امروز:
شنبه 1 مهر 1396
بازدید :
638
تفسيرالميزان : سوره تكوير آيات 29- 1


82-سورة التكوير مكية و هي تسع و عشرون آية 29


سورة التكوير


بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشمْس كُوِّرَت‏(1) وَ إِذَا النُّجُومُ انكَدَرَت‏(2) وَ إِذَا الجِْبَالُ سيرَت‏(3) وَ إِذَا الْعِشارُ عُطلَت‏(4) وَ إِذَا الْوُحُوش حُشِرَت‏(5) وَ إِذَا الْبِحَارُ سجِّرَت‏(6) وَ إِذَا النُّفُوس زُوِّجَت‏(7) وَ إِذَا الْمَوْءُدَةُ سئلَت‏(8) بِأَى ذَنبٍ قُتِلَت‏(9) وَ إِذَا الصحُف نُشِرَت‏(10) وَ إِذَا السمَاءُ كُشِطت‏(11) وَ إِذَا الجَْحِيمُ سعِّرَت‏(12) وَ إِذَا الجَْنَّةُ أُزْلِفَت‏(13) عَلِمَت نَفْسٌ مَّا أَحْضرَت‏(14)



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :213


بيان


تذكر السورة يوم القيامة بذكر بعض أشراطها و ما يقع فيها و تصفه بأنه يوم ينكشف فيه للإنسان ما عمله من عمل ثم تصف القرآن بأنه مما ألقاه إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) رسول سماوي و هو ملك الوحي و ليس بإلقاء شيطاني و لا أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مجنون يمسه الشيطان .


و يشبه أن تكون السورة من السور العتائق النازلة في أوائل البعثة كما يشهد به ما فيها من تنزيهه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) مما رموه به من الجنون و قد اتهموه به في أوائل الدعوة و قد اشتملت على تنزيهه منه سورة « ن » و هي من العتائق .


و السورة مكية بلا كلام .


قوله تعالى : « إذا الشمس كورت » التكوير اللف على طريق الإدارة كلف العمامة على الرأس ، و لعل المراد بتكوير الشمس انظلام جرمها على نحو الإحاطة استعارة .


قوله تعالى : « و إذا النجوم انكدرت » انكدار الطائر من الهواء انقضاضه نحو الأرض ، و عليه فالمراد سقوط النجوم كما يفيده قوله : « و إذا الكواكب انتثرت » : الانفطار : 2 و يمكن أن يكون من الانكدار بمعنى التغير و قبول الكدورة فيكون المراد به ذهاب ضوئها .


قوله تعالى : « و إذا الجبال سيرت » بما يصيبها من زلزلة الساعة من التسيير فتندك و تكون هباء منبثا و تصير سرابا على ما ذكره سبحانه في مواضع من كلامه .


قوله تعالى : «و إذا العشار عطلت » قيل : « العشار جمع عشراء كالنفاس جمع نفساء و هي الناقة الحامل التي أتت عليها عشرة أشهر فتسمى عشراء حتى تضع حملها و ربما سميت عشراء بعد الوضع أيضا و هي من أنفس المال عند العرب .


و تعطيل العشار تركها مهملة لا راعي لها و لا حافظ يحفظها و كان في الجملة إشارة على نحو الكناية إلى أن نفائس الأموال التي يتنافس فيها الإنسان تبقى اليوم و لا صاحب لها يتملكها و يتصرف فيها لأنهم مشغولون بأنفسهم عن كل شي‏ء كما قال : « لكل امرى‏ء منهم يومئذ شأن يغنيه » : عبس : 37 .


قوله تعالى : « و إذا الوحوش حشرت » الوحوش جمع وحش و هو من الحيوان ما لا يتأنس بالإنسان كالسباع و غيرها .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :214


و ظاهر الآية من حيث وقوعها في سياق الآيات الواصفة ليوم القيامة أن الوحوش محشورة كالإنسان ، و يؤيده قوله تعالى : « و ما من دابة في الأرض و لا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شي‏ء ثم إلى ربهم يحشرون » : الأنعام : 38 .


و أما تفصيل حالها بعد الحشر و ما يئول إليه أمرها فلم يرد في كلامه تعالى و لا فيما يعتمد عليه من الأخبار ما يكشف عن ذلك نعم ربما استفيد من قوله في آية الأنعام : « أمم أمثالكم » و قوله : « ما فرطنا في الكتاب من شي‏ء » بعض ما يتضح به الحال في الجملة لا يخفى على الناقد المتدبر ، و ربما قيل : إن حشر الوحوش من أشراط الساعة لا مما يقع يوم القيامة و المراد به خروجها من غاباتها و أكنانها .


قوله تعالى : « و إذا البحار سجرت » فسر التسجير بإضرام النار و فسر بالملإ و المعنى على الأول و إذا البحار أضرمت نارا ، و على الثاني و إذا البحار ملئت .


قوله تعالى : « و إذا النفوس زوجت » أما نفوس السعداء فبنساء الجنة قال تعالى : « لهم فيها أزواج مطهرة » : النساء : 57 ، و قال : « و زوجناهم بحور عين » : الدخان : 54 و أما نفوس الأشقياء فبقرناء الشياطين قال تعالى : « احشروا الذين ظلموا و أزواجهم و ما كانوا يعبدون » : الصافات : 22 و قال : « و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين » : الزخرف : 36 .


قوله تعالى : « و إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت » الموءودة البنت التي تدفن حية و كانت العرب تئد البنات خوفا من لحوق العار بهم من أجلهن كما يشير إليه قوله تعالى : « و إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا و هو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أ يمسكه على هون أم يدسه في التراب » : النحل : 59 .


و المسئول بالحقيقة عن قتل الموءودة أبوها الوائد لها لينتصف منه و ينتقم لكن عد المسئول في الآية هي الموءودة نفسها فسئلت عن سبب قتلها لنوع من التعريض و التوبيخ لقاتلها و توطئة لأن تسأل الله الانتصاف لها من قاتلها حتى يسأل عن قتلها فيؤخذ لها منه ، فالكلام نظير قوله تعالى في عيسى (عليه‏السلام‏) : « و إذ قال الله يا عيسى بن مريم أ أنت قلت للناس اتخذوني و أمي إلهين من دون الله » : المائدة : 116 .


و قيل : إسناد المسئولية إلى الموءودة من المجاز العقلي و المراد كونها مسئولا عنها نظير قوله تعالى : « إن العهد كان مسئولا » : إسراء : 34 .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :215


قوله تعالى : « و إذا الصحف نشرت » أي للحساب ، و الصحف كتب الأعمال .


قوله تعالى : « و إذا السماء كشطت » في المجمع ، الكشط القلع عن شدة التزاق فينطبق على طيها كما في قوله : « و السماوات مطويات بيمينه » : الزمر : 67 ، و قوله : « و يوم تشقق السماء بالغمام و نزل الملائكة تنزيلا » : الفرقان : 25 و غير ذلك من الآيات المفصحة عن هذا المعنى .


قوله تعالى : « و إذا الجحيم سعرت » التسعير تهييج النار حتى تتأجج .


قوله تعالى : «و إذا الجنة أزلفت » الإزلاف التقريب و المراد تقريبها من أهلها للدخول .


قوله تعالى : « علمت نفس ما أحضرت » جواب إذا ، و المراد بالنفس الجنس و المراد بما أحضرت عملها الذي عملته يقال : أحضرت الشي‏ء أي وجدته حاضرا كما يقال : أحمدته أي وجدته محمودا .


فالآية في معنى قوله تعالى : « يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء » : آل عمران : 30 .


بحث روائي


في تفسير القمي ، : « إذا الشمس كورت » قال : تصير سوداء مظلمة « و إذا النجوم انكدرت » قال : يذهب ضوؤها « و إذا الجبال سيرت » قال : تسير كماقال « تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب » . قوله : « و إذا العشار عطلت » قال الإبل تتعطل إذا مات الخلق فلا يكون من يحلبها ، قوله : « و إذا البحار سجرت » قال : تتحول البحار التي حول الدنيا كلها نيرانا « و إذا النفوس زوجت » قال : من الحور العين .


و فيه ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه‏السلام‏) في قوله : « و إذا النفوس زوجت » قال : أما أهل الجنة فزوجوا الخيرات الحسان ، و أما أهل النار فمع كل إنسان منهم شيطان يعني قرنت نفوس الكافرين و المنافقين بالشياطين فهم قرناؤهم .


أقول : الظاهر أن قوله : يعني « إلخ » من كلام الراوي .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم و الديلمي عن أبي مريم أن النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) قال في قوله : « إذا الشمس كورت » قال : كورت في جهنم « و إذا النجوم انكدرت » قال : انكدرت في جهنم ، و كل من عبد من دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى بن مريم و أمه و لو


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :216


رضيا أن يعبدا لدخلاها .


و في تفسير القمي ، : في قوله تعالى : « و إذا الصحف نشرت » قال : صحف الأعمال قوله : « و إذا السماء كشطت » قال : أبطلت .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) يقول : « و إذا النفوس زوجت » قال : هما الرجلان يعملان العمل يدخلان الجنة و النار .


فَلا أُقْسِمُ بِالخُْنَّسِ‏(15) الجَْوَارِ الْكُنَّسِ‏(16) وَ الَّيْلِ إِذَا عَسعَس‏(17) وَ الصبْح إِذَا تَنَفَّس‏(18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسولٍ كَرِيمٍ‏(19) ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ‏(20) مُّطاعٍ ثمَّ أَمِينٍ‏(21) وَ مَا صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ‏(22) وَ لَقَدْ رَءَاهُ بِالأُفُقِ المُْبِينِ‏(23) وَ مَا هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِضنِينٍ‏(24) وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شيْطنٍ رَّجِيمٍ‏(25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ‏(26) إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَلَمِينَ‏(27) لِمَن شاءَ مِنكُمْ أَن يَستَقِيمَ‏(28) وَ مَا تَشاءُونَ إِلا أَن يَشاءَ اللَّهُ رَب الْعَلَمِينَ‏(29)


بيان


تنزيه للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من الجنون - و قد اتهموه به - و لما يأتي به - من القرآن - من مداخلة الشيطان ، و أنه كلامه تعالى يلقيه إليه ملك الوحي الذي لا يخون في رسالته ، و أنه ذكر للعالمين هاد بإذن الله لمن اهتدى منهم .


قوله تعالى : « فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس » الخنس جمع خانس كطلب جمع طالب ، و الخنوس الانقباض و التأخر و الاستتار ، و الجواري جمع جارية ، و الجري السير السريع مستعار من جرى الماء ، و الكنس جمع كانس و الكنوس دخول الوحش كالظبي


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :217


و الطير كناسة أي بيته الذي اتخذه لنفسه و استقراره فيه .


و تعقب قوله : « فلا أقسم بالخنس » إلخ بقوله : « و الليل إذا عسعس و الصبح إذا تنفس » يؤيد كون المراد بالخنس الجوار الكنس الكواكب كلها أو بعضها لكن صفات حركة بعضها أشد مناسبة و أوضح انطباقا على ما ذكر من الصفات المقسم بها : الخنوس و الجري و الكنوسو هي السيارات الخمس المتحيرة : زحل و المشتري و المريخ و الزهرة و عطارد فإن لها في حركاتها على ما تشاهد استقامة و رجعة و إقامة فهي تسير و تجري حركة متشابهة زمانا و هي الاستقامة و تنقبض و تتأخر و تخنس زمانا و هي الرجعة و تقف عن الحركة استقامة و رجعة زمانا كأنها الوحش تكنس في كناسها و هي الإقامة .


و قيل : المراد بها مطلق الكواكب و خنوسها استتارها في النهار تحت ضوء الشمس و جريها سيرها المشهود في الليل و كنوسها غروبها في مغربها و تواريها .


و قيل : المراد بها بقر الوحش أو الظبي و لا يبعد أن يكون ذكر بقر الوحش أو الظبي من باب المثال و المراد مطلق الوحوش .


و كيف كان فأقرب الأقوال أولها و الثاني بعيد و الثالث أبعد .


قوله تعالى : « و الليل إذا عسعس » عطف على الخنس ، و « إذا عسعس » قيد لليل ، و العسعسة تطلق على إقبال الليل و على إدباره قال الراغب : « و الليل إذا عسعس » أي أقبل و أدبر و ذلك في مبدإ الليل و منتهاه فالعسعسة و العساس رقة الظلام و ذلك في طرفي الليل .


انتهى و الأنسب لاتصال الجملة بقوله : « و الصبح إذا تنفس » أن يراد بها إدبار الليل .


و قيل : المراد بها إقبال الليل : و هو بعيد لما عرفت .


قوله تعالى : « و الصبح إذا تنفس » عطف على الخنس ، و « إذا تنفس » قيد للصبح ، و عد الصبح متنفسا بسبب انبساط ضوئه على الأفق و دفعه الظلمة التي غشيته نوع من الاستعارة بتشبيه الصبح و قد طلع بعد غشيان الظلام للآفاق بمن أحاطت به متاعب أعمال شاقة ثم وجد خلاء من الزمان فاستراح فيه و تنفس فعد إضاءته للأفق تنفسا منه كذا يستفاد من بعضهم .


و ذكر الزمخشري فيه وجها آخر فقال في الكشاف ، : فإن قلت : ما معنى تنفس الصبح ؟ قلت : إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح و نسيم فجعل ذلك نفسا له على المجاز .


انتهى و الوجه المتقدم أقرب إلى الذهن .



الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :218


قوله تعالى : « إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين » جواب القسم ، و ضمير « إنه » للقرآن أو لما تقدم من آيات السورة بما أنها قرآن بدليل قوله : « لقول رسول » إلخ و المراد بالرسول جبريل كما قال تعالى : « من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله » : البقرة : 97 .


و في إضافة القول إليه بما أنه رسول دلالة على أن القول لله سبحانه ، و نسبته إلى جبريل نسبة الرسالة إلى الرسول و قد وصفه الله بصفات ست مدحه بها .


فقوله : « رسول » يدل على رسالته و إلقائه وحي القرآن إلى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و قوله : « كريم » أي ذي كرامة و عزة عند الله بإعزازه ، و قوله : « ذي قوة » أي ذي قدرة و شدة بالغة ، و قوله : « عند ذي العرش مكين » أي صاحب مكانة عند الله و المكانة القرب و المنزلة ، و قوله : « مطاع ثم » أي مطاع عند الله فهناك ملائكة يأمرهم فيطيعونه ، و من هنا يظهر أن له أعوانا من الملائكة يأمرهم فيأتمرون بأمره ، و قوله : « أمين » أي لا يخون فيما أمر به يبلغ ما حمله من الوحي و الرسالة من غير أي تصرف فيه .


و قيل : المراد بالرسول الجاري عليه الصفات هو النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و هو كما ترى و لا تلائمه الآيات التالية .


قوله تعالى : « و ما صاحبكم بمجنون » عطف على قوله : « إنه لقول » إلخ ورد لرميهم له (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بالجنون .


و في التعبير عنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) بقوله : « صاحبكم » تكذيب لهم في رميهم له بالجنون و تنزيه لساحته - كما قيل - ففيه إيماء إلى أنه صاحبكم لبث بينكم معاشرا لكم طول عمره و أنتم أعرف به قد وجدتموه على كمال من العقل و رزانة من الرأي و صدق من القول و من هذه صفته لا يرمى بالجنون .


و توصيف جبريل بما مر من صفات المدح دون النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لا دلالة فيه على أفضليته من النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لأن الكلام مسوق لبيان أن القرآن كلام الله سبحانه منزل على النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) من عنده سبحانه من طريق الوحي لا من أوهام الجنون بإلقاء من شيطان و الذي يفيد في هذا الغرض بيان سلامة طريق الإنزال و تجليل المنزل - اسم فاعل - بذكر أوصافه الكريمة و المبالغة في تنزيهه عن الخطإ و الخيانة ، و أما المنزل عليه فلا يتعلق به غرض إلا بمقدار الإشارة إلى دفع ما يرتاب فيه من صفته و قد أفيد بنفي الجنون الذي رموه به


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :219


و التعبير عنه بقوله : « صاحبكم » كما تقدم توضيحه ، كذا قيل .


و في مطاوي كلامه تعالى من نعوت النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) الكريمة ما لا يرتاب معه في أفضليته (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) على جميع الملائكة ، و قد أسجد الله الملائكة كلهم أجمعين للإنسان الذي هو خليفته في الأرض .


قوله تعالى : « و لقد رآه بالأفق المبين » ضمير الفاعل في « رآه » للصاحب و ضمير المفعول للرسول الكريم و هو جبريل .


و الأفق المبين الناحية الظاهرة ، و الظاهرأنه الذي أشار إليه بقوله : « و هو بالأفق الأعلى » : النجم : 7 .


و المعنى و أقسم لقد رآى النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جبريل حال كون جبريل كائنا في الأفق المبين و هو الأفق الأعلى من سائر الآفاق بما يناسب عالم الملائكة .


و قيل : المعنى لقد رآى (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) جبريل على صورته الأصلية حيث تطلع الشمس و هو الأفق الأعلى من ناحية المشرق .


و فيه أن لا دليل من اللفظ يدل عليه و خاصة في تعلق الرؤية بصورته الأصلية و رؤيته في أي مثال تمثل به رؤيته ، و كأنه مأخوذ مما ورد في بعض الروايات أنه رآه في أول البعثة و هو بين السماء و الأرض جالس على كرسي ، و هو محمول على التمثل .


قوله تعالى : « و ما هو على الغيب بضنين » الضمير للنبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و المراد بالغيب الوحي النازل عليه ، و الضنين صفة مشبهة من الضن بمعنى البخل يعني أنه (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لا يبخل بشي‏ء مما يوحى إليه فلا يكتمه و لا يحبسه و لا يغيره بتبديل بعضه أو كله شيئا آخر بل يعلم الناس كما علمه الله و يبلغهم ما أمر بتبليغه .


قوله تعالى : « و ما هو بقول شيطان رجيم » نفي لاستناد القرآن إلى إلقاء شيطان بما هو أعم من طريق الجنون فإن الشيطان بمعنى الشرير و الشيطان الرجيم كما أطلق في كلامه تعالى على إبليس و ذريته كذلك أطلق على أشرار سائر الجن قال تعالى : « قال فاخرج منها فإنك رجيم » : ص : 77 ، و قال : « و حفظناها من كل شيطان رجيم » : الحجر : 17 .


فالمعنى أن القرآن ليس بتسويل من إبليس و جنوده و لا بإلقاء من أشرار الجن كما يلقونه على المجانين .


قوله تعالى : « فأين تذهبون » أوضح سبحانه في الآيات السبع المتقدمة ما هو الحق في


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :220


أمر القرآن دافعا عنه ارتيابهم فيه بما يرمون به الجائي به من الجنون و غيره على إيجاز متون الآيات فبين أولا أنه كلام الله و اتكاء هذه الحقيقة على آيات التحدي ، و ثانيا أن نزوله برسالة ملك سماوي جليل القدر عظيم المنزلة و هو أمين الوحي جبريل لا حاجز بينه و بين الله و لا بينه و بين النبي (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) ، و لا صارف من نفسه أو غيره يصرفه عن أخذه و لا حفظه و لا تبليغه ، و ثالثا أن الذي أنزل عليه و هو يتلوه لكم و هو صاحبكم الذي لا يخفى عليكم حاله ليس بمجنون كما يبهتونه به و قد رآى الملك الحامل للوحي و أخذ عنه و ليس بكاتم لما يوحى إليه و لا بمغير ، و رابعا أنه ليس بتسويل من إبليس و جنوده و لا بإلقاء من بعض أشرار الجن .


و نتيجة هذا البيان أن القرآن كتاب هدى يهتدي به من أراد الاستقامة على الحق و هو قوله : « إن هو إلا ذكر للعالمين » إلخ .


فقوله : « فأين تذهبون » توطئة و تمهيد لذكر نتيجة البيان السابق ، و هو استضلال لهم فيما يرونه في أمر القرآن الكريم أنه من طواري الجنون أو من تسويلات الشيطان الباطلة .


فالاستفهام في الآية توبيخي و المعنى إذا كان الأمر على هذا فأين تذهبون و تتركون الحق وراءكم ؟ قوله تعالى : « إن هو إلا ذكر للعالمين » أي تذكرة لجماعات الناس كائنين من كانوا يمكنهم بها أن يتبصروا للحق ، و قد تقدم بعض الكلام في نظيرة الآية .


قوله تعالى : « لمن شاء منكم أن يستقيم » بدل من قوله : « للعالمين » مسوق لبيان أن فعلية الانتفاع بهذا الذكر مشروط بأن يشاءوا الاستقامة على الحق و هو التلبس بالثبات على العبودية و الطاعة .


قوله تعالى : « و ما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين » تقدم الكلام في معناه في نظائر الآية .


و الآية بحسب ما يفيده السياق في معنى دفع الدخل فإن من الممكن أن يتوهموا من قوله : « لمن شاء منكم أن يستقيم » أن لهم الاستقلال في مشية الاستقامة إن شاءوا استقاموا و إن لم يشاءوا لم يستقيموا ، فلله إليهم حاجة في الاستقامة التي يريدها منهم .


فدفع ذلك بأن مشيتهم متوقفة على مشية الله سبحانه فلا يشاءون الاستقامة إلا أن يشاء الله أن يشاءوها ، فأفعال الإنسان الإرادية مرادة لله تعالى من طريق إرادته و هو أن


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :221


يريد الله أن يفعل الإنسان فعلا كذا و كذا عن إرادته .


بحث روائي


في الدر المنثور ، أخرج سعيد بن منصور و الفاريابي و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و الحاكم و صححه من طرق عن علي في قوله : « فلا أقسمبالخنس » قال : هي الكواكب تكنس بالليل و تخنس بالنهار فلا ترى .


و في تفسير القمي ، : في قوله : « فلا أقسم بالخنس » قال : أي و أقسم بالخنس و هو اسم النجوم . « الجوار الكنس » قال : النجوم تكنس بالنهار فلا تبين .


و في المجمع ، : « بالخنس » و هي النجوم تخنس بالنهار و تبدو بالليل « و الجوار » صفة لها لأنها تجري في أفلاكها « الكنس » من صفتها أيضا لأنها تكنس أي تتوارى في بروجها كما تتوارى الظباء في كناسها . و هي خمسة أنجم : زحل و المشتري و المريخ و الزهرة و عطارد عن علي « و الليل إذا عسعس » أي إذا أدبر بظلامه عن علي .


و في تفسير القمي ، : « و الليل إذا عسعس » قال : إذا أظلم « و الصبح إذا تنفس » قال : إذا ارتفع .


و في الدر المنثور ، أخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال : قال رسول الله (صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلّم‏) لجبريل : ما أحسن ما أثنى عليك ربك : ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين فما كانت قوتك ؟ و ما كانت أمانتك ؟ قال : أما قوتي فإني بعثت إلى مدائن لوط و هي أربع مدائن ، و في كل مدينة أربع مائة ألف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج و نباح الكلاب ثم هويت بهم فقتلتهم، و أما أمانتي فلم أومر بشي‏ء فعدوته إلى غيره .


أقول : و الرواية لا تخلو من شي‏ء و قد ضعفوا ابن عساكر و خاصة فيما تفرد به .


و في الخصال ، عن أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) قال : من قال في كل يوم من شعبان سبعين مرة : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الحي القيوم و أتوب إليه ، كتب في الأفق المبين . قال : قلت : و ما الأفق المبين ؟ قال : قاع بين يدي العرش فيه أنهار تطرد و فيه من القدحان عدد النجوم .


و في تفسير القمي ، في حديث أسنده إلى أبي عبد الله (عليه‏السلام‏) : قوله : و ما هو بقول شيطان


الميزان في تفسير القرآن ج : 20ص :222


رجيم » قال : يعني الكهنة الذين كانوا في قريش فنسب كلامهم إلى كلام الشياطين الذين كانوا معهم يتكلمون على ألسنتهم فقال : « و ما هو بقول شيطان رجيم » مثل أولئك

مطالب مرتبط :
* نام و نام خانوادگی :
* متن نظر :