امروز:
سه شنبه 4 مهر 1396
بازدید :
693
تفسيرالميزان : سوره نباء آيات 40- 1


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :158


78-سورة النبإ مكية و هي أربعون آية 40


سورة النبإ


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ‏(1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ‏(2) الَّذِى هُمْ فِيهِ مخْتَلِفُونَ‏(3) َكلا سيَعْلَمُونَ‏(4) ثُمَّ َكلا سيَعْلَمُونَ‏(5) أَ لَمْ نجْعَلِ الأَرْض مِهَداً(6) وَ الجِْبَالَ أَوْتَاداً(7) وَ خَلَقْنَكمْ أَزْوَجاً(8) وَ جَعَلْنَا نَوْمَكمْ سبَاتاً(9) وَ جَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاساً(10) وَ جَعَلْنَا النهَارَ مَعَاشاً(11) وَ بَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سبْعاً شِدَاداً(12) وَ جَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً(13) وَ أَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَاءً ثجَّاجاً(14) لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَبَاتاً(15) وَ جَنَّتٍ أَلْفَافاً(16)


بيان


تتضمن السورة الإخبار بمجي‏ء يوم الفصل و صفته و الاحتجاج على أنه حق لا ريب فيه ، فقد افتتحت بذكر تساؤلهم عن نبئه ثم ذكر في سياق الجواب و لحن التهديد أنهم سيعلمون ثم احتج على ثبوته بالإشارة إلى النظام المشهود في الكون بما فيه من التدبير الحكيم الدال بأوضح الدلالة على أن وراء هذه النشأة المتغيرة الدائرة نشأة ثابتة باقية ، و أن عقيب هذه الدار التي فيها عمل و لا جزاء دارا فيها جزاء و لا عمل فهناك يوم يفصح عنه هذا النظام .


ثم تصف اليوم بما يقع فيه من إحضار الناس و حضورهم و انقلاب الطاغين إلى عذاب أليم و المتقين إلى نعيم مقيم و يختم الكلام بكلمة في الإنذار ، و السورة مكية بشهادة سياق آياتها .


قوله تعالى : « عم يتساءلون » « عم » أصله عما و ما استفهامية تحذف الألف منها


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :159


اطرادا إذا دخل عليها حرف الجر نحو لم و مم و على م و إلى م ، و التساؤل سؤال القوم بعضهم بعضا عن أمر أو سؤال بعضهم بعد بعضعن أمر و إن كان المسئول غيرهم ، فهم كان يسأل بعضهم بعضا عن أمر أو كان بعضهم بعد بعض يسأل النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) عن أمر و حيث كان سياق السورة سياق جواب يغلب فيه الإنذار و الوعيد تأيد به أن المتسائلين هم كفار مكة من المشركين النافين للنبوة و المعاد دون المؤمنين و دون الكفار و المؤمنين جميعا .


فالتساؤل من المشركين و الإخبار عنه في صورة الاستفهام للإشعار بهوانه و حقارته لظهور الجواب عنه ظهورا ما كان ينبغي معه أن يتساءلوا عنه .


قوله تعالى : « عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون » جواب عن الاستفهام السابق أي يتساءلون عن النبإ العظيم ، و لا يخفى ما في توصيف النبإ المتسائل عنه بالعظيم من تعظيمه و تفخيم أمره .


و المراد بالنبإ العظيم نبأ البعث و القيامة الذي يهتم به القرآن العظيم في سورة المكية و لا سيما في العتائق النازلة في أوائل البعثة كل الاهتمام .


و يؤيد ذلك سياق آيات السورة بما فيه من الاقتصار على ذكر صفة يوم الفصل و ما تقدم عليها من الحجة على أنه حق واقع .


و قيل : المراد به نبأ القرآن العظيم ، و يدفعه كون السياق بحسب مصبه أجنبيا عنه و إن كان الكلام لا يخلو من إشارة إليه استلزاما .


و قيل : النبأ العظيم ما كانوا يختلفون فيه من إثبات الصانع و صفاته و الملائكة و الرسل و البعث و الجنة و النار و غيرها ، و كان القائل به اعتبر فيه ما في السورة من الإشارة إلى حقية جميع ذلك مما تتضمنه الدعوة الحقة الإسلامية .


و يدفعه أن الإشارة إلى ذلك كله من لوازم صفة البعث المتضمنة لجزاء الاعتقاد الحق و العمل الصالح و الكفر و الإجرام ، و قد دخل فيما في السورة من صفة يوم الفصل تبعا و بالقصد الثاني .


على أن المراد بهؤلاء المتسائلين - كما تقدم - المشركون و هم يثبتون الصانع و الملائكة و ينفون ما وراء ذلك مما ذكر .


و قوله : « الذي هم فيه مختلفون » إنما اختلفوا في نحو إنكاره و هم متفقون في نفيه


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :160


فمنهم من كان يرى استحالته فينكره كما هو ظاهر قولهم على ما حكاه الله : « هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد » : سبأ : 7 ، و منهم من كان يستبعده فينكره و هو قولهم : « أ يعدكم أنكم إذا متم و كنتم ترابا و عظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون » : المؤمنون : 36 ، و منهم من كان يشك فيه فينكره قال تعالى : « بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها » : النمل 66، و منهم من كان يوقن به لكنه لا يؤمن عنادا فينكره كما كان لا يؤمن بالتوحيد و النبوة و سائر فروع الدين بعد تمام الحجة عنادا قال تعالى : « بل لجوا في عتو و نفور » : الملك : 21 .


و المحصل من سياق الآيات الثلاث و ما يتلوها أنهم لما سمعوا ما ينذرهم به القرآن من أمر البعث و الجزاء يوم الفصل ثقل عليهم ذلك فغدوا يسأل بعضهم بعضا عن شأن هذا النبإ العجيب الذي لم يكن مما قرع أسماعهم حتى اليوم ، و ربما راجعوا النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و المؤمنين و سألوهم عن صفة اليوم و أنه متى هذا الوعد إن كنتم صادقين و ربما كانوا يراجعون في بعض ما قرع سمعهم من حقائق القرآن و احتوته دعوته الجديدة أهل الكتاب و خاصة اليهود و يستمدونهم في فهمه .


و قد أشار تعالى في هذه السورة إلى قصة تساؤلهم في صورة السؤال و الجواب فقال : « عم يتساءلون » و هو سؤال عما يتساءلون عنه .


ثم قال : « عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون » و هو جواب السؤال عما يتساءلون عنه .


ثم قال : « كلا سيعلمون » إلخ ، و هو جواب عن تساؤلهم .


و للمفسرين في مفردات الآيات الثلاث و تقرير معانيها وجوه كثيرة تركناها لعدم ملاءمتها السياق و الذي أوردناه هو الذي يعطيه السياق .


قوله تعالى : « كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون » ردع عن تساؤلهم عنه بانين ذلك على الاختلاف في النفي أي ليرتدعوا عن التساؤل لأنه سينكشف لهم الأمر بوقوع هذا النبإ فيعلمونه ، و في هذا التعبير تهديد كما في قوله : « و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون » : الشعراء : 227 .


و قوله : « ثم كلا سيعلمون » تأكيد للردع و التهديد السابقين و لحن التهديد هو القرينة على أن المتسائلين هم المشركون النافون للبعث و الجزاء دون المؤمنين و دون المشركين و المؤمنين جميعا .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :161


قوله تعالى : « أ لم نجعل الأرض مهادا » الآية إلى تمام إحدى عشرة آية مسوق سوق الاحتجاج على ثبوت البعث و الجزاء و تحقق هذا النبإ العظيم و لازم ثبوته صحة ما في قوله : « سيعلمون » من الإخبار بأنهم سيشاهدونه فيعلمون .


تقرير الحجة : أن العالم المشهود بأرضه و سمائه و ليله و نهاره و البشر المتناسلين و النظام الجاري فيها و التدبير المتقن الدقيق لأمورها من المحال أن يكون لعبا باطلا لا غاية لها ثابتة باقية فمن الضروري أن يستعقب هذا النظام المتحول المتغير الدائر إلى عالم ذي نظام ثابت باق ، و أن يظهر فيه أثر الصلاح الذي تدعوإليه الفطرة الإنسانية و الفساد الذي ترتدع عنه ، و لم يظهر في هذا العالم المشهود أعني سعادة المتقين و شقاء المفسدين ، و من المحال أن يودع الله الفطرة دعوة غريزية أو ردعا غريزيا بالنسبة إلى ما لا أثر له في الخارج و لا حظ له من الوقوع فهناك يوم يلقاه الإنسان و يجزي فيه على عمله إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا .


فالآيات في معنى قوله تعالى « و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار » : ص : 28 .


و بهذا البيان يثبت أن هناك يوما يلقاه الإنسان و يجزي فيه بما عمل إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا فليس للمشركين أن يختلفوا فيه فيشك فيه بعضهم و يستبعده طائفة ، و يحيله قوم ، و لا يؤمن به مع العلم به عنادا آخرون ، فاليوم ضروري الوقوع و الجزاء لا ريب فيه .


و يظهر من بعضهم أن الآيات مسوقة لإثبات القدرة و أن العود يماثل البدء و القادر على الإبداء قادر على الإعادة ، و هذه الحجة و إن كانت تامة و قد وقعت في كلامه تعالى لكنها حجة على الإمكان دون الوقوع و السياق فيما نحن فيه سياق الوقوع دون الإمكان فالأنسب فيتقريرها ما تقدم .


و كيف كان فقوله : « أ لم نجعل الأرض مهادا » الاستفهام للإنكار ، و المهاد الوطاء و القرار الذي يتصرف فيه ، و يطلق على البساط الذي يجلس عليه و المعنى قد جعلنا الأرض قرارا لكم تستقرون عليها و تتصرفون فيها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :162


قوله تعالى : « و الجبال أوتادا » الأوتاد جمع وتد و هو المسمار إلا أنه أغلظ منه كما في المجمع ، و لعل عد الجبال أوتادا مبني على أن عمدة جبال الأرض من عمل البركانات بشق الأرض فتخرج منه مواد أرضية مذابة تنتصب على فم الشقة متراكمة كهيئة الوتد المنصوب على الأرض تسكن به فورة البركان الذي تحته فيرتفع به ما في الأرض من الاضطراب و الميدان .


و عن بعضهم : أن المراد بجعل الجبال أوتادا انتظام معاش أهل الأرض بما أودع فيها من المنافع و لولاها لمادت الأرض بهم أي لما تهيأت لانتفاعهم .


و فيه أنه صرف اللفظ عن ظاهره من غير ضرورة موجبة .


قوله تعالى : « و خلقناكم أزواجا » أي زوجا زوجا من ذكر و أنثى لتجري بينكم سنة التناسل فيدوم بقاء النوع إلى ما شاء الله .


و قيل : المراد به الإشكال أي كل منكم شكل للآخر .


و قيل : المراد به الأصناف أي أصنافا مختلفة كالأبيض و الأسود و الأحمر و الأصفر إلى غير ذلك ، و قيل : المراد به خلق كل منهم من منيين مني الرجل و مني المرأة و هذه وجوه ضعيفة .


قيل : الالتفات في الآية من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في الإلزام و التبكيت .


قوله تعالى : « و جعلنا نومكم سباتا » السبات الراحة و الدعة فإن في المنام سكوتا و راحة للقوى الحيوانية البدنية مما اعتراها في اليقظة من التعب و الكلال بواسطة تصرفات النفس فيها .


و قيل : السبات بمعنى القطع و في النوم قطع التصرفات النفسانية في البدن ، و هو قريب من سابقه .


و قيل : المراد بالسبات الموت ، و قد عد سبحانه النوم من الموت حيث قال : « و هو الذي يتوفاكم بالليل » : الأنعام : 60 و هو بعيد ، و أما الآية فإنه تعالى عد النوم توفيا و لم يعده موتا بل القرآن يصرح بخلافه قال تعالى : « الله يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها » : الزمر : 42 .


قوله تعالى : « و جعلنا الليل لباسا » أي ساترا يستر الأشياء بما فيه من الظلمة الساترة للمبصرات كما يستر اللباس البدن و هذا سبب إلهي يدعو إلى ترك التقلب و الحركة و الميل إلى السكن و الدعة و الرجوع إلى الأهل و المنزل .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :163


و عن بعضهم أن المراد بكون الليل لباسا كونه كاللباس للنهار يسهل إخراجه منه و هو كما ترى .


قوله تعالى : « و جعلنا النهار معاشا » العيش هو الحياة - على ما ذكره الراغب - غير أن العيش يختص بحياة الحيوان فلا يقال : عيشه تعالى و عيش الملائكة و يقال حياته تعالى و حياة الملائكة ، و المعاش مصدر ميمي و اسم زمان و اسم مكان ، و هو في الآية بأحد المعنيين الأخيرين ، و المعنى و جعلنا النهار زمانا لحياتكم أو موضعا لحياتكم تبتغون فيه من فضل ربكم ، و قيل : المراد به المعنى المصدري بحذف مضاف ، و التقدير و جعلنا النهار طلب معاش أي مبتغي معاش .


قوله تعالى : « و بنينا فوقكم سبعا شدادا » أي سبع سماوات شديدة في بنائها .


قوله تعالى : « و جعلنا سراجا وهاجا » الوهاج شديد النور و الحرارة و المراد بالسراج الوهاج : الشمس .


قوله تعالى : « و أنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا » المعصرات السحب الماطرة و قيل : الرياح التي تعصر السحب لتمطر و الثجاج الكثير الصب للماء ، و الأولى على هذا المعنى أن تكون « من » بمعنى الباء .


قوله تعالى : « لنخرج به حبا و نباتا » أي حبا و نباتا يقتات بهما الإنسان و سائر الحيوان .


قوله تعالى : « و جنات ألفافا » معطوف على قوله : « حبا » و جنات ألفاف أي ملتفة أشجارها بعضها ببعض .


قيل : إن الألفاف جمع لا واحد له من لفظه .


بحث روائي


في بعض الأخبار : أن النبأ العظيم علي (عليه‏السلام‏) و هو من البطن .


عن الخصال ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال أبو بكر : يا رسول الله أسرع إليك الشيب . قال : شيبتني هود و الواقعة و المرسلات و عم يتساءلون .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :164


في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « أ لم نجعل الأرض مهادا » قال : يمهد فيها الإنسان « و الجبال أوتادا » أي أوتاد الأرض .


و في نهج البلاغة ، قال (عليه‏السلام‏) : و وتد بالصخور ميدان أرضه .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و جعلنا الليل لباسا » قال : يلبس على النهار .


أقول : و لعل المراد به أنه يخفي ما يظهره النهار و يستر ما يكشفه .


و فيه ، : في قوله تعالى : « و جعلنا سراجا وهاجا » قال : الشمس المضيئة « و أنزلنا من المعصرات » قال : من السحاب « ماء ثجاجا » قال : صبا على صب .


و عن تفسير العياشي ، عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : « عام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون » بالياء يمطرون . ثم قال : أ ما سمعت قوله : « و أنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا » .


أقول : المراد أن « يعصرون » بضم الياء بصيغة المجهول و المراد به أنهم يمطرون و استشهاده (عليه‏السلام‏) بقوله : « و أنزلنا من المعصرات » دليل على أنه (عليه‏السلام‏) أخذ المعصرات بمعنى الممطرات من أعصرت السحابة إذا أمطرت .


و روى العياشي مثل الحديث عن علي بن معمر عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) و روى القمي في تفسيره ، : مثله عن أمير المؤمنين


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :165


إِنَّ يَوْمَ الْفَصلِ كانَ مِيقَتاً(17) يَوْمَ يُنفَخُ فى الصورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً(18) وَ فُتِحَتِ السمَاءُ فَكانَت أَبْوَباً(19) وَ سيرَتِ الجِْبَالُ فَكانَت سرَاباً(20) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَت مِرْصاداً(21) لِّلطغِينَ مَئَاباً(22) لَّبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً(23) لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَ لا شرَاباً(24) إِلا حَمِيماً وَ غَساقاً(25) جَزَاءً وِفَاقاً(26) إِنهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً(27) وَ كَذَّبُوا بِئَايَتِنَا كِذَّاباً(28) وَ كلَّ شىْ‏ءٍ أَحْصيْنَهُ كتَباً(29) فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلا عَذَاباً(30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً(31) حَدَائقَ وَ أَعْنَباً(32) وَ كَوَاعِب أَتْرَاباً(33) وَ كَأْساً دِهَاقاً(34) لا يَسمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لا كِذَّباً(35) جَزَاءً مِّن رَّبِّك عَطاءً حِساباً(36) رَّب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنهُمَا الرَّحْمَنِلا يمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً(37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلَئكَةُ صفًّالا يَتَكلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَ قَالَ صوَاباً(38) ذَلِك الْيَوْمُ الحَْقُّفَمَن شاءَ اتخَذَ إِلى رَبِّهِ مَئَاباً(39) إِنَّا أَنذَرْنَكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَت يَدَاهُ وَ يَقُولُ الْكافِرُ يَلَيْتَنى كُنت تُرَبَا(40)


بيان


تصف الآيات يوم الفصل الذي أخبر به إجمالا بقوله : « كلا سيعلمون » ثم تصف ما يجري فيه على الطاغين و المتقين ، و تختتم بكلمة في الإنذار و هي كالنتيجة .


قوله تعالى : « إن يوم الفصل كان ميقاتا » قال في المجمع ، : الميقات منتهى المقدار المضروب لحدوث أمر من الأمور و هو من الوقت كما أن الميعاد من الوعد و المقدار من القدر ، انتهى .


شروع في وصف ما تضمنه النبأ العظيم الذي أخبر بوقوعه و هددهم به في قوله : « كلا سيعلمون » ثم أقام الحجة عليه بقوله : « أ لم نجعل الأرض مهادا » إلخ ، و قد سماه يوم الفصل و نبه به على أنه يوم يفصل فيه القضاء بين الناس فينال كل طائفة ما يستحقه بعمله فهو ميقات و حد مضروب لفصل القضاء بينهم و التعبير بلفظ « كان » للدلالة على ثبوته و تعينه في العلم الإلهي على ما ينطق به الحجة السابقة الذكر ، و لذا أكد الجملة بإن .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :166


و المعنى : أن يوم فصل القضاء الذي نبأه نبأ عظيم كان في علم الله يوم خلق السماوات و الأرض و حكم فيها النظام الجاري حدا مضروبا ينتهي إليه هذا العالم فإنه تعالى كان يعلم أن هذه النشأة التي أنشأهالا تتم إلا بالانتهاء إلى يوم يفصل فيه القضاء بينهم .


قوله تعالى : « يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا » قد تقدم الكلام في معنى نفخ الصور كرارا ، و الأفواج جمع فوج و هي الجماعة المارة المسرعة على ما ذكره الراغب .


و في قوله : « فتأتون أفواجا » جري على الخطاب السابق الملتفت إليه قضاء لحق الوعيد الذي يتضمنه قوله : « كلا سيعلمون » و كان الآية ناظرة إلى قوله تعالى : « يوم ندعوا كل أناس بإمامهم » : إسراء : 71 .


قوله تعالى : « و فتحت السماء فكانت أبوابا » فاتصل به عالم الإنسان بعالم الملائكة .


و قيل : التقدير فكانت ذات أبواب ، و قيل : صار فيها طرق و لم يكن كذلك من قبل ، و لا يخلو الوجهان من تحكم فليتدبر .


قوله تعالى : « و سيرت الجبال فكانت سرابا » السراب هو الموهوم من الماء اللامع في المفاوز و يطلق على كل ما يتوهم ذا حقيقة و لا حقيقة له على طريق الاستعارة .


و لعل المراد بالسراب في الآية هو المعنى الثاني .


بيان ذلك : أن تسيير الجبال و دكها ينتهي بالطبع إلى تفرق أجزائها و زوال شكلها كما وقع في مواضع من كلامه تعالى عند وصف زلزلة الساعة و آثارها إذ قال : « و تسير الجبال سيرا » : الطور : 10 و قال : « و حملت الأرض و الجبال فدكتا دكة واحدة » : الحاقة : 14 ، و قال : « و كانت الجبال كثيبا مهيلا » : المزمل 14 ، و قال : « و تكون الجبال كالعهن المنفوش » : القارعة : 5 ، و قال : « و بست الجبال بسا » : الواقعة : 5 ، و قال : « و إذا الجبال نسفت » : المرسلات : 10 .


فتسيير الجبال و دكها ينتهي بها إلى بسها و نسفها و صيرورتها كثيبا مهيلا و كالعهن المنفوش كما ذكره الله تعالى و أما صيرورتها سرابا بمعنى ما يتوهم ماء لامعا فلا نسبة بين التسيير و بين السراب بهذا المعنى .


نعم ينتهي تسييرها إلى انعدامها و بطلان كينونتها و حقيقتها بمعنى كونها جبلا فالجبال الراسيات التي كانت ترى حقائق ذوات كينونة قوية لا تحركه العواصف تتبدل بالتسيير


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :167


سرابا باطلا لا حقيقة له ، و نظيره من كلامه تعالى قوله في أقوام أهلكهم و قطع دابرهم ، « فجعلناهم أحاديث » : سبأ : 19 و قوله : « فأتبعنا بعضهم بعضا و جعلناهم أحاديث » : المؤمنون : 44 ، و قوله في الأصنام « إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم » : النجم : 23 .


فالآية بوجه كقوله تعالى « و ترى الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب » : النمل : 88 - بناء على كونه ناظرا إلى صفة زلزلة الساعة - .


قوله تعالى : « إن جهنم كانت مرصادا » قال في المفردات ، : الرصد الاستعداد للترقب - إلى أن قال - و المرصد موضع الرصد قال تعالى : « و اقعدوا لهم كل مرصد » و المرصاد نحوه لكن يقال للمكان الذي اختص بالرصد قال تعالى : « إن جهنم كانت مرصادا » تنبيها على أن عليها مجاز الناس ، و على هذا قوله تعالى : « و إن منكم إلا واردها » انتهى .


قوله تعالى : « للطاغين مآبا » الطاغون الملتبسون بالطغيان و هو الخروج عن الحد ، و المآب اسم مكان من الأوب بمعنى الرجوع ، و العناية في عدها مآبا للطاغينأنهم هيئوها مأوى لأنفسهم و هم في الدنيا ثم إذا انقطعوا عن الدنيا آبوا و رجعوا إليها .


قوله تعالى : « لابثين فيها أحقابا » الأحقاب الأزمنة الكثيرة و الدهور الطويلة من غير تحديد .


و هو جمع اختلفوا في واحده فقيل : واحده حقب بالضم فالسكون أو بضمتين ، و قد وقع في قوله تعالى : « أو أمضي حقبا » : الكهف : 60 ، و قيل : حقب بالفتح فالسكون و واحد الحقب حقبة بالكسر فالسكون قال الراغب : و الحق أن الحقبة مدة من الزمان مبهمة .


انتهى .


و حد بعضهم الحقب بثمانين سنة أو ببضع و ثمانين سنة و زاد آخرون أن السنة منها ثلاثمائة و ستون يوما كل يوم يعدل ألف سنة ، و عن بعضهم أن الحقب أربعون سنة و عن آخرين أنه سبعون ألف سنة إلى غير ذلك و لا دليل من الكتاب يدل على شي‏ء من هذه التحديدات و لم يثبت من اللغة شي‏ء منها .


و ظاهر الآية أن المراد بالطاغين المعاندون من الكفار و يؤيده قوله ذيلا : « إنهم كانوا لا يرجون حسابا و كذبوا بآياتنا كذابا » .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :168


و قد فسروا « أحقابا » في الآية بالحقب بعد الحقب فالمعنى حال كون الطاغين لابثين في جهنم حقبا بعد حقب بلا تحديد و لا نهاية فلا تنافي الآية ما نص عليه القرآن من خلود الكفار في النار .


و قيل : إن قوله : « لا يذوقون فيها » إلخ صفة « أحقابا » و المعنى لابثين فيها أحقابا هي على هذه الصفة و هي أنهم لا يذوقون فيها بردا و لا شرابا إلا حميما و غساقا ، ثم يكونون على غير هذه الصفة إلى غير النهاية .


و هو حسن لو ساعد السياق .


قوله تعالى : « لا يذوقون فيها بردا و لا شرابا » ظاهر المقابلة بين البرد و الشراب أن المراد بالبرد مطلق ما يتبرد به غير الشراب كالظل الذي يستراح إليه بالاستظلال فالمراد بالذوق مطلق النيل و المس .


قوله تعالى : « إلا حميما و غساقا » الحميم الماء الحار شديد الحر ، و الغساق صديد أهل النار .


قوله تعالى : « جزاء وفاقا - إلى قوله - كتابا » المصدر بمعنى اسم الفاعل و المعنى يجزون جزاء موافقا لما عملوا أو بتقدير مضاف أي جزاء ذا وفاق أو إطلاق الوفاق على الجزاء للمبالغة كزيد عدل .


و قوله : « إنهم كانوا لا يرجون حسابا و كذبوا بآياتنا كذابا » أي تكذيبا عجيبا يصرون عليه ، تعليل يوضح موافقة جزائهم لعملهم ، و ذلك أنهم لم يرجوا الحساب يوم الفصل فأيسوا من الحياة الآخرة و كذبوا بالآيات الدالة عليها فأنكروا التوحيد و النبوة و تعدوا في أعمالهم طور العبودية فنسوا الله تعالى فنسيهم و حرم عليهم سعادة الدار الآخرة فلم يبق لهم إلا الشقاء و لا يجدون فيها إلا ما يكرهون ، و لا يواجهون إلا ما يتعذبون به و هو قوله : « فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا » .


و في الآية أعني قوله : « جزاء وفاقا » دلالة على المطابقة التامة بين الجزاء و العمل فالإنسان لا يريد بعمله إلا الجزاء الذي بإزائه و التلبس بالجزاء تلبس بالعمل بالحقيقة قال تعالى : « يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون » : التحريم : 7 .


و قوله : « و كل شي‏ء أحصيناه كتابا » أي كل شي‏ء و منه الأعمال ضبطناه و بيناه في


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :169


كتاب جليل القدر فالآية في معنى قوله تعالى : « و كل شي‏ء أحصيناه في إمام مبين » : يس : 13 .


أو المراد و كل شي‏ء حفظناه حال كونه مكتوبا أي في اللوح المحفوظ أو في صحائف الأعمال ، و جوز أن يكون الإحصاء بمعنى الكتابة أو الكتاب بمعنى الإحصاء فإن الإحصاء و الكتابة يتشاركان في معنى الضبط و المعنى كل شي‏ء أحصيناه إحصاء أو كل شي‏ء كتبناه كتابا .


و الآية على أي حال متمم للتعليل السابق ، و المعنى الجزاء موافق لأعمالهم لأنهم كانوا على حال كذا و كذا و قد حفظناها عليهم فجزيناهم بها جزاء وفاقا .


قوله تعالى : « فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا » تفريع على ما تقدم من تفصيل عذابهم مسوق لإيئاسهم من أن يرجو نجاة من الشقوة و راحة ينالونها .


و الالتفات إلى خطابهم بقوله : « فذوقوا » تقدير لحضورهم ليخاطبوا بالتوبيخ و التقريع بلا واسطة .


و المراد بقوله : « فلن نزيدكم إلا عذابا » أن ما تذوقونه بعد عذاب ذقتموه عذاب آخر فهو عذاب بعد عذاب و عذاب على عذاب فلا تزالون يضاف عذاب جديد إلى عذابكم القديم فاقنطوا من أن تنالوا شيئا مما تطلبون و تحبون .


و الآية لا تخلو منظهور في كون المراد بقوله : « لابثين فيها أحقابا » الخلود دون الانقطاع .


قوله تعالى : « إن للمتقين مفازا - إلى قوله - كذابا » الفوز الظفر بالخير مع حصول السلامة - على ما قاله الراغب - ففيه معنى النجاة و التخلص من الشر و الحصول على الخير ، و المفاز مصدر ميمي أو اسم مكان من الفوز و الآية تحتمل الوجهين جميعا .


و قوله : « حدائق و أعنابا » الحدائق جمع حديقة و هي البستان المحوط ، و الأعناب جمع عنب و هو ثمر شجرة الكرم و ربما يطلق على نفس الشجرة .


و قوله : « و كواعب » جمع كاعب و هي الفتاة التي تكعب ثدياها و استدار مع ارتفاع يسير ، و الترائب جمع ترب و هي المماثلة لغيرها من اللذات .


و قوله : « و كأسا دهاقا » أي ممتلئة شرابا مصدر بمعنى اسم الفاعل .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :170


و قوله : « لا يسمعون فيها لغوا و لا كذابا » أي لا يسمعون في الجنة لغوا من القول لا يترتب عليه أثر مطلوب و لا تكذيبا من بعضهم لبعضهم فيما قال فقولهم حق له أثره المطلوب و صدق مطابق للواقع .


قوله تعالى : « جزاء من ربك عطاء حسابا » أي فعل بالمتقين ما فعل حال كونه جزاء من ربك عطية محسوبة فقوله : « جزاء » حال و كذا « عطاء » و « حسابا » بمعنى اسم المفعول صفة لعطاء ، و يحتمل أن يكون عطاء تمييزا أو مفعولا مطلقا .


قيل : إضافة الجزاء إلى الرب مضافا إلى ضميره (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) تشريف له ، و لم يضف جزاء الطاغين إليه تعالى تنزها منه تعالى فليس يغشاهم شر إلا من عند أنفسهم قال تعالى : « ذلك بما قدمت أيديكم و أن الله ليس بظلام للعبيد » : الأنفال : 51 .


و وقوع لفظ الحساب في ذيل جزاء الطاغين و المتقين معا لتثبيت ما يلوح إليه يوم الفصل الواقع في أول الكلام .


قوله تعالى : « رب السماوات و الأرض و ما بينهما الرحمن » بيان لقوله : «ربك » أريد به أن ربوبيته تعالى عامة لكل شي‏ء و أن الرب الذي يتخذه النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ربا و يدعو إليه رب كل شي‏ء لا كما كان يقول المشركون : إن لكل طائفة من الموجودات ربا و الله سبحانه رب الأرباب أو كما كان يقول بعضهم : أنه رب السماء .


و في توصيف الرب بالرحمن - صيغة مبالغة من الرحمة - إشارة إلى سعة رحمته و أنها سمة ربوبية لا يحرم منها شي‏ء إلا أن يمتنع منها شي‏ء بنفسه لقصوره و سوء اختياره فمن شقوة هؤلاء الطاغين أنهم حرموها على أنفسهم بالخروج عن طور العبودية .


قوله تعالى : « لا يملكون منهخطابا يوم يقوم الروح و الملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا » وقوع صدر الآية في سياق قوله : « رب السماوات و الأرض و ما بينهما الرحمن » - و شأن الربوبية هو التدبير و شأن الرحمانية بسط الرحمة - دليل على أن المراد بخطابه تعالى تكليمه في بعض ما فعل من الفعل بنحو السؤال عن السبب الداعي إلى الفعل كان يقال : لم فعلت هذا ؟ و لم لم تفعل كذا ؟ كما يسأل الفاعل منا عن فعله فتكون الجملة « لا يملكون منه خطابا » في معنى قوله تعالى : « لا يسأل عما يفعل و هم يسألون » : الأنبياء : 23 و قد تقدم الكلام في معنى الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :171


لكن وقوع قوله : « يوم يقوم الروح و الملائكة صفا » بعد قوله : « لا يملكون منه خطابا » الظاهر في اختصاص عدم الملك بيوم الفصل مضافا إلى وقوعه في سياق تفصيل جزاء الطاغين و المتقين منه تعالى يوم الفصل يعطي أن يكون المراد به أنهم لا يملكون أن يخاطبوه فيما يقضي و يفعل بهم باعتراض عليه أو شفاعة فيهم لكن الملائكة - و هم ممن لا يملكون منه خطابا - منزهون عن وصمة الاعتراض عليه تعالى و قد قال فيهم : « عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون » : الأنبياء : 27 و كذلك الروح الذي هو كلمته و قوله ، و قوله حق ، و هو تعالى الحق المبين و الحق لا يعارض الحق و لا يناقضه .


و من هنا يظهر أن المراد بالخطاب الذي لا يملكونه هو الشفاعة و ما يجري مجراها من وسائل التخلص من الشر كالعدل و البيع و الخلة و الدعاء و السؤال قال تعالى : « من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه و لا خلة و لا شفاعة » : البقرة : 254 ، و قال : « و لا يقبل منها عدل و لا تنفعها شفاعة » : البقرة : 123 ، و قال : « يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه » : هود : 105 .


و بالجملة قوله : « لا يملكون منه خطابا » ضمير الفاعل في « لا يملكون » لجميع المجموعين ليوم الفصل من الملائكة و الروح و الإنس و الجن كما هو المناسب للسياق الحاكي عن ظهور العظمة و الكبرياء دون خصوص الملائكة و الروح لعدم سبق الذكر و دون خصوص الطاغين كما قيل لكثرة الفصل ، و المراد بالخطاب الشفاعة و ما يجري مجراها كما تقدم .


و قوله : « يوم يقوم الروح و الملائكة صفا » ظرف لقوله : « لا يملكون » و قيل : لقوله : « لا يتكلمون » و هو بعيد مع صلاحية ظرفيته لما سبقه .


و المراد بالروح المخلوق الأمري الذي يشير إليه قوله تعالى : « قل الروح من أمر ربي » : إسراء : 85 .


و قيل : المراد به أشراف الملائكة ، و قيل حفظة الملائكة و قيل : ملك موكل على الأرواح .


و لا دليل على شي‏ء من هذه الأقوال .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :172


و قيل : المراد به جبريل ، و قيل : أرواح الناس و قيامها مع الملائكة صفا إنما هو بين النفختين قبل أن تلج الأجساد ، و قيل : القرآن و المراد من قيامه ظهور آثاره يومئذ من سعادة المؤمنين به و شقاوة الكافرين .


و يدفعها أن هذه الثلاثة و إن أطلق على كل منها الروح في كلامه تعالى لكنه مع التقييد كقوله : « و نفخت فيه من روحي » : الحجر : 29 ، و قوله : « نزل به الروح الأمين » : الشعراء : 193 ، و قوله : « قل نزله روح القدس » : النحل : 102 ، و قوله : « فأرسلنا إليها روحنا » : مريم : 17 ، و قوله : « و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا » : الشورى : 52 و الروح في الآية التي نحن فيها مطلق ، على أن في القولين الأخيرين تحكما ظاهرا .


و « صفا » حال من الروح و الملائكة و هو مصدر أريد به اسم الفاعل أي حال كونهم صافين ، و ربما استفيد من مقابلة الروح للملائكة أن الروح وحده صف و الملائكة جميعا صف .


و قوله : « لا يتكلمون » بيان لقوله : « لا يملكون منه خطابا » و ضمير الفاعل لأهل الجمع من الروح و الملائكة و الإنس و الجن على ما يفيده السياق .


و قيل : الضمير للروح و الملائكة ، و قيل : للناس و وقوع « لا يملكون » بما مر من معناه و « لا يتكلمون » في سياق واحد لا يلائم شيئا من القولين .


و قوله : « إلا من أذن له الرحمن » بدل من ضمير الفاعل في « لا يتكلمون » أريد به بيان من له أن يتكلم منهم يومئذ بإذن الله فالجملة في معنى قوله : « يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه » : هود : 105 على ظاهر إطلاقه .


و قوله : « و قال صوابا » أي قال قولا صوابا لا يشوبه خطأ و هو الحق الذي لا يداخله باطل ، و الجملة في الحقيقة قيد للإذن كأنه قيل : إلا من أذن له الرحمن و لا يأذن إلا لمن قال صوابا فالآية في معنى قوله تعالى : « و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق و هم يعلمون » : الزخرف : 86 .


و قيل : « إلا من أذن » إلخ استثناء ممن يتكلم فيه و المراد بالصواب التوحيد و قول لا إله إلا الله و المعنى لا يتكلمون في حق أحد إلا في حق شخص أذن له الرحمن و قال


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :173


ذلك الشخص في الدنيا صوابا أي أقر بالوحدانية و شهد أن لا إله إلا الله فالآية في معنى قوله تعالى : « و لا يشفعون إلا لمن ارتضى » : الأنبياء : 28 .


و يدفعه أن العناية الكلامية في المقام متعلقة بنفي أصل الخطاب و التكلم يومئذ من كل متكلم لا بنفي التكلم في كل أحد مع تسليم جواز أصل التكلم فالمستثنون هم المتكلمون المأذون لهم في أصل التكلم من دون تعرض لمن يتكلم فيه .


كلام فيما هو الروح في القرآن


تكررت كلمة الروح - و المتبادر منه ما هو مبدأ الحياة - في كلامه تعالى و لم يقصرها في الإنسان أو في الإنسان و الحيوان فحسب بل أثبتها في غيرهما كما في قوله : « فأرسلنا إليها روحنا » : مريم : 17 ، و قوله : « و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا » : الشورى : 52 إلى غير ذلك فللروح مصداق في الإنسان و مصداق في غيره .


و الذي يصلح أن يكون معرفا لها في كلامه تعالى ما في قوله : « يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي » : إسراء : 85 حيث أطلقها إطلاقا و ذكر معرفا لها أنها من أمره و قد عرف أمره بقوله : « إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شي‏ء » : يس : 83 فبين أنه كلمة الإيجاد التي هي الوجود من حيث انتسابه إليه تعالى و قيامه به لا من حيث انتسابه إلى العلل و الأسباب الظاهرية .


و بهذه العناية عد المسيح (عليه‏السلام‏) كلمة له و روحا منه إذ قال : « و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه » : النساء : 171 لما وهبه لمريم (عليهاالسلام‏) من غير الطرق العادية و يقرب منه في العناية قوله تعالى : « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون » : آل عمران : 59 .


و هو تعالى و إن ذكرها في أغلب كلامه بالإضافة و التقيد كقوله : « و نفخت فيه من روحي » : الحجر 29 ، و قوله : « و نفخ فيه من روحه » : السجدة : 9 ، و قوله : « فأرسلنا إليها روحنا » : مريم : 17 ، و قوله : « و روح منه » : النساء : 171 و قوله : « و أيدناه بروح القدس » : البقرة 87 إلى غير ذلك إلا أنه أوردها في بعض كلامه مطلقة من غير تقييد كقوله : « تنزل الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم من كل أمر » : القدر :


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :174


4 و ظاهر الآية أنها موجود مستقل و خلق سماوي غير الملائكة ، و نظير الآية بوجه قوله تعالى : « تعرج الملائكة و الروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة » : المعارج : 4 .


و أما الروح المتعلقة بالإنسان فقد عبر عنها بمثل قوله : « و نفخت فيه من روحي » « و نفخ فيه من روحه » و أتي بكلمة « من » الدالةعلى المبدئية و سماه نفخا و عبر عن الروح التي خصها بالمؤمنين بمثل قوله : « و أيدهم بروح منه » : المجادلة : 22 فأتى بالباء الدالة على السببية و سماه تأييدا و تقوية ، و عبر عن الروح التي خصها بالأنبياء بمثل قوله : « و أيدناه بروح القدس » : البقرة : 87 فأضاف الروح إلى القدس و هو النزاهة و الطهارة و سماه أيضا تأييدا .


و بانضمام هذه الآيات إلى مثل آية سورة القدر يظهر أن نسبة الروح المضافة التي في هذه الآيات إلى الروح المطلقة المذكورة في سورة القدر نسبة الإفاضة إلى المفيض و الظل إلى ذي الظل بإذن الله .


و كذلكالروح المتعلقة بالملائكة من إفاضات الروح بإذن الله ، و إنما لم يعبر في روح الملك بالنفخ و التأييد كالإنسان بل سماه روحا كما في قوله تعالى : « فأرسلنا إليها روحنا » ، و قوله : « قل نزله روح القدس » : النحل : 102 ، و قوله : « نزل به الروح الأمين » : الشعراء : 193 لأن الملائكة أرواح محضة على اختلاف مراتبهم في القرب و البعد من ربهم ، و ما يتراءى من الأجسام لهم تمثلات كما يشير إليه قوله تعالى : « فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا » : مريم : 17 و قد تقدم الكلام في معنى التمثل في ذيل الآية بخلاف الإنسان المخلوق مؤلفا من جسم ميت و روح حية فيناسبه التعبير بالنفخ كما في قوله « فإذا سويته و نفخت فيه من روحي » : الحجر : 29 .


و كما أوجب اختلاف الروح في خلق الملك و الإنسان اختلاف التعبير بالنفخ و عدمه كذلك اختلاف الروح من حيث أثرها و هو الحياة شرفا و خسة أوجب اختلاف التعبير بالنفخ و التأييد و عد الروح ذات مراتب مختلفة باختلاف أثر الحياة .


فمن الروح الروح المنفوخة في الإنسان قال : « و نفخت فيه من روحي » .


و من الروح الروح المؤيد بها المؤمن قال : « أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه » : المجادلة : 22 وهي أشرف وجودا و أعلى مرتبة و أقوى أثرا من الروح


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :175


الإنسانية العامة كما يفيده قوله تعالى و هو في معنى هذه الآية : « أ و من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها » : الأنعام : 122 فقد عد المؤمن حيا ذا نور يمشي به و هو أثر الروح و الكافر ميتا و هو ذو روح منفوخة فللمؤمن روح ليست للكافر ذات أثر ليس فيه .


و من ذلك يظهر أن من مراتب الروح ما هو في النبات لما فيه من أثر الحياة يدل على ذلك الآيات المتضمنة لإحياء الأرض بعد موتها .


و من الروح الروح المؤيد بها الأنبياء قال : « و أيدناه بروح القدس » : البقرة 87 و سياق الآيات يدل على كون هذه الروح أشرف و أعلى مرتبة من غيرها مما في الإنسان .


و أما قوله : « يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق » : المؤمن : 15 ، و قوله : « و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا » : الشورى 52 فيقبل الانطباق على روح الإيمان و على روح القدس و الله أعلم .


و قد تقدم بعض ما ينفع من الكلام في المقام في ذيل هذه الآيات الكريمة .


قوله تعالى : « ذلك اليوم الحق » إشارة إلى يوم الفصل المذكورفي السورة الموصوف بما مر من الأوصاف و هو في الحقيقة خاتمة الكلام المنعطفة إلى فاتحة السورة و ما بعده أعني قوله : « فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا » إلخ فضل تفريع على البيان السابق .


و الإشارة إليه بالإشارة البعيدة للدلالة على فخامة أمره و المراد بكونه حقا ثبوته حتما مقضيا لا يتخلف عن الوقوع .


قوله تعالى : « فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا » أي مرجعا إلى ربه ينال به ثواب المتقين و ينجو به من عذاب الطاغين ، و الجملة كما أشرنا إليه تفريع على ما تقدم من الإخبار بيوم الفصل و الاحتجاج عليه و وصفه ، و المعنى إذا كان كذلك فمن شاء الرجوع إلى ربه فليرجع .


قوله تعالى : « إنا أنذرناكم عذابا قريبا » إلخ المراد به عذاب الآخرة ، و كونه قريبا لكونه حقا لا ريب في إتيانه و كل ما هو آت قريب .


على أن الأعمال التي سيجزي بها الإنسان هي معه أقرب ما يكون منه .


و قوله : « يوم ينظر المرء ما قدمت يداه » أي ينتظر المرء جزاء أعماله التي قدمتها يداه بالاكتساب ، و قيل : المعنى ينظر المرء إلى ما قدمت يداه من الأعمال لحضورها عنده قال


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :176


تعالى : « يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء » : آل عمران : 30 .


و قوله : « و يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا » أي يتمنى من شدة اليوم أن لو كان ترابا فاقدا للشعور و الإرادة فلم يعمل و لم يجز .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : و قوله : « و فتحت السماء فكانت أبوابا » قال : تفتح أبواب الجنان ، و قوله : « و سيرت الجبال فكانت سرابا » قال : تصير الجبال مثل السراب الذي يلمع في المفازة .


و فيه ، : و قوله : « لابثين فيها أحقابا » قال : الأحقاب السنين و الحقب سنة و السنة عددها ثلاثمائة و ستون يوما و اليوم كألف سنة مما تعدون .


و في المجمع ، روى نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا و الحقب بضع و ستون سنة و السنة ثلاثمائة و ستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون فلا يتكلن أحد على أن يخرج من النار .


أقول : و أورد الرواية في الدر المنثور ، و فيها ثمانون مكان ستون و لفظ آخرها ، قال ابن عمر : فلا يتكلن أحد إلخ ، و أورد أيضا رواية أخرى عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) : أن الحقب أربعون سنة .


و فيه ، و روى العياشي بإسناده عن حمران قال : سألت أبا جعفر (عليه‏السلام‏) عن هذه الآية فقال : هذه في الذين يخرجون من النار : ، و روي عن الأحول مثله .


و في تفسير القمي ، : و قوله : « إن للمتقين مفازا » قال : يفوزون ، قوله « و كواعب أترابا » قال : جوار و أتراب لأهل الجنة ، و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) قال في قوله : « إن للمتقين مفازا » قال : هي الكرامات « و كواعب أترابا » أي الفتيات النواهد .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم و أبو الشيخ في العظمة و ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال : الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رءوس و أيد و أرجل ثم قرأ : « يوم يقوم الروح و الملائكة صفا » قال : هؤلاء جند و هؤلاء جند .


أقول : و قد تقدمت الرواية في ذيل الآيات المشتملة على الروح عن أئمة أهل البيت (عليهم‏السلام‏) أن الروح خلق أعظم من جبرائيل و ميكائيل ، و تقدمت الرواية أيضا عن علي (عليه‏السلام‏) : أن الروح غير الملائكة و استدل (عليه‏السلام‏) عليه بقوله تعالى : « ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده » الآية .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :177


نعم في رواية القمي عن حمران أنه ملك أعظم من جبرائيل و ميكائيل و كان مع رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) و هو مع الأئمة (عليهم‏السلام‏) ، و لعل المراد بالملك مطلق الموجود السماوي أو هو من وهم بعض الرواة في النقل بالمعنى و لا دليل على انحصار الموجودات الأمرية السماوية في الملائكة بل الدليل على خلافه كما يستفاد من قوله تعالى لإبليس حين أبى عن السجود لآدم و قد سجد له الملائكة كلهم أجمعون : « يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين » : ص : 75 و قد تقدمت الإشارة إلى ذلك في تفسير الآية .


و في أصول الكافي ، بإسناده عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي (عليه‏السلام‏) قالقلت : « يوم يقوم الروح و الملائكة صفا لا يتكلمون » الآية قال نحن و الله المأذون لهم يوم القيامة و القائلون صوابا . قلت : ما تقولون إذا تكلمتم ؟ قال : نمجد ربنا و نصلي على نبينا و نشفع لشيعتنا و لا يردنا ربنا الحديث : . أقول : و رواه في المجمع ، عن العياشي مرفوعا عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) .


و الرواية من قبيل ذكر بعض المصاديق فهناك شفعاء أخر من الملائكة و الأنبياء و المؤمنين مأذون لهم في التكلم ، و هناك شهداء من الأمم مأذون لهم في التكلم على ما ينص عليه القرآن و الحديث

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :