإنذار مع أنهما كالمتلازمين في تمام الدعوة لأن السورة مما نزل في ابتداء الدعوة و الإنذار هو الغالب إذ ذاك .


قوله تعالى : « و ربك فكبر » أي أنسب ربك إلى الكبرياء و العظمة اعتقادا و عملا قولا و فعلا و هو تنزيهه تعالى من أن يعادله أو يفوقه شي‏ء فلا شي‏ء يشاركه أو يغلبه أو يمانعه ، و لا نقص يعرضه ، و لا وصف يحده .


و لذا ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) أن معنى التكبير : الله أكبر من أن يوصف ، فهو تعالى أكبر من كل وصف نصفه به حتى من هذا الوصف ، و هذا هو المناسب للتوحيد الإسلامي الذي يفوق ما نجده من معنى التوحيد في سائر الشرائع السماوية .


و هذا الذي ذكرناه هو الفرق بين كلمتي التكبير و التسبيح - الله أكبر و سبحان الله - فسبحان الله تنزيه له تعالى عن كل وصف عدمي مبني على النقص كالموت و العجز و الجهل و غير ذلك ، و الله أكبر تنزيه مطلق له تعالى عن كل وصف نصفه به أعم من أن يكون عدميا أو وجوديا حتى من نفس هذا الوصف لما أن كل مفهوم محدود في نفسه لا يتعدى إلى غيره من المفاهيم و هو تعالى لا يحيط به حد ، فافهم ذلك .


و قيل : المراد الأمر بالتكبير في الصلاة .


و التعبير عنه تعالى بربك لا يخلو من إشعار بأن توحيده تعالى يومئذ كان يختص به .


قال في الكشاف ، في قوله : « فكبر » : و دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل : و ما كان فلا تدع تكبيره .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :81


قوله تعالى : « و ثيابك فطهر » قيل : كناية عن إصلاح العمل ، و لا يخلو من وجه فإن العمل بمنزلة الثياب للنفس بما لها من الاعتقاد فالظاهر عنوان الباطن ، و كثيرا ما يكنى في كلامهم عن صلاح العمل بطهارة الثياب .


و قيل : كناية عن تزكية النفس و تنزيهها عن الذنوب و المعاصي .


و قيل : المراد تقصير الثياب لأنه أبعد من النجاسة و لو طالت و انجرت على الأرض لم يؤمن أن تتنجس .


و قيل : المراد تطهير الأزواج من الكفر و المعاصي لقوله تعالى : « هن لباس لكم » : البقرة 187 .


و قيل : الكلام على ظاهره و المراد تطهير الثياب من النجاسات للصلاة و الأقرب على هذا أن يجعل قوله : « و ربك فكبر » إشارة إلى تكبير الصلاة و تكون الآيتان مسوقتين لتشريع أصل الصلاة مقارنا للأمر بالدعوة .


و لا يرد عليه ما قيل : إن نزول هذه الآيات كان حيث لا صلاة أصلا و ذلك أن تشريع الفرائض الخمس اليومية على ما هي عليها اليوم و إن كان في ليلة المعراج و هي جميعا عشر ركعات ثم زيد عليها سبع ركعات إلا أن أصل الصلاة كان منذ أوائل البعثة كما يشهد به ذكرها في هذه السورة و سورتي العلق و المزمل ، و يدل عليه الروايات .


و قيل : المراد بتطهير الثياب التخلق بالأخلاق الحميدة و الملكات الفاضلة .


و في معنى تطهير الثياب أقوال أخر أغمضنا عن نقلها لإمكان إرجاعها إلى بعض ما تقدم من الوجوه ، و أرجح الوجوه المتقدمة أولها و خامسها .


قوله تعالى : « و الرجز فاهجر » قيل : الرجز بضم الراء و كسرها العذاب ، و المراد بهجره هجر سببه و هو الإثم و المعصية ، و المعنى اهجر الإثم و المعصية .


و قيل : الرجز اسم لكل قبيح مستقذر من الأفعال و الأخلاق فالأمر بهجره أمر بترك كل ما يكرهه الله و لا يرتضيه مطلقا ، أو أمر بترك خصوص الأخلاق الرذيلة الذميمة على تقدير أن يكون المراد بتطهير الثياب ترك الذنوب و المعاصي .


و قيل : الرجز هو الصنم فهو أمر بترك عبادة الأصنام .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :82


قوله تعالى : « و لا تمنن تستكثر » الذي يعطيه سياق الآيات و يناسب المقام أن يكون المراد بالمن تكدير الصنيعة بذكرها للمنعم عليه كما في قوله تعالى : « لا تبطلوا صدقاتكم بالمن و الأذى » : البقرة : 264 ، و قوله : « يمنون عليك أن أسلموا » : الحجرات 17 و المراد بالاستكثار رؤية الشي‏ء و حسبانه كثيرا لا طلب الكثرة .


و المعنى : لا تمنن امتثالك لهذه الأوامر و قيامك بالإنذار و تكبيرك ربك و تطهيرك ثيابك و هجرك الرجز حال كونك ترى ذلك كثيرا و تعجبه - فإنما أنت عبد لا تملك من نفسك شيئا إلا ما ملكك الله و أقدرك عليه و هو المالك لما ملكك و القادر على ما عليه أقدرك فله الأمر و عليك الامتثال - .


و للقوم في الآية وجوه أخر من التفسير لا تلائم السياق تلك الملاءمة فقيل المعنى لا تعط عطية لتعطى أكثر منها .


و قيل : المعنى لا تمنن ما أعطاك الله من النبوة و القرآن على الناس مستكثرا به الأجر .


و قيل : أي لا تمنن إبلاغ الرسالة على أمتك .


و قيل : المعنى لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعاتك .


و قيل : المعنى لا تمنن بعطائك على الناس مستكثرا له .


و قيل : أي إذا أعطيت عطية فأعطها لربك و اصبر حتى يكون هو الذي يثيبك .


و قيل : هو نهي عن الربا المحرم أي لا تعط شيئا طالبا أن تعطي أكثر مما أعطيت .


قوله تعالى : « و لربك فاصبر » أي لوجه ربك ، و الصبر مطلق يشمل الصبر عند المصيبة و الصبر على الطاعة و الصبر عن المعصية ، و المعنى و لوجه ربك فاصبر عند ما يصيبك من المصيبة و الأذى في قيامك بالإنذار و امتثالك هذه الأوامر و اصبر على طاعة الله و اصبر عن معصيته ، و هذا معنى جامع لمتفرقات ما ذكروه في تفسير الآية كقول بعضهم : إنه أمر بنفس الفعل من غير نظر إلى متعلقه ، و قول بعضهم : إنه الصبر على أذى المشركين ، و قول بعضهم : إنه الصبر على أداء الفرائض ، إلى غير ذلك .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :83


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج الطيالسي و عبد الرزاق و أحمد و عبد بن حميد و البخاري و مسلم و الترمذي و ابن الضريس و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه و ابن الأنباري في المصاحف عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال : يا أيها المدثر قلت : يقولون : اقرأ باسم ربك الذي خلق ؟ فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك ، قلت له مثل ما قلت . قال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) . قال : جاورت بحراء فلما قضيت جواري نوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا و نظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، و نظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء و الأرض فجثت منه رعبا فرجعت فقلت : دثروني دثروني فنزلت : « يا أيها المدثر قم فأنذر إلى قوله و الرجز فاهجر » .


أقول : الحديث معارض بالأحاديث الآخر الدالة على كون سورة اقرأ أول ما نزل من القرآن و يؤيدها سياق سورة اقرأ ، على أن قوله : « فإذا الملك الذي جاءني بحراء » يشعر بنزول الوحي عليه قبلا .


و فيه ، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة : قلنا : يا رسول الله كيف نقول إذا دخلنا في الصلاة ؟ فأنزل الله « و ربك فكبر » فأمرنا رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) أن نفتتح الصلاة بالتكبير .


أقول : و في الرواية شي‏ء فأبو هريرة ممن آمن بعد الهجرة بكثير و السورة مما نزل في أول البعثة فأين كان أبو هريرة أو الصحابة يومئذ ؟ .


و في الخصال ، عن أمير المؤمنين (عليه‏السلام‏) في حديث الأربعمائة : تشمير الثياب طهور لها قال الله تبارك و تعالى : « و ثيابك فطهر » يعني فشمر .


أقول : و في المعنى عدة أخبار مروية في الكافي ، و المجمع ، عن أبي جعفر و أبي عبد الله .


و أبي الحسن (عليه‏السلام‏) .


و في الدر المنثور ، أخرج الحاكم و صححه و ابن مردويه عن جابر قال : سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : « و الرجز فاهجر » برفع الراء ، و قال : هي الأوثان .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :84


أقول : و قوله : « هي الأوثان » من كلام جابر أو غيره من رجال السند .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و لا تمنن تستكثر » : و في رواية أبي الجارود يقول : لا تعط تلتمس أكثر منها .


فَإِذَا نُقِرَ فى النَّاقُورِ(8) فَذَلِك يَوْمَئذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9) عَلى الْكَفِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ(10) ذَرْنى وَ مَنْ خَلَقْت وَحِيداً(11) وَ جَعَلْت لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً(12) وَ بَنِينَ شهُوداً(13) وَ مَهَّدت لَهُ تَمْهِيداً(14) ثمَّ يَطمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15) َكلاإِنَّهُ كانَ لاَيَتِنَا عَنِيداً(16) سأُرْهِقُهُ صعُوداً(17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ(18) فَقُتِلَ كَيْف قَدَّرَ(19) ثمَّ قُتِلَ كَيْف قَدَّرَ(20) ثمَّ نَظرَ(21) ثمَّ عَبَس وَ بَسرَ(22) ثمَّ أَدْبَرَ وَ استَكْبرَ(23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سحْرٌ يُؤْثَرُ(24) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشرِ(25) سأُصلِيهِ سقَرَ(26) وَ مَا أَدْرَاك مَا سقَرُ(27) لا تُبْقِى وَ لا تَذَرُ(28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشرِ(29) عَلَيهَا تِسعَةَ عَشرَ(30) وَ مَا جَعَلْنَا أَصحَب النَّارِ إِلا مَلَئكَةًوَ مَا جَعَلْنَا عِدَّتهُمْ إِلا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَستَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب وَ يَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِيمَناًوَ لا يَرْتَاب الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب وَ الْمُؤْمِنُونَوَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فى قُلُوبهِم مَّرَضٌ وَ الْكَفِرُونَ مَا ذَا أَرَادَ اللَّهُ بهَذَا مَثَلاًكَذَلِك يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ وَ يهْدِى مَن يَشاءُوَ مَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّك إِلا هُوَوَ مَا هِىَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشرِ(31)



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :85


بيان


في الآيات وعيد شديد للطاعنين في القرآن الرامين له بأنه سحر و المستهزءين لبعض ما فيه من الحقائق .


قوله تعالى : « فإذا نقر في الناقور » النقر القرع و الناقور ما ينقر فيه للتصويت ، و النقر في الناقور كالنفخ في الصور كناية عن بعث الموتى و إحضارهم لفصل القضاء يوم القيامة و الجملة شرطية جزاؤها قوله « فذلك » إلخ .


قوله تعالى : « فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير » الإشارة بقوله « فذلك » إلى زمان نقر الناقور و لا يبعد أن يكون المراد بيومئذ يوم إذ يرجعون إلى الله للحساب و الجزاء أو يوم إذ يرجع الخلائق إلى الله فيكون ظرفا ليوم نقر الناقور فمن الجائز أن تعتبر قطعة من الزمان ظرفا لبعض أجزائه كالسنة تجعل ظرفا للشهر و الشهر يجعل ظرفا لليوم لنوع من العناية أو يعتبر زمان متعددا مختلفا باختلاف صفاته أو الحوادث الواقعة فيه ثم يجعل باعتبار بعض صفاته ظرفا لنفسه باعتبار صفة أخرى .


و المعنى فزمان نقر الناقور الواقع في يوم رجوعالخلائق إلى الله زمان عسير على الكافرين أو زمان نقر الناقور زمان عسير على الكافرين في يوم الرجوع - بناء على كون قوله : « يومئذ » قيدا لقوله : « فذلك » أو لقوله : « يوم » .


و قال في الكشاف ، : فإن قلت : بم انتصب إذا و كيف صح أن يقع يومئذ ظرفا ليوم عسير ؟ قلت : انتصب إذا بما دل عليه الجزاء لأن المعنى إذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين ، و الذي أجاز وقوع يومئذ ظرفا ليوم عسير أن المعنى فذلك وقت النقر وقوع يوم عسير لأن يوم القيامة يأتي و يقع حين ينقر في الناقور .


انتهى .


و قال : و يجوز أن يكون يومئذ مبنيا مرفوع المحل بدلا من ذلك ، و يوم عسير خبر كأنه قيل : فيوم النقر يوم عسير .


انتهى .


و قوله : « غير يسير » وصف آخر ليوم مؤكد لعسره و يفيد أنه عسير من كل وجه من وجه دون وجه .


قوله تعالى : « ذرني و من خلقت وحيدا » كلمة تهديد و قد استفاض النقل أن الآية


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :86


و ما يتلوها إلى تمام عشرين آية نزلت في الوليد بن المغيرة ، و ستأتي قصته في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى .


و قوله : « وحيدا » حال من فاعل « خلقت » و محصل المعنى : دعني و من خلقته حال كوني وحيدا لايشاركني في خلقه أحد ثم دبرت أمره أحسن التدبير ، و لا تحل بيني و بينه فأنا أكفيه .


و من المحتمل أن يكون حالا من مفعول « ذرني » .


و قيل : حال من مفعول خلقت المحذوف و هو ضمير عائد إلى الموصول ، و محصل المعنى دعني و من خلقته حال كونه وحيدا لا مال له و لا بنون ، و احتمل أيضا أن يكون « وحيدا » منصوبا بتقدير « أذم » و أحسن الوجوه أولها .


قوله تعالى : « و جعلت له مالا ممدودا » أي مبسوطا كثيرا أو ممدودا بمدد النماء .


قوله تعالى : « و بنين شهودا » أي حضورا يشاهدهم و يتأيد بهم ، و هو عطف على قوله : « مالا » .


قوله تعالى : « و مهدت له تمهيدا » التمهيد التهيئة و يتجوز به عن بسطة المال و الجاه و انتظام الأمور .


قوله تعالى : « ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا » أي ثم يطمع أن أزيد فيما جعلت له من المال و البنين و مهدت له من التمهيد .


و قوله : « كلا » ردع له ، و قوله : « إنه كان » إلخ تعليل المردع ، و العنيد المعاند المباهي بما عنده ، قيل ، ما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله و ولده حتى هلك .


قوله تعالى : « سأرهقه صعودا » الإرهاق الغشيان بالعنف ، و الصعود عقبة الجبل التي يشق مصعدها شبه ما سيناله من سوء الجزاء و مر العذاب بغشيانه عقبة وعر صعبة الصعود .


قوله تعالى : « إنه فكر و قدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر » التفكير معروف ، و التقدير عن تفكير نظم معان و أوصاف في الذهن بالتقديم و التأخير و الوضع و الرفع لاستنتاج غرض مطلوب ، و قد كان الرجل يهوى أن يقول في أمر القرآن شيئا يبطل به


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :87


دعوته و يرضي به قومه المعاندين ففكر فيه أ يقول : شعر أو كهانة أو هذرة جنون أو أسطورة فقدر أن يقول : سحر من كلام البشر لأنه يفرق بين المرء و أهله و ولده و مواليه .


و قوله : « فقتل كيف قدر » دعا عليه على ما يعطيه السياق نظير قوله : « قاتلهم الله أنى يؤفكون » : التوبة 30 .


و قوله : « ثم قتل كيف قدر » تكرار للدعاء تأكيدا .


قوله تعالى : « ثم نظر ثم عبس و بسر ثم أدبر و استكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر » تمثيل لحاله بعد التكفير و التقدير و هو من ألطف التمثيل و أبلغه .


فقوله : « ثم نظر » أي ثم نظر بعد التفكير و التقدير نظرة من يريد أن يقضي في أمر سئل أن ينظر فيه - على ما يعطيه سياق التمثيل - .


و قوله : « ثم عبس و بسر » العبوس تقطيب الوجه ، قال في المجمع ، : و عبس يعبس عبوسا إذا قبض وجهه و العبوس و التكليح و التقطيب نظائر و ضدها الطلاقة و البشاشة ، و قال : و البسور بدء التكره في الوجه انتهى ، فالمعنى ثم قبض وجهه و أبدا التكره في وجهه بعد ما نظر .


و قوله : « ثم أدبر و استكبر » الإدبار عن شي‏ء الإعراض عنه ، و الاستكبار الامتناع كبرا و عتوا ، و الأمران أعني الإدبار و الاستكبار من الأحوال الروحية ، و إنما رتبا في التمثيل على النظر و العبوس و البسور و هي أحوال صورية محسوسة لظهورهما بقوله : « إن هذا إلا سحر » إلخ ، و لذا عطف قوله : « فقال إن هذا إلا سحر يؤثر بالفاء دون « ثم » .


و قوله : « فقال إن هذا إلا سحر يؤثر » أي أظهر إدباره و استكباره بقوله مفرعا عليه : « إن هذا - أي القرآن - إلا سحر يؤثر » أي يروي و يتعلم من السحرة .


و قوله : « إن هذا إلا قول البشر » أي ليس بكلام الله كما يدعيه محمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


قيل : إن هذه الآية كالتأكيد للآية السابقة و إن اختلفتا معنى لأن المقصود منهما نفي كونه قرآنا من كلام الله ، و باعتبار الاتحاد في المقصود لم تعطف الجملة على الجملة .


قوله تعالى : « سأصليه سقر و ما أدراك ما سقر لا تبقي و لا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر » أي سأدخله سقر و سقر من أسماء جهنم في القرآن أو دركة من دركاتها ، و جملة


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :88


«سأصليه سقر » بيان أو بدل من قوله : « سأرهقه صعودا » .


و قوله : « و ما أدراك ما سقر » تفخيم لأمرها و تهويل .


و قوله : « لا تبقي و لا تذر » قضية إطلاق النفي أن يكون المراد أنها لا تبقي شيئا ممن نالته إلا أحرقته ، و لا تدع أحدا ممن ألقي فيها إلا نالته بخلاف نار الدنيا التي ربما تركت بعض ما ألقي فيها و لم تحرقه ، و إذا نالت إنسانا مثلا نالت جسمه و صفاته الجسمية و لم تنل شيئا من روحه و صفاته الروحية ، و أما سقر فلا تدع أحدا ممن ألقي فيها إلا نالته قال تعالى : « تدعوا من أدبر و تولى » : المعارج 17 ، و إذا نالته لم تبق منه شيئا من روح أو جسم إلا أحرقته قال تعالى : « نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة » : الهمزة 7 .


و يمكن أن يراد أنها لا تبقيهم أحياء و لا تتركهم يموتون فيكون في معنى قوله تعالى : « الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها و لا يحيى » : الأعلى : 13 .


و قيل : المعنى لا تبقي شيئا يلقى فيها إلا أهلكته ، و إذا هلك لم تذره هالكا حتى يعاد فيعذب ثانيا .


و قيل : المراد أنها لا تبقي لهم لحما و لا تذر عظما ، و قيل غير ذلك .


قوله تعالى : « لواحة للبشر » اللواحة من التلويح بمعنى تغيير اللون إلى السواد و قيل : إلى الحمرة ، و البشر جمع بشرة بمعنى ظاهر الجلد .


قوله تعالى : « عليها تسعة عشر » يتولون أمر عذاب المجرمين و قد أبهم و لم يصرح أنهم من الملائكة أو غيرهم غير أن المستفاد من آيات القيامة - و تصرح به الآية التالية - أنهم من الملائكة .


و قد استظهر بعضهم أن مميز قوله : « تسعة عشر » ملكا ثم قال : أ لا ترى العرب و هم الفصحاء كيف فهموا منه ذلك فقد روي عن ابن عباس : أنها لما نزلت « عليها تسعة عشر » قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم أ سمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر و أنتم الدهم أ يعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم ؟ فقال أبو الأسد بن أسيد بن كلدة الجمحي و كان شديد البطش : أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين انتهى ، و أنت ترى أن لا دليل في كلامه على ما يدعيه .


على أنه سمي الواحد من الخزنة رجلا و لا يطلق الرجل على الملك البتة و لا سيما عند المشركين الذين قال تعالى فيهم :


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :89


«و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا » : الزخرف : 19 .


قوله تعالى : « و ما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة » إلى آخر الآية .


سياق الآية يشهد على أنهم تكلموا فيما ذكر في الآية من عدد خزان النار فنزلت هذه الآية ، و يتأيد بذلك ما ورد من سبب النزول و سيوافيك في البحث الروائي التالي .


فقوله : « و ما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة » المراد بأصحاب النار خزنتها الموكلون عليها المتولون لتعذيب المجرمين فيها كما يفيده قوله : « عليها تسعة عشر » و يشهد بذلك قوله بعد : « و ما جعلنا عدتهم إلا فتنة » إلخ .


و محصل المعنى : أنا جعلناهم ملائكة يقدرون على ما أمروا به كما قال : « عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون » : التحريم 6 .


فليسوا من البشر حتى يرجوا المجرمون أن يقاوموهم و يطيقوهم .


و قوله : « و ما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا » الفتنة المحنة و الاختبار .


ذكروا أن المراد بالجعل الجعل بحسب الإخبار دون الجعل بحسب التكوين فالمعنى و ما أخبرنا عن عدتهم أنها تسعة عشر إلا ليكون فتنة للذين كفروا ، و يؤيده ذيل الكلام : ليستيقن الذين أوتوا الكتاب » إلخ .


و قوله : « ليستيقن الذين أوتوا الكتاب » الاستيقان وجدان اليقين في النفس أي ليوقن أهل الكتاب بأن القرآن النازل عليك حق حيث يجدون ما أخبرنا به من عدة أصحاب النار موافقا لما ذكر فيما عندهم من الكتاب .


و قوله : « و يزداد الذين آمنوا إيمانا » أي بسبب ما يجدون من تصديق أهل الكتاب ذلك .


و قوله : « و ليقول الذين في قلوبهم مرض و الكافرون ما ذا أراد الله بهذا مثلا » اللام في « ليقول » للعاقبة بخلاف اللام في « ليستيقن » فللتعليل بالغاية ، و الفرق أن قولهم : « ما ذا أراد الله بهذا مثلا » تحقير و تهكم و هو كفر لا يعد غاية لفعله سبحانه إلا بالعرض بخلاف الاستيقان الذي هو من الإيمان ، و لعل اختلاف المعنيين هو الموجب لإعادة اللام في قوله : « و ليقول » .


و قد فسروا « الذين في قلوبهم مرض » بالشك و الجحود بالمنافقين و فسروا الكافرين


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :90


بالمتظاهرين بالكفر من المشركين و غيرهم .


و قولهم : ما ذا أراد الله بهذا مثلا » أرادوا به التحقير و التهكم يشيرون بهذا إلى قوله تعالى : « عليها تسعة عشر » و المثل الوصف ، و المعنى ما الذي يعنيه من وصف الخزنة بأنهم تسعة عشر ؟ فهذه العدة القليلة كيف تقوى على تعذيب أكثر الثقلين من الجن و الإنس .


ذنابة لماتقدم من الكلام في النفاق


ذكر بعضهم أن قوله تعالى : « و ليقول الذين في قلوبهم مرض » الآية - بناء على أن السورة بتمامها مكية ، و أن النفاق إنما حدث بالمدينة - إخبار عما سيحدث من المغيبات بعد الهجرة انتهى .


أما كون السورة بتمامها مكية فهو المتعين من طريق النقل و قد ادعي عليه إجماع المفسرين ، و ما نقل عن مقاتل أن قوله : « و ما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة » الآية مدني لم يثبت من طريق النقل ، و على فرض الثبوت هو قول نظري مبني على حدوث النفاق بالمدينة و الآية تخبر عنه .


و أما حديث حدوث النفاق بالمدينة فقد أصر عليه بعضهم محتجا عليه بأن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المسلمين لم يكونوا قبل الهجرة من القوة و نفوذ الأمر و سعة الطول بحيث يهابهم الناس أو يرجى منهم خير حتى يتقوهم و يظهروا لهم الإيمان و يلحقوا بجمعهم مع إبطان الكفر و هذا بخلاف حالهم بالمدينة بعد الهجرة .


و الحجة غير تامة - كما أشرنا إليه في تفسير سورة المنافقون في كلام حول النفاق فإن علل النفاق ليست تنحصر في المخافة و الاتقاء أو الاستدرار من خير معجل فمن علله الطمع و لو في نفع مؤجل و منها العصبية و الحمية و منها استقرار العادة و منها غير ذلك .


و لا دليل على انتفاء جميع هذه العلل عن جميع من آمن بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بمكة قبل الهجرة و قد نقل عن بعضهم أنه آمن ثم رجع أو آمن عن ريب ثم صلح .


على أنه تعالى يقول : « و من الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله و لئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أ و ليس الله بأعلم بما في


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :91


صدور العالمين و ليعلمن الله الذين آمنوا و ليعلمن المنافقين » : العنكبوت : 11 .


و الآيتان في سورة مكية و هي سورة العنكبوت ، و هما ناطقتان بوجود النفاق فيها و مع الغض عن كون السورة مكية فاشتمال الآية على حديث الإيذاء في الله و الفتنة أصدق شاهد على نزول الآيتين بمكة فلم يكن بالمدينة إيذاء في الله و فتنة ، و اشتمال الآية على قوله : « و لئن جاء نصر من ربك » إلخ لا يدل على النزول بالمدينة فللنصر مصاديق أخرى غير الفتح المعجل .


و احتمال أن يكون المراد بالفتنة ما وقعت بمكة بعد الهجرة غير ضائر فإن هؤلاء المفتونين بمكة بعد الهجرة إنما كانوا من الذين آمنوا بالنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قبل الهجرة و إن أوذوا بعدها .


و على مثل ذلك ينبغي أن يحمل قوله تعالى : « و من الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به و إن أصابته فتنة انقلب على وجهه » : الحج : 11 إن كان المراد بالفتنة العذاب و إن كانت السورة مدنية .


و قوله : « كذلك يضل الله من يشاء و يهدي من يشاء » الإشارة بذلك إلى مضمون قوله : « و ما جعلنا عدتهم إلا فتنة » إلخ .


و قوله : « و ما يعلم جنود ربك إلا هو » علق تعالى العلم المنفي بالجنود - و هي الجموع الغليظة التي خلقهم وسائط لإجراء أوامره - لا بخصوص عدتهم فأفاد بإطلاقه أن العلم بحقيقتهم و خصوصيات خلقتهم و عدتهم و ما يعملونه من عمل و دقائقالحكمة في جميع ذلك يختص به تعالى لا يشاركه فيه أحد ، فليس لأحد أن يستقل عدتهم أو يستكثر أو يطعن في شي‏ء مما يرجع إلى صفاتهم و هو جاهل بها .


و قوله : « و ما هي إلا ذكرى للبشر » الضمير راجع إلى ما تقدم من قوله : « عليها تسعة عشر » و تأنيثه لتأنيث الخبر ، و المعنى أن البشر لا سبيل لهم إلى العلم بجنود ربك و إنما أخبرنا عن خزنة النار أن عدتهم تسعة عشر ليكون ذكرى لهم يتعظون بها .


و قيل : الضمير للجنود ، و قيل : لسقر ، و قيل للسورة ، و قيل : لنار الدنيا و هو


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :92


أسخف الأقوال .


و في الآية دلالة على أن الخطابات القرآنية لعامة البشر .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « فإذا نقر في الناقور إلى قوله وحيدا » فإنها نزلت في الوليد بن المغيرة و كان شيخا كبيرا مجربا من دهاة العرب ، و كان من المستهزءين برسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و كان رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقعد في الحجر و يقرأ القرآن فاجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة فقالوا : يا أبا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمد ؟ أ شعر هو أم كهانة أم خطب ؟ فقال دعوني أسمع كلامه فدنا من رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقال : يا محمد أنشدني من شعرك قال : ما هو شعر و لكنه كلام الله الذي ارتضاه لملائكته و أنبيائه و رسله فقال : اتل علي منه شيئا ! فقرأ عليه رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) حم السجدة فلما بلغ قوله : « فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة - مثل صاعقة عاد و ثمود » قال : فاقشعر الوليد و قامت كل شعرة في رأسه و لحيته ، و مر إلى بيته و لم يرجع إلى قريش من ذلك . فمشوا إلى أبي جهل فقالوا : يا أبا الحكم إن أبا عبد شمس صبا إلى دين محمد أ ما تراه لم يرجع إلينا فغدا أبو جهل إلى الوليد فقال : يا عم نكست رءوسنا و فضحتنا و أشمت بنا عدونا و صبوت إلى دين محمد ، فقال : ما صبوت إلى دينه و لكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود فقال له أبو جهل : أ خطب هو ؟ قال : لا إن الخطب كلام متصل و هذا كلام منثور و لا يشبه بعضه بعضا . قال : أ فشعر هو ؟ قال : لا أما إني لقد سمعت أشعار العرب بسيطها و مديدها و رملها و رجزها و ما هو بشعر . قال : فما هو ؟ قال : دعني أفكر فيه . فلما كان من الغد قالوا له : يا أبا عبد شمس ما تقول فيما قلناه ؟ قال : قولوا : هو سحر فإنه آخذ بقلوب الناس فأنزل على رسوله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) في ذلك : « ذرني و من خلقت وحيدا » . و إنما سمي وحيدا لأنه قال لقريش : أنا أتوحد لكسوة البيت سنة و عليكم في جماعتكم


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :93


سنة ، و كان له مال كثير و حدائق ، و كان له عشر بنين بمكة ، و كان له عشرة عبيد عند كل عبد ألف دينار يتجر بها و تلك القنطار في ذلك الزمان ، و يقال : إن القنطار جلد ثور مملوء ذهبا .


و في الدر المنثور ، أخرج الحاكم و صححه و البيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال : يا عم إن قومك يريدون أن يجعلوا لك مالا ليعطوه لك فإنك أتيت محمدا لتصيب مما عنده . قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا . قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك إنك منكر أو إنك كاره له ، قال : و ما ذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه و لا بقصيده و لا بأشعار الجن و الله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، و و الله إن لقوله الذي يقوله حلاوة و إن عليه لطلاوة ، و إنه لمثمر أعلاه ، و مغدق أسفله ، و إنه ليعلو و لا يعلى ، و إنه ليحطم ما تحته . قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه قال : دعني حتى أفكر فلما فكر قال ما هو إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت : « ذرني و من خلقت وحيدا » .


و في المجمع ، روى العياشي بإسناده عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي عبد الله و أبي جعفر (عليه‏السلام‏) أن الوحيد ولد الزنا . قال زرارة : ذكر لأبي جعفر (عليه‏السلام‏) عن أحد بني هشام أنه قال في خطبته : أنا ابن الوحيد فقال : ويله لو علم ما الوحيد ما فخر بها فقلنا له ، و ما هو ؟ قال ، من لا يعرف له أب .


و في الدر المنثور ، أخرج أحمد و ابن المنذر و الترمذي و ابن أبي الدنيا في صفة النار و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن حيان و الحاكم و صححه و البيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال ، الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا ثم يهوي و هو كذلك فيه أبدا .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى ، « ثم عبس » قال ، عبس وجهه « و بسر » قال ، ألقى شدقه .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :94


َكلا وَ الْقَمَرِ(32) وَ الَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ(33) وَ الصبْح إِذَا أَسفَرَ(34) إِنهَا لاحْدَى الْكُبرِ(35) نَذِيراً لِّلْبَشرِ(36) لِمَن شاءَ مِنكمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ(37) كلُّ نَفْسِ بِمَا كَسبَت رَهِينَةٌ(38) إِلا أَصحَب الْيَمِينِ‏(39) فى جَنَّتٍ يَتَساءَلُونَ‏(40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ‏(41) مَا سلَككمْ فى سقَرَ(42) قَالُوا لَمْ نَك مِنَ الْمُصلِّينَ‏(43) وَ لَمْ نَك نُطعِمُ الْمِسكِينَ‏(44) وَ كنَّا نخُوض مَعَ الخَْائضِينَ‏(45) وَ كُنَّا نُكَذِّب بِيَوْمِ الدِّينِ‏(46) حَتى أَتَانَا الْيَقِينُ‏(47) فَمَا تَنفَعُهُمْ شفَعَةُ الشفِعِينَ‏(48)


بيان


في الآيات تنزيه للقرآن الكريم عما رموه به ، و تسجيل أنه إحدى الآيات الإلهية الكبرى فيه إنذار البشر كافة و في اتباعه فك نفوسهم عن رهانة أعمالهم التي تسوقهم إلى سقر .


قوله تعالى : « كلا » ردع و إنكار لما تقدم قال في الكشاف : إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن يكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون ، أو ردع لمن ينكر أن يكون إحدى الكبر نذيرا .


انتهى .


فعلى الأول إنكار لما تقدم و على الثاني ردع لما سيأتي ، و هناك وجه آخر سيوافيك .


قوله تعالى : « و القمر و الليل إذ أدبر و الصبح إذا أسفر » قسم بعد قسم ، و إدبار الليل مقابل إقباله ، و إسفار الصبح انجلاؤه و انكشافه .


قوله تعالى : « إنها لإحدى الكبر » ذكروا أن الضمير لسقر ، و الكبر جمع كبرى ،


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :95


و المراد بكون سقر إحدى الكبر أنها إحدى الدواهي الكبر لا يعادلها غيرها من الدواهي كما يقال : هو أحد الرجال أي لا نظير له بينهم ، و الجملة جواب للقسم .


و المعنى أقسم بكذا و كذا أن سقر لإحدى الدواهي الكبر - أكبرها - إنذارا للبشر .


و لا يبعد أن يكون « كلا » ردعا لقوله في القرآن : « إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر » و يكون ضمير « أنها » للقرآن بما أنه آيات أو من باب مطابقة اسم إن لخبرها .


و المعنى : ليس كما قال أقسم بكذا و كذا أن القرآن - آياته - لإحدى الآيات الإلهية الكبرى إنذارا للبشر .


و قيل : الجملة « أنها لإحدى الكبر » تعليل للردع ، و القسم معترض للتأكيد لا جواب له أو جوابه مقدر يدل عليه كلا .


قوله تعالى : « نذيرا للبشر » مصدر بمعنى الإنذار منصوب للتمييز ، و قيل : حال مما يفهم من سياق قوله : « إنها لإحدى الكبر » أي كبرت و عظمت حالكونها إنذارا أي منذرة .


و قيل فيه وجوه أخر لا يعبأ بها كقول بعضهم : أنه صفة للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و الآية متصلة بأول السورة و التقدير قم نذيرا للبشر فأنذر ، و قول بعضهم : صفة له تعالى .


قوله تعالى : «لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر » تعميم للإنذار و « لمن شاء » بدل من البشر ، و « أن يتقدم » إلخ مفعول « شاء » و المراد بالتقدم و التأخر : الاتباع للحق و مصداقه الإيمان و الطاعة ، و عدم الاتباع و مصداقه الكفر و المعصية .


و المعنى : نذيرا لمن اتبع منكم الحق و لمن لم يتبع أي لجميعكم من غير استثناء .


و قيل : « أن يتقدم » في موضع الرفع على الابتداء و « لمن شاء » خبره كقولك لمن توضأ أن يصلي ، و المعنى مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم أو يتأخر ، و هو كقوله .


«فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر » و المراد بالتقدم و التأخر السبق إلى الخير و التخلف عنه انتهى .


قوله تعالى : « كل نفس بما كسبت رهينة » الباء بمعنى مع أو للسببية أو للمقابلة و « رهينة »


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :96


بمعنى الرهن على ما ذكره الزمخشري قال في الكشاف ، : رهينة ليست بتأنيث رهين في قوله : « كل امرى‏ء بما كسب رهين » لتأنيث النفس لأنه لو قصدت لقيل : رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر و المؤنث ، و إنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهن .


انتهى .


و كان العناية في عد كل نفس رهينة أن لله عليها حق العبودية بالإيمان و العمل الصالح فهي رهينة محفوظة محبوسة عند الله حتى توفي دينه و تؤدي حقه تعالى فإن آمنت و صلحت فكت و أطلقت ، و إن كفرت و أجرمت و ماتت على ذلك كانت رهينة محبوسة دائما ، و هذا غير كونها رهين عملها ملازمة لما اكتسبت من خير و شر كما تقدم في قوله تعالى : « كل امرى‏ء بما كسب رهين » : الطور 21 .


و الآية في مقام بيان وجه التعميم المستفاد من قوله : « نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر » فإن كون النفس الإنسانية رهينة بما كسبت يوجب على كل نفس أن تتقي النار التي ستحبس فيها إن أجرمت و لم تتبع الحق .


قوله تعالى : « إلا أصحاب اليمين » هم الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم يوم الحساب و هم أصحاب العقائد الحقة و الأعمال الصالحة من متوسطي المؤمنين ، و قد تكرر ذكرهم و تسميتهم بأصحاب اليمين في مواضع من كلامه تعالى ، و على هذا فالاستثناء متصل .


و المتحصل من مجموع المستثنى منه و المستثنى انقسام النفوس ذوات الكسب إلى نفوس رهينة بما كسبت و هي نفوس المجرمين ، و نفوس مفكوكة من الرهن مطلقة و هي نفوس أصحاب اليمين ، و أما السابقون المقربون و هم الذين ذكرهم الله في مواضع من كلامه و عدهم ثالثة الطائفتين و غيرهما كما في قوله تعالى : « و كنتم أزواجا ثلاثة - إلى أن قال - و السابقون السابقون أولئك المقربون » : الواقعة : 11 ، فهؤلاء قد استقروا في مستقر العبودية لا يملكون نفسا و لا عمل نفس فنفوسهم لله و كذلك أعمالهم فلا يحضرون و لا يحاسبون قال تعالى : « فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين » : الصافات : 128 ، فهم خارجون عن المقسم رأسا .


و عن بعضهم تفسير أصحاب اليمين بالملائكة ، و عن بعضهم التفسير بأطفال المسلمين و عن بعضهم أنهم الذين كانوا عن يمين آدم يوم الميثاق ، و عن بعضهم أنهم الذين سبقت


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :97


لهم من الله الحسنى ، و هي وجوه ضعيفة غير خفية الضعف .


قوله تعالى : « في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر » « في جنات » خبر لمبتدإ محذوف و تنوين جنات للتعظيم ، و التقدير هم في جنات لا يدرك وصفها ، و يمكن أن يكون حالا من أصحاب اليمين .


و قوله : « يتساءلون عن المجرمين » أي يتساءل جمعهم عن جمع المجرمين .


و قوله : « ما سلككم في سقر » أي ما أدخلكم في سقر بيان لتساؤلهم من بيان الجملة بالجملة ، أو بتقدير القول أي قائلين ما سلككم في سقر .


قوله تعالى : « قالوا لم نك من المصلين » ضمير الجمع للمجرمين ، و المراد بالصلاة التوجه العبادي الخاص إلى الله سبحانه فلا يضره اختلاف الصلاة كما و كيفا باختلاف الشرائع السماوية الحقة .


قوله تعالى : « و لم نك نطعم المسكين » المراد بإطعام المسكين الإنفاق على فقراء المجتمع بما يقوم به صلبهم و يرتفع به حاجتهم ، و إطعام المسكين إشارة إلى حق الناس عملا كما أن الصلاة إشارة إلى حق الله كذلك .


قوله تعالى : « و كنا نخوض مع الخائضين » المراد بالخوض الاشتغال بالباطل قولا أو فعلا و الغور فيه .


قوله تعالى : « و كنا نكذب بيوم الدين » و هو يوم الجزاء فهذه خصال أربع من طبع المجرم أن يبتلي بها كلا أو بعضا ، و لما كان المجيب عن التساؤل جمع المجرمين صحت نسبة الجميع إلى الجميع و إن كان بعضهم مبتلى ببعضها دون بعض .


قوله تعالى : « حتى أتانا اليقين » قيد للتكذيب ، و فسروا اليقين بالموت لكونه مما لا شك فيه فالمعنى و كنا في الدنيا نكذب بيوم الجزاء حتى أتانا الموت فانقطعت به الحياة الدنيا أي كنا نكذب به ما دامت الحياة .


و قيل : المراد به اليقين الحاصل بحقية يوم الجزاء بمشاهدة آيات الآخرة و معاينة الحياة البرزخية حين الموت و بعده ، و هو معنى حسن .


قوله تعالى : « فما تنفعهم شفاعة الشافعين » تقدم في بحث الشفاعة أن في الآية دلالة


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :98


على أن هناك شافعين يشفعون فيشفعون لكن لا تنفع هؤلاء شفاعتهم لأنهم محرومون من نيلها .


و قد أوردنا جملة من أخبار الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب .


فَمَا لهَُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ‏(49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّستَنفِرَةٌ(50) فَرَّت مِن قَسوَرَةِ(51) بَلْ يُرِيدُ كلُّ امْرِىٍ مِّنهُمْ أَن يُؤْتى صحُفاً مُّنَشرَةً(52) َكلابَل لا يخَافُونَ الاَخِرَةَ(53) كلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54)فَمَن شاءَ ذَكرَهُ‏(55) وَ مَا يَذْكُرُونَ إِلا أَن يَشاءَ اللَّهُهُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَ أَهْلُ المَْغْفِرَةِ(56)


بيان


في معنى الاستنتاج مما تقدم من الوعيد و الوعد أورد في صورة التعجب من إعراضهم عن تذكرة القرآن و تنفرهم عن الحق الصريح كأنه قيل : فإذا كان كذلك فعليهم أن يجيبوا دعوة الحق و يتذكروا بالتذكرة فمن العجب أنهم معرضون عن ذلك كلا بل لا يؤمنون بالرسالة و يريد كل امرى‏ء منهم أن ينزل عليه كتاب من الله .


كلا بل لا يخافون الآخرة فلا يرتدعون عن وعيد .


ثم يعرض عليهم التذكرة عرضا فهم على خيرة من القبول و الرد فإن شاءوا قبلوا و إن شاءوا ردوا ، لكن عليهم أن يعلموا أنهم غير مستقلين في مشيتهم و ليسوا بمعجزين لله سبحانه فليس لهم أن يذكروا إلا أن يشاء الله ، و حكم القدر جار فيهم البتة .


قوله تعالى : « فما لهم عن التذكرة معرضين » تفريع على ما تقدم من التذكرة و الموعظة ، و الاستفهام للتعجيب ، و « لهم » متعلق بمحذوف و التقدير فما كان لهم : و « معرضين » حال من ضمير « لهم » و « عن التذكرة » متعلق بمعرضين .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :99


و المعنى : فإذا كان كذلك فأي شي‏ء كان - عرض - للمشركين الذين يكذبون بتذكرة القرآن حال كونهم معرضين عنها أي كان من الواجب عليهم أن يصدقوا و يؤمنوا لكنهم أعرضوا عنها و هو من العجب .


قوله تعالى : « كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة » تشبيه لهم من حيث حالهم في الإعراض عن التذكرة ، و الحمر جمع حمار ، و المراد الحمر الوحشية و الاستنفار بمعنى النفرة و القسورة الأسد و الصائد ، و قد فسر بكل من المعنيين .


و المعنى : معرضين عن التذكرة كأنهم حمر وحشية نفرت من أسد أو من الصائد .


قوله تعالى : « بل يريد كل امرى‏ء منهم أن يؤتى صحفا منشرة » المراد بالصحف المنشرة الكتاب السماوي المشتمل على الدعوة الحقة .


و في الكلام إضراب عما ذكر من إعراضهم ، و المعنى ليس إعراضهم عن التذكرة لمجرد النفرة بل يريد كل امرى‏ء منهم أن ينزل عليه كتاب من عند الله مشتمل على ما تشتمل عليه دعوة القرآن .


و هذه النسبة إليهم كناية عن استكبارهم على الله سبحانه أنهم إنما يقبلون دعوته و لا يردونها لو دعا كل واحد منهم بإنزال كتاب سماوي إليه مستقلا و أما الدعوة من طريق الرسالة فليسوا يستجيبونها و إن كانت حقة مؤيدة بالآيات البينة .


فالآية في معنى ما حكاه الله سبحانه من قولهم : « لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله » : الأنعام 124 ، و في معنى قول الأمم لرسلهم : « إن أنتم إلا بشر مثلنا » على ما قررنا من حجتهم على نفي رسالة الرسل .


و قيل : إن الآية في معنى قولهم للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الذي حكاه الله في قوله : « و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه » : إسراء 93 .


و يدفعه أن مدلول الآية أن ينزل على كل واحد منهم صحف منشرة غير ما ينزل على غيره لا نزول كتاب واحد من السماء على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقرؤه الجميع كما هو مدلول آية الإسراء .


و قيل : المراد نزول كتب من السماء عليهم بأسمائهم أن آمنوا بمحمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .


و قيل : المراد أن ينزل عليهم كتب من السماء بالبراءة من العذاب و إسباغ النعمة حتى


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :100


يؤمنوا و إلا بقوا على كفرهم و قيل غير ذلك .


و هي جميعا معان بعيدة من السياق و التعويل على ما تقدم .


قوله تعالى : « كلا بل لا يخافون الآخرة » ردع لهم بما يريدونه من نزول كتاب سماوي على كل واحد منهم فإن دعوة الرسالة مؤيدة بآيات بينة و حجج قاطعة لا تدع ريبا لمرتاب فالحجة تامة قائمة على الرسول و غيره على حد سواء من غير حاجة إلى أن يؤتى كل واحد من الناس المدعوين صحفا منشرة .


على أن الرسالة تحتاج من طهارة الذات و صلاحية النفس إلى ما يفقده نفوس سائر الناس كما هو مدلول جوابه تعالى في سورة الأنعام عن قولهم : « لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله » بقوله : « الله أعلم حيث يجعل رسالته » .


و قوله : « بل لا يخافون الآخرة » إضراب عن قوله : « يريد كل امرى‏ء منهم » إلخ ، و المراد أن اقتراحهم نزول كتاب على كل امرى‏ء منهم قول ظاهري منهم يريدون به صرف الدعوة عن أنفسهم ، و السبب الحقيقي لكفرهم و تكذيبهم بالدعوة أنهم لا يخافون الآخرة ، و لو خافوها لآمنوا و لم يقترحوا آية بعد قيام الحجة بظهور الآيات البينات .


قوله تعالى : « كلا إنه تذكرة » ردع ثان لاقتراحهم نزول كتاب سماوي لكل امرى‏ء منهم ، و المعنى لا ننزل كتابا كذلك أن القرآن تذكرة و موعظة نعظهم به لا نريد به أزيد من ذلك ، و أثر ذلك ما أعد للمطيع و العاصي عندنا من الجزاء .


قوله تعالى : « فمن شاء ذكره » أي فمن شاء اتعظ به فإنما هي دعوة في ظرف الاختيار من غير إكراه .


قوله تعالى : « و ما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى و أهل المغفرة » دفع لما يمكن أن يتوهموه من قوله تعالى : « فمن شاء ذكره » أن الأمر إليهم و أنهم مستقلون في إرادتهم و ما يترتب عليها من أفعالهم فإن لم يشاءوا الذكر و لم يذكروا غلبوه تعالى فيما أراد و أعجزوه فيما شاء من ذكرهم .


و المحصل من الدفع أن حكم القدر جاء في أفعالهم كغيرها من الحوادث ، و تذكرهم إن تذكروا و إن كان فعلا اختياريا صادرا عنهم باختيارهم من غير إكراه فالمشية الإلهية متعلقة به بما هو اختياري بمعنى أن الله تعالى يريد بإرادة تكوينية أن يفعل الإنسان


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :101


الفعل الفلاني بإرادته و اختياره فالفعل اختياري ممكن بالنسبة إلى الإنسان و هو بعينه متعلق الإرادة الإلهية ضروري التحقق بالنسبة إليها و لولاها لم يتحقق .


و قوله : « هو أهل التقوى و أهل المغفرة » أي أهل لأن يتقى منه لأن له الولاية المطلقة على كل شي‏ء ، و بيده سعادة الإنسان و شقاوته ، و أهل لأن يغفر لمن اتقاه لأنه غفور رحيم .


و الجملة أعني قوله : « هو أهل التقوى و أهل المغفرة » صالحة لتعليل ما تقدم من الدعوة في قوله : « إنه تذكرة فمن شاء ذكره » و هو ظاهر ، و لتعليل قوله : « و ما يذكرون إلا أن يشاء الله » فإن كونه تعالى أهل التقوى و أهل المغفرة لا يتم إلا بكونه ذا إرادة نافذة فيهم سارية في أعمالهم فليسوا بمخلين و ما يهوونه و هم معجزون لله بتمردهم و استكبارهم .


بحث روائي


في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قوله تعالى : « بل يريد كل امرى‏ء منهم - أن يؤتى صحفا منشرة » و ذلك أنهم قالوا : يا محمد قد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يذنب الذنب فيصبح و ذنبه مكتوب عند رأسه و كفارته . فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و قال : يسألك قومك سنة بني إسرائيل في الذنوب فإن شاءوا فعلنا ذلك بهم و أخذناهم بما كنا نأخذ بني إسرائيل فزعموا أن رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) كره ذلك لقومه .


أقول : و القصة لا تلائم لحن الآية و الرواية لا تخلو من إيماء إلى ضعف القصة .


و في الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر عن السدي عن أبي صالح قال : قالوا : إن كان محمد صادقا فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته و أمنته من النار فنزلت : « بل يريد كل امرى‏ء منهم أن يؤتى صحفا منشرة » .


أقول : سياق الآيات و ما فيها من الردع لا يلائم القصة .


و فيه ، أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر عن مجاهد « بل يريد كل امرى‏ء منهم أن يؤتى صحفا منشرة » قال : إلى فلان بن فلان من رب العالمين يصبح عند رأس كل رجل صحيفة موضوعة يقرؤها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :102


أقول : ما في الرواية يقبل الانطباق على الرواية السابقة و على ما قدمناه من معنى الآية .


و فيه ، أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر عن قتادة في قوله تعالى : « بل يريد كل امرى‏ء منهم - أن يؤتى صحفا منشرة » قال : قد قال قائلون من الناس لمحمد (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) إن سرك أن نتابعك فأتنا بكتاب خاصة يأمرنا باتباعك .


أقول : الرواية قابلة التطبيق لما في تفسير الآية من القول بأن الآية في معنى قوله تعالى : « و لن نؤمن لرقيك » الآية و قد تقدم ما فيه .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « هو أهل التقوى و أهل المغفرة » قال : هو أهل أن يتقى و أهل أن يغفر .


و في التوحيد ، بإسناده إلى أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) في قول الله عز و جل : « هو أهل التقوى و أهل المغفرة » قال : قال الله عز و جل : أنا أهل أن أتقى و لا يشرك بي عبدي شيئا و أنا أهل إن لم يشرك بي عبدي شيئا أن أدخله الجنة . و قال : إن الله تبارك و تعالى أقسم بعزته و جلاله أن لا يعذب أهل توحيده بالنار .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن دينار قال : سمعت أبا هريرة و ابن عمر و ابن عباس يقولون : سئل رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن قول الله : « هو أهل التقوى و أهل المغفرة » قال : يقول الله : أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي شريك فإذا اتقيت و لم يجعل معي شريك فأنا أهل أن أغفر ما سوى ذلك .


أقول : و في معناه غير واحد من الروايات عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) .

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :